بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أصل هذا الكتاب، رسالة علمية تقدم بها المؤلف لنيل درجة العالمية (الدكتوراه) في الحديث وعلومه، من كلية أصول الدين بالقاهرة جامعة الأزهر في عام ١٣٩٨ هـ الموافق عام ١٩٧٨ م
وقد تكونت لجنة المناقشة والحكم على الرسالة من كل من:
الأستاذ الدكتور/ موسى شاهين لاشين عميد كلية أصول الدين بالقاهرة (حينئذ مشرفا)
الأستاذ الدكتور/ محمد سيد طنطاوي - شيخ الأزهر حاليا، والأستاذ بكلية أصول الدين بأسيوط (حينئذ عضوا)
الأستاذ الدكتور/ أبو العلا علي أبو العلا ﵀ أستاذ الحديث وعلومه بكلية أصول الدين بالقاهرة - (حينئذ عضوا)
وقررت اللجنة بالإجماع منح المؤلف درجة العالمية (الدكتوراه) في الحديث وعلومه بمرتبة الشرف الأولى
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
في أهمية الموضوع ومنهج بحثه وصعوباته
الحمد لله رب العالمين حمدًا يوافي نعمه، ويدفع نقمه، ويكافئ مزيده والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ ، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وآتاه الكتاب ومثله معه، وكلّفه بأن يبين للناس ما نزل إليهم. فكان له ﷺ وحي متلو معجزا هو القرآن، ووحي غير متلو وهو السنة المطهرة التي بين بها قولا وعملاً وإقرارًا للناس ما نزل إليهم، وكان الوحي رائدًا له في كل ذلك.
ولولا السنة ما عرفنا عدد ركعات الصلاة ولا هيئاتها، ولا تحديد أوقاتها وكذا باقي تشريعات الإسلام في مختلف نواحي الحياة؛ حيث تعرض القرآن لها بالإجمال والإشارة وجعل البيان راجعًا إلى سنة الرسول ﷺ .
ومن هنا واكبت العناية بالسنة العناية بالقرآن الكريم منذ عصر الرسول ﷺ وحتى الآن.
ولقد امتن الله عليّ أثناء دراستي الجامعية بالاتجاه إلى التخصص في التفسير والحديث فدرست ما تيسر لي من علوم القرآن والسنة، فلما كانت مرحلة الدراسات العليا، أنعم الله عليّ بالتخصص بدراسة علوم السنة.
وحصلت بفضل الله تعالى على درجة التخصص «الماجستير» في الحديث وعلومه بتقدير «جيد جدًا».
стр. 3
ووقع اختياري بعد استخارة الله تعالى على أن يكون «الحافظ العراقي» هو موضوع الرسالة، وذلك لأني نظرت فوجدت من سبقني أو لحقني من الأساتذة والزملاء الأفاضل، قد عنوا بالكتابة إما عن شيوخ العراقي ومعاصريه كابن كثير والذهبي والمزي، وإما عن تلاميذه ومن بعده كابن حجر والسيوطي، أما العراقي فلم أجد من تناوله من قبلي بالدراسة المتخصصة، رغم أنه كما أثبت في هذا البحث كان رائد مدرسة السنة في عصره داخل مصر وخارجها، حتى انتشر تلاميذه وذاعت مؤلفاته منذ عصره، من الأندلس غرباً حتى بلاد الهند وفارس شرقاً.
* لهذا لقبه الغزي في «بهجة الناظرين» بحافظ الدنيا (١).
* وقال تلميذه ابن حجر في رثائه:
وَمِنْ سِتِّينَ عَامَاً لَمْ يُجَارَى … وَلَا طَمِعُ الْمُجَارِي فِي اللِّحَاقِ
* وقال أيضًا: إن الحافظ الكامل في المتأخرين بعد البيهقي شيخنا العراقي (٢).
* وقال السخاوي: إنه منقطع القرين في فنون الحديث وصناعته (٣).
كما عدّه السيوطي وغيره مجدد علوم السنة في القرن الثامن الهجري
* وقال السيوطي والذي أقوله: «إن المحدثين عيال الآن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي والذهبي والعراقي وابن حجر» (٤).
стр. 4
لهذا عقدتُ العزم بعد خيرة الله وسجلت الموضوع بعنوان:
الحافظ العراقي وأثره في السنة
وقسمته بعد هذه المقدمة إلى: أربعة أبواب وخاتمة وفهارس.
وخصصت الباب الأول «للسنة وعصر العراقي».
وقسمته إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تحقيق مفهوم السنة: ويتضمن بيان مفهومها في اللغة وَرَدُّ القول بأخذها من اليهودية، ثم بيان مفهومها في اصطلاح علمائها وردُّ القول بقصرها على أعمال الرسول ﷺ المنقولة عنه بالتواتر. ثم بيان مفهومها في اصطلاح الأصوليين والفقهاء والوُعَّاظ، والتمييز بين اصطلاح هؤلاء واصطلاح علماء السنة. ثم بيان الألفاظ المرادفة للسنة عند علمائها وإقرار العراقي لها.
القسم الثاني: بيان علوم السنة: ويتضمن بيان مفهوم علوم السنة عند المتقدمين والمتأخرين حتى عصر العراقي وتقسيمها إلى علوم رواية وعلوم ودراية ومشتملات كل منهما، ثم بيان مخالفة المتأخرين منذ عصر العراقي للمتقدمين في التقسيم الموضوعي لعلوم الرواية والدراية، وتعريفهم العلمي للرواية والدراية. وتسميتهم لكل منهما.
القسم الثالث: عصر العراقي ومكانة السنة فيه: وتناولت فيه بإيجاز، سياسة العصر وأحواله داخل وخارج مصر في عهد المماليك، وصلة العراقي
стр. 5
بذلك، وانتقلت إلى الحالة العلمية فتناولتها بإيجاز أيضًا مع التركيز على مكانة علوم السنة آنذاك وعوامل إزدهارها في مسرح حياة العراقي وهو مصر والشام والحجاز، وأثر ذلك في المساعدة على التكوين العلمي للعراقي، كما رددت القول بجمود الحالة العلمية والعلماء في ذلك العصر، وبينت بعض مظاهر العناية بالسنة حينذاك تعلما وتعليمًا وتأليفا، حتى شاركت فيها المرأة الرجل، كما شارك الأمراء والحكام. حتى كان من شيوخ العراقي وتلامذته بعض أمراء المماليك الكبار.
* أما الباب الثاني: فتناولت فيه: «شخصية الحافظ العراقي من جوانبها المختلفة».
وقد استغرق هذا الباب قدرًا كبيرًا من الرسالة وبذلت في عرضه وتحقيق نقاطه جهدًا شاقا؛ نظرًا لأن شخصية العراقي لم يسبق دراستها كما أسلفت، كما أن جوانبها متسعة ومتشعبة. ولا عجب فهو رائد مدرسة، ومجدد جيل بالإضافة إلى أنه قد علق بجوانب شخصيته كثير من الأخطاء والأوهام والغمزات التي يعتبر هذا البحث أول تصدّ لها فيما أعلم.
* وقد قسمت هذا الباب إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مُشَخّصات عامة: تناولت فيها فرار بعض أسرة العراقي من العراق إلى مصر وتوطنهم بها. وبينت تاريخ ولادة العراقي وتسميته وتحديد مكان الولادة حاليًا بالقاهرة، مع تصحيح الخطأ في ذلك، ثم بينت نسبه وصححت سلسلته، وحققت أصله وبينت كنيته ولقبه، ثم أوضحت تعدد نسبته واشتباهه في بعضها بغيره وأثر ذلك، مع بيان ما يمكن تمييزه به عن غيره في هذا.
стр. 6
ثم انتقلت إلى القسم الثاني: وجعلته عن جوانب شخصية العراقي:
فبدأت بذكر نشأته ومؤثراتها، وصححت خطأ القول بأنه نشأ يتيما، ثم بينت حياة العراقي الزوجية والأسرية وأثرها في السنة، ولما كان توثيق المحدِّث أمرًا أساسيا فإني عنيت ببيان توثيق العراقي من خلال أوصافه الظاهرية ومواهبه العقلية وعقيدته وأخلاقه. ثم انتقلت إلى بيان دراسات العراقي الأولى والعامة حيث حفظ القرآن الكريم في صغره، ثم درس على عادة عصره الفقه وأصوله وكان شيوخه فيه من أبرز علماء عصره، كتقي الدين السبكي وجمال الدين الإسنوي، فعرفت بهما بإيجاز، مع الاهتمام ببيان أثرهما في العراقي وختمت ذلك ببيان مكانة العراقي في علمي الفقه والأصول.
* ثم بينت دراساته اللغوية والأدبية، نظرًا لصلتها الأكيدة بتخصصه ونتاجه في علوم السنة.
وبينت في ذلك مكانته في معرفة علوم اللغة وملامح أسلوبه النثري في مؤلفاته، ثم بينت درايته بقواعد النظم، وتركز شعره في علوم السنة وما يتصل بها، وتوظيف شعره الأدبي لخدمة السنة وشرح معانيها، ولما كان شعره الأدبي هذا لم يُدوَّن في تأليف مستقل، فإني بينت بعض المصادر التي يمكن الوقوف فيها على قدر كبير منه.
* وانتقلت من ذلك إلى القسم الثالث والأخير: حيث تناولت فيه اختصاص العراقي بعلوم السنة وأهم شيوخه وأثرهم فيه، وتلاميذه، وأثره فيهم، ثم مكانته.
* وبينت أنه اتجه أولا للتخصص في علم القراءات، ثم عدل عنه بتوجيه.
стр. 7
شيخه عز الدين بن جماعة، لما رأى حبه للسنة وذكاءه فقال له: «إني أراك متوقد الذهن؛ فاصرف نفسك إلى علم الحديث».
ثم أوضحت بداية طلبه للحديث ومعوقاته في ذلك واجتيازها، مع الرد على تلميذه ابن حجر في وصف شيخه العراقي بالتراخي في بداية الطلب.
* وفصلت القول في دراساته لعلوم السنة باعتبارها مبعث مجده العلمي وتكوينه، وبينت تخرجه في علوم السنة رواية ودراية، ومن خرجه من حفاظ عصره، مع الرد على ابن حجر في قوله: إن العراقي لم يكن له من يُخرجه، ثم عرفت بأربعة من شيوخه البارزين في علوم السنة وبيان تأثيرهم فيه.
* وانتقلت من ذلك إلى بيان رحلاته في سبيل السنة تعلما وتعليما ونتائجها وهي عبارة عن رحلات إلى الشام والحجاز، ورحلات محلية داخل مصر وعرفت خلال ذلك بأهم شيوخه وشيخاته في تلك البلاد، مع الرد على المستشرقين، في تفسير قيام المرأة برواية السنة وتدريسها للرجال.
* كما أوضحت تغير طابع رحلاته عن بعضها، حيث أخذت رحلاته الحجازية طابع الإفادة لغيره من أهل الحجاز والواردين عليه.
* ثم بينت مدى حرص العراقي على الرحلة في سبيل تحمل السنة ونشرها، حتى عزم على الرحلة إلى بغداد وتونس فحالت دونه المقادير.
* وأوضحت أنه فيما بين تلك الرحلات كان يقوم بنشاطه الحديثي تعلما وتعليما وتأليفا في مقره الأصلي وهو القاهرة، ونظرًا لضخامة ما وقفت عليه من دراساته للسنة وشيوخه فيها، فإني بينت أهم المصادر التي يمكن الوقوف منها على ذلك؛ ليدرك القارئ والباحث أن ما ذكرته قليل جدا من كثير جدا.
стр. 8
* ثم لفت نظري عناية العراقي هو والمؤرخون له بالإشادة بمكتبته الخاصة، حتى كان يُضرب بها المثل في القاهرة، فألقيت بعض الضوء عليها، مع بيان أثرها في تكوينه العلمي ونتاجه.
* وختمتُ ذلك كله ببيان وظائف العراقي العلمية التي تقلدها رسميًا أو تطوعًا داخل مصر وخارجها لعشرات السنين، ومدى تأثيرها في نشر وإفادة علوم السنة: تدريسًا وتأليفًا ومقابلة وتصحيحًا وإجازة وإملاء، بين الحرمين المكي والمدني والقاهرة، حيث أحيا سُنَّةَ إملاء الحديث بها لأكثر من عشر سنوات.
* وبينتُ في ذلك ريادته لمدرسة السنة، ومواقفه المشهودة، وجهوده من أجلها، وأستاذيته لجيل المُحدِّثين والمُحدَّثات وحُفَّاظ السنة من بعده في العالم الإسلامي، وكيف قام بالإشراف العلمي والتوجيه بالنسبة لبعض طلابه في مؤلفاتهم كما نفعل اليوم في نظام دراستنا العليا، وخَرَّج من تحت يده بذلك ثمارًا علمية، ومراجع هي عمدتنا إلى اليوم، (كمجمع الزوائد) وغيره لتلميذه نور الدين الهيثمي.
* ثم عَرَّفْتُ بأبرز تلاميذ العراقي والمُتَخَرِّجين على يديه، مع بيان تأثيره فيهم، وبيان انتشارهم في حياته ومن بعده، حاملين لواء السنة بين المراكز العلمية في العالم، من بلاد المغرب غربًا، حتى فارس والروم والهند شرقًا، ثم قدمتُ خلاصة لنتائج وظائف العراقي العلمية وأثرها في السنة، وأنهيتُ الباب ببيان وفاة العراقي وتصحيح تأريخها، وتحديد مكانها بالقاهرة حاليًا، ثم تحديد مكان مدفنه الآن بالقاهرة أيضًا، ثم ذكرتُ بعض تقدير العلماء وغيرهم للعراقي، مع تعقيب ختامي انتهى به ذلك الباب بحمد الله.
стр. 9
أما الباب الثالث: فتضمن أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في مصطلح علوم السنة وعلم رجالها.
وقد قسمته إلى قسمين:
القسم الأول: في مصطلح علوم السنة:
وتناولت فيه خمسة مؤلفات للعراقي في ذلك، وهي:
١ - ألفيته المسماة بـ «التبصرة والتذكرة» و «شرحه الكبير» لها.
٢ - و «شرحه المتوسط».
٣ - و «التقييد والإيضاح لما أُطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح».
٤ - و «نظم كتاب الإقتراح» لابن دقيق العيد.
٥ - و «شرح تقريب النواوي»، وهذا الأخير لم أجده.
أما الأربعة التي قبله فبحثت كلا منها، من حيث تسميته ونسبته إلى العراقي، وبيان ما للموجود من تلك الكتب، من نسخ خطية، وبيان ما طبع منها وتقويم الطبعة، وتفصيل منهج العراقي في كل كتاب مع التحليل والمقارنة، وذكر بعض النماذج من آرائه، ثم تقويم الكتاب عموما ببيان أهم مميزاته، وبعض المآخذ عليه إن وجدت، وبيان عناية العلماء بتلك الكتب، وأثرها فيما بعدها من المؤلفات في موضوعها، وفي الدارسين له.
وقد استدعى ذلك تناول عدد غير قليل من المؤلفات التي خدمت مؤلفات العراقي السابقة بالشرح أو التعليق أو الإختصار، وكثير من تلك المؤلفات ما يزال مخطوطا حتى الآن.
стр. 10
والقسم الثاني: تضمن أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في عِلْم رجال السنة واشتمل ذلك على بيان تأليفه وآرائه في معرفة الصحابة، وفي المؤتلف والمختلف من أسماء الرواة وكُناهم وألقابهم، وفي الرواة الأكابر الذين رووا عن الأصاغر، وفي نقد رواة السنة عموماً، وذلك في تذييله على «ميزان الاعتدال»، للذهبي، وفي الرواة المدلسين ورواة المراسيل، والوحدان من رجال الصحيحين، وردّ الجهالة عنهم، ورجال كل من: «صحيح ابن حبان» و «سنن الدارقطني» و «تقريب الأسانيد للعراقي» نفسه، وتذييله على بعض كتب تاريخ الرجال ووفياتهم، ويشمل ذلك: تذييله على كتاب «العِبَر» للذهبي، وتذييله على «وفيات نقلة العلم وذوي الشأن» للحافظ ابن أَيْتك الدّمياطي، وتذييله على ذيل آخر لابن أيبك هذا على «وفيات الأعيان» لابن خَلَّكان، وتأليفه في التراجم المفردة لبعض شيوخه، ولبعض معاجم الشيوخ ومشيخاتهم.
* وقد تناولتُ تلك المؤلفات من جوانبها المختلفة: من حيث التسمية وإثبات النسبة للعراقي، وتصحيح ما قد يكون في ذلك من خطأ، وكشف ما وَجَدتُه منها مجهول النسبة لمؤلّف، وبيان ما وقفت عليه من نسخ الكتاب أو نصوصه المتضمنة في غيره، وتحديد موضوع الكتاب وأهميته العلمية، وعناصر منهج العراقي فيه، ونماذج من آرائه، مع المقارنة والتقويم، بذكر أهم المميزات وبعض المآخذ، ثم ما توصلت إليه من أثر لكل كتاب فيما بعده.
* والباب الرابع: خصصته لبيان أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في علم التخريج وفقه السنة، ونقدها، وشرحها، والسيرة النبوية.
стр. 11
وجعلته في خمسة أقسام:
القسم الأول: تأليف العراقي وآراؤه في أنواع علم التخريج، وأثر ذلك: وتناولت فيه بيان مفهوم التخريج، ثم كتب التخريج التي ألفها العراقي، مخطوطة أو مطبوعة أو مفتقدة، وما تمكنت من الوقوف عليه تناولته من حيث: التسمية والنسبة للعراقي، ومنهجه فيه، مع المقارنة والتحليل والتقويم، بذكر أهم المميزات والمآخذ، ثم أثر الكتاب فيما بعده.
القسم الثاني: في تأليف العراقي وآرائه في فقه السنة؛ من أحاديث الأحكام عموما، وبعض الموضوعات المفردة، وأثر ذلك.
القسم الثالث: تأليف العراقي وآراؤه في الأحاديث المنتقدة والموضوعة وأثر ذلك.
والقسم الرابع: تأليف العراقي وآراؤه في شروح كتب السنة، وغريب ألفاظ الحديث، وأثر ذلك.
والقسم الخامس: بيان تأليف العراقي وآراؤه في السيرة النبوية، وأثر ذلك.
* وسلكت في بحث تلك الأقسام الأربعة المنهج الذي انتهجته في بحث القسم الأول.
* وختمت الرسالة ببيان أهم النتائج التي توصلت إليها خلال الأبواب الأربعة
* ثم ذكرت فهرسا لأهم المراجع الخطية والمطبوعة، وفهرسا للموضوعات.
وبالله التوفيق.
* * *
стр. 12
مِنْ صُعُوبَاتِ المَوْضُوعِ
هذا ولابد من الإشارة إلى بعض الصعوبات التي اعترضتني أثناء البحث وكان لها دخل كبير في تأخير إنجازه.
* فمن ذلك: أن المطبوع من مؤلفات العراقي قليل بالنسبة لباقي مؤلفاته التي ما تزال مخطوطة حتى الآن.
* ثم إن أغلب المطبوع إما غير محقق، أو منسوب خطأ إلى العراقي، أو إلى ولده أبي زُرْعَة، أو إلى غيرهما.
* ثم إن الموجود من مؤلفاته المخطوطة موزع بين القاهرة والإسكندرية وباقي بلاد العالم، كأسبانيا وألمانيا والمغرب و ليبيا وسوريا وبغداد والموصل والمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وتركيا والهند.
وبعض مؤلفاته مذكورة في الفهارس على أنها مجهولة المؤلف، وأثبت بفحصها نسبتها إليه.
وبعد أن سجلت الموضوع وتمت الموافقة عليه، بدأت الاطلاع على الموجود بالقاهرة مع السعي بجهدي الشخصي للحصول على مُصَوَّرَات أو نصوص كافية من تلك المخطوطات المنتشرة في أنحاء العالم، وعانيت كثيرا من الكلفة والانتظار والأخذ والرد، لأكثر من ثلاث سنين، حتى حصلت بحمد الله على كثير من مُصَوَّرات أو نصوص تلك المخطوطات.
*- لكني فوجئت بعقبة أخرى وهي: تخزين المخطوطات الموجودة بدار الكتب المصرية بسبب ظروف الحرب مع إسرائيل منذ عام ١٩٦٧ م والتي
стр. 13
عشناها سنين، وبالتالي أصبح عملي في الرسالة مُجزَّءًا حتى انتهت ظروف الحرب عام ١٩٧٣ م - بحمد الله - وسَمَح بالاطلاع على المخطوطات، فاستأنفتُ العمل متكاملاً، وكان عليَّ مُراجعة المصورات بواسطة أجهزة القراءة التي يُدرِك إرهاقها - حينذاك - كل من اضطرته ظروف بحثه للاستعانة بها.
* وبالإضافة إلى ذلك فإني وجدتُ عددًا من مؤلفات العراقي غير موجود حاليًا بذاته، وإنما أخذه بعض تلاميذه، ومَنْ بعدهم وأودعوه مُفرَّقًا أو مجموعًا في مؤلفاتهم، وذلك كالحافظ ابن حجر في «لسان الميزان» وفي «القول المسدد في الذَّب عن مسند أحمد» وفي «طبقات المدلسين».
وكسبط ابن العجمي في «الاغتباط بمعرفة من رُمي بالاختلاط» وفي «المُحضَرمين» وكالغزّي في «بهجة الناظرين» وكجلال الدين السيوطي في كثير من مؤلفاته.
وبذلك أصبح التعرف على مؤلفات العراقي تلك، متوقفًا على الاطلاع على تلك المؤلفات رغم بلوغ بعضها عدة مجلدات، وبقاء بعضها مخطوطًا حتى الآن.
* ثم إن أكثر المؤلفات التي احتجتُ إليها في مقارنة نتاج العراقي العلمي بغيره، غالبها أيضًا مخطوط كما يلاحظ القارئ ذلك من مراجع الرسالة ومن الإحالة عليها خلال أبواب البحث.
* ورغم هذا كله فقد واصلت الليل بالنهار كما يشهد الله، حتى أخرجتُ الموضوع على خير ما أمكنني، دون أن أُبرِّئ نفسي مما هو لازم لكل إنسان من الخطأ والنسيان، وبالله التوفيق.
لما كان موضوعنا هذا عن الحافظ العراقي وأثره في السنة، لزمنا أن نقدم بين يديه تعريفاً للسنة، وبياناً مجملاً لعلومها.
ثم نتبع ذلك بلمحة عن عصر العراقي ومكانة السنة وعلومها فيه حتى يتسنى لنا على أساس ذلك تبيين تكوين الشخصية العلمية للعراقي، ونواحي تأثيره في أبحاث السنة وعلومها المختلفة.
ونوقع ذلك في الآتي:
أ - عربية «السنة» وعالميتها
ذكر الإمام الشافعي ﵁ أن تنبيه عامة المسلمين إلى نزول القرآن بلسان عربي مبين، يعد من ضمن النصيحة لهم التي تدور بين الفرض والنافلة وعلّل هذا بأنه لا يعلم إيضاح مجملات القرآن الكريم أحد جهل سعة لسان العرب وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علم ذلك انتفت عنه الشبهة التي دخلت على من جهل لسان العرب (١).
وقد حدث بالنسبة للسنة النبوية أن بعض أعدائها ممن جهل سعة لسان العرب كما ذكر الشافعي أو تجاهله، زعم أن اسمها هذا ليس عربيا، بل مأخوذ بالنقل أو الاشتقاق من كلمة «مشناة» أو «مسناة» العبرانية التي يطلقها اليهود على مجموعة الروايات الشفاهية التي تناقلها أحبارهم جيلا بعد جيل، والتفاسير التي جعلوها شروحا للتوراة، وكل ذلك من كلام الأحبار والمفسرين، لا من كلام الرسل والأنبياء (٢).
وعلّلوا ذلك بأنه كما أن اليهود تركوا التوراة وعملوا بمجموعة الروايات الإسرائيلية (٣) وسموها «مثناة» أو «مسناة» أي الشريعة المكررة الموضحة، فكذلك المسلمون لما تركوا القرآن وعملوا بالسنة، اشتقوا لها اسما من كلمة «مشناة» اليهودية وسموها «سنة» (٤).
стр. 18
لهذا، كان من النصيحة للمسلمين ولتأصيل موضوع البحث أن نُبَيِّن أصل الكلمة واستعمالها في لغة العرب، ثم مفهومها في اصطلاح علماء السنة وغيرهم، ورجوعه للأصل اللغوي، وعدم تنافي ذلك مع عالمية مضمون السنة، ثم مكانة السنة في الإسلام. وبذلك يثبت فساد هذا الزعم من كل جوانبه وتتضح لنا حقيقة السنة.
ب - اشتقاق السنة واستعمالها اللغوي
فمن ناحية الاشتقاق قرر اللغويين أن اللغات لا تشتق الواحدة منها من الأخرى، فلا يشتق العربي من العجمي ولا العكس، وإنما يشتق في اللغة الواحدة بعضها من بعض، وإذا وافق لفظ أعجمي لفظا عربيا في حروفه، فلا يدل ذلك على أن أحدهما مأخوذ من الآخر (١).
وعليه فالقول باشتقاق كلمة سنة من «مشناة» أو «مسناة» العبرية، مردود على زاعمه، ولو قيل إنها مأخوذة بالنقل لا بالاشتقاق، فإن ذلك يرده أيضًا وجود أصل الكلمة ومشتقاتها المجردة والمزيدة في لغة العرب، واستعمالهم لها بمعان حقيقية ومجازية، متعارفة في حياتهم وبيئتهم الخالصة، من قبل الإسلام ومن بعده، وموافقة للمعنى الاصطلاحي لها في عموم الشريعة ومتسعة لما أطلقها عليه كافة علماء الإسلام على مختلف تخصصاتهم ومطالبهم من السنة، وقد بين ذلك بالدقة والتفصيل علماء اللغة وفقهاؤها، واستوعب جمال الدين ابن منظور في كتابه الجامع «لسان العرب» ما جاء عن جمهور المتقدمين والمتأخرين من أهل اللغة وأئمتها، في بيان أصل الكلمة ومشتقاتها واستعمالات العرب لها في
стр. 19
جاهليتهم وإسلامهم، مستشهدًا في ذلك بشعرهم الذي هو سجل حياتهم، ونثرهم، ثم بالقرآن الكريم المنزل من عند الله ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٌّ مُبِينٍ﴾ وبنفس السُّنة النبوية التي صدرت عن أفصح العرب ﷺ (١).
ونقل عن الزجاج بيان ورود كلمة السُّنة وما تصرف منها في حديث الرسول ﷺ بما يوافق أصل الاستعمال اللغوي لها. وهذا من أظهر الأدلة على أن عنونة السُّنة بهذا الاسم نابع من داخلها، وصادر عن الرسول ﷺ نفسه تعبيرًا عن واقعها، ومكوناتها، وليس دخيلا عليها ولا مستحدث الوضع من بعده، ولا مستجلبا كما هو مزعوم.
قال الزجاج: «وقد تكرر في الحديث ذكر السُّنة وما تصرف منها، والأصل فيه الطريقة والسيرة، ويجوز أن يكون من سنَنْتُ الإبل إذا أحسنت رعيها والقيام عليها»، ثم ساق عدة أحاديث، وبين رجوع معناها لهذا الأصل اللغوي، وهو الطريقة والسيرة وإحسان الرعاية والتوجيه ومن ذلك قوله: «وفي الحديث» «إنما أُنسى لِأَسُنَّ» (٢). أي إنما أُدفع إلى النسيان، لأسوق الناس بالهداية إلى الطريق المستقيم، وأبين لهم ما يحتاجون أن يفعلوا إذا عرض لهم النسيان (٣).
ويطول بنا تتبع ما ذكره صاحب (اللسان) فنجتزئ منه بنقله عن ابن
стр. 20
الأعرابي، أن «السن» مصدر والفعل منه «سَنَّ» والاسم «سُنَّةٌ» و «سُنَن» وعليه يقال: من الحديد سنا وسن للقوم سنة وسُننا» وفي «المحكم» لابن سيده: «سن الشئ يسنه فهو مسنون» (١).
وبذلك يظهر لك عربية الكلمة بتصاريفها المختلفة، أما استعمالاتها، فيرجع معظم ما أفاض في ذكره فيها إلى إطلاق كلمة «السنة» على صورة أو حالة معينة، حسية أو معنوية، سواء كانت حسنة أو سيئة، ولذلك تُستعمل في الشئ ونقيضه، كما في الحديث: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة» الحديث (٢).
ومن استعمالها في السيرة السيئة قول الشاعر العربي خالد بن عتبة الهذلي:
لا تجزعن من سيرة أنت سرتها … فأول راض سنة من يسيرها (٣).
إلا أن أكثر استعمالها فيما هو حسن، ولذلك إذا استعملت مجردة عن الوصف، تنصرف لذلك، فإذا أريد ما هو سي قيدت به (٤)، وعندما نستعرض ما أُطلقت عليه «السنة» في اصطلاح علمائها وغيرهم من المختصين في جوانب الشريعة على تنوع مقاصدهم، من أصوليين وفقهاء ووعاظ، نجده لا يجاوز
стр. 21
الاستعمال اللغوي للكلمة فيما هو حسن ماديا أو معنويا، فإليك تعريفها في اصطلاح كل وتوضيح مشتملاتها، ثم بيان مطابقة ذلك لمدلولاتها اللغوية.
جـ - السنة في اصطلاح علمائها
لما كان مقصود علماء السنة نقل وإثبات كل ما هو مضاف للنبي ﷺ ، مباشرة أو بالواسطة، فإن جمهورهم عَرَّف السنة بما يُحقق هذا القصد، فقالوا: «السنة كل ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو سيرة أو صفة خُلقية أو خَلقية، حتى الحركات والسكنات في اليقظة والمنام سواء كان ذلك قبل البعثة أم بعدها، وسواء تعلق به حكم شرعي أم لا».
وزاد المحققون: ما أضيف إلى الصحابة والتابعين كذلك من أقوال وأفعال وتقريرات تتعلق بالدين (١)؛ لكون ذلك مآله الرجوع للرسول ﷺ ، وإن لم يُصرحوا بذلك في كل حال، رهبة من الخطأ في النقل أو رغبة في التقليل من الحديث (٢) والتركيز على العمل التطبيقي، أو اعتمادًا على ما عُرِفُوا به من
стр. 22
التزامهم بما شاهدوه، وما بلغهم عن الرسول ﷺ ، أو ربما صرحوا بإضافته للرسول ﷺ ولم ينقل إلينا (١).
وقد وجد بعد التدوين العام للسنن كثير مما رُوي موقوفًا على الصحابة أو التابعين، مرويًا من طرق أخرى مضافًا للنبي ﷺ ، ومن المعروف أنهم لا يصدرون في مثل هذا إلا عن توقيف أو استنباط.
وقد أقر الرسول ﷺ أصحابه على اجتهادهم في حديث معاذ ﵁ حين أرسله ﷺ إلى اليمن فقال: كيف تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله ﷺ ؟ قال: أجتهد رأبي، قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله (٢)، وتقريره ﷺ من سنته بالاتفاق (٣).
كما أنه قرن سنة خلفائه الراشدين بسنته وأمر باتباعهما فقال في حديث العرباض بن سارية: «وسترون بعدي اختلافا شديدًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ» (٤).
стр. 23
كما جعل أصحابه هداة للأمة من بعده حيث رفع رأسه إلى السماء، فقال: «النجوم أَمَنَة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعدون، وأنا أَمَنَة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي، ما يوعدون، وأصحابي أَمَنَة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» (١).
وقد كان شأن التابعين بإحسان مع الصحابة شأن الصحابة مع الرسول ﷺ فكانت أقوالهم وأفعالهم في أمور الدين ترجمة وتطبيقا لما شاهدوه منهم وما تلقوه عنهم وإن لم يُصرحوا بذلك بدورهم في كل حال؛ خشية ما ظهر من الفتن، كما أنه لم يُنقل إلينا كل تصريحاتهم، وهم مُرْتَضَوْن من الله تعالى في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢).
كما أنهم مشاركون للصحابة في الخيرية المشهود لهم بها من الرسول ﷺ في قوله: «خير أُمتي القرن الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم»، قال أبو هريرة راوي الحديث: «والله أعلم أذكر الثالث أم لا» (٣).
فليس بينهم وبين الرسول ﷺ إلا واسطة واحدة وهم الصحابة، لهذا كان الأحوط اعتبار ما أضيف إلى الصحابة والتابعين من أمور الدين أقوالا وفتاوى وأعمالاً وتقريرات، من السنة، طالما لم يكن ذلك من باب الرأي والاجتهاد، حتى
стр. 24
لا يفوتنا منها شيء وإن تفاوتت درجاتها في الاستدلال كما سيأتي عن الأصوليين.
الجمع بين التعريفين ودليله:
وإذا كانت سنة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، مردها إلى الرسول ﷺ على النحو الذي أوضحته، فإنها تعد من اللوازم المتفرعة عن مشتملات السنة في تعريف الجمهور المتقدم، فهي تفصيل للوازم ما ذكر فيه من أقواله ﷺ وأفعاله وتقريراته، ولا يبعد أن يكون عدم النص عليها في تعريفهم، ليس لاستبعادها بل لما هو معروف من الاكتفاء في تعريف الشئ بأصوله دون استيعاب فروعه ولوازمه، صونًا للتعريف عن الإسهاب.
وبهذا الوجه يمكن الجمع بين التعريفين واعتبارهما تعريفا واحدا اختلفت عبارته بالإجمال والتفصيل، وعليه يصبح أعم تعريف للسنة عند علمائها وأجمعه للمتفق عليه بينهم أنها: ما أضيف إلى النبي ﷺ مما تقدم عند الجمهور، وما أُضيف إلى الصحابة والتابعين من قول أو فعل أو تقرير مما يتعلق بأمور الدين، وليس من الرأي أو الاجتهاد، وبذلك يشمل سائر جوانب السنة صراحة لا التزاما، ولهذا ارتضاه السلف والمحققون من العلماء (١).
• ويؤيده الآتي:
(١) ما استقر عليه علماء السنة المعتمدون منذ فجر تدوينها العام وما تلاه من التصنيف المنظم حتى الآن.
стр. 25
حيث نجد التابعي الجليل محمد بن شهاب الزهري رائد الجامعين للسنة في عصره، يحدثنا عنه رفيقه صالح بن كيسان فيقول: «كنت أنا وابن شهاب ونحن نطلب العلم فاجتمعنا على أن نكتب السنن فكتبنا كل شي جاء عن النبي ﷺ ، ثم قال (أي الزهري) نكتب ما جاء عن أصحابه فقلت لا، ليس سنة، وقال هو: بل هو سنة، فكتب ولم أكتب فأنجح وضيعت» (١).
ومن هذا يظهر لك استقرار الأمر على ما رأى الزهري، من عد ما جاء عن الصحابة سنة، ورجوع صالح لذلك وندمه على ما ضيعه منها بمخالفته أولا، وعدم مشاركة الزهري في تدوينها بالإضافة لسنة الرسول ﷺ .
وبهذا كان مفهوم السنة الذي جرى عليه الزهري كما نرى، ووافقه عليه معاصروه، مطابقًا لتعريفها العام الذي ذكرناه، وقد بين الزهري مشاركة غيره له في هذا، وانتشار ما دونوه على ذلك المنهج رسميًا في أقطار الإسلام عمومًا بأمر الخليفة العالم عمر بن عبد العزيز، دون نكير عليه، فيقول: «أمرنا عمر ابن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفترًا دفترًا فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا» (٢).
وقد تتابع علماء السنة على ذلك فيما تلا هذا التدوين العام، من التأليف المنظم على مر العصور، حتى عصر العراقي وما بعده إلى يومنا هذا، فما من مؤلف جامع، للمتقدمين أو المتأخرين، على مختلف شروطهم ومناهجهم، إلا نجده مشتملًا على ما هو مضاف للرسول ﷺ ولأصحابه وللتابعين،
стр. 26
ونجدهم يعدون كل ذلك سننا مأثورة، وأن تفاوت القدر الوارد في كل منها قلة وكثرة، وتفاوتت جهة إيراد المروي عن الصحابة والتابعين، من دليل أصلي تارة، إلى دليل ثانوي للتقوية والاستشهاد والاستئناس.
فأمير المؤمنين في الحديث عبد الله بن المبارك وطبقته، من أوائل المصنفين في السنة في العالم الإسلامي جمعوا في مصنفاتهم بين المروي عن الرسول ﷺ والمروي عن صحابته وتابعيهم، متخذين الكل دليلا أصليا (١)، ونظرة منا إلى الفهرس التحليلي لكتاب «الزهد والرقائق» لابن المبارك ترينا أن الوارد فيه عن الصحابة والتابعين، ضعف الوارد عن الرسول ﷺ (٢).
وأيضا الإمام مالك في «موطئه» يورد ما جاء عن الصحابة والتابعين، دليلا أصليا ويسميه سنة (٣)، لكن ما أورده أقل كما مما أورده ابن المبارك في الزهد بكثير، أما الإمام البخاري في «صحيحه» فقال عنه الحافظ ابن حجر: «وإنما يورد من الموقوفات من فتاوى الصحابة والتابعين وتفاسيرهم لكثير من الآيات، على طريق الاستئناس والتقوية لما يختاره من المذاهب في المسائل المختلف فيها» (٤)، وهذا بلا شك نوع من الاستدلال بها، وإن كان أوفى من صنيع من تقدموه، ولو نظرنا إلى المسانيد نجد أوفاها وهو مسند الإمام أحمد
стр. 27
يشتمل على ما رواه الصحابة عن الرسول ﷺ ، وعلى ما روي عن الصحابي نفسه من كلامه أو فعله أو تقريره، وكذلك عن التابعي (١) وعلى نهج هؤلاء الأئمة سار من بعدهم إلى يومنا هذا.
(٢) تقرير مصطلح علوم السنة:
ومما يؤيد دخول المروي عن الصحابة والتابعين، مما ليس من رأيهم واجتهادهم، في مفهوم السنة الاصطلاحي، تقرير العلماء الذين ألفوا في مصطلح علوم السنة وقواعد بحثها لذلك، فنجدهم يقسمون السنن باعتبار من أضيفت إليه، إلى ثلاثة أقسام، ويُلقبون كلا منها بلقب خاص، ويخصصون له مبحثًا فيلقبون المضاف للرسول ﷺ بالمرفوع.
وفي ذلك يقول العراقي في «ألفيته»:
وسمْ مرفوعًا مضافًا للنبي (٢)
ويلقبون المضاف للصحابي بالموقوف، كما يقول العراقي في «الألفية»:
وسِمْ بالموقوف ما قصرته … بصاحب وَصَلْتَهُ أو قطعته
قال السخاوي: أي ما قصرته على صحابي قولا له وفعلا أو نحوهما مما لا قرينة فيه للرفع (٣).
ويلقبون المضاف للتابعي بالمقطوع، يقول العراقي في «الألفية» أيضًا:
стр. 28
وسم بالمقطوع قول التابعي وفعله … الخ (١) ويطلقون على الجميع اسم السنة، كما يقول العراقي:
وأهل هذا الشأن قسموا السنن إلى صحيح وضعيف وحسن (٢).
(٣) الاعتماد على ما جاء عن الصحابة والتابعين في التشريعات:
فقد اعتبر جمهور الأئمة من أصوليين وفقهاء، ما جاء عن الصحابة والتابعين، أحد أدلة الأحكام الشرعية وأنواعها المعمول بها، كما سنذكره عنهم، وبالتالي كان لابد من اعتبار علماء السنة لذلك ضمن أنواعها مع تمييزها عن المرفوع وعنايتهم بجمعها وإثباتها كالسنة المرفوعة، حتى يُوفّروا أقصى ما يمكن من الأدلة والأحكام الواردة عن السلف، لتمكين العلماء والمجتهدين من استنباط الأحكام المتجددة في ضوء ما ثبت عن الرسول ﷺ مباشرة، أو بواسطة صحابته وتابعيهم بإحسان كما قدمنا.
أمثلة لمشتملات مفهوم السنة عند علمائها
وبعد أن بينا إستقرار الأمر على أن السنة في اصطلاح علمائها ومؤلفاتهم، تتضمن ما أضيف إلى الرسول ﷺ وإلى أصحابه وتابعيهم بإحسان، نرى الأمر يتطلب ذكر أمثلة توضيحية من واقع مدونات السنة وعلومها، ليتأكد انطباق التعريف على المعرف، وتتضح عموم الجوانب التي جعلها العراقي مجال أعماله وآثاره وتزول بعض الشبهات.
١ - السنة القولية والرد على من ينكرها:
فمثال ما أُضيف إلى الرسول ﷺ من الأقوال: ما رواه الإمام الشافعي
стр. 29
﵁ قال: وجدنا علي بن الحسين يقول: أخبرنا عمر بن عثمان عن أسامة ابن زيد أن النبي ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر» فيثبتها «أي عمر ابن عثمان» سنة ويثبتها الناس بخبره سنة (١).
وأخرج الحاكم أيضا بسنده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول» ثم قال: «هذه سنة صحيحة لا معارض لها» (٢).
وفي تسمية الشافعي والحاكم لقول الرسول ﷺ «سنة» رد على من يقول: «إن المراد بـ «السنة» عمل الرسول ﷺ المتواتر وليس المراد بها كل رواية رويت بالسند اللفظي، فلان عن فلان (٣) بل الموجود في كتب السنة المتعددة، من السنة القولية الثابتة، أكثر من السنن الفعلية فضلا عن المتواتر منها».
٢ - السنة العملية:
وأما أفعاله ﷺ فمن أمثلة ما كان منها قبل البعثة ما روته عائشة ﵂ من قول خديجة ﵂ له: «إنك لتصل الرحم وتحمل الكل، وتكسب المعدوم وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» (٤).
وهذا الحديث من أمثلة ما تشمله السنة في اصطلاح علمائها، دون الأصوليين والفقهاء؛ لأنه لا يتضمن حكما تكليفيا للأمة ولا يعد دليلا،
стр. 30
حيث لم يكن الرسول ﷺ قد بُعِثَ بعد، حتى يتوجه بتكليف للأمة.
ومن أفعاله بعد البعثة: الصلوات الخمس، وأعمال الحج والجهاد، وغير ذلك. ومنها أيضًا: همّه ﷺ بالشيء؛ لأنه من فعل القلب وهو ﷺ لا يهم إلا بمطلوب شرعًا، وقد بُعِثَ لبيان ما شرع الله، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب ليحطب، ثم آمر بالصلاة، فيؤذن لها ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم» (١).
ومن أفعاله أيضًا: إشارته ﷺ ، كحديث ابن عباس أن النبي ﷺ سئل في حجته فقال (السائل): ذَبحتُ قبل أن أرمي فأومأ بيده قال: لا حرج (٢). وأما تقريره ﷺ فهو عبارة عن كفه عن إنكار ما يقع تحت حواسه أو يعلم به، والكف فعل، وعليه كان إقراره من ضمن سننه، ومن أمثلته ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ أنه خرج رجلان في سفر وليس معهما ماء فحضرت الصلاة، فتيمما صعيدًا طيبا فصليا ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وقال للآخر: لك الأجر مرتين (٣). ومنه إقراره ﷺ على الاجتهاد فيما لا نص فيه كما تقدم.
٣ - صفاته ﷺ الخلقية والخلقية:
وأما صفاته ﷺ الخلقية والخلقية، فقد تضمنت كتب السنة كثيرا منها؛ بل
стр. 31
ألف فيها ما يُعرف بكتب الشمائل، ومن أمثلتها ما رواه أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وأشجع الناس وأسمح الناس» (١) وما جاء في هذا الحديث من وصفه ﷺ بالحسن الفائق، وإن كان لا يتضمن حُكماً تكليفياً، لكنه تضمن إثبات وصف الرسول ﷺ لتعريفنا بشخصه الكريم، وبهذا كان من أنواع السنة في اصطلاح علمائها (٢).
٤ - سيرته ﷺ -:
وأما عموم سيرته ﷺ فقد ضمنها علماء السنة أطوار حياته وأحداثها، منذ حمله ومولده، حتى وفاته، وهي تقع ضمن أبواب كتب السنة الجامعة كالصحيحين وغيرهما، وتقع في كتب السيرة المستقلة، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله عند بيان ما ألفه العراقي في السيرة.
٥ - أقوال الصحابة والتابعين وأعمالهم وتقريراتهم:
وأما أقوال الصحابة ﵃، فمنها ما أخرجه مسلم أنه جاء رجل إلى ابن عباس فقال له: إني رجل أصوّر هذه الصور فأفتني فيها، فقال له: أُدنُ مني (الحديث) وفي آخره أنه قال له: إن كنت ولابد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له (٣).
стр. 32
ومن أمثلة أقوال التابعين: ما رواه البخاري عن الحسن البصري في حكم الصلاة في السفينة حيث قال: تصلي قائما ما لم تشق على أصحابك، تدور معها وإلا فقاعدًا (١).
ومن أمثلة ما اجتمع عليه عمل الصحابة والتابعين وأهل المدينة التي عُرفت بدار السنة، ما رواه البخاري بسنده عن أبي جعفر ﵄ قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة، إلا يزرعون على الثلث والربع ثم قال: وَزارِع علي وسعد بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين (٢).
ومن أمثلة تقرير التابعين: ما رواه النسائي عن عبد الرحمن بن الأسود قال كان عماي يزارعان بالثلث والربع وأنا شريكهما وعلقمة والأسود يَعْلَمَان فلا يُغيّران (٣). وعلقمة والأسود تابعيان، ويلاحظ أن إقرارهما كان لعمل الصحابة وغيرهم من التابعين كما في المثال المتقدم، مما يدل على أنهما لم يقرا إلا عن علم بإجازة الصحابة من قبلهم لذلك، وعملهم به.
هذه هي الأمثلة التطبيقية الموضّحة لكل ما تضمنه تعريف السنة عند علمائها، ومنها يتضح اشتمال كتب السنة المعتبرة على كل ما نص عليه تعريفها فتطابق التعريف والمعرف.
وقد قسم العلماء ما تضمنه هذا التعريف إلى أقسام، وجعلوا كلا منها عِلْمًا.
стр. 33
قائما بذاته كما سنبينه في بيان علوم السنة، وجدير بالذكر أن السنة بهذا المفهوم الاصطلاحي عند علمائها، تُستعمل في مقابل القرآن الكريم، وقد ورد استعمالها في مقابله على لسان الرسول ﷺ في قوله: «تركت فيكم اثنين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي» (١) وجرى على ذلك الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الأئمة.
د - السنة في اصطلاح الأصوليين
أما علماء الأصول فلما كان مقصدهم من السنة ما يستدل به منها على الأحكام التكليفية طلبًا أو تخييرًا وما يتعلق بذلك، فقد عرفوها بما يختص بهذا منها فقالوا: السنة ما صدر عن الرسول ﷺ من قول غير القرآن، أو فعل أو تقرير، مما يثبت حكمًا شرعيًا (٢).
وبعضهم يضيف أقوال وأفعال وتقريرات الخلفاء فقط.
وبعضهم أدخل عموم الصحابة (٣)، وبعضهم أضاف ما جاء عن التابعين، غير مخالف لما جاء عن الصحابة، فضلا عن الرسول ﷺ (٤)، وقد مر لك في
стр. 34
تعريف السنة توجيه ذلك كله، وعليه يكون أعم تعريف للسنة عند علماء الأصول أنها: «ما أضيف للرسول ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، من قول أو فعل أو تقرير يثبت حكما شرعيا» ومع هذا فإنه أخص من تعريف السنة في اصطلاح علمائها؛ لأنه لا يشمل إلا ما يتضمن الأحكام التكليفية للأمة من فرض أو نفل أما ما يتعلق، بأحوال الرسول ﷺ قبل البعثة التي هي مناط التكليف للأمة وما يتعلق بصفاته ﷺ الخلقية كما ذكرنا، ونحو ذلك فإنه لا يدخل في تعريف السنة عند الأصوليين، بينما هو معدود من مشتملات السنة عند علمائها، كما سلف.
وليس معنى هذا عدم اعترافهم بثبوت تلك الأحوال والصفات ونحوها مما يتعلق بالرسول ﷺ ، وأصحابه، وأتباعهم، وإنما هم فقط يُقررون عدم اشتمالها على محكم يترتب على مخالفته مؤاخذة من قبل الشارع، وهذا لا يعارض اعتبارها من السنة عند علمائها، لأنهم كذلك لا يقولون بتضمن كل ما يثبتونه ويسجلونه من أحوال الرسول ﷺ والصحابة والتابعين، أحكاما تكليفية كما قدمنا.
أما تقييد الأصوليين ما صدر عن الرسول ﷺ من أقوال، بأن تكون غير القرآن، فيوافقهم فيه علماء السنة، وقد تقدم أنهم يستعملون السنة في مقابلة القرآن، كما يستعملها الأصوليون حين يقولون: «أدلة الشرع: الكتاب والسنة والإجماع … الخ».
ويتفق الأصوليون أيضًا كما ترى في التعريف مع علماء السنة على أنها تشمل القول والعمل، وقال الإسنوي في «شرح التعريف»: «إن عطف الفعل على القول «بأو» الدالة على التقسيم، للإعلام بأن كلا من القول والفعل
стр. 35
يُطلق عليه اسم السنة» (١) وبهذا يتضامنون في الرد على من قصر السنة على الأعمال كما قدمنا.
كما أنهم لم يفرقوا بين ما ثبت بالتواتر وما ثبت بطريق الآحاد من الرواة، فصار الكل عندهم صالحاً للاحتجاج مع ترجيح الأقوى.
هـ - السنة في اصطلاح الفقهاء:
لما كان مقصود الفقهاء بيان أنواع الأحكام الشرعية من فرض ونفل فإنهم عرفوا السنة على الرأي المختار بأنها: «ما في القيام به ثواب، وفي تركه عتاب لا عقاب» (٢).
وعلى هذا فهي تشمل ما كان بهذه المثابة من الأعمال والأقوال المشروعة، سواء دلّ عليها القرآن أو السنة بأنواعها، كما تشمل ما واظب عليه الرسول ﷺ من السنن وما تركه أحيانًا، وأحبه السلف من بعده فلازموه، كما أنها تقابل الفرض والواجب.
و - السنة في اصطلاح الوعاظ:
وبعض الفقهاء ومعهم الوعاظ الدعاة إلى الدين الحق، يُطلقون السنة على كل ما دلّ عليه دليل شرعي، صراحة أو التزاما، وما أُحدث على خلاف ذلك يسمونه بدعة، ويستعملون السنة في مقابله فيقولون: فلان على السنة؛ أي على ما أقره الشرع عموما، وفلان على البدعة؛ أي على ما يخالفه،
стр. 36
والسنة بهذا المفهوم تشمل الدين كله، عقيدة وشريعة وسلوكا، سواء ما تضمنه كتاب الله تعالى من الأوامر والنواهي، أو ما تضمنته السنة بأنواعها (١).
وإلى هذا المعنى أشار الرسول ﷺ في قوله: «من أحيا سنة من سنتي قد أُميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من الناس، لا ينقص من أجور الناس شيئا، ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله، فإن عليه مثل إثم من عمل بها من الناس، لا ينقص من آثام الناس شيئًا» (٢).
وقوله أيضًا: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٣).
ويقول سيدنا عمر ﵁: «السنة ما سنه الله ورسوله، ولا تجعلوا خطأ الرأي سنة» (٤).
ويقول الإمام ابن حزم: «السنة هي الشريعة نفسها، وأقسامها في الشريعة: فرض أو ندب أو إباحة أو كراهة أو تحريم، كل ذلك قد سنه الرسول ﷺ عن الله » (٥).
ونلاحظ أن السنة بهذا المفهوم، وبمفهومها المتقدم عند الفقهاء، تفترق عن مفهومها عند الأصوليين وعلماء السنة؛ لأنها عند الفقهاء والوعاظ كما ترى، تشمل ما تضمنه القرآن الكريم، بينما تُسْتَعْمَل السنة عند الأصوليين وعلماء
стр. 37
السنة، في مقابله كما ذكرنا، وقد جاء كل من الاستعمالين على لسان الرسول ﷺ وأصحابه كما مثلنا، فأخذ كل منهم بما يناسب جهة بحثه، وجعلوه اصطلاحا متداولا بينهم للدلالة على الجوانب التي يبحثونها من السنة، ولا مشاحة في الاصطلاح، فليس هناك إذن تعارض بين تلك الاصطلاحات، وإنما هو تعدد مقاصد، وتحديد المجال البحث والدراسة والتأليف بحيث تتفرغ كل طائفة، من محدثين وفقهاء وأصوليين ومفسرين ووعاظ لبحث جانب خاص من جوانب السنة التي تسع الجميع في رحابها وتحوي مطالبهم دون تناقض، فكلهم من رسول الله ﷺ ملتمس، تبعًا للجانب الذي يبحثه وجهودهم في النهاية يكمل بعضها بعضا، وبمجموعها تُخدم السنة وعلومها، فهذا يتولى إثباتها وتنقيتها من الدخيل، وذاك يستخرج أدلتها والآخر يبين فقهها وأحكامها وآدابها ومواعظها ترغيبا وترهيبا، وهكذا.
ز - تطابق مفهوم السنة في الاصطلاح مع مفهومها في لغة العرب دون المنافاة لعالميتها
بعد أن فرغنا من بيان المفهوم الاصطلاحي للسنة ومشتملاتها عند علمائها وغيرهم ممن شاركهم في بحث جوانبها والاستفادة بها، وبينا وجوه التمايز والالتقاء بينهم ومرجعه، آن لنا أن نبين أن السنة في عموم مفاهيمها الاصطلاحية المتقدمة، ترجع إلى المعاني اللغوية التي استعملت بها الكلمة في اللسان العربي من قبل الإسلام ومن بعده، وذلك أنه تقدم إطلاق السنة في الاصطلاح، على أوامر الله ونواهيه وأحكامه التي بينها في كتابه وبواسطة رسوله، ورسم بها الطريق القويم لصلاح المعاش والمعاد، وقد ذكر صاحب «اللسان» أنه يقال في اللغة: «سنة الله، أي أحكامه وأمره ونهيه، ويقال
стр. 38
سَنَّها، للناس أي بَيَّنها، ويقال: سَنَّ الله سنة، أي بَيَّن طريقًا قويما»، واستشهد بقول الله تعالى: «﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْل﴾ (١) وقال: أي سَنَّ الله ذلك» (٢).
كذلك تقدم إطلاق السنة في الاصطلاح على أقوال الرسول ﷺ وسيرته العملية وطريقته التي سلكها في عموم حياته، طبيعة واعتيادا .. وتشريعا وبيانا لطريق الإيمان بالله، والعمل الصالح، فصار ذلك طريقًا مسلوكًا ممهدًا لأمته وهو رائدهم الأول فيه، ثم تبعه صحابته وأتباعهم على ذلك، مراعين التأسي به على أتم وجه.
وقد قال رجل لابن مسعود: «ما الطريق المستقيم؟ قال: تركنا محمد في أدناه وطرفه الجنة» (٣).
وقد استعملت السنة في لغة العرب بهذه المعاني، قال صاحب «اللسان»: وكل من ابتدأ أمرًا عمل به قوم بعده، قيل: هو الذي سَنَّه، واستشهد بقول الشاعر العربي:
كأني سَنَنْتُ الحب أول عاشق … من الناس اذ أحببت من بينهم وحدي (٤)
стр. 39
ونقل أيضًا عن «تهذيب اللغة» للأزهري: «أن السنة في اللغة الطريقة المحمودة .. والمستقيمة، ولذلك قيل: فلان من أهل السنة، معناه من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة، وهي مأخوذة من السنن وهو الطريق. والسنة: الطبيعة»
ثم نقل عن شمر قوله: «السنة في الأصل: سنة الطريق، وهو طريق سَنَّه أوائل الناس فصار مَسْلَكًا لمن بعدهم، وَسَنَّ فلان طريقًا من الخير يسنه، إذا ابتدأ أمرًا من البر لم يعرفه قومه فاستنوا به وسلكوه»
وأيضًا: ذكر صاحب «اللسان» إطلاق السنة على الوجه الحسن الخالي من العيوب، وعلى صورته الصافية وإطاره المحدد فقال: «ورجل مسنون الوجه حَسَنُهُ سَهْله، وسنة الوجه دوائره، وسنة الوجه صورته».
واستشهد بقول ذي الرمة:
تريك سنة وجه غير مقرفة … ملساء ليس بها خال ولا ندب (١)
ولا شك أن الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم بإحسان، قد رسموا بشنتتهم القولية والفعلية، أحسن صورة للإسلام وأنقاها، مجردة عن البدع والخرافات وما لم يأذن به الله، وحددوا ملامح الدين واضحة لا لبس فيها، كما أن علماء السنة قد بذلوا أضنى الجهود لتخليصها من كل شوب ودخيل، فصارت أنقى ما تكون، وهكذا لا نأخذ جانبًا من جوانب السنة وما يتعلق بها، وننظر في مدلوله، إلا نجد له وجها أصيلا، ومناسبة في الاستعمالات اللغوية لها، سواء في الجاهلية أو الإسلام.
стр. 40
بل الطريف أني وجدتُ من تعبيرات اللغة بالاستنان ما يصدق بحقيقته على أحد أنواع السنن في الاصطلاح في نفس الوقت، فالعرب تقول: ««فلان استن» إذا استاك فدعك أسنانه بالسواك» (١).
وهذا العمل نفسه أحد السنن المعروفة، وفيها قوله ﷺ : «لولا أن أشق على أُمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (٢).
وفي البخاري عن أبي بردة عن أبيه قال: «أتيت النبي ﷺ فوجدته يستن بسواك بيده» (٣).
وهكذا لم تضق اللغة بالسنة في أي من معانيها الاصطلاحية وجوانبها الواقعية، كما لم تضق السنة بعموم الاشتقاقات اللغوية للكلمة وجماع معانيها، حتى تلاحمت اللغة والاصطلاح في التعبير الواحد كما رأيت.
فهل بعد هذا من وجه الدعوى استجلاب اسم السنة من لغة أعجمية؟ - أيا كان التعليل - ليكون عنوانا على السنة المطهرة؟
يقول الإمام الشافعي ﵁: «وأولى الناس بالفضل في اللسان، لسان النبي ﷺ ، ولا يجوز. والله أعلم - أن يكون أهل لسانه أتباعا لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد، بل كل لسان تبع للسانه، وكل أهل دين قَبْلَهُ، فعليهم اتباع دينه» (٤)