والسنة بهذا المفهوم تشمل الدين كله، عقيدة وشريعة وسلوكا، سواء ما تضمنه كتاب الله تعالى من الأوامر والنواهي، أو ما تضمنته السنة بأنواعها (١).
وإلى هذا المعنى أشار الرسول ﷺ في قوله: «من أحيا سنة من سنتي قد أُميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من الناس، لا ينقص من أجور الناس شيئا، ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله، فإن عليه مثل إثم من عمل بها من الناس، لا ينقص من آثام الناس شيئًا» (٢).
وقوله أيضًا: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٣).
ويقول سيدنا عمر ﵁: «السنة ما سنه الله ورسوله، ولا تجعلوا خطأ الرأي سنة» (٤).
ويقول الإمام ابن حزم: «السنة هي الشريعة نفسها، وأقسامها في الشريعة: فرض أو ندب أو إباحة أو كراهة أو تحريم، كل ذلك قد سنه الرسول ﷺ عن الله » (٥).
ونلاحظ أن السنة بهذا المفهوم، وبمفهومها المتقدم عند الفقهاء، تفترق عن مفهومها عند الأصوليين وعلماء السنة؛ لأنها عند الفقهاء والوعاظ كما ترى، تشمل ما تضمنه القرآن الكريم، بينما تُسْتَعْمَل السنة عند الأصوليين وعلماء
стр. 37
السنة، في مقابله كما ذكرنا، وقد جاء كل من الاستعمالين على لسان الرسول ﷺ وأصحابه كما مثلنا، فأخذ كل منهم بما يناسب جهة بحثه، وجعلوه اصطلاحا متداولا بينهم للدلالة على الجوانب التي يبحثونها من السنة، ولا مشاحة في الاصطلاح، فليس هناك إذن تعارض بين تلك الاصطلاحات، وإنما هو تعدد مقاصد، وتحديد المجال البحث والدراسة والتأليف بحيث تتفرغ كل طائفة، من محدثين وفقهاء وأصوليين ومفسرين ووعاظ لبحث جانب خاص من جوانب السنة التي تسع الجميع في رحابها وتحوي مطالبهم دون تناقض، فكلهم من رسول الله ﷺ ملتمس، تبعًا للجانب الذي يبحثه وجهودهم في النهاية يكمل بعضها بعضا، وبمجموعها تُخدم السنة وعلومها، فهذا يتولى إثباتها وتنقيتها من الدخيل، وذاك يستخرج أدلتها والآخر يبين فقهها وأحكامها وآدابها ومواعظها ترغيبا وترهيبا، وهكذا.
ز - تطابق مفهوم السنة في الاصطلاح مع مفهومها في لغة العرب دون المنافاة لعالميتها
بعد أن فرغنا من بيان المفهوم الاصطلاحي للسنة ومشتملاتها عند علمائها وغيرهم ممن شاركهم في بحث جوانبها والاستفادة بها، وبينا وجوه التمايز والالتقاء بينهم ومرجعه، آن لنا أن نبين أن السنة في عموم مفاهيمها الاصطلاحية المتقدمة، ترجع إلى المعاني اللغوية التي استعملت بها الكلمة في اللسان العربي من قبل الإسلام ومن بعده، وذلك أنه تقدم إطلاق السنة في الاصطلاح، على أوامر الله ونواهيه وأحكامه التي بينها في كتابه وبواسطة رسوله، ورسم بها الطريق القويم لصلاح المعاش والمعاد، وقد ذكر صاحب «اللسان» أنه يقال في اللغة: «سنة الله، أي أحكامه وأمره ونهيه، ويقال
стр. 38
سَنَّها، للناس أي بَيَّنها، ويقال: سَنَّ الله سنة، أي بَيَّن طريقًا قويما»، واستشهد بقول الله تعالى: «﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْل﴾ (١) وقال: أي سَنَّ الله ذلك» (٢).
كذلك تقدم إطلاق السنة في الاصطلاح على أقوال الرسول ﷺ وسيرته العملية وطريقته التي سلكها في عموم حياته، طبيعة واعتيادا .. وتشريعا وبيانا لطريق الإيمان بالله، والعمل الصالح، فصار ذلك طريقًا مسلوكًا ممهدًا لأمته وهو رائدهم الأول فيه، ثم تبعه صحابته وأتباعهم على ذلك، مراعين التأسي به على أتم وجه.
وقد قال رجل لابن مسعود: «ما الطريق المستقيم؟ قال: تركنا محمد في أدناه وطرفه الجنة» (٣).
وقد استعملت السنة في لغة العرب بهذه المعاني، قال صاحب «اللسان»: وكل من ابتدأ أمرًا عمل به قوم بعده، قيل: هو الذي سَنَّه، واستشهد بقول الشاعر العربي:
كأني سَنَنْتُ الحب أول عاشق … من الناس اذ أحببت من بينهم وحدي (٤)
стр. 39
ونقل أيضًا عن «تهذيب اللغة» للأزهري: «أن السنة في اللغة الطريقة المحمودة .. والمستقيمة، ولذلك قيل: فلان من أهل السنة، معناه من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة، وهي مأخوذة من السنن وهو الطريق. والسنة: الطبيعة»
ثم نقل عن شمر قوله: «السنة في الأصل: سنة الطريق، وهو طريق سَنَّه أوائل الناس فصار مَسْلَكًا لمن بعدهم، وَسَنَّ فلان طريقًا من الخير يسنه، إذا ابتدأ أمرًا من البر لم يعرفه قومه فاستنوا به وسلكوه»
وأيضًا: ذكر صاحب «اللسان» إطلاق السنة على الوجه الحسن الخالي من العيوب، وعلى صورته الصافية وإطاره المحدد فقال: «ورجل مسنون الوجه حَسَنُهُ سَهْله، وسنة الوجه دوائره، وسنة الوجه صورته».
واستشهد بقول ذي الرمة:
تريك سنة وجه غير مقرفة … ملساء ليس بها خال ولا ندب (١)
ولا شك أن الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم بإحسان، قد رسموا بشنتتهم القولية والفعلية، أحسن صورة للإسلام وأنقاها، مجردة عن البدع والخرافات وما لم يأذن به الله، وحددوا ملامح الدين واضحة لا لبس فيها، كما أن علماء السنة قد بذلوا أضنى الجهود لتخليصها من كل شوب ودخيل، فصارت أنقى ما تكون، وهكذا لا نأخذ جانبًا من جوانب السنة وما يتعلق بها، وننظر في مدلوله، إلا نجد له وجها أصيلا، ومناسبة في الاستعمالات اللغوية لها، سواء في الجاهلية أو الإسلام.
стр. 40
بل الطريف أني وجدتُ من تعبيرات اللغة بالاستنان ما يصدق بحقيقته على أحد أنواع السنن في الاصطلاح في نفس الوقت، فالعرب تقول: ««فلان استن» إذا استاك فدعك أسنانه بالسواك» (١).
وهذا العمل نفسه أحد السنن المعروفة، وفيها قوله ﷺ : «لولا أن أشق على أُمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (٢).
وفي البخاري عن أبي بردة عن أبيه قال: «أتيت النبي ﷺ فوجدته يستن بسواك بيده» (٣).
وهكذا لم تضق اللغة بالسنة في أي من معانيها الاصطلاحية وجوانبها الواقعية، كما لم تضق السنة بعموم الاشتقاقات اللغوية للكلمة وجماع معانيها، حتى تلاحمت اللغة والاصطلاح في التعبير الواحد كما رأيت.
فهل بعد هذا من وجه الدعوى استجلاب اسم السنة من لغة أعجمية؟ - أيا كان التعليل - ليكون عنوانا على السنة المطهرة؟
يقول الإمام الشافعي ﵁: «وأولى الناس بالفضل في اللسان، لسان النبي ﷺ ، ولا يجوز. والله أعلم - أن يكون أهل لسانه أتباعا لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد، بل كل لسان تبع للسانه، وكل أهل دين قَبْلَهُ، فعليهم اتباع دينه» (٤)
стр. 41
ولسنا واجدين في هذا تضييقا أو تعصبا، وإنما هو وضع الشئ في إطاره الصحيح، الذي ارتضته الحكمة الإلهية بجعل الدين قرآنا وسنة بلسان عربي مبين، كما أن عربية اسم السنة والألفاظ التي وردت بها، لم ولن تمنع عالمية المضمون، وإباحة ترجمته بوعي وأمانة، إلى عموم اللغات واللهجات، بمقتضى عموم إرسال صاحب السنة ﷺ للناس كافة، وختمه للنبيين.
وقد أرسل ﷺ رسائل لملوك العجم من فرس وروم وقبط بلغته العربية، وتُرجمت لهم فَبَلَغتهم بها الدعوة هم وأقوامهم دون حرج.
أما التعليل لأخذ تسمية السنة من «المشناة» اليهودية بالمشابهة، فَسَنُبين بطلانه ضمن الفقرة التالية، ليتم زوال الدعوى وعلتها.
ح - منزلة السنة في الإسلام ومخالفتها لمنزلة المشناة عند اليهود
من تمام تحقيق مفهوم السنة عند علمائها وغيرهم، أن نُبين منزلتها في الإسلام، خاصة وأن من زعم كون اسمها مأخوذ من «مشناة» اليهود علله بمشابهة موقف المسلمين من السنة، بموقف اليهود من المشناة، فزعم أنهم تركوا القرآن وعملوا بما روي عن الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم، كما ترك اليهود التوراة وعملوا بتفسيرات الأحبار وشروحهم لها، كما أن هناك من زعم أنه لا يُقبل من السنة إلا ما وافق نص القرآن.
وسيتبين لنا من تحديد مكانة السنة في الإسلام، بطلان هذا وذاك وتَخْلُصُ لنا السنة في حقيقتها ومشتملاتها محددة واضحة.
(١) السنة تستمد عموم مشروعيتها من القرآن الكريم:
فقد قرن القرآن طاعة الرسول ﷺ بطاعة الله، وجعل عصيانه مُحبطًا للعمل.
стр. 42
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (١) بل إنه جعل طاعته ﷺ من طاعة الله فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٣).
وهكذا جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم عبر نزوله في شتى المواقف والتشريعات، وبمقتضاها وجب على المؤمنين طاعته ﷺ في كل ما سنه لهم بالقول والعمل، والتأسي به وبمن تُعَدُّ سنتهم من سنته وهم الصحابة والتابعون كما سلف.
فكيف يمكن إذن الاعتماد على السنة مع ترك القرآن الذي تستند في عموم مشروعيتها عليه، كما يزعم من أشرنا لهم؟
ثم إن عموم الأمر بطاعة الرسول ﷺ كما نرى في الآيات السابقة وغيرها، يجعل ذلك شاملًا لما وافق صريح القرآن، كأمره ﷺ بالصلاة ونهيه عن الزنا، ولما لم يُصرح به القرآن، كتفاصيل العبادات والحدود ونحوها، وفي هذا رد على الزنادقة والخوارج الذين يقولون بعدم حجية ما تستقل السنة ببيانه، ووضعوا لذلك الغرض حديثًا بلفظ «ما آتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله فلم أقله، وإنما أنا موافق
стр. 43
كتاب الله وبه هداني الله».
قال عبد الرحمن بن مهدي: «الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث».
قال ابن عبد البر: «وهذه الألفاظ لا تصح عنه ﷺ عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه، وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم، وقالوا نحن نعرضه على كتاب الله قبل كل شئ، ونعتمد على ذلك، فلما عرضناه وجدناه مخالفا لكتاب الله، لأنا لم نجد في كتاب الله ألا يقبل من حديث رسول الله ﷺ إلا ما وافق كتاب الله، بل وجدناه يطلق التأسي به والأمر بطاعته ويُحذِّر من المخالفة عن أَمْرِهِ جملة على كل حال» (١).
(٢) السنة مبينة للقرآن وملازمة له:
أنزل الله على نبيه القرآن الكريم وقال له فيه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢)، كما قال أيضًا: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣)، وقال مخاطبًا رسوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤).
كما أمر المؤمنين بطاعته ﷺ على وجه العموم فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (٥).
стр. 44
وتكرر ذلك في القرآن الكريم كما قدمنا، وعلى ضوء هذه الآيات ونحوها، بين العلماء منزلة السنة من القرآن ويجمع آراءهم في هذا، أن القرآن تبيان لكل شئ، وجامع لكل شيء مما شرع الله، بطريق الإجمال في الغالب؛ لأنه لا يُصرح بتفاصيل أكثر التشريعات وشروطها وهيآتها، كالصلاة والحج وأنصبة الزكاة وتنفيذ الحدود ونحو ذلك، ولما كانت هذه التفاصيل موجودة في السنة عمومًا، وقد نص القرآن على وجوب طاعة الرسول ﷺ وتكليفه بالبيان، كان بيان السنة نوعًا من بيان القرآن لكل شئ، ووسيلة له، فكان الرسول ﷺ قرآنا يسير في الناس، وقال في صراحة ووضوح: «فاستنطقوا القرآن بسنتي ولا تعسفوه» (١).
وبهذا تلتئم معاني الآيات المتقدمة، وتظهر الحاجة للسنة بجانب القرآن وتلازمها تلازم البيان والمبين، مما يبطل زعم الفصل بينهما أو إحلال السنة محل القرآن أو العكس، وقد كان علماء الصحابة ومن بعدهم يفهمون ذلك ويبينونه لمن خفي عليهم ويضربون لهم الأمثلة التوضيحية.
فمن ذلك: ما أخرجه ابن عبد البر بسنده إلى ابن مسعود قال: «لعن الله الواشمات والمُسْتَوْشِمَات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله، فجاءته امرأة من بني أسد وقالت له بلغني أنك لعنت كيت وكيت فقال: ومالي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ ومن هو في كتاب الله؟ فقالت: إني لأقرأ ما بين اللوحين فما أجده، قال: إن كنت قارئة لقد وجدتيه، أما قرأت ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (٢)؟ قالت: بلى. قال:
стр. 45
فإنه قد نهى عنه رسول الله ﷺ » (١).
وبينما عمران بن الحصين يُحدّث بسنة النبي ﷺ قال له رجل: ما هذه الأحاديث التي تحدثوناها وتركتم القرآن، قال: أرأيت لو أبيت أنت وأصحابك إلا القرآن، من أين كنت تعلم أن صلاة الظهر عدتها كذا وكذا، وصلاة العصر عدتها كذا، وحين وقتهما كذا، وصلاة المغرب كذا، وذكر له الوقوف بعرفة ورمي الجمار، وكيفية قطع يد السارق، ثم قال له: اتبعوا حديثنا ما حدثناكم وإلا والله ضللتم (٢).
وفي رواية: أن عمران قال للرجل: إنك امرؤ أحمق أتجد في كتاب الله الظهر أربعًا لا تجهر فيها بالقراءة؟ ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسرا؟ إن كتاب الله أَبْهَمَ هذا، وإن السنة تفسر ذلك (٣) وقد قرر ذلك وزاد تفصيلا الأئمة المجتهدون، كالإمام الشافعي (٤)، وابن حزم الظاهري (٥) وبعد أن ذكر ابن عبد البر بعض الأمثلة لبيان السنة للقرآن قال «والآثار في بيانه ﷺ لمجملات التنزيل قولا وعملا، أكثر من أن تُحصى» (٦)، وعلى ضوء هذا قال الإمامان الأوزاعي ومكحول: «الكتاب أحوج إلى السنة
стр. 46
من السنة إلى الكتاب».
قال ابن عبد البر: «المراد أنها تقضي عليه وتبين المراد منه» (١) وبناء على هذا كانت حاجة الأمة إلى السنة بجانب الكتاب لفهم مقاصده، وتخصيص عامه، وتقييد مطلقه وتعيين أحد الاحتمالات مما احتمل أكثر من معنى، ونحو ذلك حتى قال عبد الرحمن بن مهدي: «الرجل إلى الحديث أحوج منه إلى الأكل والشرب» (٢) ولا عجب فلا دنيا لمن لم يحي دينه.
وإذن: فليس في الاتجاه لجمعها وتدوينها والعناية ببحثها وتمحيصها والتخصص في دراستها، والتأليف في مختلف فروعها، إعراض عن المبين بها وهو القرآن، بل إن ذلك في الحقيقة حرص على تحصيل أصح معانيه ودلالاته، ممن أنزل على قلبه ﷺ ومن أصحابه الذين شاهدوا التنزيل وأخذوا بيانه من الرسول ﷺ ، وكذا تابعوهم الذين لم يفصل بينهم وبين الرسول ﷺ إلا واسطة واحدة، ولذلك قال رجل للتابعي الجليل مطرف بن عبد الله بن الشخير: «لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال له مطرف: والله ما نريد بالقرآن بدلا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا (٣)».
وبمقتضى تلازم السنة والقرآن تلازم البيان والمبين، كانت السنة متساوية مع القرآن من جهة، وتالية من جهة أخرى، فهي متساوية معه في وجوب الرجوع إليها في التشريع، ومعرفة المراد بما في التنزيل؛ لاحتمال وجود مخصص أو مقيد لعموم القرآن، وهي تالية للكتاب من جهة كونها مبينة له.
стр. 47
والبيان متأخر عن المبين، كما أن ما اشتملت عليه من الأحكام التفصيلية الزائدة على ما نص عليه القرآن لا يعتد بها إلا بعد الرجوع للكتاب، ومعرفة عدم وجودها فيه، ثم إن القرآن كله منقول بالتواتر القطعي أما السنة فمعظمها ثابت برواية الآحاد.
(٣) السنة نوع من الوحي ومتصلة السند:
ومع أن السنة تالية للقرآن بهذين الاعتبارين، إلا أن ذلك لا يغض من قيمتها، أو ينأى بها بعيدا عن مصدر القرآن، فقد قال تعالى في وصف الرسول ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١).
قال الإمام ابن حزم: «فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله إلى رسوله ﷺ إلى قسمين:
أحدهما: وهو متلو مؤلف تأليفا معجز النظام وهو القرآن.
والثاني: وحي مروي منقول، غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو، لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ وهو المبين عن الله مراده منا» (٢).
وقد أشار الرسول ﷺ لذلك فقال: «ألا إني أُوتيت الكتاب، أو القرآن، ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة من
стр. 48
مال معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها».
وفي رواية أنه قال: «يوشك رجل متكئ على أريكته يُحدث بالحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا حلالا أحللناه، وما وجدنا حرامًا حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثلما حرم الله » (١).
وفي رواية: «فمن بلغه عني حديث فكذب به أو كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (٢).
فإذا كانت سنة الرسول ﷺ كالقرآن في وجوب الاتباع، ومردها إلى الوحي غير المتلو، وكذلك سنة الصحابة والتابعين كانت من سنة الرسول ﷺ باعتبار أخذهم عنه واقتدائهم به، ثم اتصل السند بالجميع، منهم إلى أجيال الأمة حتى الآن، وإلى الأبد، فإن مباينة الجميع لمشناة اليهود التي هي من كلام الأحبار المتأخرين وشروحهم، تبدو في غاية الوضوح، بل إنها تباين التوراة نفسها، يقول الإمام ابن حزم في هذا الصدد ما خلاصته: «ما نقله الثقة عن الثقة كذلك، فضلا عن الكافة، حتى يبلغ إلى النبي ﷺ أو الصاحب، أو التابع، أو إلى إمام أخذ عن التابع، يعرفه من كان من أهل المعرفة بهذا الشأن، وهذا نقل خَصَّ الله تعالى به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم خصبًا جديدًا على قديم الدهور، يجولون في طلبه إلى الآفاق ويواظبون على تقييده ونقده، وقد حفظه الله عليهم، أما المرسل فمنه كثير من نقل اليهود، بل هو أعلا ما عندهم إلا أنهم لا يقربون فيه من موسى
стр. 49
كقربنا من محمد ﷺ بل يقفون ولابد حيث بينهم وبين موسى ﵇ أزيد من ثلاثين عصرًا في أزيد من (١٥٠٠) عام.
وإنما يبلغون إلى هلال وشماني وشمعون، وأمثالهم، وذلك فيما عدا مسألة واحدة في النكاح تتصل لهم مشافهة عن نبي من أنبيائهم المتأخرين، وأما النقل الموقوف، فهو صفة نقل جميع اليهود لشرائعهم التي هم عليها الآن مما ليس في التوراة، وهو صفة جميع نقل النصارى، حاشا تحريم الطلاق، إلا أن اليهود لا يمكنهم أن يبلغوا ذلك إلى صاحب نبي أصلا ولا إلى تابع له، هذا أمر لا يقدر أحد منهم على إنكاره إلا كذبًا (١).
وقد وافق ابن حزم على هذا مؤلفو دائرة المعارف البريطانية من المستشرقين بعد تحقيقهم وفحصهم (٢).
وإذا كان الأمر كذلك فلا يسوغ تشبيه السنة في الإسلام بالمثناة عند اليهود، لا من ناحية ثبوتها، ولا من ناحية العمل بها، وليس بإمكان المسلمين الفصل بين الكتاب والسنة، أو إحلال أحدهما محل الآخر، بل هما متلازمان تلازم البيان والمبين، والسنة صنو الكتاب في وجوب الأخذ بها، وفي رجوعها للوحي ابتداء أو انتهاء، وهي الأصل الثاني للإسلام بعد القرآن الكريم، فانتفى زعم مشابهتها لمشناة اليهود.
ط - ألفاظ مرادفة للسنة وإقرار العراقي لها
اصطلح علماء السنة على استعمال عدة ألفاظ أخرى بمعنى السنة، بحيث
стр. 50
إذا وردت في كتبهم مطلقة يكون المراد بها هو المراد بالسنة التي قدمنا تعريفها عندهم، وتلك الألفاظ هي: الحديث والخبر والأثر، ورغم ما قد تجده من الاختلاف بالعموم والخصوص، أو التقابل، في استعمال هذه الألفاظ أحيانًا، إلا أن الجمهور اصطلح على ترادفهم جميعًا مع السنة، واستعمال كل منهم بمعنى الآخر (١)، ويؤيد هذا استعمال القرآن الكريم والرسول ﷺ ومن بعده من الصحابة والتابعين وأئمة العلماء.
فيقول الله تعالى عن الأرض عند زلزلتها: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (٢) فوصف الخبر بالحديث واستعمل الرسول ﷺ السنة والحديث والخبر فيما أضيف إليه وإلى صحابته، فقال فيما قدمناه: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين»، وقال: «يوشك رجل متكئ على أريكته يُحدث بالحديث من حديثي» وفي حديث «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المؤمن، قال ﷺ لأصحابه: فحدثوني ما هي؟ فقالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة»، وفي رواية قال: «أخبروني ما هي؟» وفي رواية أن أصحابه قالوا له أَخْبِرنا ما هي (٣)؟
وعلى هذا: جرى الأئمة المشتغلون بالسنة وعلومها في مؤلفاتهم، سواء في
стр. 51
كلامهم أو فيما نقلوه من كلام غيرهم، كالإمام الشافعي في «رسالته» (١) وأبو عبيد في «كتاب الأموال» (٢)، وأبو جعفر الطحاوي في كتابيه «مشكل الآثار» و «شرح معاني الآثار»، والحاكم في «معرفة علوم الحديث» (٣) والخطيب في «الكفاية» (٤)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٥)، والنووي في «التقريب» (٦)، والطيبي في «الخلاصة» (٧) والذهبي في «زغل العلم» (٨)، وغير هؤلاء من المتقدمين والمتأخرين.
وقد جرى العراقي على ما ذهب إليه الجمهور فاستعمل الألفاظ الأربعة عند الإطلاق بمعنى واحد، ففي أول ألفيته في المصطلح نسب نفسه إلى الأثر فقال: «عبد الرحيم بن الحسين الأثري».
وقال في شرحها: الأثري بفتح الهمزة والثاء المثلثة نسبة إلى الأثر، وهو الحديث، ثم عاد فعبَّر بالحديث فقال: في وصف الألفية «توضح من علم الحديث رسمه» (٩).
стр. 52
ثمّ عنون الموضوع الأول في الألفية «بأقسام الحديث»، كما عبر بذلك من قبله ابن الصلاح، وعبر في بيان الأقسام «بالسنن» بدل الحديث فقال: «وأهل هذا الشأن قسموا السنن … إلى صحيح وضعيف وحسن».
ثم شرح قوله: أهل هذا الشأن بقوله: «أي وأهل الحديث»، ثم نقل كلام الخطابي في هذا التقسيم، وفيه التعبير بالحديث بدل السنن التي عبر هو بها (١).
وفي حكم الصحيحين والتعليق (٢) وفي باب المدرج (٣)، ذكر الخبر بمعنى الحديث، واستعمل أيضًا الخبر والحديث بمعنى واحد (٤)، ثم استعمل الخبر والأثر بمعنى الحديث (٥)، واستعمل السنة بمعنى الأثر (٦)، حيث وصف الإمام مالكا بأنه نجم السنن، وقال: إنه اقتدى في ذلك بقول الإمام الشافعي: «إذا ذكر الأثر فما لك النجم» (٧)، وفي «مقدمة تكملته لشرح الترمذي» (٨) عبر بالآثار عن الأحاديث، ولم يخرج العراقي عن هذا إلا فيما خرج أحاديثه، وهو «إحياء علوم الدين» و «تخريج أحاديث منهاج البيضاوي»، فقد جرى في تخريجها على تخصيص الخبر والحديث بما روي عن الرسول ﷺ وتخصيص الأثر بما روي عن غيره من الصحابة والتابعين كما سيأتي، وقد فعل ذلك رعاية.
стр. 53
لما جرى عليه صاحبا الكتابين، وَهُمَا: «الغزالي» و «البيضاوي» من إطلاق الأثر على المضاف للصحابة والتابعين، وإطلاق الخبر والحديث على المرفوع للرسول ﷺ ، وهذا يلتقي مع اصطلاح لبعض الفقهاء حيث يُطلقون الأثر على ما جاء عن الصحابة أو جاء عن السلف عمومًا (١).
قال النووي: «وعند المحدثين كل هذا، أي المرفوع للرسول والموقوف على الصحابة، يُسمَّى أثرًا، ووجهه السيوطي بالمأخذ اللغوي فقال: «لأنه مأخوذ من أثرت الحديث أي رويته، فكلاهما صادق عليه أنه مروي ومأثور، سواء عن الرسول أو عن الصحابة، وكذلك عن التابعين، ولذلك اعتمد المحققون من المتأخرين ترادف الحديث والأثر كما قدمنا»» (٢).
خلاصة البحث:
(١) أن كلمة السنة ومشتقاتها أصيلة في لغة العرب وفي استعمالهم من قبل الإسلام ومن بعده.
(٢) أن المفهوم الاصطلاحي لها عند علماء الأمة عامة، والمختصين بدراسة السنة وعلومها خاصة، دائر في إطار المدلول العربي لها، وأن أقوال الرسول ﷺ فضلاً عمن بعده من الصحابة والتابعين قد اشتملت على كلمة السنة وتصاريفها، مستعملة في جماع معناها اللغوي وهو السيرة والطريقة وحُسن الرعاية، وبهذا كانت تسميتها نابعة من واقعها وصادرة من الرسول نفسه.
стр. 54
(٣) أن السنة في الإسلام مشاركة للقرآن في وجوب الرجوع إليها في أمور الدين، وفي كونها نوعًا من الوحي وتالية له في المنزلة؛ لأنها مبينة له، وهو ثابت جميعه بالتواتر، وهي منها المتواتر ومنها المروي بطريق الآحاد من الرواة، وباعتبار مشاركتها له في التشريع وتبيينها لمجمله ومطلقه وعامه، كان لابد منها بجانبه وملازمتها له، وبهذا، فإن القول بأن المسلمين تركوا القرآن وعملوا بالسنة قول مناف لمنزلة السنة من القرآن والإسلام، وللواقع من عمل المسلمين؛ لأنها على أي اعتبار لا تنفصل عن القرآن ولا تحل محله، كما لا يحل هو محلها، بل لكل منهما اعتباره مع التلازم.
(٤) أن السنة في بناء الإسلام وفي حياة المسلمين على ما تقدم، تباين من كل الوجوه «المشناة» اليهودية، وهذا ما يدفع القول باشتقاق اسمها أو نقله منها، كما أنه ليس في عربية الاسم والمسمى تضييق أو تعصب، طالما أُبيحت الترجمة الأمينة الواعية للسنة منذ عصر الرسول ﷺ .
(٥) أن الاختلاف الاصطلاحي في مفهوم السنة بين علماء الأمة ليس اختلاف تعارض وإنما هو تعدد مقاصد، فكل عَرَّفَ السنة بالجانب الذي يحتاجه منها دون منازعة من أي منهم في الإقرار بما ثبت عن الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم بإحسان.
(٦) أن مقصودنا في هذا البحث هو السنة في اصطلاح علمائها؛ لأنها هي المجال الذي تخصص فيه العراقي، وأثر فيه رواية ودراية، حتى لقب بالحافظ، وما نتعرض له خلاف ذلك، فلما يكون له من صلة به، أو اشتراك معه، نظرًا لأن العلوم الإسلامية جميعًا تخدم وتكمل بعضها، وبمجموعها تتكامل.
стр. 55
الشخصية العلمية والعملية للفرد والجماعة على السواء.
(٧) أن علماء السنة استعملوا ألفاظا مرادفة لها هي: الحديث والخبر والأثر، وقد تبعهم العراقي في هذا.
* * *
стр. 56
القسم الثاني بيان علوم السنة
стр. 57
السنة بمفهومها المتقدم، مَرَّت كغيرها من العلوم الإسلامية، بعدة مراحل حتى صارت عِلْمًا قائما بذاته له أصوله ومصطلحاته، ومناهج بحثه ومؤلفاته المبينة لكل ذلك، والمطبقة له، والحافظة للأصل الثاني للإسلام بعد القرآن الكريم، وباتساع دوائر البحث وتجدد المسائل والقضايا في كل عصر وبيئة، صارت المباحث علومًا عديدة، كل منها يخدم جانبًا من جوانب السنة، كعلم الجرح والتعديل، وعلم غريب الحديث، وعلم المصطلح، وسُمِّي مجموعها علوم السنة أو الحديث أو الأثر على الترادف السابق، وقد يطلق عليها «علم» مفردا، على إرادة الجنس الشامل لعدة أنواع، والسياق يُحدد المقصود.
وتتبع تلك المراحل منذ عصر الرسول ﷺ حتى القرن الثامن الهجري، ومفتتح التاسع حيث عاش الحافظ العراقي، واستغرقت علوم السنة عمره، ليس من مطالب موضوعنا، ولا يفي به هذا المدخل التمهيدي، فقد أفاض فيه القدماء والمحدثون من الشرقيين (١) والمستشرقين (٢)، وقدمت فيه رسائل جامعية متعددة (٣).
لهذا فإننا نكتفي هنا بالقول: إن السنة عبر تلك المراحل والقرون، قد
стр. 58
انتقلت أساسًا - رغم ما كتب منها بين يدي الرسول ﷺ وما تجمع بعده وصنف - بواسطة سلسلة متتابعة من الرواة والعلماء، تلقى كل منهم عن الآخر ما تيسر له منها، بالسماع أو الإجازة أو نحوهما، من طرق الرواية المعروفة، حتى تنتهي السلسلة إلى المصدر الأول للسنة، وهو الرسول ﷺ أو أصحابه أو تابعيهم بإحسان كما تقدَّم، وتُسمى هذه السلسلة من الرواة بالسند أو الإسناد؛ لأن السنة المروية تستند في ثبوتها عليه، كما يستند الحفاظ عليه في قبول المروي أو رده، وتُسمى بالطريق؛ لأنها توصل إلى المروي، أما المروي نفسه من أنواع السنة فيسمى بالمتن؛ لأن به قوام المعنى، والمتن في اللغة يطلق على ما به قوام الشئ.
ولمكانة السنة الأصيلة في الإسلام كما أوضحنا، فإن المسلمين قد عنوا بجانب حفظهم للقرآن وكتابته ودراسته، بحفظ السنة والتثبت في روايتها وكتابتها وجمعها والتصنيف فيها في كل عصر وموطن، والتأليف في مختلف نواحي المتن والسند، ونشأ من ذلك كله ما يعرف بعلوم السنة.
تقسيم علوم السنة إلى رواية ودراية
وقد قسم العلماء علوم السنة إلى قسمين أحدهما يُسمى علم الرواية، والآخر يُسمى علم الدراية، واختلف مفهوم كل منهما عند المتقدمين عنه عند المتأخرين والمشهور اصطلاح المتأخرين (١) وإليك البيان:
١ - علم الرواية والدراية عند المتقدمين:
المتقدمون حتى آخر عصر الخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، هم الذين
стр. 59
شهدت السنة على أيديهم عصرها الذهبي خلال القرن الثالث الهجري، حيث البخاري والترمذي وطبقتهما، ثم شهدت فيما تلاه مرحلة النضج والاتساع في مؤلفات المتن والسند، على نحو ما فعل ابن حبان والدارقطني والبيهقي وطبقاتهم في مؤلفاتهم، وجمعت القواعد والمصطلحات، وتقررت على يد الرامهرمزي ثم الحاكم ثم الخطيب البغدادي، وقد اصطلح هؤلاء وأمثالهم على تعريف علم الرواية بأنه: علم يبحث عن كيفية اتصال الأحاديث بالرسول ﷺ ، من حيث معرفة أحوال رواتها ضبطا وعدالة، ومن حيث كيفية السند اتصالا وانقطاعا، وغير ذلك من الأحوال (١).
وقد ألف الخطيب في ذلك كتابين جامعين:
أحدهما: في قوانين الرواية وسماه «الكفاية لمعرفة أصول علم الرواية» والآخر: في آدابها وسماه «الجامع لآداب الراوي، وأخلاق السامع».
وقال في مقدمة الكفاية: «وأنا أذكر بمشيئة الله تعالى وتوفيقه في هذا الكتاب ما بطالب الحديث حاجة إلى معرفته، وبالمتفقه فاقة إلى حفظه ودراسته، من بيان أصول علم الحديث وشرائطه، وأشرح من مذاهب سلف الرواة والنقلة في ذلك ما يكثر نفعه وتعم فائدته؛ ويستدل به على فضل المحدثين، واجتهادهم في حفظ الدين ونفيهم تحريف الغالين وانتحال المبطلين، ببيان الأصول من الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل وأقوال الحفاظ في مراعاة الألفاظ؛ يعني في رواية السنن، وحكم التدليل والاحتجاج بالمراسيل، والنقل عن أهل الغفلة ومن لا يضبط الرواية وذكر من يرغب عن السماع منه
стр. 60
لسوء مذهبه، والعرض على الراوي، والفرق بين قول حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، وجواز إصلاح اللحن والخطأ في الحديث، ووجوب العمل بأخبار الآحاد والحجة على من أنكر ذلك، وحكم الرواية على الشك وغلبة الظن واختلاف الروايات، بتغاير العبارات، ومتى يصح سماع الصغير، وما جاء في المناولة وشرائط صحة الإجازة والمكاتبة، وغير ذلك مما يقف عليه من تأمله» (١).
وهذا الذي فصله في المقدمة قليل جدا، بالنسبة لمحتويات الكتاب حيث قسمه إلى (١٦١) بابا، ضمن كل باب موضوعًا أو قاعدة اصطلاحية، كما في الأمثلة التي ذكرها آنفاً، بحيث يُغطي معظم أحوال السند والمتن، مما جعل تسميته بالكفاية في موضعها.
كما أن هذا مما يدل على ما وصله علم أصول الحديث - كما سمّاه الخطيب في أول كفايته - حينئذ من السعة ووفرة البحوث، وتقرر القواعد والمصطلحات، لا سيما إذا عرفنا أن الخطيب أيضاً بجانب الكفاية والجامع، أفرد كثيرا من فنون العلم بمؤلفات مستقلة، صار بموجبها عائل أهل هذا الفن من بعده (٢).
وليس هذا شأنه وحده، وإنما تعتبر مؤلفات المتقدمين عموما، حتى عصره وآراؤهم في الرجال والتصحيح والتعليل، عمدة من جاء بعدهم، وهو نفسه صَرَّحَ، كما تقدم لك، بجمعه لآراء من تقدموه مع شرحها وتوضيحها، ومطالعة كتاب الكفاية خير دليل على أنه جماع آراء الخطيب ومن تقدموه،
стр. 61
ولكننا نلاحظ أنه ضمن الكتاب بعض المباحث المتعلقة بعلم أصول الفقه كالاحتجاج بالمرسل وبخبر الآحاد وقصد توجيه ذلك للفقهاء كما صرح في المقدمة، ولهذا استبعد المتأخرون مثل هذه المباحث واقتصروا على ما يختص بعلم الحديث وأصوله.
٢ - علم الدراية:
أما علم الدراية فعرفوه بأنه: العلم الباحث عن المفهوم من ألفاظ الحديث وعن المراد منها مبنيا على قواعد العربية وضوابط الشريعة ومطابقا لأحوال النبي ﷺ (١). وبذلك يكون موضوع هذا العلم ألفاظ الحديث فقط، دون السند، والمراد بالدراية: المعاني المفهومة والأحكام المستنبطة من السنن، أي أن علم الدراية عند المتقدمين هو «علم فقه السنة».
وقد سماه الحاكم «معرفة فقه الحديث» وعده عِلْمًا مُستقلا من علوم السنة وذلك في كتابه «معرفة علوم الحديث».
وقال: «إن به قوام الشريعة، وفرق بينه وبين علم الفقه التقليدي للمذاهب، المعتمد على القياس والجدل»، كما جعله ثمرة لمعرفة باقي علوم الحديث، بحيث يسبقه معرفة صحة الحديث من عدمه؛ فقال: «النوع العشرون من هذا العلم - بعد معرفة ما قدمنا ذكره من صحة الحديث إتقانا ومعرفة، لا تقليدا أو ظنا - معرفة فقه الحديث؛ إذ هو ثمرة هذه العلوم، وبه قوام الشريعة، وأما فقهاء الإسلام أصحاب القياس والرأي والاستنباط والجدل والنظر، فمعروفون في كل
стр. 62
عصر وأهل كل بلدة، ونحن ذاكرون بمشيئة الله في هذا الموضع، فقه الحديث عند أهله، ليستدل بذلك على أن أهل هذه الصنعة، مَنْ تبحر فيها، لا يَجْهَل فقه الحديث؛ إذ هو نوع من أنواع ذلك العلم» (١).
وقد توسع الحاكم في الكلام على علم فقه الحديث أكثر من أي علم من علوم الحديث التي تناولها في كتابه (٢) فتتبع نماذجه من عصر التابعين حتى شيوخه في أواخر القرن الرابع الهجري، وشمل هذا ٢٣ من أبرز الأئمة الذين جمعوا بين حفظ الحديث والصناعة الحديثية، وفقه الحديث، وذكر أمثلة نثرية ومؤلفات، وبدأ بذكر التابعي الجليل محمد بن شهاب الزهري (٣) حتى انتهى إلى الإمام ابن خزيمة المتوفى سنة ٣١١ هـ (٤) ثم سرد سبعة آخرين بأسمائهم، تجنبًا للإطالة ومنهم: أبو داود والترمذي صاحبي السنن وبعض شيوخه (٥).
* ويفهم من الأمثلة والمؤلفات التي ذكرها، أن فقه الحديث عند أهله حتى عصره يشمل الآتي:
١ - معنى الألفاظ والعبارات التي تخفى على غير المتبحر في اللغة، أو علوم الدين بما فيها السنة نفسها (٦).
٢ - بيان ما يؤخذ من الحديث من الأحكام والآداب (٧).
стр. 63
٣ - وبيان الناسخ والمنسوخ (١).
٤ - والتوفيق بين ما ظاهره التعارض، أو ترجيح بعضه على الآخر (٢).
وهذه النقاط جماع ما يتناوله شراح السنة، حتى عصر العراقي وإلى الآن، إلا أنها لم تكن في عصر الحاكم وما قبله قد كثر التأليف فيها، كما عند المتأخرين، ولهذا نجد أكثر أمثلته عبارة عن فتاوى وإجابات منثورة عما سئل عنه الأئمة، ومنها ما جمع فيما بعد، كسؤالات الإمام أحمد وإجاباتها.
٥ - كما عد من فقه السنة تصنيفها حسب الموضوعات وعلى الأبواب فقال عن الإمام النسائي: «فأما كلام أبي عبد الرحمن على فقه الحديث فأكثر من أن يذكر في هذا الموضع، ومن نظر في كتاب «السنن» له تَحيَّر في حسن كلامه» (٣)، وذلك لأن عناوين الأبواب عبارة عن بيان واضعها للمعنى العام، والحكم المستفاد من السنن التي يذكرها في الباب.
٦ - ونقل عن إبراهيم بن الحربي جمعه بين بيان فقه الحديث وعلته، حيث سئل عن حديث «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» فقال: فيه نهي عن الرياء، وله علة .. وبينها (٤).
ومن هذا يتضح لك ما ذكره العلماء: أن علم الدراية على هذا الاصطلاح، مادته: «القصص الصحيح لبيان ملابسات الحديث ومناسبته والأخبار النبوية
стр. 64
لأن خير بيان للحديث ما بينه حديث آخر، كما أن من وسائله معرفة اللغة العربية ومسائل العقيدة، وفقه المذاهب وأصوله» (١) كما أرجع العلماء نشأته إلى الصحابة الذين ضبطوا أقواله ﷺ وأفعاله وصفاته (٢) وتلقى عنهم التابعون.
وقد مثل الحاكم بالزهري كما قدمنا.
علمي الرواية والدراية عند المتأخرين وعمل العراقي به
استمر المتقدمون على اصطلاحهم السالف ووضعوا مؤلفاتهم كما رأيت على أساسه، وكان خاتمهم الخطيب البغدادي كما ذكرنا وقد تبعهم من بعدهم حتى عصر العراقي، أما الذين جاؤوا في عصر العراقي وما تلاه، فمع اعتمادهم الأساسي على ما أصله الخطيب وأسلافه في مؤلفاتهم بالنسبة للمسائل والقضايا والمصطلحات المتعلقة بالمتن والسند، إلا أنهم خالفوهم في التقسيم الموضوعي لما يطلق عليه علمي الرواية والدراية، وذلك على النحو التالي:
علم الرواية:
قال ابن الأكفاني المعاصر للعراقي في «إرشاد القاصد»: «علم الحديث الخاص بالرواية علم بنقل أقوال النبي ﷺ وأفعاله بالسماع المتصل، وضبطها وتحريرها» (٣).
وبناء على هذا التعريف يكون علم الرواية مخالفا كلية لما أطلقه عليه.
стр. 65
المتقدمون عن ابن الأكفاني، كالخطيب وغيره؛ لأنه عندهم كما مر، قواعد كلية، ومصطلحات، لبيان أحوال السند والمتن، بما في ذلك قواعد تحمل السنة وأدائها، أما هذا فهو عبارة عن تطبيق لقواعد التحمل والأداء، والتطبيق غير القاعدة، فهو تعريف أقرب إلى المعنى اللغوي للرواية، منه إلى الاصطلاح العلمي؛ لأنه غير جامع حتى لأنواع السنة المضافة للرسول ﷺ ؛ لاقتصاره على الأقوال والأفعال دون ذكره بيان صفاته ﷺ وتقريراته وهي أحاديث مرفوعة بإجماع المحدثين (١)، هذا فضلا عن عدم ذكره للمضاف للصحابة والتابعين، وهو من السنن كما قدمنا، وأيضا فقد قصر الرواية على النقل بالسماع فقط، دون باقي طرق التحمل المعتبرة، ومن شرط الحد أن يكون جامعا للمحدود.
ومع هذا فقد أقر ابن الأكفاني عليه عامة من جاء بعده حتى الآن فبعضهم ذكره كما هو وسكت عليه كالسيوطي (٢) والبقاعي (٣) والأستاذ صبحي السامرائي (٤).
وبعضهم لاحظ قصوره الذي أشرنا إليه فأضاف إليه ما يجعله شاملا لعموم أنواع السنة فقال: «هو علم يشتمل على نقل ما أُضيف إلى الرسول ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة وكذا ما أضيف إلى أصحابه أو تابعيهم من قول
стр. 66
أو فعل أو تقرير، ومن هؤلاء: الشيخ زكريا الأنصاري (١) وتبعه على هذا الشيخ عطية الأجهوري (٢) والشيخ محمد الزرقاني (٣) والدكتور صبحي الصالح (٤)، ومنهم من أضاف ما يجعله شاملا للمضاف للرسول ﷺ فقط (٥).
ولو أننا مشينا على أعم صيغ هذا التعريف الشاملة لنقل سنة الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم، كما ارتضاه الأنصاري ومن تبعه، فإنه سيبقى لدينا مباحث تختص بالمرويات ولا يشملها علم الرواية بمفهومه المذكور، كما لا يشملها علم الدراية في اصطلاح المتأخرين أيضًا كما سنذكره، من ذلك مثلا ما تضمنته مصادر السنة العديدة، من بيان درجة المروي فيها، من الصحة أو الحسن أو الضعف أو الوضع، وهذا زائد عن المتون المروية وهو أحكام جزئية ليست من قواعد علم الدراية، وإن كانت تطبيقا لها، ومن ذلك أيضًا: فقه السنة ومعانيها المتمثلين في تصنيفها على الموضوعات والأبواب، وفي الشروح العديدة لكتبها كشرحي صحيح البخاري ومسلم.
стр. 67
تعريف الكرماني والرد على منتقديه:
ولعل هذا ما جعل الكرماني المتوفى سنة ٧٩٥ هـ أو ٧٩٦ هـ يُقدم في أول شرحه للبخاري تعريفا من جانبه لعلم الحديث، ينصب أساسا على شرح الأحاديث واستنباط أحكامها، فقال: «هو علم يعرف به أقوال رسول الله ﷺ وأفعاله وأحواله» (١) ولكننا وجدنا ممن أقر التعريف السابق، من أسرع لانتقاد الكرماني، فقال البقاعي: «كأن مراده بالعلم نفس الاطلاع على الحديث فقط، ولم يُقيّد المعرفة بحيثية النقد، فدخل في تعريفه الاستنباط» (٢). وقال السيوطي: «وهذا التعريف مع شموله لعلم الاستنباط غير محرر» (٣).
والذي يظهر لي أن الكرماني قصد بالتعريف نفس ما أرادا استبعاده، وهو علم الاستنباط أو فقه الحديث ومعناه، وكأنه تعريف مستقل من جانبه لعلم الاستنباط الذي هو قوام موضوع كتابه في شرح البخاري، ويظهر أنه ألجأه لذكر هذا التعريف، عدم وجوده التعريف المتقدم لعلم الرواية شاملا لموضوع كتابه، ويؤيد هذا قوله: «إن موضوع هذا العلم ذات رسول الله ﷺ من حيث إنه رسول الله» (٤) فإن ذلك هو مناط التشريع والقدوة، بما يتضح من شرح ما تضمنه البخاري من السنن.
ومن هنا، فإني أرى الكرماني على صواب في ذكر هذا التعريف المتضمن لموضوع كتابه وما شابهه من شروح كتب السنة، وبدلا من انتقاده، يمكننا
стр. 68
اعتبار تعريفه فقرة أخرى مكملة لتعريف علم الرواية، كما أضاف له الأنصاري وغيره ما يجعله شاملاً لصفات الرسول ﷺ ولأقوال الصحابة والتابعين وتقريراتهم (١)، بل لقد عرف بعض المتأخرين عن الكرماني علم الحديث رواية بأنه: هو العلم بأقوال الرسول ﷺ وأفعاله وتقريراته وهيئته وشكله، مع أسانيدها، وتمييز صحاحها وحسانها وضعافها عن خلافها، متنا وإسنادا.
وهذا أشمل وأكثر توضيحا ومطابقة لواقع كتب الرواية وشروحها من تعريف الكرماني، وإن لم يذكر ما يتعلق بالصحابة والتابعين.
الجمع بين التعريفات وعمل العراقي به:
ومن كل ما تقدم يمكننا أن نقول: «إن تلك التعريفات يُكمل بعضها بعضا، وأنها تشعبت بتولد الأبحاث والتصنيف في فروع الرواية، فتدرجت في صياغاتها اللفظية، بعد الصياغة الأولى لابن الأكفاني، بحيث صار كل عالم يُضيف ويُغير حسبما يراه أقرب للدلالة على واقع علم الرواية ومسائله القائمة والمتجددة والمصنفات الموضوعة، والمراد بوضعها خاصة، وأن ابن الأكفاني كانت درايته بالمنطق أكثر جدا من درايته بعلوم السنة» (٢) فاستدركوا عليه بحيث يؤول الأمر في نهاية المطاف إلى أنه: علم يشتمل على نقل ما أضيف إلى الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم، من السنن مضبوطا محررًا، وأداؤه كذلك، وتمييز أفراد صحيحه من سقيمه، وتخريجه وجمع طرقه، وبيان فقهه بتصنيفه على الموضوعات وشرحه، وغير ذلك من بحوث المتن التي تعد
стр. 69
تطبيقا لقواعد علم الدراية المتعلقة به كما هو شأن الفقه بالنسبة لأصوله، وقد استقر عمل العراقي على هذا في نتاجه العلمي وإن لم يتعرض لتعريف علمي الرواية والدراية، فيما وقفت عليه منه، وهو أكثره ولنحوه أشار الشيخ محمد السماحي (١).
وكما يُسمى هذا العلم بعلم الرواية يُسمى أيضًا: علم الأخبار والآثار والأحاديث (٢) وكذا بعلم السنة باعتبار الترادف.
أقسام علم الرواية
وقد قسمه العلماء بحسب موضوعاته إلى أقسام، وسموا كل قسم منها علما، وهي: علم العقائد، ويضم الأحاديث المتعلقة بمسائل العقيدة والتوحيد وكذا علم الأحكام وعلم الرقائق والزهد وعلم الآداب وعلم التفسير وعلم التاريخ والسيرة وعلم الفتن وعلم المناقب والمثالب (٣).
ومن كتب السنة ما يشتمل على أبواب تتناول هذه العلوم جميعًا ويُطلق عليه الجامع كـ «صحيح البخاري» و «سنن الترمذي»؛ لكنها عادة لا تستوعب كل جوانبه، ولذا أفرد العلماء قديمًا وحديثًا، كل علم أو موضوع منه بمؤلفات خاصة كـ «الاعتقاد» للبيهقي و «الأدب المفرد» للبخاري، وكذا أحاديث الأحكام والسيرة، كما سيأتي توضيحه في نتاج العراقي في هذه العلوم، كما يعد من علوم الرواية: كتب التخريج (٤) والشروح المتعلقة بالأقسام.
стр. 70
المتقدمة، وقد ألحق المصنفون لهذه العلوم كل شرح بالكتاب المشروح فيه، كشروح «البخاري ومسلم» وغيرهما (١).
علم الدراية
وكما بدأ تعريف المتأخرين لعلم الرواية بما عرفه به ابن الأكفاني؛ فقد بدأ تعريفهم لعلم الدراية أيضًا بتعريفه له حيث قال: «علم دراية الحديث علم، يُتعرفُ منه أنواع الرواية، وأحكامها، وشروط الرواة، وأصناف المرويات، واستخراج معانيها» (٢).
وقد نقل هذا التعريف عن ابن الأكفاني نصًا أو صاغه في عبارة من عنده، عامة من جاء بعده في عصر العراقي، ومن تلاه، وأقروه عليه، وجروا في مؤلفاتهم على مقتضاه، حتى عصرنا هذا، أما العراقي فلم يتعرض لذلك كما أشرت مع تأليفه المتعدد في هذا العلم كما سيأتي.
ولعلك ترى أن هذا التعريف يوافق تعريف علم الحديث رواية عند المتقدمين كما مر، وبذلك يكون علم الرواية عند المتأخرين عن ابن الأكفاني معاصر العراقي، ومن بعده إلى الآن هو علم الدراية عند المتقدمين عن ابن الأكفاني كالخطيب البغدادي ومن قبله كما أسلفنا (٣).
وقد شرح العلماء تعريف علم الدراية هذا لتوضيح موضوعه وبيان مشتملاته، فقالوا: «المراد بالعلم القواعد والضوابط الكلية كقولنا كل حديث اتصل سنده
стр. 71
برواية عدل ضابط عن مثله إلى منتهى السند من غير شذوذ ولا علة قادحة، فهو صحيح، والراوي من حيث كذا مقبول، ومن حيث كذا مردود، أو متوقف فيه».
أما الجزئيات التي تنطبق عليها هذه القواعد من أنواع السنن وأفراد الرواة، ووصف كل منها بأنه صحيح أو مردود، فهي موضوع علم الحديث رواية وعلم رجال الحديث (١) فهو بالنسبة لعلم الحديث رواية، مثل أصول الفقه بالنسبة لعلم الفقه (٢) ولذلك يُسمَّى أيضًا علم أصول الحديث أو الأثر
وأما حقيقة الرواية عمومًا: فهي نقل السنة أو غيرها من العلوم النقلية، كالتواريخ والشعر، والمراد بها في التعريف: نقل السنة وما يتعلق بها. والراوي هو الذي ينقل الحديث بإسناده.
وشروط الرواية تحمل راويها لما يرويه بنوع من أنواع التحمل: من سماع أو عرض أو إجازة بكتابة أو مشافهة، ونحو ذلك.
وأنواعها: الاتصال والإنقطاع ونحوهما.
وأحكامها: القبول أو الرد أو التوقف، وحال الرواة: العدالة والجرح، وشروطهم في التحمل والأداء: كالتمييز والضبط والعدالة ونحو ذلك.
وأصناف المرويات: المصنفات، كالمسانيد والمعاجم والأجزاء وغيرها، أحاديث أو آثارًا أو أشعارًا وغيرها.
стр. 72
وما يتعلق بها هو معرفة اصطلاح أهلها (١).
ومن عبارات من بعد ابن الأكفاني في تعريف هذا العلم قول الشيخ عز الدين ابن جماعة شيخ الحافظ العراقي: «علم الحديث: علم بقوانين يُعرف بها أحوال السند والمتن». وقد اعتبره السيوطي وغيره أحسن الحدود (٢)، وشرحه السيوطي بقوله: «القوانين: جمع قانون، مرادف القاعدة، وهي أمر كلي يتعرف منه أحكامه وجزئياته، وموضوعه: السند والمتن، وغايته معرفة الصحيح من غيره، ومعظم العبارات لغير ابن جماعة، ترجع لها» فقد قال البقاعي: «علم الحديث علم يبحث فيه عن سنة النبي ﷺ ، إسنادًا، ومتنا، لفظًا ومعنى، من حيث القبول والرد وما يتبع ذلك من كيفية تحمل الحديث وروايته وكيفية ضبطه وكتابته وآداب راويه وطالبه» وأردف هذا بقوله: «أو يقال - وهو أخصر - إنه علم يُعرف منه حال الراوي والمروي من حيث الرواية» (٣) وقال شيخه ابن حجر العسقلاني: «أولى تعاريفه أن يقال: معرفة القواعد المعرفة بحال الراوي والمروي» (٤).
أقسام علم الدراية
ولما كانت أحوال الراوي والمروي، أو السند والمتن، المبحوث عنها في هذا العلم كثيرة، أفردت الأحوال الخاصة بالرواية عموما بالبحث والتأليف، وجُعِلَتْ
стр. 73
عِلْمًا خاصًا يُسمَّى «علم الرجال» أي رواة السنة وحفاظها رجالًا ونساءً. وأفردت الأحوال المشتركة بين المتن والسند، كالصحة والحسن، والخاص بالسند كالعلو والنزول، وعدالة الراوي، أو بالمتن كالرفع والقطع، وسُمِّي العلم الخاص بها «علم المصطلح» (١) وعلى هذا جرى الحافظ ابن حجر في تسمية مؤلفه في ذلك: «نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر».
ثم إنه يمكن أن تُفرد كل حال للسند أو المتن بالبحث، ويُطلق على كل منها علمًا خاصًا، كالحديث الضعيف والموضوع والجرح والتعديل، وغير ذلك، ولهذا يطلق على علم الدراية أو علم المصطلح «علوم الحديث» (٢).
وقد ذكر الحاكم في كتابه «معرفة علوم الحديث» (٥٢) نوعا، ثم ذكر ابن الصلاح من بعده في كتابه «معرفة علوم الحديث» أيضًا المعروف بـ «مقدمة ابن الصلاح» (٦٥) نوعًا، ولكنه صَرَّح بأن ذلك ليس بآخر الممكن، فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى، تبعا لتفرع أحوال المتون والرواة، إلا أنه قرر أن المبالغة في تشقيق مباحثه لا جدوى له (٣) ولهذا جرى العراقي في تأليفه في هذا العلم، على ما أورده ابن الصلاح فقط، مع التصرف فيه، في حين أثر غيره الزيادة أو النقص، حسب وجهة نظره كما سيأتي.
أسماء علم الدراية
سُمِّي هذا العلم بعلم الدراية تمييزا له عن علم الرواية المتقدم وإلا فإن كلا
стр. 74
منهما يقوم على الدراية والفهم الموضوعاته.
وقد مرت تسميته بأصول الحديث وبمصطلح أهل الأثر وبعلوم الحديث ويُسمى أيضا بعلم الإسناد (١) وقال الشيخ زكريا الأنصاري: إنه إذا أُطلق «علم الحديث» ينصرف إلى علم الدراية (٢)، وتوقف في ذلك العدوي (٣) أما الشيخ الأمير فذكر أن قول الأنصاري لعله كان في زمانه، أما الآن فلا يُطلق علم الحديث على علم الدراية إلا مُقيدًا بالمصطلح (٤)، فيقال: علم مصطلح الحديث. والله أعلم.
ولعلي بهذا قد أُعطيتُ صورة واضحة عن مفهوم السنة، وعناية الأمة بحفظها وصيانتها من الدخيل، ووضع قواعد بحثها وبيان معانيها، وإنشاء علومها ومصنفاتها، رواية ودراية، حتى ازدهرت في القرن الثالث الهجري ثم نضجت واتسعت فيما تلاه، جيلا فجيلا حتى عصر العراقي.
* * *