← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

والدارقطني في العلل، والبيهقي في الشعب وفي فضائل الأوقات، كلها من طريق زيد بن علي بن الحسين بن علي عن مرجانة عن فاطمة عن أبيها، ثم قال الحافظ: وفي إسناده اختلاف على زيد بن على، وفي بعض رواته من لم يعرف حاله (١). ويلاحظ أنه لم يذكر ما ذكره الهيثمي من الانقطاع بين مرجانة، وفاطمة ﵂، وهذا يؤيد ما قدمته من أنه قد يكون في طرق الحديث بعض العلل الأخرى غير الاختلاف. ويلاحظ أن الحافظ ابن حجر لم يرجح شيئا في هذا الاختلاف (٢) وقد يصرح العراقي بترجيح في الخلاف، نقلا عن غيره، مع إقراره، وهذا كثير (٣) وقد لا يصرح بالراجح المذكور في بعض مصادر تخريج الحديث، ولكن يفهم الترجيح من سياق كلامه، وقد يبين الراجح من جانبه هو، ولو خالفه غيره في هذا، وقد يصرح بوصف الحديث بالاضطراب. وتفصيل الأمثلة لذلك، كما يلي: فقد ذكر حديث: «من شهد صلاة العشاء فكأنما قام نصف ليلة» وعزاه إلى مسلم من حديث عثمان ﵁ مرفوعا، ثم قال: قال الترمذي:

стр. 1752

وروى عن عثمان موقوفا (١) فالسياق هنا يفيد رجحان الوجه المرفوع، لتصحيح الإمام مسلم له وعدم ظهور مرجح للموقوف. وعند مراجعة جامع الترمذي نجده لم يقتصر على الإشارة إلى الرواية الموقوفة، وإنما أخرج الرواية المرفوعة من إحدى طريقي مسلم (٢) وهي: سفيان الثورى عن عثمان بن حكيم عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان، مرفوعا، وقال عقبها: حديث عثمان حديث حسن صحيح، وقال عقب الإشارة للرواية الموقوفة: وروى من غير وجه عن عثمان، مرفوعا (٣). فهاتان قرينتان ظاهرتان على ترجيح الترمذي للمرفوعة، مع الإشارة إلى وجه الترجيح، وهو أكثرية رواتها وأما الدارقطني، فاختلف ترجيحه، ففي التتبع رجح الوقف، بأحفظية رواته (٤) وفي العلل، استعرض الخلاف في طرق الحديث رفعا، ووقفا، ثم قال: والأشبه بالصواب: حديث الثورى، وقد أخرجه مسلم في صحيحه (٥)، وحيث لم نعرف المتأخر من قولى الدارقطني هذين، فنأخذ بما وافقه عليه غيره منهما، وهو ترجيح الرفع وأما تصريح العراقي بالترجيح دون عزو لغيره، فمنه: أنه ذكر

стр. 1753

حديث أنس ﵁ مررت ليلة أُسري بي، بقوم يخمشون وجوههم بأظفارهم (الحديث) وعزاه إلى أبي داود مسندا ومرسلا، ثم قال: والمسند أصح (١). وعند مراجعة الحديث في سنن أبي داود، نجده أخرج الرواية المرفوعة عن شيخه محمد بن المصفي عن بقية - يعني ابن الوليد - وأبي المغيرة - كلاهما عن صفوان عن راشد بن سعد، وعبد الرحمن بن هبيرة، عن أنس مرفوعا، ثم قال أبو داود: حدثنا يحيى بن عثمان عن بقية - يعني ابن الوليد - ليس فيه أنس. ثم قال: حدثنا عيسى بن أبي عيسى السيلحينى، عن أبي المغيرة، كما قال ابن المصفي (٢). وعند تأمل صنيع أبي داود هذا نجد فيه إشارة إلى ترجيح الرواية المسندة على المرسلة، حيث ذكر متابعة لشيخه محمد بن المصفي على الرواية المسندة، ولم يذكر متابعة لشيخه يحيى بن عثمان على الرواية المرسلة. ولكنه لم يصرح بالترجيح كما ترى. وأيضا الحافظ المنذري ذكر المسند والمرسل، ولم يذكر ترجيحا لأيهما (٣). فيعتبر تصريح العراقي يترجيح الرواية المسندة الموصولة، من استنتاجه هو،

стр. 1754

بالنظر في صنيع أبي داود. كما أن الضياء المقدسي قد أخرج الرواية المسندة، في المختارة (١) ولعل صاحب عون المعبود ﵀ لم يتح له مراجعة ترجيح العراقي هذا، ولذلك لم يذكره في شرحه للسنن، مع أهميته في الاستدلال بالحديث (٢). وأما خلاف العراقي مع غيره بالنسبة للاختلاف: فمنه: أنه ذكر حديث القراءة في المغرب ليلة الجمعة: «قل يا أيها الكافرون»، «وقل هو الله أحد» (الحديث)، وعزاه إلى ابن حبان في صحيحه، والبيهقي في سننه الكبرى من حديث جابر بن سمرة، وقال: وفي ثقات ابن حبان: المحفوظ عن سماك، مرسلا، وعقب على هذا بقوله: قلت: لا يصح مسندا ولا مرسلا (٣). وبمراجعة المصادر التي عزا العراقي إليها الحديث، نجد البيهقي أخرج الرواية المسندة من طريق سعيد بن سماك بن حرب عن أبيه عن جابر بن سمرة، مرفوعا، ولم يتكلم عنها بشيء (٤). وكذلك أخرجها ابن حبان في صحيحه، من الطريق نفسه (٥) ولم يتعقبها بشيء، فدل ذلك على تصحيحه لها، وترجيحها على الرواية المرسلة، ولكنه

стр. 1755

ذكر في كتاب الثقات، الحديث من الطريق نفسه أيضا، ثم قال: المحفوظ عن سماك مرسلا (١). ومقتضاه أنه يرى الرواية المسندة معلولة، ولو كان رجالها ثقات، مع اتصال السند، فتكون شاذة، لمخالفتها للمحفوظ من طريقي الحديث، وهو الطريق المرسل. وبذلك اختلف ترجيح ابن حبان، كما ترى، فمرة رجح الرواية المسندة بتصحيحها، ومرة رجح الرواية المرسلة، بتقريره أنها هي المحفوظة. ونلاحظ أن العراقي لم يأخذ بأى من الترجيحين، فقرر عدم صحة الحديث من أي من الوجهين، وهنا يتفق مع الراجح من حال الراوي الذي عليه مدار طريقي الحديث، وهو «سعيد بن سماك» فإنه قد ذكره ابن حبان في الثقات، ولكن أشار إلى إعلال روايته للحديث، كما تقدم، وقال فيه أبو حاتم: متروك الحديث (٢) ومقتضاه شدة ضعف الحديث من طريقه مسندا أو مرسلا. فيعتبر بيان العراقي لعدم صحته مسندا ومرسلا، أولى من سكوت كل من البيهقي وابن التركماني - شيخ العراقي - عليه (٣). في حين عقب الذهبي على الحديث بقوله: قلت: سعيد متروك (٤) وبه يتأيد حكم العراقي السابق.

стр. 1756

وذكر العراقي أيضا حديث «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين» من حديث سالم بن (عبيد)، وعزاه إلى أبي داود، والترمذي، ثم قال: واختلف في إسناده (١). وبمراجعة ما عزا المؤلف الحديث إليه، وغيره من المصادر، نجد أن الحديث قد روي عن منصور بن المعتمر، واختلفت الرواية عنه، بعضها عن منصور عن هلال ابن يساف، عن سالم بن عبيد. وبعضها بذكر واسطة. وبعضها بذكر واسطتين بين هلال بن يساف وبين سالم. وقد أخرج أبو داود الرواية التي بدون واسطة، والتي بواسطة، وهو خالد بن عرفطة، بين هلال، وبين سالم، ولم يتعرض لترجيح أي منهما (٢). وأخرج الترمذي الرواية التي بدون واسطة، ثم أشار إلى الخلاف بذكر الواسطة، ولم يرجح شيئا (٣). أما ابن حبان، فأخرج ا ديث في صحيحه، من طريق إسرائيل عن منصور، عن هلال بن يساف عن سالم، به، دون تعقب منه، فاقتضى ذلك ترجيحه للوجه الذي بدون واسطة، وتصحيحه (٤). وعزا الحافظ ابن حجر الحديث إلى أصحاب السنن، وصحح إسناده،

стр. 1757

فاقتضى ذلك أيضا ترجيحه لهذا الوجه الذي بدون واسطة (١). أما النسائي والحاكم فقررا أن هذا الوجه الذي بدون واسطة، وهم، وخطأ من راويه، وعلل الحاكم ذلك بأن هلال بن يساف، لم يدرك سالم بن عبيد، ولم يره (٢). ومقتضى ذلك ترجيح الروايات التي فيها واسطة، وإن كان فيها علة جهالة تلك الواسطة. وعليه يكون ما جرى عليه ابن حبان والحافظ ابن حجر من ترجيح الرواية التي بدون واسطة، وتصحيحها، مردود عليهما بما ذكره كل من النسائي والحاكم. لكن الحافظ العراقي في عبارته السابقة، اكتفي بذكر الخلاف، ولم يأخذ لا بترجيح ابن حبان وابن حجر، ولا بترجيح النسائي والحاكم. أما الحافظ المنذري، فذكر ترجيح النسائي وأقره (٣) وهو ما يؤيده قول الحاكم: بأن هلال بن يساف لم يدرك سالم بن عبيد، كما تقدم. تصريح العراقي بوصف الحديث بالاضطراب، ونقده في ذلك: وأما تصريحه بالوصف بالاضطراب، دون عزو ذلك لغيره، أو بالنقل عن الغير دون تعقب، فقد جاء هذا أو ذاك في أكثر من موضع (٤) ومقتضى

стр. 1758

التعريف الاصطلاحي للمضطرب (١) أن العراقي لم يترجح له وجه معتبر، لا للجمع ولا للترجيح بين وجه أو أوجه الخلاف في الحديث الذي وصفه بذلك أو أقر وصف غيره له بذلك. لكني وجدت بعض أمثلة لم يتوافر فيها الضابط الاصطلاحي للمضطرب، وحكم العراقي عليها بالاضطراب أو نقله عن غيره، دون تعقب. فقد ذكر حديث: (ردوا السائل ولو بظلف محرق) وعزاه إلى أبي داود، والترمذي والنسائي، من حديث أم بجيد، وذكر قول الترمذي عن الحديث: حسن صحيح، ثم قال: وقال ابن عبد البر: حديث مضطرب (٢). و بمراجعة الحديث عند من عزاه العراقي إليهم، نجده عندهم من طريق سعيد المقبري عن عبد الرحمن بن بجيد، عن جدته أم بجيد، مرفوعا (٣) وقال الترمذي: حديث أم بجيد حديث حسن صحيح. وهكذا أخرجه ابن خزيمة (٤) وابن حبان (٥). والحاكم في مستدركه، وصححه، ووافقه الذهبي (٦). وأما قول ابن عبد البر، فقد ذكره في الاستيعاب في ترجمة (أم بجيد)

стр. 1759

حيث ذكرها باسم (حواء الأنصارية) وأخرج من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم عن عمرو بن معاذ الأنصاري عن جدته حواء قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ردوا السائل ولو بظلف محرق، ثم قال: وروى المقبري عن عبد الرحمن ابن بجيد الأنصاري عن جدته قالت: قال رسول الله ﷺ يا نساء المؤمنات، لا تحقرن إحداكن لجارتها، ولو فرسن شاة، ثم قال: وقد ذكرنا الاضطراب في هذا الإسناد، في كتاب التمهيد (١)، ثم ذكرها في باب الكنى فقال: أم بجيد الأنصارية الحارثية، قيل اسمها «حواء» وفي ذلك اضطراب، وهي مشهورة بكنيتها، ثم قال: حديثها عن سعيد المقبري عن عبد الرحمن بن بجيد أخي بني حارثة، أن جدته أم بجيد حدثته … وذكر حديث السائل الذي معنا، بنحوه، وذكر جماعة من الرواة المحتج بهم، رووه هكذا، عن المقبري (٢). وبذلك صار في سند الحديث ومتنه اختلاف كما ترى، بين حفص بن ميسرة، وبين سعيد المقبري، ولكنهما لم يشتركا في رواية الحديث عن شيخ واحد، كما هو الأصل في الاختلاف، ولكن خلافهما هنا عبارة عن تبادل سندين ومتنين بكاملهما، فجعل سند أحد الحديثين لمتن الحديث الآخر، ومتن أحدهما لسند الآخر. وهذا سماه ابن عبد البر في الموضعين من الاستيعاب، اضطرابا، كما قدمت، وأحال بتوضيحه على التمهيد، وبمراجعة التمهيد، نجده ذكر حديث السائل من طريق سعيد المقبري السابقة، ثم قال: وخالف حفص بن ميسرة أبو عمرو الصنعاني، في إسناد هذا الحديث، وفي الذي قبله

стр. 1760

- يعني حديث: لا تحقرن إحداكن لجارتها - فقلبهما، وجعل إسناد هذا، في متن ذلك (١). فسمى صنيع حفص هذا مخالفة، وقلبا، ولم يسمه اضطرابا كما سماه في الاستيعاب، ومعروف أن الاختلاف لا يسمى اضطرابا إلا عند تعذر الجمع أو الترجيح، كما قدمت، ويبدو أن ابن عبد البر أطلق الاضطراب بمعنى مطلق الاختلاف، لأن من يتأمل باقى كلامه المحال عليه في التمهيد يجد فيه ما يقتضي ترجيحه بنفسه رواية حديث السائل من طريق المقبري عن عبد الرحمن بن بجيد عن جدته، على روايته من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم عن عمرو بن معاذ عن جدته أم بجيد. فقد ذكر رواية مالك للحديث عن زيد بن أسلم عن ابن بجيد عن جدته، ثم قال: هكذا رواه جماعة رواة الموطأ عن مالك، وذكر متابعة معمر لمالك، على سند الحديث ومعناه، كما ذكر متابعة منصور بن حبان وسعيد المقبري لزيد بن أسلم عليه، بمعناه. وأما رواية الحديث من طريق حفص عن زيد بن أسلم عن عمرو بن معاذ عن جدته أم بجيد، فقد وصفها بأنها مخالفة، ومقلوبة، ولم يذكر لحفص متابعا إلا هشام بن سعد فقط، وعقب على ذكر متابعته بقوله: وهذا الحديث إنما هو لابن بجيد (٢)، يعني: وليس لعمرو بن معاذ، كما رواه حفص، وهشام ابن سعد.

стр. 1761

ومقتضى هذا ترجيحه رواية سعيد المقبري ومن تابعه. وعند البحث والنظر نجد أن من تابع زيد بن أسلم، وهما: سعيد المقبري، ومنصور بن حبان، أكثر وأوثق (١) ممن تابع حفص بن ميسرة، وهو هشام بن سعد (٢). فطالما أمكن الترجيح، بهذا الوجه المعتبر، وأيده ما ذكره ابن عبد البر نفسه، فقد زال الاضطراب الذي أطلقه في الاستيعاب، ويؤيد هذا الترجيح وزوال الاضطراب تصحيح عدد من الأئمة للحديث من طريق سعيد المقبري، كما قدمت. وعليه فما كان للعراقي أن يتعقب ما ذكره الترمذي من تصحيح الحديث، بذكر وصف ابن عبد البر له بالاضطراب، مع السكوت عنه. وذكر العراقي أيضا حديث: إنما الصلاة تمسكن ودعاء وتضرع (الحديث)، وعزاه إلى الترمذي والنسائي بنحوه، من حديث الفضل بن العباس، ثم قال: بإسناد مضطرب (٣) وتبعه في هذا الزبيدي (٤) وبمراجعة ما عزا العراقي الحديث إليه من المصادر، نجد أنه قد رواه الليث بن سعد، وشعبة، كلاهما عن عبد ربه بن سعيد، واختلفا عليه، وبعض النقاد توقف عن الترجيح في هذا الاختلاف (٥).

стр. 1762

وصرح ابن عبد البر بوصف الإسناد بالاضطراب، وضعفه لأجله (١)، ولعله هو مستند العراقي في الجزم بالاضطراب، وإن لم يعزه إلى ابن عبد البر، ولا غيره، كما تقدم. لكن هناك عدد أكثر من العلماء النقاد، قرروا ترجيح رواية الليث بن سعد للحديث عن عبد ربه بن سعيد عن عمران بن أبي أنس عن عبد الله بن نافع ابن العمياء عن ربيعة بن الحارث عن الفضل بن العباس، به مرفوعا. ومنهم البخاري، وأبو حاتم الرازي، وقد أيدا ترجيحهما بأمر معتبر، وهو وجود متابع ثقة لليث بن سعد، على روايته السابقة، وهو «عمرو بن الحارث المصري» (٢) في حين لم نجد متابعا لشعبة، كما أن الليث وعمرو بن الحارث كانا يكتبان مروياتهما، وشعبة كان صاحب حفظ يعتمد على حفظه، أكثر منهما، كما ذكر أبو حاتم الرازي (٣). ويعتبر الحديث من رواية الليث الراجحة ضعيفا، لأن «عبد الله بن نافع بن أبي العمياء» في سنده، كما تقدم توضيحه، وقد وصفه البخاري بأنه لم يصح حديثه (٤)

стр. 1763

لكن بثبوت الترجيح يندفع عنه وصف الاضطراب الذي اقتصر كل من ابن عبد البر ثم العراقي عليه في تضعيف الحديث به، ويصبح الحديث مضعفا، لا من جهة اضطراب إسناده، ولكن من جهة حال راويه (عبد الله بن نافع) كما تقدم. من نقد العراقي لمتن الحديث بالنكارة أو الشذوذ (١) أو نحوهما: من الانتقادات التي وجهت إلى علماء الحديث: أنهم ركزوا عنايتهم في نقد أسانيد الأحاديث، ورواتها، ولم يعطوا نقد المتون من العناية إلا قدرًا يسيرًا، وقد انبرى لرد هذا الانتقاد عدد من الباحثين، إجمالا، وتفصيلا (٢). وقد أردت هنا أن أجعل بيان ما وقفت عليه من جهود للعراقي في نقد المتون، بمثابة رد عملى على هذا الانتقاد، حيث وجدته جعل من منهجه في بيان درجة الأحاديث، نقد بعضها من جهة متنه، ولو لم يقف له إسناد مطلقا، أو وقف له على إسناد مستقيم، ولكن المتن منتقد، وقد يجمع بين نقد المتن والإسناد معا، وقد يصرح في بعض المواضع بالنقل عن سبقه من النقاد دون تعقب، أو مع إضافة من جانبه. فقد ذكر الغزالي حديث أنس من صلى يوم الاثنين اثنتي عشرة ركعة (الحديث) فقال العراقي: ذكره أبو موسى المديني بغير سند، وهو منكر (٣)

стр. 1764

وتبعه الزبيدي في هذا (١). ويلاحظ أن العراقي قرر عدم وقوفه للحديث على أي سند في المصدر الذي عزاه إليه، فيعتبر حكمه بالنكارة متوجها إلى المتن فقط، كما أن التعريف الاصطلاحي للحديث المنكر، غير منطبق عليه، إلا باعتبار أن ألفاظ هذا المتن فيها مبالغة في الثواب، ومخالفة للثابت في هيئة الصلاة (٢). وذكر العراقي أيضا حديث أبي هريرة: من صلى ليلة الخميس ما بين المغرب والعشاء ركعتين (الحديث) وعزاه إلى أبي موسى المديني، وأبي منصور الديلمي في مسند الفردوس، ثم قال: بسند ضعيف جدا، وهو منكر (٣). فيلاحظ هنا أنه بين درجة الإسناد ثم أتبعها بوصف النكارة فينصرف إلى المتن (٤). وذكر حديث «مثل الذي يغزو، ويأخذ أجرًا مثل أم موسى، ترضع ولدها، وتأخذ أجرها» وعزاه إلى ابن عدي من حديث معاذ، وذكر أن ابن عدي قال: مستقيم الإسناد، منكر المتن (٥) فهذا إقرار من العراقي لما قرره أحد النقاد المتقدمين وهو ابن عدي، وجمع فيه بين الحكم باستقامة السند ونكارة المتن المروى به (٦).

стр. 1765

لكن ابن الجوزي أخرج الحديث في الموضوعات من طريق ابن عدي وحكم بوضعه، وجعل علة ذلك خطأ راويه إسماعيل بن عياش، وأيد ذلك بوصف ابن حبان لابن عياش بتغير حفظه وكثرة خطئه التي تخرجه عن حد الاحتجاج (١) به. ولو سلم قول ابن حبان هذا في ابن عياش فهو لا يقتضي الحكم بوضع الحديث من طريقه، ثم إنه غير مسلم لابن حبان قوله المذكور، لأن غيره من النقاد قد قرروا أن ما عُرف لابن عياش من أخطاء قادحة، فذلك في روايته عن غير الشاميين (٢) وهو يروى الحديث في هذا الطريق الذي انتقده ابن الجوزي، عن صفوان بن عمرو السكسكي الحمصي، وقد وثقه غير واحد، ولم ينتقد عليه هذا الحديث (٣)، بل إن تلميذ ابن عياش أيضا في هذا الحديث شامى (٤). ولذا تعقب الذهبي ابن الجوزي في الحكم بوضع الحديث عموما فقال: وهذا إسناد صالح، ومتن غريب، لا يليق إيراده في الموضوعات (٥) وتابعه على هذا ابن عراق (٦) ويلتقى هذا مع ما قرره العراقي فيما تقدم. وبهذا تتابع على نقد متن الحديث وسنده من تقدم، ومن تأخر.

стр. 1766

وذكر الغزالي حديث «إن الله تعالى خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا» فعزاه العراقي إلى أبي منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن مسعود، وسلمان الفارسي، ثم قال: بإسناد ضعيف جدا، وهو باطل (١) فقوله: «وهو باطل» متجه إلى متن الحديث، لتقدم توجيهه نقدا آخر للسند بأنه ضعيف جدا، كما ترى (٢). وذكر العراقي حديث «إذا قام أحدكم من الليل يصلي، فليجهر بقراءته، فإن الملائكة، وعمار الدار يستمعون إلى قراءته (الحديث)، وقال: رواه بنحوه، بزيادة فيه، أبو بكر البزار، ونصر المقدسي في المواعظ، وأبو شجاع - يعني الديلمي صاحب الفردوس - من حديث معاذ بن جبل، ثم قال: وهذا حديث منكر، ومنقطع» (٣). وقد راجعت ما تيسر لي من المصادر التي عزا العراقي الحديث إليها، وهو مسند البزار، فوجدته أخرج الحديث بسنده، من طريق خالد بن معدان عن معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ قال: من صلى منكم من الليل فليجهر بقراءته (الحديث) بطوله، في صفحتين ونصف تقريبا، وقال البزار عقب روايته له: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بهذا اللفظ، إلا من هذا الوجه، ولم يسمع خالد بن معدان من معاذ، وإنما ذكرناه، لأنا لم نحفظه عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، فلذلك ذكرناه (٤).

стр. 1767

وكلام البزار هذا يفيد ما صرح به العراقي من نقد سند الحديث بأنه منقطع، كما يفيد أن وصفه له بالنكارة راجع إلى متنه، ومن يطالع المتن بطوله، سيجد فيه من المبالغات، ما يقتضي النكارة، وبذلك يظهر أن العراقي نقد سند الحديث ومتنه، وأنه استفاد في ذلك من نقد من سبقه ممن روى الحديث، ونقده، وهو الإمام البزار، وإن كان العراقي لم ينسب له غير رواية الحديث فقط، كما تقدم. وهذا النقد من العراقي أولى مما فعله قرينه وتلميذه الهيثمي، حيث اقتصر على نقد الحديث من جهة سنده فقط (١). وقد وجد للحديث شاهد من طريق داود بن راشد الطفاوي الكرماني، عن مسلم بن شداد عن عبيد بن عمير عن عبادة بن الصامت، بنحوه (٢). وداود ابن راشد قال فيه ابن حجر في التقريب (٣) «لين الحديث». وبه يستدرك على البزار فيما ذكره من أنه لم يعلمه عن النبي ﷺ إلا من الوجه الذي ذكره، وهو حديث معاذ ﵁. لكن تبقى نكارة المتن ظاهرة في كلتا الروايتين، لمن يطالعهما، وذلك لما اشتملا عليه من المبالغات الزائدة. وقد لا يقتصر العراقي على الوصف بمجرد النكارة، فنجده يحكم بالنكارة الشديدة.

стр. 1768

فقد ذكر الغزالي حديث «من أكل ما سقط من المائدة عاش في سعة، وعوفي في ولده» فعزاه العراقي إلى أبي الشيخ ابن حبان الأصبهاني في كتاب الثواب له، من حديث جابر بلفظ «أمن من الفقر والبرص والجذام، وصرف عن ولده الحمق» ثم قال: وله - يعني أبا الشيخ ابن حبان - من حديث الحجاج ابن علاط (السلمي): «أعطى سعة من الرزق، ووقى في ولده» ثم قال: وكلاهما - يعني الحديثين - منكر جدا (١). والكتاب الذي عزا العراقي الحديثين إليه، وهو كتاب «الثواب» لأبي الشيخ الأصبهاني، لا أعرف حتى الآن، وجود نسخة خطية له، حتى أتبين مراد العراقي بالنكارة الشديدة في هذين الحديثين. لكن الزبيدي في شرحه للإحياء، ذكر أن الخطيب البغدادى في كتابه «المؤتلف والمختلف» روى من طريق هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس - رفعه -: «من أكل ما تحت المائدة أمن من الفقر» ثم قال: قال الحافظ ابن حجر في أطراف المختارة: في سنده - يعني الحديث المذكور - هذبة، على شرط مسلم، والمتن منكر فينظر من دون «هدبة» (٢). فأفاد هذا، أن وصف النكارة الشديدة في كلام العراقي متجه إلى متن الحديث، وقد ذكر ابن عراق (٣) والزبيدي (٤) عدة روايات أخرى للحديث

стр. 1769

عن غير أنس وجابر ﵄ وبعضها في سنده كذاب، وبعضها في سنده ضعيف. فأشار الزبيدي إلى أن تعدد هذه الروايات ومنها الضعيف فقط، يعارض الوصف بشدة النكارة التي حكم بها العراقي، ولاسيما حديث أنس الذي أخرجه الضياء في المختارة، وبذلك يكون الأولى الاقتصار على الوصف بمطلق النكارة فقط، كما ذكره الحافظ ابن حجر فيما تقدم. وذكر العراقي حديث أبي ذر: أن أبا بكر قال: يا رسول الله، هل من جهاد غير قتال المشركين (الحديث) مطولا، وقال: الحديث بطوله، لم أقف له على أصل، وهو منكر (١). وتبعه الزبيدي (٢) فقول العراقي: (لم أقف له على أصل) يفيد عدم وقوفه على أي رواية له، لا بلفظه، ولا بمعناه، وبذلك يكون قوله بعد هذا «وهو منكر» موجه إلى نقد المتن المذكور، لما اشتمل عليه من مبالغات، لم يوجد ما يشهد لها. وقد يحكم العراقي بنكارة أو غرابة جزء من متن الحديث فقط، دون بقيته. فذكر الغزالي حديثا لأبي عبيدة بن الجراح قال: قلت: يا رسول الله، أي الشهداء أكرم على الله؟ قال: رجل قام إلى والي جائر، فأمره بالمعروف، ونهاه عن المنكر، فقتله، فإن لم يقتله، فإن القلم لا يجرى عليه بعد ذلك، وإن عاش ما عاش. وقد ذكر العراقي أن الحديث رواه البزار، دون قوله: فإن قتله .. إلى آخر

стр. 1770

الحديث، ثم قال: وهذه الزيادة منكرة. ثم بين درجة إسناد البزار بقوله: وفيه أبو الحسن، غير مشهور، لا يعرف (١) مجمع بذلك بين نقد سند رواية البزار، وخص ما زاد عنها من المتن بنقد خاص وهو النكارة، وقد تبعه في ذلك الزبيدي (٢). وذكر الغزالي حديث عائشة «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث إلا أن يكون ممن لا يأمن بوائقه». فعزاه العراقي إلى ابن عدي - يعني في الكامل - وذكر أن ابن عدي قال عن الحديث: غريب المتن والإسناد، ثم قال: وحديث عائشة عند أبي داود، دون الاستثناء، بسند صحيح (٣). والمراد بقوله: «دون ذكر الاستثناء» يعني دون قوله «إلا أن يكون ممن لا يأمن بوائقه» وبذلك بين العراقي أن المنتقد بالغرابة من متن الحديث، هو تلك الزيادة فقط، لكون ما عداها قد صح من طريق آخر، فاندفعت غرابته. وقد يحكم بضعف حديث من جهة إسناده، ثم يحكم برد متنه من جهة وجود حديث آخر يعارضه. فقد ذكر حديث الطبراني في الصغير والأوسط من حديث عائشة أنه ﷺ كان له ثوبان الجمعته، فإذا انصرف طويتهما إلى (مثلها)، وقال: بسند

стр. 1771

ضعيف، ثم قال: ويرده حديث عائشة عند ابن ماجه «ما رأيته يسب أحداً، ولا يطوى له ثوب (١) وبمراجعة مصادر الحديث الأول، نجد الطبراني بعد تخريجه للحديث يقرر أنه لا يروى عن عائشة إلا بهذا الاسناد، وأنه تفرد به الواقدى (٢) وبهذا ظهر وجه حكم العراقي بضعف إسناده، وهو وجود الواقدى فيه، مع تفرده به أيضا، وقد صرح العراقي في غير هذا الموضع بأنه ضعيف الحديث (٣). أما الحديث الثاني الذي جعله معارضا يرد حديث الواقدي السابق، من جهة المتن، فقد أخرجه ابن ماجه من حديث عائشة ﵂ من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن على بن الحسين عن عائشة، به (٤) وقال البوصيري: هذا إسناد ضعيف، لضعف عاصم بن عمر وابن لهيعة (٥)، كذا جاء في طبعتين من مصباح الزجاجة للبوصيري (٦) وعاصم ابن عمر بن قتادة» كما تقدم ذكره في الإسناد، ليس ضعيفا، بل متفق على توثيقه (٧) فذكر البوصيري لتضعيفه وهم

стр. 1772

وبذلك يستبعد ذكره ضمن ما يضعف به الحديث، ويقتصر على ابن لهيعة فقط، وبهذا تكون درجة ضعف الحديثين متقاربة، بحيث لا يسلم للعراقي ما قرره من رد الحديث الأول بالثاني. وقد تعقبه الزبيدي في هذا فقال: قلت: «يمكن الجمع بينهما بأن يستثنى: أي غير ثوبى الجمعة»، ثم قال: «سيأتي أنه كان له برد أخضر للجمعة خاصة» (١). كذا قال، والذي أحال عليه لفظه «في العيدين والجمعة» (٢) فيشهد المعنى الحديث الأول في الجملة، وبه يترجح على الثاني، لا أن الثاني يرده كما ذكر العراقي، ولعله لم يتيسر له هذا الشاهد حين كلامه على هذا الحديث، بدليل أن الموضع التالي الذي ذكر فيه الزبيدي هذا الشاهد، لم يذكره العراقي، ولكن أحال بتخريج الحديث على هذا الموضع المتقدم (٣). وقد يذكر مع الحكم بالنكارة تعليله بما يتوافق مع المعنى الاصطلاحي للمنكر، سواء من جهة السند أو المتن. فقد ذكر حديث «إذا كان يوم القيامة أنبت الله لطائفة من أمتى أجنحة، فيطيرون من قبورهم (الحديث) وفيه: أنهم يقولون: «ما رأينا حسابا، ولا صراطا، ولا جهنم» وعزاه إلى ابن حبان في الضعفاء وأبي عبد الرحمن السلمي، كلاهما من حديث أنس، مع اختلاف، ثم قال: وفيه - يعني سند

стр. 1773

الحديث - حميد بن على القيسي، ساقط هالك، ثم أتبع ذلك بقوله: والحديث منكر، مخالف للقرآن، وللأحاديث الصحيحة في الورود، وغيره (١). يعني ورود جهنم، وغيره كالصراط والحساب». فقد بين هنا شدة ضعف سند الحديث في حد ذاته، لحال حميد القيسي (٢)، ثم بين حال متنه وهو النكارة، وعلل ذلك بمعارضته لما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وبهذا يتحقق التعريف الاصطلاحي للمنكر، بل النكارة هنا شديدة لكون الراوي المخالف شديد الضعف (٣) ومخالفة المتن أيضا لما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (الآية) [مريم: ٧١] وقد يحكم العراقي أيضا بصحة إسناد الحديث المعارض، ثم يحكم بشذوذ متنه، مع التعليل بما يوافق معنى الشذوذ اصطلاحا (٤). فقد ذكر حديث عثمان ﵁ عند أحمد في المسند (٥): إنى لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه، إلا حُرّم على النار، قال عمر بن الخطاب: هي كلمة الإخلاص (الحديث) ثم قال: وإسناده صحيح، ولكن هذا ونحوه شاذ، مخالف لما ثبت في الأحاديث الصحيحة، من دخول جماعة من الموحدين النار، وإخراجهم بالشفاعة … (٦).

стр. 1774

وبذلك يكون متن هذا الحديث ضعيفا لشذوذه، وإن كان ظاهر إسناده الصحة. وقد جرى غير واحد من العلماء على هذا الظاهر، فصحح الحديث بهذا الإسناد، كالحاكم في المستدرك ووافقه الذهبي (١) والمنذري (٢). في حين تبع الزبيدي حكم العراقي بالشذوذ المقتضى للضعف (٣) ولعل من حكم بالصحة، رأى أنه يمكن الجمع بين المتن ومعارضه على معنى «حُرِّمَ خلود قائلها في النار»، وإن لم يصرح أحد منهم بذلك وما تقدم في المثال السابق، من تعليل العراقي للنكارة بما يوافق المعنى الاصطلاحي، وما ذكر هنا من تعليله للشذوذ بما يوافق المعنى الاصطلاحي له، يعتبر إسهاما منه في جانب هام، وهو التوضيح التطبيقي لعلم مصطلح الحديث، ويعد ذلك أيضا من الفوائد الحديثية الواردة في ثنايا تراث علماء التخريج، وتحتاج لمن يبرزها لتتيسر الاستفادة العملية بها، في مجال دراسة الأسانيد، وبيان درجات الأحاديث وقد يحكم العراقي بنكارة متن الحديث، ثم يتبعه بذكر ما هو معروف في معناه، ولو لم يكن مرفوعا أو كان مرفوعا بسند ضعيف فقد ذكر الغزالي أنه قيل للنبي ﷺ : إن عيسى ﵇ يقال: إنه مشى على الماء، فقال النبي ف لو ازداد يقينا لمشى على الهواء

стр. 1775

التاب الرابع: ان العراقي موتالات والله وعلى التي وفقه السنة وقدها فقال العراقي: هذا حديث منكر، لا يعرف هكذا، والمعروف ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب اليقين، من قول بكر بن عبد الله المزني قال: فقد الحواريون نبيهم، فذكر الخبر وفيه أن عيسى أقبل يمشى على الماء، وأنه قال: لو أن لابن آدم من اليقين قدر شعرة، مشى على الماء، ثم قال: وروى أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس بسند ضعيف من حديث معاذ بن جبل: لو عرفتم الله حق معرفته لمشيتم على البحور، ولزالت بدعائكم الجبال (١). فيلاحظ أن الرواية الأولى من قول تابعي وهو بكر بن عبد الله المزنى، موقوفة عليه، وهي من أخبار بنى إسرائيل التي لم يشهدها هذا التابعي الجليل، ولم يذكر من أخذها عنه، فانقطاعها ظاهر، والرواية الثانية المرفوعة قرر العراقي بنفسه ضعف إسنادها، كما أن كلاهما اشتملا على بعض الحديث وهو المشى على الماء، ولم يذكر فيهما المشى على الهواء. فيفهم من مجموع ذلك أن العراقي يقصد بالنكارة هنا معنا خاصا يستفاد من السياق، وهو عدم وجود رواية للحديث بلفظه المذكور بأكمله، ولو بسند ضعيف. عناية العراقي بذكر ما يجبر ضعف الحديث، أو يغنى عنه في الاستدلال: ذكرت في الأمثلة السابقة بعض الأحاديث التي بين العراقي ضعف إحدى رواياتها، ثم أتبعها بذكر بعض الروايات الأخرى التي يمكن أن تجبر الضعف المذكور، فيرتقى الحديث إلى الحسن أو الصحة بمجموع ما يذكره من رواياته،

стр. 1776

وإن لم يصرح بدرجة الحديث بمجموع ما يذكره. ولما كان العراقي من أبرز حفاظ عصره، وقد جرى خلال كتابه على هذا، فقد رأيت أن أبرزه هنا باعتباره عنصرا منهجيا ينبغى الاستفادة بمنهج العراقي فيه، لم يتصدى للتخريج، ولدراسة أسانيد الأحاديث وبيان درجاتها، بعد التأهل الكافي لذلك. كما أنه ذكر عنصرا منهجيا آخر، وهو أنه إذا ورد في أمر من الأمور حديث: ضعيف، وآخر صحيح، فإنه يذكرهما، ويقرر أنه يستغنى في الاستدلال بالصحيح عن الضعيف. فمن العنصر الأول: أنه يذكر في تخريج الحديث الرواية المعلقة، ويتبعها بذكر رواية أخرى فيها وصل هذا التعليق، سواء أكانت الموصولة مما يحتج بها لذاتها أو لغيرها (١). وقد يذكر الطريق الموصولة من حديث صحابي آخر، فتكون بمثابة الشاهد للرواية المعلقة (٢). ويذكر في تخريج الحديث الرواية المرسلة، ويتبعها بذكر رواية أخرى موصولة، بحيث ينجبر بها انقطاع الإرسال، ويرتقى بها الحديث من الضعف إلى الحسن أو الصحة لغيره، حسب ما يستفاد من مجموع الطريقين (٣).

стр. 1777

ويذكر في تخريج الحديث الرواية المعضلة ثم يتبعها بذكر رواية موصولة، لينجبر بها انقطاع المعضلة، ويرتقى الحديث بمجموعهما إلى الحجية أيضا (١). ومثل ذلك يفعل في الرواية المنقطعة (٢) والموقوفة يعضدها بمرفوعة (٣) والتي في سندها مبهم يعضدها برواية فيها تسمية المبهم أو برواية أخرى خالية من الإبهام، وقد يتبع الروايتين بشاهد صحيح الإسناد (٤). وقد يذكر رواية من طريق معلول ثم يتبعها ببعض المتابعات التي تؤثر في دفع علة الطريق المعلول، أو ترقيها إلى الحجية (٥). وقد يذكر الشواهد بدل المتابعات لجبر الضعف أيضا (٦). وأما العنصر الثاني، وهو الاستغناء في الاستدلال عن الضعيف بالصحيح، فمن أمثلته: أن الغزالي ذكر في أخلاقه ﷺ : أنه كان أشد الناس تواضعا، وأسكنهم في غير كبر. فعزاه العراقي إلى أبي الحسن الضحاك في الشمائل له من حديث أبي سعيد، بنحوه، وقال: وإسناده ضعيف، ثم قال: وفي

стр. 1778

الأحاديث الصحيحة الدالة على شدة تواضعه غنية عنه، منها … وذكر ثلاثة أحاديث (١). والفرق بين هذا العنصر والذي قبله، وهو جبر الضعيف بمثله، أو بما هو حسن أو صحيح، أنه في هذا العنصر يكون في الرواية الضعيفة زيادة بعض تفاصيل لا يوجد في الرواية الصحيحة ما يشهد لها، وبالتالي لا ينجبر ضعفها، فيشير العراقي بهذا إلى أنه يعتمد في الاستدلال على ما في الصحيح فقط، وما زاد عنه في الرواية الضعيفة فلا يعول عليه. بيان العراقي للحديث الموضوع، مع المقارنة، وتحقيق القول بتساهله في ذلك: في منهج العراقي الذي أجمله في مقدمة المغني، لم يصرح بأنه سيبين الأحاديث الموضوعة، مع أن أبرز الانتقادات التي وجهت إلى كتاب الإحياء اشتماله على كثير من الأحاديث الموضوعة، وقد تصدى العراقي لبيانها تفصيلا خلال هذا التخريج، وأظهر بالأدلة النقدية اشتمال كتاب الإحياء فعلا على كثير من الأحاديث الموضوعة، وبالتالي لا يصلح الاستدلال بشيء منها لما استدل له الغزالي بها من أمور العقائد والعبادات والمعاملات والآداب والسلوك. ولما كان هناك من سبق العراقي إلى الحكم على بعض تلك الأحاديث بالوضع، أو بغيره، فإن العراقي قد ظهر جهده وشخصيته الحديثية في موقفه من أحكام من سبقه، فتارة يعزو الحكم لمن سبقه من العلماء، ولا يتعقبه.

стр. 1779

بشيء فيعتبر إقرارا منه للحكم، وقد يذكر مثل قول غيره دون عزوه لأحد، وقد يخالف غيره في الحكم من جانبه هو، بحسب ما تقضي به القواعد الاصطلاحية في نظره. وقد قام بعض من جاء بعد العراقي بالموازنة بين بعض أحكامه، وأحكام غيره، فمنهم من قرر اعتداله، ومنهم من قرر تساهله، كما سيأتي. ومجمل طريقة العراقي في الحكم بوضع الحديث أنه تارة يصرح بذلك، وتارة يذكر حال راوى الحديث التي تقتضى الحكم بوضع الحديث من طريقه، إذا انفرد به، كأن يترجح وصفه بوضع الحديث أو بالكذب مطلقا. فمن ذلك: أن الغزالي ذكر حديث: «ما من عبد إلا وله أربعة أعين، عينان في رأسه يبصر بهما أمر دنياه، وعينان في قلبه، يبصر بهما أمر دينه»، فعزاه العراقي إلى الديلمي في مسند الفردوس، من حديث معاذ ﵁ بنحوه، وقال: وفيه الحسين بن أحمد بن محمد الهروى، الشماخي، الحافظ، كذبه الحاكم، والآفة منه (١) وتبعه في ذلك الزبيدي (٢). فيلاحظ أن العراقي نقل عن الحاكم وصف أحد رجال إسناد الحديث بالكذب، ثم قرر أن الآفة منه، ولم يذكر للحديث طريقا آخر من متابع أو شاهد، ولم أجد من تعقبه في ذلك. وبمراجعة الحديث في أحد مصادره، نجد في سنده فعلا «الحسين الشماخي» هذا، كما نجد في مصادر ترجمته عن غير الحاكم ما يؤيد وصف الحاكم له.

стр. 1780

بالكذب، ووصفه أيضا برواية المناكير الكثيرة (١). وذكر العراقي حديث: «إن الله يحب أن يرى عبده تعبا في طلب الحلال» وعزاه إلى الديلمي في مسند الفردوس من حديث علي، ثم قال: وفيه «محمد بن سهل العطار» قال الدارقطني: يضع الحديث (٢). ولم أجد الحديث في طبعتي «الفردوس» المتوافرتين، كما لم أجده في مصدر آخر سابق على العراقي. وقد أقر كل من الذهبي (٣) وابن حجر وصف «محمد بن سهل» بأنه يضع الحديث، لكن لم يذكر هذا الحديث ضمن ما انتقد عليه، فيعتبر حكم العراقي عليه من استنتاجه، وذكر السيوطي الحديث في الجامع الصغير (٤) وعزاه إلى الديلمي وحده، ورمز له بالضعف. وقد انتقده المناوي في الاقتصار على تضعيفه، وفي ذكره الحديث في الجامع الصغير الذي شرط أن لا يذكر فيه ما تفرد به وضاع، واعتبر ما ذكره العراقي حكما منه بوضع الحديث من طريق راويه «محمد بن سهل» (٥) وقد أقر الزبيدي العراقي على هذا (٦).

стр. 1781

أيضا جزم الشيخ الألباني بالحكم بوضع الحديث، اعتمادا على ما ذكره العراقي (١). فيعتبر هذا من تأثير جهود العراقي فيمن بعده من النقاد حتى عصرنا الحاضر. لكن هناك بعض أحاديث اقتصر العراقي فيها على ذكر الحديث من طريق راو يقتضي الحكم بوضع ما يتفرد به، مع أنه يكون للحديث بعض الروايات الأخرى الخالية من هذا الراوي. فقد ذكر حديث «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، وعزاه إلى البيهقي في الزهد من حديث ابن عباس، وقال: وفيه «محمد بن عبد الرحمن بن غزوان» أحد الوضاعين (٢). وقد نقل الزبيدي عن الحافظ ابن حجر قوله: وللحديث طرق أخرى غير هذه، من حديث أنس وغيره (٣). ويلاحظ أن الحافظ ﵀ لم يذكر مصدرا لتلك الروايات حتى يمكن مراجعته، وكذلك الزبيدي من بعده، لكن التعقب بوجود تلك الروايات يدل على وقوف الحافظ عليها، وعلى كونها لا تصل إلى درجة الوضع في نظره، وإلا لم يكن تعقب بها شيخه العراقي.

стр. 1782

أما العجلوني فقد ذكر الحديث وعزاه إلى البيهقي في الزهد، ثم قال: بإسناد ضعيف (١) فيعتبر هذا حكما متساهلا من العجلوني ﵀ إذا قورن بحكم العراقي السابق، الذي تؤيده كتب التراجم. وقد ذكر العجلوني أن للحديث شواهد من حديث أنس (٢)، لكن لم يذكر مصدرا لتلك الشواهد. وأما ما صرح العراقي بوصفه بالوضع، سواء بالنقل عن غيره، مع إقراره، أو بدون عزو إلى غيره، فمنه ما يوفق أيضا عليه، ومنه ما خولف فيه. فقد ذكر حديث «حضور مجلس علم أفضل من صلاة ألف ركعة» وعزاه إلى ابن الجوزي في الموضوعات، ولم يتعقبه بشيء) (٣). وقد بين ابن الجوزي سبب الحكم بوضعه، بأن في سنده «أحمد بن عبد الله الهروى»، المعروف بالجويبارى، وأنه هو الذي وضعه، وذكر أيضا أن شيخه في هذا الحديث (إسحق بن نجيح) وصفه أحمد بأنه: أكذب الناس (٤). وقد أقر ابن الجوزي على ذلك غير العراقي، من جاء بعده؛ ونظر في الحديث (٥) واعتبر ابن عراق (٦) والشيخ على قارى (٧) أن العراقي أقر ابن

стр. 1783

الجوزي على الحكم بوضع الحديث (١). وهناك بعض مواضع ذكر العراقي فيها قول ابن الجوزي بوضع الحديث، مقتصرا على ذلك، دون تعقب، في حين نجد حكم ابن الجوزي هذا متعقبا من غير العراقي. فقد ذكر حديث أنس ﵁ «العلماء أمناء الرسل على عباد الله (الحديث)». وعزاه إلى العقيلي في الضعفاء، ثم قال: وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢) ولم يتعقب ابن الجوزي بشيء، وتتكرر الحديث مرة ثانية، فاقتصر على عزوه إلى العقيلي في الضعفاء، ثم أحال على هذا الموضع الأول (٣) ومقتضى هذا إقراره حكم ابن الجوزي على هذا الحديث بالوضع. وبمراجعة الحديث عند ابن الجوزي نجد في سنده ثلاثة، أحدهم متروك، والثاني قال ابن عدي: ليس بمعروف، والثالث وصف بأنه كذاب (٤) ولكن

стр. 1784

ابن عبد البر لما ذكر الحديث، أشار إلى ضعفه فقط (١). أما السيوطي فتعقب ابن الجوزي فقال: قلت: الحديث ليس بموضوع، وذكر له بعض الطرق المتابعة التي لم يذكرها ابن الجوزي، ثم ذكر له بعض الشواهد، ثم قال: وله شواهد بمعناه كثيرة، صحيحة، وحسنة، فوق الأربعين حديثا، وأنه على مقتضى الصناعة الحديثية يُحكم له بالحسن (٢) وأقره ابن عراق (٣) والمناوي (٤) والزبيدي (٥). وأما الشوكاني فأشار إلى تضعيف القول بأن الحديث موضوع (٦). واقتصر الشيخ الألباني على تضعيفه (٧) ومن هذا يتضح أن إقرار العراقي حكم ابن الجوزي بوضع الحديث، ليس في محله، وأنه يعتبر تساهلا منه في الحكم بالوضع، بالمقارنة بما تقدم من تعقبات، يؤيدها ماوجد من طرق أخرى للحديث (٨). وهناك أيضا من الأحاديث ما وجَدْتُ العراقي اقتصر على الحكم بضعفه، مع أن مقتضى القواعد أن يحكم عليه بالوضع.

стр. 1785

فقد ذكر حديث «ما من شيء إلا له توبة، إلا صاحب سوء الخلق، فإنه لا يتوب من ذنب إلا عاد في شر منه» وعزاه إلى الطبراني في المعجم الصغير من حديث عائشة ﵂ ثم قال: وإسناده ضعيف (١). وتبعه الزبيدي العراقي (٢) وكذا العجلوني (٣). وبمراجعة الحديث في المصدر الذي عزاه العراقي إليه، وهو المعجم الصغير للطبراني، نجد في سنده «عمرو بن جميع» يرويه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وقال الطبراني عقب روايته للحديث: لم يروه عن يحيى إلا عمرو، ولا يروى عن عائشة إلا بهذا الإسناد (٤). ومقتضى هذا تفرد «عمرو بن جميع» برواية الحديث، وحاله تقتضي الحكم بوضع الحديث من طريقه (٥)، وقد مشى الشيخ الألباني على هذا، فجزم بوضع الحديث، ثم وصف حكم العراقي السابق بضعف إسناد الطبراني بالحديث، بأنه قصور، ثم قال: إلا أن يلاحظ أن الموضوع من أنواع الضعيف، كما هو مقرر في المصطلح (٦). أقول: وهذا الاعتذار عن العراقي أو التماس وجه لحكمه بالضعف في هذا الموضع، وما يشبهه، غير مسلم؛ لأن العراقي في هذا التخريج - كما تقدم -

стр. 1786

حكم بالضعيف، والضعيف جدا، والموضوع، فدل ذلك على تفاوت هذه الدرجات عنده، وأن دخولها في نوع الضعيف لا يقتضي عدم تلقيب كل منها بلقب خاص يوضح تفاوتها في الضعف بحسب درجة ضعفها. ولعل حكم العراقي على هذا الحديث والذي قبله بالضعف المطلق، وكذا ما يماثلهما (١) هو الذي جعل الشيخ أحمد بن الصديق الغماري ﵀ يصف العراقي بأنه متساهل في الحكم للحديث، وأنه لا يكاد يصرح بوضع حديث إلا إذا كان كالشمس في رابعة النهار (٢) والواقع أن نسبة التساهل المطلق إلى العراقي غير مسلم، لأن ذلك يقتضي منا الاستقراء التام لكل أو أغلب أحكامه بالضعف والوضع في عامة مؤلفاته، ومقارنتها بأحكام غيره على ضوء قواعد الجرح والتعديل وغيرها من قواعد نقد السند والمتن. ولا أظن الشيخ أحمد الغماري ﵀ تفرغ لمثل هذا، ولكنه فيما يبدو لاحظ وجود تساهل في عدد من الأحكام مثل التي ذكرتها فيما تقدم،

стр. 1787

وهذا لا يصلح بناء حكم عام على أساسه. فالأولى أن يقال: إن العراقي يتساهل فعلا في بعض أحكامه بالضعف أو الوضع، كالأمثلة السابقة، ولكن تساهله غير مطرد، ولا أغلبي. ويؤيد ذلك أمور: أولها: أن الشيخ أحمد الغمارى نفسه، خلال عدد من مؤلفاته قد أقر أحكام العراقي على كثير من الأحاديث. ثانيها: أن هناك من الأحاديث ما حكم عليه العراقي بما يخالف حكم من تساهل في التصحيح، كالحاكم، وحكم من تساهل في الحكم بالوضع مثل ابن الجوزي، وكذا خالف من تشدد في الحكم بالوضع كابن حبان، وبالتحاكم إلى القواعد النقدية العامة، وجدنا حكم العراقي متوافقا معها، وهي الفيصل الذي يوزن به أحكام الجميع، وقد مرت أمثلة وجدنا فيها حكم العراقي متوافقا مع تلك القواعد، وأقره عليه من جاء بعده. ونذكر هنا بعض الأمثلة الأخرى: - فقد ذكر حديث: أربع لا يُصَبْن إلا بعَجَب: الصمت، وهو أول العبادة (الحديث) وعزاه إلى الطبراني والحاكم من حديث أنس، ثم قال: قال الحاكم: صحيح الإسناد، ثم تعقبه فقال: قلت: فيه العوام بن جويرية، قال ابن حبان: يروى الموضوعات، ثم روى له هذا الحديث (١). وبمراجعة كل من الطبراني في الكبير (٢) والحاكم في المستدرك (٣) وابن حبان

стр. 1788

في المجروحين (١) وابن عدي في الكامل (٢) نجد أن الحديث عندهم من طرق عن أبي معاوية محمد بن خازم الضرير عن العوام بن جويرية عن الحسن عن أنس، به مرفوعا، وقد ذكر «الصبر» بدل «الصمت» عند الطبراني. وأخرجه تمام في فوائده (٣) من طريق بشر بن الحارث عن أبي معاوية، به، موقوفا على أنس، وابن أبي عاصم في الزهد (٤) من طريق محمد بن خازم - وهو أبو معاوية - عن العوام، به، بنحوه، موقوفا على أنس، وابن أبي الدنيا في الصمت (٥) من طريقين آخرين عن العوام، به، موقوفا على أنس. وأخرجه هناد عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن العوام عن الحسن عن النبي ﷺ ف مقتصرا على لفظ «أول العبادة الصمت» (٦) وهذا مرسل كما ترى، و «الوصافي» ضعيف (٧). ويلاحظ أن الحديث في مصادره المتعددة مداره على «العوام» مرفوعا، وموقوفا، ومرسلا. والعوام هو ابن جويرية، وقد ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٨). وقال:

стр. 1789

يروى عن الحسن، وروى عنه أبو معاوية هـ ولم يزد على ذلك. لكن قال فيه يحيى بن معين: ضعيف (١) أما ابن حبان فقال: كان ممن يروى الموضوعات عن الثقات، على صلاح فيه، كان يهم، ويأتى بالشيء على التوهم، من غير أن يتعمد، فاستحق ترك الاحتجاج به، ثم ذكر له هذا الحديث الذي معنا (٢) فدل ذلك على أنه من مناكيره. وبنحو ذلك لخص المنذري كلام ابن حبان، كما سيأتي. وقد اختلف على أبي معاوية وعلى العوام، في رفع هذا الحديث، ووقفه على أنس، وإرساله، كما تقدم. ولم أجد متابعا لأبي معاوية، ولا للعوام على رفع هذا الحديث. وقد رجح أبو حاتم وقف الحديث على أنس، أو على الحسن (٣) ورجح ابن عدي الوقف على أنس (٤). وبذلك اتفق قولهما على إعلال طريق رفع الحديث عن أنس. ويلتقى معهما في هذا ابن حبان، كما تقدم. وترجيح غير المرفوع لا يمنع من الحكم بضعفه كذلك؛ لأن مدار طرق الحديث مرفوعا وموقوفا ومرسلا على (العوام) وهو ضعيف، كما تقدم. وأيضا في إسناد ابن عدي بالحديث: حميد بن الربيع، عن أبي معاوية،

стр. 1790

عن العوام، به مرفوعا (١). وقد أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات، من طريق ابن عدي هذه (٢) وبنى الحكم بوضعه على أن (حميدا) هذا وصفه يحيى بن معين بأنه كذاب، بالإضافة إلى كلام ابن حبان السابق في (العوام). ومع اتفاق ابن عدي وابن حبان على إعلال الحديث مرفوعا، إلا أنهما اختلفا فيمن تحمل علة رفع الحديث عليه. فابن عدي ترجم الحميد بن الربيع، وروى عن غير واحد وصفه بأنه كذاب، ثم أخرج هذا الحديث من طريقه عن أبي معاوية الضرير عن العوام عن الحسن عن أنس، مرفوعا، وعقب على ذلك بأمرين: - أولهما: ترجيح وقف الحديث على أنس كما قدمت. وثانيهما: بيان أن (حميدا) لم ينفرد برفع الحديث، ولكن توبع من غير واحد، وذكر أن حميد أضعف ممن تابعوه على رفع الحديث، وأن بعض حديثه مما سرق من الثقات، وبعضه من الموقوف الذي رفعه، وأنه ضعيف جدا في كل ما يرويه (٣) وبذلك أشار إلى أن عهدة رفع الحديث على (حميد)، دون من تابعه، لكونه هو الأضعف، ولشدة ضعفه فيما يرويه، جعل ابن عدي الحديث من طريقه لا ينجبر بمن تابعوه، غير أن متابعتهم تمنع من الجزم ببطلان الحديث، لعدم تفرد حميد بن الربيع به. أما ما تفرد به، فقد ذكر منه.
следующие страницы →