← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

طبعته المصرية (١) وكذا في تحقيق «مجمع البحرين» (٢) حصل تصرف من الأخوة المحققين في سند الحديث في صلب الكتاب، حيث أثبتوا الراويين الساقطين في موضع الإعضال، وذلك بين حاصرتين، دون مستند صحيح لذلك. وأيضا ذكر السيوطي أن سند الحديث عند البيهقي في الشعب: صحيح (٣). ونسب الزبيدي التصحيح للبيهقي لكن لم أجد للبيهقي كلاما عن الحديث في الموضعين اللذين خرجه فيهما في الشعب. وقد حاول الزبيدي ﵀ توجيه تصحيح البيهقي للسند، مع ثبوت الإعضال فيه كما تقدم - فقال: وكأنه أثبت سماعه - يعني محمد بن حمزة - من أبي جده، أو أنه سقط في سياق الطبراني: «عن أبيه» (٤). وتقييد الزبيدي ﵀ السقط بأنه من سياق الطبراني، يفيد أنه لم يراجع السند في الشعب، لأنه فيه كما في الطبراني، كما أسلفت. وذكر العراقي حديث «أن عطاء بن يسار قال: إن رجلا قال للنبي ﷺ أكذب على أهلي؟ قال: لا خير في الكذب (الحديث) وعزاه لابن عبد البر في التمهيد، مرسلا، من رواية صفوان ابن سليم عن عطاء بن يسار، مرسلا، ثم قال: وهو في الموطأ، عن صفوان بن سليم، معضلا، من غير ذكر عطاء

стр. 1717

ابن يسار (١)، يعني أن يكون سقط منه التابعي والصحابي، معا، فيكون معضلا اصطلاحيا، كما تقدم. ويلاحظ في هذا المثال تمييز العراقي بين المرسل والمعضل الاصطلاحيين. ذكر العراقي التعليق في الإسناد، للإشارة به إلى درجة الحديث: مما أشار به العراقي أيضا إلى درجة الحديث من طريق معين، وصفه بالتعليق من هذا الطريق، فيفيد ذلك ضعفه من هذا الطريق، لانقطاع إسناده بالتعليق، فقد عُرِفَ المعلق كما ذكر العراقي وغيره بأنه ما سقط من بداية إسناده من ناحية مؤلف الكتاب المعزو إليه الحديث، أو راو أو أكثر، حتى لو أسقط الإسناد كله، وذكر الرسول في فقط (٢). ويوجد التعليق في كثير من الحديث الأصلية المسندة، ولكن الإمام البخاري أورده في صحيحه أكثر من غيره من الأئمة، مع وصله له في موضع آخر من الصحيح، وهذا هو الأكثر، وقد يذكر تعليقا فقط، مع كونه موصولا عنده في غير الصحيح، أو موصولا عند غيره، وقد يكون التعليق بعبارة جازمة مثل «قال» أو «ذكر» أو بعبارة تفيد التضعيف مثل «يُرْوَى» أو «يُذْكَر»، وبمراعاة الطريق الموصولة، تكون درجة الحديث بمجموع الطريقين، حسن أو صحيح (٣). فمن ذلك: حديث: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه

стр. 1718

وزن ذرة من إيمان» وعزاه إلى البخاري تعليقا من حديث أنس، ثم قال: وهذا عندهما - يعني البخاري ومسلما - متصل بلفظ «خير» بدل «إيمان» وذكر للرواية التي فيها لفظ «الإيمان» بعض الشواهد من الصحيحين (١). وعليه تكون الرواية المعلقة بمراعاة بقية الطرق الموصولة صحيحة لغيرها (٢) وقد يكون التعليق عند البخاري قد وصله غيره، فيبينه العراقي، فقد ذكر حديث: عليكم بالسواك (الحديث)، وعزاه إلى البخاري بقوله: تعليقا مجزوما من حديث عائشة، ثم أتبع ذلك بعزوه إلى النسائي وابن خزيمة، وقال: موصولا (٣) ونحو هذا ذكر ابن الملقن - قرين العراقي - مع زيادة، لكن لم يصرح بأن رواية النسائي وابن خزيمة قد وصلت تعليق البخاري (٤). وقد يذكر الرواية الموصولة شاهدا، للمتن وإن لم تبين اتصال التعليق، فقد ذكر حديث الزهري: «مضت السنة أن يُصلّى لكل أسبوع ركعتين» وعزاه إلى البخاري تعليقا، ثم أتبعه بذكر شاهد من حديث ابن عمر، وعزاه إلى الصحيحين (٥). ويلاحظ أن الزهري من التابعين المعروفين، وقول التابعي: «من السنة كذا .. » مختلف في كونه مرفوعا مرسلا، أو موقوفا متصلا إلى قائله، وهو التابعي؟

стр. 1719

وقد رجح النووي والمؤلف القول بأنه موقوف متصل (١) وقد علقه البخاري عن الزهري، كما ذكره العراقي مع بيان الشاهد له من الصحيحين، كما قدمت. وقد يذكر المعلق في غير الصحيحين، ثم يتبعه ببيان من وصله، فقد ذكر حديث عبد الرحمن بن غنم عن عشرة من الصحابة «تعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله حتى تعملوا» وقال: علقه ابن عبد البر، وأسنده ابن عدي، وأبو نعيم، والخطيب في اقتضاء العلم للعمل، من حديث معاذ فقط، بسند ضعيف، ورواه الدارمي موقوفا على معاذ، بسند صحيح (٢). ومما ذكره العراقي يستفاد أن الحديث بمجموع ما ذكره من طرقه معلقا وموصولا يرتقي إلى الصحيح لغيره. ذكر العراقي أيضا «البلاغ» مشيرا به إلى درجة الحديث وبعض ما ينتقد عليه، فيه: والبلاغ: هو ما يقول فيه الراوي: بلغنى كذا، أو بلغني عن فلان كذا، وكلا العبارتين تفيدان الانقطاع في الإسناد بين من يقول: «بلغنى» ومن فوقه في الإسناد، بحسب من يظهر لنا سقوطه في موضع الانقطاع، يكون الاسم الاصطلاحي لهذا الانقطاع، كما سيأتي في المثال. وأشهر من عُرف بالرواية بلفظ «بلغنى» هو الإمام مالك ﵀ في موطئه، وإن كان قد عبر بذلك غيره. فقد ذكر العراقي حديث عبد الله بن عبيد بن عمير: بلغني أن رسول الله

стр. 1720

ف قال: إن الميت يقعد، وهو يسمع خطو مشيعيه (الحديث) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور، له ثم عقب على تلك الرواية بقوله: هكذا مرسلا، ورجاله ثقات، ثم قال: ورواه ابن المبارك في الزهد إلا أنه قال عنه: «بلغني» ولم يرفعه (١). و «عبد الله بن عبيد» هذا قد روى عن عدد من الصحابة، وتوفي سنة ١١٣ هـ، فإدراكه للصحابة متحقق، ووصفه العجلى بأنه تابعي مكى ثقة، وعده الحافظ ابن حجر من أواسط التابعين كما في التقريب (٢). فرواية ابن أبي الدنيا التي رفع «عبد الله» فيها هذا الحديث، يعتبر بلاغه فيها إرسالا، كما وصفه العراقي، وحسب الاصطلاح المشهور في المرسل. وأما روايته الثانية التي عند ابن المبارك، والتي فيها «بلغنى: أن الميت» (الحديث) ولم يرفعها، يمكن اعتبارها منقطعة بينه، وبين من بلغه عنه الحديث، سواء أكان صحابيا أم تابعيا، ولو كان والده «عبيد بن عمير»، كما ذكر روايته عنه الزبيدي في الإتحاف، بنحو تلك الرواية (٣) .. أما بلاغات الإمام مالك، فهي منقطعة أيضا، ولكن يختلف اسم الانقطاع فيه بحسب من أضيف إليه البلاغ، فتارة يقول مالك: بلغني: أن سعيد بن المسيب مثلا، وتارة يقول: بلغنى عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ وتارة يقول: بلغنى أن رسول الله ف قال كذا (٤).

стр. 1721

وقد ذكر الغزالي أنه ﷺ قال: «أما إني لا أنسى، ولكن أُنسى، لأشرع». فقال العراقي: ذكره مالك، بلاغا بغير إسناد، وقال ابن عبد البر: لا يوجد في الموطأ إلا مرسلا، لا إسناد له، وكذا قال حمزة الكناني: إنه لم يرد من غير طريق مالك، وقال أبو طاهر الأنماطى: وقد طال بحثى عنه، وسؤالى عنه للأئمة والحفاظ، فلم أظفر به، ولا سمعت عن أحد أنه ظفر به، قال: وادعى بعض طلبة الحديث: أنه وقع له مسندا (١) وقد ذكر الزبيدي كلام العراقي هذا، مقتصرا عليه، وأقره (٢). والحديث قد جاء في الموطأ هكذا «قال يحيى بن يحيى: وحدثني عن مالك، أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: (الحديث)» (٣). ومنه يتضح أن مقصود العراقي بقوله: «بغير إسناد»، ومقصود ابن عبد البر بقوله: «لا يوجد في الموطأ إلا مرسلا، ولا إسناد له»، أن مالكا لم يذكر إسناد هذا الحديث، منه إلى من نسب إليه الحديث، وهو الرسول ﷺ ، وهذا ينطبق عليه اسم المعضل الاصطلاحي، كما تقدم. وكلام ابن عبد البر الذي ذكره العراقي، مذكور بنحوه، في إحدى موضعين، وقفت على كلامه فيهما، عن الحديث (٤). لكن كلامه بنصه أوضح وأدق من اختصار العراقي ﵀ له، فابن

стр. 1722

عبد البر يقول مرة عن الحديث: إنه لا يوجد في غير الموطأ، ولا يحفظ - بهذا اللفظ - مسندا، ولا مرسلا، من غير رواية مالك هذه المنقطعة، ثم يقول: والذي يصح في هذا المعنى عن النبي ﷺ من حديث ابن مسعود: إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون (١) ومرة أخرى يقول: أما هذا الحديث - بهذا اللفظ - فلا أعلمه يروى عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه، لا مسندا، ولا مقطوعا، من غير هذا الوجه، والله أعلم. ثم قال: وهو أحد الأحاديث الأربعة في الموطأ، التي لا توجد في مسنده، ولا مرسلة، والله أعلم، ومعناه صحيح في الأصول، ثم ذكر حديث ابن مسعود السابق، على أنه من الأصول الصحيحة التي هي بمعنى ما ذكره مالك في الموطأ (٢). وعلى ذلك فالمنفي وجوده هو الحديث باللفظ الذي ذكره مالك بلاغا، وليس بالمعنى، وحديث ابن مسعود ﵁ الذي قرر ابن عبد البر أنه بمعناه، قد اتفق عليه البخاري ومسلم (٣). وبذلك يتحقق قول ابن عبد البر: إن معنى الحديث صحيح، وإن لم يوجد له سند بلفظه. ومن بعد ابن عبد البر جاء ابن الصلاح فقال: وأما حديث النسيان، فرويناه من وجوه كثيرة صحيحة … وذكر منها حديث ابن مسعود، السابق وعزاه إلى الصحيحين، ثم قرر أن ما في الموطأ من

стр. 1723

حديث مالك، طرف منه (١). والعراقي من منهجه في هذا التخريج: أنه إذا لم يجد الحديث باللفظ الوارد في الإحياء، ولا بنحوه، ووجد ما هو بمعناه يذكره، في أحيان كثيرة، وهكذا يفعل غيره من أئمة علم التخريج، فلا أدرى لماذا، لم يفعل ذلك في هذا الحديث، واقتصر على إطلاق القول بأنه لم يرد من غير طريق مالك المنقطعة هذه، مع أن عبارة ابن عبد البر التي اختصرها العراقي، نصها ليس فيه الإطلاق، بل هي مقيدة باللفظ الذي في الموطأ، كما تقدم نقلى لها، ومضاف فيها بعد التقييد تقرير وجود بعض الروايات الصحيحة بمعناها، ثم زاد ابن الصلاح بعد هذا التصريح بأن حديث ابن مسعود مشتمل على طرف من لفظ رواية مالك المطلوب وصلها، وأقر أن الرواية الصحيحة التي بمعناها تدل على اتصالها، كما قدمت. وقد ذكر الشيخ الزرقاني: أنه وقع في فتح البارى، وصف حديث مالك هذا بأنه لا أصل له، ثم تأول ذلك، على معنى: أنه لا أصل له يحتج به، وعلل ذلك بقوله: لأن البلاغ من أقسام الضعيف، وليس معناه أنه موضوع - معاذ الله - إذ ليس البلاغ بموضوع عند أهل الفن، لا سيما من مالك، كيف وقد قال سفيان: إذا قال مالك: بلغني، فهو إسناد صحيح (٢). وما ذكره من قول سفيان هذا، يخالف ما قرره ابن عبد البر

стр. 1724

من أن بلاغات مالك تعتبر منقطعة، كما تقدم (١). أما تأويل الشيخ الزرقاني لما عزاه إلى الفتح بأن معناه «لا أصل له يحتج به» فيرده ما تقدم من أن حديث ابن مسعود ﵁ المتفق على صحته، يعتبر بمعنى رواية مالك، وفيه طرف منها. وعليه فما اقتصر العراقي عليه في تخريج بلاغ مالك هذا، فيه قصور عما جاء في المصدر الذي رجع إليه فيه، وهو ابن عبد البر، بل يعتبر قاصرًا عن صنيعه في تخريج كثير من المراسيل ونحوها في سنده نوع من الانقطاع خلال كتابه هذا. وقد بنى الشيخ الألباني على ما اقتصر عليه العراقي فقرر أن هذا البلاغ بلفظه الوارد في الموطأ، باطل، ولا أصل له، وأنه مخالف لحديث ابن مسعود السابق ذكره (٢). وهذا مخالف لما قدمته عن ابن عبد البر ومَنْ بعده. وقد ذكر العلائي بلاغ مالك هذا بلفظه، ضمن ما استدل به لبعض الأقوال في تفسير حديث «ذي اليدين» في السهو في الصلاة، وقد أورده بلفظ «روى» الدال على التضعيف، لكن لم يتعقبه بكونه موضوعًا، ولا شديد الضعف (٣). فأوسط الأمور في شأن بلاغ مالك هذا أنه يعتبر ضعيفًا لذاته باعتبار إعضال سند مالك به، ويرتقى للصحيح لغيره باعتبار ما يشهد لمعناه، وما وجد فيه.

стр. 1725

طرف منه من الأحاديث الصحيحة، كما تقدم. إشارة العراقي إلى درجة الحديث بعنعنة المدلس القادحة: ومما أشار به العراقي أيضا إلى درجة الحديث ذكر عنعنة الراوي الموصوف بالتدليس القادح، حيث تقتضى عنعنته انقطاع سند الحديث من طريقه، فيكون ضعيفا بهذا الإسناد، وإن كان العراقي لا يصرح بذلك. فقد ذكر حديث أبي هريرة، موقوفا، ومرفوعا: من أكل لحم أخيه في الدنيا، قرب إليه لحمه في الآخرة (الحديث)، وعزاه إلى ابن مردويه، في تفسيره، موقوفا، ومرفوعا، ثم قال: وفيه محمد بن اسحق، رواه بالعنعنة (١). ومحمد بن إسحق، خلاصة حاله: أنه حسن الحديث، في غير ما وهم فيه، أو رواه بالعنعنة ونحوها مما يدل على عدم الاتصال (٢). وقد يذكر مع الرواية المضعفة بالعنعنة، بعض الروايات الأخرى التي تجبر هذا الضعف. فقد ذكر حديث: طوبى لمن طال عمره، وحسن عمله، وعزاه إلى الطبراني من حديث عبد الله بن بشر، ثم قال: وفيه «بقية»، رواه بصيغة «عن» وهو مدلس (٣).

стр. 1726

و «بقية» هذا هو ابن الوليد بن صائد الحمصي، وخلاصة حاله، كما في التقريب: أنه صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء (١). وذكره الحافظ في المرتبة الرابعة من المدلسين (٢) ووصفه أيضا بتدليس التسوية، وهو أسوأ أنواع التدليس (٣). فيكون الحديث من طريقه المذكور ضعيفا، لانقطاعه. لكن العراقي أتبعه بقوله: وللترمذى من حديث أبي بكرة: خير الناس من طال عمره، وحسن عمله، وقال: حسن صحيح (٤). وبهذا الشاهد لحديث «بقية» ينجبر ضعفه، ويرتقي إلى الصحيح لغيره. بيان العراقي للضعف الشديد للحديث، وتعقب المخالف: الضعف الشديد يمكن تعريفه، تعريفا تقريبيا بأنه: وصف الحديث، أو الإسناد، أو أحد الرواة فيه، بعبارة «ضعيف جدا» أو ما في معنى هذه العبارة، مما يدل على شدة الضعف، مثل «واه جدا، أو واه بمرة، أو منكر جدا، أو متروك، أو متهم بالكذب، أو فاحش الخطأ». ويعتبر الوصف بمثل هذه العبارات أخف من الوصف بالكذب، أو الوضع. ولما ذكر العراقي ضمن منهجه في المقدمة، بيان درجة الحديث، ذكر أنه يبين ضعف الحديث فقط، ولم يبين أنه يبين الضعف الشديد، مع أنه بين.

стр. 1727

كثيرا منه خلال الكتاب، كما سيأتي، فأفاد ذلك تفريقه بين الضعيف فقط، والضعيف جدا. ومرتبة الضعف الشديد هذه، عند أهل الاصطلاح بمن فيهم العراقي، تعتبر أسوأ ضعفا من درجة الضعيف فقط، حيث إن الراوي الواحد الشديد الضعف، إذا شارك غيره من هو مثله، أو من هو ضعيف فقط، فإن مشاركته لأى منهما لا تجبر ضعفه إلى درجة الحسن لغيره، وإذا شارك غيره ممن هو مثله في شدة الضعف، فإنه يحتاج إلى اثنين معه - على الأقل - حتى يرتقى إلى درجة الضعف المطلق (١). والعراقي في نكته على ابن الصلاح قد أقره على التفريق بين الضعيف فقط، القابل للانجبار إلى درجة الحجية، وبين الضعيف الشديد الضعف (٢). وخلال هذا التخريج أطلق العراقي وصف الضعف المطلق، وما في حكمه، على بعض الرواة أو الأسانيد أو الأحاديث، وهذا هو الكثير، وهو الذي نص عليه في المقدمة، لكنه أطلق أيضا وصف الضعف الشديد وما في حكمه، كبعض العبارات السابق ذكرى لها. فدل ذلك على تفريقه بينهما في التطبيق، كما في التقعيد، وعلى إقراره لتفاوتهما في المرتبة، وإن اشتركا في أصل الضعف.

стр. 1728

وقد ظهر ذلك في بعض المواضع جليا، حيث ذكر حديث «أن إبليس لما نزل إلى الأرض قال: يا رب، أنزلتني إلى الأرض، وجعلتني رجيما (الحديث) وعزاه إلى الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة، وقال: وإسناده ضعيف جدا، ثم قال: ورواه (أي الطبراني) من حديث ابن عباس، بسند ضعيف أيضا (١). فوصف الإسناد الأول - كما ترى - بأنه ضعيف جدا، والإسناد الثاني بأنه ضعيف فقط. وبالمراجعة نجد أن إسناد الطبراني لحديث أبي أمامة، فيه: عبيد الله بن زحر، عن على بن يزيد الألهاني، عن القاسم - وهو ابن عبد الرحمن الشامي، أبو عبد الرحمن، عن أبي أمامة (٢) وقد تشدد ابن حبان في حكم هذه الترجمة، لدرجة اتهام أصحابها بوضع ما يُروى بها، عن أبي أمامة (٣) وتوسط جماعة غيره، فاقتصروا على تضعيف كل من: عبد الله بن زحر، وعلى بن يزيد (٤). ولخص الحافظ ابن حجر حال «القاسم» بأنه صدوق يغرب كثيرا (٥)

стр. 1729

ومقتضاه تضعيفه من جهة ضبطه، فاجتماع هؤلاء الثلاثة في سند تلك الرواية يقتضي فعلاً شدة ضعفها، كما قرره العراقي. أما سند حديث ابن عباس عند الطبراني أيضا، فعندما نراجعه، نجد أن رجاله محتج بهم، ما عدا «يحيى بن صالح الأبلى» فقد ضعفه كل من العقيلي وابن عدي، من جهة ضبطه، ومجموع كلامهما يدل على ضعفه ضعفا غير شديد (١). فيكون حكم العراقي على الحديث من طريقه بالضعف فقط، متفقا مع خلاصة حال راويه، ومع ما تقضى به قواعد النقد، ومراتبه. لكن الذي ظهر لي بالتتبع لأحكام العراقي خلال التخريج كله، أنه لم يطرد منهجه على هذا، فتارة يراعى التمييز بين الضعيف فقط، وبين الضعيف جدا، كما قدمت، وتارة لا يراعى هذا. فقد ذكر حديث أبي أمامة: «إن الكذب باب من أبواب النفاق» وعزاه إلى ابن عدي في الكامل، ثم قال: بسند ضعيف، وفيه عمر بن موسى الوجيهي ضعيف جدا (٢) فوصفه للسند بالضعف فقط، ثم إتباع ذلك بأن فيه من هو ضعيف جدا، يشير إلى عدم تفريقه بين الضعيف فقط، وبين الضعيف جدا. وأقوال العلماء في حال «عمر بن موسى الوجيهي» تؤيد أنه ضعيف ضعيف

стр. 1730

جدا، بل نسبه ابن عدي إلى وضع الحديث (١). وذكر حديث معاذ بن جبل (إن اليسير من الرياء شرك) (الحديث) وعزاه إلى الطبراني، والحاكم - واللفظ له - وذكر قوله: صحيح الإسناد، ثم تعقبه بقوله: بل ضعيف، فيه عيسى بن عبد الرحمن، وهو الزرقى، متروك (٢). فحكم على السند بالضعف فقط، وعلل ذلك بوجود راو في إسناده، موصوف بأنه متروك، سواء من العراقي كما هنا، أو من غيره (٣). وهذا الوصف، بهذا الإطلاق، يعتبر من ألفاظ الضعف الشديد، وليس الضعف فقط، كما هو معروف (٤). وقد يكون حكمه بالترك المقتضى لشدة الضعف خلاف الراجح من الأقوال في حال الراوي المذكور في الإسناد، فمن ذلك أنه ذكر حديث «أنه ﷺ زار قبر أمه، وأكثر البكاء» وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور، من حديث بريدة، وذكر أن شيخ ابن أبي الدنيا في الحديث هو أحمد بن عمران الأخنسى، متروك، ثم قال: ورواه - يعني ابن أبي الدنيا - بنحوه من وجه آخر، … ، وذكره، لكن لم يبين درجته من هذا الوجه الآخر (٥).

стр. 1731

ووصف العراقي لأحد رجال إسناد الرواية الأولى بأنه «متروك» هكذا بإطلاق، يفيد شدة ضعفه، كما أشرت لمدلول تلك اللفظة فيما تقدم. ومن يراجع مصادر ترجمة «أحمد بن عمران» هذا، يجد أنه مختلف في حاله، فمن العلماء من وصفه بالترك، ونحوه، ومنهم من ذكر له بعض المناكير، ووثقه ابن عدي، وقال ابن حبان: حدثنا عنه أبو يعلى، وهو مستقيم الحديث، وقال العجلى: كوفي، لا بأس به، وأكثر أبو عوانة الراوية عنه في صحيحه (١) وقال البيهقي: ثقة فيما زعم ابن عدي وغيره (٢). ومن ذلك يلاحظ أن الجزم بكونه متروكا تشدد غير مفسر السبب، ويمكن الجمع بين الأقوال فيه بأنه: صدوق له مناكير، فيحسن من حديثه ما ليس منكرا. وعليه يكون جزم العراقي بكون أحمد هذا متروكا، وبالتالى شدة ضعف الحديث من طريقه، يعتبر أخذا منه بالتشدد المخالف للراجح. والكثير من عمل العراقي خلال الكتاب، يفيد تفريقه بين الضعيف فقط، وبين الضعيف جدا، وبين الموضوع أيضا، كما سيأتي. وقد يعل الحديث الواحد بأن في سنده راويين كل منهما يصفه بأنه ضعيف جدا (٣). وقد يكون تضعيفه الشديد للحديث، ليس مصرحا به، هكذا، ولكنه

стр. 1732

يستفاد من ذكره أكثر من علة في الحديث، تكون بمفردها خفيفة، ولكن عند اجتماعها مع مثلها في حديث واحد، فإن المجموع يفيد شدة الضعف، تبعا لما هو معروف عند علماء الاصطلاح - ومنهم العراقي -: أن ما عُدِمت فيه صفة واحدة من صفات القبول، فهو أخف ضعفا مما عُدِمت فيه صفتان، وهكذا، حتى ينتهي الحديث إلى درجة الموضوع المختلق، فيكون هذا الوصف وحده أشد مما عداه (١). فمما ذكر العراقي فيه أكثر من سبب للضعف: - أنه ذكر حديث أبي هريرة: من استمع إلى آية من كتاب الله، كتب الله له حسنة مضاعفة (الحديث) وعزاه إلى أحمد، ثم قال: وفيه ضعف، وانقطاع (٢). وبالمراجعة نجد الحديث في مسند الإمام أحمد من طريق عباد بن ميسرة، عن الحسن البصري، عن أبي هريرة ﵁ (٣). وعباد هذا، خلاصة حاله: أنه لين الحديث، وممن ضعفه الإمام أحمد نفسه (٤) والحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة، على الراجح (٥). فاجتماع هاتين العلتين في الإسناد، يقتضي شدة ضعف الحديث بهذا الإسناد.

стр. 1733

وقد أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١) والبغوى في تفسيره (٢)، كلاهما من طريق إسماعيل بن عياش عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد عن أبي هريرة. وفيه كما ترى - إسماعيل بن عياش، يروى عن ليث بن أبي سليم، وهو غر شامى، فرواية إسماعيل عنه فيها ضعف، كما هو معروف (٣) وليث بن أبي سليم، أيضا فيه ضعف من جهة ضبطه (٤). وبذلك يكون ضعف هذا الطريق شديدًا، فلا يجبر بمفرده الطريق السابق للحديث. وذكر العراقي أيضا حديث: من زار قبر أبويه أو أحدهما غفر له (الحديث)، وعزاه إلى الطبراني في الصغير والأوسط، من حديث أبي هريرة، وإلى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور له من رواية محمد بن النعمان، يرفعه. ثم قال عن سند ابن أبي الدنيا: وهو معضل، ومحمد بن النعمان مجهول. أما سند الطبراني، فهو موصول من طريق محمد بن النعمان بن عبد الرحمن عن يحيى بن العلاء البجلي الرازي عن عبد الكريم أبي أمية عن مجاهد عن أبي هريرة (٥). وقال عنه العراقي: محمد بن النعمان مجهول، وشيخه عند الطبراني: «يحيى

стр. 1734

ابن العلاء البجلي» متروك (١). وفي مصادر ترجمة كل منهما ما يؤيد قول العراقي فيه (٢). ويستفاد من كلامه عن طريقي الحديث، وجود الاعضال وجهالة راو، في طريق الحديث عند ابن أبي الدنيا، ووجود الراوي المجهول نفسه، مع راو متروك في طريق الطبراني، وذلك يقتضي شدة ضعف كل من الطريقين، وبالتالي لا ينجبر أحدهما بالآخر بمفرده، كما أن في سند الطبراني سببا ثالثا للضعف، وهو وجود «عبد الكريم أبي أمية» فيه، وقد اقتصر الهيثمي في المجمع على إعلال الحديث، به (٣)، وكان يلزم عند إرادة الاقتصار، ذكر «يحيى بن العلاء»؛ لكونه أشد ضعفا، فتتبعه درجة الحديث بهذا الإسناد، كما هو معروف، ولعل هذا هو سبب عدم ذكر العراقي لعبد الكريم ضمن أسباب ضعف سند الطبراني؛ لذكره الأشد ضعفا منه، وهو «يحيى بن العلاء» كما تقدم (٤). ويؤيد هذا ماجاء في موضع آخر، حيث ذكر حديث ابن مسعود في صلاة

стр. 1735

الحاجة اثنتى عشرة ركعة، وعزاه إلى أبي منصور الديلمي في مسند الفردوس، وقال: بإسنادين ضعيفين جدا، فيهما (عمر) بن هارون البلخي، كذبه ابن معين، ثم قال: وفيه علل أخرى فاقتصر العراقي - كما ترى - على ذكر سبب واحد يقتضي شدة ضعف الحديث بإسناديه، مع معرفته بوجود أكثر من علة أخرى، في هذا الحديث، وإن كان لم يصرح بشيء منها. وقد تعقب الزبيدي العراقي في تلك العلة التي اقتصر عليها، فذكر أن عمر بن هارون هذا روى عنه أبو داود وجماعة، قال الذهبي في الكاشف: قال ابن حبان مستقيم الحديث، وقد روى عنه الترمذي وابن ماجه، فمثل هذا لا يترك حديثه، كما ذكر أن الحديث الذي ذكره الغزالي في الإحياء، قد أخرجه أبو نعيم في الحلية بسند قو (١). وهذا التعقب من الزبيدي فيه أمران: الأول: ما ذكره من حديث الحلية مُسلّم، وكان ينبغى على العراقي ذكره بدلا من حديث الديلمي الشديد الضعف. الأمر الثاني: ما ذكره بخصوص حال «عمر بن هارون» وهذا غير مسلّم له، لأنه ما ذكره عبارة عن خلط بين ترجمة «عمر بن هارون» وترجمة راو آخر مذكور بعده بترجمة في كتاب الكاشف الذي عزا إليه ما ذكره، وهو «عمر ابن يزيد أبو حفص السيارى» فقد جاء في الكاشف (٢) في ترجمته أنه روى عنه أبو داود وعدة، وأن ابن حبان قال فيه «مستقيم الحديث»، فلعل الزبيدي سبق نظره إلى هذا.

стр. 1736

وأما «عمر بن هارون» فقد جاء في ترجمته في الكاشف (١) أنه روى له الترمذي وابن ماجه، ثم قال الذهبي فيه: واه، اتهمه بعضهم (٢) وهذا يقتضي أنه متروك، وضعيف جدا، كما قال العراقي وذكر فعلا في ترجمة في غير الكاشف أن يحيى ابن معين كذبه، كما حكى العراقي، وممن ذكر تكذيب ابن معين له ابن حبان، وذكر أنه في رواية أخرى قال فيه «ليس بشيء» ثم زاد ابن حبان من جانبه تأكيدا لذلك، فبعد وصفه بعدالة الدين: قال: والمناكير في رواياته، تدل على صحة ما قال يحيى بن معين فيه (٣) وما اختاره ابن حبان من اتصاف (عمر بن هارون) هذا بعدالة الدين، مع شدة ضعفه في رواية الحديث، يعتبر جمعا بين مجمل الأقوال في حاله (٤) لكني وجدت العراقي أيضا في بعض المواضع، لا يقتصر على ذكر السبب الأشد في الضعف فقط، بل يذكر معه أكثر من سبب آخر أخف ضعفا. فمن ذلك أنه ذكر حديث تعليم الرسول ﷺ أبا بكر الدعاء لحفظ القرآن، وعزاه إلى أبي الشيخ ابن حبان، في كتاب الثواب له، من رواية عبد الملك ابن هارون بن عنترة عن أبيه أن أبا بكر أتى النبي ﷺ (الحديث) ثم قال العراقي: وعبد الملك، وأبوه، ضعيفان، وهو منقطع، بين هارون، وأبي بكر ﵁ (٥)

стр. 1737

فذكر ثلاثة أسباب - كما ترى - لضعف إسناد هذا الحديث. ولم يذكر له رواية أخرى. وبالمراجعة يظهر لنا أن اقتصار العراقي في حال «عبد الملك بن هارون» على الضعف فقط، قد تبع فيه الأقل ممن تكلم فيه، ولكن الأكثر، على وصفه بالكذب والترك، ووضع الحديث، أو التهمة بذلك، ورواية المناكير عن أبيه (١) فلو لم يكن في السند مطعن غير «عبد الملك» هذا، لكان كافيا في شدة ضعف الحديث من طريقه ومع ذلك ذكر العراقي معه السببين الآخرين. وذكر الغزالي حديث الصلاة المأثورة في ليلة السابع والعشرين من رجب، فعزاها العراقي لأبي موسى المديني في فضائل الأيام والليالي، من طريق محمد بن الفضل عن أبان، عن أنس، مرفوعا، ثم قال: ومحمد بن الفضل، وأبان، ضعيفان جدا، والحديث منكر (٢). فذكر العراقي ثلاثة أسباب أيضا، وجمع فيها بين نقد السند، بشدة ضعف راويين فيه، ونقد المتن بأنه منكر. وستأتي أمثلة أخرى لعنايته بنقد المتن، ولكن المقصود هنا بيان عدم اقتصاره على سبب واحد مما يقتضي شدة ضعف الحديث. مثلما اقتصر في أحد الأمثلة السابقة. وعلى ذلك يمكن القول بأن العراقي تنوع منهجه في ذكر ما يضعف به الحديث، بحسب ما يتيسر له من سبب أو أكثر، حتى لو كان بعض ما

стр. 1738

يذكره يقتضي بمفرده شدة ضعف الحديث. جمع العراقي بين الحكم بشدة الضعف، والرد على من خالف في ذلك: قد لا يقتصر العراقي على ذكر ما يدل على شدة ضعف الحديث، ولكن يتبعه بالرد على من خالف في ذلك. فقد ذكر الحديث القدسي: قال الله تعالى: «لا إله إلا الله حصني … » (الحديث) وعزاه إلى الحاكم في كتابه التاريخ - يعني تاريخ نيسابور - ولأبي نعيم في الحلية، من طريق أهل البيت، من حديث على ﵁، ثم قال: بإسناد ضعيف جدا، وأتبع ذلك بقوله: وقول أبي منصور الديلمي: إنه حديث ثابت، مردود عليه (١) وزاد ابن عراق نقلا عن العراقي أيضا في تخريجه: عزو الحديث إلى مسند الشهاب للقضاعي من رواية على بن موسى الرضا عن آبائه، كما زاد نقل العراقي عن كتاب «الكشف عن أخبار الشهاب» لابن طاهر المقدسي: أن راوى الحديث عن على الرضا في الحلية هو أبو الصلت الهروى وأنه متفق على ضعفه، وأن راويه عن على الرضا عند القضاعي هو: أحمد بن على بن صدقة، متهم بالوضع (٢). وقد أفادتنا هذه الزيادة بيان مستند العراقي في الحكم بشدة التضعيف الإسناد الحديث، وهو وجود را و متهم بالوضع في أحد طريقي الحديث، وهو «أحمد بن علي بن صدقة». أما أبو الصلت: هو عبد السلام بن صالح الهروى، فقد تعقب ابن عراق

стр. 1739

وصفه السابق بأنه متفق على تضعيفه، فذكر توثيق ابن معين والحاكم له، ولكنه نقل عن العراقي ما يفيد عدم اعتداده بإطلاق توثيقه، لوجود جرح مفسر فيه، من أحد من وثقه وهو الحاكم حيث وصفه بأنه روى عن عدد من شيوخه مناكير (١) كما جاء عن أكثر من تكلم فيه ما يفيد شدة تضعيفه (٢) كما هو مقتضى حكم العراقي على إسناد هذا الحديث، فيحمل توثيق من وثقه وهم الأقل على ما وصف به من غيرهم من الزهد والتقشف، ولذا لما لخص الذهبي حاله قال: واه، شعى متهم، مع صلاحه (٣) وما ذكره العراقي عن أبي منصور الديلمي يفيد أن الديلمي أخرج الحديث في مسند الفردوس، وحكم عليه بذلك، مع أن العراقي لم يعزه إلى مسند الفردوس، كما ترى. لكن يفهم من زهرة الفردوس لابن حجر أن أبا منصور الديلمي روى الحديث في مسند الفردوس من طريق أبي نعيم في الحلية (٤) وقد جاء الحديث فعلا في الحلية (٥)، مع اختلاف في لفظ أوله، وذلك من طريق أحمد بن على الأنصارى عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح عن علي بن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده، عن على مرفوعا، وقال أبو نعيم: هذا حديث ثابت مشهور بهذا الإسناد.

стр. 1740

فيبدو أن أبا منصور الديلمي لما أخرج الحديث من طريق أبي نعيم، ذكر قوله هذا عن الحديث، فظنه العراقي من كلام أبي منصور، مع أنه قد عزا الحديث إلى أبي نعيم في الحلية، ومقتضى هذا أنه وقف على قول أبي نعيم عن الحديث، فكان الأولى أن يوجه تعقبه السابق، إلى أبي نعيم، لكونه أسبق من الديلمي، أو يوجهه إلى كل من أبي نعيم، والديلمي، لإقراره قول أبي نعيم. وما ذكره العراقي وغيره في أحوال الراويين للحديث عن على بن موسى الرضا عن آبائه عن على ﵃ يؤيد القول بشدة ضعف الحديث بهذا الإسناد، ورد قول أبي نعيم والديلمي من بعده، بأنه ثابت مشهور (١). وهذا يعتبر من الأمثلة الدالة على تأثير العراقي في نقد أحاديث الإحياء وغربلتها. مما يتعقب به العراقي في بعض اصطلاحات التخريج، وتضعيف بعض الأحاديث: وليس ذلك مما يقدح في جهوده الظاهرة خلال الكتاب، ولكن القصد منه تطبيق مبدأ التوازن في عرض وتقويم تلك الجهود والآثار للعراقي، فيذكر ما لها، وهو الأكثر، وما عليها وهو الأقل. فمن ذلك أن العراقي قد يقتصر في تخريج الحديث على عزوه إلى مصدر غير مشهور، وبسند شديد الضعف، مع وجوده في مصادر أخرى مشهورة، ودرجة الحديث فيها أقوى.

стр. 1741

فقد ذكر الغزالي حديث «أقرب الناس منى مجلسا يوم القيامة، إمام عادل» فاقتصر العراقي على عزوه لأبي القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب له، من حديث أبي سعيد الخدرى، وقال: من رواية عطية العوفي، وهو ضعيف، عنه يعني عن أبي سعيد، ثم قال: وفيه أيضا: إسحق بن إبراهيم الديباجي، ضعيف أيضا (١). فكتاب الترغيب والترهيب للأصبهاني مع كونه مصدرًا أصليا، وهاما، لكنه غير مشهور، خاصة بالمقارنة بما سيأتي من المصادر الأخرى الأصلية لهذا الحديث، كما أن سند الحديث عند الأصبهاني يعتبر شديد الضعف، لوجود راويين ضعيفين فيه في حين أن هذا الحديث قد أخرجه من حديث أبي سعيد، بنحوه، كل من الترمذي في جامعه (٢) وأحمد في مسنده (٣) والبيهقي في سننه الكبرى (٤) وشعب الإيمان (٥)، وليس في أسانيدهم (إسحق بن إبراهيم الديباجي)، وإنما جميعهم رووه من طريق «عطية العوفي» فقط وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه وخلاصة حال «عطية العوفي» أنه ضعيف من جهة ضبطه، ورمى بالتشيع،

стр. 1742

وبالتدليس القادح (١) فيحمل تحسين الترمذي للحديث، على مراعاة ما يشهد له، كما أشار إلى ذلك بقوله: وفي الباب عن عبد الله بن أبي أوفى ولعل توجيه تحسين الترمذي بهذا، أولى من صنيع الزيلعي، رفيق العراقي، حيث أخذ بقول ابن القطان الفاسي بتحسين الحديث لذاته، من طريق عطية وحده حيث قال: وعطية العوفي مضعف، وقال ابن معين فيه: صالح، فالحديث حسن، وأقره الزيلعي (٢)، مع أن قول ابن معين «صالح» هكذا مطلقا، ليس صريحا في صلاحية الراوي ولا صلاحية حديثه للحجية، بل يحتمل إرادة الصلاح في الدين فقط (٣) وصلاحية الحديث للاعتبار، وليس للاحتجاج، ولو سلم الحمل على الاحتجاج، فهو معارض بتضعيف الأكثرين لعطية العوفي كما قدمت. وعلى كل، فإن طرق هذا الحديث التي يوجد فيها عطية العوفي وحده، تعتبر أقل ضعفا من طريق الأصبهاني التي اقتصر عليها العراقي، وفيها كل من العوفي، وإسحق الديباجي. كما أن ما ترك العراقي عزو الحديث إليه من المصادر السابق ذكرها، شهرتها واضحة. ولذلك فإن السخاوي قد تعقب العراقي في موقفه من هذا الحديث، فقال: وقد اقتصر مخرج «الإحياء» على عزوه للأصبهاني، وأعله - مع ضعف عطية -.

стр. 1743

بضعف إسحق بن إبراهيم الديباجي، أيضا، وعجبت منه - مع جلالته - كيف لم يعزه للترمذي وغيره ممن ذكرته - يعني أحمد والبيهقي - والله المستعان (١). وبهذا التعقب أفادنا السخاوي اصطلاحين، من اصطلاحات علم التخريج، ومخالفة العراقي لهما في هذا الموضع، وهما: ١ - إذا كان الحديث في مصدر مشهور، أو أشهر، فلا يليق الاقتصار على عزوه إلى ما هو غير مشهور، أو ما هو أقل شهرة، إلا لفائدة، أو عذر. ٢ - إذا كان الحديث في بعض المصادر بسند قوى، أو أقل ضعفا، فلا يليق الاقتصار على عزوه إلى غيرها مما هو ضعيف، أو أشد ضعفا. ويلاحظ في تعقب السخاوي السابق، تحليه بأدب العلماء في النقد، حيث قرنه بتقرير مكانة العراقي الجليلة، فقال: «وعجبت منه، مع جلالته» فأفاد بذلك أن انتقاده هذا، لا يغض من تمتعه بمنزلة جليلة عنده من حيث العموم. ومما تعقب به العراقي أيضا من مخالفة الاصطلاح الأول، أنه ذكر حديث «أنه خرج يمشى إلى البقيع، فتبعه أصحابه، فوقف، فأمرهم أن يتقدموا (الحديث)، وعزاه إلى أبي منصور الديلمي في مسند الفردوس، من حديث أبي أمامة، ثم قال: بسند ضعيف جدا، وأضاف قائلا: وهو منكر، فيه جماعة ضعفاء» (٢).

стр. 1744

فقوله: فيه جماعة ضعفاء، بيان ظاهر لسبب حكمه بشدة ضعف إسناده، تبعا لما قدمته من أن تعدد أسباب الضعف المطلق، يجعله أشد مما يوجد فيه سبب واحد منه، وسيأتي من أحوال رجال هذا السند، ما يوضح ذلك. أما قول العراقي: هو حديث منكر، فيبدو أنه موجه إلى المتن، فيكون سببا زائدا على ما في رجال الإسناد من ضعف، وبالمجموع تتأكد شدة الضعف للحديث سندا ومتنا، ويعتبر حكمه بنكارة المتن من أمثلة عنايته بنقد المتن، بجانب نقده للإسناد. لكن الحافظ ابن حجر تعقب شيخه العراقي في تخريج هذا الحديث، فذكر الزبيدي أنه عند تخريج العراقي للحديث، وجد تعليقا للحافظ ابن حجر بخطه على حاشية نسخة من كتاب المغني هذا، قال فيها: «رواه - أي الحديث المذكور - أحمد، بسياق مطول، وابن ماجه مختصرا» (١). فهذا التعقب من ابن حجر يعتبر بيانا لمخالفة شيخه العراقي هنا للإصطلاح الأول فيما قدمته عن السخاوي، حيث إن العراقي اقتصر في تخريج هذا الحديث على العزو إلى مسند الفردوس لأبي منصور الديلمي فقط، بينما هو موجود بنحوه، ضمن رواية مطولة في مسند الإمام أحمد، وله رواية مختصرة في سند ابن ماجة. وكلا المصدرين - كما ترى - أشهر، وأقدم بزمن طويل، عن مسند الفردوس للديلمي، فكان عزو الحديث إليهما أولى، أو الجمع بينهما وبين المسند للديلمي، بدلا من الاقتصار عليه وحده. وقد راجعت كلا من مسند أحمد وسنن ابن ماجه، فوجدت الحديث فيهما

стр. 1745

فعلا كما ذكر الحافظ، ومن حديث الصحابي نفسه الذي أخرج الديلمي الحديث من روايته (١). ولكن سند الحديث عندهما فيه ثلاثة رواة، كل منهم يعتبر ضعيفا ضعفا غير شديد، وهم: معان بن رفاعة (٢) والقاسم بن عبد الرحمن الدمشقي (٣) وعلى بن يزيد الألهاني (٤) والمتن عندهما بنحوه، أو مختصر، كما تقدم، وبذلك تكون شدة الضعف في روايتهما متقاربة مع شدة الضعف في رواية الديلمي (٥)، ولذا لم يتعقب الحافظ ابن حجر شيخه في الحكم على الحديث بشدة الضعف، وإنما وجه تعقبه لمخالفته اصطلاح التخريج من المصدر المشهور، والاقتصار على التخريج من غير المشهور، دون ظهور فائدة أو ضرورة لذلك. وذكر العراقي حديث: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على

стр. 1746

الرشد (الحديث) وعزاه إلى الترمذي والنسائي والحاكم، ثلاثتهم من حديث شداد بن أوس، وذكر أن الحاكم صححه، ثم قال: قلت: بل هو منقطع، وضعيف (١) وهذا التعقب - كما ترى - متوجه نحو إسناد الحاكم الذي صحح الحديث باعتباره، حيث أخرجه في المستدرك من طريق محمد بن سنان القزاز عن عمر بن يونس اليمامي عن عكرمة بن عمار عن شداد أبي عمار عن شداد بن أوس، مرفوعاً، به، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه وأقره الذهبي في تلخيص المستدرك (٢). وهذا الإسناد رجاله محتج بهم، ولم أجد في تراجمهم ما يقتضي الانقطاع بينهم، ومحمد بن سنان القزاز، وإن ضعفه الحافظ في التقريب (٣) إلا أن مجموع الأقوال فيه، ودفاع الحافظ نفسه عنه في التهذيب (٤) يقتضي أنه لا بأس به، فالحديث بهذا الإسناد حسن (٥). وبذلك لا ينطبق عليه تعقب العراقي السابق بالضعف والانقطاع. وإنما ينطبق هذا على إسناد الحديث عند الترمذي والنسائي. فقد أخرجه الترمذي من طريق سفيان الثورى عن سعيد بن إياس الجريري عن يزيد بن عبد الله بن الشخير أبي العلاء عن رجل من بني حنظلة عن شداد

стр. 1747

ابن أوس، به، مع زيادة في آخره، وقال الترمذي: هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه (١). فلم يحكم عليه الترمذي - كما ترى - بدرجة معينة، وفي سنده رجل مبهم من بني حنظلة، ولم أجد من بين شخصه، ولا حاله، فيكون الإسناد لأجله ضعيفا. وأخرج النسائي الزيادة التي في آخر رواية الترمذي هذه من طريق هلال بن حق عن الجريرى عن أبي العلاء بن الشخير عن رجلين، عن شداد بن أوس (٢) وأخرج النسائي أيضا الحديث من طريق حماد بن سلمة عن سعيد الجريري عن أبي العلاء بن الشخير عن شداد بن أوس، به، مع اختصار (٣) وقد قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث، لم يسمعه أبو العلاء من شداد، إنما سمعه من رجل من بنى حنظلة عن شداد (٤) وبذلك تلاحظ أن إسناد روايات الحديث عند الترمذي والنسائي، بعضها ضعيف لوجود مبهم في سنده، وبعضها منقطع كما قال الحافظ. فلعل العراقي ﵀ أراد ذكر تعقبه السابق بالضعف والانقطاع،

стр. 1748

عقب عزو الحديث إلى الترمذي والنسائي، فذهل عن ذلك، ووضعه متأخرا عقب عزو الحديث للحاكم، وذكر تصحيحه له باعتبار إسناده هو الخالي من الضعف والانقطاع كما قدمت توضيحه. هذا ولم أجد من تعقب العراقي في حكمه على هذا الحديث بالضعف والانقطاع. بيان العراقي لدرجة الحديث المختلف على بعض رواته، واختلافه مع غيره في هذا: المراد بالاختلاف هنا: أن يشترك راويان فأكثر في رواية حديث، عن أحد رجال الإسناد، حتى صحابي الحديث، ثم يختلف هذان الراويان فأكثر، في رواية الحديث عمن روياه، أو رووه عنه. سواء كان الاختلاف في المتن والسند معا، أو في أحدهما. ويعبر العلماء عن هذا بقولهم: «هذا الحديث رواه فلان، - من الصحابة فمن دونهم - واختلف عليه فيه». أو يقولون: «هذا الحديث اختلف فيه على فلان»، سواء كان صحابيا، أو دونه. وسيأتي في الأمثلة ما يوضح ذلك. وهذا الاختلاف يعتبر بابا كبيرا من أبواب علل الحديث الدقيقة، حيث ينشأ عنه تعارض الرفع والوقف للحديث، أو الوصل والإرسال، أو الزيادة والنقص في أثناء الإسناد، أو البكارة والشذوذ، والاضطراب في المتن أو الإسناد، وذلك إذا لم يمكن الجمع بين وجهي أو وجوه الاختلاف بأحد وجوه الجمع المعتبرة، وبذلك تندفع عن الحديث علة التعارض والاختلاف.

стр. 1749

فإذا لم يمكن الجمع يبحث عن بعض الوجوه المعتبرة التي يمكن بها ترجيح بعض وجوه الاختلاف على غيرها، فإن أمكن ذلك يبرأ الوجه الراجح من علة الاختلاف، مع إمكان وجود علة أخرى فيه. وأما الوجه المرجوح فإنه يكون معلولا بمخالفته للأرجح منه، وقد توجد فيه أيضا علة أخرى. وقد يوجد للوجه المعلول ما يعضده ويقويه من غير الطرق المختلفة. وفي الموضوع تفاصيل وتقعيدات، ليس هنا محل تفصيلها. ومع أن المنهج العام للعراقي في هذا التخريج، هو الاختصار، إلا أنه لم يهمل هذا الجانب الدقيق من جوانب بيان درجة الحديث، لما له من أهمية لا تخفي، فتناوله، وأظهر أثره في معالجته، مع مراعاة الاختصار في ذلك حسب منهجه العام في هذا الكتاب، حتى إنه قد يكتفي بالإشارة إلى أن الاختلاف هو علة الحديث. فقد ذكر حديث فاطمة ﵂ (أن ساعة الإجابة التي في يوم الجمعة، تكون قبيل غروب الشمس) وعزاه إلى الدارقطني في العلل، والبيهقي في الشعب، ثم قال: وعلته الاختلاف (١) ومعنى هذا أنه لم يتيسر له في هذا الاختلاف جمع ولا ترجيح. ولا يتضح هذا الاختلاف الذي أشار إليه إلا بمراجعة مصادر الحديث، وخاصة ما عزا هو إليه منها، وهما العلل للدارقطني، وشعب الايمان للبيهقي. ولم أستطع الوقوف على موضع الحديث في علل الدارقطني، ولكن وقفت

стр. 1750

على روايته في شعب الإيمان للبيهقي، فوجدته ذكر عددا من طرقه التي وقع الاختلاف المشار إليه، فيها، فقد أخرجه من طريق زيد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب ﵃، مع اختلاف فيه على زيد بن على، وعلى من دونه في الإسناد، ولم يرجح البيهقي من هذا الخلاف شيئا (١). وأيضا رواه الطبراني في الأوسط، من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأصبغ بن زيد عن زيد بن على عن مرجانة مولاة على عن فاطمة، مرفوعا، وقال: لا يروى هذا الحديث عن فاطمة إلا بهذا الإسناد، تفرد به المحاربي (٢) فمدار الحديث كما ترى على زيد بن على بن الحسين، واختلف عليه فيه. والرواة من دون زيد، ومن فوقه، فيهم عدد لم أقف له على ترجمة، وبذلك لم يتيسر لي ما يساعد على الجمع أو الترجيح في هذا الاختلاف. وهذا ما واجه تلميذى العراقي: وهما الهيثمي وابن حجر العسقلاني، في هذا الحديث. فالهيثمي قال عن إسناد الطبراني السابق: (مرجانة) لم تدرك فاطمة ﵂ وهي مجهولة، وفيه مجاهيل غيرها (٣) ويلاحظ أنه لم يتعرض لبيان إعلال الحديث بالاختلاف، الذي اقتصر شيخه العراقي على الإعلال به. ولعل الهيثمي فعل ذلك لكون الطبراني الذي هو بصدد الكلام عن روايته، قد خرج الحديث من طريق واحد، ولم يشر إلى الخلاف فيه. أما الحافظ ابن حجر فعزا الحديث إلى كل من الطبراني في الأوسط،

стр. 1751

والدارقطني في العلل، والبيهقي في الشعب وفي فضائل الأوقات، كلها من طريق زيد بن علي بن الحسين بن علي عن مرجانة عن فاطمة عن أبيها، ثم قال الحافظ: وفي إسناده اختلاف على زيد بن على، وفي بعض رواته من لم يعرف حاله (١). ويلاحظ أنه لم يذكر ما ذكره الهيثمي من الانقطاع بين مرجانة، وفاطمة ﵂، وهذا يؤيد ما قدمته من أنه قد يكون في طرق الحديث بعض العلل الأخرى غير الاختلاف. ويلاحظ أن الحافظ ابن حجر لم يرجح شيئا في هذا الاختلاف (٢) وقد يصرح العراقي بترجيح في الخلاف، نقلا عن غيره، مع إقراره، وهذا كثير (٣) وقد لا يصرح بالراجح المذكور في بعض مصادر تخريج الحديث، ولكن يفهم الترجيح من سياق كلامه، وقد يبين الراجح من جانبه هو، ولو خالفه غيره في هذا، وقد يصرح بوصف الحديث بالاضطراب. وتفصيل الأمثلة لذلك، كما يلي: فقد ذكر حديث: «من شهد صلاة العشاء فكأنما قام نصف ليلة» وعزاه إلى مسلم من حديث عثمان ﵁ مرفوعا، ثم قال: قال الترمذي:

стр. 1752

وروى عن عثمان موقوفا (١) فالسياق هنا يفيد رجحان الوجه المرفوع، لتصحيح الإمام مسلم له وعدم ظهور مرجح للموقوف. وعند مراجعة جامع الترمذي نجده لم يقتصر على الإشارة إلى الرواية الموقوفة، وإنما أخرج الرواية المرفوعة من إحدى طريقي مسلم (٢) وهي: سفيان الثورى عن عثمان بن حكيم عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان، مرفوعا، وقال عقبها: حديث عثمان حديث حسن صحيح، وقال عقب الإشارة للرواية الموقوفة: وروى من غير وجه عن عثمان، مرفوعا (٣). فهاتان قرينتان ظاهرتان على ترجيح الترمذي للمرفوعة، مع الإشارة إلى وجه الترجيح، وهو أكثرية رواتها وأما الدارقطني، فاختلف ترجيحه، ففي التتبع رجح الوقف، بأحفظية رواته (٤) وفي العلل، استعرض الخلاف في طرق الحديث رفعا، ووقفا، ثم قال: والأشبه بالصواب: حديث الثورى، وقد أخرجه مسلم في صحيحه (٥)، وحيث لم نعرف المتأخر من قولى الدارقطني هذين، فنأخذ بما وافقه عليه غيره منهما، وهو ترجيح الرفع وأما تصريح العراقي بالترجيح دون عزو لغيره، فمنه: أنه ذكر

стр. 1753

حديث أنس ﵁ مررت ليلة أُسري بي، بقوم يخمشون وجوههم بأظفارهم (الحديث) وعزاه إلى أبي داود مسندا ومرسلا، ثم قال: والمسند أصح (١). وعند مراجعة الحديث في سنن أبي داود، نجده أخرج الرواية المرفوعة عن شيخه محمد بن المصفي عن بقية - يعني ابن الوليد - وأبي المغيرة - كلاهما عن صفوان عن راشد بن سعد، وعبد الرحمن بن هبيرة، عن أنس مرفوعا، ثم قال أبو داود: حدثنا يحيى بن عثمان عن بقية - يعني ابن الوليد - ليس فيه أنس. ثم قال: حدثنا عيسى بن أبي عيسى السيلحينى، عن أبي المغيرة، كما قال ابن المصفي (٢). وعند تأمل صنيع أبي داود هذا نجد فيه إشارة إلى ترجيح الرواية المسندة على المرسلة، حيث ذكر متابعة لشيخه محمد بن المصفي على الرواية المسندة، ولم يذكر متابعة لشيخه يحيى بن عثمان على الرواية المرسلة. ولكنه لم يصرح بالترجيح كما ترى. وأيضا الحافظ المنذري ذكر المسند والمرسل، ولم يذكر ترجيحا لأيهما (٣). فيعتبر تصريح العراقي يترجيح الرواية المسندة الموصولة، من استنتاجه هو،

стр. 1754

بالنظر في صنيع أبي داود. كما أن الضياء المقدسي قد أخرج الرواية المسندة، في المختارة (١) ولعل صاحب عون المعبود ﵀ لم يتح له مراجعة ترجيح العراقي هذا، ولذلك لم يذكره في شرحه للسنن، مع أهميته في الاستدلال بالحديث (٢). وأما خلاف العراقي مع غيره بالنسبة للاختلاف: فمنه: أنه ذكر حديث القراءة في المغرب ليلة الجمعة: «قل يا أيها الكافرون»، «وقل هو الله أحد» (الحديث)، وعزاه إلى ابن حبان في صحيحه، والبيهقي في سننه الكبرى من حديث جابر بن سمرة، وقال: وفي ثقات ابن حبان: المحفوظ عن سماك، مرسلا، وعقب على هذا بقوله: قلت: لا يصح مسندا ولا مرسلا (٣). وبمراجعة المصادر التي عزا العراقي إليها الحديث، نجد البيهقي أخرج الرواية المسندة من طريق سعيد بن سماك بن حرب عن أبيه عن جابر بن سمرة، مرفوعا، ولم يتكلم عنها بشيء (٤). وكذلك أخرجها ابن حبان في صحيحه، من الطريق نفسه (٥) ولم يتعقبها بشيء، فدل ذلك على تصحيحه لها، وترجيحها على الرواية المرسلة، ولكنه

стр. 1755

ذكر في كتاب الثقات، الحديث من الطريق نفسه أيضا، ثم قال: المحفوظ عن سماك مرسلا (١). ومقتضاه أنه يرى الرواية المسندة معلولة، ولو كان رجالها ثقات، مع اتصال السند، فتكون شاذة، لمخالفتها للمحفوظ من طريقي الحديث، وهو الطريق المرسل. وبذلك اختلف ترجيح ابن حبان، كما ترى، فمرة رجح الرواية المسندة بتصحيحها، ومرة رجح الرواية المرسلة، بتقريره أنها هي المحفوظة. ونلاحظ أن العراقي لم يأخذ بأى من الترجيحين، فقرر عدم صحة الحديث من أي من الوجهين، وهنا يتفق مع الراجح من حال الراوي الذي عليه مدار طريقي الحديث، وهو «سعيد بن سماك» فإنه قد ذكره ابن حبان في الثقات، ولكن أشار إلى إعلال روايته للحديث، كما تقدم، وقال فيه أبو حاتم: متروك الحديث (٢) ومقتضاه شدة ضعف الحديث من طريقه مسندا أو مرسلا. فيعتبر بيان العراقي لعدم صحته مسندا ومرسلا، أولى من سكوت كل من البيهقي وابن التركماني - شيخ العراقي - عليه (٣). في حين عقب الذهبي على الحديث بقوله: قلت: سعيد متروك (٤) وبه يتأيد حكم العراقي السابق.
следующие страницы →