← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

ولا يقال: إنه اكتفى بإقراره لحكم ابن حبان بوضعه من رواية ابن عباس، لأنه من المعروف أن الحديث قد يكون مقبولا من رواية أحد الصحابة، ومردودا من رواية غيره، بحسب حال الإسناد إلى كل منهما، وقد طبق العراقي بنفسه هذا في بعض المواضع (١). وأما الأحاديث التي جزم العراقي بالحكم بوضعها دون عزو ذلك إلى غيره. فمنها: حديث فضل سورة الفتح، حيث ذكر في فضلها، ما رواه أبو الشيخ ابن حبان في (كتاب الثواب) من حديث أبي بن كعب: من قرأ سورة الفتح، فكأنما شهد فتح مكة مع النبي ﷺ ، وهو حديث موضوع (٢) وقد تابعه على ذلك الزبيدي (٣). وكتاب الثواب لأبي الشيخ، الذي عزا العراقي الحديث إليه يعتبر من المفتقد حاليا، حيث لا تعرف له نسخة خطية، حسب البحث والنظر في المظان المتاحة حاليا. ولذلك لم أعرف الإسناد الذي روى به هذا الحديث عن أبي بن كعب، ولكن العراقي نفسه في شرحه للألفية (٤) وفي نكته على علوم ابن الصلاح (٥) أنه قد قام المؤمل بن إسماعيل البصري، نزيل مكة بالبحث عن راوي هذا الحديث بسنده إلى أبي، مرفوعا، وذلك في رحلة شاقة من المدائن إلى واسط إلى

стр. 1822

البصرة، إلى عبادان، حتى لقي بها أحد المتصوفة - ولم يذكر اسمه - فأقر له بأنه مع آخرين، قد وضعوه ليرغبوا الناس في قراءة القرآن بعد أن رأوا إعراضهم عن ذلك. والمؤمل بن اسماعيل هذا، خلاصة حاله كما في التقريب، أنه صدوق سيء الحفظ، ومات سنة ٢٠٦ هـ (١). وقد سبق العراقي إلى الحكم بوضع الحديث من رواية أبي بن كعب، وابن عباس: ابن الجوزي، معتمدا على غير واحد أقدم من «المؤمل»، كعبد الله ابن المبارك، وابن مهدي، وغيرهما (٢). فلا أدري لماذا لم يشر العراقي هنا إلى مصدره في الحكم بوضع هذا الحديث، خاصة أنه اقتصر على عزوه إلى كتاب مفتقد، ولم يذكر لنا سنده لننظر فيه، كما أن مؤلفه أبا الشيخ لا يعني فيه بذكر درجات الأحاديث، كما يعرف ذلك من متابعة نقول العراقي وغيره عنه (٣). من اختلاف حكم العراقي على الحديث بالضعف والوضع: لقد لاحظت من مقارنة أحكام العراقي في المغني بأحكامه في غيره من مؤلفاته، أنه قد يتفق حكمه في المغني مع حكمه في غيره مثلما في الحديث السابق، وقد يتغير حكمه على الحديث الواحد.

стр. 1823

فقد ذكر في المغني حديث معاذ مرفوعا: تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة (الحديث) بطوله. وعزاه إلى أبي الشيخ بن حيان في كتاب الثواب، وابن عبد البر - يعني في جامع بيان العلم وفضله - وقال: - أي ابن عبد البر: ليس له إسناد قوى (١) ومفهوم هذا أن الحديث له طرق مرفوعة، ولكنها ضعيفة، وتمام كلام ابن عبد البر عن الرواية المرفوعة لهذا الحديث هكذا: هو حديث حسن جدا، وليس له إسناد قوى، ثم قال: ورويناه من طرق شتى، موقوفا … وساق واحدا منها (٢). وقد ذكر العراقي في المغني كما ترى قول ابن عبد البر السابق، المفيد للحكم بضعف طرق الروايات المرفوعة، ولم يتعقبه بشيء. لكنه في نكته على ابن الصلاح تعقب ابن عبد البر، فذكر أن مراده بعبارة (حسن جدا): حسن اللفظ قطعا، وليس الحسن الاصطلاحي، وعلل ذلك بأن إسناد ابن عبد البر فيه موسى بن محمد البلقاوى، عن عبد الرحيم بن زيد العمى، وأن البلقاوى هذا كذاب، كذبه أبو زرعة وأبو حاتم، ونسبه ابن حبان والعقيلي إلى وضع الحديث، وأن عبد الرحيم بن زيد العمى، متروك الحديث، وقال: والظاهر أن هذا الحديث مما صنعت يد موسى البلقاوى (٣). وقد ذكر العراقي أيضا في تخريجه الكبير للإحياء نحوا مما ذكرت، مع

стр. 1824

زيادة أن في إسناد ابن عبد البر أيضا «زيدًا العمى» والد «عبد الرحيم» السابق، وأن زيدًا هذا مختلف فيه، جرحا وتعديلا، وكذلك في سنده «الحسن عن معاذ» والحسن لم يدرك معاذا (١) وبذلك يكون اقتصار العراقي في المغني على إقرار قول ابن عبد البر المقتضى للضعف فقط لرواية حديث معاذ، مرفوعًا، قد تغير في كتابين آخرين له، إلى الحكم بوضع الحديث، مع تأييد ذلك بأدلته، كما نرى. وقد تابع العراقي على هذا صاحب تنزيه الشريعة (٢). وذكر العراقي أيضا حديث «إذا أتى على يوم لا أزداد فيه علما يقربني إلى الله ، فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم»، وعزاه إلى الطبراني في الأوسط، وأبي نعيم في الحلية، وابن عبد البر في (جامع بيان) العلم، ثلاثتهم من حديث عائشة ﵂، ثم قال: بإسناد ضعيف (٣). ولكنه في التخريج الكبير للإحياء ذكر الحديث عند هؤلاء، من رواية الحكم بن عبد الله (الديلي) عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عائشة، به .. ثم ذكر أن الحكم هذا متروك كذاب، وأن ابن الجوزي أورد الحديث في الموضوعات، وحكى عن الصورى: أن هذا حديث منكر، لا أصل له عن الزهري، ولا يصح عن رسول الله ﷺ ولا أعلم أحدا حدث به غير الحكم (٤)، ومقتضى هذا إقراره بوضع الحديث، لتفرد «الحكم» به، وقد

стр. 1825

وصف بالترك والكذب، وهذا هو المتفق مع القواعد النقدية، بخلاف ما جاء في المغني من الحكم بالضعف فقط، على هذا الإسناد نفسه، كما تقدم. وقد لاحظ هذا صاحب تنزيه الشريعة، فذكر كلام العراقي في «المغني» كما سبق، ثم قال: هكذا في التخريج الصغير، وأما في الكبير، فذكر أن ابن الجوزي أورده في الموضوعات، وأنه نقل عن الصوري أنه قال: منكر، لا أصل له، وأقره (١). فأفاد ابن عراق بذلك إقراره لحكم العراقي في التخريج الكبير، لكن يؤخذ على ابن عراق ﵀ أنه سها، فنقل هذا عقب حديث آخر، أخرجه ابن الجوزي أيضا بلفظ «إذا أتى على يوم لم أزدد فيه خيرا يقربني إلى ربي، فلا بورك في ذلك اليوم» ولعل مما ساعد على السهو، دقة الفرق المؤثر بين الحديثين، وهو لفظ «خير» بدل «علم» في حديثنا السابق، فلفظ «خير» أعم، وكذلك كون الحديثين عند ابن الجوزي من رواية «الحكم بن عبد الله عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عائشة». لكن لو راجع ابن عراق ﵀ بقية سند الحديث الذي بلفظ «خير» عند ابن الجوزي، لظهر له أن فيه راويا آخر، دون «الحكم» براويين، وهو سليمان بن بشار، وقد أعل ابن الجوزي الحديث بكلا الراويين، فبعد بيان بيانه لحال «الحكم» كما تقدم، ذكر وصف ابن حبان لسليمان هذا بأنه يحدث عن الثقات ما لم يحدثوا به، ويضع على الأثبات، ما لا يحصى كثرة (٢) ولم

стр. 1826

يذكر كلام «الصورى» الخاص بالحديث السابق الذي بلفظ «عِلْمًا»، كما أنه لو راجع الحديث في المصادر التي عزا العراقي الحديث إليها (١) لوجده فيها بلفظ «علما»، ولوجد أن طرقه مدارها على (الحكم بن عبد الله)، وليس فيها «سليمان بن بشار»، فليلاحظ هذا من يراجع تنزيه الشريعة في هذا الموضع. نعم أخرج ابن عدي الحديث بلفظ (علما) في ترجمة (سليمان بن بشار)، فصار في سنده كل من (سليمان) و (الحكم) (٢)، لكن لم يعزه العراقي إليه، كما تقدم، وقد روى سليمان الحديث عن ابن عيينة عن بقية عن الحكم عن الزهري، به، وقال ابن عدي عقب روايته: وهذا عن ابن عيينة عن بقية، منكر ها فصارت هذه علة في رواية ابن عدي هذه، زائدة على علة تفرد الحكم به، عن الزهري، والتي أعلت بها رواية من عزا العراقي الحديث إليهم، وقد أشار الشيخ الألباني إلى رواية ابن عدي هذه من طريق سليمان، بعد تقريره الحكم بوضع الحديث باعتبار تفرد الحكم به، في الروايات الأخرى (٣) .. وذكر العراقي حديث: «من صلى يوم الأحد أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب و آمن الرسول .. (الحديث). وعزاه إلى أبي موسى المديني في كتاب (وظائف الليالي والأيام) من حديث أبي هريرة، وقال: بسند ضعيف» (٤)

стр. 1827

لكن ابن عراق قال: قال الحافظ في تخريج «الإحياء»: رواه جعفر الفريابي في جزئه في صلاة الأيام، وفي سنده محمد بن حميد الرازي، ورواه الحافظ أبو موسى المديني في «وظائف الليالي والأيام» من طريق الفريابي، ومن طريق آخر، ثم قال العراقي: وألان الحافظ أبو موسى القول في تضعيف هذا الحديث، وهو كذب موضوع، انتهى (١). وتخريج «الإحياء» الذي نقل ابن عراق كلام العراقي هذا منه هو «التخريج الكبير» حيث لا يوجد شيء منه في المغني المعروف بالصغير؛ بل هو مخالف لما في المغني كما سبق، حيث حكم العراقي على الحديث عند أبي موسى في المصدر نفسه وهو «وظائف الليالي والأيام» من رواية أبي هريرة بأن سنده ضعيف، فقط، كما أن فيما نقله ابن عراق عن التخريج الكبير للعراقي يلاحظ انتقاده أبا موسى المديني بأنه تساهل في تضعيف هذا الحديث بدرجة أخف من الوضع، ثم جزم هو بوصف الحديث بأنه كذب موضوع، ومن هذا يتبين أنه يفرق بين درجة الضعف المطلق، وبين درجة «الوضع»، وأن الأولى أخف من الثانية، وبالتالي يكون الحكم على الحديث بالأولى بدل الثانية يعتبر تساهلا لا يرضاه. وقد تقدم أيضا تعقبه لمن تشدد فحكم بالثانية بدل الأولى، فدل هذا وذاك على أن من منهجه الاعتدال في الحكم، فلا تساهل ولا تشدد، وإن كان لم يطرد له ذلك خلال الكتاب كله، كما مرت بعض الأمثلة لذلك. ثم إنه قد قرر في هذا الحديث أن أبا موسى قد أخرجه من طريقين: -

стр. 1828

إحداهما: فيها «محمد بن محميد الرازي» ومع أنه لم يصرح بحاله، ولا بالعلة التي في الطريق الآخر إلا أن تعقيبه على ذلك بالجزم بأن الحديث كذب موضوع، يفيد أن تعدد طرقه لم يفد في دفع الوضع عنه، كما أنه قد وصف «محمد بن حميد» هذا في موضع آخر من من المغني بأنه أحد الكذابين (١). وذكر في موضع آخر من التخريج الكبير أنه قد كذبه أبو زرعة، وإسحق الكوسج، وفضلك الرازي (٢). أما الطريق الآخر: الذي أشار إليه العراقي، فلعله هو ما أخرجه منه الجورقاني وابن الجوزي في الموضوعات، كلاهما من طريق أبي المفضل الشيباني، بسنده إلى سعيد المقبري عن أبي هريرة، به. وقال ابن الجوزي: هذا موضوع، وفيه جماعة مجاهيل، وأقره السيوطي (٣). أما الذهبي، فمع إقراره لابن الجوزي على الحكم بالوضع، فإنه أضاف أن في سند الحديث «أبو المفضل الشيباني»، وأنه متهم (٤). والذي وجدته في الميزان واللسان (محمد بن عبد الله، أبو المفضل الشيباني، الكوفي، وأنه نُسب إلى الكذب، ووضع الحديث للرافضة (٥) وزاد في اللسان: محمد بن عبد الله بن محمد الكلوذاني)، قال عنه الخطيب: مجهول، ثم قال أيضا: الظاهر أنه أبو الفضل الشيباني - يعني السابق - وأقر الحافظ ابن حجر ذلك (٦).

стр. 1829

فبناء على ترجيح الخطيب هذا، وإقرار الحافظ له، يكون مدار الحديث من طريقيه على راو موصوف بالكذب، فضلا عما في باقى السند من المجاهيل، وبالتالي يكون الحكم عليه بالوضع هو الراجح، كما ترى، وكما جزم به العراقي في تخريجه الكبير، بدلا من حكمه بضعفه فقط في الصغير. وقد تابعه على الحكم بالوضع ابن عراق (١) ومن قبل العراقي جزم بالحكم بالوضع ابن القيم (٢). لكن الزبيدي - فيما يبدو - لم يقف على كلام العراقي الذي في التخريج الكبير بالنسبة لهذا الحديث، كما لم يقف على كلام الذهبي وغيره في «أبي المفضل الشيباني» فذكر قول ابن الجوزي ومن بعده السيوطي في تعليل الحكم بوضع الحديث بقوله: فيه جماعة مجاهيل. وعقب على ذلك بقوله: الحكم على هذا بالوضع ليس بسديد، وغاية ما يقال: إنه ضعيف، ثم قال: فالقول ما قاله الحافظ العراقي: أن سنده ضعيف، لا قول ابن الجوزي: إنه موضوع، وشتان بين الموضوع والضعيف (٣). فهذا من أمثلة عيوب الاعتماد على حكم العراقي على الحديث، في كتاب المغني وحده، دون النظر في غيره من مؤلفاته الأخرى، أو فيما نقل عنها، وخاصة المتعلق بتخريج أحاديث «الإحياء» نفسه، كما في الحديث السابق (٤).

стр. 1830

من الأحكام العامة للعراقي على مجموعة الأسانيد أو المتون الخاصة بحديث معين، أو بموضوع معين: من ضمن ما انتهجه العراقي في بيان درجات الأحاديث في كتاب المغني، قد يذكر حديثا، ويذكر بعض الطرق التي روى منها، ثم يذكر حكما عاما على كل طرقه، سواء ما ذكره أو لم يذكره، وقد يذكر حديثا في موضوع أو باب معين، ويتبع الحكم عليه بحكم عام على درجة الأحاديث المتعلقة بموضوع الحديث وبابه عموما. وكلا هذين التعميمين فيهما خطورة من جهة تعرض من يذكر أيا منهما للتعقب فيما عمم الحكم فيه، كما سيأتي. ومن جهة أخرى له فائدة في إعطاء حكم عام، يمكن أن يوفر على الباحث معاناة تتبع الروايات المتعددة للحديث، غير الرواية التي ذكرت. كما أنه يدل على سعة بحث العراقي، ومحاولته الإحاطة، وتارة يعزو الحكم العام إلى من سبقه من الأئمة، وتارة لا يعزو، ولو كان مسبوقا إلى ما ذكره. فمما نقله عمن سبقه: أنه ذكر حديث عائشة ﵂ أنه ﷺ كان له منشفة، وعزاه إلى الترمذي، وذكر أنه قال: ليس بالقائم، وقال: ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء (١).

стр. 1831

وبمراجعة موضع الحديث في جامع الترمذي نجده ذكر هذا، مع زيادة بيان سبب ضعف حديث عائشة هذا، وهو وجود راو في إسناده ضعيف عند أهل الحديث، كما ذكر في الباب حديثا آخر وبين ضعفه أيضا (١) وقد ذكر صاحب تحفة الأحوذي (١/ ١٧٥) أربعة أحاديث أخرى في الباب، وبين ضعف كل منها، وهي تشهد لما ذكره الترمذي. ثم ذكر صاحب التحفة أن العيني في عمدة القاري أورد حديثا من طريق أبي مريم إياس بن جعفر عن فلان، رجل من الصحابة، أن النبي ﷺ كان له منديل أو خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ، وقال العيني: أخرجه النسائي في الكنى بسند صحيح. وعلق صاحب التحفة على هذا بأنه لم يقف على سند هذا الحديث، ولم يظفر بكتاب الكنى للنسائي. ولما كان هذا يعتبر تعقبا ظاهرا لقول الترمذي السابق: بأنه لا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شي، مع إقرار العراقي له، فقد بحثت عن الحديث المذكور، فوجدت الدولابي قد أخرجه في الكنى (١/ ٢١٠) من الطريق التي عزاها العيني إلى النسائي، فقال الدولابي: حدثنا إبراهيم بن يعقوب قال حدثنا سهل بن حماد، قال حدثنا أبو عمرو بن العلاء قال: أخبرني إياس بن جعفر بن الصلت الحنفي، أبو مريم قال أنبأ فلان أن النبي ﷺ (الحديث). وبالنظر في إسناد الحديث نجد أنه مروي بعبارات الاتصال بين رجاله إلى الصحابي، كما ترى.

стр. 1832

وأحوال رجاله: ابراهيم بن يعقوب الجوزجاني: ثقة حافظ رمي بالنصب كما في التقريب (ترجمة/ ٢٧٣) وليس حديثه هذا متعلقا ببدعته. وسهل بن حماد العنقزى أبو عتاب، مختلف في حاله، ولخصه الحافظ في التقريب (٢٦٥٤) بأنه صدوق. وأبو عمرو بن العلاء: ثقة من علماء العربية/ التقريب (٨٢٧١). وإياس بن جعفر أبو مريم: ذكره ابن أبي حاتم (٢/ ٢٧٧). ونقل عن والده وأبي زرعة أنه: مرسل عن النبي ﷺ . وقال أبو زرعة: يُعد في البصريين، وذكره ابن حبان في الثقات مرتين: مرة في التابعين (١) ومرة في أتباع التابعين (٢) ولم يذكر أحدا روى عنه غير «أبي عمرو بن العلاء» الذي معنا في هذا الإسناد، ولم يتكلم عن حال إياس بشيء. فإذا اعتبرنا رواية الثقة المشهور عنه، وهو «أبوعمرو بن العلاء» مع ذكر ابن حبان له في الثقات، وعدم وقوفنا على قادح فيه، ووجود عدة شواهد الحديثه - كما تقدم - فتدفع عنه النكارة، فيمكن بهذه القرائن ترقى حاله إلى درجة «صدوق». ويرجح كونه تابعيا روايته الحديث الذي معنا عن الصحابي بعبارة «أنبأ» التي تفيد الاتصال، كما تقدم. وبذلك يكون الحديث بهذا الإسناد حسنا، لا صحيحا، كما ذكر العيني. وشواهده السابق الإشارة إليها، ضعيفة، فلا ترقيه إلى الصحة.

стр. 1833

وعليه فلا يتعقب به قول الترمذي الذي أقره العراقي: بأنه لا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء. ومن أحكامه العامة على طرق حديث، دون عزو لغيره، أنه ذكر حديث «كان عند النبى ﷺ طير، فقال: اللهم ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء علي فأكل معه» وعزاه إلى الترمذي من حديث أنس، وذكر قول الترمذي: حديث غريب، ثم قال العراقي: وله طرق كلها ضعيفة (١). وفي هذا رد لتصحيح الحاكم للحديث عن أنس على شرط الشيخين (٢) ومع أن العراقي لم هذا الحكم العام على طرق الحديث بالضعف إلى أحد، فإنه مسبوق إلى ذلك من غير واحد من العلماء المعتبرين. ومنهم معاصراه: الذهبي وابن كثير - رحمهما الله (٣). وذكر العراقي أيضا حديث كرز بن وبرة عن [رجل من أهل الشام عن] ابراهيم التيمي عن الخضر عن النبي ﷺ (أنه علمه المسبعات العشرة) وقد علق العراقي عليه بقوله: ليس له أصل، ثم قال: ولم يصح حديث قط في اجتماع الخضر بالنبي ﵊، ولا عدم اجتماعه، ولا حياته،

стр. 1834

ولا موته (١) وقد تابعه الزبيدي في الإتحاف (٢). وقول العراقي: «ولا موته» يعني لم يصح حديث في بيان موت الخضر بخصوصه، لأن حديث «أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد» أخرجه البخاري ومسلم، وأجاب به البخاري ﵀ حينما سئل عن حياة «الخضر، وإلياس» ﵇، في وقته، (٣) فدل ذلك على دخول موت الخضر في عموم هذا الحديث مع صحته، ومثله لا يخفى على العراقي، بل إنه عارض بموجبه أحد شيوخ عصره كما سيأتي. ومع أنه لم ينسب حكمه هذا العام، إلى غيره، فإنه أيضا مسبوق إليه من غير واحد من المتقدمين والمتأخرين، كالحسين بن المنادي (ت ٣٣٦ هـ) (٤)، وابن الجوزي وأبو الخطاب بن دحية (٥) وابن القيم (٦) والذهبي (٧) وغيرهم (٨).

стр. 1835

وهذا يؤيده النظر في حال السند أو المتن، أو كليهما في الأحاديث الواردة فيما ذكره العراقي بشأن الخضر. لكن كان ينبغى للعراقي العزو إلى بعض من سبقه إلى هذا، خاصة وأنه فعل ذلك في مواجهة بعض شيوخ عصره الذين عرفوا بالتصوف مع اشتغالهم بالعلم وهو الشيخ عبد الله بن أسعد المعروف بعفيف الدين اليافعي المتوفى سنة ٧٦٨ هـ ﵀ وكان له تأليف في إثبات حياة الخضر إلى عصره، ومما يصور شدة نفوذ التصوف آنذاك، أن هذا الشيخ حكى العراقي أنه قال له هو وبعض من حضر معه: (إن لم تقولوا: إنه حى، وإلا غضبت عليكم) وذلك لما ذكروا له قول البخاري والحربي وغيرهما بإنكار ذلك. وكان من أثر تهديده، ما ذكره العراقي بقوله: (فقلنا: رجعنا عن اعتقاد موته) (١). لكن تاريخ وفاة الشيخ اليافعي هذا كما قدمته، يفيد حصول هذا من العراقي في وقت متقدم، خلال طلبه للعلم، وتردده مع غيره على شيوخ عصره، ثم استقر أمره بعد ذلك على ما قرره في تخريج هذا الحديث كما سبق، وقد فرغ من تبييض كتاب (المغني) هذا في ١٢ ربيع الأول سنة ٧٩٠ هـ (٢) أي بعد وفاة اليافعي بأكثر من عشرين سنة. وذكر العراقي أيضا حديث أنس «من صلى ركعتين ليلة الجمعة، قرأ فيهما

стр. 1836

بفاتحة الكتاب، و «إذا زلزلت» خمسة عشر مرة (الحديث) وذكر رواية أخرى في ذلك من حديث ابن عباس، وقال: وكلها ضعيفة منكرة، ثم قال: وليس يصح في أيام الأسبوع ولياليه شيء، والله أعلم (١) وتبعه الشارح على هذا» (٢). وهذا التعميم من العراقي غير مسلم، فقد سبقه إلى ذكر هذا التعميم وتقييده أبو حفص عمر بن بدر الموصلي المتوفى سنة ٦٢٢ هـ، فذكر صلاة الرغائب، والمعراج، والنصف من شعبان، وصلاة الإيمان، والأسبوع، كل يوم وليلة، وبر الوالدين يوم عاشوراء، وغير ذلك، وقال: ولا يصح في هذا الباب شيء عن النبي ﷺ والصحيح من النوافل: السنن الرواتب، والتراويح، والضحى، وصلاة الليل، وتحية المسجد، وشكر الوضوء، وصلاة الاستخارة، والعيدين - على قول من لا يراهما واجبتين - وصلاة الكسوف، والاستسقاء (٣) فهذا التقييد من الموصلي هو الموافق لما ورد من الأحاديث فيما قيد به العموم المذكور، لم أجد من تعقبه في هذا التقييد، كما لا أظن الأحاديث الواردة فيما قيد به الموصلي مما يخفي على العراقي، مع تأليفه في أحاديث الأحكام كما سيأتي. ولذا كان الأولى أن يقيد حكمه العام هنا بمثل ما قيده به الموصلي من قبله.

стр. 1837

التعقب والاستدراك على العراقي في كتابه «المغني» والتأليف في ذلك: بعد هذا العرض والتفصيل لكتاب «المغني عن حمل الأسفار»، وبيان عناصر منهج العراقي فيه، مع التحليل والمقارنة والنقد الموضوعي في مواضعه. من خلال هذا كله، يستطيع القارئ الخبير بعلمي التخريج ودراسة الأسانيد، وبيان درجات الأحاديث وعللها، تقدير الجهد المتنوع والمضنى، الذي بذله العراقي خلال سنوات في إنجاز هذا الكتاب، وتقرير محتوياته من قواعد واصطلاحات، وعناصر منهجية .. وتطبيقها، ونتائجها الحديثية. ولكنه كأي جهد بشرى لم يسلم من بعض نقاط القصور التي لا تغض من فوائده العامة، وأثره فيما بعده، كما سيأتي، ومكانة مؤلفه الحديثية المشهودة. وتتلخص تلك التعقبات والاستدراكات فيما يلي: أولا: تعقبات واستدراكات متفرقة من بعض العلماء المتأخرين عن العراقي، مع استفادتهم مما لم ينتقدوه فيه. وقد تقدم ذكرى لبعض تلك التعقبات والاستدراكات، خلال عرض الكتاب، وتفصيل عناصر منهج العراقي فيه. وأكثر من وجدته جمع تلك التعقبات هو الزبيدي شارح «الإحياء» في كتابه «إتحاف السادة المتقين» مع إشارته إلى استفادة عدد منها من حواشي خطية بخط الحافظ ابن حجر تلميذ العراقي أو «الداودى» تلميذ السيوطي أو غيرهما، وقف عليها الزبيدي معلقة على بعض نسخ الإحياء أو بعض نسخ كتاب المغني الخطية، كما ذكر الزبيدي بعض تعقبات من جانبه هو. وقد تنوعت تلك التعقبات التي من الزبيدي أو من غيره؛ فمنها ما يتعلق

стр. 1838

بالتخريج لما أغفله العراقي فلم يتعرض له، أو صرح بأنه لم يجده، أو لم يقف عليه، أو لم يقف له على أصل، أو على إسناد. ومنها ما يتعلق بأحوال بعض رواة صرح بأنه لم يعرفه. ومنها ما يتعلق بنقد حكمه على بعض الأحاديث، ومنها ما يتعلق بتحريف لفظة في أحد متون الأحاديث. ومجموع ذلك كله قليل جدا إذا قورن بمشتملات كتاب المغني هذا التي قاربت خمسة آلاف حديث وأثر كما قدمت (١).

стр. 1839

ومن تلك التعقبات ما ليس في محله عند التحقيق، فمن ذلك أن الغزالي ذكر في الإحياء من حديث أنس «حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عينى في الصلاة» فقال العراقي في تخريجه: «حديث حبب إلى من دنياكم الطيب والنساء وقرة عينى في الصلاة» وعزاه إلى النسائي والحاكم من حديث أنس، وقال: بإسناد جيد، وضعفه العقيلي (١). فقد تعقبه الزبيدي بما خلاصته: أن لفظ «ثلاث» لم ترد في روايات الحديث، وأن وجودها في الحديث يفسد المعنى، وأن الجواب عن وجودها غير متقن، ونقل عن السخاوي أنه لم يجدها إلا في موضعين من «الإحياء» وفي تفسير «آل عمران» من تفسير الكشاف. وعلى ضوء ذلك تعقب الزبيدي العراقي بعدم تنبيهه على عدم وجود لفظ ثلاث هذا في المصادر الحديثية وخاصة ما عزاه إليها وهو المستدرك وسنن النسائي، وقال: مع أنه - أى العراقي - ذكر في أماليه أن هذه اللفظة ليست في شيء من كتب الحديث، وأنها تفسد المعنى (٢). والجواب عن هذا أن الحديث تكرر في الإحياء بعد هذا الموضع خمس مرات، منها ثلاثة مختصرة بدون ذكر لفظ «ثلاث» وقد خرجها العراقي، دون

стр. 1840

تعرض اللفظ ثلاث، وتابعه الشارح على هذا دون تعقب (١). وفي موضعين ذكر لفظ (ثلاث) فخرجهما العراقي ونبه على عدم وجود لفظ (ثلاث) في المصادر التي خرج الحديث منها، ونقل ذلك الشارح بنفسه عنه (٢) فلعل الموضع السابق الذي انتقد الشارح فيه العراقي لم يذكر فيه لفظ (ثلاث) في نسخة العراقي من الإحياء، وبالتالي لم ينبه عليها كالمواضع الثلاثة السابقة التي لم يذكر فيها لفظ «ثلاث» فلم ينبه عليه في كل منها. وبذلك يتحقق قول السخاوي لم يقف عليه في الإحياء إلا في موضعين (٣) ويرتفع عنه هو الآخر تعقب الزبيدي بوجود لفظ (ثلاث) في ثلاثة مواضع من الإحياء، بناء على ما في نسخته هو، التي هي غير النسخة التي رجع السخاوي إليها. ثانيا: تعقبات واستدراكات مجتمعة في تأليف وقد وقفت على ذكر كتابين في ذلك: ١ - تأليف للحافظ ابن حجر العسقلاني، تلميذ العراقي، وقد ذكره السخاوي بعنوان «الاستدراك على شيخه العراقي في تخريج الإحياء» ولم يتكلم عنه بشيء (٤).

стр. 1841

وذكره السيوطي باسم «الاستدراك على تخريج الإحياء للعراقي»، وذكر أنه مما شرع فيه الحافظ ابن حجر، وكتب منه اليسير (١). أما حاجي خليفة فذكر أن الحافظ ابن حجر استدرك في هذا الكتاب على شيخه العراقي ما فاته من تخريج «الإحياء» وأنه في مجلد (٢)، وكذا قال الزبيدي (٣). ولكني لم أقف على ذكر نسخة خطية لهذا الكتاب، رغم البحث المضني، ولا على شيء من النقول عنه. ٢ - الكتاب الثاني من تأليف قاسم بن قطلوبغا المصري، الفقيه الحنفي، زين الدين، المتوفى سنة ٨٧٩ هـ، وهو تلميذ للحافظ ابن حجر صاحب الكتاب السابق. وقد ذكر صاحب كشف الظنون أن ابن قطلوبغا سمى كتابه هذا «تحفة الأحياء فيما فات من تخاريج أحاديث الإحياء» (٤). وكذا ذكر صاحب الرسالة المستطرفة (٥). وعبارة «من تخاريج» تفيد أن الكتاب استدراك على كتب العراقي الثلاثة التي ألفها في تخريج الإحياء، كما تقدم.

стр. 1842

لكن السخاوي - وهو ممن عاشر ابن قطلوبغا، وذاكره العلم - قال: «إتحاف الأحياء بما فات من تخريج أحاديث الإحياء» (١)، وكذا سماه الزبيدي (٢) فيفيد هذا أنه استدراك على كتاب واحد، من الثلاثة، والذي كمل منها واشتهر هو كتاب المغني هذا، فلعله هو المقصود بهذا الاستدراك، وسماه أيضا بهذا الإسم صاحب «إيضاح المكنون»، وزاد: أن أوله «الحمد لله الذي خص الأنبياء بالعصمة، ثم قال: الخ» (٣) وهذه إضافة على من سبقه، هامة حيث تفيد أن الكتاب وُجد فعلًا، وأن صاحب ذيل كشف الظنون هذا مع تأخره كثيرا عن زمن المؤلف، قد وقف على نسخة من الكتاب، فنقل من بدايتها، أو يكون استفاد هذا ممن وقف على نسخة للكتاب. لكني - رغم البحث المستقصى - لم يتيسر لي الوقوف على ذكر نسخة لهذا الكتاب، ولا على شيء من النقول عنه. تعقيب: وعموما فإن ما قدمته من جوانب التعريف بكتاب «المغني» وبمنهج العراقي فيه، وجهوده الحديثية خلاله، كل ذلك يفيد أن التعقبات والاستدراكات عليه، سواء المتفرقة، أو المجتمعة في تأليف مستقل لكل من الحافظين ابن حجر وتلميذه ابن قطلوبغا، فإن ذلك لا يغض من قيمة الكتاب الحديثية؛ ولا من مكانة مؤلفه في ريادة مدرسة الحديث في عصره، ويؤيد ذلك ما قدمته من واقع دراسة وتحليل الكتاب: أن الذي فات العراقي تخريجه من أحاديث كتاب الإحياء التي شرط على نفسه تخريجها، تعتبر قلية جدا.

стр. 1843

بالمقارنة بما خرجه، كما أن ما سيأتي من أثر الكتاب فيما بعده، يؤيد علو مكانته، وعمق تأثيره هو ومؤلفه. أثر كتاب المغني فيما بعده: تتفق المصادر التي ترجمت للعراقي على أن كتاب المغني هذا قد نال الشهرة والانتشار الواسعين منذ فراغ العراقي من تأليفه، فتلميذه ابن حجر، بعد أن ذكر التخريج الكبير قال: واختصر هذا، فسماه: «المغني» في مجلد واحد، وقد بيض وكتب منه نسخ (١). وفي إنباء الغمر قال: وكتب منه النسخ الكثيرة (٢). فكتابة تلك النسخ الكثيرة منه بعد الفراغ منه، دليل على كثرة الطلب الفوري له في حياة العراقي، وتلميذه ابن حجر. ثم إن السخاوي تلميذ ابن حجر ذكر التخريجين: الكبير والمتوسط ثم قال: وصغير، وهو المتداول (٣). فقوله: وهو المتداول، دليل على استمرار الطلب للكتاب، والإقبال عليه، ولاسيما من طلبة العلم في عصر السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) بحيث أصبح متداولا بين أيديهم للاطلاع والاستفادة. وأما تقي الدين ابن فهد المكي (ت ٨٧١ هـ) تلميذ العراقي بالإجازة، فقد ذكر التخريج الكبير للإحياء، ثم قال «ثم اختصره في مجلد ضخم،

стр. 1844

سماه (المغني عن حمل الأسفار … ) فاشتهر، وكتب منه نسخ عديدة، وسارت به الركبان إلى الأندلس، وغيرها من البلدان؛ فبسبب ذلك تباطأ الشيخ عن إكمال تبييض الأصل (١). ومن هذا وغيره يتضح مدى انتشار الكتاب عالميا، في حياة مؤلفه، حتى كان له تأثيره في عدم إسراع الشيخ بإكمال تبييض الأصل وهو التخريج الكبير. وفي ذلك تقرير صريح أن انتشار الكتاب والإقبال عليه، لم يقتصر على موطن إقامة العراقي، وهي مصر - على اتساعها وكثرة معاهد وطلاب العلم بها - ولكنه تجاوز ذلك حتى وصلت شهرته والطلب عليه إلى أقصى الحواضر العلمية للعالم الإسلامى حينذاك من جهة الغرب، وهي الأندلس، وقول ابن فهد: «وغيرها من البلدان» فيه تعميم ظاهر يشمل بقية الحواضر العلمية للعالم الإسلامي حينذاك، وهو في أقصى اتساعه، غربا، حتى الأندلس في أوربا، وشرقا حتى بلاد الهند في آسيا، كما هو معروف. وقدمت في التعريف بنسخ الكتاب الخطية التي انتشرت حتى الآن في مكتبات العالم، ما يؤيد هذا. وبجانب هذا الانتشار الواسع لنسخه، وتأثيرها في الإفادة الحديثية، حتى الآن، فإن العراقي قد قام أيضا بمدارسة الكتاب مع طلابه، وأثبت خطه على بعض نسخه بقراءة من قرأه عليه، وسماع من سمعه، مع الإجازة لكل منهم بأن يرويه عنه، وبذلك تواصل تأثير الكتاب، رواية، ودراية تعليمية في تقعيد.

стр. 1845

وتطبيق قواعد علمي التخريج ودراسة الأسانيد. وقد استمر تداول بعض تلك النسخ الموثقة بالقراءة والسماع، للنقل عنها، واحتكام العلماء والباحثين إليها في المواضع المشكلة، حتى عصر الطباعة الذي نحن فيه. فالحافظ ابن حجر لما ذكر هذا الكتاب، ذكر أن شيخه العراقي ناوله إياه، وأنه سمع شيئا منه (١). وترجم السخاوي لعبد الرحيم بن محمد بن أبي بكر الهيثمي، ابن أخي الحافظ نور الدين الهيثمي، وأرخ وفاة عبد الرحيم هذا بعد الثلاثين وثمانمائة، وقال: إنه لازم العراقي، حتى قرأ عليه تخريج الإحياء وغيره من تصانيفه (٢). وذكر الزبيدي - شارح إحياء علوم الدين - والمتوفى سنة ١٢٠٥ هـ أنه وقف على نسخة من المغني للعراقي قرئت عليه، وعليها خطه، واحتكم إليها في موضع مشكل (٣). وكذا ذكر الشيخ عبد الرحمن المعلمي ﵀ (٤). وقد طبع كتاب المغني بعد ذلك في حياة المعلمي، وتعددت طبعاته (٥).

стр. 1846

فصارت دليلا على استمرار الحاجة إليه، والاستفادة به. وأثر هذا الكتاب في المؤلفات الحديثية بعده كبير، ومنتشر حتى وقتنا هذا، بحيث يصعب إحصاء الناقلين عنه، والمستفيدين منه، سواء مع موافقتهم للعراقي، واعتمادهم على ما ذكره فيه، وهذا هو الأكثر، أو مع تعقبه والاستدراك عليه، وهذا أقل. وحيال هذا التأثير الواسع المتوالي، لا يسعني إلا ذكر بعض الأمثلة المنوعنة، دون حصر أو استيعاب. وفي مقدمة ما يُذكر في هذا: أن أبرز تلاميذ العراقي وحافظ الدنيا من بعده، وهو أحمد بن علي المعروف بابن حجر العسقلاني، كما تلقى الكتاب عن العراقي، مناولة وسماعا، كما أسلفت، فإنه نقل منه في بعض مصنفاته (١). وقد قدمت أنه وجد للحافظ ابن حجر تعقبات لشيخه على حواشي إحدى نسخ كتاب المغني الخطية، وأنه ألف كتابا في تخريج ما فات شيخه العراقي من أحاديث الإحياء، وهذا وذاك يعتبر دليلا على مراجعة تفصيلية للكتاب واستفادة ابن حجر منه فما ليس له عليه تعقب. وأيضا الحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) من أبرز تلاميذ ابن حجر العسقلاني، وقد نقل عن كتاب المغني هذا في غير واحد من كتبه الحديثية المتداولة (٢).

стр. 1847

والحافظ السيوطي - وهو معاصر السخاوي، ومنافسه - ت (٩١١ هـ)، قد أكثر النقل عن (المغني) في غير واحد من مؤلفاته الحديثية، وخاصة كتابه (اللآلئ المصنوعة) وذلك في تأييد تعقبه لحكم ابن الجوزي بوضع الأحاديث (١). وقد تابعه في غالب نقوله المحدث الناقد أبو الحسن عل بن محمد بن عراق (ت ٩٦٣ هـ)، وذلك في كتابه تنزيه الشريعة (٢) في الفصل الثاني من فصول كل باب في الكتاب وهو الذي خصصه لما تعقب ابن الجوزي في الحكم عليه بالوضع، وفي الفصل الثالث أيضا وهو ما خصصه لما زاده السيوطي من عند غير ابن الجوزي، أو زاده هو على السيوطي، كما أنه صرح في مقدمة كتابه أن مما راجعه حال تأليف كتابه هذا، تخريج الإحياء للعراقي (٣).

стр. 1848

وأيضا العلامة نور الدين علي بن محمد بن سلطان، المشهور بالملا على القاري (المتوفى سنة ١٠١٤ هـ). نقل عن كتاب المغني هذا في كتابه (الأسرار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة) المعروف بالموضوعات الكبرى، وذلك في أكثر من ثلاثين موضعا، كثير منها في بيان ما لا أصل له، أو ما لم يجده العراقي مطلقا، أو مقيدا (١). وأيضا محمد المدعو: عبد الرؤوف المناوي المتوفى سنة ١٠٣١ هـ، وهو من ذوي أرحام الحافظ العراقي، حيث يقول المناوي: إن العراقي جدنا الأعلا من جهة الأمهات، كما قدمته (٢) وقد أكثر النقل عن المغني في كتابه المعروف (فيض القدير شرح الجامع الصغير)، وفي مرات يصرح باسم كتاب المغني (٣). ومرات كثيرة لا يصرح، بل يكتفي بالعزو إلى العراقي فقط، ويُعرف كون النقل من المغني بمقابلة ما في الفيض بالموضع الموافق له في المغني (٤).

стр. 1849

وأما أكثر الناقلين على الإطلاق من كتاب المغني هذا، والمتأثرين بما فيه، بحسب البحث والتتبع، فهو اللغوي المحدث الشهير: محمد بن محمد الزبيدي المعروف بمرتضى، المتوفى سنة ١٢٠٥ هـ، فقد نقل في شرحه للإحياء، نسخة كاملة من كتاب المغني هذا، موزعة خلال شرحه الماتع الذي بلغ في طبعته الحالية عشرة مجلدات، وجعل لما ينقله من المغني في تخريج الحديث محل الصدارة، فيذكره أولا، ثم إن كانت هناك إضافات أو تعقبات يذكرها عقب ذلك، وقد كانت نسخته من المغني موثقة بوجود تعليقات عليها بخط الحافظ ابن حجر، أبرز تلاميذ العراقي وأخصهم بهذا الفن (١)، وقد قرر الزبيدي في مقدمة شرحه أثر كتاب المغني هذا فقال: «ومن الكتب التي أعتمد على تخريج الأحاديث عليها: المغني عن حمل الأسفار، للحافظ العراقي، في مجلد، فأذكر كلامه عقيب الحديث، ثم أزيد عليه حسبما فتح الله علي في مطالعتى لكتب الفن» (٢). وهذا واضح الدلالة على الأثر الكبير لكتاب المغني هذا في جانب تخريج أحاديث الإحياء خلال شرح الزبيدي المذكور. وهناك من ألف في جانب من الجوانب التي تناولها العراقي في كتابه هذا، فنجده قد نقل من هذا التخريج ما يتعلق بهذا الجانب، مثل الشيخ أبي المحاسن محمد بن خليل القاوقجي الطرابلسى الأزهرى المتوفى سنة ١٣٠٥ هـ. فقد ألف كتابا في الأحاديث الموضوعة، والتي قيل: إنه لا أصل لها،

стр. 1850

وسماه «اللؤلؤ المرصوع، فيما لا أصل له أو بأصله موضوع» وقال في مقدمته: وضعت هذا اللؤلؤ المرصوع، مختصرًا فيه على ما قيل: لا أصل له، أو بأصله موضوع، ورتبته على حروف المعجم … (١). وقد نقل القاوقجي عن المغني في هذا الكتاب في أزيد من عشرين موضعا، أكثرها مما قيل فيه: «لا أصل له»، أو قال العراقي: لم أجد له أصلا، مطلقا، أو مقيدا، وقد لا يصرح المؤلف باسم كتاب «المغني» ولكن يعزو إلى العراقي فقط، أو إلى «العراقي في تخريج الإحياء»، ويعرف أن المنقول من «المغني» عند المقارنة لما ذكره المؤلف بما في الموضع الموافق له في المغني (٢). وهناك من جرد الأحاديث التي حكم عليها العراقي في كتاب المغني هذا بأنه «لا أصل لها» أو «بأنه لم يجد لها إسنادا»، أو «لم يجدها»، مطلقا، أو مقيدا بالوجه الذي وردت به في الإحياء، وجعل ذلك في تأليف خاص، مثلما صنع أحد علماء العراق وهو الشيخ محمد أمين بن على السويدي العباسي البغدادي، أبو الفوز، المتوفى سنة ١٢٤٦ هـ (٣)، حيث ألف كتابا سماه «الاعتبار في حمل الأسفار» وقال في مقدمته: لما كانت الأحاديث الواقعة في كتاب: «إحياء علوم الدين» للغزالي، الإمام، قد تكلم فيها العلماء الأعلام، لأن منها ما هو موضوع ظاهر وضعه، ومنها ما هو مشهور على الألسنة؛ لكنه لا يوجد له إسناد، تعرض لها الشيخ الحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي،

стр. 1851

فصنف كتابا سماه «المغني عن حمل الأسفار … » جمع فيه أحاديث «الإحياء» وتكلم عليها، وبينها بيان شفاء، فأحببت أن ألخص من كتابه الأحاديث التي ذكر أنها لا إسناد لها، فقط .. وسميته: «الاعتبار في حمل الأسفار» (١). وقد أورد السويدي في هذا الكتاب (٢٧١) حديثا، بعضها مما عزاه العراقي الموضوعات ابن الجوزي، ولم يتعقبه، وأكثرها قال فيه العراقي: لم أجده، أو لم أجد له أصلا، مع الإطلاق أو التقييد، كما قدمت في منهجه، ولذلك ختم السويدى الكتاب بقوله: هذه الأحاديث التي لا يوجد لها أصل، المنقولة من تخريج «الإحياء» (٢) وبمقابلة ما ذكره السويدي، مع المواضع الموافقة له في كتاب «المغني» نجد أنه لم يستوعب في تأليفه هذا النوع الذي خصص كتابه هذا له، ولذلك تعقب عليه الأخ محقق الكتاب (٣٦) حديثا آخر عنونها بقوله «الإخبار بما فات من أحاديث الاعتبار» وجعله عقب نهاية كتاب «الاعتبار» (٣). وفي عصرنا الحاضر قام فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ بالإسهام الكبير في إحياء مدرسة الحديث في المشرق الإسلامي، ومن أبرز ما ساهم به في ذلك تأليف كتابيه المشهورين؛ كتاب «سلسلة الأحاديث

стр. 1852

الضعيفة» وكتاب (سلسلة الأحاديث الصحيحة)، وقد قرر ﵀ أن كتاب (المغني) هذا يعتبر من كتب التخريج التي سهلت لمن بعدها معرفة درجة الأحاديث (١) ثم تطابق قوله هذا مع الأثر الفعلى لهذا الكتاب في سلسلتيه المذكورتين، حيث نقل عنه في كل منهما في كثير من المواضع، مع الموافقة لحكمه على الأحاديث، وهذا هو الكثير، أو مع المخالفة والتعقب وهو القليل (١). الاستنتاج العام لأثر الكتاب: وبتلك النماذج المتولية لأثر كتاب المغني منذ أنجزه العراقي، وحتى عصرنا الحاضر، يمكن للقارئ المتتبع تصور الأثر الحديثي الكبير والمتتابع لهذا الكتاب، سواء في التكوين العلمي لمن جاء بعد العراقي من المشتغلين بعلوم السنة، أو في المؤلفات في ذلك، ولاسيما في علمى التخريج ودراسة الأسانيد، وبيان درجات الأحاديث عموما.

стр. 1853

تخريج أحاديث وآثار كتاب: منهاج الوصول إلى علم الأصول أولا: التعريف بكتاب منهاج الوصول، واعتناء العلماء به. هو كتاب مختصر في أصول الفقه، ألفه القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد، المعروف بالقاضي البيضاوى، الشافعي، المتوفى سنة ٦٩١ هـ وقيل سنة ٦٨٥ هـ (١)! وقد أخذ الكتاب تسميته من قول المؤلف في مقدمته: «وإن كتابنا هذا، منهاج الوصول إلى علم الأصول … » (٢). وقد وصف ابن كثير الكتاب بأنه مشهور، ولقب مؤلفه بأنه صاحب المنهاج (٣) وقال ابن قاضي شهبة: لو لم يكن له غير المنهاج، الوجيز لفظه، المحرر، لكفاه (٤). وقال تقى الدين السبكي: إنه من أحسن المختصرات في أصول الفقه (٥).

стр. 1854

وقد كان الكتاب فى عصر العراقى من المقررات الدراسية، بحيث إن طلاب العلم، بعد حفظهم للقرآن الكريم، يجعلون هذا الكتاب من ضمن كتب، المتون التى يحفظونها (١)، ويقرؤونها على الشيوخ البارزين من فقهاء الشافعية، مع البحث والدراسة (٢)، ولهذا نال الكتاب الشهرة الواسعة بين طلاب العلم، والعناية الفائقة من العلماء بخدمته، تارة بنظمه، وتارة بشرحه، وتارة بتخريج أحاديثه وآثاره المصرح بها فيه، والمشار إليها (٣). بل قال الإسنوى، شيخ العراقي: «إن أكثر المشتغلين بعلم أصول الفقه فى عصره، قد اقتصروا من كتبه على المنهاج، لكونه صغير الحجم، كثير العلم مستعذب اللفظ، ثم ذكر أنه لازمه درسا، وتدريسا» (٤). وقد جمع العراقى فى العناية بهذا الكتاب بين نظمه شعرا، لتسهيل حفظه، كما سيأتى، وبين تخريج أحاديثه وآثاره فى كتابه الذى نحن بصدده. ثانيا: ممن شارك العراقى فى تخريج أحاديث الكتاب وآثاره: قد سبق العراقى إلى تخريج أحاديث وآثار هذا الكتاب، الحافظ بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشى، المتوفى سنة ٧٩٤ هـ، وذلك مع تخريج

стр. 1855

أحاديث وآثار كتاب آخر في أصول الفقه أيضا، وهو «مختصر منتهى السول والأمل» لابن الحاجب المالكي، وسمى الزركشي كتابه «المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر» (١). كما خرج أحاديثه وآثاره أيضا قرين العراقي الحافظ سراج الدين، عمر بن علي المعروف بابن الملقن ت (٨٠٤) ويسمى «تذكرة المحتاج إلى أحاديث المنهاج» (٢) وقد جاء في آخره أنه وافق تعليقه يوم الخميس ٢٦ من شوال سنة ٧٥٥ هـ. في حين لم أجد تاريخا محددا لتأليف العراقي لكتابه، كما سيأتي، وبالتالي لا يتيسر لى تحديد السابق منهما. وفي عصرنا الحاضر قام شيخنا بالإجازة، الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري ﵀ بتخريج أحاديثه وآثاره في كتاب سماه «الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج» (٣). وهذه الكتب الثلاثة مطبوعة حاليا، وستأتى بعض الأمثلة منها في المقارنة بتخريج العراقي هذا. ثالثا: تسمية الكتاب، وثبوت نسبته إلى العراقي، وزمن تأليفه له: لم أجد تصريح العراقى بتسمية معينة لهذا الكتاب، مثل التسميات السابقة

стр. 1856

لكتب غيره ممن ألف في تخريج أحاديث الكتاب، وأيضا من ترجموا للعراقي من تلاميذه وغيرهم، وعددوا مؤلفاته ذكروا أن له كتاب «تخريج أحاديث منهاج البيضاوى»، ولم يذكر أحد منهم له تسمية معينة (١). ونسخته الخطية المنقولة عن نسخة «سبط ابن العجمى» تلميذ العراقي، المنقول عن نسخة العراقي، قد عنونت بـ «تخريج أحاديث منهاج البيضاوى» (٢). وعنوت نسخة الظاهرية بـ «تخريج أحاديث منهاج الأصول للبيضاوى، تأليف العلامة، شيخ المحدثين، عبد الرحيم بن الحسين العراقي .. » (٣) وقد حصلت على نسخة مصورة عنها كما سيأتي. أما نسخة المكتبة الأزهرية التي سيأتى التعريف بها، فعنوانها «ذكر الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج الأصول، تأليف الحافظ الكبير … عبد الرحيم بن الحسين العراقي ﵀». وهذا العنوان هو الأقرب مطابقة لمضمون الكتاب، لكن كان الأولى التعبير بكلمة «تخريج» بدل كلمة «ذكر» التي في أول العنوان، لأن واقع الكتاب هو ذكر الأحاديث والآثار الواقعة فى المنهاج، وتخريجها، وليس ذكرها فقط. فكاتب هذه النسخة تساهل في التعبير بكلمة «ذكر» بدل «تخريج»، ولكنه أصاب في ذكر الآثار مع الأحاديث طبقا لواقع الكتاب، ولم يقتصر على ذكر الأحاديث فقط في العنوان، كما فعل من كتب النسختين السابق ذكرهما.

стр. 1857

وأيضا أحسن فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العجمي في عنونة طبعته المحققة لهذا الكتاب بـ «تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج البيضاوي» فهذا هو الاسم المطابق لواقع الكتاب فعلا، كما سيأتي توضيحه. ومما تقدم عمن ترجموا للعراقي، وعن عناوين بعض نسخ الكتاب الخطية يتضح لنا ثبوت نسبة هذا الكتاب إلى الحافظ العراقي، وسيأتي أيضا نسبته إليه ممن نقلوا عنه في مؤلفاتهم. وقد ذكر تلميذ العراقي وملازمه «سبط ابن العجمي» أن شيخه أخبره بأنه عمل تخريج أحاديث البيضاوي بين الظهر والعصر (١). وهذه كما ترى ساعات قليلة، ولم يعهد من العراقي التسرع في إنجاز مؤلفاته، صغيرة كانت أو كبيرة، بل كان شأنه التأني في عمومها، وما تقدم من مراحل تأليفه لتخريج أحاديث «الإحياء» يؤيد ذلك. لكن «سبط ابن العجمي» ذكر هذا في معرض بيان مهارة شيخه العلمية، وسعة اطلاعه، وسرعة استحضاره، بحيث عول في تأليف هذا الكتاب على حفظه بالدرجة الأولى، مع خبرة سابقة بمواضع الأحاديث والآثار التي يحتاجها، ولاسيما في المصادر الضخمة التي عزى إلى بعضها، مثل سنن البيهقي الكبرى، وصحيح ابن حبان، مع ترتيبه العسر لأحاديثه على التقاسيم والأنواع، هذا فضلا عن بيانه لدرجات الأحاديث في الغالب، كما سيأتي. وإذا كان سبط ابن العجمي ﵀ قد نقل إلينا عن شيخه العراقي المدة التي استغرقها في تأليف كتابه هذا، فإنه لم يبين لنا في أي سنة ألفه؟

стр. 1858

وقد سبق في ترجمة السبط ضمن تلاميذ العراقي، أن رحلته الأولى إلى مصر وتلمذته للعراقي بها بدأت سنة ٧٨٠ هـ، واستمرت نحو خمس سنوات قرأ على العراقي فيها عدداً من مؤلفاته، ثم رحل مرة ثانية سنة ٧٩٦ هـ واستمر في التلمذة على العراقى نحواً من خمس سنوات أخرى، فتكون نهايتها، في نهاية سنة ٨٠١ هـ تقريبا، وسيأتى أن «السبط» قد قرأ الكتاب على شيخه العراقي، ونسخ لنفسه نسخة من نسخة شيخه كذلك، ومقتضى هذا أن يكون العراقي قد فرغ من تأليف هذا الكتاب قبل نهاية سنة ٨٠١ هـ على وجه التقريب. ويبدو أن العراقي لم يقصر جهده في تأليف الكتاب على الساعات القليلة التي أنجز أصله فيها، ولكن أعاد النظر فيه مرة أخرى، فأضاف بعض ما فاته، حيث جاء في بعض نسخ الكتاب الآتى ذكرها: «أثر عمر ﵁ قال: أقضى في الجد برأيي» وقال العراقي: لم أجده. وفي نسخة أخرى ذكر بدل عبارة «لم أجده» عبارة «البيهقي في سننه الكبرى» والأثر فعلا في سنن البيهقى الكبرى (١) وذكر عقب هذا الأثر، أثراً آخر عن عثمان ﵁: «إن اتبعت رأيك فسديد، وإن اتبعت رأى من قبلك فنعم الرأى» وترك موضع تخريجه في بعض النسخ بياض، وفي بعضها بدل البياض، وَجَدْتُ عبارة «البيهقى في سننه»، والأثر في سنن البيهقي الكبرى فعلاً (٢).

стр. 1859

رابعًا: نُسَخُ الكتاب الخطية، وطبعاته، وتقويمُهما. عندما كنت أبحث عن مؤلفات العراقي الواردة في تراجم العلماء له، لأتبين الموجود منها والمفتقد، مكثت عامين كاملين، وأنا لا أجد ذكرًا لأي نسخة خطية لهذا الكتاب في فهارس المخطوطات بمصر، فضلًا عن وجوده مطبوعًا، ولم يكن الحصول على بعض نسخه الخطية من خارج مصر ميسورًا، ثم هيأ الله تعالى إلى أخا فاضلًا، وهو الأخ الدكتور/ همام عبد الرحيم سعيد، عندما كان يعد رسالته للدكتوراه بكلية أصول الدين بالقاهرة، فأفادني - مشكورًا - بأنه توجد نسخة خطية للكتاب بالمكتبة الظاهرية بدمشق (مكتبة الأسد) حاليًا، ثم أضاف فضلًا آخر بإحضار نسخة ورقية منها إلى، وسيأتي التعريف بها، فحمدت الله تعالى على ذلك، وشكرت للأخ الفاضل حُسن صنيعه. ثم كانت هذه النسخة فاتحة خير لإحياء شأن هذا بمصر، فقد أعثرني الله تعالى - بمحض الصدفة - بعد ذلك على نسخة أخرى للكتاب بالمكتبة الأزهرية بالقاهرة، رغم أنها لم تذكر في فهارسها المطبوعة، ثم وقفت بعد ذلك على ذكر عدة نسخ أخرى خطية للكتاب، بلغ انتشارها في حواضر العالم الإسلامي من الهند شرقًا، حتى المملكة المغربية غربًا، ومنها ما هو جيد التوثيق، وسأعرف بمجموع ما تيسر لي معرفته من نسخه الخطية فيما يلي: - ١ - نسخة المكتبة الظاهرية السابق الإشارة إليها، وهي ضمن مجموعة برقم (٣٩٦٣) عام. وعدد أوراقها عشر ورقات من (٧٠/ أ - ٨٠/ أ) من المجموعة المشار إليها. وقد حصلت على نسخة ورقية منها بمعونة الأخ الدكتور/ همام.

стр. 1860

عبد الرحيم، كما أسلفت. وعنوانها «تخريج أحاديث منهاج الأصول للبيضاوي» تأليف العلامة، شيخ المحدثين، زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، تغمده الله برحمته … وبهذا العنوان ذكرها الشيخ الألباني ﵀ (١). وتعتبر تلك النسخة من أكمل نسخ الكتاب الخطية نصا، رغم أني لم أجد عليها شيئًا من علامات التوثيق، مثل بلاغ المقابلة بأصلها أو بغيره، أو إثبات القراءة أو السماع، ونحو ذلك، ولم يُذكر اسم ناسخها، ولكن ذكر في آخرها تاريخ نسخها هكذا «نجز بحمد الله وعونه وحسن توفيقه (سنة) (٦) بعد الألف» وخط هذه النسخة، نسخ معتاد، وعدد سطور الصفحة (١٧) سطرًا. ٢ - نسخة المكتبة الأزهرية، وهى أيضا ضمن مجموعة، برقم (١٧٢) مجاميع، وهذا مما سبب خفاءها على من فهرس هذه المجموعة، فلم يذكرها كما قدمت، وعدد أوراقها (٨) ورقات (من ق ٣٩/ ب - ٤٧/ ب) وعدد سطور الصفحة (٢٣) سطرًا، وخطها معتاد، قريب إلى «الرقعة». وقد طلبت هذه المجموعة للاطلاع على تخريج أحاديث المنهاج لابن الملقن، لأنه هو الذي ذكر في فهرس المكتبة المطبوع (٢)، وذكر المفهرس أن نسخة تخريج ابن الملقن هذا من (ق ٢١ - ٤٦). وهذا خطأ، فتخريج ابن الملقن ينتهى فى (٣٩/ أ) ثم يليه نسخة تخريج.
следующие страницы →