← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

لكتب غيره ممن ألف في تخريج أحاديث الكتاب، وأيضا من ترجموا للعراقي من تلاميذه وغيرهم، وعددوا مؤلفاته ذكروا أن له كتاب «تخريج أحاديث منهاج البيضاوى»، ولم يذكر أحد منهم له تسمية معينة (١). ونسخته الخطية المنقولة عن نسخة «سبط ابن العجمى» تلميذ العراقي، المنقول عن نسخة العراقي، قد عنونت بـ «تخريج أحاديث منهاج البيضاوى» (٢). وعنوت نسخة الظاهرية بـ «تخريج أحاديث منهاج الأصول للبيضاوى، تأليف العلامة، شيخ المحدثين، عبد الرحيم بن الحسين العراقي .. » (٣) وقد حصلت على نسخة مصورة عنها كما سيأتي. أما نسخة المكتبة الأزهرية التي سيأتى التعريف بها، فعنوانها «ذكر الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج الأصول، تأليف الحافظ الكبير … عبد الرحيم بن الحسين العراقي ﵀». وهذا العنوان هو الأقرب مطابقة لمضمون الكتاب، لكن كان الأولى التعبير بكلمة «تخريج» بدل كلمة «ذكر» التي في أول العنوان، لأن واقع الكتاب هو ذكر الأحاديث والآثار الواقعة فى المنهاج، وتخريجها، وليس ذكرها فقط. فكاتب هذه النسخة تساهل في التعبير بكلمة «ذكر» بدل «تخريج»، ولكنه أصاب في ذكر الآثار مع الأحاديث طبقا لواقع الكتاب، ولم يقتصر على ذكر الأحاديث فقط في العنوان، كما فعل من كتب النسختين السابق ذكرهما.

стр. 1857

وأيضا أحسن فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العجمي في عنونة طبعته المحققة لهذا الكتاب بـ «تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج البيضاوي» فهذا هو الاسم المطابق لواقع الكتاب فعلا، كما سيأتي توضيحه. ومما تقدم عمن ترجموا للعراقي، وعن عناوين بعض نسخ الكتاب الخطية يتضح لنا ثبوت نسبة هذا الكتاب إلى الحافظ العراقي، وسيأتي أيضا نسبته إليه ممن نقلوا عنه في مؤلفاتهم. وقد ذكر تلميذ العراقي وملازمه «سبط ابن العجمي» أن شيخه أخبره بأنه عمل تخريج أحاديث البيضاوي بين الظهر والعصر (١). وهذه كما ترى ساعات قليلة، ولم يعهد من العراقي التسرع في إنجاز مؤلفاته، صغيرة كانت أو كبيرة، بل كان شأنه التأني في عمومها، وما تقدم من مراحل تأليفه لتخريج أحاديث «الإحياء» يؤيد ذلك. لكن «سبط ابن العجمي» ذكر هذا في معرض بيان مهارة شيخه العلمية، وسعة اطلاعه، وسرعة استحضاره، بحيث عول في تأليف هذا الكتاب على حفظه بالدرجة الأولى، مع خبرة سابقة بمواضع الأحاديث والآثار التي يحتاجها، ولاسيما في المصادر الضخمة التي عزى إلى بعضها، مثل سنن البيهقي الكبرى، وصحيح ابن حبان، مع ترتيبه العسر لأحاديثه على التقاسيم والأنواع، هذا فضلا عن بيانه لدرجات الأحاديث في الغالب، كما سيأتي. وإذا كان سبط ابن العجمي ﵀ قد نقل إلينا عن شيخه العراقي المدة التي استغرقها في تأليف كتابه هذا، فإنه لم يبين لنا في أي سنة ألفه؟

стр. 1858

وقد سبق في ترجمة السبط ضمن تلاميذ العراقي، أن رحلته الأولى إلى مصر وتلمذته للعراقي بها بدأت سنة ٧٨٠ هـ، واستمرت نحو خمس سنوات قرأ على العراقي فيها عدداً من مؤلفاته، ثم رحل مرة ثانية سنة ٧٩٦ هـ واستمر في التلمذة على العراقى نحواً من خمس سنوات أخرى، فتكون نهايتها، في نهاية سنة ٨٠١ هـ تقريبا، وسيأتى أن «السبط» قد قرأ الكتاب على شيخه العراقي، ونسخ لنفسه نسخة من نسخة شيخه كذلك، ومقتضى هذا أن يكون العراقي قد فرغ من تأليف هذا الكتاب قبل نهاية سنة ٨٠١ هـ على وجه التقريب. ويبدو أن العراقي لم يقصر جهده في تأليف الكتاب على الساعات القليلة التي أنجز أصله فيها، ولكن أعاد النظر فيه مرة أخرى، فأضاف بعض ما فاته، حيث جاء في بعض نسخ الكتاب الآتى ذكرها: «أثر عمر ﵁ قال: أقضى في الجد برأيي» وقال العراقي: لم أجده. وفي نسخة أخرى ذكر بدل عبارة «لم أجده» عبارة «البيهقي في سننه الكبرى» والأثر فعلا في سنن البيهقى الكبرى (١) وذكر عقب هذا الأثر، أثراً آخر عن عثمان ﵁: «إن اتبعت رأيك فسديد، وإن اتبعت رأى من قبلك فنعم الرأى» وترك موضع تخريجه في بعض النسخ بياض، وفي بعضها بدل البياض، وَجَدْتُ عبارة «البيهقى في سننه»، والأثر في سنن البيهقي الكبرى فعلاً (٢).

стр. 1859

رابعًا: نُسَخُ الكتاب الخطية، وطبعاته، وتقويمُهما. عندما كنت أبحث عن مؤلفات العراقي الواردة في تراجم العلماء له، لأتبين الموجود منها والمفتقد، مكثت عامين كاملين، وأنا لا أجد ذكرًا لأي نسخة خطية لهذا الكتاب في فهارس المخطوطات بمصر، فضلًا عن وجوده مطبوعًا، ولم يكن الحصول على بعض نسخه الخطية من خارج مصر ميسورًا، ثم هيأ الله تعالى إلى أخا فاضلًا، وهو الأخ الدكتور/ همام عبد الرحيم سعيد، عندما كان يعد رسالته للدكتوراه بكلية أصول الدين بالقاهرة، فأفادني - مشكورًا - بأنه توجد نسخة خطية للكتاب بالمكتبة الظاهرية بدمشق (مكتبة الأسد) حاليًا، ثم أضاف فضلًا آخر بإحضار نسخة ورقية منها إلى، وسيأتي التعريف بها، فحمدت الله تعالى على ذلك، وشكرت للأخ الفاضل حُسن صنيعه. ثم كانت هذه النسخة فاتحة خير لإحياء شأن هذا بمصر، فقد أعثرني الله تعالى - بمحض الصدفة - بعد ذلك على نسخة أخرى للكتاب بالمكتبة الأزهرية بالقاهرة، رغم أنها لم تذكر في فهارسها المطبوعة، ثم وقفت بعد ذلك على ذكر عدة نسخ أخرى خطية للكتاب، بلغ انتشارها في حواضر العالم الإسلامي من الهند شرقًا، حتى المملكة المغربية غربًا، ومنها ما هو جيد التوثيق، وسأعرف بمجموع ما تيسر لي معرفته من نسخه الخطية فيما يلي: - ١ - نسخة المكتبة الظاهرية السابق الإشارة إليها، وهي ضمن مجموعة برقم (٣٩٦٣) عام. وعدد أوراقها عشر ورقات من (٧٠/ أ - ٨٠/ أ) من المجموعة المشار إليها. وقد حصلت على نسخة ورقية منها بمعونة الأخ الدكتور/ همام.

стр. 1860

عبد الرحيم، كما أسلفت. وعنوانها «تخريج أحاديث منهاج الأصول للبيضاوي» تأليف العلامة، شيخ المحدثين، زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، تغمده الله برحمته … وبهذا العنوان ذكرها الشيخ الألباني ﵀ (١). وتعتبر تلك النسخة من أكمل نسخ الكتاب الخطية نصا، رغم أني لم أجد عليها شيئًا من علامات التوثيق، مثل بلاغ المقابلة بأصلها أو بغيره، أو إثبات القراءة أو السماع، ونحو ذلك، ولم يُذكر اسم ناسخها، ولكن ذكر في آخرها تاريخ نسخها هكذا «نجز بحمد الله وعونه وحسن توفيقه (سنة) (٦) بعد الألف» وخط هذه النسخة، نسخ معتاد، وعدد سطور الصفحة (١٧) سطرًا. ٢ - نسخة المكتبة الأزهرية، وهى أيضا ضمن مجموعة، برقم (١٧٢) مجاميع، وهذا مما سبب خفاءها على من فهرس هذه المجموعة، فلم يذكرها كما قدمت، وعدد أوراقها (٨) ورقات (من ق ٣٩/ ب - ٤٧/ ب) وعدد سطور الصفحة (٢٣) سطرًا، وخطها معتاد، قريب إلى «الرقعة». وقد طلبت هذه المجموعة للاطلاع على تخريج أحاديث المنهاج لابن الملقن، لأنه هو الذي ذكر في فهرس المكتبة المطبوع (٢)، وذكر المفهرس أن نسخة تخريج ابن الملقن هذا من (ق ٢١ - ٤٦). وهذا خطأ، فتخريج ابن الملقن ينتهى فى (٣٩/ أ) ثم يليه نسخة تخريج.

стр. 1861

العراقي هذه، كما قدمت. ولكن تشابه الخط، واتفاق موضوع الكتابين، ساعدا على عدم تنبه المفهرس لكتاب العراقي، مع أنه قد عُنون بعنوان مستقل هكذا «ذكر الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج الأصول، تأليف الحافظ الكبير … عبد الرحيم بن الحسين العراقي ﵀». ومن هذا الترحم على المؤلف، يفهم أن النسخة كتبت بعد وفاته، وتشبه تلك النسخة سابقتها من حيث خلوها من علامات التوثيق، وعدم بيان الأصل المنسوخة عنه، ولا تحديد تاريخ النسخ ولا اسم الناسخ. وبالفحص التفصيلي والمقارنة بنسخة الظاهرية السابقة تبين لي وجود فروق بينهما، تدل على عدم رجوعهما إلى أصل واحد، كما تدل على أن نسخة الظاهرية في عمومها، أقل سقطا من هذه النسخة. وقد قامت هيئة «اليونيسكو» للعلوم والثقافة بتصوير هذه النسخة مع نسخة تخريج ابن الملقن على «ميكروفيلم» أودعته دار الكتب المصرية برقم (١٣١١) وذكر في الفهرس على أنه كتاب واحد فقط هو كتاب ابن الملقن (١). ٣ - نسخة بالمكتبة الأحمدية بحلب، ضمن مجموعة تضمها هي والتخريج المختصر للإحياء تحت رقم (٢٣٢) مجاميع الحديث، وعدد أوراقها (٦) ورقات، وعدد سطور الصفحة (٢٥) سطرًا، وهى نسخة جيدة، وموثقة حيث ذكر مفهرسها أنها منقولة من نسخة سبط ابن العجمي التي نقلها من

стр. 1862

نسخة شيخه المصنف، لكن لم يذكر اسم ناسخها، ولا تاريخ نسخها (١). وتوجد منها نسخة «ميكرو فيلمية» بمديرية إحياء ونشر التراث العربي بسوريا (٢). ٤ - نسخة أخرى بالمكتبة الأحمدية بحلب أيضا برقم (٣٠٨) مجاميع، عدد أوراقها (٤) ورقات، وعدد سطور الصفحة (٢٧) سطرا، وخطها جيد، ومضبوط بالشكل، ولم يذكر اسم ناسخها أيضا ولا تاريخ النسخ (٣). ٥ - نسخة بمكتبة داماد ابراهيم باشا برقم (٣٩٦) ضمن مجموع، وتلك المكتبة ألحقت مخطوطاتها بالمكتبة السليمانية باستامبول - بتركيا. وتعتبر هذه النسخة أوثق ما عرفته من نسخ الكتاب، وأفيدها في بيان أثره الحديثي كما سيأتي. وعدد أوراقها (١٥) ورقة، وعدد سطور الصفحة (١١) سطرا، وخطها نسخ جميل، ومضبوط بالشكل، وناسخها كما جاء في آخر المجموع «عمر ابن نصر الله بن اسماعيل الإربلي الأصل، الحلبي، وهو من طلاب علم الحديث، كما يفهم من طبقة السماع التي بآخر النسخة، كما سيأتي. وتاريخ النسخ سنة ٨٦٧ هـ، وفي آخرها طبقة سماع بقراءة والد كاتب النسخة، على أحد تلاميذ سبط ابن العجمى، وهو محمد بن ابراهيم بن

стр. 1863

محمد السلامي، بخطه، وسيأتي ذكر نص هذه الطبقة في بيان أثر الكتاب فيما بعده. وعلى حواشي النسخة تعليقات حديثية بخط دقيق، منسوبة إلى سبط ابن العجمي، ومذكور أنها نقلت من خطه، وفيها إضافة تخريج بعض الأحاديث من مصدر غير الذي عزاه العراقي إليه (١). ٦ - نسخة بالمكتبة الناصرية بمدينة (لكنو) بالهند، وتوجد منها صورة ميكروفيلمية بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. برقم (٣٥٧١)، وعدد أوراقها (٧) ورقات، وكل صفحة فيها (٢٧) سطرا، وخطها نسخ جيد، وناسخها كما في آخرها هو (حسين حامد بن مولانا السيد حسين المعماني) فرغ منها في ظهر يوم ٢٦ شعبان سنة ١٣٢٤ هـ (٢) ورغم تأخر تاريخ نسخها كما ترى، فإنه كتب بصفحة العنوان منها، ما يدل على أنها نقلت من نسخة مكتوبة في حياة المؤلف، حيث دعى له في عنوان نسخة الأصل المنقولة عنه، بتمتع المسلمين بحياته. فهذا يدل على وثاقة تلك النسخة في عمومها. ٧ - نسخة ذكرها الشيخ عبد الحي الكتاني ﵀ في ترجمة ابن العراقي أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين المعروف بأبي زرعة ابن العراقي) فقال الشيخ الكتاني: (وعندي خطه على أول تخريج أحاديث المنهاج، للبيضاوى، لوالده (٣) فهذا يفيد توثيق تلك النسخة في عمومها باطلاع ولد

стр. 1864

المؤلف وتلميذه أبو زرعة ابن العراقي عليها، والتوقيع عليها بخطه، وقد نُقِلَتْ مكتبة الشيخ الكتاني ﵀ بمحتوياتها النفيسة من المخطوطات، إلى مكتبة القرويين بمدينة فاس، بالمملكة المغربية، ورمز لها في فهارس المكتبة بحرف (ك) فيمكن الرجوع إلى تلك النسخة في مكتبة القرويين هذه. تعقيب: وباستعراض تلك النسخ الخطية للكتاب، يتضح ما قدمته، من انتشاره مخطوطا في أنحاء البلاد الاسلامية، من أقصى الشرق بالهند، إلى أقصى الغرب بالمملكة المغربية. خامسا: طبعات الكتاب وتقويمها: رغم حصولي على صور لأكثر من نسخة خطية للكتاب، منذ أكثر من عشرين سنة، ودراستى التفصيلية للكتاب كما ترى من خلال تلك النسخ، فإن مشاغلى الدراسية لم تسمح لى بطبعه محققا. فهيأ الله لغيري من الأساتذة الأفاضل القيام بهذه المهمة، وفى إعداد هذه الرسالة للطبع استفدت ممن سبقني إلى طبع الكتاب محققا، كما ترى في إحالاتي بالحواشي. وأول من عرفته قام بتحقيق هذا الكتاب ونشره هو الأستاذ صبحي البدرى السامرائى العراقى، الذى جمعتنى وإياه بعض المجالس العلمية بمدينة الرياض بالسعودية. وقد اعتمد الأستاذ في نشرته على نسخة واحدة فقط، هي نسخة المكتبة الظاهرية السابق ذكرها. و نشرت طبعته هذه ضمن مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة جامعة الملك عبد العزيز (أم القرى حاليا).

стр. 1865

وذلك فى العدد الثانى من المجلة سنة ١٣٩٩ هـ (من ص ٢٧٩ - ٣١٣). ثم أعيدت هذه الطبعة مستقلة عن المجلة فى دار الكتب السلفية بالقاهرة لصاحبها/ شرف حجازى ﵀. ولم يظهر على النسخة التي لدى من تلك الطبعة تاريخ الطبع. وهاتان الطبعتان أهم ما يميزهما، هو سبقهما في إخراج الكتاب إلى عالم الطباعة، وبالتالى اتساع دائرة انتشاره، والاستفادة منه لطلاب علوم السنة، والشريعة. لكنهما اشتملتا على تحريفات متعددة، وسقط، وخلل في بعض المواضع في ترتيب النص، كما جاء عنوان الكتاب في مقدمة المحقق، وفي عنوان الطبعتين هكذا «تخريج أحاديث مختصر المنهاج، في أصول الفقه» وكلمة «مختصر» ذكرها خطأ محض، ومخالف لعنوان النسخة الوحيدة التي اعتمد الأستاذ المحقق عليها. ٢ - ثم طبع الكتاب مرة ثالثة سنة ١٤٠٩ هـ في دار البشائر الإسلامية، ببيروت، بعنوان «تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج البيضاوي» وهذا هو العنوان المطابق لواقع الكتاب، فعلا، كما أشرت من قبل. وهذه الطبعة بتحقيق فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العجمي، الكويتى. مع تعليقه على الكتاب بتحديد مواضع الحديث أو الأثر فيما عزاه العراقي إليه من المصادر، مع زيادات فى العزو إلى مصادر أخرى، وبيان لأحوال بعض الرواة، ولدرجات الأحاديث على ضوئها. وقد اعتمد فضيلة المحقق في تحقيق نص الكتاب على النسخة التركية السابق

стр. 1866

ذكرها وجعلها أصلا، وعلى نسختي الظاهرية والهند السابقتين، لاستكمال وتصويب بعض المواضع. وتعتبر هذه الطبعة أفضل طبعة للكتاب حتى الآن. ولكن يتعقب عليها موضع حصل فيه سقط من النص، ففي سطر (٣) ص ٨٤ جاء النص هكذا «عن أبيه عن ابن عمر». والذي في نسخة الظاهرية، وهي إحدى النسخ التي اعتمد عليها فضيلة المحقق، هكذا «عن أبيه عن ابن المسيب عن ابن عمر». وهكذا جاء في مصدر تخريج الحديث الذي عزا إليه فضيلته، ومن قبله المؤلف، فلعل هذا من سقط الطباعة فقط. سادسا: موضوع الكتاب: يفيد عنوان الكتاب، ومضمونه، أن موضوعه هو تخريج الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة على الصحابة، والتي ذكرت في منهاج الوصول إلى علم الأصول، للإمام البيضاوي، سواء صرح فيه بلفظ الحديث أو الأثر، أو أشير إليه بالمعنى، وسواء صرح فيه بالرفع إلى الرسول ﷺ أو إلى الصحابي، أو ترك التصريح بذلك اعتمادا على معرفة القارئ ذلك. لكن العراقي في مقدمة الكتاب قال: «قد ذكرت في هذه الأوراق الأحاديث التي ضمنها قاضي القضاة، ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد ابن علي البيضاوي، كتاب المنهاج» (١).

стр. 1867

فاقتصر على ذكر الأحاديث كما ترى، مع أن واقع الكتاب أنه خرج الأحاديث والآثار، إلا بعض مواضع قليلة فاتته كما سيأتي، وقد جعل للآثار مبحثا خاصا في آخر الكتاب عنونه بقوله: «وفيه من الآثار» (١) وصار يذكر الأثر وصحابيه، ثم يخرجه، وقد بلغ ما ذكره من الآثار (١٨) أثرا، واتفقت نسخ الكتاب على قوله في واحد منها فقط: «لم أجده» وهو موجود كما سيأتي. وبلغ عدد الأحاديث (٨٩) حديثا، مع تكرر عدد قليل منها. فكان الأولى أن يذكر العراقي في المقدمة أنه خرج الأحاديث والآثار أيضا، طبقا لواقع الكتاب، كما فعل قرينه ابن الملقن في كتابه السابق ذكره في تخريج أحاديث وآثار منهاج البيضاوى أيضا، فقال في مقدمته: «فهذا تعليق نافع إن شاء الله تعالى، على الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج الأصول … » (٢) فلعل اقتصار العراقي على النص على الأحاديث فقط، لكونها هي المقصود الأصلي، والآثار تبع لها، وعددها قليل بالنسبة لعدد الأحاديث كما قدمت. وقد فعل الشيخ الغمارى فى كتباه الابتهاج مثلما فعل العراقي، فاقتصر في تسمية الكتاب وفى مقدمته على النص على الأحاديث (٣) مع كونه خرج الأحاديث والآثار، ولكن لم يجعل لها مبحثا مستقلا، بل خرج كل أثر في موضعه من ترتيب المنهاج أما الزركشي فاقتصر في تسمية كتابه على النص على الأحاديث فقط فقال:

стр. 1868

«وسميته المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر» ولكن نبه في المقدمة على أنه يخرج الأحاديث والآثار (١). سابعا: منهج العراقي في الكتاب، مع المقارن والتقويم أجمل العراقي منهجه في هذا الكتاب في مقدمته، فقال: «ذكرت في هذه الأوراق الأحاديث التي ضمنها … البيضاوي كتاب المنهاج، ذاكرا من خرجها من الأئمة، وصحابي كل حديث، أو من رواه مرسلا، مع التنبيه على صحتها وضعفها، على سبيل الاختصار» (٢) وعلى ضوء هذا الإجمال لعناصر المنهج، ومراجعتى التفصيلية للكتاب، مع المقارنة أيضا بمثيله، يتضح الآتي: - أ - نوع التخريج: أنه تخريج مختصر بالعزو، فيذكر الحديث أو الأثر، كما ذكره أو أشار إليه البيضاوي في المنهاج، ثم يتبعه بعزو إجمالي لبعض من أخرج الحديث أو الأثر من الأئمة بسنده، في بعض مؤلفاته، دون تحديد موضع الحديث أو الأثر في المصدر الذي يعزو إليه، ويكتفى من الإسناد غالبا بذكر الراوى الأعلى فقط، وهو الصحابي، أو من دونه ممن أرسل الحديث بالنسبة للمرسل، مثال ذلك قوله: «حديث: والله لأغزون قريشا، ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس، ورواه أبو داود مرسلا من رواية عكرمة مولى ابن عباس» (٣).

стр. 1869

وقد يكون بعض من أخرج الحديث، رواه من طريق مصنف آخر متقدم عليه، فيبين العراقي ذلك، مثل قوله عن حديث: (إذا روى عنى حديث فاعرضوه على كتاب الله … ): الدارقطني، والبيهقى من طريقه في المدخل … (١). ومن مراجعة الكتاب يظهر أن منهج الاختصار الذي أشار إليه العراقي هو أنه لا يستوعب ولا يتوسع في عزو الحديث أو الأثر إلى مصادره، بل يكتفى ببعضها عن الآخر، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفى بذلك، وإن كان في غيرهما مع تعدد مصادره، تخير منها ما هو الأشهر أو الأقوى إسنادا، أو الأقل ضعفا، أو الأقرب إلى اللفظ الوارد في المنهاج، ويعرف ذلك، بمراجعة الرواية في المصدر المعزو إليه سندا ومتنا. كما يعنى العراقي ببيان ما بين الروايات من اختلاف في الألفاظ المؤثرة في المعنى غالبا (٢). ب - مصارد العراقي في الكتاب: اعتمد العراقي في هذا الكتاب مع صغر حجمه على مصادر متعددة أصلية، حيث يُروى الحديث أو الأثر فيها بسند مؤلف المصدر كأصحاب السنن والمسانيد وابن حبان والحاكم والبيهقى، والموضوعات لابن الجوزى، وبعض كتب الرجال الأصلية كالضعفاء لابن حبان والكامل لابن عدى. وهناك عدد من المصادر عزا إليها العراقى فى هذا الكتاب، وهي تعتبر - بحسب علمي - مفتقدة حتى الآن وهى: كتاب الفضائل للدارقطني (حديث ٥٥)،

стр. 1870

وكتاب العلم والحلم لآدم بن أبي إياس (حديث ٦٠)، ومشيخة ابن كليب (حديث ٨٠)، وحديث أهل مصر والجزيرة لابن عدى (حديث ٨٨)، وتفسير القرآن الكريم لابن مردويه (حديث ٣٢). ولم يذكر قرينه ابن الملقن من تلك المصادر غير الفضائل للدارقطني، مع أنه ﵀ معروف بامتلاكه مكتبة حديثية حافلة، حتى كان احتراقها في أواخر حياته سببا لاختلال عقله، واختلاطه، حتى توفى ﵀ (١). فانفراد العراقي عن قرينه بالعزو إلى تلك المصادر الأصلية النادرة، دليل على سعة اطلاعه، وافتقادنا تلك المصادر الآن تعطى قيمة لكتابه هذا، بحفظه من النصوص الحديثية ما فقدنا أصله حتى الآن، وأصبح كتابه بديلا عنها فيما احتفظ به منها. ج - بيانه لدرجة الأحاديث: جعل العراقي من منهجه في هذا الكتاب بيان درجة الأحاديث، وأشار إلى ذلك إجمالا بقوله: (و أنبه على صحتها وضعفها). فاقتصر كما ترى على ذكر الصحة والضعف المطلق، ولكن عند المراجعة التفصيلية للكتاب نجده زاد على هذين النوعين، فبين أن بعض الأحاديث: إسناده حسن، وبعضها ضعيف جدا، وبعضها موضوع باطل، وبعضها لا أصل له مطلقا، أو مقيدا،، بحسب مبلغ علمه، كما سأفصله فيما يأتى. ولما كان العراقي في مؤلفاته في مصطلح الحديث وعلم الرجال، يفرق بين.

стр. 1871

درجات الحديث هذه، ويميزها باعتبار مراتب رواتها، فإنه كان ينبغى أن يفصل في منهجه في المقدمة، بحيث يتطابق مع صنيعه خلال الكتاب، ومع ما قرره في علم المصطلح والرجال. ١ - وفي بيان العراقي لصحة الحديث، تارة يكتفى فيه بالعزو، كقوله عن الحديث: متفق عليه، أو رواه الشيخان، من حديث فلان (١) أو رواه البخاري، أو عند البخاري (٢) أو مسلم (٣) أو ابن حبان في صحيحه، أو ابن خزيمة (٤). وتارة يبيين الصحة بذكر قول من أخرج الحديث، مثل قوله: رواه الحاكم من حديث فلان وقال صحيح الإسناد على شرط مسلم، أو على شرط الشيخين، أو وصححه (٥). وإن كان تصحيح الحاكم متعقبا ذكر ما يتعقب به، كما سيأتي. ويذكر أيضا تصحيح الترمذى (٦) والدارقطني والخطابي والبيهقي (٧). ٢ - وأما بيانه لتحسين الحديث، فتارة يكون بالنقل عن الترمذى مع إقراره، وذلك في أغلب المواضع (٨).

стр. 1872

وتارة لا يعزو الحكم بالحسن إلى غيره، حيث ذكر حديث «لا تُنكِحُ المرأةُ المرأةَ» وعزاه إلى ابن ماجه من حديث أبي هريرة وقال: بسند حسن، بلفظ «لا تُزَوِّجُ (١)». وسيأتى مقارنة ذلك بحكم غيره على هذا الإسناد. ٣ - وأما بيانه للضعف فمتنوع أيضا، فتارة يصرح بوصف الحديث بالضعف، وتارة يذكر من حال السند أو حال بعض الرواة، أو حال كليهما، ما يقتضى الضعف، وتارة يشير إلى الضعف إشارة مجملة، وتارة يعزو الحكم إلى غيره ولا يتعقبه، فيكون مقرا له، وتارة لا يعزو الحكم لغيره، وتارة يبين السبب، وتارة لا يبينه، وتارة يذكر مع الرواية الضعيفة ما ينجبر به الضعف، وتارة لا يذكره. ومن الأمثلة على ما قدمت ما يلى: - فقد ذكر حديث «الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غير طعمه أو ريحه» وعزاه إلى ابن ماجه من حديث أبي أمامة بلفظ «الماء طهور» ثم قال: وإسناده ضعيف (٢). وبالمراجعة لسنن ابن ماجه لا نجد لفظ «طهور» في هذه الرواية (٣). وأما الإسناد فنجد أن فيه «رشدين» وهو ابن سعد بن مفلح المهرى، وخلاصة حاله أنه ضعيف من جهة ضبطه (٤).

стр. 1873

وذكر العراقي حديث: «لا صلاة إلا بطهور» وعزاه إلى الدارقطني من حديث عائشة، وذكر أن الدارقطني ضعفه (١). وذكر حديث: سيأتيكم عنى أحاديث مختلفة (الحديث)، وعزاه إلى البيهقي من حديث أبى هريرة، ثم قال: قال البيهقي تفرد به صالح بن موسى الطلحي، وهو ضعيف لا يحتج به، قاله الدارقطني والحاكم (٢). وذكر حديث معاذ في بعثه إلى اليمن، لإثبات القياس، وعزاه إلى أبي داود والترمذي، وذكر قول الترمذى: ليس إسناده عندى بمتصل (٣). ومن هذا يفهم ضعف الحديث بهذا الإسناد، لانقطاعه. وذكر أثرين عن ابن مسعود أحدهما: أنه قال: «لا أقيس شيئا بشيء فتزل قدم بعد ثبوتها» وقال: رواه الطبراني. والثاني: عن ابن مسعود أيضا «إياكم ورأيت، وأرأيت؟؟ … »، وقال: رواه الطبراني، بإسناد منقطع، وأتبع ذلك بقوله: وفيهما - يعنى إسناد الأثرين - جابر الجعفي وهو ضعيف (٤) ويلاحظ هنا أنه لم يعز بيان الدرجة لأحد غيره. وبالمراجعة يظهر أن الأثر الأول أخرجه الطبراني في الكبير (٥)، من طريق جابر.

стр. 1874

الجعفى عن الضحاك عن مسروق عن ابن مسعود، به. والثاني أخرجه الطبراني أيضا من طريق أبي يزيد - وهو جابر الجعفى - عن الشعبي عن ابن مسعود به (١). وفي إسناد الأثرين كما ترى (جابر الجعفى) وقد اختلفت الأقوال فيه بين توثيق وتضعيف فقط، وشدة التضعيف، والتكذيب (٢) ونسب المؤلف في المغنى تضعيفه إلى الجمهور (٣) ولخص ابن حجر حاله بقوله: ضعيف رافضي (٤) أما الانقطاع الذي أشار إليه العراقي في سند الأثر الثاني، فهو بين الشعبي وابن مسعود، حيث ذكر أبو حاتم الرازى وغيره أن الشعبي لم يسمع من أبن مسعود (٥): فاجتمع في سند هذا الأثر الثانى سببان للضعف وهما: انقطاع الإسناد، وضعف أحد رجاله وهو جابر الجعفي. ويتميز تخريج العراقي لهذين الأثرين عن تخريج قرينه ابن الملقن لهما، ببيان العراقى لضعفهما كما تقدم، في حين اقتصر ابن الملقن على عزوهما فقط إلى المعجم الكبير للطبراني (٦).

стр. 1875

٤ - وأما ذكر العراقي لما يجبر الضعيف، وعدم ذكره، فمن أمثلتهما ما يلى: - ذكر العراقي حديث: «لا تجتمع أمتى على خطأ». وعزاه إلى البيهقى فى المدخل من حديث ابن عباس بلفظ «ضلالة» بدل «خطأ»، ولابن ماجه من حديث أنس بنحو رواية البيهقي، ثم قال: وروى من حديث أبي ذر، وأبي مالك الأشعرى وابن عمر، وأبي بصرة، وقدامة بن عبد الله الكلابي، وعقب على تلك الروايات كلها بقوله: وفي كلها نظر، وقد حسن الترمذى حديث ابن عمر (١). فهذه العبارة فيها إشارة إجمالية إلى تضعيف روايات الحديث من طرقه السابقة، ما عدا رواية ابن عمر التي ذكر أن الترمذى حسنها، وهذا بحسب نسخته هو من جامع الترمذى، وكذا نسخة قرينه ابن الملقن (٢) أما نسخة الزركشي (٣) والنسخ التي بين أيدينا حاليا (٤) ففيها أن الترمذى قال عن حديث ابن عمر: إنه غريب. ثم إن العراقي لم يشر إلى أن تلك الطرق يجبر بعضها ضعف بعض، ولم يشر إلى وجود جابر آخر لضعفها، وهو ما يشهد للحديث في الصحيحين من حديث أنس: «المؤمنون شهداء الله في الأرض» وفي لفظ لمسلم «من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له

стр. 1876

النار، أنتم شهداء الله في الأرض، ثلاثا». وقد ذكر الزركشي هذا، وذكر أيضا تقوى طرق الحديث الضعيفة بعضها ببعض (١) وهذا هو الموافق لما تقرره قواعد الاصطلاح التي لا تخفى على العراقي. وذكر أيضا حديث: «الاثنان فما فوقهما جماعة» وعزاه إلى ابن ماجه والحاكم من حديث أبي موسى الأشعرى، ثم قال: وهو ضعيف (٢) وبالمراجعة نجد الحديث عند ابن ماجه (٣) والحاكم (٤) في سنده الربيع بن بدر الملقب بـ «عُليلة»، يروى الحديث عن أبيه عن جده عن أبي موسى. و «الربيع بن بدر» هذا متفق على ضعفه من جهة ضبطه ووصفه النسائي بأنه متروك، وبه قال الحافظ في التقريب (٥) والزركشي في المعتبر، وزاد: أن الذهبي قال عن والد الربيع وجده: إنهما مجهولان (٦). لكن للحديث طرق أخرى عن خمسة آخرين من الصحابة، وفى سند أكثرها ما يقتضى شدة ضعفه (٧) لكن الزركشي قرر أن هذه الطرق يقوى بعضها بعضا (٨). وللحديث أيضا شاهد موقوف على زيد بن ثابت بلفظ «الأخوة في كلام العرب، أخوان فصاعدا» وقد أخرجه الحاكم وصححه على شرط الشيخين وأقره.

стр. 1877

الذهبي (١)، فلا يبعد أن يرتقى الحديث بمجموع ذلك إلى الحسن لغيره، ويؤيده ما تقدم عن الزركشي، وهذا أولى من اقتصار العراقي على ما يقتضى تضعيف الحديث فقط. وقد يذكر بعض ما يضعف الحديث، ويتبعه بما يجبر موضع الضعف فقط، ولو كان فيما ذكره سبب آخر يقتضى الضعف، وقد يتبعه بما يجبر ضعف الحديث عموما ويرقيه إلى درجة الحجية فمثال الأول أنه ذكر حديث «البيان لتكرار وجوب الزكاة». وعزاه إلى أبي داود - وجادة - من حديث عبد الله بن معاوية رفعه، في أثناء حديث «وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، كل عام» (الحديث) ثم قال: ووصله الطبراني وغيره (٢). فوصفه رواية أبي داود بأنها «وجادة» إشارة إلى تضعيفها بالانقطاع، وقوله: «ووصله الطبراني وغيره» بيان لوجود طريق آخر لهذا الحديث موصول، وبه بنجبر الانقطاع السابق، لكن عندما نراجع إسناد الطبراني وغيره ممن وصل الحديث. نجد فيه: إسحق بن ابراهيم، عن عمرو بن الحارث (٣). وإسحق بن ابراهيم قال الحافظ: إنه صدوق يهم كثيرا، وأطلق محمد بن

стр. 1878

عوف أنه يكذب (١) وعمرو بن الحارث الزبيدى الحمصي - ذكر الذهبي رواية اثنين عنه، ثم قال: فهو غير معروف العدالة (٢) فهذا الطريق وإن جبر انقطاع الطريق الآخر، إلا أنه بقى ضعفه من جهة حال الراويين السابقين. لكن للحديث طريق آخر لم يذكره العراقى أخرجه الطبراني في الصغير (٣). وفيه (عبد الحميد بن ابراهيم، أبو تقى) قال الحافظ في التقريب: صدوق إلا أنه ذهبت كتبه فساء حفظه (٤). فبمجموع ذلك يرتقى الحديث إلى الحسن لغيره. وذكر العراقي حديث: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام». وعزاه إلى ابن ماجه من حديث ابن عباس، وعبادة بن الصامت دون قوله «في الإسلام» وإلى الحاكم من حديث أبي سعيد وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم. ثم قال: ورواه بهذه الزيادة - يعنى زيادة قوله: «في الإسلام» - أبو داود في المراسيل من حديث واسع بن حبان، ثم قال: ووصله الطبراني في الأوسط من روايته عن جابر (٥) يعنى من رواية «واسع بن حبان» عن جابر ابن عبد الله مرفوعا. وبالمراجعة نجد أن مجموع ما ذكره العراقي من طرق الحديث يمكن أن يرقى بأصله إلى الحسن، وأضاف النووى إلى ذلك رواية مالك في الموطأ عن عمرو

стр. 1879

ابن يحيى عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلا، وهذا مرسل صحيح الإسناد إلى يحيى، وقرر النووي وابن الصلاح وابن رجب أن مجموع تلك الطرق يقوى بعضها بعضا، ويرتقي بها الحديث إلى الحسن لغيره (١). ٥ - وذكر العراقي حديث: «لو كنت سمعت هذا الشعر قبل أن أقتله ما قتلته» يعني النضر بن الحارث، وقد عزا الحديث إلى مشيخة ابن كليب، من رواية هشام بن محمد الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس، مرفوعا، ثم قال: والكلبي ضعيف جدا (٢). وبمراجعة ترجمة «هشام» هذا، نجده قد وصف من غير واحد بأنه متروك، ونسب إلى الرفض (٣). وهذا يؤيد وصف العراقي له بشدة الضعف، وبالتالي يكون الحديث من طريقه ضعيفا جدا. وقد تقدم وصف العراقي لغير هشام بالضعف فقط، فدل هذا على أنه يفرق بين الضعيف فقط، والضعيف جدا. وبالتالي كان ينبغي أن لا يقتصر في المقدمة على أنه يبين الضعيف فقط. لكني لاحظت أنه لم يلتزم بهذا التمييز بين الضعيف فقط، والضعيف جدا، خلال الكتاب كله، بل قد يطلق الضعف فقط، على من يشابه حاله حال من وصف بأنه ضعيف جدا فى المثال السابق. فقد ذكر حديث (الاثنان فما فوقهما جماعة) وعزاه إلى ابن ماجه والحاكم

стр. 1880

من حديث أبي موسى الأشعري، ثم قال: وهو ضعيف (١). وبالمراجعة، نجد الحديث عند ابن ماجه والحاكم، كلاهما من طريق الربيع ابن بدر عن أبيه عن جده عمرو بن جراد، عن أبي موسى، به (٢). وفي هذا الإسناد (الربيع بن بدر) وخلاصة حاله أنه متروك ولم ينسب إلى الكذب (٣). وبذلك يكون في مرتبة «هشام بن محمد، ابن الكلبي» الذي وصفه العراقي في المثال السابق بأنه (ضعيف جدا) كما أن في باقي السند «بدر بن عمرو» ووالده (عمرو بن جراد). وخلاصة حال كل منهما أنه (مجهول) (٤) ومع ذلك حكم العراقي على الحديث بهذا الإسناد: أنه ضعيف فقط. وذكر حديث (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم) وعزاه إلى عبد ابن حميد في مسنده، وابن عدى فى الكامل، من رواية حمزة بن أبي حمزة النصيبي عن نافع عن ابن عمر، بلفظ: «فبأيهم أخذتم بقوله» بدل (اقتديتم). ثم قال: وإسناده ضعيف، من أجل حمزة، فقد اتهم بالكذب (٥). فحكم

стр. 1881

على الإسناد بالضعف فقط كما ترى، وعلل ذلك بكون راوى الحديث «حمزة النصيبي» متهما بالكذب، فهذا يفيد أن من يكون متهما بالكذب فحديثه عنده ضعيف فقط. وهذا مخالف لما نقله بنفسه عن ابن الصلاح وأقره، من أن الراوى الموصوف بتهمة الكذب فضعفه أشد، والموصوف بسوء الحفظ ونحوه فضعفه أقل، بحيث يقبل الانجبار إلى درجة الحسن والاحتجاج، بخلاف المضعف بتهمة الكذب ونحوه (١). وعليه فإن ما ارتضاه العراقى فى التقعيد الاصطلاحي من تفاوت مراتب الضعف، والتفريق بين الضعيف فقط والضعيف جدا، كان يقتضيه التزام هذا في التطبيق، بدلا من مراعاته القاعدة مرة، كما في المثال الأول، وعدم مراعاتها كما في المثالين السابقين. وقد سبق أن نبهت إلى مثل هذا في منهج العراقي فى تخريج الإحياء. ومع كون حديث «أصحابي كالنجوم» السابق ذكره من حديث ابن عمر، قد ظهر أن إسناده ضعيف جدا، فإن له طرقا أخرى عن غير ابن عمر، ذكرها العراقي وغيره كما سيأتى. ٦ - وأما بيانه للحديث الموضوع، فقد ذكر حديث «مطر بن ميمون عن أنس أن النبي ﷺ قال: إن أخى ووزيرى وخليفتي في أهلى، وخير من أترك بعدى، يقضى دينى وينجز موعدى، على بن أبي طالب»، وعزاه إلى ابن حبان فى الضعفاء، وذكر قول ابن حبان: مطر يروى الموضوعات، وذكر أن

стр. 1882

ابن الجوزى روى الحديث أيضا فى الموضوعات، ووصفه بأنه موضوع (١). وبمراجعة ما عزا العراقى الحديث إليه من المصادر وغيرها، نجد ما يؤيد إقراره للحكم بوضع الحديث واتصاف راويه «مطر بن ميمون» بما يقتضى ذلك (٢). وذكر أيضا حديث ميناء، مولى عبد الرحمن بن عوف عن ابن مسعود قال: كنت عند النبي ﷺ ليلة الجن (الحديث) وفيه: أن ابن مسعود لما أشار على النبي ﷺ بأن يستخلف عليا ﵁ قال ﵊: «والذى نفسي بيده، لئن أطاعوه ليدخلن الجنة … » وعزاه إلى الطبراني في الأوسط، ثم قال: ومينا كان يكذب، قاله أبو حاتم، وذكر أيضا أن ابن الجوزى روى الحديث في الموضوعات، ووصفه بأنه موضوع (٣) ولم يتعقب ذلك بشيء. وبالمراجعة، لم أقف على الحديث في مظنته من المعجم الأوسط الذي عزاه العراقي إليه، ولكن وجدته في الكبير (٤). وعزاه الهيثمي إلى الطبراني مطلقا (٥) فينصرف إلى الكبير، كما هو معروف. وقد أخرجه ابن الجوزى فى الموضوعات من طريق أبي نعيم صاحب الحلية عن الطبراني، وقال: هذا حديث موضوع، وعلل ذلك بوجود «ميناء» في إسناده، وذكر تكذيب أبي حاتم الرازى له، وتضعيف ابن معين له.

стр. 1883

تضعيفا شديدًا (١). لكن السيوطي قد تعقب ابن الجوزى فى الحكم بوضع الحديث، وذلك بناء على أن «ميناء» لم ينفرد به، فذكر له متابعا هو «أبو عبد الله الجدلي»، في رواية للطبراني أيضا، بنحوه، كما ذكر له شاهدا من حديث على ﵁ (٢) ومع أن كلا من المتابع والشاهد ضعفهما ليس هينا، فقد اعتبرهما السيوطى مانعين من الجزم بوضع الحديث، لعدم تفرد «ميناء» به، بل قال: إن الحديث قد يقوى بالشاهد المروى من حديث على ﵁ (٣) ووافقه على هذا ابن عراق (٤) وسيأتى معارضة العراقي الحكم بوضع حديث آخر مع التعليل بعدم تفرد الراوى المنسوب إلى الوضع به، فلعله حين تأليفه لهذا الكتاب لم يتح له ما ذكره السيوطى من المتابع والشاهد لهذا الحديث. ومن هذين المثالين لحكم العراقي على بعض الأحاديث بالوضع يتضح أنه ذكر خلال الكتاب من درجات الأحاديث ما لم ينبه عليه في مقدمته. ٧ - وأما بيانه لما ليس له أصل، فمنه ما أطلق الحكم فيه، ومنه ما ذكر معه ما يدل على التقييد، وهذا هو الأكثر، فقد ذكر حديث «حكمى على الواحد حكمى على الجماعة» وقال: ليس له أصل، وسئل المزى والذهبي عنه فأنكراه، ثم قال: وللترمذى والنسائى من حديث أميمة بنت رقيقة: «ما قولى لامرأة واحدة إلا كقولى لمائة امرأة» لفظ النسائي، وقال الترمذي: «إنما

стр. 1884

قولي لمائة امرأة، كقولى لامرأة واحدة» (١) فيلاحظ أن الروايتين المذكورتين بمعنى اللفظ المطلوب، وأقربهما رواية النسائي. فيفهم من ذكره له، أن مقصوده بعبارة «ليس له أصل» مقيدة، باللفظ المذكور في المنهاج فقط، ولكن يوجد ما هو بمعناه، ولا سيما رواية النسائي. وعلى هذا التقييد يحمل إنكار كل من المزى والذهبي. وقد صرح بالتقييد غير العراقي ممن خرج أحاديث المنهاج. فقال الزركشي: لا يُعرف بهذا اللفظ، ولكن معناه ثابت، ثم ذكر روايتي الترمذي والنسائي السابقتين (٢). وقال ابن الملقن: هذا الحديث لم أره بهذا اللفظ … . وذكر إنكار المزى والذهبي له ثم قال: لكن في سنن النسائي … وذكر روايته ثم رواية الترمذي، ثم زاد عزو الحديث لأحمد في مسنده باللفظين، ثم ذكر شاهدا بالمعنى أيضا من الصحيحين (٣). وبذلك نجد أن عبارة الزركشى فيها التصريح بالتقييد، وبأن الروايتين المذكورتين بمعنى اللفظ المطلوب، وأن ابن الملقن صرح بالتقييد، وترك للقارئ ملاحظة كون الروايات التي خرجها تعتبر بمعنى اللفظ المطلوب. وأما حكم العراقي على الحديث بأنه «ليس له أصل» مطلقا، فحديث واحد، في هذا الكتاب، حيث ذكر حديث «ما اجتمع الجلال والحرام، إلا

стр. 1885

وغلب الحرام الحلال، وقال: لم أجد له أصلا (١) ولم يزد على ذلك. وعبارته هذه تفيد أن هذا الحكم وإن كان مطلقا، فهو مقيد بمبلغ علمه وبحثه هو. وقد جاء في تخريج أحاديث الكتاب لغيره، ما يعتبر تعقبا لإطلاقه، وأيده الواقع. فابن الملقن - قرين العراقى - قال: هذا الحديث، قال فيه البيهقي في سننه: رواه جابر الجعفى عن الشعبى، عن ابن مسعود، وجابر ضعيف، والشعبي عن ابن مسعود منقطع (٢). وبالمراجعة نجد البيهقى - فعلا - قد أخرج هذه الرواية الموقوفة على ابن مسعود، تعليقا، وبين ضعفها بما نقله عنه ابن الملقن فيما تقدم، بل لكلام البيهقى بقية هكذا: وإنما رواه غيره - يعنى غير جابر - بمعناه عن الشعبي من قوله، غير مرفوع إلى ابن مسعود (٣). وبهذا تميز تخريج ابن الملقن في هذا الموضع، حيث أثبت للحديث أصلا وإن كان ضعيفا وموقوفا. وأما تخريج الزركشي فجاء أوفى وأدق، حيث قال: لا يُعرف مرفوعا، ورواه عبد الرزاق موقوفا في مصنفه فى الطلاق: حدثنا سفيان الثورى عن جابر عن الشعبي قال: قال عبد الله: … (فذكره مع زيادة) ثم ذكر تخريج

стр. 1886

البيهقى له وبيانه لدرجته كما ذكر ابن الملقن، ثم قال: ومن شواهده حديث عائشة: ما خير رسول الله بين امرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه - ثم قال: متفق عليه (١). فتميز تخريجه للحديث كما ترى بذكر رواية عبد الرزاق الموصولة، للرواية الموقوفة التي ذكرها البيهقي معلقة، وزاد ذكر شاهد مرفوع له متفق على صحته. وبهذا وبما سيأتى يتضح خطورة استعمال عبارة «ليس له أصل» في مجال تخريج الأحاديث، خاصة من عالم حافظ مثل العراقي بما له من مكان الريادة في علم التخريج كما قدمت، سواء بين حفاظ عصره، أو من بعدهم. فرغم أن العراقي كما أوضحت قيد حكمه على هذا الحديث بمدى علمه وبحثه هو، فقال: لم أجد له أصلا، فإن من جاء بعده قد حذف هذا القيد الهام، ونسب إليه العبارة مطلقة فقال عن هذا الحديث: قال العراقي: إنه لا أصل له (٢). بل إن الملا على قارى ﵀ فعل هذا الإطلاق بالنسبة لقول العراقي السابق عن حديث «حكمي على الواحد … »، مع أن بقية كلامه في تخريج الحديث تفيد التقييد، كما قدمت (٣)، فلينتبه الباحثون لورود هذه.

стр. 1887

العبارة في الحكم على الأحاديث عموما، ويتيفظوا لإطلاقها وتقييدها، سواء من العراقي أو من غيره. د - مما خالف فيه العراقي غيره في بيان درجة الأحاديث. بينت فيما سبق أن بيان العراقى لدرجة الأحاديث، بعضه بالنقل عن غيره من الأئمة مع إقراره، وبعضه يذكره بدون عزو لغيره، ويكون له فيه استنتاج لدرجة الحديث بناء على نظره في سنده، أو في حال بعض رواته، وفي كلتا الحالتين، إذا قارنا أحكامه التي أقرها أو استنتجها، نجد منها ما يخالف العراقي فيه غيره، ومع أن ذلك جاء في مواضع قليلة بسبب صغر حجم الكتاب، ومنهج الاختصار الذي انتهجه العراقي فيه كما تقدم، إلا أن ذلك يدل على ظهور شخصيته العلمية في نتاجه الحديثي، سواء كان صغيرا أو كبيرا، بحيث لا يقر غير ما يرتضيه حسب مبلغ علمه، ولو خالفه غيره. فمن ذلك أنه ذكر حديث (لا تُنكِحُ المرأة المرأة) وعزاه إلى ابن ماجه، من حديث أبي هريرة، وقال: بسند حسن (١) فحكم على الحديث بإسناد ابن ماجه أنه حسن، في حين نجد قرينه ابن الملقن يقول عن الحديث نفسه: رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف (٢)، ومن قبله أعله ابن الجوزى، كما سيأتي. وبالمراجعة نجد الحديث قد أخرجه ابن ماجه عن جميل بن الحسن العتكى حدثنا محمد بن مروان العقيلى حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة

стр. 1888

نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها (١) ورواه الدارقطني عن أحمد بن محمد الفزاري عن جميل به (٢). وقد أعل ابن الجوزى الحديث بأن في سنده (جميل بن الحسن) لا يعرف (٣)؟ وقد رد عليه ذلك ابن عبد الهادى فى (التنقيح) بأن جميلا مشهور، وأن ابن خزيمة أخرج له هذا الحديث (٤). يعني فيكون ذلك تعديلا فعليا من ابن خزيمة له، وكذلك أخرجه له ابن حبان في صحيحه (٥). وبمراجعة مصادر ترجمته نجد أنه تفرد عبدان الأهوازي بتجريحه بالفسق والكذب فى كلامه، وقد اعتبر ذلك إفراطا منه مردودا عليه، وأما غير الأهوازي فخلاصة ما يستفاد من أقوالهم أن جميلا هذا صدوق صالح الرواية، وله غرائب عن أبي همام الأهوازي (٦). وفي الإسناد كذلك شيخ جميل وهو محمد بن مروان العقيلي، مختلف فيه، ويجمع بين الأقوال فيه، قول الحافظ في التقريب بأنه صدوق له أوهام (٧).

стр. 1889

وباقي رجال الإسناد ثقات، وعليه يكون إسناد ابن ماجه حسن، لحال كل من جميل وشيخه (١). وبهذا يرد تضعيف كل من ابن الجوزي وابن الملقن - رحمهما الله - لهذا الإسناد، ويترجح حكم العراقي بالتحسين، ويؤيده تصحيح كل من ابن خزيمة، وابن حبان، كما قدمت، وكذا ترجيح البيهقي والزركشي (٢). وذكر العراقي حديث «أصحابي كالنجوم … » وعزاه إلى كل من الدارقطني وابن عبد البر من حديث جابر، وذكر تضعيف ابن عبد البر له، وعزاه إلى عبد بن حميد في مسنده، وابن عدى من حديث ابن عمر، وضعفه، وعزاه إلى البزار من رواية عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن ابن المسيب عن ابن عمر، وذكر قول البزار: إنه منكر، لا يصح، وقول ابن حزم: إنه مكذوب، موضوع، باطل، ثم أتبع هذا كله بقول البيهقي: ويؤدي بعض معناه: حديث أبي موسى: النجوم أمنة لأهل السماء، وفيه «وأصحابي أمنة لأمتي» الحديث، رواه مسلم (٣). ومعنى هذا أن العراقي وإن أقر إعلال طرق الحديث التي أوردها من عند غير الإمام مسلم، فإنه لا يقر حكم البزار المطلق بأن الحديث منكر لا يصح، ولا حكم ابن حزم أيضاً بأنه باطل وموضوع، ولكن يتعقبهما بما ذكره البيهقي من وجود شاهد صحيح لبعض معنى الحديث، رواه الإمام مسلم، كما تقدم. وقد توقف غير البيهقي والعراقي في هذا.

стр. 1890

فالزركشي بعد ذكر قول البيهقي السابق عقب عليه بقوله: ولا يخلو عن نظر (١). أما الحافظ ابن حجر فقال: صدق البيهقي هو - يعنى حديث مسلم السابق - يؤدى صحة التشبيه للصحابة بالنجوم خاصة، أما في الاقتداء، فلا يظهر في حديث أبي موسى، نعم يمكن أن يتلمح ذلك من معنى الاهتداء بالنجوم (٢). أقول: ويتلمح أيضا من معنى (الأمنة) في قوله: ﴿أصحابي أمنة لأمتي﴾ (٣) كما يلاحظ من كلام الحافظ ﵀ عدم الجزم بنفي شهادة حديث أبي موسى هذا لبعض معنى الحديث المطلوب، وبذلك يبقى لقول البيهقي الذي أقره العراقي محمله. وقد ذكر الزركشي وجها آخر لتقوية الحديث بلفظه المطلوب، وهو تعدد طرقه عمن تقدم ذكر العراقي لهم من الصحابة. فذكر أنه يتقوى بعضها ببعض، كما ذكر أنه يتقوى كذلك باعتماد الامام أحمد عليه في فضائل الصحابة له (٤). أقول: وله أيضا شاهدان من حديث أنس وسمرة بن جندب يصلحان لتقويته (٥).

стр. 1891

وذكر العراقي أيضا حديثا بلفظ: «وإن أصاب فله عشرة أجور» يعنى المجتهد في حكم شرعي وعزاه إلى أحمد والحاكم، وذكر أن الحاكم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ثم قال: وتعقبه الذهبي بتضعيفه بالفرج بن فضالة (١). وبالمراجعة، نجد أن الحديث قد أخرجه الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة (٢). وفي سندهما «فرج بن فضالة»، ونجد الذهبي تعقب تصحيح الحاكم فقال: قلت: فرج ضعفوه (٣). و «فرج» هو ابن فضالة بن النعمان التنوخي، مختلف فيه، جرحًا، وتعديلا، ولكن الأكثرين على تضعيفه، مع إشارة بعضهم إلى ضعفه من جهة ضبطه، فيحمل توثيق من وثقه على عدالته دينا وصلاحا (٤). ويعتبر العراقي بذكره تعقب الذهبي هذا، قد خالف الحاكم، ورد عليه تصحيحه لهذا الحديث، وهكذا ضعفه تلميذ العراقي الحافظ ابن حجر (٥). في حين نجد كلا من الزركشي وابن الملقن في تخريجهما لأحاديث المنهاج يذكران تصحيح الحاكم للحديث، دون تعقبه بشيء (٦) مع وجود ما يقتضى

стр. 1892

التضعيف في سند الحديث، وهو فرج بن فضالة كما قدمت. ثامنا: أهم مميزات الكتاب: مما قدمت من عناصر الدراسة والتحليل والمقارنة لجهود العراقي في هذا الكتاب، يتضح لنا أنه تميز ببعض الجوانب على تخريج غيره من معاصريه وغيرهم لأحاديث وآثار الكتاب. وأهم تلك المميزات ما يلى: - ١ - أنه تعرض لتخريج حديث «اختلاف أمتي رحمة» فعزاه إلى البيهقي في المدخل من حديث ابن عباس بلفظ «أصحابي» يعنى بدل لفظ «أمتى» ثم قال: ورواه آدم بن أبي إياس، في كتاب «العلم والحلم» بلفظ «اختلاف أصحابي لأمتى رحمة» وقال: وهو مرسل ضعيف، ثم قال: وذكره البيهقي في رسالته الأشعرية، بهذا اللفظ، بغير إسناد (١). والرواية المذكورة بمعنى اللفظ المطلوب، باعتبار أن اختلاف أصحابه ﷺ في حكم اختلاف الأمة (٢). وقد تعرض لتخريج الحديث نفسه، قرين العراقي ابن الملقن، فقال: هذا الحديث لم أر من خرجه مرفوعا، بعد البحث الشديد عنه، وإنما نقله ابن الأثير في مقدمة جامعة من قول مالك، وفى المدخل للبيهقي عن القاسم ابن محمد أنه قال: اختلاف أمة محمد رحمة، ثم قال: ورأيت بخط بعضهم أن الحليمي قال: قوله ﵇: «اختلاف أمتي رحمة» أى.

стр. 1893

في الحرف والصنائع (١). فتلاحظ من مقارنة التخريجين، أنهما اتفقا على عدم وجود رواية مرفوعة للحديث المطلوب بلفظه، ثم تميز تخريج العراقى بذكر رواية بمعناه، مع بيان درجتها بأنها مرسلة ضعيفة، وقد زاد الوصف بالإرسال على ما ذكره في بيان درجة هذا الحديث نفسه في كتابه «المغنى عن حمل الأسفار»، السابق دراسته (٢). فأشار العراقي بذلك إلى أن الحديث ضعيف، من جهة انقطاع سنده بالإرسال، ومن جهة أحد رواته بالضعف. وعند المراجعة نجد أن الأمرين موجودان فعلا في الإسناد المذكور، فقد أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى وكذلك الخطيب البغدادي في الكفاية كلاهما من طريق سليمان بن أبي كريمة عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، مرفوعا (٣). وفي هذا الإسناد رواية «الضحاك» وهو ابن مزاحم الهلالي، صاحب التفسير، والراجح أنه لم يلق ابن عباس، فروايته عنه مرسلة، بمعنى أنها منقطعة (٤) وقال الحافظ ابن حجر في خلاصة حال الضحاك: صدوق كثير الإرسال (٥)، وسليمان بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم، وأشار ابن عدى إلى أن

стр. 1894

ضعفه من جهة ضبطه (١). وجويبر بن سعيد الأزدى، راوى التفسير، لم أجد من اتهمه بالكذب (٢). ولخص ابن حجر حاله بأنه ضعيف جدا (٣). فالحديث بهذا الإسناد ضعيف جدا. ولكن هذا أولى مما قاله ابن السبكي: إن الحديث بلفظ «اختلاف أمتى رحمة» لا أصل له (٤). ومن قول والده تقى الدين السبكي - شيخ العراقي -: إنه لم يقف للحديث على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع (٥)، يعنى بلفظ «اختلاف أمتى رحمة»، لأن الحديث الذي ذكره العراقى بمعنى هذا اللفظ، كما تقدم. ٢ - تميز تخريج العراقى أيضا أنه ذكر بدل الآيات القرآنية، حديث «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة»، مخرجا بالعزو إلى الشيخين من حديث أبي هريرة، وحديث عبد الله بن قرط: «إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر … » (الحديث) وعزاه إلى أبي داود والنسائي، وإلى ابن حبان بنحوه (٦) وذلك مقابل إشارة مؤلف المنهاج إلى تفضيل الشارع لبعض الأزمنة. فى حين ذكر قرينه ابن الملقن مقابل ذلك دليلين من القرآن الكريم (٧) وهو وإن

стр. 1895

كان مقدما على السنة في الاستدلال، إلا أن موضوع التخريج هو ذكر الأحاديث التي تتعلق بمضامين الكتاب، ولو كان هناك ما هو بمعناها في القرآن الكريم. أما الشيخ الغماري ﵀ فلم يذكر في مقابل تفضيل الشارع للأزمنة شيئا، لا من القرآن ولا من الحديث (١). ٣ - ذكر صاحب المنهاج من أمثلة ما نهى الشارع عنه: بيع الحصاة، والملاقيح، والربا (٢). فذكر ابن الملقن حديثا في النهى عن بيع الحصاة، وأحاديث في النهي عن بيع الملاقيح، ولم يذكر شيئا في النهى عن الربا (٣) وذكر الغماري الأحاديث المشتملة على النهى عن الملاقيح فقط، ولم يذكر شيئا في النهي عن بيع الحصاة ولا فى النهى عن الربا (٤) أما العراقي فذكر الأحاديث المشتملة على النهى عن بيع الحصاة، وبيع الملاقيح، والنهي عن الربا (٥)، فجاء تخريجه في هذا الموضع أكمل من تخريج رفيقه ابن الملقن، ومن بعده الغماري. ٤ - يعتبر ما قدمته أيضا في مبحث اختلاف العراقي مع غيره في درجات الأحاديث، من مميزات هذا التخريج.
следующие страницы →