← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

برواية عدل ضابط عن مثله إلى منتهى السند من غير شذوذ ولا علة قادحة، فهو صحيح، والراوي من حيث كذا مقبول، ومن حيث كذا مردود، أو متوقف فيه». أما الجزئيات التي تنطبق عليها هذه القواعد من أنواع السنن وأفراد الرواة، ووصف كل منها بأنه صحيح أو مردود، فهي موضوع علم الحديث رواية وعلم رجال الحديث (١) فهو بالنسبة لعلم الحديث رواية، مثل أصول الفقه بالنسبة لعلم الفقه (٢) ولذلك يُسمَّى أيضًا علم أصول الحديث أو الأثر وأما حقيقة الرواية عمومًا: فهي نقل السنة أو غيرها من العلوم النقلية، كالتواريخ والشعر، والمراد بها في التعريف: نقل السنة وما يتعلق بها. والراوي هو الذي ينقل الحديث بإسناده. وشروط الرواية تحمل راويها لما يرويه بنوع من أنواع التحمل: من سماع أو عرض أو إجازة بكتابة أو مشافهة، ونحو ذلك. وأنواعها: الاتصال والإنقطاع ونحوهما. وأحكامها: القبول أو الرد أو التوقف، وحال الرواة: العدالة والجرح، وشروطهم في التحمل والأداء: كالتمييز والضبط والعدالة ونحو ذلك. وأصناف المرويات: المصنفات، كالمسانيد والمعاجم والأجزاء وغيرها، أحاديث أو آثارًا أو أشعارًا وغيرها.

стр. 72

وما يتعلق بها هو معرفة اصطلاح أهلها (١). ومن عبارات من بعد ابن الأكفاني في تعريف هذا العلم قول الشيخ عز الدين ابن جماعة شيخ الحافظ العراقي: «علم الحديث: علم بقوانين يُعرف بها أحوال السند والمتن». وقد اعتبره السيوطي وغيره أحسن الحدود (٢)، وشرحه السيوطي بقوله: «القوانين: جمع قانون، مرادف القاعدة، وهي أمر كلي يتعرف منه أحكامه وجزئياته، وموضوعه: السند والمتن، وغايته معرفة الصحيح من غيره، ومعظم العبارات لغير ابن جماعة، ترجع لها» فقد قال البقاعي: «علم الحديث علم يبحث فيه عن سنة النبي ﷺ ، إسنادًا، ومتنا، لفظًا ومعنى، من حيث القبول والرد وما يتبع ذلك من كيفية تحمل الحديث وروايته وكيفية ضبطه وكتابته وآداب راويه وطالبه» وأردف هذا بقوله: «أو يقال - وهو أخصر - إنه علم يُعرف منه حال الراوي والمروي من حيث الرواية» (٣) وقال شيخه ابن حجر العسقلاني: «أولى تعاريفه أن يقال: معرفة القواعد المعرفة بحال الراوي والمروي» (٤). أقسام علم الدراية ولما كانت أحوال الراوي والمروي، أو السند والمتن، المبحوث عنها في هذا العلم كثيرة، أفردت الأحوال الخاصة بالرواية عموما بالبحث والتأليف، وجُعِلَتْ

стр. 73

عِلْمًا خاصًا يُسمَّى «علم الرجال» أي رواة السنة وحفاظها رجالًا ونساءً. وأفردت الأحوال المشتركة بين المتن والسند، كالصحة والحسن، والخاص بالسند كالعلو والنزول، وعدالة الراوي، أو بالمتن كالرفع والقطع، وسُمِّي العلم الخاص بها «علم المصطلح» (١) وعلى هذا جرى الحافظ ابن حجر في تسمية مؤلفه في ذلك: «نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر». ثم إنه يمكن أن تُفرد كل حال للسند أو المتن بالبحث، ويُطلق على كل منها علمًا خاصًا، كالحديث الضعيف والموضوع والجرح والتعديل، وغير ذلك، ولهذا يطلق على علم الدراية أو علم المصطلح «علوم الحديث» (٢). وقد ذكر الحاكم في كتابه «معرفة علوم الحديث» (٥٢) نوعا، ثم ذكر ابن الصلاح من بعده في كتابه «معرفة علوم الحديث» أيضًا المعروف بـ «مقدمة ابن الصلاح» (٦٥) نوعًا، ولكنه صَرَّح بأن ذلك ليس بآخر الممكن، فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى، تبعا لتفرع أحوال المتون والرواة، إلا أنه قرر أن المبالغة في تشقيق مباحثه لا جدوى له (٣) ولهذا جرى العراقي في تأليفه في هذا العلم، على ما أورده ابن الصلاح فقط، مع التصرف فيه، في حين أثر غيره الزيادة أو النقص، حسب وجهة نظره كما سيأتي. أسماء علم الدراية سُمِّي هذا العلم بعلم الدراية تمييزا له عن علم الرواية المتقدم وإلا فإن كلا

стр. 74

منهما يقوم على الدراية والفهم الموضوعاته. وقد مرت تسميته بأصول الحديث وبمصطلح أهل الأثر وبعلوم الحديث ويُسمى أيضا بعلم الإسناد (١) وقال الشيخ زكريا الأنصاري: إنه إذا أُطلق «علم الحديث» ينصرف إلى علم الدراية (٢)، وتوقف في ذلك العدوي (٣) أما الشيخ الأمير فذكر أن قول الأنصاري لعله كان في زمانه، أما الآن فلا يُطلق علم الحديث على علم الدراية إلا مُقيدًا بالمصطلح (٤)، فيقال: علم مصطلح الحديث. والله أعلم. ولعلي بهذا قد أُعطيتُ صورة واضحة عن مفهوم السنة، وعناية الأمة بحفظها وصيانتها من الدخيل، ووضع قواعد بحثها وبيان معانيها، وإنشاء علومها ومصنفاتها، رواية ودراية، حتى ازدهرت في القرن الثالث الهجري ثم نضجت واتسعت فيما تلاه، جيلا فجيلا حتى عصر العراقي. * * *

стр. 75

القسم الثالث عصر العراقي

стр. 76

يُعتبر كل من الزمان والمكان والمجتمع الذي يُولد فيه الإنسان ويحيا، وعاءً حاويا له في مختلف مراحل وجوده، ولذا فإنه ينفعل بما فيه، في عاداته وسلوكه ولغته وثقافته، ويتشكل تبعا لذلك تفكيره وميوله واتجاهاته، وما أودعه الله فيه من مواهب واستعدادات، ثم يكون على ضوء ذلك تفاعله ونشاطه وتأثيره في جوانب الحياة والأحياء من حوله، من أجل هذا كان لابد لمعرفة تكوين شخصية العراقي عموما، وجانبها العلمي وتأثيره في السنة خصوصًا، من التعريف بمجمل جوانب عصره ومكانة السنة وعلومها فيه بصفة خاصة، وذلك على النحو التالي: سياسة العصر الخارجية عاش الحافظ العراقي واحدًا وثمانين عاما هجريًا وبضعة شهور، ابتداءً من سنة ٧٢٥ هـ حيث ولد بضاحية بين مصر والقاهرة، حتى توفي بالقاهرة سنة ٨٠٦ هـ على الصحيح، كما سيأتي، وقد قضى معظم حياته بين ربوع مصر وتنقل في اليسير منها بين الشام والحجاز، وبذلك كانت حياته فيما يُعرف تاريخيا بعصر المماليك، وإقاماته في رحاب دولتهم التي شملت حينئذ مصر، والشام والجزيرة العربية وما يتبعهم. وتقع أكثر حياة العراقي في عصر المماليك البحرية (١) الأتراك الأصل الذين بدأ حكمهم سنة ٦٤٨ هـ، وانتهى في سنة ٧٨٤ هـ، ثم تلاهم المماليك البُرْجِيَّة (٢) الشراكسة الأصل، وقد عاصر العراقي منهم اثنين: هما الظاهر

стр. 77

برقوق، الذي ذهب بنفسه إلى العراقي، وطلب منه تولي قضاء المدينة المنورة كما سيأتي، ثم ولده الناصر فرج الذي خَلَفَهُ سنة ٨٠١ هـ وقد توفي العراقي في عهده. ورغم أن الطابع العام العصر المماليك هو الحروب الخارجية والفتن والمنازعات في الداخل، وتأثير ذلك في حياة الأمة، فإننا نجد أن الفترة التي عاشها العراقي تُعد أكثر فتراته استقرارًا ورخاء وازدهارًا عمرانيا وثقافيا. وذلك لما يأتي: ١ - أنه كان قد تم إنهاء الوجود الصليبي في الشام ومصر بعد معارك ضارية لقرنين من الزمان، كان آخرها سنة ٦٩٠ هـ حيث تمكن السلطان خليل بن قلاوون من الاستيلاء على آخر معاقل الصليبيين بالشام (١) ولم يعد لهم أية إمارات بالمنطقة، وكانت معاركهم المتفرقة بعد ذلك يشنونها من بلاد أوروبا الساحلية القريبة، وخاصة قبرص ثم يعودون من حيث أتوا. ٢ - أنه كان قد تم أيضًا صد الغزو التتري، الذي بدأ في سنة ٦١٥ هـ اجتياحه لشرق العالم الإسلامي من حدود الصين حتى بغداد عاصمة العالم الإسلامي حينئذ، فأسقطوها وقتلوا الخليفة وخيرة العلماء وأعدموا الرصيد العلمي للمسلمين، ثم اجتاحوا الشام بنفس الروح الوحشية، وتقدموا نحو مصر فَخَفَّتْ إليهم بجيوشها، وأذاقتهم لأول مرة في عين جالوت سنة ٦٥٨ هـ طعم الهزيمة، وعرفتهم طريق الفرار، مما جعلهم يكتفون بإقامة دولة لهم على ما استولوا عليه من فارس والعراق، وأصبحوا جيرانا للشام، وسرعان ما فتح

стр. 78

الإسلام بذاتيته قلوبهم القاسية، فأسلم حكامهم من أبناء هولاكو، وتبعهم جنودهم وأهلوهم، وبدأوا يعمرون بأيديهم ما خربوه حتى إن غازان محمود ابن هولاكو وصاحب الهجوم الشرس على الشام مرة سنة ٦٩٩ هـ (١)، وقد انزعجت بسببه أسرة الحافظ العراقي وهاجرت من العراق إلى مصر كما سيأتي ومرة سنة ٧٠٣ هـ، وجدناه يعمر الكثير ببغداد وإيران حتى شيد بهما دورًا للحديث والقرآن، ومدارس وخوانق للصوفية (٢)، ومكاتب للتعليم وأقام حد السكر، وجمع الجبايات بمقتضى الشرع (٣). وما أن جاءت سنة ٧٢٠ هـ حتى أرسل حكامهم وفدًا إلى الناصر محمد بن

стр. 79

قلاوون، يقدم الهدايا ويطلب تسكين الفتن القديمة، وإقامة وحدة الملة الإسلامية من جديد، واستجاب الناصر فعلا لهذا وتم توقيع الصلح بين الطرفين سنة ٧٢٣ هـ أي قبل مولد العراقي بعامين، وبهذه الاتفاقية هدأ العراقان: الشمالي والجنوبي وبلاد الشام ومصر، بعد فترة طويلة من المعارك الطاحنة والاضطراب، وفتحت بموجبها الحدود واستؤنفت التجارة، وانفتحت الطرق حتى استطاع الرحالة ابن بطوطة زيارة العراق حينئذ (١) وحتى رأينا الحافظ العراقي عند رحلته لسماع الحديث ببلاد الشام يعزم على الرحلة لبغداد لسماع الحديث من شيوخها بعد عودة الحياة العلمية إليها حينئذ (٢)، وإن لم ترجع لسالف مجدها العلمي، لأن المغول جعلوا عاصمتهم «تبريز» وكانت بغداد مجرد واحدة من عواصمهم، واستمر ذلك الهدوء بين العراق والشام ومصر من سنة ٧٢٣ هـ إلى سنة ٨٠٣ هـ، أي نحو ٨٠ عاما هي معظم عصر العراقي، أما في سنة ٨٠٣ هـ، فقد عاد اكتساح التتار للشرق الإسلامي من جديد على يد تيمورلنك كما سنبينه. ٣ - أنه كان قد تم إقامة الخلافة العباسية بمصر بعد إسقاط هولاكو التتري لها في بغداد سنة ٦٥٦ هـ كما أشرنا، وانتقل من نجا من بني العباس إلى القاهرة وبويع أول خليفة عباسي بمصر سنة ٦٥٩ هـ في عهد الظاهر بيبرس، وهو أبو القاسم أحمد بن الظاهر، ولقب بالمستنصر بالله (٣) وتوالى الخلفاء من بعده حتى الفتح العثماني، وكان مولد العراقي في عهد ثالث خليفة، وهو أبو

стр. 80

الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله والملقب بالمستكفي بأمر الله، وقد بقي في الخلافة ٣١ سنة. ومهما قيل عن دافع المماليك لإحياء الخلافة بمصر، ومع اعترافنا بأنه لم يكن للخليفة سلطان سياسي ولا عسكري، بل كان السلطان من المماليك يولي ويعزل وينفي (١) ويحبس (٢) من شاء منهم، رغم هذا، فإنه كان لإحياء الخلافة الإسلامية التي تعلق بوجودها فكر المسلمين وعقيدتهم ووحدتهم، من عهد الخلفاء الراشدين أثر محمود في نفس كل مسلم، سواء من يتبع مصر أو غيرها، نظرًا لجو العصبية الدينية، التي حكمت العالم كله حينئذ، واكتسحت حروبها العالم الإسلامي، من الغرب على يد الصليبيين، ومن الشرق على يد التتار، واستهدفت دائما مساجده وعلماءه وتراثه الديني حتى أطبقت على قلبه في مصر والشام في وقت واحد، بعد إسقاط خلافتهم، فكان لإحيائها من جديد على أي وضع، وفي العاصمة التي كسرت شوكة الصليبيين والتتار على السواء، وقع عظيم، وغدت كل القلوب تهفو إلى القاهرة مقر خلافة المسلمين وملاذهم، وحامية مقدساتهم، ورائدة تضحياتهم وانتصاراتهم على الدوام، كما كان لإقامتها أثره في إحياء السنة ومحاربة الفرق الأخرى من شيعة ورافضة وغيرهم كما سيجيء. ٤ - يضاف إلى ذلك أن الحافظ العراقي ولد ونشأ في عصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون الذي تولى الحكم للمرة الثالثة سنة ٧٠٩ هـ واستمر حتى وفاته سنة ٧٤١ هـ حيث كان العراقي في السادسة عشرة من عمره، ويجمع

стр. 81

المؤرخون على أن عصر الناصر هذا كان أزهى عصور المماليك فقد دام حكمه ٣١ سنة، ولم يماثله في ذلك سلطان من المماليك، كما كانت الدولة في أقصى اتساعها، بعد قهر التتار وطرد الصليبيين، فقد امتد نفوذه من بلاد المغرب غربا ثم الشام والحجاز شرقا، ومن بلاد النوبة التي أقام عليها أول حاكم مسلم جنوبًا، حتى آسيا الصغرى شمالا (١) كما عقد معاهدة الصلح والأمان مع العراق كما أسلفنا. أما في الداخل، فإصلاحاته ومظاهر الرخاء وإنشاءاته العمرانية والثقافية عديدة وهامة، مما جعله يحظى بشعبية كبيرة في الشام ومصر حتى تظاهر الشعب بالقاهرة على غير العادة في عهد المماليك، يطالب ببقائه في الحكم عندما تعرض للتآمر على خلعه، فاضطر المتآمرون للتراجع (٢). بل لقد كان بقاؤه الطويل في الحكم، وحسن سيره فيه داخليا وخارجيا، مما جعل الناس يتعلقون بذريته من بعده، ويرون فيهم رمز الهدوء والرخاء، فظل الحكم وراثيا فيهم حيث تولاه ثمانية من أبنائه و ٤ من أحفاده، وبانتهاء حكم آخرهم سنة ٧٨٤ هـ انتهى عصر المماليك البحرية (٣)، إلا أنه كان معظمهم بمقتضى الوراثة يُولَّى السلطنة طفلًا أو صبيا (٤) ويعين وصي أو نائب من أمراء المماليك للقيام بمهمات الحكم ريثما يتأهل ولي العهد لذلك، فكان هذا مولدا.

стр. 82

للاضطرابات بعد وفاة الناصر، بحيث لو قسمت مدة حكم ذرية الناصر وهي ٢٣ سنة على عددهم وهو ١٢ لخص الواحد أقل من عامين، وذلك لأن النواب والأوصياء كانوا يتطلعون للانفراد بالحكم، وتظهر زعامتهم، فيتذرعون لإقصاء السلطان الأصلي بشتى الوسائل، أو قتله، حتى إن أول أبناء الناصر لم يتم في الحكم ٣ شهور وقبض عليه وقتل منفيًا (١) كما قتلوا غيره من إخوته (٢). وبذلك كانت تقوم المنازعات والقتال بين أنصار الفريقين أو غيرهم من الأمراء الطامعين في الحكم (٣)، حتى كانوا يتقاتلون في شوارع القاهرة بين حين وآخر (٤)، بل في الحرمين الشريفين (٥)، وسجل العراقي (٦) كثيرًا من ذلك في ذيله على «العبر» للذهبي، مما جعل عامة الشعب في مصر والشام والحجاز تعاني آثار ذلك، دون أن يملكوا تغيير الأمور، ويذكر لنا ولي الدين ابن العراقي (٧) ثورة للعامة كانت سنة ٧٧٠ هـ ضد والي القاهرة «بكتمر» وبعض أعوانه، وتجمعوا حول القلعة فرسم السلطان بتفريقهم، فطاردهم الجند،

стр. 83

حتى دخلوا بالخيل جامع الحاكم بأمر الله، وقتلوا بعضهم، ثم نودي في اليوم التالي بالأمان وعزل «بُكْتُمُر»، هذا بالإضافة لما كانت تقوم به القبائل العربية التي كانت تقيم في صعيد مصر، والبحيرة والشرقية، والشام من ثورات لانتزاع الحكم، أو الامتناع عن دفع الخراج للدولة، ومن غارات للسلب على عواصم المدن، كأسيوط والإسكندرية والقاهرة، وبذلك تضعضعت أحوال البلاد حتى تجرأ الصليبيون بعد تطهير البلاد منهم - كما أسلفنا - على غزو مصر سنة ٧٦٧ هـ في عهد الأشرف شعبان، ثاني أحفاد الناصر، وكان في الحادية عشر من عمره ووصيه الأمير «يَلْبُغَا» المعروف بظلمه وكبريائه، مما جعله يهزأ بخبر عزم ملك قبرص على القيام بتلك الحملة، بدلا من الاستعداد لها، وفعلا جاءت الحملة من قبرص، وهاجمت الإسكندرية في توقيت مقصود، وهو يوم الجمعة ٢٤ محرم، حين تجمع المسلمين في المساجد للصلاة، ولم يكن أمير الإسكندرية بها، لغيابه في الحج، فاحتلوا المدينة بسهولة، وأحرقوا المساجد، وخربوا الزوايا، واستباحوا المدينة عدة أيام، ثم أجلوا عنها مثقلين بالمنهوبات ومصطحبين كثيرا من الأسرى، من مسلمين ويهود ونصارى، ولم يصل «يلبغا» بجيشه الكثيف إلا بعد مغادرة الحملة للمدينة وهي خراب، تعج بجثث الشهداء، فأمر بإصلاح التخريب ودفن الشهداء (١)، وتصنيع سفن حربية لقتال الفرنج (٢). وقد أرّخ العراقي في «ذيله على وفيات النقلة» للمنذري، لبعض شهداء هذه المعركة من العلماء الذين سمع منهم الحديث في رحلته للإسكندرية قبل هذه

стр. 84

المعركة، لسماع الحديث كما سيأتي، وصور بشاعة استشهاده بأنه صعد مئذنة بعض المساجد للأذان، فصعد إليه أحد الصليبيين وألقى به من فوق المئذنة (١). أما ولي الدين ابن العراقي فأرخ الموقعة وأحداثها ووصفها بقوله: «وكانت أَحَدُ الدواهي على الإسلام» (٢). وجدير بالذكر أنه في تلك الموقعة التي غاب فيها دفاع المماليك، ظهرت مقاومة الشعب، حيث تجمع - على عَجَل - عرب البحيرة، وحاولوا صد الهجوم عن المدينة، لكنهم لم يصمدوا (٣) لعدم تكافئهم مع جيش نظامي كبير، ولم يكن من سياسة المماليك تكوين جيش من الشعوب المحكومة لهم في مصر أو غيرها، خوفًا من قضائه عليهم، وليس تقصيرًا أو قصورًا من الشعب. كما كانت موارد مصر هي مصدر تموينهم وتسليحهم، في كل معاركهم، وتتابع حكم حفيدي الناصر الآخرين، على هذا المنوال، من الضعف والاضطراب، حتى غربت، بنهاية حكم آخرهم، شمس دولة المماليك البحرية، وذلك في سنة ٧٨٤ هـ وخلفتها دولة المماليك البرجية، الذين اشتد جانبهم حينئذ، وكان أول سلاطينهم: الظاهر برقوق، الذي تولى سنة ٧٨٤ هـ وهو الذي دخل بنفسه على الحافظ العراقي، وطلب منه تولي قضاء المدينة المنورة كما أشرنا، وقد توفي برقوق سنة ٨٠١ هـ، فخلفه ولده الناصر فرج، وفي عهده توفي الحافظ العراقي سنة ٨٠٦ هـ.

стр. 85

ولم تفترق تلك المرحلة التي عاصرها العراقي من حكم المماليك البرجية عن الطابع العام للعصر المملوكي الذي أشرنا إليه، فقد قامت الحروب الداخلية بين أمراء المماليك وطوائفهم على أشدها، في مصر والشام على السواء، حتى قتل برقوق خصمه «مِنْطَاش» بحلب سنة ٧٩٥ هـ وحُمِلَت رأسه للقاهرة، فطيف بها الشوارع، وعلّقت على باب «زُوَيْلَة» (١) أحد أبواب القاهرة، كما خَلَعَ الخليفة المتوكل، لتآمره عليه (٢) وبلغت قسوة السلطان فرج أن استهل حكمه بقتل أخويه، ثم قُتِل هو الآخر قتلة شنيعة (٣). كذلك ثار العربان بمصر والشام، متعاونين على برقوق لاستلاب الحكم (٤)، وبلغ به الأمر أن ينفجر باكيا أمام جنوده ومماليكه، لتعقد الأمور دونه (٥)، وما كاد يتم التغلب على مصاعب الداخل، حتى داهم البلاد الشامية هجوم جديد للتتار، على يد تيمورلنك وذلك سنة ٨٠٣ هـ، وبعد أن كان الشرق الإسلامي كله قد استراح من شرورهم ثمانين عاما كما أسلفنا، وبدأ يعمر ما خربوه، ويسترد شيئًا فشيئًا نهضته العلمية والإسلامية، وقد سار تيمورلنك - رغم إسلامه - سيرة سلفيه جنكيز خان وهولاكو، فاكتسح بلاد الشرق الإسلامي حتى بغداد، ثم أسقطها وحرقها مرة أخرى (٦)، ودخل الشام فدمر معظم

стр. 86

أطرافه، واستولى على حلب، وأحرق دمشق، دون أن يستطيع الشام وحده المقاومة (١)، وكان السلطان حينئذ الناصر فرج، لكنه كان صبيًا، وأوصياؤه والقائمون بالأمر في نزاع مع بعضهم، مما جعل خروج السلطان الصغير، والخليفة العباسي على رأس جيش من القاهرة، لملاقاة تيمورلنك، لا يُجدي شيئًا، فهزم قرب دمشق، واضطر فرج لتوقيع صلح مع تيمورلنك، ليخرج بموجبه من الشام، وعاد فرج للقاهرة مهزومًا، على أمل الاستعداد للقاء جديد مع التتار، يزيل به تلك الوصمة التي لا تتفق مع انتصارات أسلافه في حطين وعين جالوت (٢)، كما لا تُذكر بجانبهما. ورغم هذا التدهور السريع في القوى الدفاعية والسياسة الخارجية، فقد كانت هناك مقاومة ناجحة من أمراء الشام لبعض حملات، انتهز الصليبيون تلك الظروف وقاموا بها على بعض سواحل الشام سنة ٧٦٩ هـ، بحيث ظلت المنطقة كما كانت نظيفة منهم (٣)، كما أن هجوم تيمورلنك هذا جاء بعد هدوء استمر ثمانين عاما من عصر العراقي، أمنت فيها مصر والشام والعراق من غزو التتار كما أسلفنا، مما جعل عصر العراقي رغم هذا، أكثر عصور المماليك استقرارًا في سياسته وأحواله الخارجية. أما في الداخل، فإن إنجازات العصر الإصلاحية والعمرانية والثقافية التي ما زالت روائعها باقية إلى الآن، تشهد بأنه رغم الأحداث العديدة السالفة، كان مجموع فترات الهدوء والإصلاح الداخلي أكثر.

стр. 87

عَلى أن هُناك مُلاحظة في تَقييم عصر المَماليك عُمومًا، وَهي أن المُؤرِّخين يَصِلون بِشأن بَعض الحُكَّام لدرجة التَّناقُض، مَع مُعاصَرَتِهم لَهم أو قُربِهم الشَّديد مِنهُم، فمثلا يَصِف المَقريزي وابن تغري بردي، المَلِك الصَّالح إسماعيل، ابن النَّاصر محمد بن قَلاوون، بِأنهُ أعرض عَنْ تَدبير المُلْك، بِإقبالِه على النِّساء والمُطربين (١)، بينما يَصِفهُ مُعاصِره الحافظ العراقي، بأنهُ مِنْ خَير المُلوك (٢)، كَما يَذكر المُتتبعون لِلعَصر عُمومًا: أنهُ يتميز بِاقتران الأحداث والاضطرابات، بِالنشاط العُمراني والثقافي (٣). تِلك هي أَهَّم مَلامح الأَحوال السِّياسية في عصر العراقي وَسَيأتي تَفصيل مَوقِفُه مِنها في مَحَلِّه. وننتقل للأحوال الدَّاخِلية: أحوال العَصر الدَّاخِلية وَصلة العراقي بِها ١ - نِظام الإِدارة: كان السُّلطان هو رَئيس الجِهاز الحُكومي العام، وصاحب السّلطة العُليا في البِلاد، ويليه نائب أو أكثر، يُعِّينُهم لِتصريف الأُمور في غِيابِه لِلحَج أَوْ الجِهاد ونحوهما، وَعندما يَكون السُّلطان صَغيرًا كَما في الحالات التي أَشرنا إليها، يُعّين نائب لَهُ أو وَصي عَليه، يَقوم بِمُهام المَنصب، حَتى بُلوغ السُّلطان رُشده.

стр. 88

أما الخليفة العباسي فلا سلطة له كما أشرنا، غاية ما هنالك أنه كان يؤلف مجلس شورى برئاسة السلطان أيضًا أو نائبه، للبت في الأحداث الخطيرة، كقرار الحرب، أو العزل والترقية، فيكون الخليفة عضوا فيه، بالإضافة لرؤساء قضاة المذاهب، وقائد الجيش، وغيره من كبار أمراء المماليك، لكن لم يكن السلطان ملزما بدعوة هذا المجلس للإنعقاد أو الأخذ برأيه في كل حال (١)، بل كان ذلك مرتبطا بقوة شخصية أفراد المجلس أو بعضهم، كقائد الجيش أو قاضي القضاة، كما سنشير له. وكانت الشام مقسمة إلى نيابات أهمها: دمشق وحلب، وعلى كل نيابة أحد أمراء المماليك، نائبا عن السلطان في إدارتها والدفاع عنها، منفردا أو بالتعاون مع غيره، ويرجع للسلطان في المسائل الخطيرة، أما الحجاز فكانت بها إمارتا مكة والمدينة، ويُعيّن لها أمير من قبل السلطان في مصر، كما كان إقليم مصر مقسما إلى أقسام كالمحافظات الحالية، ولكل منها والي من الأمراء المماليك، بما في ذلك القاهرة. وقد كان بين العراقي وبين بعض سلاطين وأمراء عصره علاقات ومواقف سيأتي توضيحها. وكانت هناك دواوين مُعَدَّة بموظفين وعمال وإمكانيات، للقيام بمرافق الدولة المختلفة، كديوان الجيش وهو أهمها، لاضطلاعه بتجهيز الجيوش المعارك المماليك الباسلة كما تقدَّم، وكديوان الإنشاء الخاص بمراسلات الدولة، وديوان الأحباس وهي الأشياء الموقوفة من قبل الدولة للإنفاق على المؤسسات.

стр. 89

التعليمية والخيرية الآتي ذكرها. ٢ - القضاء وإلزامه بالمذاهب الأربعة: أما جهاز القضاء وإقامة العدل بين الناس، فهو من أخطر أجهزة الدولة، ويقوم به صفوة الأمة من علماء الشريعة، وإليهم يرجع الأمر في سن جميع التشريعات والقوانين المنظمة لمختلف مرافق تلك الدولة المترامية وفئاتها المتعددة، وقد كان القضاء في الدولة الأيوبية التي أعقبتها دولة المماليك مقصورًا على فقهاء المذهب الشافعي فقط، رغم عنايتهم بإقامة المدارس في مصر والشام واليمن والحرمين لتدريس فقه المذاهب الأربعة، وهي الشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي، وذلك للقضاء على المذهب الشيعي، بعد إسقاطهم دولة الفاطميين التي كانت تتبعه في قضائها وتُعلّمه وتنشره، واستمر المماليك على ذلك حتى عصر الظاهر بيبرس، فجعل القضاء بمقتضى المذاهب الأربعة جميعًا سنة ٦٦٥ هـ، وأمر أن لا يرشح للقضاء أو الإدارة إلا من كان مقلدًا لأحد هذه المذاهب، وتحريم ما عداها (١). وقد كان هذا من أسباب شيوع التقليد الذي يُنْتَقَدُ به العلماء، وهو مفروض عليهم كما ترى، بل إنهم حاولوا الاجتهاد في إطاره كما سيأتي، وجعل لقضاة كل مذهب رئيسًا، يُلقب بقاضي القضاة، ويعين نوابًا عنه في مناطق العاصمة، مع احتفاظ قاضي القضاة الشافعي بمكان الصدارة، وتمتعه بميزات

стр. 90

منها، تعيين نواب له في الأرياف، وجعل للجيش أيضا أربعة قضاة يلقبون بقضاة العسكر، وكانت هناك محكمة عليا تُعرف بمحكمة المظالم، ولها مقار تُعرف بدور العدل، في عواصم الشام ومصر، وتعقد في بعض أيام الأسبوع برئاسة السلطان وعضوية قضاة القضاة، للجيش والشعب، وتقدم الدعاوى للسلطان وهو يشاور القضاة، ويعضي رأيهم، ثم قرر السلطان رفع جميع القضايا للقضاء العادي أولا، فإذا لم يرتض الحكم أحد المتخاصمين رفع قضيته لمحكمة المظالم تلك، وبذلك قوي مركز القضاء، وصار الرجوع إليه عاما. كما كان الاحتكام العام حينئذ إلى شريعة الإسلام المستمدة من الكتاب والسنة، في كل شئ من القضايا المدنية والجنائية والإدارية، وبهذا تعددت مسئوليات القضاة، وكثر عددهم وتركز الاعتماد عليهم، وارتبطت مصالح الشعب بكل فئاته بهم، وكانت تُسند إليهم وظيفة مراقبة الأسواق والمرافق، والأخلاق العامة وتُعرف بالحسبة. كما كان يُعين بدور العدل السابق ذكرها، مفتون لإفتاء الناس في كل قضاياهم، وبيان الحلال من الحرام، نظرًا لرجوع الناس حينئذ في مختلف شئونهم للشرع، وبالإضافة لهذا كان القضاة والمفتون يقومون بتدريس الفقه وعلوم القرآن والسنة، والتأليف فيها (١). وبذلك صارت لهذه الطائفة خطورتها، وتعلق بالأكفاء منهم جمهور الشعب، ورأوا فيهم حماة لمصالحهم، ونفعهم في شئون الدين والدنيا، كما

стр. 91

صارت لهم هيبتهم المشروعة في نفوس الحكام، من سلاطين وأمراء، على توالي الدول، لترفعهم عما بأيديهم من المنح والعطايا (١). وعن مغريات المنصب، وعدم المجاملة في الحق ولو لأكبر رأس تملك العزل والتولية والقتل (٢)، فكان حكمهم ينفذ، وفتواهم لا يجد أحد مناصا من الحكم بمقتضاها، ومطالبتهم الحكام بمصالح الناس لا ترد، ويمثل هؤلاء أصدق تمثيل، شيخ العراقي قاضي القضاة الشافعية عز الدين بن جماعة المتوفى سنة ٧٦٧ هـ (٣)، وقرين العراقي أيضا سراج الدين البلقيني المتوفى سنة ٨٠٥ هـ الذي قضى حياته في مناصب الإفتاء والقضاء المدني والعسكري بمصر والشام، حتى صار قاضي قضاة الشافعية (٤) وكذا الحافظ العراقي الذي تولى قضاء المدينة المنورة كما سيأتي، وغيرهم كثيرون، أما من حاد عن ذلك فخان مسؤليته، أو رشى أو ارتشى، أو اختلس، فهو ساقط الاعتبار حتى في عصره (٥). ٣ - المجتمع والاقتصاد: أما المجتمع الذي عاش فيه العراقي بين ربوع الوطن العربي، فكان طبقيا، يضم جنسيات متعددة، وخاصة الأتراك، والأكراد الذين منهم الحافظ العراقي، وعلى رأس الجميع طبقة الحكام، المكونة من السلطان وأمراء

стр. 92

المماليك وطوائفهم التي يتكون منها الجيش، وهؤلاء كانوا أغرابًا عن الشعب العربي، واختلاطهم بالناس محدود، ونظرتهم متعالية، وفي نفس الوقت كانت أراضي مصر والشام مقسمة بينهم إلى إقطاعات، كما كانوا يحتكرون المعادن، ومعظم التجارة الداخلية والخارجية، وإلى جانب ذلك يجمعون الزكاة والخراج وعددًا من الضرائب، ومن سنحت لهم فرصة للثراء كالتجار الذين يلون الحكام من الناحية المالية، فإنهم كانوا عرضة لاقتراض الدولة منهم، مع الإخلال بالسداد، بل وللمصادرة، خاصة عند الأزمات وإعداد الجيوش (١). ومع هذا، لم تجدهم يظهرون للشعب الذي هو مصدر كل إمكانيات انتصاراتهم الخالدة على أعداء الإسلام، إلا ظلالا باهتة، لا تتناسب مع عطائه وأعبائه، بل أظهروا دائما أنهم حكام البلاد ومالكوها وصناع مجدها مع أنهم دخلوا البلاد كسلعة مشتراة بأموالها، وتمتعوا من خيراتها بما يفوق الوصف (٢)، وما يصل إلى الشعب من أجور أو خدمات صحية وعلمية وإنسانية، يُقدم في صورة تفضّل وإحسان من السادة أولياء النعم (٣)، ولابد أن ينالوا عليه الشكر والثناء. أما العلماء الذين كان العراقي واحدًا من أبرزهم، فكان يطلق عليهم المعممون، أو أهل العمامة وأرباب الأقلام (٤)، ومنهم من تمتَّع بنفوذ في الدولة، كالقضاة السابق الإشارة إليهم، وموظفي الدواوين، والحسبة، وهؤلاء

стр. 93

وغيرهم من فقهاء ومحدثين ووعاظ، كانوا محل الإحترام من الحكام والمحكومين على السواء ومَرَدُّ ذلك إلى أن مبادئ الإسلام كانت هي السائدة، والعلماء هم حملتها، ومُعلموها، والقدوة في التمسك بها، وهم أهل الوعي ومصدره، ولذا اهتم الحكام عمومًا بهم لضمان ولاء العامة لهم. ويُصوّر المقريزي ذلك بقوله: «كانوا يرون أن بهم عرفوا دين الإسلام وفي بركتهم يعيشون، وحسب أعظمهم قدرًا أن يُقبل يد الفقيه والقاضي» (١)، ومع هذا كانت تلك المكانة تُحرّك أحيانًا حقد بعض الحكام فيسيئون إليهم (٢)، كما كان من العلماء من لا يتخلق بأخلاقهم، فيسقطه الحكام والمحكومون من نظرهم، ولكن هؤلاء وأولئك كانوا قلة لا تمثل طابعًا عامًا، ومن العلماء من كانت تتوفر له موارد عديدة للرزق، فيكون غنيًا مُترفًا (٣)، ومنهم من كان ضيق العيش، صابرًا، مع العفة وعزة النفس، ومن هؤلاء الحافظ العراقي كما سيأتي. ويتصل بطبقة العلماء جماعات الصوفية! ويُطلق عليهم أيضًا الفقراء، وأكملهم: الجامع بين العلم والعمل، وقد كان الصوفية أكثر تغلغلا في المجتمع من العلماء، لانتشارهم في نجوعه وقراه، إلى جانب المدن والعواصم (٤) بخلاف العلماء الذين كانوا متمركزين في العواصم والمدن، وقد كانت

стр. 94

الأخطار المتربصة بالعالم الإسلامي حينئذ من الشرق والغرب رغم كسر شوكتها، بالإضافة لنزاعات الحكام، والجوائح العامة بالأوبئة والمجاعات، مما جعل الحكام والمحكومين على السواء، يحسون بحاجتهم المستمرة للالتجاء إلى الله تعالى الذي لا يكشف الضر غيره، ولا يؤتي الملك أو ينزعه سواه والالتجاء إلى الله سبحانه هو جوهر التصوف الحق عند أهله، ولهذا مالت نفوس الجميع إليه، والتفوا حول دعاته (١)، واعتقدوا في كراماتهم الدالة على قوة اتصالهم بالله، بحيث نجد كتب التراجم تُطلق على كثير من الصوفية وصف «المُعْتَقد» - اسم مفعول - أي الذي اعتقد الناس كرامته وصلاحه. ويقال أيضًا في ترجمة بعضهم: كان يعتقده السلطان، أو الأمير فلان، أو كان للناس فيه اعتقاد، كما سيأتي بالنسبة لبعض من تربى عنده والد الحافظ العراقي، وعلى هذا تقرب الحكام عمومًا إلى أرباب التصوف، فمنحوهم الأموال واصطحبوهم في الأسفار (٢)، وتنافس السلاطين والأمراء والأميرات والموسرون والموسرات، من الشعب في بناء المنشآت الخاصة بالصوفية، والتي عُرفت باسم الخوانق والربط والزوايا، على امتداد الدولة كلها (٣)، ووقفوا عليها أوقافًا عديدة بحيث توفر لنزلائها كل مطالب الحياة، حتى يتفرغوا للعبادة والتأمل، وقد شاركت المرأة الرجل في سلوك طريق التصوف! ولبس خرقته

стр. 95

فأعدت ربط خاصة بهن (١)، وقد كان يعين لكل منشأة شيخ أو أكثر من جماعتهم، لرعاية شئونها، وتخصص بها دروس للعلم والوعظ، ولم يسمع الرحالة ابن جبير حين شاهد الصوفية على هذا الوضع إلا أن يقول: «وهذه الطائفة الصوفية هم الملوك بهذه البلاد؛ لأنهم قد كفاهم الله مؤن الحياة وفضولها، وفرغ خواطرهم لعبادته من الفكرة في أسباب المعايش (٢)». غير أنه كان لهذه العناية وتوفير سبل العيش السهلة لهم أثر عكسي على التصوف، حيث دفع الكثرة التي كانت تعاني حينئذ شظف العيش إلى الالتجاء لتلك المنشآت للتعيش، وأقاموا رسوم الصوفية الظاهرية، كلبس الخرقة، وأخذ العهد، ونحو ذلك، ولهذا قسم الإمام ابن تيمية معاصر العراقي الصوفية آنذاك إلى ثلاثة أقسام: أولها: صوفية الحقائق، وهم القائمون بأداء الفرائض الشرعية واجتناب المحارم، والتأدب بآداب أهل الطريق، التي هي آداب الشرع مع عدم تمسكهم بفضول الدنيا، وأكثرهم لا يتقيدون بلوازم الخوانق. وثانيها: صوفية الأرزاق، وهم الذين وقفت عليهم الوقوف كالخوانق، ولا يشترط فيهم أن يكونوا من أهل الحقائق، فإن هذا عزيز. وثالثها: صوفية الرسوم وهم المقتصرون على النسبة، فَهَمّهم اللباس والآداب الوضعية، ونحو ذلك، بحيث يظنهم الجاهل منهم وليسوا منهم (٣).

стр. 96

ومع هذا يتضح لنا أن الصوفيين الحقيقيين كانوا قلة، بينما كثر الأدعياء وسيطروا على عقول العامة برسومهم الظاهرة، وأحدثوا في سبيل ذلك كثيرًا من البدع في الاعتقادات والأقوال والأفعال التي لا تعتمد على كتاب ولا سنة، وتجافي تصوف الحقائق، كما سماه الإمام ابن تيمية آنفا، فكان هذا مما جعل القائمين به على الحقيقة، والعلماء وعامة الناس في عصر العراقي، تتعدد مواقفهم من الصوفية كما سيأتي تفصيله في موقف العراقي منهم. ومما ساعد على انتشار التصوف أيضًا في عصر العراقي، أن وحشية الصليبيين في الغرب، والتتار في الشرق، ألجأت الكثيرين من دعاة التصوف وأقطابه كالسيد البدوي، وأبي الحسن الشاذلي إلى الهجرة من مواطنهم، والرحلة إلى مصر التي غدت حصنًا للإسلام، وأقبل أهلها على التصوف وأهله، وآثروهم بخيراتها، مع غاية التقدير، وكانت أسرة العراقي ممن هاجر لمصر من أكراد العراق تحت وطأة التتار، واستقروا بها كما سنوضحه. وبسبب تلك الهجرات امتزج المجتمع المصري والشامي والحجازي بكثير من الجنسيات الإسلامية من الشرق والغرب وعاشوا جميعا أخوة في السراء والضراء، لا تفرقهم الخلافات العارضة، أو النزاعات الداخلية، كما عاش المسلمون والمسيحيون واليهود، في تسامح وتآخ سجله المنصفون من الأوروبيين أنفسهم (١)، وما سجله التاريخ خلاف ذلك يُعد حوادث فردية لا تمثل ظاهرة عامة، كما تعد أقل ما يتصور حدوثه في جو كانت مساعي العدو

стр. 97

الخارجي لا تهدأ، في إذكاء روح التعصب الديني، وافتعاله بين أهل الأديان الثلاثة، لتحقيق أحلامهم الشخصية في حكم الشرق عموما وامتلاك خيراته التي ما زال يُحسد عليها حتى الآن (١). أما أدنى طبقات المجتمع في عصر العراقي فهم أرباب الحرف والصناعات، وأُطلق عليهم (العامة) لكونهم غالبية الشعب، وقد قامت على أكتافهم الزراعة والصناعة الحربية والمدنية، وتشييد ما نراه حتى اليوم من قلاع ومساجد ومدارس وخوانق وربط وزوايا وقصور وغير ذلك. ومع هذا كانوا يعانون من الظلم والجهل والمرض والاحتقار، وضيق العيش، فقد كانت الأرض ورؤوس الأموال ووسائل الإنتاج ملكا للحكام والوجهاء، كما قدمنا والعامة مسخرون فيها، وما يحصلون عليه لا يفي بضروريات الحياة، بالإضافة لإثقالهم بالالتزامات المالية والعينية، واجهادهم في أعمال الشخرة حتى الموت (٢). وفي هذا الوضع السي كانت تعصف بهم من وقت لآخر، ومن قطر لقطر، المجاعات والغلاء، عندما ينخفض النيل، أو تقل الأمطار في البلاد الصحراوية، أو ينتشر الجراد، حتى تؤكل الميتة، وتباع الأولاد رقيقا، ويتعرضون لما كان ينتاب البلاد من الأوبئة، كالطواعين وغيرها (٣)، ولم يكن ما يقوم به الحكام والقادرون من إغاثة في مثل تلك المحن (٤)، وما يتصدقون به عليهم في

стр. 98

المناسبات والمواسم، إلا أعمالاً وقتية، سرعان ما ينتهي أثرها. وقد كان للعراقي موقفه عند تلك الشدائد وتأثره بها كما سنوضحه. وأخيرًا نقول: إن هذا المجتمع بجميع طوائفه، مع انغماسه في التدين عقيدة وقضاء وسلوكًا كما أشرنا، قد شهد ألوانًا من الأمراض الاجتماعية، والانحرافات الأخلاقية والبدع المخالفة للكتاب والسنة. فإلى جانب ظلم الحكام وحواشيهم، انغمس كثير منهم في ملذات الشراب والغناء والنساء (١)، وتبعهم في هذا عدد من عامة الشعب وخاصته، حتى كانت بغايا النساء يُرخَّص لهن من الدولة لقاء ضرائب معينة، إلى أن منع ذلك الظاهر بيبرس (٢)، وكانت الخمر تُصنع والحشيش يُزرع، ويتعاطهما الناس جهارًا، وعرفت شوارع العواصم وميادينها الملاهي والمراقص، وانتشرت الرشوة، حتى صارت طريقًا لولاية المناصب الدينية والدنيوية، كما أسهم كثير من أدعياء التصوف والعلم، في نشر كثير من الخرافات والعادات والتقاليد المنافية للإسلام (٣). لكن الله تعالى يُهيّئ في كل عصر من يُجدّد للأمة الإسلامية أمر دينها، حُكَمًا وعِلْمًا، وقد هيّئ في عصر العراقي من قام بهذا الواجب في القضاء على تلك المفاسد وإعادة الأمور إلى نصابها، كالحاج آل ملك، نائب السلطنة في سنة ٧٤٤ هـ الذي شدَّد في منع بيع الخمر وتعاطيه، وغير ذلك من

стр. 99

المحرمات، وعاقب جماعة كثيرة، ودأب على ذلك، فعف الناس في أيام نيابته عن كثير من المعاصي حتى أعيان الأمراء (١). وقد أشاد العراقي بهمته هذه في (تكملته لشرح الترمذي)، كما سيأتي، وقام رئيس القضاة ورفيق العراقي سراج الدين البلقيني المتقدم ذكره، بإبطال كثير من المظالم والمكوس التي كانت مفروضة على العامة في عصره وأبطل الملاهي (٢). وعقد مجالس الوعظ للترغيب والترهيب، بجانب نشاطه في القضاء والفتوى كما أشرنا حتى عُدَّ مُجدّد المائة الثامنة، كما قام العراقي أيضًا بدوره الآتي تفصيله، فاعتبر مجدد عصره (٣). وبمثل تلك الجهود المتضافرة من ذوي الهمة العالية من حكام وعلماء، في محاربة المفاسد والبدع، ظل المجتمع، بصفة عامة، محتفظا بمسحته الدينية، ومتمسكا بقواعد الإسلام الصحيحة، ونابذا للبدع، والجهالات في عقيدته وسلوكه. الحالة العلمية ومكانة السنة فيها تُعتبر الحالة العلمية لعصر العراقي بحسب مقتضياتها ومقياس عصرها، غاية في الازدهار والخصوبة، سواء في ذلك العلوم الإسلامية بصفة عامة، أو السنة وعلومها بصفة خاصة، ونوضح ذلك فيما يلي: ١ - أن دولة المماليك كانت ثاني دولة تقوم في منطقة مصر والشام والجزيرة.

стр. 100

العربية على نشر عقيدة السنة وعلومها بعد القضاء على دولة الشيعة الفاطمية، فقد عاشت هذه المنطقة، كما هو معروف قرابة مائتي سنة تحت حكم الفاطميين الذين اعتنقوا المذهب الشيعي المعوج، وربوا عليه أكثر من جيلين من شعوب المنطقة، مخالفين بذلك مذهب أهل السنة الذي عليه جماعة المسلمين، والخلافة العباسية القائمة حينئذ ببغداد، فلما كان عام ٥٦٧ هـ أسقط الأيوبيون، وهم سنيون شافعيون، دولة الفاطميين، وأقاموا دولتهم مكانها، فاهتموا منذ اللحظة الأولى بالقضاء على المذهب الشيعي، وإحلال المذهب الشني محله، تحقيقا للوحدة المذهبية مع الخلافة العباسية ومن والاها (١). ففي القضاء، أحلوا مذهب الإمام الشافعي ناصر السنة، محل المذهب الإسماعيلي الشيعي كما قدمنا، أما في التعليم، فإنهم أدخلوا بمصر والشام نظام المدارس الذي كان معروفًا ببلاد العراق، بينما كانت مصر والشام تعتمد حتى عصرهم، في التعليم على المساجد، التي هي مدرسة الإسلام الأولى (٢) فأنشأ الأيوبيون بالإضافة للمساجد نوعين من المدارس، هما: المدارس الفقهية، والمدارس الحديثية، أما المدارس الفقهية فتختص بدراسة فقه المذاهب الأربعة الممثلة لمذهب أهل السنة والجماعة كما ذكرنا في القضاء، وأما المدارس الحديثية، فتختص بالدرجة الأولى بدراسة السنة وعلومها، باعتبارها منطلق جميع المذاهب، بعد القرآن الكريم، فبانتشارها تتكشف حقيقة مذاهب الشيعة والمبتدعة، وأهل السنة على السواء. ويتفق المؤرخون على أن مؤسس الدولة الأيوبية نور الدين محمود بن زنكي

стр. 101

المتوفى سنة ٥٦٩ هـ، هو أول من أنشأ مدرسة تحمل اسم «الحديث» وتختص بدراسة السنة وعلومها، ولم يُعرف حتى الآن من سبقه لذلك (١) مع ملاحظة أنه أنشأ غيرها عددًا من المدارس الفقهية والمساجد (٢)، مما يوحي بأنه قصد بتلك المدرسة إحياء شعار السنة، في مواجهة الشيعة والمبتدعة، وقد حظيت دمشق بأن تكون محل هذا السبق، حيث أنشأ نور الدين تلك المدرسة بها وعرفت بـ «دار الحديث النورية» نسبة إليه وتولى مشيختها حينئذ الحافظ ابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ (٣). وقد انتشرت مدارس الحديث بعد ذلك ببلاد العراق، كالموصل وتكريت وإربيل (٤)، ثم أنشأ الملك الكامل محمد بن أبي بكر، من الأيوبيين أيضًا، دارا للحديث بمصر سنة ٦٢٢ هـ، وعُرفت بـ «دار الحديث الكاملية» نسبة إليه، وقد بقيت حتى درس العراقي بها كما سيأتي، وعلى ذلك فإن قول المقريزي (٥) والسيوطي (٦) ونور الدين علي السخاوي (٧) ومن تبعهم من الباحثين (٨): إن دار

стр. 102

الحديث الكاملية، تُعدُّ ثاني دار عُمِلَتْ للحديث، ليس صحيحًا بهذا التعميم، وقد أكثر الأيوبيون عموما من المدارس ودور الحديث بالشام عن مصر، لكون الشام كانت قاعدة ملكهم، ولتركز معاقل الشيعة فيها حينئذ، حتى أحرق الإسماعيلية حلب سنة ٥٧٥ هـ. وكانت كلما بنيت بها مدرسة لأهل السنة خربوها (١)، وبلغ عدد دور الحديث في دمشق وحدها ثمانية عشر دارًا (٢)، وفي حلب ستة دور (٣)، وجلبوا لها كثيرًا من علماء السنة من الأقطار المجاورة (٤)، وبهذا ارتفع منار السنة بالمنطقة، ونهضت علومها في عصر الأيوبيين، وخرجت المساجد ودور الحديث بالشام ومصر، جيلا رائدًا من حُفَّاظ السنة ونقادها، كالحافظ عبد الغني المقدسي، وابن الصلاح والمنذري وغيرهم. فلما انتزع المماليك الحكم من سادتهم الأيوبيين، وأقاموا دولتهم سنة ٦٤٨ هـ (٥)، واصلوا المسيرة العلمية، مع العناية بالسنة في مواجهة الشيعة الذين ظلت لهم مواقع ظاهرة على امتداد الدولة (٦) رغم جهود الأيوبيين العلمية والحربية في القضاء عليهم كما أشرنا.

стр. 103

٢ - ثم جَدَّ في دولة المماليك عاملان جديدن جعلا المنطقة قاعدة لأكبر نشاط في عصره للعلوم الإسلامية، وفي مقدمتها السنة وعلومها التي هي شعار الدولة الأساسي: أول هذين العاملين وأهمهما: هو تخريب التتار للجناح الشرقي عمومًا للعالم الإسلامي حتى بغداد، وانتقال الخلافة العباسية لعاصمة المماليك في القاهرة كما سلف، على حين كان الصليبيون قد سبقوا لإسقاط الجناح الغربي من الأندلس، وضعضعوا بلاد المغرب، فتحوّل التيار الثقافي الإسلامي عامة إلى دولة المماليك، من مصر حتى الحرمين نتيجة لذلك ويُقرر العلامة ابن خلدون والإمام الذهبي وهما من شهود العصر وعيون الخبرة بالتاريخ والحديث: أنه على رأس القرن السابع الهجري، وخلال الثامن، حيث عاش العراقي معظم حياته، كان نشاط العلوم الإسلامية، وفي مقدمتها السنة، يكاد ينحصر في مناطق دولة المماليك، وبعض الأقطار القليلة بجوارها كتونس في الغرب، وجنوب شرق العراق في الشرق، وما عدا ذلك من حواضر الإسلام في الماضي شرقا وغربا، طُوي منها بساط تلك العلوم وأصبحت أثرًا بعد عين (١). أما العامل الثاني: فهو توفر الإمكانيات المادية لدى المماليك أكثر من الأيوبيين، وتركز ثروات

стр. 104

البلاد في أيديهم كما قدمنا، فاستطاعوا الإنفاق بسخاء على العلم والعلماء، كما أنه بعد قضائهم على الصليبيين، وقهر التتار قبيل مولد العراقي كما أسلفنا، هدأت الحروب الخارجية مدة طويلة، وبذلك تهيأ المناخ لتركز العلماء، ونهضة العلوم الإسلامية في المنطقة. وقد تقدم أن المؤرخين اتفقوا على أن العصر الذي ولد فيه العراقي ونشأ وهو عصر الناصر محمد بن قلاوون، كان أزهى عصور المماليك في مختلف الجوانب، ولا سيما الجانب العلمي، وفي مقدمته علوم السنة، ورغم الاضطراب الداخلي بعد الناصر كما قدمنا، إلا أن العاملين الدافعين للنهضة العلمية ظلا باقيين يؤتيان أعظم الثمار. فقد استمر هدوء الحروب الخارجية معظم حياة العراقي البالغة ثمانين عاما، فكان ذلك مما جعل الناس في الداخل يستشعرون الأمن والاستقرار فينبعثون لترميم جوانب حياتهم، وتعويض المفتقد منها، وعلى رأس ذلك الاهتمام بتراثهم العلمي، تعلما وتعليما وتأليفا، يُعوّض ما أعدمته وحشية التتار، وتعصب الصليبيين. ومن جهة أخرى أتاحت تلك الهدنة الطويلة، للحكام أن يتجهوا لأحوال الدولة الداخلية، ويتعهدوها بالإصلاح والتنمية، وأبرز ما عنوا به، هو العلم والعلماء، ولم يكن تقاتلهم المتعدد على الحكم بعد الناصر، وانغماس بعضهم في الملذات، وتورط كثير منهم في المعاصي، حائلا دون ذلك، بل على العكس، فإنه دفعهم إلى التسابق في خدمة العلوم الإسلامية، إما تكفيرًا عن خطاياهم وطلبا لعون الله ورضوانه، تبعا لتدينهم كما يُقرر ابن خلدون (١).

стр. 105

وإما ليثبت كل منهم وجوده، ويخلد ذكره، فيحظى أمام منافسيه بولاء العلماء وعامة الناس، كما يقرره غيره (١)، هذا فضلا عن الهدف العام الذي نيط بهم، وهو مناهضة بقايا المذهب الشيعي، بنشر السنة وعلومها، واحتضان العلوم الإسلامية، بعد تلاشي مراكزها شرقا وغربا، كما أوضحنا، ومهما تعددت الدوافع والأسباب، فإن الذي نشاهده حتى اليوم من آثارهم، وتراث عصرهم، وخاصة في زمن العراقي، خير دليل على وجود التسابق حينئذ بين السلاطين والأمراء والأميرات (٢)، في النهوض بالحركة التعليمية، والتوسع فيها بطرق متعددة منها: إصلاح المنشآت التعليمية، التي كانت قائمة من قبل وهي المدارس الفقهية ودور الحديث والمساجد (٣). ومنها: إدخال التعليم في المنشآت الصوفية، من خوانق وربط وزوايا، بحيث صارت تؤدي هدفا مزدوجا، يجمع بين التعليم، والتربية الصوفية. ومنها: إكثارهم من إنشاء تلك المؤسسات جميعا، سواء المدارس أو المساجد والخوانق والزوايا والربط، التي جعل التعليم غرضا مشاركا فيها، بجانب العبادة، بحيث أصبحت جميعها تعد من المنشآت التعليمية في هذا العصر (٤)، وجدير بالذكر أن المماليك ونساءهم، لم يستأثروا بتلك النهضة،

стр. 106

بل شاركهم الكثير من العلماء والتجار (١) وذوي النفوس الخيرة من عامة رجال الشعب (٢) ونسائه (٣)، وقد بلغ هذا التضافر ذروته في عصر الناصر محمد بن قلاوون، الذي ولد فيه العراقي، ونشأ، حتى صوره المقريزي بقوله: «وكأنما نودي في الناس: أن لا يبقى أحد حتى يَعْمُر، وذلك أن الناس على دين ملكهم» (٤) وبهذا زخرت القاهرة وما يُسمى حاليًا بمصر القديمة وضواحيها، بمؤسسات التعليم، حتى أصبحت متجاورة أو متلاصقة (٥) ولو كان الباني لها شخصا واحدا (٦)، ولعل هذا ما جعل القلقشندي معاصر العراقي أيضًا، يصف شوارع القاهرة حينئذ بأنها شُحنت بالمدارس (٧). ولم تقتصر همة المماليك والشعب على مصر، بل سرت في باقي أرجاء الدولة، ففي الشام تكاثرت المنشآت العلمية بأنواعها (٨) تعويضًا عما تخرب منها خلال القرن السابع وأوائل الثامن، تارة من جهة الصليبيين وأخرى بسبب نزاع الأيوبيين فيما بينهم في آخر دولتهم، ثم هجمات التتار التي توالت عليها

стр. 107

بعد سقوط بغداد (١)، وقد بلغت مدارس دمشق وحدها في عصر العراقي ثلاثمائة واثنين وعشرين مدرسة، عدا دور الحديث السابق ذكرها، وبقية المنشآت الجامعة بين العلم والعبادة من مساجد وخوانق وربط ورزوايا (٢)، هذا بالإضافة لما أنشئ في بقية مدن الشام التي أعيد تعميرها أيضًا بعد تطهيرها من الصليبيين، كالقدس وطرابلس وعكا، وغيرهم مما رحل العراقي إليه لطلب الحديث كما سيجيء. أما مكة والمدينة حيث الحرمين الشريفين، فهما متعلق قلوب المسلمين وجامعتهم الكبرى، وما من حاكم مسلم إلا تمنى الإتصاف بأنه حامي الحرمين، ولذا اهتم المماليك وخاصة الناصر محمد بن قلاوون (٣) وكذا أفراد المسلمين، بإقامة المنشآت العلمية والخيرية في رحاب الحرمين، فضلا عن الأوقاف الكثيرة بمصر والشام على ذمتهما، وقد رحل العراقي لمكة والمدينة وجاور بها، دارسًا ومدرسًا وقاضيا للمدينة كما سيجيء. لكن رغم هذه النهضة الشاملة لكل الدولة، فإن مصر كانت في المركز الأول، ويليها الشام ثم الحجاز، ومرجع ذلك تحول أنظار العالم كله إليها حينئذ بعد أن أصبحت عاصمة دولة المماليك، وحامية الإسلام، ومقر الخلافة العباسية التي ظلت قلوب العالم الإسلامي متعلقة بها كرمز للعلم والدين والوحدة والجماعة، رغم الانفصال السياسي عنها (٤)، ويذكر السيوطي أنه

стр. 108

منذ إحياء الخلافة بمصر، غدت محل سكن العلماء ومحط رجال الفضلاء (١). وقد اتسعت هجرة العلماء إلى مصر جماعات وأفرادا، من أقصى الأندلس غربا وفارس والعراق شرقا، فرارًا بدينهم وعلمهم تحت وطأة الصليبيين والتتار (٢). ومن مدارس مصر حينئذ ما سُمّي بالأندلسية (٣)، كما هاجر إليها طلبا للعلم كثيرون من أنحاء أفريقيا، كغانا ومالي (٤) وزيلع، بل هاجر إليها كثير من العلماء والطلاب من داخل الدولة، كالشام (٥)، وقد ارتبطت حياة العراقي ووجوده بمصر بتلك الهجرات، فأسرته ممن هاجر لمصر من العراق، ثم كان رفيقه في علم تخريج الحديث هو جمال الدين الزيلعي، وعاصر أيضًا أبا حيان الأندلسي، وكان له منه موقف كما سيجيء، وكما كانت مصر مقاما لمهاجري العلماء، كذلك خرج منها علماء ينشرون العلم من جديد بين ربوع البلاد الإسلامية شرقا وغربا (٦)، وقد قدر الحكام والمحكومون في مصر حق التقدير تلك المكانة التي تبوأتها كبديلة عن بغداد وفارس وقرطبة وإشبيلية والقيروان، وغيرهم من الحواضر التي طوي بساط علوم الإسلام فيها حينئذ، فإلى جانب القاهرة التي شحنت شوارعها بالمدارس على حد تعبير القلقشندي شاهد العيان، اتسعت ربوع مصر من الإسكندرية حتى أسوان، لكل من وفد عليها ليعيش بين أبنائها،

стр. 109

ناشرا للعلم، أو طالبا له، وأقيم في مدن الوجه البحري والصعيد من دور العلم ما قرر الرحالة المغربي ابن بطوطة، حين زار مصر في سنة مولد العراقي ٧٢٥ هـ أنها تفوق الحصر مع تعديده لكثير منها (١). أما الرحالة البلوي المغربي أيضًا، فلم يسعه عند زيارة مصر سنة ٧٣٧ هـ إلا أن يقول: إن مصر منبع العلم (٢)، وفي سنة ٧٤٩ هـ كان بجامع عمرو بن العاص وحده بضع وأربعون حلقة علمية لا تكاد تنفض (٣)، وذلك لأن همة المماليك والشعب لم تقتصر على إنشاء دور العلم فقط، وإنما وفروا لتلك المنشآت جميع الإمكانيات اللازمة لقيامها بنشاطها العلمي على الوجه الكامل، فأوقفوا عليها آلاف الأفدنة، من الأرض الزراعية، والعقارات (٤)، واختاروا لها أكفأ المهارات العلمية للتدريس والإدارة، حتى ينتظم الأساتذة والطلاب (٥)، وخصصت لكل من العالم والمتعلم كافة المطالب من مأكل وملبس ومسكن، ورواتب شهرية، بحيث يتفرغ الجميع للعلم والتحصيل والتأليف (٦)، كما ألحقت بمعظم المنشآت التعليمية مكتبات مزودة بالنساخين، لعدم وجود الطباعة حينئذ، وبالأمناء وغيرهم، لتوفير المراجع للطلاب والأساتذة (٧).

стр. 110

وأقيمت أسواق للكتب المختلفة، وحرص على اقتنائها العلماء والأمراء. ولا شك أن ذلك كله خير ما يكفل النهضة العلمية إلى أبعد الحدود، مما جعل العلماء يقبلون على التعليم يشاركهم في ذلك النساء (١)، كما أقبل على التعلم أيضا الطلاب والطالبات، ولم يكن هناك تقيد بسن معين، ولا فرض تخصص معين. وقد سجل ابن خلدون معاصر العراقي هذه النهضة بقوله: «فكثرت الأوقاف لذلك، وعظمت الغلات والعوائد، وكثر طالب العلم ومعلمه، بكثرة جرايتهم منها، وارتحل إليها (مصر) الناس في طلب العلم من العراق والمغرب، ونفقت بها أسواق العلوم، وزخرت بحارها (٢). وجدير بالذكر أنه قد شارك بعض السلاطين والأمراء مشاركة رمزية في تعلم بعض العلوم الإسلامية وتعليمها (٣) والتأليف فيها، كما سيجيء». ولم تكن العناية الكبرى بالنهضة العلمية في عاصمة الدولة ومقر الخلافة، تحول دون العناية بدور العلم السابق ذكرها بالشام والحجاز؛ بل كانت تنال نفس النمط من العناية (٤)، مع التفاوت بطبيعة الحال، تبعا لشدة الإقبال على العاصمة كما أشرنا، وقد عمرت الشام والحجاز في عصر العراقي بمشاهير العلماء كالذهبي والعلائي وغيرهم (٥)، ممن أخذ عنهم العراقي في رحلاته، أو
следующие страницы →