Полный текст (428 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
- أ -
تقديم أ د حسن الشافعي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أحمد الله - تعالى - وأصلي وأسلم على خاتم أنبيائه ورسله، وبعد:
فقد سعدت بقراءة جانب من كتاب «النوادر» للفقيه الحنفي، تلميذ أصحاب الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁ الشيخ معلى بن منصور ﵀ المتوفى سنة ٢١١ هـ.
ومصدر سعادتي أني حنفي الدراسة الفقهية في الأزهر الشريف، وأني من جهة أخرى مشتغل بتحقيق النصوص، وإن كانت أكثر معالجاتي تتناول نصوصا كلامية.
ومن كان مثلي حنفي الهوى - مع الميل والتقدير لسائر أئمة أهل السنة والجماعة، الذين تلقت الأمة مذاهبهم بالقبول - فإن كان أيضا مشتغلا بالتحقيق، فلسوف تتملكه السعادة، حيث إن كتب «النوادر» - وهي تالية في القيمة الفقهية لكتب الأصول، التي خلفها مدون المذهب محمد بن الحسن الشيباني - قد فقدت، أو اختفت في مطاوى خزائن المخطوطات في العالم، حتى وفق الله أخانا العالم الفاضل الشيخ عبد الله العفري، للعثور على نسخة خطية وحيدة - حتى الآن - في العالم لنوادر أبي يعلى ﵀ فهي باكورة هذه النصوص التي نفقدها، وندعو الله - تعالى - أن يعين للكشف عنها بإرادته وتوفيقه.
وللشيخ العفري فضل السبق في استنقاذ هذا الضرب من المؤلفات الفقهية، التي يعتمد عليها الحنفية في عملهم العلمي، وتطبيقاتهم الفقهية؛
стр. 2
- ب -
ويهمني أن أختم هذه الكلمة:
١ - بتهنئة صديقنا العفري على ما وفقه الله إليه من سبق، وما قدم للباحثين من خدمة.
٢ - وأن أحمد له إخراجه للنص بجهد مشكور، وإن لم يخل العمل - كأي جهد بشري - من هنات، نبهت على بعضها، في قراءة النص وتحقيقه.
٣ - ولما قدم به للعمل، وذيله به، من مقدمات ضافية تتعلق بالتحقيق، وبإقراء النسخ، وبأوليات العمل، إلى آخر ما تفضل به في تقديم العمل، ثم في تزييله بالنصوص الدالة على قيمة نوادر المعلى، ومدى انتفاع المؤلفين بها، في كتبهم الفقهية التالية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
أ. د. حسن الشافعي
عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف،
رئيس اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية
стр. 3
- ج -
تقديم: أ د محمود عبد الرحمن عبد المنعم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي زين سماء قلوب من اصطفاهم من عباده بنجوم العلم فاهتدوا بها واهتدى الناس بهم في ظلمات الجهل والأهواء والشبهات، فساروا على نور من ربهم وبينة من دينهم فيما يأتون ويذرون.
وصلوات ربي وسلامه على السراج المنير البشير النذير الذي علم به من الجهالة حتى استنارت القلوب والعقول بنور الوحي وما اقتبس منه، وعلى آله وأصحابه الأقمار الأطهار الأخيار ما بقي الليل والنهار.
وبعد
فإن الفقه بالمعنى الاصطلاحي العام هو معرفة النفس ما لها وما عليها؛ فيدخل فيه كل أمور الدين وجوانبه، وقد خصصوه بعد تمايز العلوم فأضافوا قيدا وهو: (عملا) ليخرج الاعتقاديات والوجدانيات، فيخرج الكلام والتصوف (١).
وحاجة الناس إلى ذلك أعظم من حاجتهم للطعام والشراب والهواء؛ لأن بفقده يفقد الإنسان صلته بربه، ويفقد سعادته الأخروية وهي خير وأبقى، وبفقد الطعام والشراب يفقد الإنسان دنياه، فكيف يعرف الحلال والحرام، وما يصحح العبادات والمعاملات وما يبطلها، وكيف يعرف ما له وما عليه من حقوق الله وحقوق نفسه وحقوق الخلق - حتى البهائم والحشرات - بدون الفقه، ففضله عظيم تعلما وتعليما؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
وقد وردت النصوص المتكاثرة كتابا وسنة، وأقوال الأئمة المتبوعين
_________
(١) التوضيح شرح التنقيح لصدر الشريعة (١/¬١٦) بتصرف وتوضيح.
стр. 4
- د -
حاثة على الفقه ومدى حاجة الناس إليه، بل وغير الناس؛ لأنه بغيابه يظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس بمخالفتهم منهج الله وتعاليم الدين التي لا بد من فقهها والعمل بمقتضاها، قال تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ [التوبة: ١٢٢].
وفي الصحيحين وغيرهما عن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله» (١).
وعن أبي أمامة ﵁ قال: ذكر لرسول الله ﷺ رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال رسول الله: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، ثم قال رسول الله: «إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير» (٢).
وإنما ذكر النملة والحوت ليدل بالأول على دواب البر ومن أصغرها النملة، وبالثاني على أكبر دواب البحر؛ ليشمل سكان الأرض جميعا بعد أن ذكر سكان السماء وهم الملائكة، لعموم نفع العلم العباد جميعا.
والملائكة وإن كانت الطاعة في طبعهم خلقة والعبادة فطرة، وليسوا من أهل الشهوة والمعصية، ولا ينالهم نفع طاعة المطيع ولا ضرر معصية العاصي من بني آدم، إلا أن العلم والعمل به مناسب لطبيعتهم؛ لأنهم أهل طاعة
_________
(١) رواه البخاري، حديث رقم (٧١)، ومسلم، حدث رقم (١٠٣٧).
(٢) رواه الترمذي، حديث رقم (٢٦٨٥)، وقال: حسن صحيح غريب.
стр. 5
- هـ -
فيحبون أمثالهم، حتى ولو لم يكونوا من جنسهم، قال تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به، ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم﴾ [غافر: ٧].
فجميع المخلوقات تنتفع بآثار العلم وبركته وثماره، حتى الملائكة؛ لأن لله حقا في خلقه، والملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان من الروائح الكريهة والمعاصي المقيتة، ومن باب أولى بقية الخلق، فقد نهي عن تعذيب الحيوان، وحرقه بالنار، والتحريش بين البهائم الذي نراه من هؤلاء المتخلفين المدعين للتقدم والحضارة، ونهي بل ولعن من نصب الحيوان هدفا للرمي واللعب والتسلي، ونهي عن اتخاذ ظهور الدواب منابر، واستعمالها في عمل لم تخلق له كاستعمال البقر للركوب، كما جاء في نصوص ثابتة وإشارات واضحة، نفخر بها ونباهي أمم الأرض جميعا بما لا يوجد في دين كما وجد في ديننا وكما نص عليه علماء شريعتنا على اختلاف مذاهبهم وتعددها.
وما أمر الشرع بقتله أو أجيز ذبحه من المخلوقات لمصلحة عالية، نراه قد تعلق به تكليف بإحسان القتل والذبح في نصوص متكاثرة، مما أعتبرها نصوصا حضارية من الطراز الأمثل؛ إذ العلم موجه لكيفية التعامل مع جميع الخلق ما نراه وما لا نراه، فقد وجهنا من خلقهم ويراهم كيف نفعل تجاهه، حتى ليعلمنا كيف ندخل الخلاء لقضاء الحاجة وماذا نقول، مع أننا لا نرى الخبث ولا الخبائث الذين أمرنا بالاستعاذة منهم.
فعن عبد الله بن جعفر ﵁: قال: أردفني رسول الله ﷺ خلفه ذات يوم، فأسر إلي حديثا لا أحدث به أحدا الناس، وكان أحب ما استتر به رسول الله لحاجته
стр. 6
- و -
هدفا، أو حائش نخل، قال: فدخل حائطا لرجل الأنصار فإذا جمل، فلما رأى النبي حن وذرفت عيناه، فأتاه النبي فمسح ذفراه فسكت، فقال: «من رب هذا الجمل، لمن هذا الجمل؟»، فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: «أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه» (١).
ومن الآثار الواردة في فضل الفقه والتفقه في الدين ما جاء عن قتادة قال: باب من العلم يحفظه الرجل لصلاح نفسه، وصلاح من بعده أفضل من عبادة حول.
• وعن الثوري قال: ليس عمل بعد الفرائض أفضل من طلب العلم.
• وعنه أيضا قال: ما أعلم اليوم شيئا أفضل من طلب العلم، قيل له: ليس لهم نية؟ قال: طلبهم له نية.
• وعن الحسن قال: من طلب العلم يريد ما عند الله كان خيرا له مما طلعت عليه الشمس.
• وعن ابن وهب قال: كنت عند مالك قاعدا أسأله، فرآني أجمع كتابي لأقوم، قال مالك: أين تريد؟ قال: قلت: أبادر إلى الصلاة، قال: ليس هذا الذي أنت فيه دون ما تذهب إليه إذا صح فيه النية، أو ما أشبه ذلك.
• وعن الشافعي قال: طلب العلم أفضل من الصلاة النافلة (٢).
_________
(١) رواه أبو داود، حديث رقم (٢٥٤٩)، وروى مسلم، أوله، حديث رقم (٣٤٢)، ومن معاني الألفاظ في الحديث: (هدفا): الهدف: ما ارتفع من بناء ونحوه، ومنه: هدف الرامي، (حائش النخل): نخلات مجتمعة، (ذفراه): ذفرى البعير: هي الموضع الذي يعرق من قفاه، ويجعل فيه القطران، وهما ذفريان.
(٢) هذه الآثار من شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (٢/ ٦٧٤).
стр. 7
- ز -
ثم إن حاجة البشرية إلى الدين ثابت في كل حال من أحوالها، ولا تختص بحالة بداوة ولا حضارة، ولا ساسة ولا سوقة، بل في كل حال ولكل أحد من خلقه.
ولم يترك الله الإنسان لحظة واحدة بدون منهج موجه، وتشريع يسير به في هذه الحياة، يتعامل به مع ربه ونفسه وبقية الخلق جميعا ملائكة إنسا وجنا وجميع دواب الأرض في البر والبحر، وذلك من أول لحظات الهبوط على الأرض.
قال تعالى: ﴿قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (١٢٣) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (١٢٤) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (١٢٥) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (١٢٦) وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٧]، وقال تعالى: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ [القيامة: ٣٦] يعني: لا يؤمر، ولا ينهى (١).
بل إن الشرع الشريف ليقي الإنسان من نفسه وهواها، فقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (٢) أي: لا يضر نفسه ولا يضر غيره؛ فالمعنى: لا ضرر تدخلونه
_________
(١) تفسير الطبري (٢٣/ ٥٢٦).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٣١٣، رقم ٢٨٦٧)، وابن ماجه (٢/ ٧٨٤، رقم ٢٣٤١) قال البوصيري (٣/¬٤٨): هذا إسناد فيه جابر (يعني الجعفي) وقد اتهم. والطبراني (١١/ ٢٢٨، رقم ١١٥٧٦) من حديث ابن عباس.
وأخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٨٤، رقم ٢٣٤٠)، قال البوصيري (٣/¬٤٨): هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع. والبيهقي (٦/ ١٥٦، رقم ١١٦٥٧) من حديث عبادة بن الصامت.
أخرجه الطبراني (٢/ ٨٦، رقم ١٣٨٧) من حديث ثعلبة بن أبي مالك.
стр. 8
- ح -
على أنفسكم، ولا ضرار لغيركم.
وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من نام وفي يده غمر، ولم يغسله فأصابه شيء، فلا يلومن إلا نفسه» (١).
قال الإمام أحمد: ولولا العلم كان الناس كالبهائم، وقال: الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرتين أو ثلاثا، والعلم يحتاج إليه كل وقت (٢).
وقال ابن القيم: فقهاء الإسلام، ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خصوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام؛ فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب، قال الله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ [النساء: ٥٩].
قال عبد الله بن عباس - في إحدى الروايتين عنه - وجابر بن عبد الله
_________
لا ضرر ولا ضرار من ضار ضاره الله ومن شاق شاق الله عليه (مالك وأخرجه مالك (٢/ ٧٤٥، رقم ١٤٢٩)) عن عمر بن يحيى المازني عن أبيه مرسلا. وأخرجه أيضا: الشافعي (١/ ٢٢٤).
وأخرجه الدارقطني (٣/ ٧٧)، والحاكم (٢/ ٦٦، رقم ٢٣٤٥) من حديث أبي سعيد، وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم. وأخرجه عنه البيهقي (٦/ ٦٩، رقم ١١١٦٦).
(١) رواه أبو داود، حديث رقم (٣٨٥٢).
(٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم (٢/ ١٨٢).
стр. 9
- ط -
والحسن البصري وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح والضحاك ومجاهد - في إحدى الروايتين عنه -: أولو الأمر هم العلماء، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (١).
قال إمام الحرمين: وأهم المطالب في الفقه التدرب في مآخذ الظنون في مجال الأحكام، وهذا هو الذي يسمى فقه النفس، وهو أنفس صفات علماء الشريعة (٢).
والفقه في اصطلاح أهل الفقه له فنون متعددة، وأنواع اجتهد علماء المذاهب في جمعها وبيانها، حتى خصوا كل نوع منها بتصانيف خاصة، وما يذكرونه من العلم بالأحكام الشرعية الفرعية التي طريقها الاجتهاد ما هو إلا نوع من أنواع أوصلها علماء الشافعية إلى عشرة وذكر ابن نجيم الحنفي سبعة، وتقبل الإضافة عليها حسبما يعن من جوانب وتقتضيه مصلحة بيان الأحكام وتذليلها للطالبين.
قال الإمام بدر الدين الزركشي: واعلم أن الفقه أنواع:
(أحدها) معرفة أحكام الحوادث نصا واستنباطا وعليه صنف الأصحاب تعاليقهم المبسوطة على مختصر المزني.
(والثاني) معرفة الجمع والفرق وعليه جل مناظرات السلف حتى قال بعضهم: (الفقه فرق وجمع) ومن أحسن ما صنف فيه كتاب الشيخ أبي محمد الجويني، وأبي الخير بن جماعة المقدسي وكل فرق بين مسألتين مؤثر ما لم يغلب على
_________
(١) إعلام الموقعين (١/¬٨).
(٢) غياث الأمم في التياث الظلم (ص: ٤٠٤).
стр. 10
- ي -
الظن أن الجامع أظهر قال الإمام ﵀ ولا يكتفى بالخيالات في الفروق بل إن كان اجتماع مسألتين أظهر في الظن من افتراقهما وجب القضاء باجتماعهما وإن انقدح فرق على بعد. قال الإمام فافهموا ذلك فإنه من قواعد الدين.
(الثالث) بناء المسائل بعضها على بعض لاجتماعها في مأخذ واحد وأحسن شيء فيه كتاب السلسلة للجويني وقد اختصره الشيخ شمس الدين بن القماح وقد يقوى التسلسل في بناء الشيء على الشيء ولهذا قال الرافعي وهذه سلسلة طولها الشيخ، ثم الأكثر بناء الوجهين على قولين أو على وجهين إذا كان المأخذ في الأصل أقوى وأما القولان فينبنيان على القولين وقد ينبنيان على الوجهين، وهو مما يستنكر كثيرا.
وجوابه أن الوجهين مأخذهما قولان، فلم نبن القولين في الحقيقة إلا على قولين.
(الرابع) المطارحات: وهي مسائل عويصة يقصد بها تنقيح الأذهان.
وقد قال الشافعي ﵁ للزعفراني ﵀: تعلم دقيق العلم كي لا يضيع.
(الخامس) المغالطات.
(السادس) الممتحنات.
(السابع) الألغاز.
(الثامن) الحيل، وقد صنف فيه أبو بكر الصيرفي وابن سراقة وأبو حاتم القزويني وغيرهم.
(التاسع) معرفة الأفراد وهو معرفة ما لكل من الأصحاب من الأوجه الغريبة وهذا يعرف من طبقات العبادي وغيره ممن صنف الطبقات.
стр. 11
- ك -
(العاشر) معرفة الضوابط التي تجمع جموعا والقواعد التي ترد إليها أصولا وفروعا وهذا أنفعها وأعمها وأكملها وأتمها وبه يرتقي الفقيه إلى الاستعداد لمراتب الجهاد وهو أصول الفقه على الحقيقة (١).
أما الإمام ابن نجيم الحنفي فاهتم في كتابه الأشباه والنظائر ببيان سبعة فنون من فنون الفقه مستفيدا ذلك من صنيع الإمام تابن السبكي حيث قال فيه: وإن المشايخ الكرام قد ألفوا ما بين مختصر ومطول من متون وشروح وفتاوى، واجتهدوا في المذهب والفتوى وحرروا ونقحوا، شكر الله سعيهم، إلا أني لم أر لهم كتابا يحكي كتاب الشيخ تاج الدين السبكي الشافعي مشتملا على فنون في الفقه. وقد كنت لما وصلت في شرح الكنز إلى تبييض البيع الفاسد، ألفت كتابا مختصرا في الضوابط والاستثناءات منها، سميته بـ «الفوائد الزينية في الفقه الحنفي» وصل إلى خمسمائة ضابطة، فألهمت أن أصنع كتابا على النمط السابق مشتملا على سبعة فنون يكون هذا المؤلف النوع الثاني منها:
الأول: معرفة القواعد التي ترد إليها وفرعوا الأحكام عليها وهي أصول الفقه في الحقيقة، وبها يرتقي الفقيه إلى درجة الاجتهاد ولو في الفتوى.
الثاني: الضوابط وما دخل فيها وما خرج عنها، وهو أنفع الأقسام للمدرس والمفتي والقاضي.
الثالث: معرفة الجمع والفرق.
الرابع: معرفة الألغاز.
الخامس: الحيل.
_________
(١) المنثور في القواعد الفقهية (١/ ٦٩ - ٧١).
стр. 12
- ل -
السادس: الأشباه والنظائر.
السابع: ما حكي عن الإمام الأعظم وصاحبيه والمشايخ المتقدمين، والمتأخرين من المطارحات والمكاتبات والمراسلات والغريبات (١).
ومما عنوا به من جوانب النظر الفقهي ما أسموه بالنوادر، وهي في اصطلاح فقهاء الحنفية مرويات أصحاب أئمة المذهب عنهم في المسائل الفقهية المختلفة. وتنسب تارة إلى الراوي لها عن الإمام محمد، مثل نوادر هشام التي رواها هشام بن عبيد الله الرازي، ونوادر أبي سليمان الجوزجاني، ونوادر المعلى بن منصور الرازي - التي نقدم لها في هذه الكلمات-، والجرجانيات نسبة إلى علي بن صالح الجرجاني، والهارونيات نسبة إلى شخص اسمه هارون؛ وتارة إلى مكان الرواية مثل الرقيات التي رواها محمد بن سماعة عن الإمام محمد عندما كان قاضيا بالرقة. وقد ضاعت معظم هذه النوادر. ويذكر السرخسي وغيره من الفقهاء الأحناف المتقدمين نقولا كثيرة عن هذه النوادر (٢).
ومن المشهور أن مسائل المذهب الحنفي على ثلاث طبقات:
الأولى: مسائل الأصول، وتسمى ظاهر الرواية. وهي مسائل مروية عن أئمة المذهب وهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد. ويلحق بهم زفر بن الهذيل والحسن بن زياد وغيرهما ممن أخذ عن أبي حنيفة. ويسمى هؤلاء بالمتقدمين. ثم هذه المسائل التي سميت مسائل الأصول وظاهر الرواية هي ما وجدت في كتب محمد.
_________
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: ١٤ - ١٥) باختصار.
(٢) مقدمة كتاب الأصل للشيباني لمحققه الدكتور محمد بوينوكالن (ص: ٣٦).
стр. 13
- م -
وفي المنثورة: الكتب التي هي ظاهر الرواية لمحمد، ستة: (الجامع الصغير) و (المبسوط) و (الجامع الكبير) و (الزيادات) و (السير الكبير) و (والسير الصغير).
وإنما سميت بظاهر الرواية لأنها رويت برواية الثقات وتواترت أو اشتهرت عنه.
ومن كتب مسائل الأصول: كتاب الكافي للحاكم، وهو معتمد في نقل المذهب، و (المنتقى) له.
الثانية: مسائل النوادر. وهي مسائل مروية عن أئمة المذهب المذكورين لكن لا في الكتب المذكورة؛ بل في كتب غيرها تنسب إلى محمد، ومنها كتب غير ظاهر الرواية، أربعة: وهي: (الهارونيات) و (الجرجانيات) و (الكيسانيات) و (الرقيات).
أو في كتب غير محمد ككتاب (المجرد) للحسن بن زياد وكتب (الأمالي) لأصحاب أبي يوسف وغيرهم، أو بروايات مفردة مثل رواية ابن سماعة ورواية معلى بن منصور وغيرهما في مسألة معينة.
يقول ابن عابدين: «مسائل النوادر، وهي المروية عن أصحابنا المذكورين، لكن لا في الكتب المذكورة؛ بل إما في كتب غير محمد:
كالمجرد للحسن وغيره، ومنها كتب الأمالي المروية عن أبي يوسف: إما برواية مفردة؛ كرواية ابن سماعة، والعلي بن منصور وغيرها في مسائل معينة» (١).
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١/ ٧٤.
стр. 14
- ن -
وإنما سميت هذه المسائل بالنوادر أو غير ظاهر الرواية لأنها لم ترو بروايات ظاهرة ومشهورة كالمسائل الأولى.
والنوادر تسع، وهي: (نوادر هشام) و (نوادر ابن سماعة) و (نوادر ابن رستم) و (نوادر داود بن رشيد) و (نوادر المعلى) و (نوادر بشر) و (نوادر ابن شجاع البلخي، أبي نصر) و (نوادر أبي سليمان).
الثالثة: الفتاوى والواقعات. وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئلوا عنها ولم يجدوا فيها رواية عن أئمة المذهب المتقدمين. وهم أصحاب أبي يوسف وأصحاب محمد وأصحاب أصحابهما وهلم جرا. وهم كثيرون. فمن أصحاب أبي يوسف ومحمد مثل إبراهيم بن رستم، ومحمد بن سماعة، وأبي سليمان الجوزجاني، وأبي حفص البخاري، ومن أصحاب أصحابهما ومن بعدهم مثل محمد بن سلمة، ومحمد بن مقاتل، ونصير - وقيل: نصر - ابن يحيى وأبي نصر. وقد يتفق لهم أن يخالفوا أئمة المذهب لدلائل ظهرت لهم.
وأول كتاب جمع في فتاواهم كتاب النوازل لأبي الليث السمرقندي. ثم جمع المشايخ بعدهم كتبا أخرى كمجموع النوازل والواقعات للصدر الشهيد (١).
ثم ذكر المتأخرون المسائل في كتبهم مختلطة غير متميزة، وميز بعضهم كرضي الدين السرخسي في المحيط، فإنه يذكر أولا مسائل الأصول، ثم مسائل النوادر، ثم مسائل الفتاوى.
وما نقل عنهم في الكتب، إما الاجتهادات، وإما تخريجات أقوال العلماء المتقدمين، كما يقال هذا القول اختاره مشايخ ما وراء النهر، وأفتى بهذا مشايخ سمرقند.
_________
(١) كشف الظنون ٢/ ١٢٨٢ (بتصرف)
стр. 15
- س -
والغالب على القدماء منهم: الاجتهاد، والترجيح. وهم الذين كانوا ما بين: مائتين، إلى أربع مائة من الهجرة. والغالب على المتأخرين منهم: هم الذين كانوا بعد الأربعمائة الترجيح فقط (١).
وما أحسن أن ينقب عن المفقود أو المطمور من كتب العلم التي هي أصول هذه الصناعة الفقهية لإخراجها وخدمتها بما يدل فهمها للمهتمين بذلك، وبخاصة ما في حكم الضائع المفقود كهذا الكتاب: (نوادر معلى بن منصور) فقد ظن بعض أهل العلم أنه مفقود، لكن يسر الله الكريم بالعثور على نسخة مخطوطة منه، فكان إخراجها أولى ما يهتم به المشتغلون بإحياء التراث.
وقد تصدى لهذه المهمة الأخ الباحث عبد الله العفري لهذه المهمة وشرح الله صدره لخدمة هذا النص النادر الذي طالما نقل عنه أهل العلم قديما فجزاه الله خيرا على ما بذل ويسر له خدمة التراث وجعله من الموفقين.
وأخيرا فإليكم هذه الدرة الثمينة التي لا تقدر بثمن لمن عرف قدرها ووضعها موضعها من كتابات الصناعة الفقهية.
نفعنا الله وإياكم بالعلم ورزقنا العمل به وإيصاله لأهله المعتنين به، إنه على كل شيء قدير.
وكتبه
محمود عبد الرحمن عبد المنعم
_________
(١) مجموعة الرسائل لابن عابدين ١/¬٢٠، ومقدمة كتاب الأصل للشيباني لمحققه الدكتور محمد بوينوكالن (ص: ٣٨ - ٣٩).
стр. 16
- ع -
بين يدي تحقيق كتاب: النوادر المعلى بن منصور (ت ٢١١ هـ)
أ. د. خالد فهمي (كلية الآداب/ جامعة المنوفية)
٠/ مدخل: مثال غير أخير على هدير النور!
يمنحنا هذا الكتاب (نوادر معلى بن منصور، المتوفي ٢١١ هـ) مثالا جديدا ومتجددا عن طبيعة عمل العقل المسلم نحو فقه الكتاب العزيز، وهو ما سميته بهدير النور.
والحقيقة أن تراث «النوادر» تراث عابر للحقول المعرفية في الحضارة العربية الإسلامية تجد تطبيقات له في حقول الفقه، واللغة وغيرهما.
وهو عند التأمل كاشف عن استقرار واضح للمنهجية المنضبطة في تاريخ البحث العلمي في هذه الحضارة، وهي المنهجية التي تفرق بصورة واضحة جدا بين خطاب الأصول وما ورد فيها، وما تخرج على هدي قواعدها، وما خالف هذه الأصول، ولم يستجب للتخريج على قواعدها وهو بعض المفهوم من إطلاق مصطلح النوادر في حقل الفقه الإسلامي
١/ كتاب النوادر المعلى بن منصور مادته وانتماءاته المعرفية وقيمته الحضارية
١/ ١ مادة الكتاب
تضمن هذا الكتاب نحوا من ستين بابا، وهو نموذج مبكر للترتيب الفقهي عند الحنفية الأوائل.
стр. 17
- ف -
وقد بدأ الكتاب بباب الدعوى، وانتهى بباب العتاق والمكاتب والمدبر وأم الولد والحقيقة أن فحص ترتيب أبواب الكتاب يكشف عن جملة من العلامات الحضارية المهمة التي تشير إلى توخي خدمة مقاصد شرعية بالغة الأهمية، لعل أظهر هذه المقاصد هي:
أولا - خدمة مقصد تحقيق السلم المجتمعي والتعايش الآمن، بمحاصرة مادة النزاع، والصراع الاجتماعي، وتجفيف منابعه.
ثانيا - خدمة مقصد تحقيق الحرية الإنسانية، وتوسيع مجالاتها وميادينها.
ثالثا - خدمة مقصد التيسير على الخلق من أوسع الأبواب الشرعية وخدمة تطبيقات التراحم الإنساني.
١/ ٢ الانتماءات المعرفية للكتاب
يكشف فحص خطاب عنوان الكتاب ومؤلفه ومادته عن جملة من الانتماءات المعرفية بالغة الأهمية، وتكمن قيمتها في تهيئة السبيل أمام قرائه ومستعمليه؛ إذ تعين على تشغيله الحضاري في الواقع العملي.
وهذه الانتماءات المعرفية هي:
أولا - حقل دراسات الفقه الإسلامي على مذهب الأحناف
وهو الانتماء المعرفي الأظهر الذي يشر الكتاب إليه بصورة واضحة وبتحكيم قرائن العنوان، والنسبة التأليفية، والمرويات فيه.
ثانيا - حقل دراسات أصول الفقه والاجتهاد.
إن هذا الكتاب بحكم انتمائه المعرفي إلى تراث النوادر في الفقه يعكس
стр. 18
- ص -
نتاج نمط خاص من الاستنباط، وإعمال القواعد الأصولية التي أدت إلى جملة من النتائج التي جاءت غير موافقة لما في أصول المذهب الحنفي في كتابات الأولى والتأسيسية.
ثالثا- حقل دراسات علم اجتماع الدين
إن كثيرا من مسائل الكتاب الموزعة على أبوابه تشير بصورة واضحة جدا إلى ما يمكن معه دراسة أحوال المجتمع الإسلامي الممتد، وطبيعة التغيرات الاجتماعية التي مرت به، وانعكست على الأحكام الفقهية التي تضمنتها كتب النوادر، وأدت إلى مخالفة ما ورد في أصول المذاهب
رابعا- حقل دراسات الاتصال العلمي
يمنحنا هذا الكتاب مثلا جيدا لنمط من أشكال الاتصال العلمي بين أجيال المشتغلين بعلم الفقه الإسلامي في دوائر المذهب الحنفي، وهو ما ينعكس من متابعة المرويات عن أبي يوسف، وتعليقات معلى بن منصور في كثير من الأحيان.
وقضية الاتصال العلمي لها انعكاساتها المعرفية على تطور بنية العلم من جانب تطور أنساق التأليف من جانب آخر.
١/ ٣ قمية الكتاب الحضارية
يمثل هذا الكتاب قيمة حضارية واضحة يمكن تلمس العلامات التالية عليها:
أولا - أولية نص الكتاب في تاريخ الفقه الإسلامي في المذهب الحنفي
стр. 19
- ق -
الذي ألف في القرن الثاني والقرن الثالث الهجريين.
ثانيا - منزلة المؤلف معلى بن منصور المتوفي سنة ٢١١ هـ، وهو تاريخ مبكر جدا أتاح فرص اللقاء بمشيخة المذهب الحنفي الرواد الأصليين.
ثالثا - النسق التاليفي الذي يتيح الفرصة أمام فحص تطور الترتيب في كتب المذهب الحنفي.
رابعا - أولية تحقيقه ونشره إذ لم يسبق أن تنبه إليه أحد من المشتغلين بالفقه الحنفي.
خامسا - قراءة النسخة الخطية التي وصلت إلينا إذ حققه المحقق عن نسخة فريدة، وهو أمر صعب جدا، ولكنه استنقاذ لنص من الضياع والفقد.
سادسا - حماسة المحقق الذي ينتمي عمريا إلى جيل الشباب الذين تمكنهم الطاقة والقدرة على الدأب والجهد
٢/ كتاب النوارد لمعلى بن منصور ٢١١ هـ: خطاب التشغيل الحضاري
لقد تكشف لنا من فحص الانتماءات المعرفية إمكان خدمة هذا الكتاب لعدد من الميادين العملية الحضارية؛ وهو ما يمكننا توظيفه واستثماره من مجالات التشغيل الحضاري، وهذه المجالات الممكنة هي:
أولا - تعزيز معجمات المصطلح الفقهي والأصولي المختصة، ولاسيما ما يختص منها بمصطلحية الفقه الحنفي.
ثانيا - تعزيز بحوث الاتصال العلمي بين علماء الأجيال المعتاقبة في المذهب الواحد
стр. 20
- ر -
ثالثا - تعزيز بحوث أنساق التأليف ولاسيما في الحقب الأولى من تاريخ التصنيف في الحضارة العربية الإسلامية.
رابعا - تعزيز بحوث جمع المرويات في المسألة الواحدة، وتحقيبها على الأزمنة المتعاقبة.
خامسا - تعزيز بحوث أثر التغير الاجتماعي والبيئي في تطوير بحوث الفقه الإسلامي.
سادسا - تعزيز بحوث فحص تطور النظر الأصولي من خلال فحص تطور النظر العقلي، وأثره في الأحكام الفقهية.
سابعا - تعزيز بحوث المنهجية وتطبيقاتها في ميادين الفقه والاجتماع.
٣/ كتاب النوادر لمعلى بن منصور: خطاب موائز العمل والمعالجة
لقد نهض الأستاذ عبد الله العفري بعمل يستحق التقدير من عدة جوانب يمكننا الكشف عنها لمنح الفرصة لتقدير جهده المقدر في هذا العمل.
أولا - إن اختيار هذا النص للعمل عليه، يمثل مثالا فريدا لرعاية المعايير المقدرة في باب اختيار النص للتحقيق، ذلك أنه جاء موافقا بصورة ممتازة للمعايير المعتبرة، وهي فرادة النص، وأوليته، وقيمته في حقل اختصاصه المعرفي.
ثانيا - إن التنبه لطبيعة النسخة الخطية وكونها فريدة وما يمثله ذلك من صعوبات جمة - يمثل حضورا جيدا للوعي لدى المحقق الذي يفرض نوعا من الاحتشاد لخدمة هذا النص، بسبب ظروف العمل عليه في ظل نسخة وحيدة.
стр. 21
- ش -
ثالثا - ظهور الوعي بطبيعة تحقيق النصوص التراثية التي تجمع بين خدمة معالجة النص: نسخا وقراءة وتخريجا وتعليقا، وبين خدمته بالدراسة والتكشيف وصناعة الملاحق اللازمة.
رابعا - ظهور آثار المعرفة الفقهية لدى المحقق وهي المعرفة التي انعكست في تطبيقات التحقيق المتمثلة في:
أ- التخريج من المصادر الفقهية المعتبرة.
ب - التعليق على الآراء من المصادر الفقهية المعتبرة.
إنني سعيد جدا بعمل الابن العزيز الأستاذ عبد الله العفري
في هذا التحقيق،
وأدعو الله له بالتوفيق.
стр. 22
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خاتم النبيين وسيد خلق الله أجمعين الرحمة المهداة للعالمين سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد:
فإن من أعظم نعم الله على الأمة، ومن أجل ما أفاض الله به علينا من نعمة، نعمة الفقه في الدين، واقتفاء سير الأولين، وقد حضنا النبي ﷺ على ذلك فقال فيما أخرجه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ أنه قال: «سمعت النبي ﷺ يقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم ويعطي الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة، أو حتى يأتي أمر الله» (١).
وقد قام على أمر هذا الدين رجال لا كالرجال، نافحوا عنه، وذبوا عن حياضه، فأدوا الأمانة، وحفظوا الرسالة، بداية من عهد الصحابة رضوان الله عليهم ثم الأئمة المهتدين المتبوعين وصولا لعصرنا هذا.
وكما اجتهد العلماء في حفظ أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته، وآثار الصحابة - رضوان الله عليهم - فقد اجتهدوا كذلك في حفظ أقوال الأئمة المتقدمين لقربهم من عصر الرسالة ومعاصرتهم لأئمة الهدى ومصابيح الدجى من الصحابة والتابعين.
_________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٧٣١٢) واللفظ له، ومسلم برقم (١٠٣٧).
стр. 23
ومن ضمن تلك المذاهب، مذهب السادة الحنفية، حيث قام أئمته بحفظ مسائل الأئمة المتقدمين وأقوالهم فيما يسمى بمسائل ظاهر الرواية وهي الكتب الستة التي وضعها الإمام محمد بن الحسن الشيباني وسيأتي بيانها في الدراسة بالتفصيل، وكتب النوادر التي جمعت في طياتها أقوال الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، ثم جاءت في المرتبة الثالثة كتب الواقعات والفتاوى التي خرج فيها علماء المذهب - على أقوال أئمتهم - رأي المذهب في مختلف النوازل التي ألمت بهم، ويمكننا أن نعتبر هذا الحديث المبسط بمنزلة المقدمة الأولى في موضوعنا.
وأما المقدمة الثانية: فهي في الكلام عن تراث الأمة العربية والإسلامية المخطوط، حيث تزخر مكتبات العالم بملايين النسخ الخطية لما أنجزته عقول علماء الأمة الإسلامية في مختلف الفنون والعلوم، وهذا المنجز المعرفي الكبير لا يضاهى من حيث الكم ولا الكيف، فقد دون في وقت كان العلم فيه ناطقا بالعربية، ليس في علوم الشريعة واللغة وحدها، وإنما في شتى العلوم التجريبية والنظرية، وأمام هذا المنجز المعرفي الهائل، يحسن بالباحث الحصيف أن يرتب سلم أولوياته إذا أراد أن يخوض غمار تحقيق هذا التراث ونشره، فلا يقدم ما حقه التأخير للكفاية، ولا يهمل ما حقه الاهتمام والرعاية، وفيما أرى - والله أعلم - فإن أولويات الباحث إذا أراد تحقيق كتاب مخطوط تتلخص في الآتي من محاور:
١ - تحقيق كتاب متقدم، والكتاب المتقدم كتاب مقصود بذاته ولذاته لقربه من عصر الوحي ودائرة التقدم في الكتاب المخطوط أوسع منها في
стр. 24
الاصطلاح العلمي العام فكتب القرن الرابع والخامس والسادس والسابع وحتى الثامن من الكتب المتقدمة لكونها غالبا نقلت عن المتقدمين.
٢ - وبصورة خاصة، كتب الفقه المتقدمة والتراجم والرجال والتاريخ والتفسير وكتب السنة المسندة وتلك كثيرة بل منها أصناف معينة من التأليف تكاد تكون بكرا لم يقربها محقق، ككتب الأمالي والأجزاء الحديثية، وهي كتب مصدرية، يعول عليها في الاستدلال والنظر.
٣ - كتابات الأعلام، فمن غير المقبول أن تكون هناك كتب للحافظ ابن حجر العسقلاني والنووي والذهبي والباجي والقاضي عبد الوهاب وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري وغيرهم لم تطبع بعد، وهم وأمثالهم من أهل تحرير المعارف وضبطها، ومظنة تدقيق العلوم ونقدها!
٤ - الكتب الخادمة للأمهات في العلوم المختلفة كشروح الرسالة والمختصر والبرهان والموطأ وغيرها من الكتب التي دارت حولها العلوم، وانطلقت منها المعارف في أمتنا.
٥ - الكتب ذات المخطوط الواحد، والتي اصطلح على تسميتها بالكتب ذات المخطوط الفريد فإنه بضياع تلك المخطوطة الوحيدة الفريدة يضيع الكتاب للأبد، ولا ينبغي أن نغر بتصوير المخطوطات بصورة رقمية فتلك أيضا ما تزال عرضة للضياع، ودونكم ما حدث بمكتبات العراق عقب ما ألم بها من نوازل.
أخيرا ولأجل ما قدمته، فإني لما وقفت على مخطوطة كتاب نودار معلى بن منصور، ولكونه كتابا متقدما ولواحد من أعلام الفقه الإسلامي في
стр. 25
أمتنا ووجدت الكتاب لم ينشر بعد لا في طبعة حجرية ولا تجارية ولا علمية، فاجتمعت فيه كل دواعي التحقيق والنشر، جمعت عزمي ووجهت قصدي لخدمة الكتاب والعناية به، لقيام الحاجة الماسة لخدمة هذا الكتاب وطباعته، وقد جاء العمل على الكتاب في قسمين، القسم الأول: الدراسة، والقسم الثاني: النص المحقق.
اشتمل القسم الأول: على التعريف بالمذهب الحنفي ومراتب مسائله ومؤلفاته ومنزلة كتب النوادر منها، وأثرها في البناء الفقهي الحنفي استدلالا واستشهادا، ثم التعريف بالإمام معلى بن منصور صاحب النوادر ومكانته في المذهب وأقوال أهل العلم فيه، ومنهجه في الكتاب، ثم تطرقت للحديث عن المخطوط ووصفه وبياناته وختمت هذا كله ببعض الإضاءات والنصائح في تحقيق المخطوط الفريد ومنهج العمل في الكتاب.
واشتمل القسم الثاني: على النص محققا وفقا لقواعد أهل العلم المقررة في صنعة التحقيق، وسنبسط القول في هذا كله في الصفحات التالية.
стр. 26
التعريف بالمذهب الحنفي
المذهب الحنفي: هو عبارة عن آراء الإمام أبي حنيفة وأصحابه المجتهدين في المسائل الاجتهادية الفرعية، وتخريجات كبار العلماء من أتباعهم، بناء على قواعدهم وأصولهم، أو قياسا على مسائلهم وفروعهم (١).
فقد تكون المذهب الحنفي من مجموع آراء علماء المذهب أبي حنيفة المؤسس وأصحابه القاضي أبي يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، وزفر بن هذيل، والحسن بن زياد.
ويؤكد ما سبق من الصبغة الجماعية للمذهب الحنفي العديد من الوقائع التي تبرز هذه الناحية، بالإضافة إلى ما امتازت به الكوفة من رواج العلوم وكثرة العلماء؛ فعن أنس بن سيرين أنه قال: «أتيت الكوفة، فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديث، وأربعمائة قد فقهوا» (٢).
وبهذا يعلم مبلغ أهمية الكوفة في الحديث والفقه والقراءة والعربية، ووجه توارث علومهم جماعة عن جماعة إلى أقدم نبع فياض، وفي هذه البيئة كان المجمع الفقهي الذي يتكون من أربعين عالما يرأسهم أبو حنيفة في تحقيق المسائل، وتدوينها بعد تمحيصها بالدلائل، وكان هذا مما امتازت به الكوفة.
قال ابن أبي العوام: حدثني الطحاوي كتب إلي ابن أبي ثور قال: أخبرني
_________
(١) المذهب الحنفي، أحمد النقيب، دار الرشد - الرياض (١/¬٣٩).
(٢) انظر: المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، الرامهرمزي، الناشر: دار الفكر - بيروت، الطبعة: الثالثة، ١٤٠٤ (٥٦٠).
стр. 27
نوح أبو سفيان قال لي المغيرة بن حمزة: «كان أصحاب أبي حنيفة الذين دونوا معه الكتب أربعين رجلا كبراء الكبراء» (١).
وقال أسد بن الفرات أيضا بهذا السند: قال لي أسد بن عمرو: «كانوا يختلفون عند أبي حنيفة في جواب المسألة فيأتي هذا بجواب، وهذا بجواب، ثم يرفعونها إليه، ويسألونه عنها، فيأتي الجواب من كتب - أي من قرب - وكانوا يقيمون في المسألة ثلاثة أيام ثم يكتبونها في الديوان» (٢).
وضع أبو حنيفة مذهبه شورى بينهم لم يستبد فيه بنفسه دونهم، اجتهادا منه في الدين، ومبالغة في النصيحة لله ورسوله والمؤمنين، فكان يلقي المسائل مسألة مسألة، ويسمع ما عندهم، ويقول ما عنده ويناظرهم شهرا، أو أكثر حتى يستقر أحد الأقوال فيها، ثم يثبتها أبو يوسف في الأصول حتى أثبت الأصول كلها، وهذا يكون أولى وأصوب، وإلى الحق أقرب، والقلوب إليه أسكن وبه أطيب، من مذهب من انفرد فوضع مذهبه بنفسه، ويرجع فيه إلى رأيه» (٣).
طبقات الفقهاء عند الحنفية:
تنوعت تقسيمات الحنفية لمراتب الفقهاء وقد أوصلهم ابن كمال باشا (٤)
_________
(١) انظر: فضائل أبي حنيفة وأخباره ومناقبه، عبد الله بن محمد بن أحمد بن يحيى بن الحارث السعدي المعروف بابن أبي العوام، المكتبة الإمدادية - مكة المكرمة، الطبعة: الأولى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م (١/ ٣٤٢).
(٢) انظر: فضائل أبي حنيفة وأخباره ومناقبه (١/ ٣٤٢).
(٣) انظر: المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية، علي جمعة، دار السلام/ الطبعة الثانية (٩٥).
(٤) هو: أحمد بن سليمان بن كمال باشا، شمس الدين: قاض من العلماء بالحديث ورجاله. تركي الأصل، مستعرب. قال التاجي: قلما يوجد فن من الفنون وليس لابن كمال باشا مصنف فيه. تعلم في أدرنه، وولي قضاءها ثم الإفتاء بالآستانة إلى أن مات. له تصانيف كثيرة،
стр. 28
إلى سبع مراتب، وتقسيمه أشهر تقسيمات الحنفية وأكثرها ذيوعا وانتشارا وقد تنوعت عبارات العلماء في قبوله ورده على نحو ما سنبينه في الآتي:
الأولى - طبقة المجتهدين في الشرع كالأئمة الأربعة:
ومن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول، واستنباط أحكام الفروع عن الأدلة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، على حسب تلك القواعد، من غير تقليد لأحد لا في الفروع ولا في الأصول.
والثانية - طبقة المجتهدين في المذهب:
كأبي يوسف ومحمد، وسائر أصحاب أبي حنيفة القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلة المذكورة على حسب مقتضى القواعد التي قررها أستاذهم أبو حنيفة، فإنهم وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع.
لكنهم يقلدونه في قواعد الأصول، وبه يمتازون عن المعارضين في المذهب ويفارقونهم: كالشافعي ونظرائه المخالفين لأبي حنيفة في الأحكام، غير مقلدين له في الأصول.
والثالثة - طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب:
كالخصاف وأبي جعفر الطحاوي وأبي الحسن الكرخي وشمس الأئمة الحلواني وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، وفخر الدين قاضي خان، وأمثالهم.
_________
منها (طبقات الفقهاء - خ) و (طبقات المجتهدين - ط) و (مجموعة رسائل - ط) تشتمل على ٣٦ رسالة، توفي سنة: ٥٩٤٠. (الأعلام للزركلي: ١/ ١٣٣).
стр. 29
فإنهم لا يقدرون على المخالفة للشيخ، لا في الأصول ولا في الفروع، لكنهم يستنبطون الأحكام من المسائل التي لا نص فيها عنه على حسب أصول قررها ومقتضى قواعد بسطها.
والرابعة - طبقة أصحاب التخريج من المقلدين:
كالرازي وأضرابه.
فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول، وضبطهم للمأخذ، يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم محتمل لأمرين، منقول عن صاحب المذهب، أو عن أحد من أصحابه المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع.
وما وقع في بعض المواضع من «الهداية» من قوله: «كذا في تخريج الكرخي»، و «تخريج الرازي» من هذا القبيل.
والخامسة - طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين:
كأبي الحسن القدوري، وصاحب «الهداية»، وأمثالهما.
وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض أخر، بقولهم: هذا أولى، وهذا أصح رواية، وهذا أوضح، وهذا أوفق للقياس، وهذا أرفق للناس.
والسادسة - طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين القولين الأقوى والقوي والضعيف وظاهر الرواية (وظاهر المذهب) والرواية النادرة:
كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين مثل: صاحب «الكنز» وصاحب «المختار» وصاحب «الوقاية» وصاحب «المجمع»، وشأنهم أن لا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة والروايات الضعيفة.
стр. 30
والسابعة - طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذكر:
ولا يفرقون بين الغث والسمين، ولا يميزون الشمال من اليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب ليل، فالويل لمن قلدهم كل الويل (١).
وهذا التقسيم وإن كان اشتهر وعمل به كثير من الحنفية وارتضوه كطاشكبري زاده (٢) وابن عابدين (٣) وغيرهما إلا أنه لم يسلم من النقد بل والنقد الشديد من أعلام الحنفية أنفسهم كالمرجاني والعلامة محمد زاهد الكوثري وغيرهما.
_________
(١) انظر: رسالتان - مراتب المجتهدين لابن كمال باشا، تحقيق ابن عقيل الظاهري، طبعة مكتبة الجبلاوي (١٣ - ١٥)
(٢) هو: أحمد بن مصطفى بن خليل: أبو الخير، عصام الدين طاشكبري زاده: مؤرخ. تركي الأصل، مستعرب. ولد في بروسة، ونشأ في أنقرة، وتأدب وتفقه، وتنقل في البلاد التركية مدرسا للفقه والحديث وعلوم العربية. وولي القضاء بالقسطنطينية سنة ٩٥٨ هـ فرمد وكف بصره سنة ٩٦١ قال صاحب العقد المنظوم: إذا جاء (القضاء) عمي البصر! له كتاب (الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية - ط) انتهى من إملائه سنة ٩٦٥ بالقسطنطينية، و (مفتاح السعادة - ط) و (نوادر الأخبار في مناقب الأخيار - خ) معجم تراجم، و (الشفاء لا دواء الوباء - ط) رسالة، و (الرسالة الجامعة لوصف العلوم النافعة - خ) وغير ذلك. (الأعلام للزركلي: ١/ ٢٥٧)
(٣) هو: محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي: فقيه الديار الشامية وإمام الحنفية في عصره. مولده ووفاته في دمشق. له (رد المحتار على الدر المختار - ط) خمس مجلدات، فقه، يعرف بحاشية ابن عابدين، و (رفع الأنظار عما أورده الحلبي على الدر المختار) و (العقود الدرية في تنقيح الفتاوي الحامدية - ط) جزان، و (نسمات الأسحار على شرح المنار - ط) أصول، و (حاشية على المطول) في البلاغة، و (الرحيق المختوم - ط) في الفرائض توفي سنة ١٢٥٢ هـ (الأعلام للزركلي: ٦/¬٤٢)
стр. 31
قال العلامة المرجاني (١): «هذا ما ذكر ابن كمال باشا، وقد أورده التميمي (٢) في «طبقاته» بحروفه ثم قال: وهو تقسيم حسن جدا، وأقول: بل هو بعيد عن الصحة بمراحل فضلا عن حسنه جدا، فإنه تحكمات باردة وخيالات فارغة، وكلمات لا روح لها وألفاظ غير محصلة المعنى، ولا سلف له في ذلك المدعى، ولا سبيل له في تلك الدعوى، وإن تابعه من جاء من عقبه من غير دليل يتمسك به، وحجة تلجئه إليه، ومهما تسامحنا معهم في عد الفقهاء والمتفقهة على هذه المراتب السبع، وهو غير مسلم لهم، فلا يتخلصون من فحش الغلط والوقوع في الخطأ المفرط في تعيين رجال الطبقات وترتيبهم على هذه الدرجات (٣).
وقال العلامة الكوثري: ولم يصب في أحد من الأمرين لا في ترتيب الطبقات ولا في توزيع الفقهاء عليها، وإن لقي استحسانا من المقلدة بعده» (٤).
وأهم ما انصب عليه النقد أمران: الأمر الأول في ترتيب الطبقات والأمر
_________
(١) هو: هارون بن بهاء الدين المرجاني القازاني، شهاب الدين: فقيه حنفي من أهل قازان (في روسيا) رحل إلى سمرقند وبخارى في صباه سنة ١٢٥٤ هـ له كتب، منها «خزانة الحواشي لإزاحة الغواشي - ط» «حاشية على التوضيح شرح التنقيح، و ناظورة الحق في فرضية العشاء إن لم يغب الشفق - ط» و «عقيدة شهاب الدين - ط» توفي سنة: ١٣٠٦ هـ (الأعلام للزركلي: ٨/ ٥٩).
(٢) هو: تقي الدين بن عبد القادر التميمي الغزي: فقيه متأدب. جال في البلاد وألف كتابا في (طبقات الحنفية) سماه (الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ط)، وهو أربعة مجلدات، في خزانة حسن حسني عبد الوهاب بتونس، وتوفي بمصر توفي سنة ١٠١٠ هـ. (الأعلام للزركلي: ٢/ ٨٥).
(٣) انظر: ناظورة الحق، شهاب الدين المرجاني، طبعة دار الفتح للدراسات والنشر (١٩٢).
(٤) انظر: حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي، محمد زاهد الكوثري، طبعة المكتبة الأزهرية للتراث (٢٤).
стр. 32
الثاني في توزيع الفقهاء عليها وقد أجملهما الدكتور يعقوب الباحسين ﵀ في كتابه التخريج عند الفقهاء والأصوليين فقال: «بالنسبة إلى الأمر الأول لم يتضح فرق بين الطبقتين الخامسة والسادسة، وذلك لأن أصحاب الطبقة السادسة إن كانوا قادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف وظاهر الرواية وظاهر المذهب والرواية النادرة، فهم من أصحاب الترجيح الذين عدهم ابن الكمال في الطبقة الخامسة، وفي كلامه عن الطبقة الرابعة قال عنهم: (طبقة أهل التخريج)، ولكنه في شرحه لعملهم لم يتضح فرق بين عملهم وعمل أهل الطبقة الخامسة، إذ جعل عملهم تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم محتمل لأمرين، منقول عن صاحب المذهب، أو عن أحد أصحابه المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع. وعلى هذا فهم من أهل الترجيح. والتخريج في استعماله لا يعني غير توجيه الاختيار أو الأخذ بأحد الوجهين.
وأما الأمر الثاني: فإنه وضع طائفة من فحول العلماء في مواضع لا تليق بهم، ونعتهم بالمقلدين، وقال عن بعضهم بأنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلا، فمن ذلك أنه جعل الأئمة الثلاثة من تلامذة الإمام أبي حنيفة في طبقة المجتهدين في المذهب، وأنهم مقلدون في قواعد الأصول. ولم يسلموا له ذلك، بل عدوهم مجتهدين اجتهادا مطلقا، ونفوا أن يكونوا مقلدين له في الأصول. وقالوا: إن أريد بالأصول الأدلة الأربعة - أي الكتاب والسنة والإجماع والقياس -، فهذا لا وجه له، لأن هذه الأصول مستند كل الأئمة، وملجؤهم في أخذ الأحكام فلا يتصور مخالفة غيره له فيها، وإن أريد بها غير ذلك فلا يسلم له
стр. 33
بأنهم لم يخالفوه، بل كان لكل واحد منهم أصول مختصة به، تفرد بها عن أبي حنيفة وخالفه فيها. ومن ذلك (إن الأصول في تخفيف النجاسة، تعارض الأدلة عند أبي حنيفة ﵀ واختلاف الأئمة عندهما). ومما نقدوه فيه في هذا المجال كلامه عن بعض العلماء كالخصاف والكرخي والطحاوي وأبي بكر الرازي، ونعتهم بأنهم مقلدون لا يقدرون على مخالفة أبي حنيفة، لا في الأصول ولا في الفروع. فلم يسلموا له ذلك وأبانوا بأن لهم اختيارات واستنباطات بالقياس، واحتجاجات بالمعقول والمنقول، ولبعضهم كالكرخي والرازي آراء خاصة انفردوا بها عن غيرهم، يعلمها كل من درس علم الأصول» (١).
والحقيقة أن النقد الموجه لتقسيم ابن الكمال محل قبول ووجاهة وهو ما قرره العلامة أبو زهرة (٢) وغيره فلا يسلم له.
ولهذا فقد قسم غيره من علماء الحنفية طبقات المذهب على نحو آخر هو أرجح في الرأي العلمي لديهم كتقسيم الإمام اللكنوي ونورده في الآتي:
تقسيم الإمام اللكنوي (٣):
قسم الإمام اللكنوي طبقات الفقهاء إلى خمس طبقات فقال في النافع الكبير: «الأولى: طبقة المتقدمين من أصحابنا: كتلامذة أبي حنيفة، نحو أبي يوسف ومحمد وزفر وغيرهم، وهم كانوا يجتهدون في المذهب ويستخرجون
_________
(١) التخريج عند الفقهاء والأصوليين (دراسة نظرية تطبيقية تأصيلية)، يعقوب الباحسين، مكتبة الرشد - الرياض (٣٠٦ - ٣٠٧).
(٢) أبو حنيفة حياته وعصره آراؤه الفقهية، الإمام محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي (٤٩٨ وما بعدها).
(٣) هو: محمد عبد الحي بن محمد عبد الحليم الأنصاري اللكنوي الهندي، أبو الحسنات:
стр. 34
الأحكام من الأدلة الأربعة على مقتضى القواعد التي قررها أستاذهم فإنهم وإن خالفوه في بعض الفروع لكنهم قلدوه في الأصول، بخلاف مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، فإنهم يخالفونه في الفروع، غير مقلدين له في الأصول، وهذه الطبقة هي الطبقة الثانية من الاجتهاد.
والثانية: طبقة أكابر المتأخرين: كأبي بكر الخصاف والطحاوي وأبي الحسن الكرخي والحلوائي والسرخسي وفخر الإسلام البزدوي وقاضيخان وصاحب الذخيرة والمحيط البرهاني الصدر برهان الدين محمود والشيخ طاهر أحمد صاحب النصاب وخلاصة الفتاوى وأمثالهم فإنهم يقدرون على الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب ولا يقدرون على مخالفته لافي الفروع ولا في الأصول.
والثالثة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين كالرازي وأضرابه، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول يقدرون على
_________
عالم بالحديث والتراجم، من فقهاء الحنفية. من كتبه (الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة - ط) و (الفوائد البهية في تراجم الحنفية - ط) و (التعليقات السنية على الفوائد البهية - ط) و (الإفادة الخطيرة - ط) في الهيئة، و (التحقيق العجيب - ط) فقه، و (الرفع والتكميل في الجرح والتعديل - ط) في رجال الحديث، و (ظفر الأماني في مختصر الجرجاني - ط) في مصطلح الحديث، و (مجموعة الفتاوي - ط) مجلدان، و (نفع المفتي والسائل، بجمع متفرقات المسائل - ط) فقه، و (التعليق الممجد - ط) على موطأ الإمام محمد الشيباني، و (فرحة المدرسين بأسماء المؤلفات والمؤلفين - خ) و (طرب الأماثل بتراجم الأفاضل) و (إنباء الخلان بأنباء علماء هندستان) توفي سنة: ١٣٠٤ هـ (الأعلام للزركلي: ٦/ ١٨٧).
стр. 35
ءتفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم مبهم محتمل لأمرين منقول عن أبي حنيفة أو أصحابه، وما وقع في الهداية في بعض المواضع: كذا في تخريج الرازي من هذا القبيل.
والرابعة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين: كأبي الحسن أحمد القدوري وشيخ الإسلام برهان الدين صاحب الهداية وأمثالهما وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض بقولهم: هذا أولى وهذا أصح رواية وهذا أوضح دراية وهذا أوفق بالقياس وهذا أرفق بالناس.
والخامسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف وظاهر الرواية ورواية النوادر كشمس الأئمة محمد الكردري وجمال الدين الحصيري وحافظ الدين النسفي وغيرهم مثل أصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين كصاحب المختار وصاحب الوقاية وصاحب المجمع وشأنهم أن لا ينقل في كتابهم الأقوال المردودة والروايات الضعيفة وهذه الطبقة هي أدنى طبقات المتفقهين وأما الذين هم دون ذلك فإنهم كانوا ناقصين عامين يلزمهم تقليد علماء عصرهم لا يحل لهم أن يفتوا إلا بطريق الحكاية كذا ذكره الكفوي أيضا» (١).
مراتب المسائل في المذهب الحنفي ومنزلة النوادر منها:
جاءت المسائل المروية في الفقه الحنفي على ثلاث مراتب أجملها الإمام ابن عابدين في حاشيته على النحو الآتي فقال:
_________
(١) انظر: النافع الكبير، اللكنوي، وهو شرح على الجامع الصغير للإمام محمد بن الحسن الشيباني، طبعة إدارة القرآن والعلوم الإسلامية (٨ - ٩).
стр. 36
اعلم أن مسائل أصحابنا الحنفية على ثلاث طبقات أشرت إليها سابقا ملخصة ونظمتها:
الأولى مسائل الأصول:
وتسمى ظاهر الرواية أيضا، وهي مسائل مروية عن أصحاب المذهب، وهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، ويلحق بهم زفر والحسن بن زياد وغيرهما ممن أخذ عن الإمام، لكن الغالب الشائع في ظاهر الرواية أن يكون قول الثلاثة وكتب ظاهر الرواية، كتب محمد الستة المبسوط والزيادات والجامع الصغير والسير الصغير والجامع الكبير، وإنما سميت بظاهر الرواية؛ لأنها رويت عن محمد بروايات الثقات، فهي ثابتة عنه إما متواترة أو مشهورة عنه.
الثانية مسائل النوادر:
وهي المروية عن أصحابنا المذكورين لكن لا في الكتب المذكورة، بل إما في كتب أخر لمحمد كالكيسانيات والهارونيات والجرجانيات والرقيات، وإنما قيل لها غير ظاهر الرواية؛ لأنها لم ترو عن محمد بروايات ظاهرة ثابتة صحيحة كالكتب الأولى، وإما في كتب محمد كالمحرر للحسن بن زياد وغيره ومنها كتب الأمالي المروية عن أبي يوسف. والأمالي: جمع إملاء، وهو ما يقوله العالم بما فتح الله تعالى عليه من ظهر قلبه ويكتبه التلامذة وكان ذلك عادة السلف، وإما برواية مفردة كرواية ابن سماعة والمعلى بن منصور وغيرهما في مسائل معينة.
الثالثة الواقعات:
وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئلوا عنها ولم
стр. 37
يجدوا فيها رواية، وهم أصحاب أبي يوسف ومحمد وأصحاب أصحابهما، وهلم جرا، وهم كثيرون، فمن أصحابهما مثل عصام بن يوسف وابن رستم و محمد بن سماعة وأبي سليمان الجرجاني وأبي حفص البخاري، ومن بعدهم مثل محمد بن سلمة ومحمد بن مقاتل ونصير بن يحيى وأبي النصر القاسم بن سلام. وقد يتفق لهم أن يخالفوا أصحاب المذهب لدلائل وأسباب ظهرت لهم، وأول كتاب جمع في فتواهم فيما بلغنا كتاب النوازل للفقيه أبي الليث السمرقندي، ثم جمع المشايخ بعده كتبا أخر كمجموع النوازل والواقعات للناطفي والواقعات للصدر الشهيد، ثم ذكر المتأخرون هذه المسائل مختلطة غير متميزة كما في فتاوى قاضي خان والخلاصة وغيرهما، وميز بعضهم كما في كتاب المحيط لرضي الدين السرخسي، فإنه ذكر أولا مسائل الأصول ثم النوادر ثم الفتاوى ونعم ما فعل (١).
ما صح مدركه من النوادر:
قد يكون ما في النوادر أصح مما في ظاهر الرواية باعتبار قوة المدرك، وصحة الرواية به؛ لأن غالب ما في النوادر قد صحت الرواية به، وإن كان بطريق الآحاد، فإذا صحت الرواية به ولو آحادا وساعدته الدراية قدم على ظاهر الرواية.
ألا ترى أن صاحب التحفة قد اختار رواية النوادر، وقدمها على ظاهر الرواية في هلال الأضحى حيث قال: «والصحيح أنه تقبل فيه شهادة الواحد».
_________
(١) رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدن)، ابن عابدن، دار الفكر - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م (١/ ٦٩).
стр. 38
وقد علمت أن صاحب البدائع جعله مذهب أصحابنا إذا كانت السماء متغيمة، وجعل مقابله - وهو: اشتراط العدد - مذهب الكرخي.
وقد جاء في ظاهر الرواية: أنه لا يجوز تقليد التابعي مطلقا، لكن جاء في رواية النوادر: أن قوله كقول الصحابي إذا ظهرت فتواه في زمنهم، وأقروه عليها.
واعتمده فخر الإسلام، وتابعه بعضهم، وجعله هو الأصح، ومثل ذلك وقع من صاحب الهداية وغيره أنهم صححوا أيضا غير ظاهر الرواية.
فمرتبة كتب الأصول الستة عند الحنفية كالصحيحين في الحديث، ومرتبة النوادر كالسنن الأربعة، والمحيط الرضوي كالمصابيح والمشكاة، التي جمعت ما في الصحيحين، وما في السنن الأربعة، وغير ذلك مع التمييز (١).
هذا والمنصوص عليه من كتب النوادر ثمانية كتب هي:
نوادر معلى بن منصور.
نوادر بشر بن الوليد.
نوادر محمد بن سماعة.
نوادر موسى الجوزجاني.
نوادر إبراهيم بن رستم.
نوادر داود بن رشد.
نوادر ابن شجاع.
نوادر هشام الرازي (٢).
ولم يصلنا منها إلا نوادر معلى بن منصور الرازي وهو الكتاب الذي بين أيدينا الآن.
_________
(١) انظر: إرشاد الملة إلى إثبات الأهلة، محمد بخيت المطيعي، طبعة حجرية (٣٥٠)، المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية، علي جمعة، دار السلام للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية (١٢٦).
(٢) انظر: كشف الظنون (١/ ١٢٨٢).
стр. 39
النوادر في كتب الفقه الحنفي الموقع والأثر:
المتتبع لكتب الفقه الحنفي الأمهات يجد أن الاستدلال بالنوادر كان حاضرا بقوة في كافة مناحي الاستدلال الفقهي بداية من التأسيس والتأطير وصولا للاستشهاد والاستئناس، وفيما يلي نورد طرفا من هذا، ليقف القاريء بنفسه على العملية العلمية التي تدور في ذهن الفقيه الحنفي وموطن النوادر منها:
القدر الناقض للوضوء في دم الأنف:
تناول الإمام السرخسي هذه المسألة في المبسوط مبينا أقوال أئمة المذهب في مسألة سيلان الدم من الأنف ما ينقض به الوضوء وما لا ينقض، فقال: «قال (وإن رعف قليلا لم يسل لم ينقض وضوءه)، ومراده إذا كان فيما صلب من أنفه لم ينزل إلى ما لان منه فقد قال محمد - رحمه الله تعالى - في النوادر: إذا نزل الدم إلى قصبة الأنف انتقض به الوضوء بخلاف البول إذا نزل إلى قصبة الذكر؛ لأن هناك النجاسة لم تصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير، وفي الأنف قد وصلت النجاسة إلى موضع يلحقه حكم التطهير فالاستنشاق في الجنابة فرض، وفي الوضوء سنة» (١).
لحوم الإبل الجلالة والعمل عليها:
قال الإمام السرخسي في المبسوط: «وتكره لحوم الإبل الجلالة والعمل عليها، وتلك حالها إلى أن تحبس أياما لما روي أن النبي ﷺ «نهى عن أكل لحم الجلالة، وفي رواية أن يحج على الجلالة ويعتمر عليها وينتفع بها»
_________
(١) انظر: المبسوط، السرخسي، دار المعرفة - بيروت، تاريخ النشر: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م (١/ ٨٣).
стр. 40
وتفسير الجلالة التي تعتاد أكل الجيف ولا تخلط فيتغير لحمها، ويكون لحمها منتنا فحرم الأكل؛ لأنه من الخبائث، والعمل عليها لتأذي الناس بنتنها، وأما ما يخلط فيتناول الجيف وغير الجيف على وجه يظهر أثر ذلك من لحمه، فلا بأس بأكله، والعمل عليه حتى ذكر في النوادر: لو أن جديا غذي بلبن خنزير فلا بأس بأكله؛ لأنه لم يتغير لحمه وما غذي به صار مستهلكا ولم يبق له أثر، وعلى هذا نقول: لا بأس بأكل الدجاجة وإن كانت تقع على الجيف؛ لأنها تخلط، ولا يتغير لحمها ولا ينتن» (١).
فالناظر في صنيع الإمام السرخسي في هذا المحل يجده استحضر رواية النوادر في الاستشهاد على جواز أكل ما يخلط.
مسألة تصرف أحد الوصيين دون الآخر:
في مسألتنا هذه جاءت رواية النوادر مفسرة ومبينة لرواية ظاهر الرواية، واعتمدها المصنف كأصل في بيان صحيح قول المذهب لصور متعددة، قال الجصاص في شرح مختصر الطحاوي: مسألة: [تصرف أحد الوصيين دون الآخر].
قال: «وليس لأحد الوصيين أن يشتري للورثة إذا كانوا صغارا، إلا الكسوة والطعام، وليس له أن يشتري لهم خادما إن احتاجوا إليه، إلا بأمر صاحبه، في قول أبي حنيفة ومحمد.
قال أبو جعفر: وقال محمد بن الحسن في نوادره: ليس لأحدهما أن يفعل
_________
(١) انظر: المبسوط، السرخسي، دار المعرفة - بيروت، تاريخ النشر: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م (١١/ ٢٥٥).
следующие страницы →