← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 30169

الدخيل في تفسير القرآن الكريم

عبد الوهاب عبد الوهاب فايد

Полный текст (409 стр.). Показаны 386–409 · переход к 391.

стр. 386

ثانيا - القاديانية القاديانية نحلة ضالة ظهرت في القرن التاسع عشر الميلادي بالهند، على يد رجل يدعى الميرزا غلام أحمد القادياني. وقد ولد غلام أحمد هذا سنة ١٢٥٢ هـ (١٨٣٩ م)، وكان آباؤه الأولون يسكنون (سمرقند)، ثم رحلوا إلى الهند، واستوطنوا قرية (قاديان) بها، وصارت لهم الرياسة في تلك الناحية، ثم دارت عليهم الدوائر، وانهالت عليهم المصائب، وذهبت عنهم تلك الرياسة، ونهبت أموالهم، إلى أن جاء عهد الاحتلال البريطاني للهند، فرد إلى أبيه بعض القرى، وأعاد له شيئا من المجد القديم. ولما بلغ غلام أحمد أشده تلقى في (قاديان) مبادئ العلوم، ومنها الطب والمنطق والفلسفة، واشتغل بالوظائف فترة من الزمن، وقد أصيب في شبابه بلوثة عقلية، ونوبات عصيبة حادة، وكان يتداوى من مرضه بالأدوية وبعض المواد المسكرة (١). وفي سنة ١٨٧٦ م مرض أبوه، فزعم غلام أحمد أنه نزل عليه وحي من الله بأن أباه سيموت في الغروب، وكان هذا الإخبار - في زعم أتباعه - أول وحي نزل عليه، وأخذ بعد هذا يصرح ببعض آراء، زاعما أنه يتلقاها من طريق الوحي، وكان المسلمون يلاقون هذه المزاعم بالإنكار الشديد (٢).

стр. 387

وقد زعم في أول الأمر أنه مكلف من الله تعالى بإصلاح الخلق على نهج المسيح عيسى ابن مريم ﵇، وأن له إلهامات ومكاشفات إلهية يشهدها من يحضر إليه بقاديان، وتدرج من ذلك إلى ضلالات أخرى وهي: ١ - أن روح المسيح قد حلت فيه. ٢ - وأن ما يلهمه هو كلام الله كالقرآن الكريم والتوراة والإنجيل. ٣ - وأن المسيح سينزل آخر الزمان في (قاديان). ٤ - وأن (قاديان) البلدة المقدسة المكنى عنها في القرآن بالمسجد الأقصى، وهي الثالثة بعد مكة والمدينة. ٥ - وأن الحج إليها فريضة. ٦ - وأنه قد أوحي إليه بآيات تربو على عشرة آلاف آية. ٧ - وأن من يكذبه كافر. ٨ - وأن القرآن ومحمدا وسائر الأنبياء قبله قد شهدوا له بالنبوة، بل عينوا زمن بعثته ومكانها إلى غير ذلك من الضلالات (١). وهذا المذهب للقادياني الذي نادى به غلام أحمد يعتبر ولا شك ثورة على النبوة المحمدية والإسلام. وهذا هو أحد علماء المسلمين في الهند - وهو العلامة أبو الحسن الندوي - رئيس ندوة العلماء بالهند يحدثنا حديثا مستفيضا عن ضلالات هذا المذهب، وخطورته على الإسلام، ويستدل على ذلك بكلام القاديانيين أنفسهم، فيقول: «والحق أن القاديانية - مع الأسف - لم يفطن العالم الإسلامي لخطرها بعد، ولم يتنبه إلى أنها ليست مجرد عقيدة، أو طائفة دينية فحسب وإنما هي مؤامرة منظمة ضد النظام الإسلامي القائم، وثورة ماكرة على الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ ، ومعاندة له، إنها تزاحم الإسلام في كل شيء، وتريد أن تحل محله في العقيدة والفكر

стр. 388

والعاطفة، وأن تستولي على نصيبه من الطاعة والحب والاحترام والتقديس، إنها تتبجح بإعلان تفضيل الغلام القاديان على أكثر الأنبياء أولي العزم من الرسل فضلا عن الصحابة وأولياء هذه الأمة ومجدديها وأئمتها، ولا تعترف بفرق بين أصحابه وأصحاب النبي ﷺ . إنها تقول بمساواته لسيد المرسلين وزيادة، ومساواة خلفائه للخلفاء الراشدين، ومساواة بلده (قاديان) بمكة والمدينة - شرفهما الله - ومساواة الحج إلى (قاديان) بالحج إلى مكة، ففي كتاب (حقيقة النبوة) لمرزا بشير أحمد الخليفة الثاني: «إن غلام أحمد أفضل من بعض أولي العزم من الرسل (ص ٢٥٧) وفي صحيفة (الفضل) - المجلد الرابع عشر - (٢٩ أبريل سنة ١٩٢٧): «إنه كان أفضل من كثير من الأنبياء، ويمكن أن يكون أفضل من جميع الأنبياء»»، وفي صحيفة (الفضل) - المجلد الخامس -: «لم يكن فرق بين أصحاب النبي ﷺ وتلاميذ مرزا غلام أحمد، إلا أن أولئك رجال البعثة الأولى، وهؤلاء رجال البعثة الثانية» (عدد ٩٢ يوم ٢٨ مايو سنة ١٩١٨) وفي صحيفة (الفضل) - المجلد الثالث: مرزا هو محمد ﷺ ، وهو مصداق قوله: ﴿اسمه احمد﴾ (أنوار الخلافة ص ٢١) بل وتقول بفضله على سيد الأولين والآخرين ﵊ فيقول غلام أحمد نفسه في الخطبة الإلهامية (ص ١٧٧): لقد تجلت روحانية النبي ﷺ في الألف الخامس (كذا) بصفات إجمالية، ولم تكن الروحانيات قد بلغت غايتها وأوجها في ذلك العهد القاصر، بل كانت الخطوة الأولى في سبيل ارتقائها وكمالها، ثم تجلت هذه الروحانيات في الألف السادس، زمن المسيح الموءود (غلام أحمد) في أبهى حللها، وأرقى مظاهرها، ويزيد فينشد متطاولا: له خسف القمر المنير وإن لي … غسا القمران المشرقان أتنكر ومما جاء في فضل مدفن (غلام أحمد) ومساواته لمدفن سيد الرسل ﷺ في كتب القاديانيين وصحفهم ما نشرته صحيفة (الفضل) في

стр. 389

عدد (١٨٤٨) من المجلد العاشر الصادر في ديسمبر سنة (١٩٢٢) إعلانا عن قسم التربية في (قاديان): «إن الذي يزور قبة المسيح الموعود البيضاء يساهم في البركات التي تختص بقبة النبي الخضراء في المدينة، فما أشقى الرجل الذي يحرم نفسه من هذا التمتع في الحج الأكبر إلى قاديان»، ويعتقد القاديانيون أن (قاديان) هي ثالثة المقامات الثلاثة المقدسة، يقول محمود أحمد خليفة قاديان: «لقد قدس الله هذه المقامات الثلاث (مكة والمدينة وقاديان) واختار هذه الثلاث لظهور تجلياته» (الفضل ٣ سبتمبر سنة ١٩٣٥) وتتقدم القاديانية خطوة أخرى، فتطبق على (قاديان) مانزل من الآيات في بلد الله الحرام والمسجد الأقصي المبارك، يقول غلام أحمد - في حاشيته على (براهين أحمدية): - إن قوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾ (١) يصدق على مسجد قاديان (ص ٥٥٨)، ويقول في شعر ما ترجمته بالعربية: «إن أرض قاديان تستحق الاحترام، وأنها من هجوم الخلق أرض الحرم» (٢) (در ثمين - مجموع كلمات غلام أحمد ص ٥٢) وجاء في صحيفة (الفضل) - المجلد العشرين عدد (٣٣) -: «أن المراد بالمسجد الأقصى في قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾ هو مسجد قاديان، وإذا كانت (قاديان) تناهض البلد الحرام، وربما تفوق عليه، فلا بد أن السفر إليها يساوى الحج بل يفوق عليه»، وقد جاء في صحيفة (الفضل) - المجلد العشرين - عدد (٦٦): «الحج إلى قاديان حج ظلي إلى البيت الحرام»، وزادت على ذلك صحيفة (بيغام صلح) لسان حال الفرع اللاهوري فنشرت: «إن الحج إلى مكة بغير الحج إلى قاديان حج جاف

стр. 390

خشيب، لأن الحج إلى مكة اليوم لا يؤدي رسالته ولا يفي بغرضه (المجلد ٢١ عدد ٣٣) وهكذا ترشح القاديانية نفسها لتكون دينا عالمياله نبيه وأصحابه وخلفاؤه ومقدساته وتاريخه وشخصياته وأدبه، وتقطع صلة أتباعها ومعتنقيها عن التراث الإسلامي الخالد، وعن التاريخ الإسلامي، وعن الشخصيات الإسلامية، وعن منابع الإسلام الأولى ومصادره، وعن المقدسات الإسلامية، وعن مركز الإسلامي الروحي» (١). وعندما ظهر هذا الرجل في الهند، وأخذ يدعو الناس إلى هذه الضلالات والخرافات تصدى علماء الإسلام في الهند له، وكشفوا للناس عن كذبه وافترائه وفساد دعواه، وحذروا الناس من طاعته واتباعه، ويشرح لنا العلامة أبو الحسن الندوي هذه الجهود المشكورة التي قام بها علماء المسلمين في الهند لمقاومة هذا الرجل الضال وكشف ألاعيبه وأكاذيبه فيقول: «وقد فزع لهذه الفتنة القاديانية علماء الإسلام وقادة الفكر في الهند فحاربوها بأقلامهم وألسنتهم وعلمهم، وذلك أقصى ما كان يمكن في عهد الدولة الإنجليزية التي تبنت هذه الديانة والجماعة، وكان في مقدمة هؤلاء المجاهدين الشيخ محمد حسن البتالوي، ومولانا محمد علي المونكيري مؤسس ندرة العلماء، والشيخ ثناء الله الأمر تسري». والشيخ أنور شاه الكشميري، ومن أنشط الجمعيات والجماعات في محاربة هذه الفئة الباغية جمعية الأحرار، وعلى رأسها وفي مقدمتها الخطيب المصقع السيد عطاء الله البخاري الأمر تسري، ومن هؤلاء الموفقين المعسكر الإسلامي العظيم الدكتور محمد إقبال الذي صرح في مؤلفاته بأن القاديانية ثورة على نبوة محمد ﷺ ، ومؤامره ضد الإسلام، وديانة مستقلة، وأن القاديانية أمة وحدها ليست جزءا من الأمة الإسلامية العظيمة، ولا يخفى أن الدكتور محمد إقبال هو من كبار المثقفين المنورين الذين أنجبهم العالم الإسلامي في العصر الأخير، ومن كبار الدعاة إلى الاتحاد الإسلامي المتمسكين

стр. 391

بمبدأ التسامح، ولكنه - بحكم المجاورة (١) ولاطلاعه الواسع الدقيق على القاديانية وأهدافها ومراميها - كان من أكبر المنكرين عليها، وهو أول من دعا إلى فصل القاديانيين عن المسلمين، واعتبارهم أقلية غير مسلمة، وإلى القارئ بعض الملتقطات من محاضراته ومقالاته: قال الدكتور في رسالة وجهها إلى كبرى صحف الهند الإنجليزية التي أثارت هذه المسألة: (إن القاديانية محاولة منظمة لتأسيس طائفة جديدة على أساس نبوة منافسة لنبوة محمد ﷺ ، وجاء في رده على كلمة البندت (جواهر لال نهرو) رئيس وزراء الهند الراحل الذي تساءل: لماذا يلح المسلمون على فصل القاديانية عن الإسلام، وهي طائفة من طوائف المسلمين الكثيرة؟) قال الدكتور: (إن القاديانية تريد أن تنحت من أمة النبي العربي ﷺ أمة جديدة للنبي الهندي) «وذكر أنها أشد خطرا على الحياة الاجتماعية للإسلام في الهند من عقائد (اسبنوزا) الفيلسوف اليهودي الثائر على نظام اليهود» (٢). ولا غرو في أن يتصدى علماء الإسلام للقاديانية كمذهب منحرف ونحلة شاذة، فإن القاديانية - بالإضافة إلى ما ذكرتا - صنيعة من صنائع السياسة الغربية، وقد حظيت القاديانية بأعظم رعاية من الإنجليز إبان حكمهم للهند، كما حظيت بالتعاطف والتأييد من الهندوس عباد البقر، فقد رحب الزعماء الوطنيون في الهند بالفكرة القاديانية، لأنها تفيض على الهند القداسة، وتولي وجه المسلمين شطر الهند عوضا عن الحجاز، فيتخذونها قبلة ومركزا روحيا، وقد كان بعض الصحف الهندوكية الكبيرة تذكر أن الخلاف في باكستان بين القاديانيين والمسلمين صراع وتنافس بين النبوة العربية وأتباعها والنبوة الهندية وأتباعها (٣).

стр. 392

أما عن العوامل التي ساعدت على قيام هذا المذهب فيرى الدكتور محمد البهي أنه جاء كار لتوجيه الاستعمار الغربي، وأن الدعوة التي دعا إليها السيد أحمد خان في الهند باسم الإصلاح والتقدمية تعتبر مقدمة وتمهيدا لنشأة القاديانية، وفي ذلك يقول الدكتور محمد البهي: (بقيت تعاليم السيد أحمد خان وآراؤه ذات طابع إصلاحي، ولم تصبغ بصبغة العقيدة والمذهب الروحي، فمهما بلغت من التأثير فسيقي مجال للروح الإسلامية الصحيحة تظهر فيه، وتعمل عملها في عدم تنسيق العلاقة بين المسلمين وبين ولاتهم من المستعمرين الصليبين الغربيين، أدرك الإنجليز ذلك وأحسوا مع نشاط السيد أحمد خان وأثر تعاليمه في خلق جماعة بين المسلمين تتشكك في القيم الإسلامية، وتنازل مواطنيهم ومن هم على عقيدتهم منازل الخصومة الفكرية، فتتفرق الكلمة، وتبعد مشكلة الاستعمار الأجنبي عن أن تكون موضوعا من موضوعات هذه الخصومة ولو إلى حين، أدركوا وأحسوا أنهم بحاجة إلى تعديل في الروح الأصيلة وفي موقفها من غير المسلمين، على أن يكون هذا التعديل، أو على أن يصبح مذهبا وعقيدة، له سمة الإيمان والاعتقاد، بدلا من سمة الفكر والمنطق، وبذلك تصبح الفجوة بين المسلمين أعمق وأطول مدى، فإذا كان هذا التعديل لصالح الاستعمار فسيجد أعوانا من المسلمين أنفسهم على المسلمين، وتلك حالة مرغوب فيها الاطمئنان الاستعمار علي مصالحه حينئذ فترة طويلة، إلى أن يجد عامل آخر أقوى من الدين نفسه يجمع الكلمة المفرقة، وينسى المخصومة في المذهب والاتجاه الفكري، فقامت (القاديانية)، وسجل هذا المذهب رسميا في سنة ١٩٠٠ م وله أتباع في البنجاب وأفغانستان وإيران، ولسان حال هذه العقيدة (مجلة الأديان) بالإنجليزية، والتي تصدر كل شهر مرة في (قاديان) منذ ١٩٠٢، وصاحب هذا المذهب وهو ميرزا غلام أحمد - ألف كتابا سماه: (براهين الأحمدية) وخرج الجزء الأول منه سنة ١٨٨٠ وفي هذا الجزء ادعى المؤلف أنه المهدي، ويختلف هذا المذهب مع الإسلام الأصيل في جملة مسائل منها: أن عيسى هاجر بعد أن بعث من موته الظاهري إلى (كشمير) في الهند، لينشر تعليم الإنجيلي في البلاد،

стр. 393

وأنه توفى بعد أن بلغ من العمر ١٢٠ سنة، وأن قبره لم يزل موجودا هناك، وفي ادعاء ميرزا غلام أحمد أنه المهدي يذكر أنه حل فيه عيسى ومحمد على السواء فهو نبي، ومن هذه المسائل أيضا مسألة الجهاد في سبيل الله، فليس الجهاد هو اللجوء إلى القسوة واستخدام أدوات الحرب، ضد غير المؤمنين، وإنما هو وسيلة سلمية للإقناع، وبرأي القاديانية في هاتين المشكلتين على هذا النحو قربوا شقة الخلاف بين المسيحية والإسلام، أو أدجموا أحدهما في الآخر، ثم من جهة أخرى أعلنوا إبطال الجهاد المعروف على عهد الرسول ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين» (١). ومن هذا يتبين لنا أن القاديانية وليد غير شرعي للسياسة البريطانية في الهند، وأنها صورة من صور الاتجاه الفكري الممالئ للاستعمار الغربي، ويشرح لنا العلامة أبو الحسن الندوي أبعاد هذه الصلة المشبوهة والعلاقة المريبة التي تربط غلام أحمد وجماعته بالإنجليز فيقول: «قد تحقق عالميا وتاريخيا أن القاديانية وليدة للسياسة الإنجليزية»، فقد أهم بريطانيا وأقلقها حركة المجاهد الشهير السيد الإمام (أحمد بن عرفان الشهيد (١٢٤٦ هـ)، وكيف ألهب شعلة الجهاد والفداء، وبث روح النخوة الإسلامية والحماسة الدينية في صدور المسلمين في الربع الأول من القرن التاسع عشر المسيحي، وكيف التف حوله وحول دعاته آلاف من المسلمين عانت منهم الحكومة الإنجليزية في الهند مصاعب عظيمة، وكانوا موضع اهتمامها، ورأت السيد محمد أحمد السوداني يقوم في السودان باسم الجهاد والمهدوية، فكاد يقضي على الحكم الإنجليزي في السودان، وكانت شرارة دينية حسب لها الإنجليز كل حساب، ثم رأت دعوة السيد جمال الدين الأفغاني تنتشر في العالم الإسلامي، كل ذلك رأته الحكومة الإنجليزية ودرسته، وعرفت أن طبيعة

стр. 394

المسلمين طبيعة دينية، فالدين هو الذي يثيرها، والدين هو الذي يخدرها، وأن المسلمين لا يؤتون إلا من قبل العقيدة والإقناع الديني وما يكون له طابع ديني. واقتنعت أخيرا بأنه لا يؤثر في المسلمين وفي اتجاههم مثلما يؤثر قيام رجل منهم باسم منصب ديني رفيع، ويجمع حوله المسلمين، ويخدم سياسة الإنجليز، ويؤمنهم من جهة المسلمين وعائلتهم، وفي شخص مرزا غلام أحمد القادياني - الذي كان مضطرب الأفكار والعقيدة، وكان طموحا إلى أن يؤسس ديانة جديدة، ويكون له أتباع ومؤمنون ويكون له مجد واسم في التاريخ مثلما كان للنبي ﷺ وجد الإنجليز وكيلا لهم يعمل بين المسلمين لمصلحتهم، ولم يزل يتدرج من التجديد إلى المهدوية، ومن المهدوية إلى المسيحية، ومن المسيحية إلى النبوة، حتى ثم ما أراده الإنجليز، وقام القادياني بدوره وبما كلف به خير قيام، وحماه الإنجليز، ومكنوه من نشر دعوته، وحفظ القادياني هذه اليد، وعرف الفضل للإنجليز في ظهوره، وقد صرح في بعض كتاباته بأنه غرس غرسته الحكومة الإنجليزية، وقد ذكر في مؤلفاته بكل صراحة - بل بكل وقاحة - ما يدين به للحكومة الإنجليزية من الولاء والوفاء، وما قام لها به من خدمة مشكورة، وإليك ترجمته حرفيا: «لقد قضيت معظم عمري في تأييد الحكومة الإنجليزية ونصرتها، وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب طاعة أولي الأمر الإنجليز من الكتب والنشرات ما لو جمع بعضها إلى بعض لملأ خمسين خزانة، وقد نشرت جميع هذه الكتب في البلاد العربية ومصر والشام وكابل والروم» (ترياق القلوب - تأليف غلام أحمد القادياني ص ١٥). ويقول في محل آخر: «لقد ظللت منذ حداثتي - وقد ناهزت اليوم الستين - أجاهد بلساني وقلمي لأصرف قلوب المسلمين إلى الإخلاص للحكومة الإنجليزية والنصح لها، والعطف عليها، وأنفي فكرة (الجهاد) التي يدين بها بعض جهالهم، والتي تمنعهم من الإخلاص لهذه الحكومة»، (ملحق بكتاب: شهادة القرآن - من قلم غلام أحمد القادياني - الطبعة السادسة ص ١٠).

стр. 395

ويقول في نفس الكتاب: «أنا مؤمن بأنه كلما ازداد أتباعي وكثر عددهم قل المؤمنون بالجهاد، لأنه يلزم من الإيمان بأني مسيح أو مهدي إنكار الجهاد". (ص ١٧) وقال في محل آخر: «لقد ألفت عشرات من الكتب العربية والفارسية والأردية، وبينت فيها أنه لا يحل الجهاد أصلا ضد الحكومة الإنجليزية التي أحسنت إلينا، بل - بالعكس من ذلك - يجب على كل مسلم أن يطيع هذه الحكومة بكل إخلاص، وقد أنفقت على طبع هذه الكتب أموالا كبيرة، وأرسلتها إلى البلاد الإسلامية، وأنا عارف أن هذه الكتب قد أثرت تأثيرا عظيما في أهل هذه البلاد (الهند)، وقد كون أتباعي جماعة تفيض قلوبهم إخلاصا لهذه الحكومة والنصح لها، إنهم على جانب عظيم من الإخلاص، وأنا أعتقد أنهم بركة لهذه البلاد، ومخلصون لهذه الحكومة ومتفانون في خدمتها». (من رساله مقدمة إلى الحكومة الإنجليزية بقلم غلام أحمد) وقد أمدت هذه الحركة وهذه الفئة الحكومة الإنجليزية بخير الجواسيس لمصالحها، وبأصدقاء أوفياء، ومتطوعين متحمسين كانوا موضع ثقة الحكومة الإنجليزية ومن خيار رجالها، خدموا الحكومة الإنجليزية في الهند وخارج الهند، وبذلوا نفوسهم ودماءهم في سبيلها بسخاء، كعبد اللطيف القادياني الذي كان في (أفغانستان) يدعو إلى القاديانية، ويستنكر الجهاد، وخافت حكومة (أفغانستان) أن تقضي دعوته على عاطفة الجهاد والروح الحربية التي يمتاز بها الشعب الأفغاني فقتلته، كذلك الملأ عبد الحيم والملأ نور علي القاديانيان عثرت الحكومة الأفغانية عندهما على رسائل ووثائق تدل على أنها وكيلان للحكومة الإنجليزية، وأنهما يدبران مؤامرة ضد الحكومة الأفغانية، وكان جزاؤهما القتل، كما صرح بذلك وزير داخلية (أفغانستان) سنة ١٩٢٥ م ونقلت ذلك جريدة (الفضل) وهي صحيفة القاديانيين الرسمية بسرور وإعجاب في ٣ مارس من ذلك العام» (١)

стр. 396

هذا - وقد انقسمت القاديانية بعد وفاة علام أحمد وخليفته نور الدين - إلى فرقتين: فرقة (قاديان) وزعيمها محمود بن غلام أحمد، وفرقة (لاهور) ورئيسها محمد على مترجم القرآن إلى اللغة الانجليزية، أما فرقة (قاديان) فأساس عقيدتها أن غلام أحمد نبي مرسل، وأما فرقة (لاهور) فظاهر مذهبها أنها لا تثبت النبوة لغلام أحمد، بل تقول إنه مصلح ديني أو مجدد للإسلام، فهذه الفرقة تميل إلى الاعتدال بعض الشيء في عقيدتها، غير أن كتب غلام أحمد ورسائله تفيض بادعاء النبوة فماذا يصنعون؟ قال الشيخ محمد الخضر حسين ﵀: (ولشعبة (لاهور) ضلالة يبنونها في كتبهم هى إنكار أن يكون المسيح ﵇ ولد من غير أب، وزعيم هذه الشعبة (محمد على) يصرح بأن عيسى ﵇ ابن يوسف النجار، ويحاول تحريف بعض الآيات لتوافق هذه العقيدة، ونشرت مجلتهم الإسلامية التي تصدر في (دو كنج) بانكلترة مقالا للدكتور (مركوس)، وفى هذا المقال: «أن محمدا ﵇ يصرح بأن يوسف أبو عيسى السلام» ولم يعلقوا على هذه الجملة كلمة لأنها جاءت على وفق نحلتهم، وكذلك كان محمد علي - في ترجمته للقرآن يذهب مذهب الترجمة الحرفية، ثم يضع في أسفل الصحيفة حواشي يؤول فيها ما ترجمه حرفيا، ويرتكب في تأويلها وجوها يحذو بها حذو نحلتهم، كما فعل في قوله تعالى: ﴿إنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا باذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى باذن الله﴾ (١) فقد نحا في تأ يلها نحو منكرى المعجزات، وتصرف فى معانيها تصرف من لا يدرى أن القرآن قد نزل بلسان عربي مبين) (٢).

стр. 397

ومما هو جدير بالذكر أن القاديانيين الآن يمثلون خطرا جسيما على الدولة الإسلامية في (باكستان)، فقد استطاعوا بمساعدة الإنجليز الذين قسموا الهند إلى دولتين أن يتغلغلوا في كثير من الوظائف في دولة (باكستان)، وأن يكونوا لهم إمارة خاصة بهم تسمي بالربوة (١)، مما جعل المسلمين في (باكستان) يضجون بالشكوى من تسلط القاديانيين وتغلغلهم، ويطالبون الحكومة الباكستانية بفصل القاديانية عن المجتمع الإسلامي، واعتبارها أقلية غير مسلمة، وفي ذلك يقول الشيخ أبو الحسن الندوي: «وكان أشد من ذلك وأعظم خطرا أن القاديانيين تسربوا في الجيوش الباكستانية واحتلوا مناصب خطيرة في الجيش وفي البوليس، وفي مصلحة الطيران وكونوا فيها أكثرية ساحقة، بحيث يستطيعون أن يحدثوا ثورة في مصلحتهم، ويقبضوا على زمام الحكم متي شاءوا، وقد كونوا إمارة حرة في (بنجاب) تسمى (الربوة) وهي مستعمرة قاديانية لا توظف فيها الحكومة غير قادياني أبدا، حتي على محطة الربوة، ويمكن أن تشبه الربوة في باكستان بإسرائيل في فلسطين، وكلاهما جاثم على صدر المسلمين وقائم منهم بالمرصاد، كل ذلك أفزع المفكرين المسلمين في باكستان، ورأوا فيه الخطر المحدق على باكستان وسيفا مصلتا على رقبتها، ووكالة للمصالح البريطانية في صميم البلاد، وسوسا ينخر في الصرح الإسلامي، خلافا لقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر﴾» (٢). فرأوا أن الحل الحاسم لهذه المشكلة أن تفصل القاديانية المحتلة عن المجتمع الإسلامي، وأن تعاملها الحكومة كأقلية غير مسلمة، وهي الفكرة التي دعا إليها الدكتور محمد إقبال ﵀ بقوة وصراحة، وكررها

стр. 398

في محاضراته ومقالاته ورسائله، وقد صرح بأن القاديانية أبعد عن الإسلام من السك متعصبي الهنادك، وقد جعلتهم الحكومة الإنجليزية أقلية غير هندوكية رغم ما بين هذه الأقلية والهنادك من صلات اجتماعية ودينية وثقافية وأنهم يتناكحون فيما بينهم، بينما القاديانية تحرم مناكحة المسلمين ومصاهرتهم، وقد حظر عليهم مؤسسهم كل ارتباط بالمسلمين بقوله: «إن المسلمين لبن فاسد ونحن اللبن الطازج»، رأى المسلمون في باكستان كل هذا، وآمنوا بأنه لا يمكن أن تكون دولتهم حرة في سياستها وتصرفاتها وفي تنفيذ ما تقتضيه مصالحها السياسية وطبيعتها الإسلامية إلا إذا تحررت - في سياستها وداخليتها - من النفوذ الأجنبي ووكلائه، وقد كان لياقت علي خان ﵀ قد بدأ يشعر في آخر حياته بهذا الخطر، وكان غير مرتاح لهذا الوضع، ثم كان شعوره هذا من أسباب اغتياله كما يقول المطلعون، كل ذلك حمل الجماعات الإسلامية والأحزاب المختلفة، والشخصيات الدينية على الاهتمام بهذه المسألة، فاجتمع منهم ثلاثة وثلاثون ممثلا من رؤساء الجمعيات والجماعات الدينية وكبار علماء باكستان في يناير عام ١٩٥٣ في (كراتشي)، وطلبوا من الحكومة أن تجعل القاديانيين أقلية غير مسلمة لها حقوقها، وأن تخصص لهم ما يستحقون حسب عددهم من المقاعد في البرلمان الباكستاني، وما يستحقون من الوظائف في مختلف المصالح والإدارات حتي لا يستولوا على أداة الحكومة والجهاز الإداري في باكستان، ولا يضايقوا المسلمين في دولتهم التي أسسوها بدمائهم وأشلائهم (١). وبعد: فاعلمك - بما قدمناه لك عن القاديانية - تكون قد وقفت على ضلالاتها والمزاعم الفاسدة التي نادت بها، وعرفت الظروف السياسية التي أوجدتها وأدت الى قيامها، وفهمت الأخطار التي تهدد المسلمين من وجودها في باكستان، وننتقل الآن إلى ذكر طرف من تحريفاتها في مجال التفسير، والله ولي التوفيق.

стр. 399

أمثلة من تحريفات القاديانية في التفسير لطائفة القاديانية تحريفات كثيرة في مجال التفسير، ولا سيما بالنسبة لتفسير الآيات التي تتعلق بموضوع النبوة، والتي يزعم بعضهم أنها تؤيدهم فيما يعتقدون من نبوة (غلام أحمد)، ضاربين عرض الحائط بالآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة التي تفيد - بصورة قاطعة - أن محمدا ﷺ هو خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده، وسنكتفي هنا بذكر أمثلة من تحريفاتهم في هذا المجال، ونكشف النقاب عن وجوه فسادها وبطلانها، حتى لا ينخدع بها مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإليك البيان: المثال الأول: في تفسير قوله تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ (١) ذهب أحد دعاة القاديانية إلى أن (خاتم النبيين) في الآية بمعنى أفضل النبيين أو زينتهم، وأورد في الاستدلال على ذلك أمورا، منها: أن النبي ﷺ قال للعباس ﵁ «أنت خاتم المهاجرين في الهجرة، وأنا خاتم النبيين في النبوة» ومنها: أن العلماء يقولون: فلان خاتم المحققين أو خاتم المجتهدين، والمراد أفضلهم، ومنها: أن الشيخ النحوي صاحب كتاب: (مجمع البحرين) يقول ما نصه: «ومحمد خاتم النبيين، يجوز فيه فتح الثاء وكسرها، فالفتح بمعنى الزينة مأخوذ من الخاتم الذي هو زينة للابسه» (٢).

стр. 400

وقد قام الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين بالرد علي هذا التأويل المنحرف للآية الكريمة، وفند هذه الشبهة التي أقيم عليها هذا التأويل، فقال ﵀ بالنسبة للاستدلال الأول: «وهذا الاستدلال مدفوع بأن الذي ورد في كتاب (أسد الغابة) أن العباس استأذن النبي ﷺ في الهجرة فقال له: (يا عم أقم مكانك الذي أنت فيه، فإن الله تعالى يختم به الهجرة كما ختم بي النبوة) وقرأنا في كتاب (الإصابة): أن العباس هاجر قبل الفتح بقليل، وقرأنا في غزوة الفتح من سيرة ابن هشام أن العباس ﵁ لقي رسول الله ﷺ ببعض الطريق، لقيه بالجحفة مهاجرا بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته، ورسول الله ﷺ عنه راض، فصاحب كتاب (الإصابة) يقول عن العباس ﵁: إنه هاجر قبل الفتح بقليل وابن هشام يقول: لقي رسول الله ﷺ بالجحفة مهاجرا بعياله، فمتى ثبت حديث: (أنت خاتم المهاجرين) صح أن يكون العباس خاتم المهاجرين بمعنى آخرهم، أي آخر المهاجرين من مكة إلى المدينة، لقوله ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح». وداعية القاديانية لم يأت بشاهد علي أن بعض المسلمين قد هاجر بعد العباس، حتى يمتنع أن يكون خاتم المهاجرين بمعنى آخرهم» (١). ثم قام الشيخ الخضر حسين ﵀ بالرد على الاستدلال الثاني فقال: «والداعية لم يورد في مقاله السابق شيئا من كلام العرب يشهد بأن الخاتم إذا أضيف إلى القوم أولى المناصب كان بمعنى أفضلهم أو سيدهم، وإنما أورد عبارات لمن لا يحتج عالم في تفسير كتاب الله تعالى بكلامهم، ولا تتجاوز تلك العبارات وصف أحد الرجال بأنه خاتم العلماء أو الأولياء أو الشعراء، وما هي إلا أقوال صدرت من بعض رجال القرون المتأخرة أو القريبة منها، وإنما يحتج في تفسير القرآن الكريم بكلام العربي الصميم، وهل رأيتم مجادلا أسخف قولا ممن يحتح في بيان معنى آية من كتاب الله تعالي بما كتبته المطبعة الأزهرية على أول الصحيفة الأولى من كتاب: (الإتقان) أعني قوله:

стр. 401

الجزء الأول من كتاب الإتقان في علوم القرآن لخاتمة المحققين» (١). وبعد ذلك فند المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين الشبهة الأخيرة في هذا المجال فقال: «والواقع أن الشيخ النجفي قد صرح بأن النبي ﷺ آخر النبيين فقد قال قبل هذه الكلمة التي اقتطعها الداعية: (قوله تعالى: وخاتم النبيين) أي (آخرهم ليس بعده نبي) ثم قال: (ومحمد خاتم النبيين) يجوز فيه فتح التاء وكسرها، فالفتح بمعنى الزينة مأخوذة من الخاتم الذي هو زينة للابسه، (وبالكسر اسم فاعل بمعنى آخر) ولما كان صاحب (مجمع البحرين) يعتقد أن محمدا ﷺ آخر الأنبياء ليس بعده نبي، فقصارى أمره أن يكون أخطأ في تأويل (خاتم) على قراءة الفتح بمعنى الزينة فإنه مخالف لأقوال من هم أدرى منه بتفسير كتاب الله تعالى، وبوجوه استعمال الألفاظ العربية حقيقة أو مجازا، وهانحن أولاء نسوق إليكم طائفة من أقوال علماء اللغة الشاهدة بأن الخاتم - بفتح التاء أو كسرها - بمعنى الآخر، قال صاحب اللسان: (وخاتمهم وخاتمهم: آخرهم، ومحمد ﷺ خاتم النببين) وقال ابن سيده في كتاب المحكم: (وختام القوم وخاتمهم وخاتمهم: آخرهم) وقال: (وفي التنزيل: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ أي آخرهم) وقال الأزهري في كتاب التهذيب: (وخاتم كل شيء آخره، وقوله تعالى: (رسول الله وخاتم النبيين) معناه آخر النبيين) ولم يذكر أحد من هؤلاء الأئمة أو غيرهم كصاحب الصحاح وصاحب المصباح، وصاحب القاموس وصاحب أساس البلاغة أن الخاتم يكون بمعنى الزينة» (٢). وإذن فالتفسير الصحيح للآية أن خاتم النبيين بمعنى آخرهم، سواء كان بفتح التاء أو بكسرها، لأن الخاتم - بالكسر - اسم فاعل من (ختم)،

стр. 402

وهو الذي ختم النبيين، والمراد به آخرهم، والخاتم - بالفتح - اسم آلة لما يختم به، كالطابع لما يطبع به، فمعنى خاتم النبيين: الذي ختم النبيون به، ومآله: آخر النبيين. وهذا المعنى هو الذي أجمع عليه المفسرون بل أجمع عليه علماء الإسلام قاطبة، وهو الذي يتطابق مع ماجاء في الأحاديث الصحيحة من أنه لا نبي بعد محمد ﷺ . فمن ادعي النبوة بعده ﵊ فهو دجال وكذاب، قال الحافظ ابن كثير: (وقد أخبر تعالى في كتابه، ورسوله في السنة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك، دجال ضال مضل، ولو تخرق وشعبذ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرجيات، فكلها محال وضلال عند أولى الألباب، كما أجرى الله على يد الأسود العنسي باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة، من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة ما علم كل ذي لب وفهم وحجا أنهما كاذبان ضالان، لعنهما الله، وكذلك كل مدع لذلك إلى يوم القيامة حتى يختموا بالمسيح الدجال) (١). المثال الثاني: كما زعم هذا الرجل كذلك أن قوله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (١٢٤)﴾ (٢) يدل على عدم انقطاع النبوة بعد محمد ﷺ ، مما يفسح المجال لنبوة (غلام أحمد) وأمثاله من الأدعياء، فقال: «وعد الله في هذه الآية يجعل الإمامة في ذرية إبراهيم ما عدا الظالمين منها، فهل يظن المشايخ أن ذرية إبراهيم كلها صارت في زمرة الظالمين، لاسيما الأمة المحمدية، فحرمت من الإمامة الموعود بها، أي من النعمة الاجتماعية، ولا يظنن أحد من المشايخ

стр. 403

لأن غيرهم لا يتطرق إليه هذا الظن - أن المراد من الإمامة في الآية: الإمامة بالصلاة أو غيرها دون النبوة، لأن هذه الإمامة إمامة إبراهيمية، وهي النبوة دون شك، كما كان هو إماما بها ﵇، فالنبوة باقية في ذرية إبراهيم سوى الظالمين» (١). والحق أن الآية لا تدل من قريب أو بعيد على بقاء النبوة بعد محمد ﷺ ولا على عدم بقائها، وإنما تدل فقط على أن الله تعالى وعد إبراهيم ﵇ بأن يجعل من ذريته أئمة يدعون إلى الهدى، وأنباء مكرمين، بشرط أن لا يكونوا ظالمين، لأن الظالمين ليسوا أهلا للإمامة والنبوة، ويستفاد من ذلك أن النبوة إنما ينالها المؤمنون من ذريته فحسب، وقد تحقق ذلك بنبوة إسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، وهؤلاء جميعا من ذرية الخليل إبراهيم ﵇، أما بقاء النبوة بعد محمد ﷺ أو عدم بقائها فهو أمر يرجع فيه إلى الدليل، وقد ثبت لدينا بالأدلة القطعية أن محمدا ﷺ هو خاتم النبيين وأنه لا نبي بعده، وانعقد إجماع المسلمين على ذلك، فكل من يدعى النبوة بعده ﷺ فهو ضال مضل وكذاب أشر. يقول المرحرم الشيخ محمد الخضر حسين - في مقام الرد على الفرية السابقة -: «ونحن لا نمانع من أن يكون المراد من الإمامة النبوة، ولكنا نفهم الآية على معنى أن إبراهيم ﵇ قد طلب من الله تعالى أن يجعل من ذريته أئمة أي أنبياء، إذ قال: ﴿ومن ذريتي﴾ ولم يقل: «وذريتي»، فأجابه الله تعالى بقوله: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾، وفي هذا عدة له بأنه سيجعل من ذريته غير الظالمين أنبياء، فإنه نفى أن ينال العهد الذي هو الإمامة الظالمين، ولو قال في الجواب: (نعم) لأفاد أنه سيجعل من ذرية إبراهيم ﵇ أنبياء، من غير دلالة على أنهم سيكونون من المؤمنين، ولو قال

стр. 404

في الجواب: (ينال عهدي المؤمنين) - مثلا - لم يكن فيه نص على أن الظالمين ليسوا بأهل للإمامة، ويؤخذ منه - على طريق دلالة المفهوم - أن النبوة تنال المؤمنين من ذريته، وقد قامت الأدلة القاطعة على أن من لم يكونوا ظالمين قد يرفعهم الله تعالى إلى مقام النبوة، كما رفع إليه إسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسي ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وقد يبقى في منزلة دونها، ككثير من الصالحين الذين طهرهم الله تعالى من الظلم، ولم يدعوا النبوة في حال، فقول داعية القاديانية: (فهل يظن المشايخ أن ذرية إبراهيم كلها صارت ظالمة) إلخ. ضرب في غير مفصل، ورمي للكلام في غير مرمى، فإن المشايخ يقولون: إن الآية واردة للدلالة على أن النبوة تجعل في غير الظالمين، ويقولون مع هذا: الله أعلم أين يجعلها؟ وليس في الآية دليل على بقاء النبوة في سائر العصور، حتى في العصر الذي يستغنى فيه عن النبوة والرسالة بالكتاب الذي أودع الله تعالي فيه جلائل الهداية ودقائقها، وتكفل بحفظه وحمايته من أن يدخله تحريف، قال تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (٢) ومن نفى عن أمة النبوة لعدم حاجتها إليها ولقيام الأدلة على انقطاعها لم يلزمه الحكم عليها بأنها كلها صارت ظالمة، ومن ألزمه هذا الحكم فقد خرج عن أدب البحث، ومشى في غير طريق» (٣). المثال الثالث: كذلك استدل دعاة القاديانية بقول الله تعالى: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾ (٤) على عدم انقطاع النبوة والرسالة بعد محمد ﷺ ، بدعوى

стр. 405

أن الفعل المضارع هنا وهو (يصطفي) يفيد الاستقبال، ويقتضي استمرار الاصطفاء دائما، كما أن قول الله تعالى: ﴿ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء﴾ (١) يدل على أن الله دائما يجتبي من رسله من يشاء، ومتى ثبت ذلك فإن نبوة (غلام أحمد) في زعمهم إنما جاءت مصداقا لهاتين الآيتين الكريمتين. وهذا الاستدلال فاسد، لأن الفعل المضارع هنا لا يراد به الاستقبال، وإنما يراد منه المضى، والقرينة التي تصرف المضارع عن معناه الحقيقي هنا إلى هذا المعنى المجازي هي ما ثبت - بالدليل القطعي من الكتاب والسنة - من أنه لا نبي بعد محمد ﷺ ، والعدول عن الماضي إلى المضارع هنا للدلالة على تجدد الفعل فيما مضى واستمراره، واستحضار الصورة العجيبة في ذهن السامع، كأنها مشاهدة أمامه الآن. وقد أورد الشيخ محمد الخضر حسين شبهة القاديانية في هذا المجال، وأتبعها بالرد عليها فقال ﵀: «ينكرون - يعني القاديانيين - أن النبي ﷺ خاتم النبيين، ويوردون على هذا شبها لا تزن عنه أولي العلم جناح بعوضة، كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾، متشبثين بأن قوله (يصطفي) فعل مضارع، والمضارع للاستقبال، ودفع هذه الشبهة أن الفعل الواقع في الماضي قد يعبر عنه بصيغة المضارع لمقتضيات بلاغية، منها أن يكون للمعنى البليغ غرابة، فإن المضارع من جهة دلالته على الحل يتوسل به المتكلم إلى موضوع إخراج الحادث الغريب في صورة الواقع في الحال، ليبلغ تعجب المخاطب من وقوعه مبلغ تعجبه من الصورة البديعة في حال مشاهدتها، وعلى هذا الوجه ورد قوله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ (٢) قال: (فيكون) والموضع في الظاهر للماضي: (فكان)، لأن وجود إنسان من غير أب حادث غريب،

стр. 406

فحاله يقتضي أن يعبر عنه بالمضارع لإحضاره في ذهن المخاطب، حتى كأنه مشاهد له، ومن دواعي التعبير عن الماضي بصيغة المضارع الإشارة إلى استمرار الفعل وتجدده فيما مضى حينا بعد حين، فإن الاستمرار التجددي يستفاد من المضارع على ما جرى عليه استعمال البلغاء، وصيغة الماضي لا تعرج على هذا المعنى، فالتعبير بصيغة المضارع في قوله تعالى: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾، يدل على معنى زائد على أصل الاصطفاء الذي يدل عليه الماضي ويقف عنده، وذلك المعنى هو أن اصطفاء الرسل كان يتجدد ويقع مرة بعد أخرى، والقرينة الشاهدة بأن (يصطفى) مراد منه الاصطفاء الواقع قبل نزول هذه الآية هي آية: ﴿وخاتم النبيين﴾ (١) والأحاديث المستفيضة في إغلاق باب الرسالة والنبوة، فاستعمال المضارع موضع الماضي في كلام البلغاء خارج عن حد الإحصاء وآيات الكتاب يفسر بعضها بعضا، كما أن السنة تبين الكتاب» (٢). المثال الرابع: وأيضا استدل أحد دعاة القاديانية على بقاء النبوة بعد محمد ﷺ - بقوله تعالى ﴿اهدنا الصراط المستقيم (٦) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (٧)﴾ (٣) فقال: «هذا الدعاء يبشرنا بأن الله يجعل المؤمنين في مقام الذين أنعم عليهم سابقا، ويعطيهم كل نعمة أعطاها للأولين، ويتمها عليهم، والنعمة نعمتان: دينية ونهايتها النبوة، ودنيوية ونهايتها الحكومة والسلطة» (٤). والحق أن هاتين الآيتين التي استدل بهما هذا الضال لا دلالة فيهما على

стр. 407

ما يزعم من بقاء النبوة بعد محمد ﷺ ، فكل الذي تفيده هاتان الآيتان هو أن ذلك دعاء من المؤمنين لربهم أن يوفقهم ويهديهم إلى طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولا يلزم من ذلك أن يرزقهم الله ما رزق بعض هؤلاء من النبوة، كيف وقد ختمت النبوة بمحمد ﵊، واستمع معي إلى فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين يرد على ما جاء في كلام هذا الضال من اللغو والهذيان، فيقول ﵀: غاب هذا الداعية عن الصواب، وانطلق يتحدث في غير علم، ومن ذا الذي يعرف شيئا من العربية الصحيحة أو المعتلة، ويقرأ قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم (٦) صراط الذين أنعمت عليهم﴾، ويفهم منها أن المناجي لله بهذه السورة يطلب أن يكون هو أو غيره من المؤمنين في مقام النبوة، والآية لا تدل على أكثر من أن المؤمن يدعو الله تعالى في جملة المؤمنين بأن يهديه طريق من أنعم عليهم، ومن استقام على واجبات الدين وسننه جهد استطاعته فقد اهتدى طريق المنعم عليهم، ولا يلزم من اهتدائه لطريق المنعم عليهم من النبيين أن يرزق ما رزقوه من نعمة النبوة التي لا ينالها الناس بكثرة أعمالهم الصالحة، إذ النبوة مقام يختص به الله من يشاء من عباده، وما قاله هذا الداعية في هذه الآية أصله لكبيرهم الذي علمهم اللعب واللغو في تفسير القرآن الحكيم إذ قال في خطبته الإلهامية: (وأنا المنعم عليه الذي أشير إليه في الفاتحة عند ظهور الحزبين) يعني المغضوب عليهم والضالين، وقال: (إن سوره الفاتحة لتؤذن إيذانا بأن بعض الأفراد من هذه الأمة سيظهرون بمظهر الأنبياء من كل الوجوه) ومن نكد الدنيا أن نشتغل بحكاية أمثال هذا اللغو، وننفق وقتا في التنبيه على أنه هذيان في هذيان (١). المثال الخامس: و مما هو شبيه بما تقدم أن يستدل هذا الرجل كذلك على بقاء النبوة بعد

стр. 408

محمد ﷺ بقوله تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ (١) زاعما أن قوله تعالي: ﴿من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾، بيان لقوله تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول﴾، ومدعيا كذلك أن هذه الآية تصرح جليا بأن الأمة المحمدية تنال هذه الدرجات الأربع، وهي النبوة والصديقية والشهادة والصلاح، وعلى ذلك فإن من يطع الله والرسول قد ينال درجة النبوة، مثل (غلام أحمد) نبيهم الجديد. ويعجبني في هذا المقام ما ذكره الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين في تفنيد هذه المزاعم الفاسدة، والرد على هذا التأويل المنحرف حيث يقول: والصواب في فهم الآية أن قوله تعالى: ﴿من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ هو بيان لقوله: ﴿الذين أنعم الله عليهم﴾، والأصل في كلمة (مع) المصاحبة، والمصاحبة لا تستلزم المساواة في الرتبة، بل يكفي فيها الاشتراك في دار النعيم، مع تمكن كل واحد من رؤية الآخر وملاقاته متي يشاء، فالآية وردت لبيان ما يجازى به المطيع لله ورسوله، وهو مرافقة الأنبياء ومن ذكر بعدهم، وتأويلها على معنى أن من المطيعين أنبياء، ومنهم صديقين، ومنهم شهداء تأويل الآية على معنى لا يتقبله إلا نفوس تلوثت باعتقاد أن (غلام أحمد) وأذنابه أنبياء صادقون، وأما ما ذكره الداعية من أن قوله تعالى: ﴿من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ بيان لقوله تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول﴾ فحمل للآية على وجه تتجافى عنه قوانين البلاغة، ويكسبها تعقيدا يتبرأ منه كلام الفصحاء قبل أن يتبرأ منه كلام خالق الفصحاء، فعد هذا الوجه في أخطاء قائله أولى من حشره في شبه هي أوهى من نسج العنكبوت (٢). وبعد: فها هي أمثلة من تحريفات القاديانية في التفسير، ذكرناها وكشفنا عن

стр. 409

وجوه فسادها وبطلانها، وكان بودنا أن نطلع على كتب هؤلاء المارقين أنفسهم حتى نقوم كذلك بالرد على ماجاء فيها من ضلالات وجهالات، وخرافات وافتراءات، ولكننا لم يتح لنا الاطلاع على شيء من ذلك، فالى أن يتاح لنا الإطلاع على هذه الكتب نكتفي بهذا القدر الذي ذكرناه عن هذا النوع من أنواع الدخيل في التفسير. ولعلنا - بما قدمناه لك أيها القارئ الكريم من أنواع الدخيل في التفسير - في الجزئين الأول والثاني من كتابنا هذا .. نكون قد استعرضنا معك ما جاء من هذه الأنواع في القديم، أي قبل عصرنا هذا، أما النوع الحديث من أنواع الدخيل في التفسير وهو شطحات المفسرين العصريين فقد رأينا أن تخصص له الجزء الثالث من هذا الكتاب، ونسأل الله سبحانه تعالى أن يوفقنا لإتمام هذا العمل، وأن ينفع به طلاب العلم، وأن يكتب لنا السداد والرشاد، وأن يجعلنا من أولئك الذين يذبون عن كتابه، ويقومون على خدمته، ويسهرون على حراسته، إن ربى على ما يشاء قدير، وهو نعم المولى ونعم النصير، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصل اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم. د/ عبد الوهاب عبد الوهاب فايد أستاذ التفسير المساعد بكلية أصول الدين بالقاهرة * * *