← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 30169

الدخيل في تفسير القرآن الكريم

عبد الوهاب عبد الوهاب فايد

Полный текст (409 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

عظيما، حيث يجعل الناس - باعتبار (وحدة الوجود) التي يؤمن بها - لهم صورة ظاهرة، وصورة باطنة، أما الصورة الظاهرة منهم - وهي أبدانهم - فهم مطالبون بأن يجعلوها وقاية لربهم، فينزهوا الرب عن صفات الأبدان الذميمة، وأما الصورة الباطنة منهم - وهي الرب - فهم مطالبون بأن يجعلوها وقاية لهم، لأن صفات الرب صفات حمد، ومن له صفات الحمد يحتمى به من له صفات الذم. ألا ترى معي أن هذا التفسير الباطني الذي ذكره ابن عربي هنا لا يتمشى قط مع عقيدة التوحيد التي نادى بها القرآن حيث يقول ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾ (١)، كما أنه لا يتفق ومدلولات الألفاظ في كلام العرب من حيث الحقيقة أو المجاز، ومن ثم فإنه يحق لنا أن نرفض هذا التفسير شكلا وموضوعا، وأن نعتبره من جملة الدخيل الذي تسلل إلى رحاب القرآن الكريم. يضاف إلى ذلك أن مذهب ابن عربي القائل بوحدة الوجود مذهب دخيل علي الإسلام وليس من الإسلام في شئ لأن عقيدة الإسلام تقوم أساسا على التفرقة بين الخالق والمخلوق، فتفسير ابن عربي للآية في ضوء هذا المذهب الباطل لا يمكن لنا قبوله بحال، كيف وقد جعل عقيدته أصلا والقرآن تابعا لها على عكس ما يجب أن يكون، يقول الدكتور أبو العلا عفيفي - في شرح مذهب ابن عربي في وحدة الوجود -: «أما مذهبه فوحدة الوجود وليس من الإسلام في قليل أو كثير، لأنه يرى أن الوجود حقيقة واحدة، ويعد التعدد والكثرة أمرا قضت به الحواس الظاهرة، والعقل الإنساني القاصر عن أن يدرك الوحدة الذاتية للأشياء، أو يدرك المجموع كمجموع، ويتلخص مذهبه في عبارته القصيرة الواردة في الفتوحات» (ج ٢ ص ٦٠٤) وهي: «سبحان من خلق الأشياء وهو عينها، فإنه يقرر فيها وجود الأشياء ووجود خالق لها، كما يقرر الوحدة الذاتية، أو العينية للاثنين: الخالق والمخلوق،

стр. 352

وفي البيتين الآتيين الواردين في الفصوص (ص ١٣٩) إشارة إلى هذا المعنى، وهما: يا خالق الأشياء في نفسه … أنت لما تخلقه جامع تخلق ما لا ينتهي كونه … فيك فانك الضيق الواسع فلا فرق في نظره بين الواحد والكثير، أو الحق والخلق إلا بالاعتبار والنظر العقلي، أما العارف فيدرك بطريق الذوق وحدتها، وعلى ذلك فمذهبه واحدي لا ثنوى، إلا إذا اعتبرنا الثنوية في الصفات لا غير، لأنه كثيرا ما يصف الحقيقة الوجودية الواحدة بالمتقابلات، أمثال الحق والخلق؛ والباطن والظاهر، والأول والآخر، والمشبه والمنزه وأمثال ذلك، أما الحقيقة في ذاتها فواحدة لا تقبل كثرة ما» (١). المثال الثاني: وقد ترتب على إيمان ابن عربي بوحدة الوجود أنه قال كذلك بوحدة الأديان، وأنه لا فرق بين الأديان السماوية وغيرها، فالكل صحيح، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ (٢)، وقد صاغ عقيدته تلك في بيت شعري فقال: عقد الخلائق في الإله عقائدا … وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه كما شرح لنا تلك العقيدة فقال: «فإياك أن تتقيد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه فيفوتك خير كثير، بل يفوتك العلم بالأمر علي ما هو عليه، فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلها، فإن الله تعالى أوسع وأعظم من أن يحصره عقد دون عقد، فإنه يقول: (فأينما تولوا فتم وجه الله)، وما ذكر أينا

стр. 353

من أين … فقد بان لك عن الله تعالى أنه في أينية كل وجهة، وما ثم إلا الاعتقادات، فالكل مصيب، وكل مصيب مأجور، وكل مأجور سعيد، وكل سعيد مرضي عنه (١). وفي ضوء إيمان ابن عربي بوحدة الأديان يرى الوثنيين على حق في عبادة الأصنام لأنهم لا يعبدون في الحقيقة إلا الله ، فيقول - عن قوم نوح ﵇: فقالوا - في مكرهم -: «﴿لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾» (٢) فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من يعرفه، ويجهله من يجهله، في المحمدين: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ (٣) أى حكم، فالعالم يعرف من عبد، وفي أي صورة ظهر حتى عبد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عبد غير الله في كل معبود، فالأدنى من تخيل فيه الألوهية، فلولا هذا التخيل ما عبد الحجر ولا غيره، ولهذا قال: «قل سموهم (٤) فلو سموهم لسموهم حجارة وشجرا وكوكبا، ولو قيل لهم: من عبدتم لقالوا: إلها، ما كانوا يقولون: الله ولا الإله، والأعلى ما تخيل، بل قال: هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر، فالأدنى صاحب التخيل يقول: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» (٥)، والأعلى العالم يقول: «إنما إلهكم إله واحد فله أسلموا» (٦) حيث ظهر (وبشر المخبتين)».

стр. 354

الذين خبت نار طبيعتهم، فقالوا: إلها ولم يقولوا طبيعة» (١). ويعلق الدكتور أبو العلا عفيفي على كلام ابن عربي هذا فيقول: «يرى ابن عربي أن كل من يدعو إلى الله على هذا الوجه - أي على سبيل التنزيه كما دعا نوح قومه - يمكر بمن يدعوه ويخدعه، وذلك أن المدعو مهما كانت عقيدته، ومهما كان معبوده لا يعبد في الحقيقة إلا الله، لأنه لا يعبد إلا مجلى من مجالي الحق في الوجود، فدعوته إلى الله مكر به، لأنها تحمله على الاعتقاد بأنه يعبد شيئا آخر سوى الله، وما في الوجود سواه، أما مكر قوم نوح فظاهر من عبارتهم: ﴿لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾، لأنهم إن تركوا هذه الآلهة فقد جهلوا من الحق على قدر ما تركوا، ذلك لأن للحق في كل معبود وجها لا يعبد المعبود إلا من أجله، وهنا يفهم ابن عربي نصا آخر من القرآن على أنه تقرير لوحدة الوجود من حيث صلتها بعبادة الله، فيقول: في مذهب المحمديين: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾، أي حكم، بمعنى قدر أزلا أنكم إن تعبدوا إلا إياه، لا بمعنى أمر ألا تعبدوا إلا إياه، يدل على ذلك قوله في العبارة التالية: فالعالم يعلم من عبد. وفي أي صورة ظهر حتى عدل (٢). ونحن نرى أن ابن عربي هنا قد جانبه الصواب، وخانه التوفيق من وجوه: الوجه الأول: أن وحدة الأديان التي نادى بها ابن عربي، ومفادها أن معتقدات الناس كلها صحيحة لا يمكن لنا قبولها، لأن من حقنا أن نتساءل: إذا كانت هذه المعتقدات كلها صحيحة فلماذا إذن حارب الرسل ﵈ عبادة الأصنام، وسفهوا أحلام من عبدوها من دون الله؟ أليس ذلك دليلا

стр. 355

على عدم صحتها، وبطلان عبادتها؟ إن شئت برهانا على ذلك فاقرأ معنى قول الله تعالى - حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين (٧٤) وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين (٧٥) فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (٧٦) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (٧٧) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال ياقوم إني بريء مما تشركون (٧٨) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (٧٩)﴾ (١). ثم إن من حقنا كذلك أن نتساءل: إذا كانت هذه المعتقدات كلها صحيحة فلماذا إذن حطم إبراهيم ﵇ الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله؟ أليس ذلك دليلا على أنها معبودات باطلة، وأن الصحيح فقط هو عبادة الله رب العالمين، إن شئت فاقرأ معى ما حكاه الله تعالى كذلك عن إبراهيم ﵇ حيث يقول: ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (٥١) إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (٥٢) قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (٥٣) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (٥٤) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (٥٥) قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (٥٦) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (٥٧) فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (٥٨)﴾ (٢).

стр. 356

وأيضا لنا أن نتساءل: إذا كانت عقيدة التثليث. صحيحة، كما يستفاد من كلام ابن عربي فلماذا إذن حكم الله بفساد هذه العقيدة وكفر معتنقيها، ثم لماذا قرر عقيدة التوحيد بدلا عنها ودعا الناس إليها، فقال - عز من قائل: - ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (٧٢) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (٧٣)﴾ (١). إذا لا يمكننا بحال أن نقبل هذه الفكرة الخاطئة التي تقول: إن الأديان كلها صحيحة، وأنه لا فرق بين الأديان السماوية وغيرها فلو كان الأمر كذلك ما كان هناك حاجة لإرسال الرسل ولا لإنزال الكتب، فهل بعث بالله الرسل بين حين وآخر إلا لكي يصححوا للناس ما كانوا عليه من انحرافات في العقائد والأخلاق؟ وهل أنزل الله تعالى المكتب إلا الهداية الناس إلى عقيدة التوحيد بعد أن تخبطوا طويلا في دياجير الضلال، والعقائد الوثنية؟ الوجه الثاني: أن ابن عربي قد استدل بقوله تعالى: ﴿فأينما تواوا فتم وجه الله﴾، على أن جميع الأديان صحيحة، والحق أنه لا دلالة في الآية على ما يقول، فهذه الآية إنما نزلت في شأن القبلة أو الدعاء، وفي ذلك يقول ابن عطية: «واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، فقال قتادة: أباح الله لنبيه ﵇ بهذه الآية - أن يصلي المسلمون حيث شاءوا، فاختار النبي ﵇ بيت المقدس حينئذ، تم نسخ ذلك كله بالتحول إلى الكعبة، وقال مجاهد والضحاك: معناها إشارة إلى الكعبة أي حيث كنتم

стр. 357

من المشرق والمغرب فأنتم قادرون على التوجه إلى الكعبة التي هي وجه الله الذي وجهكم إليه. قال الفقيه أبو محمد: وعلى هذا فهي ناسخة لبيت المقدس، وقال ابن زيد: كانت اليهود قد استحسنت صلاة النبي ﷺ إلى بيت المقدس وقالوا: ما اهتدى إلا بنا، فلما حول إلى الكعبة قالت اليهود: «ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها» (١) فنزلت: ﴿لله المشرق والمغرب﴾ الآية، وقال ابن عمر: نزلت هذه الآية في صلاة النافلة، حيث توجهت بالإنسان دابته، وقال النخعي: الآية عامة، أينما تولوا في متصرفاتكم ومساعيكم فثم وجه الله أي موضع رضاه وثوابه، وجهة رحمته التي يوصل إليها بالطاعة، وقال عبد الله بن عامر ابن ربيعة: نزلت فيمن اجتهد في القبلة فأخطأ، وورد في ذلك حديث رواه عامر بن ربيعة قال: «كنا مع النبي ﷺ في سفر، في ليلة مظلمة، فتحرى قوم القبلة، وأعلموا علامات، فلما أصبحوا رأوا أنهم قد أخطئوها، فعرفوا رسول الله ﷺ بذلك فنزلت هذه الآية، وذكر قوم هذا الحديث على أن النبي ﷺ لم يكن مع القوم في السفر، وذلك خطأ، وقال أيضا قتادة: نزلت هذه الآية في (النجاشي)، وذلك أنه لما مات دعا النبي ﷺ المسلمين إلى الصلاة عليه، فقال قوم: كيف نصلي على من لم يصل إلى القبلة قط، فنزلت هذه الآية، أي أن (النجاشي) كان يقصد وجه الله وإن لم يبلغه التوجه الى القبلة، وقال ابن جبير: نزلت الآية في الدعاء، لما نزلت: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ (٢) قال المسلمون: الى أين ندعو؟ فنزلت: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ (٣) فأنت ترى - بعد أن ذكرنا لك أقوال المفسرين في معنى الآية - أن الذي

стр. 358

استنبطه ابن عربي من الآية، وهو أن كل المعتقدات صحيحة لا علاقة له بالآية لا من قريب ولا من بعيد، بل يعتبر ذلك من جملة الشطحات التي اشتهر بها ابن عربي غفر الله له. والوجه الثالث: أن ابن عربي فسر (قضى) في قوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾، بمعنى حكم، وعلى ذلك فمعنى الآية عنده أن الله تعالى حكم وقدر في الأول أن لا يعبد الناس سواه، وحكم الله لا بد من نفاذه وإذن فالمعبودات التي عرفها البشر على مر العصور كلها صحيحة، بمقتضى هذا الحكم الأزلي، وما عبدوها إلا لأنهم رأوها صورا للإله الحق في نظرهم، فعبادتها - في الحقيقة - ما هي إلا عبادة لله تعالى. وقد حاول الإمام الآلوسي أن يدافع عن ابن عربي وأمثاله ممن يفسرون الآية على هذا الوجه، فقال ﵀: «ومن باب الإشارة في الآيات ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ قالت الوجودية من الصوفية: إنه تعالى سبق قضاءه أن لا يعبد سواه، فكل عابد إنما يعبد الله سبحانه من حيث يدري، ومن حيث لا يدري، فإنه جل شأنه الأول والآخر والظاهر والباطن، والأعيان الثابتة ما شمت رائحة الوجود ولا تشمه أبدا، ومما ينسبونه إلى زين العابدين ﵁، ويزعمون أنه مشير إلى مدعاهم قوله: إني لأكتم من علمي جواهره … كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا وقد تقدم في هذا أبو حسن … إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا قرب جوهر علم لو أبوح به … لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا ولا ستحل رجال مسلمون دمي … يرون أقبح ما يأتونه حسنا قالوا: إنه - رضى الله تعالى عنه - عني بهذا الجوهر الذي لو باح به لقيل له: أنت ممن يعبد الوثن علم الوحدة، إذ منه يعلم أن الوثن وكذا غيره مظهر له جل وعلا، وليس في الدار غيره ديار، وقد مر عن قرب ما نقل عن

стр. 359

الحلاج، ومثله كثير للشيخ الأكبر (١) - قدس سره - ولغيره عربا وهجما، وهو عفا الله تعالى عنه قد فتح بابا في هذا المطلب لا يسد الى أن يأتي أمر الله ، وكأنه أوصى إليه بأن يبوح وينثر هاتيك الجواهر، بين الأصاغر والأكابر، كما أوصى إلى الحسنين بأن يكتما من ذلك ما علما، وفي بعض كتبه - قدس سره - ما هو صريح في أنه مأمور، فإن صح ذلك فهو معذور، وأنا لا أرى عذرا لمن يقفوا أثره في المقال، مع مباينته له في الحال، فإن هذا المطلب أجل من أن يحصل لغريق الشهوات، وأسير المألوفات، ورهين العادات (٢). بيد أني أرى أن كلام ابن عربي في تفسير الآية مخالف لما أجمع عليه المفسرون من أن قضى بمعنى أمر، كما أنه يؤدي - لا محالة- إلى التفكك في أوصال الآية الكريمة، فلو كان قضى بمعنى حكم ما ساغ عطف قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ على ما قبله، إذ لا يسع عاقل أن يقول: إن كل أحد محسن إلى والديه من حيث يدرى ومن حيث لا يدرى، ومن أجل ذلك وجدنا الإمام الألوسي - على الرغم من اعتذاره عن ابن عربي ودفاعه عنه - لا يرى أن يفتح هذا الباب على مصراعيه لكل أحد، فإن هذا الأمر شائك، ويؤدي - لا محالة - إلى الضلال. المثال الثالث: وفي الآيات التي تعرضت القصة موسى مع فرعون في سورة الشعراء نجد ابن عربي يسير في تفسيرها على أساس مذهبه في وحدة الوجود، ويعطي لفرعون الحق في ادعاء الألوهية، لأنه جزء من العالم الذي قال عنه إنه صورة الله تعالي، فيقول - معلقا على قول الله تعالي - حكاية عن موسى عليه

стр. 360

السلام -: ﴿قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون﴾ (٢) يقول: «فالجواب الأول جواب الموقنين، وهم أهل الكشف ووجود، فقال له: «إن كنتم موقنين» أي أهل كشف ووجود، فقد علمتم بما تيقنتموه في شهودكم كم، فإن لم تكونوا من هذا الصنف فقد أجبتكم في الجواب الثاني إن كنتم أهل عقل وتقييد وحصر، ثم الحق فيما تعطيه أدلة عقولكم، فظهر موسى بالوجهين ليعلم فرعون فضله وصدقه، وعلم موسى أن فرعون علم ذلك أو يعلم ذلك لكونه سأل عن الماهية (٣)، فعلم أنه ليس سؤاله على اصطلاح القدماء في السؤال بما، فلذلك أجاب، ولو علم منه غير ذلك لخطأه في السؤال، فلما جعل موسى المسئول عنه عين العالم، خاطبه فرعون بهذا اللسان الكشفي والقوم لا يشعرون، فقال له: «لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين» (٤)، والسين في السجن من حروف الزوائد أي لأسترنك، فإنك أجبت بما أيدتني به، «فاستحققت» (٥) أن أقول لك مثل هذا القول» (٦). وقد وضح الدكتور أبو العلا عفيفي كلام ابن عربي - في هذا الصدد فقال: «لعل هذا الجزء من الفص أصعب ما فيه، لا من حيث موضوعه، فإنه لم يخرج عن دائرة وحدة الوجود التي يشرحها على لسان موسى تارة، ولسان فرعون تارة أخرى، بل من حيث الطريقة الملتوية التي يلجأ إليها في

стр. 361

تفسير الآيات القرآنية والتعليق عليها، ليخرج من كل ذلك بفكرته كاملة غير منقوصة في وحدة الوجود، مع المحافظة في الشكل على مسرح القصة القرآنية وما دار فيها من حديث بين موسى وفرعون، فسر قول موسى لفرعون إن الله هو ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما﴾، تفسيرا يتفق مع فكرته في وحدة الوجود كما أسلفنا، لأنه أولها بمعنى أن الله هو الظاهر في صورة ما في السماوات والأرض وما بينهما أي بصورة العالم، ومهد بذلك لتفسير دعوى فرعون الألوهية، ولكل ما جرى بينهما بعد ذلك من حديث، قال فرعون الموسي: ﴿لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾، فيسلم ابن عربي بادعاء فرعون الألوهية، وكيف لا يكون فرعون إلها، وهو جزء من العالم الذي قال: إنه صورة الله؟ إن فرعون وغيره من المحدثات صور الحق في الوجود الظاهري، والصورة فرعون مرتبة أعلى من مرتبة صورة موسي في ذلك المقام الخاص الذي كانا يتحدثان فيه، لأنه اعطى الحكم والملك والتصرف فيمن دونه من الناس الذين قلت مراتبهم عن مرتبته، فالعين واحدة في الجميع، ولكنها متكاثرة بالمراتب، ومرتبة فرعون أعلى من غيرها، ولذلك قال: «أنا ربكم الأعلى» (١)، قال فرعون لموسى: «لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين»، وظاهر هذه الآية يعطي الوعيد، ولكن ابن عربي يقلب معنى الآية رأسا على عقب، فيقول: إن السين في مسجونين من حروف الزوائد، ومعنى: «لأجعلنك من المسجونين» لأسترنك، لأن لسان الباطن في نظره يقتضي أن يقرأ القرآن هكدا، فبعد حذف السين لا يبقى إلا مادة الجيم والنون التي معناها الستر والأخفاء، وبهذا انقلب وعيد فرعون لموسى وعدا، وتهديده له بالسجن حماية ووقاية، جزاء لموسى على ما مهد به لفرعون من ادعاء الألولهية» (٢).

стр. 362

ونحن نرى أن كلام ابن عربي هنا خطير من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أننا لو سلمنا بدلا أن فرعون كان على حق في ادعاء الألوهية كما يقول ابن عربي فلماذا إذن أرسل الله موسى ﵇ إليه؟ هل أرسله إليه لكى يظهر أحقيته في ادعاء الألوهية، ويؤيده في ذلك علي ملا من الناس؟ أم أن الله أرسله إليه لأنه طغى واستكبر وعاث في الأرض فسادا، ولما لم يكف عن هذا كله عاقبه الله تعالى في الدنيا بالإغراق، وسيعاقبه في الآخرة بالإحراق، استمع معي إلى قول الله تعالى: ﴿هل أتاك حديث موسى (١٥) إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (١٦) اذهب إلى فرعون إنه طغى (١٧) فقل هل لك إلى أن تزكى (١٨) وأهديك إلى ربك فتخشى (١٩) فأراه الآية الكبرى (٢٠) فكذب وعصى (٢١) ثم أدبر يسعى (٢٢) فحشر فنادى (٢٣) فقال أنا ربكم الأعلى (٢٤) فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (٢٥) إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (٢٦)﴾ (١). والوجه الثاني: أن ابن عربي زعم أن موسى ﵇ جعل المسئول عنه - وهو الله تعالى - عين العالم حين أجاب فرعون بقوله: «رب السماوات والأرض وما بينهما»، وبقوله: «رب المشرق والمغرب وما بينهما»، والحق أن موسى ﵇ ما فعل ذلك، فمن المسلم به بداهة أن المضاف غير المضاف إليه، وأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، وكل الذي يستفاد من جواب موسى ﵇ هو أن الله تعالى رب العالم كله، علويه وسفليه، ورب كل شيء. في هذا الوجود ورب المشارق والمغارب، سبحانه وتعالى عما يشركون، فأين هذا المعنى مما يريد ابن عربي أن يحمل القرآن عليه قسرا من أن الله عين العالم انطلاقا من مذهبه في وحدة الوجود؟ والوجه الثالث: أنه فسر المسجون بالمستور في قوله تعالى - حكاية عن فرعون - ﴿لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾، وبذلك قلب

стр. 363

معنى الآية من الوعيد إلى الوعد، وهذا المعنى الذي ذكره ابن عربي لا يستقيم عربية، حيث لم يقبل أحد من أئمة اللغة أن السين زائدة في مادة (سجن)، وحتى لو سلمنا جدلا أن المعنى كما يقول فكيف ساغ لنبي الله موسى ﵇ أن يسكت على هذا الكلام الذي صدر عن فرعون؟ أليس هذا تسليما من موسى لفرعون بادعاء الألوهية وهو النبي الذي جاء لكي يدعوه إلى عبادة الله رب العالمين، اللهم إن هذا لافك مبين. المثال الرابع: ثم نجد ابن عربي يذكر لنا تفسيرا غريبا للآيات التي تتعلق بالكافرين في صدر سورة البقرة، فيقول - معلقا على قول الله تعالى: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (٦) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (٧)﴾ (١) - يقول -: «إيجاز البيان فيه: يا محمد، إن الذين كفروا. ستروا محبتهم في عنهم، فسواء عليهم أأنذرتهم بوعيدك الذي أرسلتك به أم لم تنذرهم لا يؤمنون بكلامك، فإنهم لا يعقلون غيري، وأنت تنذرهم بخلق، وهم ما عقلوه ولا شاهدوه، وكيف يؤمنون بك وقد ختمت على قلوبهم، فلم أجعل فيها متسعا لغيري، وعلى سمعهم فلا يسمعون كلاما في العالم إلا مني، وعلى أبصارهم غشاوة من بهائي عند مشاهدتي، فلا يبصرون سواي، ولهم عذاب عظيم عندي، أردهم بعد هذا المشهد السني إلى إنذارك، وأحجبهم عني، كما فعلت بك بعد قاب قوسين أو أدنى قربا، أنزلتك إلى من يكذبك ويرد ما جئت به إليه مني في وجهك، وتسمع في ما يضيق له صدرك، فأين ذلك الشرح الذي شهدته في إسرائك، فهكذا أمنائي على خلقى الذين أخفيتهم، رضائي عنهم فلا أسخط عليهم أبدا» (٢). فانظر إليه كيف قلب أوصاف الكافرين من صفات ذم إلى صفات مدح.

стр. 364

وكيف حمل هذه الأوصاف على أولياء الله بدلا من أعدائه، فهل هذا الذي صنعه ابن عربي هو مراد الله من كلامه؟ إننا إذا ما استعرضنا الآيات القرآنية هنا نجد أن الله تعالى حدثنا حديثا مستفيضا عن المؤمنين في مستهل سورة البقرة، فقال - عز من قائل -: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (٢) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (٣) والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (٤) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (٥)﴾ (١). وبعد ذلك جاء الحديث عن الكافرين في قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (٦) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (٧)﴾. ثم بجاء الحديث عن المنافقين في قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (٨)﴾ (٢) الآيات، وهؤلاء هم طوائف للناس المختلفة إزاء هداية القرآن الكريم، إما مؤمنون أو كافرون أو منافقون، فأين هذا مما قاله ابن عربي هنا؟ ولعل أغرب ما في كلام ابن عربي هنا أنه فسر قوله تعالى: ﴿ولهم عذاب عظيم﴾، بأن الله تعالى يحجب هؤلاء عنه بعد أن شاهدوه، فذلك عذاب نفسي لهم، واعتبر ابن عربي هذا شبيها بارجاع الرسول ﷺ إلى أعدائه بعد أن شاهد الحق في إسرائه. إننا نرى أن الذي ذكره ابن عربي في هذا المقام مرفوض جملة وتفصيلا، ولا يمكن لمسلم قبوله في تفسير القرآن الكريم، لأنه ضرب من ضروب الشطح، ولون من ألوان التخبط في الفهم، ونعوذ بالله من ذلك.

стр. 365

المثال الخامس ذكر الإمام ابن الجوزي في كتابه: (تلبيس إبليس) عن الصوفية أقوالا خاطئة في تفسير القرآن الكريم، وهذه الأقوال يجمعها قدر مشترك بينها وهو مخالفة العربية، ومن أجل ذلك اعتبرنا هذه الأقوال بمثابة مثال واحد، وإن كانت متعددة ومتنوعة ومنقولة عن كثيرين من شيوخ الصوفية. فمثلا روى ابن الجوزي عن الجنيد أنه سأله سائل عن قوله : ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ (١) فقال الجنيد: لا تنس العمل به، وسأله عن قوله تعالى: ﴿ودرسوا ما فيه﴾ (٢) فقال له الجنيد: تركوا العمل به، فقال السائل: لا يفضض الله فاك. ثم رد ابن الجوزي هذين القولين في تفسير الآيتين لمخالفتهما العربية من حيث اللغة والنحو فقال: «أما قوله: (لا تنس العمل به) فتفسير لا وجه له والغلط فيه ظاهر، لأنه فسره على أنه نهي، وليس كذلك، إنما هو خبر لا نهي، وتقديره: فما تنسى، إذ لو كان نهيا كان مجزوما، فتفسيره على خلاف إجماع العلماء، وكذلك قوله: (ودرسوا ما فيه) إنما هو من المدرس الذي هو التلاوة من قوله : ﴿وبما كنتم تدرسون﴾ (٣) لا من دروس الشيء الذي هو إهلاكه» (٤). كذلك نقل ابن الجوزي عن أبي عبد الرحمن السلمي بعض الأقوال الشاذة في التفسير وقام بالرد عليها، فقال: «وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي

стр. 366

في تفسير القرآن من كلامهم الذي أكثره هذيان لا يحل نحو مجلدين، سماها (حقائق التفسير)، فقال - في فاتحة الكتاب عنهم - إنهم قالوا: إنما سميت فاتحة لأنها أوائل ما فاتحناك به من خطابنا، فإن تأدبت بذلك وإلا حرمت لطائف ما بعد، قال المصنف ﵀: وهذا قبيح، لأنه لا يختلف المفسرون أن الفاتحة ليست من أول ما نزل، وقال - في قول الإنسان (آمين): أي قاصدين نحوك، قال المصنف ﵀: وهذا قبيح لأنه ليس من (أم) لأنه لو كان كذلك لكانت الميم مشددة، وقال في قوله: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾ (١) أي من هواجس نفسه ووساوس الشيطان، وهذا غاية في القبح لأن لفظ الآية لفظ الخبر، ومعناه الأمر، وتقديرها: من دخل الحرم فأمنوه، وهؤلاء قد فسروها على الخبر، ثم لا يصح لهم، لانه كم من داخل إلى الحرم ما أمن من الهواجس ولا الوساوس» (٢). ثم قال ابن الجوزي - بعد أن ذكر جملة من هذه الأقوال الفاسدة في التفسير -: «وجميع الكتاب - يعني كتاب السلمي - من هذا الجنس، ولقد هممت أن أثبت منه ههنا كثيرا فرأيت أن الزمان يضيع في كتابة شيء بين الكفر والخطأ والهذيان، وهو من جنس ما حكينا عن الباطنية، فمن أراد أن يعرف جنس ما في الكتاب فهذا أنموذجه، ومن أراد الزيادة فلينظر في ذلك الكتاب» (٣). وأيضا نقل ابن الجوزي عن أبي حامد الغزالي قولا له في تفسير آية قرآنية ثم أتبعه بالرد عليه، فقال: "وقد ذكر أبو حامد الطوسي - في كتاب (ذم المال) في قوله : ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ (٤)

стр. 367

قال: إنما هي الذهب والفضة، إذ رتبة النبوة أجل من أن يخشى عليها أن تعبد الآلهة والأصنام، وإنما عني بعبادته حبه والاعتزاز به، قال المصنف ﵀: وهذا شيء لم يقله أحد من المفسرين، وقد قال شعيب: ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا﴾ (١)، ومعلوم أن ميل الأنبياء إلى الشرك أمر ممتنع لأجل العصمة، لا أنه مستحيل (٢)، ثم قد ذكر مع نفسه من يتصور في حقه الإشراك والكفر، فجاز أن يدخل نفسه معهم، فقال: ﴿واجنبني وبني﴾ ومعلوم أن العرب أولاده، وقد عبد أكثرهم الأصنام (٣). وبعد: فهذه أمثلة من شطحات الصوفية في التفسير، ذكرناها وكشفنا عن وجوه فسادها وبطلانها، وبذلك نكون قد وفينا هذا الموضوع حقه من الدراسة والبحث، وننتقل الآن إلى الموضوع الأخير من هذا الكتاب، ألا وهو تحريفات البهائية والقاديانية في التفسير والله ولي التوفيق

стр. 368

الفصل الخامس تحريفات البهائية والقاديانية في التفسير أولا - البهائية: البهائية نحلة شاذة منحرفة، ظهرت في القرن التاسع عشر الميلادي في بلاد فارس (إيران)، ومؤسس هذه النحلة رجل يدعى الميرزا حسين علي، الملقب ببهاء الله، وهذه النحلة ما هي إلا امتداد لنحلة أخرى سبقتها، تعرف باسم (البابية)، نسبة إلى رجل يسمى الميرزا علي محمد الشيرازي، الملقب بالباب، ولما تم إعدامه في سنة ١٨٥٠ م تولى الزعامة من بعده خليفته الميرزا حسين علي الملقب ببهاء الله، وعرف أتباعه باسم البهائيين. أما الزعيم الأول - وهو الميرزا علي محمد الشيرازي (الباب) - فقد ولد بمدينة (شيراز) في سنة ١٨١٩ م أو ١٨٢٠ م، ولما شب اشتغل بالتجارة إلى أن بلغ سن العشرين، وكان مع ذلك مشتغلا بالعبادة، وتسخير الروحانيات ومراقبة الكواكب وعمل الطلاسم، وكان يقضي النهار فوق سطح المنزل تحت أشعة الشمس المحرقة، منهمكا في الأذكار وعمل الطلاسم، فاعتراه بسبب ذلك ذهول، وحل به ضعف مستمر، فأشخصه خاله إلى (كربلاء) بالعراق خوفا عليه، ليستشفي بزيارة مشاهد آل البيت هناك، وتغيير المناخ، وهناك بدأ تحوله عما كان عليه، فقد التقى هناك برجل اسمه: (كاظم الرشتي الجيلاني) وهذا الرجل كان قد جمع بين التصوف والفلسفة والشريعة ومزج بينها، وجمع بين اعتقادات الشيعة الإمامية والإسماعيلية والأصول الفلسفية على نحو جديد، وعقائد هؤلاء لا يقرها الإسلام، وكان مما سمعه منه أن (المهدي) المنتظر ظهوره عند الشيعة هو الآن من سكان عالم روحاني، فلازم الباب هذا الرجل

стр. 369

وتأثر بكلامه، وبنى عليه أحلامه وخيالاته ثم انقطع عنه فجأة، ولازم الرياضة بمسجد الإمام (علي) مدة، ثم ظهر فجأة بمشروع جديد، هو حاصل تلك الشطحات السطوحية، والشطحات الروحانية الطاسمية، والكلام الفارغ الكاذب الذي سمعه من هذا الرشتي، والرياضة في مسجد الإمام (علي) ﵁، إذ قال: إنه (باب المهدي المنتظر)، وأنه المراد من الاثر المشهور: ﴿أنا مدينة العلم وعلي بابها﴾، وادعى أنه أرسلته العناية الإلهية لإصلاح ما أفسده علماء الدين الإسلامي بسوء فهمهم، واستطاع بذكائه وسعة حيلته وطلاوة عبارته ورخامة صوته أن يستغل بعض الجهلة وأنصاف المثقفين وأن يجعلهم يصدقونه في دعواه أنه (باب المهدي)، ولما لم يجد وقتئذ معارضة جادة من العلماء مضى إلى المرحلة الثانية من أحلامه، وهي النبوة، فزعم أن الوصول إلى الله لا يكون إلا من باب النبوة، وأنه نبي، وهو الباب الموصل إلى الله تعالى، فآمن به من آمنوا من قبل بأنه باب المهدي، واعتبروا هذه رتبة جديدة منحها الله له، وأطلقوا عليه (الباب)، بسبب هذا الزعم الذي قاله لهم، وسموا أنفسهم البابيين (١). ولما استفحل أمر هذا الرجل، وأخذت دعوته المسمومة تعمل عملها في نفوس الجهلة من الناس في إيران تنبه العلماء لخطورة هذه الدعوة، فقاموا في وجوهها، وعقد بعض الولاة بينهم وبين الميرزا علي هذا مجالس للمناظرة، فرأى بعضهم ما في أقواله من غرابة وخروج عن الدين الإسلامي، فأفتى بكفره، ورأى آخرون ما فيها من لغو وسخافة، فنسبه إلى الجنون واختلال الفكر. وأخيرا اعتقل هذا الرجل في (شيراز) ثم في (أصفهان)، وساقته الحكومة الإيرانية في عهد الملك ناصر الدين شاه إلى (تبريز). وثارت بين أشياعه وبين المسلمين فتن وحروب سفكت فيها الدماء، وكانت عاقبته أن أعدمته الحكومة.

стр. 370

في (تبريز) صلبا عام ١٢٦٥ هـ (١٨٥٠) (١) كما سبق أن ذكرنا. ولما أعدم الباب اختلف أتباعه في شأن من ينوب عنه، وكان الميرزا حسين علي الذي لقبوه بعد بهاء الله من شيعة الباب ودعاة نحلته، فقبض عليه وسجن في (طهران) بضعة أشهر، ثم أبعد إلى (بغداد) سنة ١٢٦٩ هـ، وهنا التحق طوائف من البابيين ببغداد، واجتمعوا حول الميرزا حسين الملقب بهاء الله، ثم حدث بينهم وبين الشيعة ببغداد شقاق كاد يفضي إلى قتال، فقررت الحكومة العثمانية وقتئذ إبعاد البابيين من العراق، فنقلتهم إلى (الأستانة) ونفتهم إلى (أدرنة)، وعلى أثر ذلك قام المسمى (بهاء الله) يدعو إلى نفسه، وزعم أنه هو الموعود به الذي أخبر عنه الباب، وأشار إليه بلفظ (من يظهره الله)، وقبل دعوته أكثر البابيين، وتسموا حينئذ بالبهائيين، وممن رفض دعوته أخوه الميرزا يحيى الملقب (صبح أزل)، ثم إن الحكومة العثمانية أمرت بإبعاد الفريقين من (أدرنة)، فنفت الميرزا يحيى وأتباعه إلى (قبرص)، ونفت البهاء وأتباعه إلى (عكا) بفلسطين، وبقي البهاء بعكا إلى أن هلك عام ١٢٠٩ هـ (٢). ولما هلك البهاء قام ابنه (عباس) بالأمر من بعده، ولقب نفسه بعبد البهاء وقدسه البهائيون كما فعلوا مع أبيه من قبل، ثم غير وبدل في نحلة (البابية)، وعما وأثبت ماشاء، وادعى أن ذلك وحي من الله، فخرج عليه أخوه (محمد علي) الملقب بغصن الله الأكبر، ورماه بالكفر، وانضم إليه عدد كبير من معتنقي البهائية وانقسم البهائيون فرقتين الناقضين وهم أتباع محمد علي، والمارقين وهم أتباع عباس، وهكذا سمت كل فرقة منهما أخيها، واستطاع عباس - بدهاء ومكره - أن يكتسح أخاه وفرقته، فكان يدخل نفسه في كل ملة.

стр. 371

فهو مسلم مع المسلمين، ويهودي مع اليهود، ونصراني مع النصارى، وبوذي مع البوذيين، وبرهمي مع البرهميين، ويوهم أهل كل دين بأنه معهم، وأنه يريد الإصلاح، وإزالة الضغائن بين أهل الأديان، ونسي هذا الطاغوت أن الحق لا يتعدد، وقد سلك أتباعه هذا المسلك الخادع في الشرق، وإنك لترى الكثيرين منهم يصلون الصلوات الخمس مع المسلمين جماعة، ويظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر ﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ (١) ولكنك تراهم في (أمريكا) يجهرون بعقيدتهم، ولا يخشون حسابا ولا نقدا، ولقد قدم عباس إلى الإسكندرية، بحجة الاستشفاء، وخدع الكثيرين هناك، فزعم أنه مصلح إسلامي، وكان قدومه في أوائل هذا القرن (٢). ولما قدم هذا الضال إلى مصر كان شيخ الأزهر في ذلك الوقت هو الشيخ (سليم البشري) فسئل عن هذا الرجل واستفتي فيه، ونشرت فتواه في أحد أعداد جريدة (مصر الفتاة) التي كان تصدر في القاهرة آنذاك، وإليك نص الحوار الذي دار بين أحد محرري هذه الجريدة وبين شيخ الأزهر: قال المحرر للشيخ الأكبر في مجمع من العلماء: ما رأي فضيلتكم في هذا الزعيم الديني الجديد؟ قال الشيخ الأكبر - وقد أظهر شيئا من الدهشة -: إن هذا الرجل الضال كان معتقلا في (عكا)، فما الذي جاء به إلى هذه البلاد؟ قال المحرر: إنه قد جاء يا مولانا، وهو الآن نزيل ثغر (الإسكندرية)، فما رأى فضيلتكم فيه؟ قال الشيخ الأكبر: إنه كافر (٣). كما روى الشيخ محمد رشيد رضا أن الإمام محمد عبده حين سئل عن

стр. 372

(عباس البهائي) أجاب إنه ضال مضل (١)، وأيضا سئلت لجنة الفتوى بالأزهر عن حكم هذه النحلة في الإسلام، فكان جوابها كما يلي: «الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم باحسان إلى يوم الدين، أما بعد فقد أطلعت اللجنة على هذا السؤال، وعلى البيان المرفق الذي شرح به المستفق مبادى. المذهب البهائي، ونفيد أن مذهب البهائية باطل، ليس من الإسلام في شيء، بل إنه ليس من اليهودية ولا النصرانية، ومن يعتنقه من المسلمين يكون مرتدا خارجا عن دين الإسلام، فإن هذا المذهب قد اشتمل على عقائد تخالف الإسلام، ويأباها كل الإباء، منها إدعاء النبوة لبعض زعماء هذا المذهب، وادعاء الكفر لمن يخالفه، وادعاء أن هذا المذهب ناسخ الجميع الأديان إلى غير ذلك. ومن المقرر شرعا أن المرتد لا يرث المسلم ولاغيره، وعلى هذا فمعتنق مذهب البهائية لا يرث غيره مطلقا وبهذا علم الجواب عن السؤال والله أعلم» (٢). أما عن مذهب البهائية فيرى المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين أنه في أصله - مستمد من الباطنية، وأن أصحاب هذا المذهب قد أخذوا عقائدهم وآراءهم من ضلالات الشيعة الباطنية فيقول ﵀: «ليست البهائية بالنحلة المحدثة التي لم يتقدم لها في النحل المارقة من الإسلام ما يشابهها، أو تتخذه أصلا تبني عليه مزاعمها، وإنما هي وليدة من ولائد الباطنية، تغذت من ديانات وآراء فلسفية، ونزعات سياسية، ثم اخترعت لنفسها صورا من الباطل، وخرجت تزعم أنها وحي سماوي، ولولا أن في الناس طوائف يتعلقون بذيل كل ناعق لما وجدت داعيا ولا مجيبا لندائها»، ثم قال: «عرفنا تاريخ الباطنية، وقرأنا بعض كتب البابية والبهائية فوجدنا روح الباطنية حلت في جسم ميرزا علي وميرزا حسين علي، فخرجت باسم البابية والبهائية، الباطنية يستدلون بكلام النبوة، ويحرفون كلم القرآن والحديث من

стр. 373

مواضعه، كما فسروا حج البيت العتيق بزيارة شيوخهم، والبابية أو البهائية يستدلون بالقرآن والحديث، ويذهبون في تأويلها إلى مثل هذا الهذيان نفسه، ولميرزا على المسمى بالباب تفسير السورة (يوسف) متي فيه على هذا النمط، فقال في قوله تعالى: «إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأ. رأيتهم لى ساجدين» (١): المراد من يوسف حسين ابن علي، والمراد بالشمس فاطمة، وبالقمر محمد وبالنجوم أئمة الحق، فهم الذين يبكون على يوسف سجدا، - إلى أن قال -: (ولم يكن تأويل البهائية وأسلافهم الباطنية لنصوص الشريعة على هذا الوجه الناقض لأصولها بشيء ابتدعوه من أنفسهم ابتداعا)، وإنما هو صنع عملوا فيه على شاكلة طائفة من فلاسفة اليهود من قبل، فانا نقرأ في ترجمة (فيلون) الفيلسوف اليهودي المولود ما بين عشرين وثلاثين قبل ميلاد المسيح أنه ألف كتابا في تأويل التوراة، ذاهبا إلى أن كثيرا مما فيها رموز إلى أشياء غير ظاهرة، ويقول الكاتبون في تاريخ الفلسفة: إن هذا التأويل الرمزي كان موجودا معروفا عند أدباء اليهود بالاسكندرية قبل زمن (فيلون)، ويذكرون أمثلة تأويلهم أنهم فسروا آدم بالعقل، والجنة برياضة النفس، وإبراهيم بالفضيلة الناتجة عن العلم، وإسحاق عندهم هو الفضيلة الغريزية، ويعقوب الفضيلة الحاصلة من التمرين (٢) إلخ وأخيرا يلخص لنا الشيخ محمد الخضر حسين هذا المذهب تلخيصا دقيقا، ويبين جذوره المختلفة، فيقول ﵀: «و ملخص القول في البابية والبهائية أنه مذهب مصنوع من ديانات ونحل وآراء فلسفية»، قال صاحب كتاب (مفتاح باب الأبواب) يصف البابيين: (لهم دين خاص مزيج من أخلاط الديانات البوذية والبرهمية الوثنية، والزرادشتة، واليهودية والمسيحية والإسلامية، ومن

стр. 374

واعتقادات الصوفية والباطنية)، وما زالت البهائية مذهبا قائما على أطلال الباطنية، يحمل في سريرته القصد إلى هدم الإسلام بمعول التأويل، ودعوى الرسالة والوحي بشريعة ناسخة لأحكامه، حتى جاء (عباس) عبد البهاء إلى هذا المذهب المصنوع، وأراد أن يكسوه ثوبا جديدا، فخطه بآراء التقطها مما يتحدث به بعض الناس على أنها من مقتضيات المدنية، أو مما كشفه العلم حديثا نحو التساوي بين الرجال والنساء في التعليم، ونزع السلاح وإنفاق الأمم على لغة واحدة تدرس في العالم كله، وتأسيس محكمة عمومية تحل مشاكل الأمم، أن الإنسان تدرج بالارتقاء من أبسط الأنواع، حتى وصل شكله الحالي (نظرية دورين)، ولهج - بعد هذا بكلمة نشر السلام العام، ونبذ العصبيات الدينية، وقد تخيل (عباس) أنه بإدخال مثل هذه الآراء في مذهب البهائية يستدرج المولعين بالجديد من النابتة الحديثة، ولهذا الطمع ترونه بقول: «تحتوي تعاليم بهاء الله على جميع آمال ورغائب فرق العالم، سواء كانت دينية أو سياسية أو أخلاقية، وسواء كانت من الفرق القديمة أو الحديثة، فالجميع يجدون فيها دينا عموميا في غاية الموافقة للعصر الحاضر، وأعظم سياسة للعالم الإنساني» (١). هذا - ومن المعروف أن ثمة صلة وثيقة بين البهائية من جهة وبين الصهيونية من جهة أخرى، لا سيما إذا علمنا أن معقل البهائين إنما هو في (عكا)، وهي مدينة فلسطينية تقع تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ سنة ١٩٤٨ م، ومن ثم فإن أصحاب هذه النحلة الضالة يعملون دائما بوحي من الصهيونية العالمية، ويدورون في فلك مخططاتها، وهذا هو أحد زعمائهم وهو عباس البهائي - يقول في تزلفه إلى اليهود: إنه يريد أن يوحد بين المسلمين والنصار، واليهود، ويجمعهم على أصول نواميس موسى ﵇ الذي يؤمنون به جميعا (٢). والبهائيون - في موالاتهم لأعداء الله إنما يسيرون علي سنن أسلافهم.

стр. 375

من الباطنية الذين كانوا دائما حربا على الإسلام وأهله، وكان لهم دور بارز في إسقاط الخلافة العباسية على يد المغول، يقول الشيخ محمد الخضر حسين - معلقا على كلام عباس البهائي سالف الذكر: «ولا أحسب عبد البهاء عباسا يقصد من هذا الحديث إلا التزلف لليهود، والتظاهر بموالاتهم، ليجعلهم من أشياعه، وإلا فكيف يقع في خاطر من عرف القرآن أن يعمل على صرف الناس عن شريعة الإسلام ويرجع بهم إلى شفا حفرة من النار بعد أن أنقذهم الله منها، يذكر الشيخ ابن تيمية أن الباطنية هم دائما مع كل عدو للمسلمين، وقال: (إن التتار ما دخلوا بلاد الإسلام، وقتلوا خليفة (بغداد) وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم) وكذا نجد في البابية تحيزا إلى أعداء المسلمين، وانظروا إلى عباس عبد البهاء كيف يتحيز إلى اليهود ويبشر بأن فلسطين ستصير وطنا لهم، فقال: (سيجتمع بنو إسرائيل في الأرض المقدسة، وتكون أمة اليهود التي تفرقت في الشرق والغرب، والجنوب والشمال مجتمعة) وقال: (تأتي طوائف اليهود إلى الأرض المقدسة، ويزدادون تدريجيا الى أن تصير جميعا وطنا لهم) فالبهائية شأنهم شأن الباطنية في بغض الإسلام وموالاة خصومه، ولنا الأمل الوثيق في أن العرب وسائر المسلمين من ورائهم سيقفون في وجه الاستعمار الصهيوني، والدعاية البهائية التي تظاهرها وتساندها، حتى تبقى (فلسطين) وطنا عربيا إسلاميا، على الرغم من عبد البهاء والبهائيين» (١).

стр. 376

أمثلة من تحريفات البهائية في التفسير وعلى الرغم من أن البهائيين - كما ذكرنا - لا صلة لهم بالإسلام، وأنهم قوم ضالون نجدهم كثيرا ما يتمسحون بالإسلام، لكي يوهموا السذج من الناس بأنهم لا يزالون مسلمين، وقد ورد عن بعض هؤلاء تفسير لبعض آيات القرآن الكريم، وتفسيرهم هذا ما هو إلا تحريف للكلم عن مواضعه، وإلحاد في آيات الله تعالى، شأنهم في ذلك شأن أسلافهم من الباطنية، وإليك أمثلة من تحريفاتهم في مجال التفسير لترى مقدار هذيانهم وتلاعبهم بالنصوص القرآنية: المثال الأول: في تفسير قوله تعالى: ﴿إذ قال يوسف لأبيه ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (٤)﴾ (١) يقول الميرزا علي محمد الملقب بالباب: «وقد قصد الرحمن من ذكر يوسف نفس الرسول، وثمرة البتول، حسين بن علي بن أبي طالب مشهودا إذ قال حسين لأبيه يوما: إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم بالإحاطة على الحق الله القديم سجادا، وإن الله قد أراد بالشمس فاطمة، وبالقمر محمدا، وبالنجوم أئمة الحق في أم الكتاب معروفا، فهم الذين يبكون على يوسف باذن الله سجدا وقياما» (٢). فانظر إلى أي مدى بلغ هذا الرجل في الهذيان، وكيف حمل ألفاظ القرآن

стр. 377

ما لا يحتمل من المعاني، وكيف نقلنا من قصة يوسف ﵇ إلى قصة الحسين بن علي ﵁، إنه يقول: إن المراد بيوسف الحسن، وبالشمس والقمر فاطمة ومحمد ﷺ ، وبالكوكب الأئمة من آل البيت، وهؤلاء جميعا يكونون على الحسن سجدا وقياما، وإننا نتساءل: ما علاقة هذا كله بقصة يوسف ﵇، والرؤيا التي رآها في المنام في مقتبل عمره؟ أليس هذا قريبا من منزع أولئك الذين قالوا إن المراد من البقرة عائشة في قول الله تعالى: ﴿وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾ (١). واستمع معي إلى ابن كثير يحدثنا عن التأويل الصحيح للآية، فيقول ﵀: «وقد تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام: أن الأحد عشر كوكبا عبارة عن إخوته يعني يوسف وكانوا أحد عشر رجلا، والشمس والقمر عبارة عن أبيه وأمه. روى هذا عن ابن عباس والضحاك وقتادة وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة، وقيل: ثمانين سنة، وذلك حين رفع أبويه على العرش، وهو سريره، وإخوته بين يديه ﴿وخروا له سجدا﴾، وقال يا أبت: ﴿هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا﴾ (٢)، وكان السجود سائغا في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم ﵇، ثم حرم هذا في الإسلام، وجعل السجود مختصا لرب العزة ﷻ ». المثال الثاني: وهذا هو أحد دعاة البهائية ويدعى أبا الفضل الجرباذقاني الإيراني ي فسر لنا قول الله تعالى: ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾.

стр. 378

فيقول: المراد بالليل - كما سمعته مني مرارا هي عبارة عن أيام غيبة شمس الحقيقة، واليوم - على حسب ما نزل في التوراة المقدسة - يحسب كل يوم واحد بسنة واحدة، وكان موسي ﵇ لما فارق أرض مصر، وفر من فرعون وملئه إلى مدين كان ابن ثلاثين، وأقام في مدين عشر سنوات، يشتغل فيها برعي أغنام (شعيب) النبي ﵇، وكان في طي هذه المدة التي كانت كالليالي المظلمة، والدياجي الكالحة من ظلم الفراعنة، وأوهام الصابئة، مشتغلا بتهذيب نفسه، وتطييب أعراقه، وتنقية فؤاده، والمناجاة مع ربه في وحدته وانفراده، فلما طاب خلقه، وتم خلقه، بعثه الله نبيا لهداية بني إسرائيل، وإنقاذهم من ذلك الوبيل، فالمراد بأربعين ليلة هو أربعون سنة، أقام موسى ﵇ في أثنائها في مصر ومدين، ولا تنافي كلمة (واعدنا) هذا التفسير، حيث ظاهرها يقتضي تكلم الرب مع موسى قبل بعثته، فإن أمثال هذه الكلمة كثيرا ما أطلقت على ما ألقي في الروع، وألهم في القلب، حتى على الحيوانات، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا﴾ إلخ (١). وهذا التأويل الشاذ الذي انفرد به هذا الرجل مخالف لما أجمع عليه المفسرون من وجوه: الوجه الأول: أنه فسر الليالي بالأعوام، واستند في تفسيره هذا إلى نص جاء في التوراة، فهل يصح الرجوع في تفسير كلمة عربية وردت في القرآن الكريم إلى أشياء جاءت في التوراة، الله أعلم بصحتها، ومن المعلوم بداهة أن تفسير الليالي بالأعوام أمر لم يعهد في لغة العرب، إذ الليالي شيء والأعوام شيء آخر.

стр. 379

والوجه الثاني: أنه قال إن المواعدة كانت بالإلهام لا بالوحي، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾، وهذا الذي قاله مخالف لما هو معروف من أن مواعدة الله للرسل وخطاباته معهم لا تكون إلا بطريق الوحي الكريم، إذ أننا لا نلجأ إلى تأويل هذه الأشياء بالإلهام إلا إذا كانت هناك ضرورة تقتضى ذلك، مثل أن تسند إلى إنسان لم تثبت نبوته أو حيوان. ففي هذه الحالة نحملها على الإلهام دون غيره. والوجه الثالث: أنه فسر الآية على أساس أنها تصور لنا أن موسى ﵇ بعث على رأس الأربعين، وأن ميقات ربه هو الوقت الذي بعثه الله فيه رسولا إلى فرعون وملئه، وهذا الذي قاله مخالف للسياق، إذ أن الآيات السابقة تتحدث عن إغراق فرعون في البحر، ومجاوزة موسى بنى إسرائيل البحر، ونجاتهم من فرعون وعمله، والآيات اللاحقة تشير إلى نزول التوراة على موسى ﵇، فسياق الآيات يقضى بأن المواعدة هنا إنما كانت في الفترة ما بين هذا وذاك، فقد روى أن موسى ﵇ وعد بني إسرائيل وهم بمصر إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ﵇ ربه الكتاب، فأمره الله أن يصوم ثلاثين، فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فمه فتسوك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام، ولما أتم موسى ﵇ الأربعين ليلة جاء لميقات ربه، قال تعالى: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (١٤٣) قال ياموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين (١٤٤) وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (١٤٥)﴾ (١).

стр. 380

المثال الثالث: وفي تفسير قول الله تعالى: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله﴾ (١) نجد أبا الفضل الإيراني البهائي يقول: «ليس المراد من تأويل آيات القرآن معانيها الظاهرية ومفاهيمها اللغوية، بل المراد المعاني الخفية التي أطلق عليها الألفاظ على سبيل الاستعارة والتشبيه والكناية». ثم قال بعد هذا: «قرر الله تنزيل تلك الآيات على ألسنة الأنبياء، وبيان معانيها وكشف الستر عن مقاصدها إلى روح الله حينما ينزل من السماء» - وقال: «إنما بعثوا ﵈ لسوق الخلق إلى النقطة المقصودة، واكتفوا منهم بالإيمان الإجمالي، حتى يبلغ الكتاب أجله، وينتهى سير الأفئدة إلى رتبة البلوغ، فيظهر روح الله الموعود، ويكشف لهم الحقائق المكنونة في اليوم المشهود» - وقال: «وفي نفس الكتب السماوية تصريحات بأن تأويل آياتها إلى معانيها الأصلية المقصودة لا تظهر إلا في اليوم الآخر، يعني يوم القيامة، ومجيء مظهر أمر الله وإشراق آفاق الأرض ببهاء وجه الله» ثم قال: «ولذلك جاءت تفاسير العلماء من لدن نزول التوراة إلى نزول البيان (٢) تافهة باردة عقيمة جامدة، بل مضلة مبعدة، محرفة مفسدة (٣)». ونحن إذا ما استعرضنا هذه الفقرات فاننا نجدها مشتملة على ما يأتي من الضلالات والافتراءات: ١ - أن هذا البهائي الضال يزعم أن تأويل القرآن لا يؤخذ إلا من روح الله الموعود، وروح الله في نظره هو البهاء وهو المراد بالنقطة، وهو الذي يكشف للناس الحقائق المكنونة في اليوم الموعود، وهذا الزعم لا أساس له لأن تأويل القرآن مستمد في المقام الأول من مشكاة النبوة.

стр. 381

قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (١) ثم يأتي بعد ذلك اجتهاد المجتهدين. ٢ - أنه كذلك يزعم أن البيان كتاب منزل من السماء، وهذا هو اعتقاد البهائيين جميعا، فإنهم لا يؤمنون بأن محمدا ﷺ خاتم النبيين بل يقولون: إن الباب نبيء، والكتاب الذي أنزل عليه هو البيان، ويزعمون أنه المشار إليه في قوله تعالى ﴿الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان علمه البيان﴾ (٢) فالإنسان هو الباب، والبيان هو كتابه المنزل عليه من السماء «كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا» (٣). ٣ - أنه يزعم أن يوم القيامة هو اليوم الذي ظهر فيه البهاء، ومعنى ذلك أنه ينكر أن يكون هنالك يوم للبعث والحساب والجزاء، وفيه يقوم الناس لرب العالمين، وهذا الزعم الذي جاء على لسان هذا الضال وقلمه إنما هو مستمد من مذهب الباطنية، الذين أرادوا القيامة، وقالوا: إنها رمز إلى خروج الإمام، وقيام الزمان، وهو السابع الناسخ للشرع، المغير للأمر (٤). ٤ - وأخيرا نجده يتهم التفاسير كلها من لدن نزول التوراة إلى وقتنا هذا - ومن جملتها تفاسير القرآن الكريم - يتهمها بأنها تافهة وباردة، وعقيمة وفاسدة، والحق أن هذه الأوصاف التي وصف بها التفاسير، لا تنطبق إلا على تفسير واحد، هو تفسير هذا الضال وأمثاله من المنحرفين. ويجدر بنا هنا أن نكشف النقاب عن المعنى الصحيح للآية الكريمة التي

стр. 382

نحن الآن بصددها، والتي ألقي عليها هذا البهائي ظلالا من الشبهات والظلمات، فقد قال الإمام الآلوسي ﵀ في تفسيرها: «والمراد أنهم - أي الكفار - سارعوا إلى تكذيب القرآن من غير أن يتدبروا ما فيه، ومعنى قوله «ولما يأتهم تأويله»: ولم يقفوا بعد على معانيه الوضعية والعقلية المنبئة عن علو شأنه وسطوع برهانه، فالتأويل نوع من التفسير، والإتيان مجاز عن المعرفة والوقوف، ولعل اختياره للاشعار بأن تلك المعاني متوجهة إلى الأذهان منساقة إليها بنفسها، وجوز أن يراد بالتأويل: وقوع مدلوله، وهو عاقبته وما يئول إليه وهو المعنى الحقيقي عند بعض، فاتيانه حينئذ مجاز عن تبينه وانكشافه، أي ولم يتبين لهم إلى الآن تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب، حتى يظهر أنه صدق أم كذب والمعنى أن القرآن معجز من جهة النظم والمعنى، ومن جهة الإخبار بالغيوب، وهم فاجئوا بتكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه، ويتفكروا في معناه، أو ينتظروا وقوع ما أخبر به من الأمور المستقبلة» (١). المثال الرابع: وفي تفسير قول الله تعالى: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (١٤٣)﴾ (٢) يذكر لنا أبو الفضل الإيراني معنى الكلمة (الجبل) لا وجود له في لغة العرب فيقول: (اعلم - أيها الحبيب اللبيب - أن أهل البيان كثيرا ما أطلقوا في عبارتهم لفظ (جبل) على أكابر الرجال استعارة، سواء كانوا من صناديد الدولة والملك، أو من فروع أهل العلم والفضل، كما أطلق أمير المؤمنين ﵇ على مالك بن الحارث

стр. 383

النخعي المعروف بالأشتر، لما اشتهر ذكر وفاته، وأخبر بمماته، ومقامه ﵇ معلوم لديك في الفصاحة والبراعة، ورسائله وخطبه استغنية عن المدح والإطراء بالطلاوة والصناعة وعبارته هذه مذكورة في (نهج البلاغة)، وهذه استعارة في غاية المناسبة واللطافة، حيث أن أكابر الرجال هم بمنزلة الأوتاد، لاستقرار أرض المعارف والديانة، أو الأمة والدولة، وكثيرا ما أطلقه داود ﵇ في مزاميره، وسائر الأنبياء من بني إسرائيل في كتبهم على الرب تعالى، كما جاء في مزمور (٤٢): (أقول الله صخرتي: لماذا نسيتني) وجاء في مزمور (٧١): (كن لي صخرة وملجأ أدخله دائما، أمرت بخلاصي لأنك صخرتي وحصني) إلى كثير من أمثالها، فإذا عرفت هذا فاعلم أن موسى ﵇ إنما طلب رؤية الله تعالى بسبب اقتراح الشعب عليه أن يريهم الله، كما يدلك عليه قوله تعالى: ﴿أرنا الله جهرة﴾ (١) إلا أن الله تعالى أخبره بأن رؤيته موقوفة باستقرار جبال المعلم والإيمان، في مكانهم من الإذعان واليقين، ولكنهم بسبب عدم بلوغهم إلى المقام الثابت الراسخ المكين، من العلم والمعرفة واليقين، فلا بد وأن تندك جبال وجودهم، ويتزعزع بنيان إذعانهم المعبودهم حين لقائه، فيتبدل إيمانهم بالكفر، ويقينهم بالشك، وإقبالهم بالإعراض، حيث لم تكمل بعد مراتب عرفإنهم، ولم يبلغ إلى الدرجة العليا بنيان إيمانهم، فلم يبلغوا بعد إلى رتبة استحقاق الرؤية واللقاء ولم يصعدوا إلى درجة الاستقرار والبقاء، فلا بد من ظهور الأنبياء وقيام الأصفياء، لتربية أشجار الوجودات البشرية، وتكميل معارفهم بالإيمان على مر الدهور وطي العصور، حتى يبلغوا إلى درجة التمكن والاستقرار، حينئذ يتجلى عليهم رب الأرض والسماء، ويتشرف البالغين منهم إلى درجة المشاهدة واللقاء، فخلاصة تفسير الآية الكريمة: أن موسى ﵇ قال رب أرني انظر إليك، حيث إن الشعب طلبوا منه رؤية الله تعالى، فأجابه الله تعالى بأنك لن تراني، لأن بني إسرائيل لم يبلغوا بعد إلى درجة كمال

стр. 384

وجودهم، ولم يستعدوا للقاء معبودهم، فانظر إلي جبال الوجودات، ومقادير استقرار الإيقان، فإن استقر جبل الوجود في مقام إيمانه وإيقانه حين تجلى المعبود، ولم يتزلزل ولم يتزعزع من مقامه حين الشهود، حينئذ استعد للقاء الله، واستحق للوقوف بين يدي الله، والتشرف برؤية الله، ثم تجلى الرب لأحد من تلك الأمة ممن كان من رؤساء الشعب، ومن جبال الإيمان والإيقان، فاندك وجوده، وتضعضع إيمانه، واضطرب إيقانه، فانصعق موسى من ذلك الامتحان، وعرف مقدار صعوبة الافتتان، فندم على ما سأل الرؤية للطالبين، ورجع في الحين، وقال: «سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين» (١). فأنت ترى هنا أن هذا الرجل قد صرف لفظ (الجبل) عن معناه الأصلي وهو الذي ورد في الأخبار من أنه جبل طور سيناء - إلى معنى مجارى وهو الرجل الذي يكون إيمانه راسخا ويقينه ثابتا - من غير ضرورة تدعو إلى ذلك، ولعل الذي دفعه إلى هذا التأويل المنحرف هو أنه يؤمن - كغيره من البهائيين - أن الله لا يتجلى بذاته، وإنما يتجلى في صور الأنبياء، وأن تجليه الأعظم إنما هو في ظهور (البهاء)، ويصور لنا عباس (عبد البهاء) هذه العقيدة الضالة فيقول: «وقد أخبرنا بهاء الله بأن مجيء رب الجود والرب الأولى ومخلص العالم الذي لا بد منه في آخر الزمان، كما أنذر جميع الأنبياء عبارة عن تجليه في الهيكل البشري، كما تجلي في هيكل (عيسى) الناصري، إلا أنه تجليه في هذه المرة أتم وأكمل وأبهى، فعيسى وغيره من الأنبياء هيأوا الأفئدة والقلوب لاستعداد هذا التجلي الأعظم، يريد بهذا أن الله تجلى فيه بأعظم من تجليه في أجسام الأنبياء على ما يزعم»، وقال مهذارهم أبو الفضل الإيراني: «فكل ما توصف به ذات الله، ويضاف ويسند إلى الله من العزة والعظمة، والقدرة والعلم، والحكمة والإرادة والمشيئة وغيرها من الأوصاف

стр. 385

والنعوت إنما يرجع بالحقيقة إلى مظاهر أمره، ومطامع نوره، ومهابط وحيه، ومواقع ظهوره» (١). وبعد فنكتفي بهذه الأمثلة من تحريفات البهائية في التفسير، وهي إن دلت على شيء فانما تدل على مقدار ما وصل اليه هؤلاء الناس من سخافة التفكير، وسماجة التعبير، وجهالة العقل، وسفاهة الرأي، نسأل الله أن يجنبنا الزلل في القول والعمل، إن ربي سميع مجيب، والآن ننتقل إلى نوع آخر من التحريفات، وهي تحريفات القاديانية في التفسير، والله المستعان وهو نعم المولى ونعم النصير.

стр. 386

ثانيا - القاديانية القاديانية نحلة ضالة ظهرت في القرن التاسع عشر الميلادي بالهند، على يد رجل يدعى الميرزا غلام أحمد القادياني. وقد ولد غلام أحمد هذا سنة ١٢٥٢ هـ (١٨٣٩ م)، وكان آباؤه الأولون يسكنون (سمرقند)، ثم رحلوا إلى الهند، واستوطنوا قرية (قاديان) بها، وصارت لهم الرياسة في تلك الناحية، ثم دارت عليهم الدوائر، وانهالت عليهم المصائب، وذهبت عنهم تلك الرياسة، ونهبت أموالهم، إلى أن جاء عهد الاحتلال البريطاني للهند، فرد إلى أبيه بعض القرى، وأعاد له شيئا من المجد القديم. ولما بلغ غلام أحمد أشده تلقى في (قاديان) مبادئ العلوم، ومنها الطب والمنطق والفلسفة، واشتغل بالوظائف فترة من الزمن، وقد أصيب في شبابه بلوثة عقلية، ونوبات عصيبة حادة، وكان يتداوى من مرضه بالأدوية وبعض المواد المسكرة (١). وفي سنة ١٨٧٦ م مرض أبوه، فزعم غلام أحمد أنه نزل عليه وحي من الله بأن أباه سيموت في الغروب، وكان هذا الإخبار - في زعم أتباعه - أول وحي نزل عليه، وأخذ بعد هذا يصرح ببعض آراء، زاعما أنه يتلقاها من طريق الوحي، وكان المسلمون يلاقون هذه المزاعم بالإنكار الشديد (٢).

стр. 387

وقد زعم في أول الأمر أنه مكلف من الله تعالى بإصلاح الخلق على نهج المسيح عيسى ابن مريم ﵇، وأن له إلهامات ومكاشفات إلهية يشهدها من يحضر إليه بقاديان، وتدرج من ذلك إلى ضلالات أخرى وهي: ١ - أن روح المسيح قد حلت فيه. ٢ - وأن ما يلهمه هو كلام الله كالقرآن الكريم والتوراة والإنجيل. ٣ - وأن المسيح سينزل آخر الزمان في (قاديان). ٤ - وأن (قاديان) البلدة المقدسة المكنى عنها في القرآن بالمسجد الأقصى، وهي الثالثة بعد مكة والمدينة. ٥ - وأن الحج إليها فريضة. ٦ - وأنه قد أوحي إليه بآيات تربو على عشرة آلاف آية. ٧ - وأن من يكذبه كافر. ٨ - وأن القرآن ومحمدا وسائر الأنبياء قبله قد شهدوا له بالنبوة، بل عينوا زمن بعثته ومكانها إلى غير ذلك من الضلالات (١). وهذا المذهب للقادياني الذي نادى به غلام أحمد يعتبر ولا شك ثورة على النبوة المحمدية والإسلام. وهذا هو أحد علماء المسلمين في الهند - وهو العلامة أبو الحسن الندوي - رئيس ندوة العلماء بالهند يحدثنا حديثا مستفيضا عن ضلالات هذا المذهب، وخطورته على الإسلام، ويستدل على ذلك بكلام القاديانيين أنفسهم، فيقول: «والحق أن القاديانية - مع الأسف - لم يفطن العالم الإسلامي لخطرها بعد، ولم يتنبه إلى أنها ليست مجرد عقيدة، أو طائفة دينية فحسب وإنما هي مؤامرة منظمة ضد النظام الإسلامي القائم، وثورة ماكرة على الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ ، ومعاندة له، إنها تزاحم الإسلام في كل شيء، وتريد أن تحل محله في العقيدة والفكر

стр. 388

والعاطفة، وأن تستولي على نصيبه من الطاعة والحب والاحترام والتقديس، إنها تتبجح بإعلان تفضيل الغلام القاديان على أكثر الأنبياء أولي العزم من الرسل فضلا عن الصحابة وأولياء هذه الأمة ومجدديها وأئمتها، ولا تعترف بفرق بين أصحابه وأصحاب النبي ﷺ . إنها تقول بمساواته لسيد المرسلين وزيادة، ومساواة خلفائه للخلفاء الراشدين، ومساواة بلده (قاديان) بمكة والمدينة - شرفهما الله - ومساواة الحج إلى (قاديان) بالحج إلى مكة، ففي كتاب (حقيقة النبوة) لمرزا بشير أحمد الخليفة الثاني: «إن غلام أحمد أفضل من بعض أولي العزم من الرسل (ص ٢٥٧) وفي صحيفة (الفضل) - المجلد الرابع عشر - (٢٩ أبريل سنة ١٩٢٧): «إنه كان أفضل من كثير من الأنبياء، ويمكن أن يكون أفضل من جميع الأنبياء»»، وفي صحيفة (الفضل) - المجلد الخامس -: «لم يكن فرق بين أصحاب النبي ﷺ وتلاميذ مرزا غلام أحمد، إلا أن أولئك رجال البعثة الأولى، وهؤلاء رجال البعثة الثانية» (عدد ٩٢ يوم ٢٨ مايو سنة ١٩١٨) وفي صحيفة (الفضل) - المجلد الثالث: مرزا هو محمد ﷺ ، وهو مصداق قوله: ﴿اسمه احمد﴾ (أنوار الخلافة ص ٢١) بل وتقول بفضله على سيد الأولين والآخرين ﵊ فيقول غلام أحمد نفسه في الخطبة الإلهامية (ص ١٧٧): لقد تجلت روحانية النبي ﷺ في الألف الخامس (كذا) بصفات إجمالية، ولم تكن الروحانيات قد بلغت غايتها وأوجها في ذلك العهد القاصر، بل كانت الخطوة الأولى في سبيل ارتقائها وكمالها، ثم تجلت هذه الروحانيات في الألف السادس، زمن المسيح الموءود (غلام أحمد) في أبهى حللها، وأرقى مظاهرها، ويزيد فينشد متطاولا: له خسف القمر المنير وإن لي … غسا القمران المشرقان أتنكر ومما جاء في فضل مدفن (غلام أحمد) ومساواته لمدفن سيد الرسل ﷺ في كتب القاديانيين وصحفهم ما نشرته صحيفة (الفضل) في

стр. 389

عدد (١٨٤٨) من المجلد العاشر الصادر في ديسمبر سنة (١٩٢٢) إعلانا عن قسم التربية في (قاديان): «إن الذي يزور قبة المسيح الموعود البيضاء يساهم في البركات التي تختص بقبة النبي الخضراء في المدينة، فما أشقى الرجل الذي يحرم نفسه من هذا التمتع في الحج الأكبر إلى قاديان»، ويعتقد القاديانيون أن (قاديان) هي ثالثة المقامات الثلاثة المقدسة، يقول محمود أحمد خليفة قاديان: «لقد قدس الله هذه المقامات الثلاث (مكة والمدينة وقاديان) واختار هذه الثلاث لظهور تجلياته» (الفضل ٣ سبتمبر سنة ١٩٣٥) وتتقدم القاديانية خطوة أخرى، فتطبق على (قاديان) مانزل من الآيات في بلد الله الحرام والمسجد الأقصي المبارك، يقول غلام أحمد - في حاشيته على (براهين أحمدية): - إن قوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾ (١) يصدق على مسجد قاديان (ص ٥٥٨)، ويقول في شعر ما ترجمته بالعربية: «إن أرض قاديان تستحق الاحترام، وأنها من هجوم الخلق أرض الحرم» (٢) (در ثمين - مجموع كلمات غلام أحمد ص ٥٢) وجاء في صحيفة (الفضل) - المجلد العشرين عدد (٣٣) -: «أن المراد بالمسجد الأقصى في قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾ هو مسجد قاديان، وإذا كانت (قاديان) تناهض البلد الحرام، وربما تفوق عليه، فلا بد أن السفر إليها يساوى الحج بل يفوق عليه»، وقد جاء في صحيفة (الفضل) - المجلد العشرين - عدد (٦٦): «الحج إلى قاديان حج ظلي إلى البيت الحرام»، وزادت على ذلك صحيفة (بيغام صلح) لسان حال الفرع اللاهوري فنشرت: «إن الحج إلى مكة بغير الحج إلى قاديان حج جاف

стр. 390

خشيب، لأن الحج إلى مكة اليوم لا يؤدي رسالته ولا يفي بغرضه (المجلد ٢١ عدد ٣٣) وهكذا ترشح القاديانية نفسها لتكون دينا عالمياله نبيه وأصحابه وخلفاؤه ومقدساته وتاريخه وشخصياته وأدبه، وتقطع صلة أتباعها ومعتنقيها عن التراث الإسلامي الخالد، وعن التاريخ الإسلامي، وعن الشخصيات الإسلامية، وعن منابع الإسلام الأولى ومصادره، وعن المقدسات الإسلامية، وعن مركز الإسلامي الروحي» (١). وعندما ظهر هذا الرجل في الهند، وأخذ يدعو الناس إلى هذه الضلالات والخرافات تصدى علماء الإسلام في الهند له، وكشفوا للناس عن كذبه وافترائه وفساد دعواه، وحذروا الناس من طاعته واتباعه، ويشرح لنا العلامة أبو الحسن الندوي هذه الجهود المشكورة التي قام بها علماء المسلمين في الهند لمقاومة هذا الرجل الضال وكشف ألاعيبه وأكاذيبه فيقول: «وقد فزع لهذه الفتنة القاديانية علماء الإسلام وقادة الفكر في الهند فحاربوها بأقلامهم وألسنتهم وعلمهم، وذلك أقصى ما كان يمكن في عهد الدولة الإنجليزية التي تبنت هذه الديانة والجماعة، وكان في مقدمة هؤلاء المجاهدين الشيخ محمد حسن البتالوي، ومولانا محمد علي المونكيري مؤسس ندرة العلماء، والشيخ ثناء الله الأمر تسري». والشيخ أنور شاه الكشميري، ومن أنشط الجمعيات والجماعات في محاربة هذه الفئة الباغية جمعية الأحرار، وعلى رأسها وفي مقدمتها الخطيب المصقع السيد عطاء الله البخاري الأمر تسري، ومن هؤلاء الموفقين المعسكر الإسلامي العظيم الدكتور محمد إقبال الذي صرح في مؤلفاته بأن القاديانية ثورة على نبوة محمد ﷺ ، ومؤامره ضد الإسلام، وديانة مستقلة، وأن القاديانية أمة وحدها ليست جزءا من الأمة الإسلامية العظيمة، ولا يخفى أن الدكتور محمد إقبال هو من كبار المثقفين المنورين الذين أنجبهم العالم الإسلامي في العصر الأخير، ومن كبار الدعاة إلى الاتحاد الإسلامي المتمسكين
следующие страницы →