← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 30169

الدخيل في تفسير القرآن الكريم

عبد الوهاب عبد الوهاب فايد

Полный текст (409 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قال ابن تيمية - في هذا الصدد -: «وذلك أن الله تعالى قال: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته﴾ (١)، وقال: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ (٢)، وقال: ﴿أفلم يدبروا القول﴾ (٣)، وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن، وكذلك قال: ﴿إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾ (٤) وعقل الكلام متضمن لفهمه» (٥). ٤ - أن المادة تمنع أن يقرأ قوم كتابه في فن من العلم، كالطب والحساب، ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله تعالى الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم (٦). ومن ثم نجد الخلاف في تفسير القرآن بين الصحابة قليلا جدا، نظرا لأنهم كانوا يتلقون هذا التفسير عن الرسول ﷺ مباشرة، وما دام المصدر الذي يأخذون عنه، والمورد الذي ينهلون منه - وهو الرسول ﷺ واحدا فقلما يحدث الاختلاف والنزاع. ٥ - ما أخرجه أحمد وابن ماجه عن عمر أنه قال: «من آخر ما نزل آية الربا، وإن رسول الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها»، فقد دل فحوى الكلام على أنه كان يفسر لهم كل ما نزل، وأنه إنما لم يفسر هذه الآية لسرعة موته بعد نزولها، وإلا لم يكن للتخصيص بها وجه (٧).

стр. 37

الفريق الآخر: - وعلى رأسهم السيوطي - يقولون: إن الرسول ﷺ لم يصح عنه - في تفسير القرآن إلا القليل، ومعظم ما ورد في هذا المجال من قبيل الأحاديث الموضوعة والضعيفة والشاذة والمنكرة، وفي ذلك يقول السيوطي: «قال الزركشي في البرهان: للناظر في القرآن لطلب التفسير مآخذ كثيرة، أمهاتها أربعة، الأول: النقل عن النبي ﷺ ، وهذا هو الطراز المعلم، لكن يجب الحذر من الضعيف منه والموضوع فإنه كثير، ولهذا قال أحمد: ثلاث كتب لا أصل لها المغازي والملاحم والتفسير، قال المحققون من أصحابه: مراده أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحاح متصلة، وإلا فقد صح من ذلك كثير، كتفسير الظلم بالشرك في آية الأنعام، والحساب اليسير بالعرض، والقوة بالرمي في قوله: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ (١) - قلت - أي السيوطي: - الذي صح من ذلك قليل جدا، بل أصل المرفوع منه في غاية القلة (٢): ويستدل هذا الفريق من العلماء على قولهم بأدلة منها: ١ - ما أخرجه البزار عن عائشة قالت: ما كان رسول الله ﷺ يفسر شيئا من القرآن إلا آيا بعدد علمه إياهن جبريل»، قال القاضي عبد الحق بن عطية - في هذا الصدد -: «ومعنى هذا الحديث: في مغيبات القرآن وتفسير مجملة، ونحو هذا مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف من الله تعالى، ومن جملة مغيباته ما لم يعلم الله به، كوقت قيام الساعة ونحوه، ومنها ما يستقرأ

стр. 38

من ألفاظه، كعدد النفخات في الصور، وكرتبة خلق السماوات والأرض» (١). ٢ - أن الرسول ﷺ دعا لابن عباس ﵁ وقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (٢) فلو كان التأويل - وهو التفسير - مسموعا كله من الرسول ﷺ كالتنزيل، وصادرا عنه لكل صحابته لكان علم للتأويل أمرا مشتركا بين الصحابة جميعا، ولما كان اختصاص ابن عباس بهذا الدعاء فائدة. ٣ - أن الصحابة والمفسرين اختلفوا في تفسير بعض الآيات، فقالوا فيها أقاويل مختلفة لا يمكن الجمع بينها، وسماع جميعها من رسول الله ﷺ محال، ولو كان الواحد مسموعا لرد الباقي، فتبين - على القطع - أن كل مفسر قال في المعنى بما ظهر له باستنباطه (٣). مناقشة أدلة الفريقين والرأي المختار في هذه المسألة: الحق أن كلا الفريقين مغال في قوله، ومبالغ في رأيه، فالفريق الأول وهو من يقول: إن الرسول ﷺ بين جميع معاني القرآن يمكن أن نناقشهم في أدلتهم فنقول: أولا: إن دليلهم الأول الذي استندوا إليه، وهو قوله تعالى - مخاطبا الرسول ﷺ : ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل

стр. 39

إليهم﴾، لا يدل على أن الرسول الكريم ﷺ مطالب ببيان كل معاني القرآن، بل تحتمل الآية أن الرسول ﵊ مطالب ببيان ما يحتاج من القرآن إلى البيان، وهذا ما ترشد إليه الآية الكريمة الأخرى - في هذا المقام - وهي قول الله تعالى: ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه﴾ (١) فإن مثل هذه الأمور التي يختلفون فيها هي التي تحتاج إلى البيان من الرسول ﷺ . ثانيا: أن دليلهم الثاني: وهو الأثر الذي ورد عن أبي عبد الرحمن السلمي - لا يدل على أن الصحابة تلقوا كل معاني القرآن مباشرة عن الرسول ﷺ كما هي الدعوى، بل يفيد أن الصحابة كانوا لا يتركون شيئا من القرآن حتى يتعلموا ما فيه من العلم والعمل معا، وهذا محتمل لأن يتعلم الصحابة ذلك من الرسول ﷺ ، أو يتعلموه من الصحابة إخوانهم. ثالثا: أن الآيات التي تحث الناس على تدبر القرآن لا تدل - دلالة قطعية - على أن الصحابة تلقوا كل معاني القرآن مباشرة عن الرسول ﷺ ، بل تفيد أن الصحابة أرشدوا إلى أن يتدبروا القرآن، وتدبرهم القرآن بواسطة فهمهم المعانيه لا يتعين أن يكون كله عن طريق الرسول ﷺ ، بل يجوز يكون البعض عن طريقه والبعض الآخر عن طريق غيره من الصحابة. رابعا: أن القياس - قياس كتاب الله على كتب الطب والحساب - قد بني على مقدمات خاطئة، لأن المطلوب في كل ليس هو الاستيضاح

стр. 40

والاستشراح على إطلاقهما، بل المطلوب هو فهم هذه الكتب، واستيعاب ما جاء فيها، أهم من أن يكون ذلك بواسطة أو بغير واسطة. خامسا: أن الحديث الذي يفيد أن الرسول ﷺ لم يفسر آية الربا يدل دلالة واضحة على أنه ﵊ لم يفسر كل آيات القرآن الكريم، ومن ثم يسقط استدلالهم بهذا الحديث على دعواهم. أما الفريق الثاني - وهم الذين يقولون: إنه لم يصح عن الرسول ﷺ في تفسير القرآن إلا القليل فيمكن أن نناقشهم بما يلي: أولا: أن استدلالهم بحديث عائشة - وهو: «ما كان رسول الله ﷺ يفسر شيئا من القرآن إلا آيا بعدد علمه إياهن جبريل» - استدلال باطل، لأن الحديث منكر (١)، والحديث المنكر لا ينهض للاستدلال به. ثانيا: ان دعاء الرسول ﷺ لابن عباس بأن يفقهه الله في الدين، ويعلمه التأويل يدل على أن الرسول ﷺ لم يفسر كل آيات القرآن، ولكنه لا يدل على أنه فسر النزر القليل فقط، كما هو المدعى، وأيضا فإن اختلاف الصحابة والمفسرين بالنسبة لتفسير القرآن الكريم يدل على أن الرسول ﷺ لم يتناول القرآن كله بالتفسير، ولكنه لا يدل بحال على أنه فسر النزر القليل فقط. كما يدعون. والذي تميل إليه في هذه المسألة هو النوسط بين الرأيين المتعارضين، ذلك أننا نرى أن الرسول ﷺ فسر جانبا كبيرا من القرآن الكريم، إلا إنه لم يستوعب القرآن كله بالشرح والبيان، ومن هنا نجد في كتب الحديث التي ألفت على الأبواب بابا معينا أو كتابا معينا يخصصه أصحاب

стр. 41

هذه الكتب للتفسير، وقد أوردوا في هذا المجال طائفة كبيرة من الأحاديث الصحيحة والحسنة، كما نجد - في كتب التفسير التي انتهجت منهج التفسير بالمأثور - أحاديث كثيرة وصحيحة وردت عن الرسول ﷺ في تفسير القرآن الكريم قال أستاذنا الجليل الدكتور محمد حسين الذهبي ﵀ «والرأي الذي تميل إليه النفس، بعد أن اتضح لنا مغالاة كل فريق في دعواه، وعدم صلاحية الأدلة لإثبات المدعى، هو أن نتوسط بين الرأيين، فنقول: إن الرسول ﷺ بين الكثير من معاني القرآن لأصحابه، كما تشهد بذلك كتب الصحاح، ولم يبين كل معاني القرآن، لأن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه ما لا يعذر أحد في جهالته كما صرح بذلك ابن عباس - فيما رواه عنه ابن جرير - قال: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله» (١). أمثلة من بيان القرآن بالسنة: إن وظيفة السنة النبوية هي تفسير القرآن الكريم، والكشف عن أسراره وتوضيح مراد الله منه، ووجوه بيان السنة للقرآن الكريم كثيرة، فهي إما بيان المجمل من القرآن الكريم، أو تقييد للمطلق، أو تخصيص للعام، أو توضيح للمشكل، أو بيان للناسخ، أو بيان لما قد أو بيان بزيادة على ما جاء في الكتاب، وإليك أمثلة على ما ذكرنا: ١ - بيان المجمل من الكتاب، كبيانه ﷺ للصلوات الخمس في مواقيتها وسائر أحكامها،

стр. 42

وكبيانه المقادير الزكاة وشروطها، والأموال التي تجب فيها، وبيانه لمناسك الحج، قال ﷺ حين حج بالناس - «خذوا عني مناسككم»، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» أخرجه البخاري. ٢ - تقييد المطلق من القرآن مثل الأحاديث التي بينت أن المراد من اليد في قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فأقطعوا أيديهما﴾ (١) هي اليمنى، وأن القطع من الكوع لا من المرفق. ٣ - تخصيص العام من القرآن مثل الحديث الذي بين أن المراد من الظلم في قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن (٢)﴾، هو الشرك، فإن بعض الصحابة فهم منه العموم حتى قال: (أينا لم يظلم؟)، فقال الرسول ﷺ : «ليس بذاك إنما هو الشرك» (٣). ٤ - توضيح المشكل من القرآن كالحديث الذي بين المراد من الخيطين في قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر (٤)﴾، فقد فهم منه بعض الصحابة العقال الأبيض والعقال الأسود، فأزال الرسول ﷺ هذا الإشكال بقوله: «بل هو سواد الليل وبياض النهار» (٥). ٥ - بيان النسخ - على رأي من يجيز نسخ الكتاب بالسنة ومثال ذلك حديث «لا وصية لوارث» فإنه ناسخ لحكم الوصية للوالدين والأقربين

стр. 43

الوارثين - الثابت بقوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين (١٨٠)﴾ (١) على أحد الوجوه في تفسير الآية. ٦ - بيان التأكيد، وذلك بأن يكون الحديث موافقا لما جاء في القرآن فيكون القصد من ذلك التأكيد، ومثال ذلك قوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه» - رواه الديلمي - فإنه يوافق قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (٢). ٧ - البيان بزيادة على ما جاء في الكتاب، ومن أمثلة ذلك قوله ﷺ في البحر -: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، وقوله ﵊ في الجنين الخارج ميتا من بطن أمه المزكاة -: «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، وما ثبت في الأحاديث من تحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وتحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم ربا الفضل، والقضاء باليمين مع الشاهد وغير ذلك، ويعتبر هذا كله من قبيل البيان للقرآن لأن الله تعالى يقول: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (٣) ويقول أيضا: ﴿ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (٥٩)﴾ (٤) ويقول كذلك: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا (٨٠)﴾ (٥).

стр. 44

ولنا أن نتساءل هذا: هل كان الرسول ﷺ له اجتهاد في فهم القرآن؟ أو بتعبير آخر: هل ما ورد عن الرسول ﷺ في تفسير القرآن كله بوحي من الله تعالى، أم أن بعضه كان بوحي من الله، والبعض الآخر كان باجتهاد من الرسول ﷺ ؟ الواقع أنني أميل إلى أن الرسول ﷺ كانت له - إلى جانب ما أوحاه الله إليه وحيا جليا أو خفيا - اجتهادات خاصة في بعض أمور الدين؛ ومن جملة هذه الأمور تفسير القرآن الكريم، والدليل على ذلك أمران: الأول: أن الرسول ﷺ عاتبه ربه في القرآن الكريم على خطئه [¬*] في مواقف معينة، مثل إعراضه عن عبد الله بن أم مكتوم، وموقفه من الأسرى في غزوة بدر، وإذنه للمخلفين من الأعراب في غزوة العسرة، ولا يمكن أن يعاتب الرسول ﷺ على أمر أوحاه الله إليه، بل لا بد أن يكون الرسول مجتهداً في هذه المواقف، والمجتهد معرض للصواب والخطأ، وليس في هذا الخطأ ما ينافي عصمة الرسول ﵊، لأن العصمة إنما تكون - في المرتبة الأولى - بالنسبة للتبليغ عن الله تعالى كما ذهب إلى ذلك المحققون من العلماء، قال أحد أساتذنا الأجلاء: «ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني إلى أنهم - أي الأنبياء - معصومون عما يخل بالتبليغ والرسالة عصمة مطلقة، لا يجوز عليهم في هذا الشأن عمد ولا سهو ولا غلط، لأنه لو وقع منهم ما يوجب الإخلال بالتبليغ - أي شئ - لكان وقوعه منهم مناقضا لمطلب المعجزة، وهو محال، ولأنه يرفع الوثوق بتبليغات النبي، فكل تبليغ يصدر عن النبي حينئذ يداخله احتمال أن يكون خطأ أو سهواً، وذلك ما لا ينظم عليه ثبات الشريعة، والمبادرة إلى العمل بالتكاليف الشرعية المخاطب بها الجمهور، وهذا الرأي هو الذي نؤمن بصحته

стр. 45

ونقتنع به» (١). وتكون عصمة الأنبياء أيضا من حدود الكبائر والصغائر عمدا أو سهوا، وكل ما يجوز صدوره من الأنبياء إنما هو من قبيل مخالفة الأولى، ومواقف الرسول ﷺ التي عاتبه الله بسببها من هذا القبيل. الثاني: إن الرسول ﷺ أذن لأصحابه بالاجتهاد عندما لا يجدون ما يطلبون في القرآن أو السنة، فقد قال ﵊ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمين: بم تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: بسنة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى الله ورسوله (٢)، وكيف يأذن الرسول ﷺ لأصحابه في أمر لم يكن مأذونا له فيه؟. بقي أن ننبه هنا إلى أمر عام بالنسبة لاجتهاد الرسول ﷺ في تفسير القرآن الكريم، وهو أنه - بناء على هذا الاجتهاد - لم يكن هناك مجال للخلاف أو الاختلاف لأن المرجع في النهاية إلى الوحي، وذلك لأن اجتهاد الرسول ﵊ إن كان صوابا فسيقره الله عليه، وإن كان خطأ فسينبه الله إلى موضع الخطأ فيه، قال الدكتور محمد عبد الله دراز - بعد أن قسم الأحاديث النبوية إلى قسمين: توقيفي وتوفيقي - «على أن هذا الامتياز لا يؤدي إلى نتيجة عملية، فسواء علينا عند العمل بالحديث

стр. 46

أن يكون من هذا القسم أو من ذاك، إذ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تبليغه صادق مأمون، وفي اجتهاده فطن موفق، وروح القدس يؤيده، فلا يقره على خطأ إن أخطأ في أمر من أمور الشريعة، فكان مرد الأمر في الحقيقة إلى الوحي في كلتا الحالتين، إما بالتعليم ابتداء، وإما بالإقرار أو النسخ انتهاء ولذلك وجب أن نتلقى كل سنته بالقبول» (١).

стр. 47

أقوال الصحابة والتابعين كمصدر أصيل من مصادر التفسير لحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى بعد أن بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاء عصر الصحابة - رضوان الله عليهم - فساروا على هدي الرسول ﷺ في كل شيء، في العلم والعمل معا. وفي مجال فهم القرآن وتفسيره كان الصحابة في عصر الرسول ﷺ كثيرا ما يلجأون إلى الرسول ﵊ لكي يتعلموا منه القرآن، ويتدبروا آياته، ويفهموا معانيه، ويقفوا على أسراره، وفي ذلك يقول أبو عبد الرحمن السلمي: (حدثنا الذين كانوا يقرأوننا القرآن كعثمان ابن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا) (١)، كما يقول القرطبي - في هذا الصدد: «ذكر أبو عمرو الداني في كتابه، البيان له بإسناده عن عثمان وابن مسعود وأبي: أن رسول الله ﷺ كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فيعلمنا القرآن والعمل جميعا» (٢). وبعد وفاة الرسول ﷺ كان هؤلاء الصحابة الذين أخذوا عنه ﵊ القرآن علما وعملا - مرجعا أساسيا في تفسير القرآن الكريم - لأنهم - كما يقول ابن تيمية وتلميذه ابن كثير - أدرى بذلك لما شاهدوه.

стр. 48

عن القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح والعمل الصالح، لاسيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين وعبد الله بن مسعود ﵁ (١). وكان منهج الصحابة في التفسير يقوم على أسس ثابتة، فهم يلجأون إلى القرآن نفسه أولا، فإن لم يجدوا لجأوا إلى السنة، فإن لم يجدوا لجأوا إلى الاجتهاد والرأي، وقلما كانوا يلجأون إلى أهل الكتاب في هذا المجال، وهذا المنهج الذي سار عليه الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يكن خاصا بالتفسير فقط، بل كان عاما في شئون حياتهم العملية والعلمية على السواء، يدلنا على ذلك حديث معاذ ابن جبل فقد قال الرسول ﷺ له حين بعثه إلى اليمين: «بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي، قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله» (٢). ثم إننا لنلاحظ أن اختلاف الصحابة في الرأي لا يكاد يذكر في عهد الرسول ﷺ ، وكيف يختلفون والرسول ﵊ معهم وبين ظهرانيهم؟ بيد أن الصحابة بعد وفاة الرسول ﷺ بدأوا يختلفون في الرأي بالنسبة لبعض أمور الدين، وبخاصة في المسائل التي لم يرد لها نص في الكتاب ولا في السنة، إلا أن الخلاف أو الاختلاف كان سرعان ما يحسم فيما بينهم؛ ولقد كانت خلافة الرسول ﷺ هي أول مظاهر هذا الخلاف أو الاختلاف؛ ولا منع قوم الزكاة بعد وفاة الرسول ﷺ اختلف عمر بن الخطاب مع خليفة

стр. 49

رسول الله أبي بكر الصديق في مسألة قتالهم، وهل قتالهم يجوز شرعا أم لا؟ وفي معركة (اليمامة) إحدى المعارك التي خاضها المسلمون ضد المرتدين استحر القتل (١) بقراء القرآن وحملته، وعلى إثر ذلك أشار عمر على أبي بكر بجمع القرآن خوفا من ضياعه بموت القراء في مواطن القنال، فاستدعى أبو بكر الصديق زيد بن ثابت وكلفه بجمع القرآن، وهذا الموضوع أيضا - على الرغم من أهمينه البالغة في الدين - لم يخل من الاختلاف في الرأي في بدايته بين أبي بكر وعمر تارة، وبين أبي بكر وزيد تارة أخرى كما ورد في الصحيح. لذا نستطيع أن نقول: إن اختلاف الصحابة في تفسير القرآن لم يظهر بصورة واضحة إلا بعد وفاة الرسول ﵊ غير أنه في عهد الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ كان الاختلاف في تفسير القرآن قليلا إلى حد كبير، وذلك لأسباب كثيرة أهمها ما يلي: ١ - أن عهد الشيخين كان قريبا من عصر النبوة الذي لا يكاد يذكر فيه اختلاف كما أسلفنا. ٢ - أن الصحابة كانوا في عهد الشيخين يلتزمون فيما بينهم بمبدأ الشورى وكان التشاور بينهم غالبا ما يؤدي إلى القضاء على الاختلاف، ويحسم مادة النزاع. ٣ - أن معظم الصحابة - في هذا العهد - كانوا في صقع واحد، ولم يتفرقوا في الأمصار كما كان عليه الحال فيما بعد، ومن ثم لم يتسع الخلاف بينهم. اتساعه في الأعصر التالية، فقد رأى عمر بن الخطاب بثاقب رأيه أن يستبقي الصحابة إلى حين في المدينة عاصمة الخلافة، ونهاهم عن الخروج إلى جهة

стр. 50

أخرى إلا بإذن خاص منه (١) ٤ - أن عهد الشيخين كان خاليا من الفتن الدامية التي أحدثها - بعد ذلك - أعداء الإسلام في الخارج والداخل نتيجة لامتداد الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها، ومن الواضح أن هذه الفتن هي التي عصفت بوحدة المسلمين، وشثت شملهم، وفرقت آراءهم. وفي أواخر عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ بدأت الفتنة تطل برأسها، وتعمل عملها في تفريق صف المسلمين، وتمزيق وحدتهم، وبالتالي في تعدد آرائهم، واختلاف مذاهبهم، وليس من الغريب إذن أن تجد الاختلاف في تفسير القرآن يتسع كثيرا بعد مقتل الخليفة عثمان ﵁، فقد كان مقتله بداية لقيام الفرق الإسلامية من أموية وشيعة وخوارج ومرجئة ومعتزلة وغيرهم، وكان كل أولئك يلجأون إلى القرآن الكريم فيفسرونه على حسب آرائهم ومذاهبهم؛ إلا أننا نستطيع أن نقول: إن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا أثناء هذه الفتن ملتزمين في تفسير القرآن الكريم بالمنهج الذي أقرهم عليه الرسول ﷺ في حديث معاذ ابن جبل الذي تقدم ذكره، أما الآراء الكثيرة المختلفة في تفسير القرآن فإنها - في الحقيقة - كانت آنذاك من اجتهاد بعض تلاميذهم من التابعين. والذين اشتهروا بتفسير القرآن من الصحابة - كما يقول السيوطي - عشرة وهم الخلفاء الراشدون، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأبي بن كعب؛ وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعرى وعبد الله بن الزبير (٢).

стр. 51

كما يذكر السيوطي أنه قد ورد عن جماعة من الصحابة غير هؤلاء اليسير من التفسير كأنس بن مالك وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو بن العاص» (١). وكل ما ثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم من أقوال في التفسير فذلك مصدر أصيل من مصادر التفسير يجب على المفسر لكتاب الله تعالى أن يرجع إليه عندما يعوزه القرآن والسنة؛ قال القاضي عبد الحق بن عطية: «وكل ما أخذ عن الصحابة فحسن متقدم» (٢). ونتساءل هنا: هل هؤلاء الصحابة كانوا جميعا على درجة واحدة بالنسبة الفهم القرآن وتفسيره؟ الحقيقة أن الصحابة لم يكونوا سواء في هذا المجال، لأنهم كانوا يختلفون - لا محالة - في أمور كثيرة، فقد كانوا يتفاوتون في العلم بلغتهم، فمنهم من كان واسع الاطلاع فيها عارفا بغريبها، ومنهم من كان دون ذلك، وكانوا يتفاوون في ملازمة الرسول ﷺ ويختلفون في حفظ القرآن، فمنهم من كان يحفظ القرآن كله، ومنهم من كان لا يحفظه كله، حتى قيل: إن بعض كبار الصحابة لم يكن يحفظ القرآن كله، وإنما كان جل اهتمامهم بالعمل - قال ابن قتيبة: «ولم يفرض الله على عباده أن يحفظوا القرآن كله، ولا أن يختموه في التعليم، وإنما أنزله ليعملوا بمحكمه، ويؤمنوا بمتشابهه، ويأتمروا بأمره وينتهوا بزجره، ويحفظوا للصلاة مقدار الطاقة؛ ويقرءوا فيها الميسور؛ قال الحسن: نزل القرآن اليعمل به؛ فاتخذ الناس تلاوته عملا، وكان أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم؛

стр. 52

وهم مصابيح الأرض؛ وقادة الأنام؛ ومنتهى العلم إنما يقرأ الرجل منهم السورتين والثلاث والأربع، والبعض والشطر من القرآن إلا نفرا منهم وفقهم الله لجمعه وسهل عليهم حفظه، قال أنس بن مالك: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا أي جل في عيوننا، وعظم في صدورنا، قال الشعبي: «توفي أبو بكر وعمر وعلي ﵏ ولم يجمعوا القرآن، وقال: لم يختمه أحد من الخلفاء غير عثمان» (١). وأيضا يقول القرطبي - في هذا الصدد -: «ذكر أبو بكر الأنباري: حدثني محمد بن شهريار حدثنا حسين بن الأسود حدثنا عبيد الله بن موسى من زياد بن أبي مسلم أبي عمرو عن زياد بن مخراق قال: قال عبد الله بن مسعود: إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن، ويصعب عليهم العمل به - حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا يوسف بن موسى حدثنا الفضل بن دكين حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر عن أبيه عن مجاهد عن ابن عمر قال: كان الفاضل من أصحاب رسول الله ﷺ في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يقرءون القرآن، منهم الصبي والأعمى، ولا يرزقون العمل به» (٢). فهذه الروايات - إن صحت - تدل دلالة واضحة على أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا سواء في حفظ القرآن الكريم، إلا أنني أشك كثيرا في صحة ما نقله ابن قتيبة عن الشعبي من أن أبا بكر وعمر وعليا ماتوا ولم يجمعوا القرآن الكريم،

стр. 53

إذ لا يعقل من هؤلاء الأئمة الراشدين، وهم من هم ملازمة للرسول ﷺ ألا يحفظوا القرآن في حياته ﵊، فضلا عن أن يموتوا وهم للقرآن غير حافظين، قال القرطبي: «وقد تظاهرت الروايات بأن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبي ﷺ لأجل سبقهم إلى الإسلام، وإعظام الرسول ﷺ لهم» (١) كما يقول السيوطي: «وقد ذكر أبو عبيد في كتاب (القراءات): القراء من أصحاب النبي ﷺ فعد من المهاجرين الخلفاء الأربعة» (٢) .. الخ. وأيضا كان من الصحابة من يعرف أسباب النزول، ومنهم من لا يعرفه. كذلك كان منهم من يحفظ الكثير من أحاديث الرسول ﷺ ومنهم من كان دون ذلك في الحفظ، من أجل هذه الأسباب كلها لم يكن الصحابة رضوان الله عليهم على درجة واحدة في فهم القرآن وتفسيره، قال مسروق: جالست أصحاب محمد ﷺ ، فوجدتهم كالإخاذ (٣) يروي الواحد، والإخاذ يروي الاثنين، والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ يروي المائة، والإخاذ لو ورد عليه الناس أجمعون لأصدرهم (٤). ولعل أبرز الصحابة جميعا في مجال التفسير ثلاثة: علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم، أما علي بن أبي طالب فقد ورد عنه الكثير في تفسير القرآن الكريم، ولا غرو في ذلك فقد

стр. 54

قال عامر بن واثلة: «شهدت علي بن أبي طالب ﵁ يخطب، فسمعته يقول في خطبته: سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا حدثتكم به، سلوني من كتاب الله فوالله ما من آية إلا أنا أعلم: أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل نزلت أم في جبل» (١). ومما يشهد لعلي -كرم الله وجهه- بالتقدم والإمامة في التفسير أن عبد الله ابن عباس وعبد الله بن مسعود - وهما من هما جلالة وقدرا قد أخذا التفسير عنه فقد قال ابن عباس: «ما أخذت من تفسير القرآن فمن علي بن أبي طالب» (٢) كما قال ابن مسعود: «لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله في تبلغه المطلي لأتيته، فقال له رجل: أما لقيت علي بن أبي طالب؟ فقال: بلى، قد لقيته» (٣). من هنا وصف ابن عطية وهو أحد أئمة التفسير في القرن الخامس الهجري - وصف علي بن أبي طالب بأنه صدر المفسرين والمؤيد فيهم (٤). وأما عبد الله بن عباس فإنه الذي دعا له الرسول ﷺ بقوله: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل»، فكان ترجمان القرآن والبحر وحبر هذه الأمة، وقد ذكر ابن عطية أن ابن عباس ﵄ يتلو علي بن أبي طالب في تفسير القرآن الكريم، إلا أن المحفوظ عنه في ذلك أكثر من المحفوظ عن علي بن أبي طالب، لأنه قد تجرد للأمر وكمله (٥)، كما ذكر ابن عطية كذلك أن ابن عباس كان يبدأ في مجلسه بالقرآن، ثم بالتفسير،

стр. 55

ثم بالحديث (١). ولقد تعددت الروايات عن ابن عباس ﵄ في التفسير، واختلفت طرقها، فمن جيد هذه الطرق طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه، قال أحمد ابن حنبل: «بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا» (٢)، قال السيوطي ﵀: «قال ابن حجر: وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث رواها عن معاوية بن صالح من علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وهي عند البخاري عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها في صحيحه كثيرا فيما يعلقه عن ابن عباس»، ثم قال السيوطي «وقال قوم: لم يسمع ابن أبي طلحة عن ابن عباس التفسير، وإنما أخذه من مجاهد أو سعيد بن جبير، قال ابن حجر: بعد أن عرفت الواسطة وهو ثقة فلا ضير في ذلك» (٣). وأوهى الطرق إلى ابن عباس ﵁ طرق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس - قال السيوطي: «فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير فهي سلسلة الكذب، وكثيرا ما يخرج منها الثعلبي والواحدي» (٤). وما أكثر الأقوال التي تنسب إلى ابن عباس كذبا في تفسير القرآن الكريم وابن عباس منها براء، مثل الأقوال التي تلقفها الملاحدة وأعداء الدين من المستشرقين وأذنابهم، فأثاروا بها الشبهات حول القرآن الكريم تارة، وحول صحابة رسول الله تارة أخرى باعتبار أنهم حملة الدين إلينا عن

стр. 56

الرسول ﷺ ، والملك بعد أن عرفت أن ثمة أقوالا تنسب إلى ابن عباس كذبا - تدرك معي معنى قول الشافعي ﵁: «لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث» (١). وأما عبد الله بن مسعود ﵁ فقد وضعه ابن عطية في المرتبة التالية لابن عباس ﵄ (٢)، ومما يدل على جلالته في علم التفسير ما قاله عن نفسه وهو في ذلك من الصادقين، فقد أخرج ابن جرير وغيره عنه أنه قال: «والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته» (٣). أمثلة من تفسير الصحابة للقرآن: ١ - ما أخرجه البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾» (٤)؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره، إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: (إذا جاء نصر الله والفتح) وذلك

стр. 57

علامة أجلك (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا)، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول (١). ٢ - كذلك اختلف علي بن أبي طالب مع عبد الله بن مسعود في الرأي بالنسبة للحامل المتوفى عنها زوجها، وكل منهما يستند بدليله من القرآن الكريم، ويتفرد بفهم خاص له، فقال علي ﵁: تعتد بأبعد الأجلين، جمعا بين الآيتين، آية البقرة المقتضية أن عدة المتوفى عنها زوجها أن تتربص أربعة أشهر وعشرا، وآية الطلاق المقتضية أن عدة الحامل أن تضع حملها، أما عبد الله ابن مسعود ﵁ فقد قال: تعتد بوضع الحمل، عملا بالآية الأخيرة، لتأخرها في النزول، فكان الاختلاف هنا بسبب تعارض ظواهر النصوص، فلجأ أحدهما إلى طريقة الجمع بين النصين، ولجأ الآخر إلى طريقة النسخ أو التخصيص (٢). ٣ - ومن ذلك أيضا ما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ رفعت إليه قضية رجل قتلته امرأة أبيه وخليلها، فتردد عمر في قتل الجماعة بالواحد، لأن كتاب الله يقول: ﴿النفس بالنفس﴾ (٣)، فقال علي بن أبي طالب ﵁: أرأيت يا أمير المؤمنين لو أن نفرا اشتركوا في سرقة جزور فأخذ هذا عضوا، وذاك عضوا أكنت قاطعهم؟ قال: نعم، قال: فكذلك، فأخذ عمر برأيه، وكتب إلى عامله: «أن اقتلهما، فلو اشترك فيه أهل صنعاء كلهم لقتلتهم به» (٤).

стр. 58

٤ - وقد ورد أيضا في مجال فهم القرآن وتفسيره لدى الصحابة أن عمر ﵁ وقف يوما يخطب في النهي عن التغالي في المهور، ويضع لها حدا أعلى، فيقول: لا تزيدوا مهور النساء على أربعين أوقية، وإن كانت بنت ذي القصة - يعني يزيد بن الحصين الحارثي - فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال، فقامت امرأة من صف النساء طويلة، في أنفها فطس، فقالت: ما ذلك لك، قال: ولم؟ قالت: لأن الله يقول: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا﴾ (١) فقال عمر رضوان الله عليه: امرأة أصابت ورجل أخطأ (٢). فقد فهمت هذه المرأة المسلمة أن القنطار في الآية بمعنى المال الكثير الذي لا يحد، وكان هذا الفهم منها صائبا وسديدا بدليل أن عمر - وهو من هو - صوب قولها، وخطأ نفسه، ورجع عما كان يعتزم القيام به من تحديد المهور. ٥ - أن ابن عباس ﵄ فسر الأجل في قوله تعالى: ﴿فلما قضى موسى الأجل﴾ (٣) بأنه عشر حجج لا ثمان محتجا بأنه رسول، والرسول يقضي أطيب الأجلين وأحسنهما، فعن سعيد بن جبير قال: «سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حور العرب فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس، فقال: قضى أكثرهما إن رسول الله ﷺ إذا قال فعل» (٤).

стр. 59

أستطيع بعد هذا أن نوجز المصادر التي اعتمد عليها الصحابة في التفسير فنقول: إن الصحابة كانوا يعتمدون - أساسا - في تفسير القرآن على القرآن أولا، ثم على السنة ثانيا، ثم على الاجتهاد ثالثا، وأنهم ما كانوا يلجأون إلى أهل الكتاب في تفسير القرآن الكريم إلا في أضيق الحدود، ومقابيس معينة، فما كانوا يلجأون إليهم قط في تفسير آيات العقائد والأحكام، بل كان سؤال أهل الكتاب - إن وجد - إنما يتعلق ببعض أخبار السابقين، وقصص الأنبياء والمرسلين، وأيضا ما كان الصحابة يسألون أهل الكتاب عن شيء من ذلك إلا إذا لم يجدوا في كتاب الله ولا في سنة رسوله ما يشفي غليلهم في هذا المجال، كذلك فإن الصحابة ما كانوا يسألون أهل الكتاب عن الأشياء الثانية والحقيرة، وأنهم أيضا ما كانوا ينقلون عنهم في هذا المجال - ما يخالف حقائق الدين، أو مسلمات العقل السليم، ومن ثم فإن ما ننسب إلى الصحابة من خرافات وأساطير لا شك أنه مكذوب عليهم. وفي ضوء ما قررناه الآن لا يصح بحال أن نتهم كلام ابن تيمية على إطلاقه الذي يفيد أن الصحابة كانوا يروون عن أهل الكتاب أشياء رأوها ويحدثون بما جاء في كتبهم، بل لا بد أن يقيد هذا الكلام بثلاثة المقاييس التي شرحناها، قال ابن تيمية: «ولهذا فإن غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين: ابن مسعود وابن عباس»، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله ﷺ حيث قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا

стр. 60

فليتبوأ مقعده من النار» (١) رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو، ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك، (٢). كذلك نستطيع أن نوجز خصائص ومميزات المأثور عن الصحابة في التفسير فيما يلي: ١ - لم يؤثر عن الصحابة، أو بتعبير أدق: لم يصل إلينا عنهم تفسير كامل للقرآن الكريم، أما التفسير الذي نسب إلى ابن عباس ﵁، وهو (تنوير المقباس من تفسير ابن عباس) فإن جامعه ومؤلفه هو أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزأبادي صاحب القاموس المحيط. ٢ - إن الاختلاف في تفسير القرآن الكريم في عهد الصحابة كان قليلا إذا قيس بما حدث في العصور التالية لهم. ٣ - أن التفسير المأثور عن الصحابة كان ينقل عنهم - على وجه العموم - بطريق الرواية، ولم تدون أقوالهم في التفسير في زمانهم، وما نقل عن مجاهد تلميذ ابن عباس من أنه كتب عن ابن عباس التفسير كله في ألواحه (٣) فتلك حالة فردية لا تتنافى مع ما ذكرناه من أن الطابع العام للتفسير في عهد الصحابة كان الرواية لا التدوين.

стр. 61

قيمة أقوال الصحابة في تفسير القرآن الكريم: المأثور عن الصحابة في تفسير القرآن الكريم أقسام ثلاثة: القسم الأول: ما لا مجال للرأي فيه، وليس من قبيل الإسرائيليات، مثل أقوالهم في أسباب النزول، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، وهذا القسم من الأصالة بمكان، بل يعد من الأحاديث الموقوفة على الصحابة ومن المعروف عند المحدثين أن الحديث الموقوف - في هذه الحالة - يأخذ حكم الحديث المرفوع إلى الرسول ﷺ ، إذ يحمل على سماعه منه ﵊، وفي ذلك يقول ابن تيمية: «وما نقل في ذلك عن الصحابة نقلا صحيحا فالنفس إليه أسكن مما نقل عن بعض التابعين، لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي ﷺ أو من بعض من سمعه منه أقوى، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين، ومع جزم الصحابي بما يقوله: كيف يقال: إنه أخذه من أهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم؟» (١) وأيضا ذكر السيوطي أن من بين مآخذ التفسير - الأخذ بقول الصحابي فإن تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبي ﷺ ، كما قاله الحاكم في مستدركه، وقال أبو الخطاب - من الحنابلة -: يحتمل أن لا يرجع إليه إذا قلنا: إن قوله ليس بحجة، والصواب الأول، لأنه من باب الرواية لا الرأي - قال السيوطي: «ما قاله الحاكم نازعه فيه ابن الصلاح وغيره من المتأخرين، لأن ذلك مخصوص بما فيه سبب النزول أو نحوه مما لا مدخل للرأي فيه، ثم رأيت الحاكم نفسه صرح به في علوم الحديث، فقال: ومن الموقوفات تفسير الصحابة، وأما من يقول: إن تفسير الصحابة مسند فإنما يقوله فيما فيه سبب النزول، فقد

стр. 62

خصص هنا وعمم في المستدرك، فاعتمد الأول، والله أعلم» (١). ومن ثم نجد البخاري يذكر في صحيحه - من هذا القسم - كثيرا من أقوال الصحابة الموقوفة عليهم، بل وأقوال التابعين قال ابن حجر: (وأما الموقوفات فإنه يجزم منها بما صح عنده، ولو لم يكن على شرطه، ولا يجزم بما كان في إسناده ضعف، أو انقطاع إلا حيث يكون منجبرا، إما بمجيئه من وجه آخر، وإما بشهرته عمن قاله، وإنما يورد ما يورد من الموقوفات من فتاوى الصحابة والتابعين، ومن تفاسيرهم الكثير من الآيات على طريق الاستئناس والتقوية لما يختاره من المذاهب في المسائل التي فيها الخلاف بين الأئمة) (٢). القسم الثاني: ما كان الرأي فيه مجال، وغالب ما ورد عن الصحابة من أقوال في ذلك انما هو من قبيل الفهم والاستنباط لبعض الأحكام الفقهية من القرآن، وأقوال الصحابة في ذلك حجة عند الاجتماع، وليست بحجة عند الاختلاف، وفي ذلك يقول الشيخ محمد أبو زهرة: «واجتماع فقهاء الصحابة على رأى فقهى يكون حجة، وكذلك إذا لم يرد عنهم في تفسير الآية التي تتعلق بالحلال والحرام إلا رأى واحد، وإذا اختلفوا جاز للفقهاء المحبذين أن يختاروا من آرائهم، ولا يخرجوا عنها» (٣). وعن هذين القسمين يحدثنا السيوطي - فيما نقله عن الزركشي - فيقول: واعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنقل، وقسم لم يرد، والأول إما أن يرد عن النبي ﷺ أو الصحابة أو رءوس التابعين،

стр. 63

فالأول يبحث فيه عن صحة السند، والثاني - ينظر في تفسير الصحابي، فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان فلاشك في اعتماده، أو بما شاهده من الأسباب والقرائن فلا شك فيه، وحينئذ إن تعارضت أقوال جماعة من الصحابة فإن أمكن الجمع فذاك، وإن تعذر قدم ابن عباس لأن النبي ﷺ بشره بذلك حيث قال: اللهم علمه التأويل، وقد رجح الشافعي قول زيد في الفرائض الحديث: أفرضكم زيد (١). والقسم الثالث: ما ورد عن الصحابة في التفسير بما يشبه الإسرائيليات، وإذا ما ورد شيء من ذلك فإنه ينظر: هل تصح نسبته إلى الصحابة أم لا، لأن معظم ما نسب إليهم لم يصح، وإذا ما صح فسوف تجده قليلا جدا، وسلبين - إن شاء الله تعالى - وجهة نظرهم في نقل ذلك عن أهل الكتاب عند الحديث على الإسرائيليات بالتفصيل في الفصول القادمة، ويكفى هنا أن نذكر المكلمة التي قالها ابن عباس ﵁ منكرا على من يسترسل في سؤال أهل الكتاب عن شيء مما في كتبهم، فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: (يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه ﷺ أحدث الأخبار بالله، تقرءونه لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله، وغيروا بأيديهم الكتاب، فقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، والله ما رأينا منهم رجلا قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم) (٢).

стр. 64

يقول الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ في هذا الصدد: (ومن الموضوعات التي أثر عن الصحابة أقوال فيها في تفسير القرآن وفهم معانيه، آيات القصص في القرآن الكريم، وليس المروى عنهم في ذلك كثيرا، والصحيح النسبة إليهم ﵃ قدر ضئيل، وذلك لأنهم ما كانوا يعنون إلا بماله أثر عملى يتعلق بالحلال والحرام، وما له أثر في أعمالهم، وتنظيم جماعتهم، وإقامة الحق والعدل في الأرض، وكانوا يعتمدون في فهم القصص القرآني على السنة الصحيحة، وعلى تفسير القرآن نفسه لبعضه، وكانوا يكتفون بما جاء في القرآن والسنة، ولا يزيدون عليه لأنه هو الصحيح، ولا يحاولون أن يعرفوا ما عداه، ولكن لما دخل في الإسلام اليهود والنصارى، وبثوا في المسلمين ما عندهم من قصص وأساطير، وجد بين المسلمين من يعني بالقصص غير مقتصر على القرآن الكريم، والسنة النبوية، وظهر ذلك في آخر عصر الخلفاء الراشدين، ولم ينظر الصحابة إلى ذلك نظرة راضية أو متغاضية، بل نظروا إليه نظرة غير متساهلة، لما قد يجر إليه من نشر أساطير ما أنزلها الله، وربما أوجدت غياما على معانيه) (١). أقوال التابعين في التفسير: ثم جاء عصر التابعين، وهم الجيل الذي تتلمذ على أصحاب الرسول ﷺ ، وكان عصر التابعين يتميز بالفتن الدامية التي بدأت بمقتل الخليفة عثمان بن عفان رض الله عنه، ويتميز كذلك بوجود الفرق الإسلامية التي نشأت - بكثرة - في العالم الإسلامي نتيجة لتلك الفتن. وقد اشتهر بالتفسير من التابعين جماعة على رأسهم مجاهدين جبر وسعيد

стр. 65

ابن جبيرو عكرمة مولى ابن عباس وزيد بن أسلم، قال ابن تيمية: «وأئمة التفسير فإن أعلم الناس به أهل مكة، لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاووس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وأمثالهم، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب عبد الله بن مسعود ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذه عنه أيضا ابنه عبد الرحمن، وعبد الله بن وهب» (١). وقد استمد التابعون أقوالهم في التفسير من مصادر خمسة: وهي القرآن الكريم، والسنة النبوية، وأقوال الصحابة، والأخذ من الكتاب، والاجتهاد في الرأي، ويشرح الطوفي سليمان بن عبد القوى البغدادي - أحد علماء التفسير في القرن السابع الهجري - الأسباب التي جعلت التابعين يرجعون إلى مصادر لم تكن على عهد الرسول ولا صحابته، فيقول: «وسبب ذلك أن ما أخذه بعض الصحابة عن النبي ﷺ من التفسير تذاقوه فيما بينهم على حسب الإمكان، ولعل بعضهم مات ولم ينقل ما عنده منه، لمبادرة الموت له، ثم تفرق الصحابة ﵃ بعد موت النبي ﷺ في البلاد، ونقلوا ما علموه من التفسير إلى تابعيهم، وليس كل صحابي علم تفسير جميع القرآن، بل بعضه، إذا الجامعون للقرآن على عهده ﷺ كانوا نفرا معدودين، وشرذمة قليلين» (٢)، فألقى الصحابي ذلك البعض إلى تابعه، ودل ذلك

стр. 66

التابعي لم يجتمع بصحابي آخر يكمل له التفسير، أو اجتمع بمن لا زيادة عنده على ما عنده عن الصحابي الذي أخذ عنه، فاقتصر عليه، وشرع يكمل تفسير القرآن باجتهاده، استنباطا من اللغة تارة، ومن السنة تارة أخرى؛ ومن نظير الآية المطلوب تفسيرها من القرآن تارة ثالثة، ومن مدارك أخرى وآها صالحة لأخذ التفسير منها، كالتاريخ، وأيام الأمم الخالية، والقضايا الإسرائيلية ونحوها، فاتسع الخرق، وكثر الدخل في التفسير (١). وتتميز أقوال التابعين في التفسير بما يأتي: أولا: أن هذه الأقوال يكثر فيها الاختلاف، بخلاف أقوال الصحابة التي تضيق فيها دائرة الاختلاف إلى حد كبير، قال ابن تيمية: «ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدا، وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة، فهو قليل بالنسبة إلى ما بعدهم، وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والإئتلاف والعلم والبيان فيه أكثر» (٢). غير أننى أستطيع أن أقول: إن أقوال النابعين في التفسير وإن كانت مختلفة إلا أن معظم هذا الاختلاف يرجع إلى أنه اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، وفي ذلك يقول ابن تيمية ﵀: «فتذكر أقوالهم - يعني التابعين - في الآية، فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافا، فيحكيها أقوالا، وليس كذلك، فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو نظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن فليتفطن اللبيب لذلك» (٣).

стр. 67

ثانيا: كذلك تتميز أقوال النابعين في التفسير بأنها تسائل إليها الكثير من الأحاديث الموضوعة والأخبار الإسرائيلية، ولهذا قال أحمد ابن حنبل: «ثلاث كتب لا أصل لها: للغازى والملاحم والتفسير»، قال المحققون من أصحابه: مراده أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحاح متصلة وإلا فقد صح من ذلك كثير (١)، وقال أستاذنا الدكتور محمد حسين الذهبي ﵀: «ولكن هل بقى التحفظ في رواية الإسرائيليات على ما كان عليه في عهد الصحابة؟ لا، فقد جاء عهد التابعين، وفيه كثرت الروايات الإسرائيلية في التفسير، ويرجع ذلك إلى كثرة من دخل من أهل الكتاب في الإسلام، وميل نفوس القوم لسماع التفاصيل عما يشير إليه القرآن من أحداث يهودية أو نصرانية أو غيرها، فظهرت في هذا العهد جماعة من المفسرين أرادوا أن يسدوا هذه الثغرات القائمة في التفسير - كما يظنون - بما هو موجود هند اليهود والنصارى فحشوا التفسير بكثير من القصص المتناقضة، والروايات التي هي أقرب إلى الخرافة، ومن هؤلاء مقاتل بن سليمان المتوفى سنة ١٥٠ هـ، والذي نسبه أبو حاتم إلى أنه استقى علومه بالقرآن من اليهود والنصارى؛ وجعلها موافقة لما في كتبهم» (٢). ثالثا: ومن مميزات التفسير المأثور عن التابعين كذلك أنه ظل محتفظا بطابع التلقى والرواية، كما كان عليه الحال في عهد الصحابة، وجاء تدوين التفسير بعد ذلك في عصر تابعي التابعين، وفي ذلك يقول السيوطي - بعد أن ذكر أئمة التفسير من التابعين -: «فهؤلاء قدماء المفسرين، وغالب أقوالهم تلقوها عن الصحابة، ثم بعد هذه الطبقة ألفت تفاسير تجمع أقوال

стр. 68

الصحابة والتابعين كتفسير سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج ويزيد بن هارون وعبد الرزاق» الخ (١). رابعا: وأيضا تتميز أقوال التابعين في التفسير بأنها حملات نواة الخلاف المذهبي في العقائد الدينية، والأحكام الشرعية، فظهرت - في ثنايا هذه الأقوال - بعض تفسيرات مذهببة كانت نتيجة لظهور الفرق الإسلامية، ونشأة الفقه الاجتهادي بين المسلمين. ونتساءل هنا: ما قيمة المأثور عن التابعين في عالم التفسير، وللإجابة على ذلك نقول: نقل عن الإمام أحمد بن حنبل ﵁ في الرجوع لقول التابعي - روايتان بالقبول والمنع، ويبدو أن اختلاف الرواية عن الإمام أحمد - في هذا المجال - إنما هو بالنسبة لنوع معين من أقوال التابعين، وهو الذي يحمل آراءهم الخاصة فقط، قال السيوطي - فيما نقله عن الزركشي -: «وفي الرجوع إلى قول التابعي روايتان عن أحمد؛ واختار ابن عقيل المنع، وحكوه من شعبة، لكن عمل المفسرين على خلافه فقد حكوا في كتبهم أقوالهم لأن غالبها تلقوها عن الصحابة، وربما يحكى منهم عبارات مختلفة الألفاظ، فيظان من لا فهم عنده أن ذلك اختلاف محقق، فيحكيه أقوالا، وليس كذلك؛ بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى من الآية لكونه أظهر عنده، أو أليق بحال السائل، وقد يكون بعضهم يخبر من الشيء بلازمه ونظيره، والآخر مقصود، وثمرته؛ والكل يقول إلى معنى واحد غالبا، فإن لم يمكن الجمع فالمتأخر من القولين عن الشخص الواحد مقدم إن استويا في الصحة منه، وإلا فالصحيح المقدم» (٢).

стр. 69

ويقول ابن تيمية - في هذا الصدد - كذلك: (قال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا اجتمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك) (١). ولا يفوتني هنا أن أنقل رأى أستاذين جليلين في هذا المجال. الأول: هو الأستاذ الدكتور محمد حسين الذهبي ﵀ حيث يقول: (والذي تميل إليه النفس هو أن قول التابعي لا يجب الأخذ به إلا إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، فإنه يؤخذ به حينئذ عند عدم الريبة، فإن ارتبنا فيه بأن كان يأخذ من أهل الكتاب فلنا أن نترك قوله ولا نعتمد عليه، أما إذا أجمع التابعون على رأى فإنه يجب علينا أن نأخذ به ولا نتعداه إلى غيره) (٢). والآخر هو الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ حيث يقول: (إن ما ذكر على أنه أقوال التابعين عن الصحابة فيما يتعلق بالأحكام الفقهية مقبول النقل، ويعتبر نقلهم عن الصحابة حجة عند أكثر الفقهاء على ما قررنا في اعتبار أقوال الصحابة حجة، ولكن التابعين إذا قالوا في الحلال والحرام مفسرين للقرآن برأيهم فإنه إذا استثنينا أحمد بن حنبل وبعض

стр. 70

المالكية فإن باقي الأمة لا يعتبرون قولهم حجة، إنما يكون ما أيده من دليل هو الحجة، ويقول فيهم أبو حنيفة: إذا آل الأمر إلى الحسن وإبراهيم فهم رجال ونحن رجال، ولكن الكلام في القصص والكونيات وبعض ما يتعلق بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم دخله الإسرائيليات، وكثرت في كتب التفسير وتجاوزت الحد، وردد بعض التابعين كثيرا من الإسرائيليات ثم قال - بعد ذلك -: «ولقد توقف العلماء في قبول الإسرائيليات التي راجت حول التفسير») (١).

стр. 71

قواعد اللغة وأسرارها كمصدر أصيل من مصادر التفسير القرآن الكريم وصفه الله تعالى بأنه (قرآن عربي) فقال عز من قائل: ﴿إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾ (١) كما وصف الله القرآن بأنه نزل بلسان عربي مبين، فقال - جل شأنه -: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين (١٩٢) نزل به الروح الأمين (١٩٣) على قلبك لتكون من المنذرين (١٩٤) بلسان عربي مبين (١٩٥)﴾ (٢)، وأيضا وصف الله تعالى القرآن بأنه لسان عربي مبين أي أطلق لسان عربي مبين فقال : ﴿ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (١٠٣)﴾ (٣) كذلك خاطب الله تعالى محمدا ﷺ بأنه يسر له القرآن بلسانه أي بلغته فقال - وهو أصدق القائلين -: ﴿فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون﴾ (٤). وإذن فلا بد في تفسير القرآن من الرجوع إلى اللغة العربية في شعرها ونثرها ولا بد لمن يتصدى لتفسير هذا الكتاب أن يتقيد بما للغة العربية من قواعد وأسرار، ونعني بقواعد اللغة وأسرارها ما ذكره اللغويون من تحديد المعنى المفردات، وشرح للغات، وما قعده النحاة من قواعد في الإعراب والتعريف، وما استشفه البلاغيون في كلام العرب من أسرار ونكات، وما وضعه الأدباء والنقاد من معايير دقيقة، استمدوها بحسهم الأدبي، من

стр. 72

أشعار العرب وخطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم، التي هي آية في البلاغة والبيان وهكذا. ومن ثم نجد الرسول الكريم صلوات الله عليه يرشد إلى أهمية اللغة العربية لدراسة القرآن الكريم فيقول: «أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه» (١) والمراد بإعراب القرآن في هذا الحديث - كما يقول السيوطي - هو معرفة معاني ألفاظه، وليس المراد به الإعراب المصلح عليه عند النحاة - وهو ما يقابل اللحن - لأن القراءة مع فقده ليست قراءة ولا ثواب فيها، ويقول ابن عطية … في تعليقه على هذا الحديث: «إعراب القرآن أصل في الشريعة، لأن بذلك تقوم معانيه التي هي الشرع» (٢) كما نجد ابن عباس ﵁، وهو ترجمان القرآن، يعتمد - فيما يعتمد عليه من أدوات التفسير - على لغة العرب وشعرها، فقد روي عنه أنه قال: «إذا سألتموني من غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب» (٣) وروي عنه كذلك أنه كان يسأل عن القرآن فينشد فيه الشعر، قال أبو عبيد: يعني كان يستشهد به على التفسير (٤)، ولعل مسائل نافع ابن الأزرق التي تقدم بها إلى ابن عباس أكبر دليل على ذلك، فبينما عبد الله ابن عباس جالس بفناء الكعبة قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن،

стр. 73

فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن هويمر، قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما إليه فقالا: إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسرها لنا، وتأتينا بمصادقه من كلام العرب، فإن الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فقال ابن عباس: سلاني عما بدا (١). وأيضا يرى أحد أئمة التابعين في التفسير وهو مجاهد بن جبر أن الجرأة على التفسير من غير معرفة بلغات العرب عمل لا يحل شرعا، وأنه يتنافى مع قضية الإيمان بالله واليوم الآخر فيقول: «لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب» (٢). كما يرى الإمام مالك بن أنس ﵁ أن الإنسان الذي يقتحم هذا الميدان من غير أن يكون عالما بلغة العرب يجب أن يعاقب، فيقول: «لا أوتى برجل يفسر كتاب الله غير عالم بلغة العرب إلا جعلته نكالا» (٣) أي إلا أمرت بمعاقبته. من أجل هذا كله نستطيع أن نقول: أن العربية لغة ونحوا وصرفا وبلاغة ونثرا وشعرا من أهم مصادر التفسير إن لم تكن أهمها على الإطلاق، ولذلك كان هذا المصدر هو الركيزة الأساسية التي تعتمد عليها المصادر جميعا، فالرسول الكريم ﷺ ما كان يفسر القرآن إلا بما يوافق العربية، والصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان ما جاز لهم أن يفسروا كتاب الله تعالى إلا في ضوء قواعد اللغة وأسرارها، وأصحاب التفسير بالرأي لا يقبل كلامهم في

стр. 74

تفسير القرآن إلا إذا وافق العربية ولم يخالفها. وقد ذكر الزركشي أن من أمهات مآخذ التفسير بالنسبة لدارس القرآن الكريم الأخذ بمطلق اللغة، فإن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وقد ذكره جماعة، ونص عليه أحمد بن حنبل في مواضع، لكن نقل الفضل ابن زياد عنه - وقد سئل عن القرآن - يمثل له الرجل ببيت من الشعر، فقال: ما يعجبني، فقيل: ظاهره المنع، ولهذا قال بعضهم: في جواز تفسير القرآن بمطلق اللغة روايتان عن أحمد، وقيل: الكراهة تحمل على من يصرف الآية عن ظاهرها إلى معان خارجة محتملة، يدل عليها القليل من كلام العرب ولا يوجد غالبا إلا في الشعر ونحوه، ويكون المتبادر خلافها (١). وأيضا يقول السيوطي - في هذا الصدد -: «معرفة هذا الفن للمفسر ضرورية، كما سيأتي في شروط المفسر، قال - في البرهان -: ويحتاج الكاشف عن ذلك إلى معرفة علم اللغة أسماء وأفعالا وحروفا، فالحروف لقلتها تكلم النحاة عن معانيها، فيؤخذ ذلك من كتبهم، وأما الأسماء والأفعال فتؤخذ من كتب علم اللغة» (٢). وبعد هذا كله فلعل من نافلة القول أن نقول: إن إغفال اللغة العربية في تفسير القرآن الكريم له آثار سيئة بعيدة المدى مثل الخطأ في التأويل، والإلحاد في آيات التنزيل، وتحريف الكلم عن مواضعه، وحمل القرآن على معان غريبة، وأفكار دخيلة، لا تمت إلى القرآن بصلة، ولا يمكن بحال أن تدل ألفاظه عليها، وهل هناك أضل ممن يقتحم ميدان التفسير، وهو ليس له بأهل، ولا يعرف في العربية شيئا، فيتخبط في الفهم، ويضطرب في

стр. 75

التأويل، وعند ذلك يلتبس الحق بالباطل، ويختلط الحابل بالنابل، وتطل الفتنة برأسها، فيعيش الناس في ضلال مبين، وتلك هي الطامة الكبرى نعوذ بالله منها. بقيت هنا نقطة أخيرة، وهي أن القرآن الكريم قد يستعان على تفسيره بالشعر، باعتبار أن الشعر يمثل جانبا كبيرا من نصوص اللغة العربية، ولقد سار على ذلك جميع المفسرين إلى يومنا هذا، وأول من سار على هذه الطريقة هو ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ فقد كان يستشهد على التفسير بالشعر وكان يقول: «إن الشعر ديوان العرب» كما سبق أن ذكرنا. وإذن فليس على الصواب في شيء أولئك الذين يقولون: إنه لا يجوز الاستشهاد على معاني القرآن بالشعر، بدعوى أننا بذلك نجمل الشعر أصلا القرآن، والشعر مذموم في القرآن والحديث، وقد أجاب أبو بكر بن الأنباري على ذلك، فقال - فيما نقله عنه السيوطي -: «قد جاء عن الصحابة والتابعين كثيرا الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله بالشعر، وأنكر جماعة لا علم لهم على النحويين ذلك، وقالوا: إذا فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلا للقرآن - قالوا: وكيف يجوز أن يحتج بالشعر على القرآن، وهو مذموم في القرآن والحديث - قال: وليس الأمر كما زعموه من أنا جعلنا الشعر أصلا للقرآن، بل أردنا نبيين الحرف الغريب من القرآن بالشعر، لأن الله تعالى قال: ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا﴾ (١)، وقال: ﴿بلسان عربي مبين﴾ (٢) وقال ابن عباس: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف
следующие страницы →