← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 30169

الدخيل في تفسير القرآن الكريم

عبد الوهاب عبد الوهاب فايد

Полный текст (409 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قواعد اللغة وأسرارها كمصدر أصيل من مصادر التفسير القرآن الكريم وصفه الله تعالى بأنه (قرآن عربي) فقال عز من قائل: ﴿إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾ (١) كما وصف الله القرآن بأنه نزل بلسان عربي مبين، فقال - جل شأنه -: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين (١٩٢) نزل به الروح الأمين (١٩٣) على قلبك لتكون من المنذرين (١٩٤) بلسان عربي مبين (١٩٥)﴾ (٢)، وأيضا وصف الله تعالى القرآن بأنه لسان عربي مبين أي أطلق لسان عربي مبين فقال : ﴿ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (١٠٣)﴾ (٣) كذلك خاطب الله تعالى محمدا ﷺ بأنه يسر له القرآن بلسانه أي بلغته فقال - وهو أصدق القائلين -: ﴿فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون﴾ (٤). وإذن فلا بد في تفسير القرآن من الرجوع إلى اللغة العربية في شعرها ونثرها ولا بد لمن يتصدى لتفسير هذا الكتاب أن يتقيد بما للغة العربية من قواعد وأسرار، ونعني بقواعد اللغة وأسرارها ما ذكره اللغويون من تحديد المعنى المفردات، وشرح للغات، وما قعده النحاة من قواعد في الإعراب والتعريف، وما استشفه البلاغيون في كلام العرب من أسرار ونكات، وما وضعه الأدباء والنقاد من معايير دقيقة، استمدوها بحسهم الأدبي، من

стр. 72

أشعار العرب وخطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم، التي هي آية في البلاغة والبيان وهكذا. ومن ثم نجد الرسول الكريم صلوات الله عليه يرشد إلى أهمية اللغة العربية لدراسة القرآن الكريم فيقول: «أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه» (١) والمراد بإعراب القرآن في هذا الحديث - كما يقول السيوطي - هو معرفة معاني ألفاظه، وليس المراد به الإعراب المصلح عليه عند النحاة - وهو ما يقابل اللحن - لأن القراءة مع فقده ليست قراءة ولا ثواب فيها، ويقول ابن عطية … في تعليقه على هذا الحديث: «إعراب القرآن أصل في الشريعة، لأن بذلك تقوم معانيه التي هي الشرع» (٢) كما نجد ابن عباس ﵁، وهو ترجمان القرآن، يعتمد - فيما يعتمد عليه من أدوات التفسير - على لغة العرب وشعرها، فقد روي عنه أنه قال: «إذا سألتموني من غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب» (٣) وروي عنه كذلك أنه كان يسأل عن القرآن فينشد فيه الشعر، قال أبو عبيد: يعني كان يستشهد به على التفسير (٤)، ولعل مسائل نافع ابن الأزرق التي تقدم بها إلى ابن عباس أكبر دليل على ذلك، فبينما عبد الله ابن عباس جالس بفناء الكعبة قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن،

стр. 73

فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن هويمر، قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما إليه فقالا: إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسرها لنا، وتأتينا بمصادقه من كلام العرب، فإن الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فقال ابن عباس: سلاني عما بدا (١). وأيضا يرى أحد أئمة التابعين في التفسير وهو مجاهد بن جبر أن الجرأة على التفسير من غير معرفة بلغات العرب عمل لا يحل شرعا، وأنه يتنافى مع قضية الإيمان بالله واليوم الآخر فيقول: «لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب» (٢). كما يرى الإمام مالك بن أنس ﵁ أن الإنسان الذي يقتحم هذا الميدان من غير أن يكون عالما بلغة العرب يجب أن يعاقب، فيقول: «لا أوتى برجل يفسر كتاب الله غير عالم بلغة العرب إلا جعلته نكالا» (٣) أي إلا أمرت بمعاقبته. من أجل هذا كله نستطيع أن نقول: أن العربية لغة ونحوا وصرفا وبلاغة ونثرا وشعرا من أهم مصادر التفسير إن لم تكن أهمها على الإطلاق، ولذلك كان هذا المصدر هو الركيزة الأساسية التي تعتمد عليها المصادر جميعا، فالرسول الكريم ﷺ ما كان يفسر القرآن إلا بما يوافق العربية، والصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان ما جاز لهم أن يفسروا كتاب الله تعالى إلا في ضوء قواعد اللغة وأسرارها، وأصحاب التفسير بالرأي لا يقبل كلامهم في

стр. 74

تفسير القرآن إلا إذا وافق العربية ولم يخالفها. وقد ذكر الزركشي أن من أمهات مآخذ التفسير بالنسبة لدارس القرآن الكريم الأخذ بمطلق اللغة، فإن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وقد ذكره جماعة، ونص عليه أحمد بن حنبل في مواضع، لكن نقل الفضل ابن زياد عنه - وقد سئل عن القرآن - يمثل له الرجل ببيت من الشعر، فقال: ما يعجبني، فقيل: ظاهره المنع، ولهذا قال بعضهم: في جواز تفسير القرآن بمطلق اللغة روايتان عن أحمد، وقيل: الكراهة تحمل على من يصرف الآية عن ظاهرها إلى معان خارجة محتملة، يدل عليها القليل من كلام العرب ولا يوجد غالبا إلا في الشعر ونحوه، ويكون المتبادر خلافها (١). وأيضا يقول السيوطي - في هذا الصدد -: «معرفة هذا الفن للمفسر ضرورية، كما سيأتي في شروط المفسر، قال - في البرهان -: ويحتاج الكاشف عن ذلك إلى معرفة علم اللغة أسماء وأفعالا وحروفا، فالحروف لقلتها تكلم النحاة عن معانيها، فيؤخذ ذلك من كتبهم، وأما الأسماء والأفعال فتؤخذ من كتب علم اللغة» (٢). وبعد هذا كله فلعل من نافلة القول أن نقول: إن إغفال اللغة العربية في تفسير القرآن الكريم له آثار سيئة بعيدة المدى مثل الخطأ في التأويل، والإلحاد في آيات التنزيل، وتحريف الكلم عن مواضعه، وحمل القرآن على معان غريبة، وأفكار دخيلة، لا تمت إلى القرآن بصلة، ولا يمكن بحال أن تدل ألفاظه عليها، وهل هناك أضل ممن يقتحم ميدان التفسير، وهو ليس له بأهل، ولا يعرف في العربية شيئا، فيتخبط في الفهم، ويضطرب في

стр. 75

التأويل، وعند ذلك يلتبس الحق بالباطل، ويختلط الحابل بالنابل، وتطل الفتنة برأسها، فيعيش الناس في ضلال مبين، وتلك هي الطامة الكبرى نعوذ بالله منها. بقيت هنا نقطة أخيرة، وهي أن القرآن الكريم قد يستعان على تفسيره بالشعر، باعتبار أن الشعر يمثل جانبا كبيرا من نصوص اللغة العربية، ولقد سار على ذلك جميع المفسرين إلى يومنا هذا، وأول من سار على هذه الطريقة هو ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ فقد كان يستشهد على التفسير بالشعر وكان يقول: «إن الشعر ديوان العرب» كما سبق أن ذكرنا. وإذن فليس على الصواب في شيء أولئك الذين يقولون: إنه لا يجوز الاستشهاد على معاني القرآن بالشعر، بدعوى أننا بذلك نجمل الشعر أصلا القرآن، والشعر مذموم في القرآن والحديث، وقد أجاب أبو بكر بن الأنباري على ذلك، فقال - فيما نقله عنه السيوطي -: «قد جاء عن الصحابة والتابعين كثيرا الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله بالشعر، وأنكر جماعة لا علم لهم على النحويين ذلك، وقالوا: إذا فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلا للقرآن - قالوا: وكيف يجوز أن يحتج بالشعر على القرآن، وهو مذموم في القرآن والحديث - قال: وليس الأمر كما زعموه من أنا جعلنا الشعر أصلا للقرآن، بل أردنا نبيين الحرف الغريب من القرآن بالشعر، لأن الله تعالى قال: ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا﴾ (١)، وقال: ﴿بلسان عربي مبين﴾ (٢) وقال ابن عباس: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف

стр. 76

من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه» (١). وأيضا يقول الأستاذ الدكتور محمد حسين الذهبي - في هذا المجال -: «وقد استمرت هذه الطريقة - يعني طريقه الرجوع إلى الشعر والاستعانة به على فهم غريب القرآن - إلى عهد التابعين ومن يليهم، إلى أن حدثت خصومة بين متورعي الفقهاء وأهل اللغة، فأنكروا عليهم هذه الطريقة، وقالوا: إن فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلا للقرآن، وقالوا: كيف يجوز أن يحتج بالشعر على القرآن، وهو مذموم في القرآن والحديث، والحق أن هذه الخصومة التي حدثت في الأجيال المتأخرة لم تقم على أساس، فالأمر ليس كما زعمه أصحاب هذا الرأي، من جعل الشعر أصلا للقرآن، بل هو في الواقع بيان للحرف الغريب من القرآن بالشعر، لأن الله تعالى يقول: ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا﴾ وقال: «بلسان عربي مبين»، ولهذا لم يتحرج المفسرون إلى يومنا هذا من الرجوع إلى الشعر الجاهلي الاستشهاد به على المعنى الذي يذهبون إليه في فهم كلام الله تعالى» (٢). وأرى أن الاستشهاد على معاني القرآن بالشعر أمر لا غبار عليه، ولا يصح أن يكون موضع خلاف وجدال بين علماء الإسلام، ولعل التحرج من ذلك إنما نشأ من تنزيه القرآن عن الشعر في قوله تعالى: ﴿وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون﴾ (٣)، ولكن فرق بين تنزيه القرآن عن الشعر وتفسير القرآن بالشعر والله أعلم.

стр. 77

الرأي والاجتهاد كمصدر أصيل من مصادر التفسير الرأي مصدر هام من مصادر التفسير، لأن المأثور في التفسير من الرسول ﷺ ، وعن الصحابة والتابعين لم يصح منه قدر كبير، وأن الصحيح منه لا يشمل القرآن كله، وما أكثر المأثور الذي يوصف بأنه ضعيف أو موضوع أو منكر أو واه أو مستمد من بني إسرائيل. ومن هنا لجأ المفسرون (١) - منذ عصر مبكر، ربما يكون قبل العصر الذي وصل إلينا منه أعظم عمل في التفسير، وهو تفسير ابن جرير الطبري، المتوفى سنة ٣١٠ هـ - لجأوا إلى الاعتماد على الرأي في تفسير القرآن الكريم، إلا أن الرأي في التفسير كان - في بادئ الأمر - يدور في فلك المأثور، كتوجيه بعض الروايات، أو ترجيح رواية على أخرى، أو رد رواية ضعيفة، أو شرح الآية الكريمة في ضوء المأثور، أو الاستشهاد على معاني القرآن بالشعر القديم على طريقه ابن عباس ﵄، أو استنباط حكم على سبيل الاجتهاد الفقهي الذي نشأ في عصر الصحابة والتابعين وما إلى ذلك. ثم اتسع مجال الرأي والاجتهاد في تفسير القرآن الكريم شيئا فشيئا عبر العصور المتتالية، وأخذ يتحرر بعيدا إلى حد ما من دائرة المأثور، وبخاصة بعد أن ظهرت الفرق الإسلامية من خوارج وشيعة ومرجئة ومعتزلة وغيرها، وأصبحت كل فرقة منها تمثل قطاعا فكريا وسياسيا من قطاعات

стр. 78

الأمة الإسلامية آنذاك، فنجد هؤلاء جميعا كانوا كثيرا ما يلجأون - في نصرة مذاهبهم وتأييد آرائهم - إلى القرآن الكريم، وكانت كل فرقة تحاول أن تفسر القرآن الكريم بما يتمشى مع مذهبها وآرائها، واند كان هذا التفسير المذهبي يعتمد في المقام الأول على الرأي والاجتهاد في فهم القرآن الكريم. موقف العلماء من قضية الرأي في تفسير القرآن الكريم: العلماء - في هذه القضية - فريقان: فريق يقول: إن تفسير القرآن بالرأي ممنوع ولا يجوز، وأن القرآن يجب أن يفسر بالمأثور فقط، وفريق يقول: إن تفسير القرآن بالرأي جائز، ولا يقل أهمية عن التفسير بالمأثور، ولكل من الفريقين أدلة سنبينها فيما يلي، ثم تحدد موقفها من هذا الخلاف، فنقول - والله المستعان: أدلة المانعين للتفسير بالرأي: الذين يمنعون تفسير القرآن بالرأي لهم أدلة نوجزها فيها يلي: أولا: يستدلون على ذلك بدليل عقلي مستمد من القرآن الكريم. فيقولون: إن التفسير بالرأي قول على الله بغير علم، والقول صلى الله بغير علم حرام ومنهي عنه، فالتفسير بالرأي حرام ومنهي عنه، ويقولون - في مقام الاستدلال على صحة المقدمة الصغرى - إن التفسير بالرأي إنما هو من قبيل القول بالظن، والقول بالظن قول على الله بغير علم، كما يستدلون على صحة المقدمة الكبرى - وهي أن الأول على الله بغير علم حرام ومنهي عنه - يقول الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ (١)، وبقوله تعالى: ﴿وأن

стр. 79

تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾، فهذا معطوف على ما قبله من المحرمات في قوله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ الآية (١). ثانيا: وأيضا يستدلون على منع التفسير بالرأي بقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (٢)، ووجه استدلالهم بهذه الآية أن الله أسند البيان إلى الرسول ﷺ خاصة، فعلم أنه ليس لغيره بيان. ثالثا: كذلك يستدلون على عدم جواز التفسير بالرأي بالحديث النبوي، ويذكرون - في هذا المجال - حديثين يحذران من التفسير بالرأي، أولهما: ما رواه الترمذي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار،، قال الترمذي: حديث حسن» (٣). والحديث الآخر هو ما رواه الترمذي وأبو داود عن جندب أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» (٤). رابعا: كذلك يستدلون على تحريم التفسير بالرأي ببعض الآثار التي وردت عن السلف في التحرج من التفسير بالرأي، والتحذير منه، فمن ذلك ما روي

стр. 80

عن أبي بكر الصديق ﵁، أنه قال: «أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم»، وما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قرأ على المنبر ﴿وفاكهة وأبا﴾ (١) فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب، ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر. ومن ذلك ما روي عن سعيد بن المسيب فقد قال عنه يزيد بن أبي يزيد: «كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع»، وعن محمد بن سيرين قال: «سألت عبيدة السلماني عن آية من القرآن، فقال: «ذهب الذين كانوا يعلمون فيم أنزل القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد»، وعن إبراهيم النخعي قال: وكان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه، وعن مسروق قال: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله، إلى غير ذلك» (٢). فهذه الآثار كلها تفيد أن السلف كانوا يعظمون تفسير القرآن الكريم، ويتحرجون من القول فيه بآرائهم. أدلة المجيزين للتفسير بالرأي: أما أدلة المجيزين للتفسير بالرأي فبيانها كما يلي: أولا: استدلوا بآيات كثيرة تحث على التذكر والتدبر في آيات القرآن الكريم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون﴾ (٤) وقوله تعالى:

стр. 81

﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ (٢). وإذا كان الناس مطالبين بالتذكر في القرآن، والتدبر في آياته، فلا يمكن أن يتسير لهم ذلك إلا بعد فهم آياته، والوقوف على معانيه، ولم يؤثر عن الرسول ﷺ ولا صحابته - كما أسلفنا - تفسير صحيح كامل للقرآن الكريم، فكيف يتذكر الناس ويتدبروا في القرآن إلا إذا أعملوا عقولهم في تفسيره، واجتهدوا بآرائهم في فهمه، وبخاصة في تلك الآيات التي لم يؤثر عن الرسول صلوات الله عليه ولا صحابته تفسير صحيح لها. ثانيا: كذلك استدلوا - على جواز التفسير بالرأي بما ورد عن الصحابة والتابعين من أقوال مختلفة ومتضاربة في تفسير الآية الواحدة من القرآن الكريم ووجه استدلالهم هو أن هذه الأقوال لا يمكن بحال أن تكون صادرة عن الرسول ﷺ ومنقولة عنه، وإذن فمن البديهي أن تكون هذه الأقوال المأثورة عن الصحابة والتابعين نتيجة لتوجيه آرائهم، وإعمال عقولهم، واجتهاداتهم الخاصة في التفسير، وما كان لهم أن يفعلوا ذلك إلا إذا كانوا يعلمون أن تفسير القرآن بالرأي جائز شرعا، بل وأمر مطلوب في الدين. ثالثا: وأيضا استدلوا - على قولهم - بما ورد عن الرسول ﷺ من دعائه لابن عباس ﵄ بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل (٣) وقالوا: إن هذا التأويل لا يمكن أن يكون مقصورا على السماع من الرسول ﷺ

стр. 82

وإلا لم تكن هناك فائدة من تخصيص ابن عباس بهذا الدعاء، وإذن فالتأويل الذي دعا الرسول ﵊ لابن عباس بأن يعلمه الله إياه لا بد أن يكون أساسه الرأي السديد والاجتهاد الصائب في فهم القرآن الكريم، وهل هناك أدل على جواز التفسير بالرأي من هذا؟ رابعا: كذلك استدلوا - على جواز التفسير بالرأي - ببعض الآثار التي وردت عن السلف في جواز ذلك والعمل به، فقد روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه سئل: هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: «ما عندنا غير ما في هذه الصحيفة، أو فهم يؤتاه الرجل في كتابه (١)»، ولما سئل عبد الله بن مسعود عن المرأة التي تزوجت ولم يفرض لها زوجها صداقا ومات قبل أن يدخل بها قال: (أقول فيها برأيي، لها مهر مثلها، لا وكس ولا شطط، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان) (٢) إلى غير ذلك من الآثار التي تدل على جواز التفسير بالرأي. موقفنا من هذا الخلاف: أولا: يبدو أن هذا الخلاف خلاف لفظي لا حقيقي، على الرغم من تردده كثيرا في كتب التفسير وعلوم القرآن والدراسات القرآنية، لأن الفريقين يمكن أن يلتقيا معا عند نقطة واحدة. فهؤلاء العلماء الذين منعوا التفسير بالرأي إنما قالوا ذلك تحت تأثير ظروف معينة، وهي أنهم وجدوا الفرق الكثيرة، والطوائف المتعددة كلها

стр. 83

تلجأ إلى القرآن الكريم، فتريد كل فرقة أو طائفة أن تفسر القرآن لحسابها فقط، وفي ضوء معتقداتها الخاصة - صحيحة كانت أو فاسدة، من غير أن يكون هناك - في تفسير القرآن الكريم - ضوابط يلتزمون بها، أو معايير يقفون عندها، وهنا نادى هؤلاء العلماء - بأعلى صوتهم - أن ارجعوا إلى المأثور عن الرسول ﷺ وصحابته في تفسير القرآن الكريم، فإن فيه الهداية كل الهداية، وإياكم من إعمال عقولهم في تفسير القرآن، فإن إعمال العقول - في هذا المجال - أدى بكم إلى الضلال، قال أحد الباحثين: «الظاهر أن التفسير بالرأي بدأ بين الأمة الإسلامية في أواخر عصر الصحابة، وأوائل عهد التابعين، منذ ظهرت المتن والاضطرابات الدامية». فكان المتظاهرون على عثمان ﵁ يتمسكون على صحة أعمالهم بظواهر بعض الآيات، ثم شاع هذا الأمر منذ شرعت النقلة والمترجمون في نقل علوم الأوائل من اليونانية والسريانية واليهاوية إلى العربية، فلما تسربت أقوال ذوي النحل إلى أوساط العلماء والحلقات المدرسة أخذ المتكلمون وأصحاب الجدل في التصدي لهم، ورد آرائهم، واضطهاد أقاويلهم، فلما لم يجدوا من السنة ما يؤيد آراءهم لجأوا إلى تفسير الآيات القرآنية بما يتفق مع آرائهم، إرغاما للخصم، وانتصارا للمذهب. وأما نماذج هذه الأقاويل فتقدمه لنا رسائل (إخوان الصفا) وكتب المعتزلة، إلا أنه نشأت إلى جانب هؤلاء عدة طوائف أخرى، يتظاهرون بالإسلام، يخفون به ما انطوت عليه صدورهم من ضغن وحقد مكتوم، كالمانوية وبعض فرق (الباطنية)، فكان أن أخذ أصحاب الحديث من ذلك الوقت ينكرون على من يجوز تفسير القرآن بالرأي - رأيه أشد

стр. 84

الإنكار (١). أما هؤلاء العلماء الذين يجيزون التفسير بالرأي فلا أظن أنهم يجيزون ذلك لكل من هب ودب، بل يضعون - في اعتبارهم - عندما يجيزون ذلك شروطا، مبينة لا بد من توافرها فيمن يتصدى لتفسير الكتاب العزيز، مثل أن يكون عالما باللغة وأصول الفقه وأصول الدين، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وأحاديث النبي ﷺ وما إلى ذلك، ومن ثم أستطيع أن أقول: إنه يمكن أن يلتقي الفريقان معا عند نقطة واحدة، وهو جواز تفسير القرآن بالرأي إذا كان موافقا للدين واللغة، وعدم جوازه إذا كان مخالفا للدين أو اللغة. ثانيا: إن أدلة الجواز أقوى من أدلة المنع، لأن أدلة المنع يمكن أن يرد عليها بخلاف أدلة الجواز، وإليك هذه الردود: ١ - بالنسبة للدليل العقلي على تحريم التفسير بالرأي - أجاب العلماء عنه، فقالوا: بمنع المقدمة الصغرى لأن الظن نوع من العلم، إذ هو إدراك العارف الراجح، وعلى فرض تسليم الصغرى فإنا نمنع الكبرى، لأن الظن منهي عنه إذا أمكن الوصول إلى العلم اليقيني القطعي، بأن يوجد نص قاطع من نصوص الشرع، أو دليل عقلي موصل لذلك، أما إذا لم يوجد شيء من ذلك فالظن كاف هنا، لاستناده إلى دليل قطعي من الله على صحة العمل به إذ ذاك، كقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (٢).

стр. 85

وقوله ﵊: (جعل الله للمصيب أجرين، وللمخطئ واحدا) (١). ٢ - أما بالنسبة للدليل الثاني - وهو قول الله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾، فقد أجاب العلماء عنه فقالوا: نعم إن النبي ﷺ مأمور بالبيان، ولكنه مات ولم يبين كل شيء، فما ورد بيانه عنه ﷺ ففيه الكفاية عن فكرة من بعده، وما لم يرد عنه بيانه ففيه حينئذ فكرة أهل العلم بعده، فيستدلون بما ورد بيانه على ما لم يرد، والله تعالى يقول في آخر الآية: ﴿ولعلهم يتفكرون﴾ (٢). وأما بالنسبة للحديث الأول الذي رواه ابن عباس - وهو قول الرسول ﷺ : (من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)، فقد فسره العلماء تفسيرين: أحدهما: من قال في مشكل القرآن بما لا يعرف من مذاهب الأوائل من الصحابة والتابعين فهو متعرض لسخط الله. والتفسير الآخر - وهو أثبت القولين وأصحهما معنى -: من قال في القرآن قولا يعلم أن الحق غيره فليتبوأ مقعده من النار (٣). أما الحديث الذي رواه جندب - وهو قول الرسول ﷺ : (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) - فقد أجاب عنه العلماء بأحد جوابين - الأول: أن هذا الحديث لم تثبت صحته، لأن من رواته سهيل

стр. 86

ابن أبي حزم، وهو متكلم فيه، قال فيه أبو حاتم: ليس بالقوي، وكذا قال البخاري والنسائي، وضعفه ابن معين، وقال فيه الإمام أحمد: روى أحاديث منكرة، والترمذي نفسه يقول - بعد روايته لهذا الحديث -: وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم (١). والجواب الآخر: أن الحديث - إن صح - فالرأي معني به الهوى، فمن قال في القرآن قولا يوافق هواه، لم يأخذه عن أئمة السلف فأصاب فقد أخطأ، لحكمه على القرآن بما لا يعرف أصله، ولا يقف على مذاهب أهل الأثر والنقل فيه (٢)، ومن ثم قال البيهقي - في هذا الحديث -: «إن صح أراد - والله أعلم - الرأي الذي يغلب من غير دليل قام عليه، وأما الذي يشده برهان فالقول به جائز، وقال في المدخل: في هذا الحديث نظر، وإن صح فإنما أراد به - والله أعلم - فقد أخطأ الطريق، فسبيله أن يرجع في تفسير ألفاظه إلى أهل اللغة، وفي معرفة ناسخة والمسوخة وسبب نزوله، وما يحتاج فيه إلى بيانه - إلى أخبار الصحابة الذين شاهدوا ننزيله، وأدوا إلينا من السنن ما يكون بيانا لكتاب الله تعالى» (٣). ويعجبني هنا ما قاله ابن عطية - في شرح هذا الحديث - فقد قال: «ومعنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله فيتسور عليه برأيه، دون نظر فيما قال العلماء، أو اقتضته قوانين العلوم، كالنحو والأصول، وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته، والنحاة نحوه، والفقهاء معانيه، ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر،

стр. 87

فإن هذا القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه (١)، قال القرطبي - معلقا عن كلام ابن عطية هذا - (هذا صحيح، وهو الذي اختاره غير واحد من العلماء، فإن من قال فيه بما سنح في وهمه، وخطر على باله، من غير استدلال عليه بالأصول فهو مخطئ، وأن من استنبط معناه بحمله على الأصول المحكمة المتفق على معناها فهو ممدوح) (٢). ٥ - أما الآثار التي وردت عن السلف في التحرج من التفسير فقد أجاب عنها ابن تيمية ﵀ فقال: (هذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم من الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة لأنهم تكلموا فيها علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه، لقوله تعالى: ﴿لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ (٣)، ولما جاء في الحديث المروى من طرق: (من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)) (٤). وأيضا قال أستاذنا الدكتور محمد حسين الذهبي - في هذا الصدد -: (وقد أجاب المجيزون عن هذه الآثار بأن إحجام من أحجم من السلف عن التفسير بالرأي إنما كان منهم ورعا واحتياطا لأنفسهم مخافة ألا يبلغوا

стр. 88

ما كلفوا به، من إصابة الحق في القول، وكانوا يرون أن التفسير شهادة على الله بأنه عنى باللفظ كذا وكذا، فأمسكوا عنه خشية أن لا يوافقوا مراد الله ، وكان منهم من يخشى أن يفسر القرآن برأيه فيجعل في التفسير إماما يبني على مذهبه، ويقتفي طريقه، فربما جاء أحد المتأخرين، وفسر القرآن برأيه، فوقع في الخطأ، ويقول: إمامي في التفسير بالرأي فلان من السلف، ويمكن أن يقال أيضا: إن إحجامهم كان مقيدا بما لم يعرفوا وجه الصواب فيه. وأما إذا عرفوا وجه الصواب فكانوا لا يتحرجون من إبداء ما يظهر لهم، ولو بطريق الظن، فهذا أبو بكر ﵁ يقول: وقد سئل عن الكلالة - (أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان غير ذلك فمني ومن الشيطان، الكلالة كذا وكذا). ويمكن أن يقال أيضا: إنما أحجم من أحجم لأنه كان لا يتعين الإجابة، لوجود من يقوم عنه في تفسير القرآن، وإجابة السائل، وإلا لكانوا كاتمين للعلم، وقد أمرهم الله ببيانه للناس (١). ثالثا: أن للقرآن يحتمل وجوها كثيرة من التأويل ولا يمكن معرفة هذه الوجوه إلا بالاجتهاد والاستنباط، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : (لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة) (٢). كما يقول ﵊: «القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه».

стр. 89

على أحسن وجوهه (١) قال الإمام السيوطي - في شرح هذا الحديث: «فقوله: (ذلول) يحتمل معنيين، أحدهما: أنه مطيع لحامليه تنطق به ألسنتهم، والثاني: أنه موضح لمعانيه حتى لا يقصر عنه أفهام المجتهدين، وقوله: (ذو وجوه) يحتمل معنيين، أحدهما: أن من ألفاظه ما يحتمل وجوها من التأويل، والثاني: قد جمع وجوها من الأوامر والنواهي، والترغيب والترهيب، والتحليل والتحريم، وقوله: (فاحملوه على أحسن وجوهه) يحتمل معنيين، أحدهما: الحمل على أحسن معانيه، والثاني: أحسن ما فيه من العزائم دون الرخص، والعفو دون الانتقام، وفيه - أي في الحديث - دلالة ظاهرة على جواز الاستنباط والاجتهاد في كتاب الله تعالى» (٢) ومن أجل أن القرآن الكريم ذو وجوه كثيرة من التأويل طلب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - إلى عبد الله بن عباس ﵄ حين أرسله إلى الخوارج - أن لا يقيم الحجة عليهم من القرآن، وإنما يخاصمهم بالسنة، فقد أخرج ابن سعد - من طريق عكرمة عن ابن عباس -: (أن علي بن أبي طالب أرسله إلى الخوارج، فقال: اذهب إليهم فخاصمهم، ولا تحاجهم بالقرآن، فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة) (٣) كما أخرج ابن سعد - من وجه آخر -: أن ابن عباس قال له: «يا أمير المومنين، فأنا أعلم بكتاب الله منهم، في بيوتنا نزل، قال:

стр. 90

صدقت، ولكن القرآن حمال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن خاصمهم بالسنن، فإنهم لم يجدوا عنها محيصا، فخرج إليهم فخاصمهم بالسنن، فلم تبق بأيديهم حجة» (١). رابعا: من هذا كله نصل - في بحثنا هذا - إلى حقيقة هامة، وهي أن التفسير بالرأي قسمان: قسم يتفق مع أدلة الشرع، وقوانين العربية، وهذا القسم جائز وممدوح؛ ولا يسوغ المسلم أن يرده؛ وقسم لا يتفق مع أدلة الشرع، أو قوانين العربية، وهذا القسم حرام ومذموم، ولا يجوز لمسلم أن يقبله. وهذا الرأي الذي انتهينا إليه هو - في الحقيقة - رأي المحققين من العلماء قديما وحديثا (٢)، ويهمني هنا أن أوضح رأي ابن تيمية في هذا المجال، فأقول: إن ابن تيمية يرى ما نراه من أن تفسير القرآن بمجرد الرأي حرام (٣)، كما يفهم من الحديث الشريف، ويرى كذلك أن العلم هو الأساس في جواز التفسير بالرأي وأن عدم العلم هو الأساس في تحريم التفسير بالرأي، فيقول: «ولهذا تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به» (٤)، كما يقول: «فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة لأنهم تكلموا فيما علموه،

стр. 91

وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت ما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه» (١). ومن ذلك يتبين لنا أن قول ابن تيمية «فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام»، لا يصح أن يفهم على إطلاقه، وذلك لأمرين، الأول: أن كلمة (مجرد الرأي) معناها: الرأي المحض الذي لا يشده برهان، ولا يقوم به دليل، أما الرأي الذي يشده البرهان، ويقوم به الدليل فلا خلاف في جوازه، والأمر الآخر: أن ابن تيمية ذكر بعد ذلك بقليل في مقدمته أن من تكلم بما يعلم من تفسير القرآن لغة وشرعا فلا حرج عليه، ومعنى ذلك أن التفسير بالرأي - في هذه الحالة جائز عنده وليس بحرام. ومن ثم فلا نوافق الأستاذ الشيخ أبا زهرة في حمله كلام ابن تيمية على إطلاقه حيث يقول ﵀: «والتفسير بالرأي - على هذا النحو - تضاربت فيه أقوال العلماء، فبعضهم توقف ومنع أن يفسر القرآن بالرأي، بل لا بد لبيانه من علم السنة، ومنه علم الصحابة وما يجمع عليه التابعون، وقد ناصر ذلك الرأي، وشدد في التمسك به شيخ الإسلام ابن تيمية، فهو يقول: تفسير القرآن بالرأي حرام» (٢)، ثم يقول: «ونحن لا نرى فيما ساقه ابن تيمية - جزاه الله تعالى عن الإسلام خيرا - ما يدل على المنع، ولكن يدل على وجوب الاحتياط في فهم القرآن، وأن يكون بين يديه من دلائل العلم وبيناته ما يجعله يقول عن بينة، ولا ينطبق عليه النهي في قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ (٣)، كما يقول أيضا إن ابن تيمية قد

стр. 92

عد التفسير بالرأي منهجا مهجورا أو يجب أن يهجر» (١). أقول: إني لا أوافق شيخنا أبا زهرة فيما قاله هنا في شرح مذهب ابن تيمية بالنسبة للتفسير بالرأي فإن مذهبه واضح كما شرحناه آنفا، ولعلك أدركت معي الآن أن الذي أوقع شيخنا في هذا الفهم الخاطئ لمذهب ابن تيمية في هذا المجال هو أنه أسقط من كلام شيخ الإسلام كلمة (مجرد) ففهم ما فهم، وقال ما قال، وسبحان من تفرد بالكمال. أسباب الخطأ في تفسير القرآن بالرأي: ثمة أسباب كثيرة للخطأ في تفسير القرآن بالرأي، وقد أوجزها ابن تيمية ﵀ فقال: «هذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثنا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين، مثل تفسير عبد الرزاق ووكيع، وعبد بن حميد، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، ومثل تفسير الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وبقي بن مخلد، وأبي بكر ابن المنذر، وسفيان بن عيينة، وسنيد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي سعيد الأشج، وأبي عبد الله بن ماجة، وابن مردويه، أحدهما (أي الوجهين): قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها، والثاني: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب بكلامه، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه، والمخاطب به، فالأولون راعوا المعنى الذي راده من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان، والآخرون راعوا مجرد اللفظ وما يجوز

стр. 93

أن يريد به عندهم العربي من غير نظر إلى ما يصلح المتكلم وسياق الكلام» (١). كذلك نجد القرطبي - في مقدمة تفسيره - يذكر كلاما قريبا من هذا الكلام الذي ذكره ابن تيمية، فيقول القرطبي - في بيان ما ورد من النهي عن تفسير القرآن بالرأي -: «وإنما النهي يحمل على أحد وجهين: أحدهما - أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه، ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى، وهذا النوع يكون تارة مع العلم كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم أن ليس المراد بالآية ذلك». ولكن مقصوده أن يلبس على خصمه؛ وتارة يكون مع الجهل، وذلك إذا كانت الآية محتملة، فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويرجح ذلك الجانب برأيه وهواه، فيكون قد فسر برأيه، أي رأيه حمله على ذلك التفسير، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه، وتارة يكون له فرض صحيح، فيطلب له دليلا من القرآن، ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به، كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: قال الله تعالى: ﴿اذهب إلى فرعون إنه طغى (٢)﴾ ويشير إلى قلبه، ويومئ إلى أنه المراد بفرعون، وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة، تحسينا للكلام، وترغيبا للمستمع، وهو ممنوع، لأنه قياس في اللغة، وذلك غير جائز، وقد تستعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة، لتغرير الناس، ودعوتهم إلى مذاهبهم.

стр. 94

الباطلة، فينزلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعا أنها غير مرادة، فهذه الفنون أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي؛ الوجه الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن، وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة (١)، وما فيه من الاختصار، والحذف والإضمار، والتقديم والتأخير، فمن لم يحكم ظاهر التفسير، وبادر إلى استنباط المعاني مجرد فهم العربية كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي، والنقل والسماع لا بد له منه في ظاهر التفسير أولا، لينقي به مواضع الخطأ، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط، والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها﴾ (٢)، معناه: آية مبصرة، فظلموا أنفسهم بقتلها، فالناظر إلى ظاهر العربية يظن أن المراد به أن الناقة كانت مبصرة، ولا يدري بماذا ظلموا؛ وأنهم ظلموا أنفسهم وغيرهم، فهذا من الحذف والإضمار، وأمثال هذا في القرآن كثير، وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرق النهي إليه والله أعلم (٣). وهذا الكلام الذي توارد عليه كل من الإمامين الجليلين: ابن تيمية والقرطبي، رحمهما من علماء القرن السابع الهجري - هذا الكلام يحتاج - في نظري - لشيء من التفصيل والبيان، فأقول - والله المستعان -:

стр. 95

إن أسباب الخطأ في تفسير القرآن بالرأي تكمن في أمور ثلاثة: الأمر الأول: أن يعتقد المفسر معنى من المعاني، ثم بريد حمل ألفاظ القرآن عليه، وألفاظ القرآن لا تدل عليه من قريب أو بعيد، وقد يكون هذا المعنى الذي يعتقده المفسر في نفسه صحيحا، وحينئذ يكون الخطأ في الدليل لا في المدلول، ولذلك صورتان، كلاهما خطأ في تفسير القرآن: الصورة الأولى - وهي أسوأهمها -: أن ينفي المفسر المعنى الظاهر الآية ولا يجيز في تفسيرها سوى المعنى الذي يعتقده، مع أن الآية لا تدل عليه كما ذكرنا، ومثال ذلك ما فسر به سهل التستري قوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ (١) حيث يقول: «لم يرد الله معنى الأكل في الحقيقة، وإنما أراد معنى مساكنة الهمة لشيء هو غيره» (٢)، قال أستاذنا الدكتور الذهبي: (وهذه الصورة تنطبق على تفاسير بعض المتصوفة الذين يفسرون القرآن بمعان إشارية صحيحة في حد ذاتها، ومع ذلك فإنهم يقولون: إن المعاني الظاهرة غير مرادة، وتفسير هؤلاء أقرب ما يكون إلى تفسير الباطنية) (٣). والصورة الأخرى: هي أن يحمل المفسر الآية على المعنى الذي يعتقده والآية بمعزل عنه كما ذكرنا، ولكنه لا ينفي أن يكون المعنى الظاهر مرادا من الآية كذلك، وهذه الصورة نجدها كثيرا في كتب الصوفية والوعاظ الذين يفسرون القرآن بمعان صحيحة في ذاتها، إلا أن القرآن لا يدل عليها.

стр. 96

ومع ذلك فهم لا ينكرون المعنى الظاهر الذي يدل عليه القرآن، ومثال ذلك ما ذكره أبو عبد الرحمن السلمي - عند تفسير قوله تعالى: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم﴾ (١) - فقد قل: «اقتلوا أنفسكم بمخالفة هواها أو اخرجوا من دياركم أي أخرجوا حب الدنيا من قلوبكم» (٢). والأمر الثاني: أن يعتقد المفسر معنى من المعاني الفاسدة، ثم يريد حمل ألفاظ القرآن عليه، والقرآن براء منه، وحينئذ يكون الخطأ في الدليل والمدلول معا، وهذا النوع من التفسير يعتبر أسوأ أنواع التفسير بالرأي قاطبة، ويعرف باسم التفسير الرمزي، أو القول بالباطن في تفسير القرآن الكريم، ولذلك صورتان: الصورة الأولى: أن يحمل المفسر الآية على هذا المعنى الفاسد دون غيره بحيث ينفي أن يكون المعنى الظاهر مرادا من الآية، وهذا ما تفعله الباطنية وغلاة الشيعة وأهل البدع، ومثال ذلك ما ذكره ابن تيمية من تفاسير الرافضة كقولهم: «تبت يدا أبي لهب» (٣) هما أبو بكر وعمر، و ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ (٤) أي بين أبي بكر وعمر وعلي في الخلافة، و «إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة» (٥) هي عائشة، و ﴿فقاتلوا أئمة الكفر (٦)﴾: طلحة

стр. 97

والزبير، و ﴿مرج البحرين﴾ (١) علي وفاطمة، و ﴿اللؤلؤ والمرجان﴾ (٢) الحسن والحسين، وما إلى ذلك (٣). والصورة الأخرى: هي أن يحمل المفسر الآية على المعنى الفاسد، ولكنه لا ينفي أن يكون المعنى الظاهر الآية مرادا منها أيضا، قال أستاذنا الدكتور محمد حسين الذهبي: (وهذه الصورة تنطبق على ما ذكره بعض المتصوفة من المعاني الباطلة، وذلك كالتفسير المبني على القول بوحدة الوجود، كما جاء في التفسير المنسوب لابن عربي -عندما عرض لقوله تعالى في الآية) (٨) من سورة المزمل: ﴿واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا﴾ من قوله - في تفسيرها -: «واذكر اسم ربك الذي هو أنت، أي اعرف نفسك ولا تنسها فينسك الله - الخ» (٤). والأمر الثالث: أن يفسر أحد القرآن بظاهر العربية من غير مراعاة السياق الكلام، ومن غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه، والمخاطب به، وهنا يأتي الخطأ في التفسير، ولذلك أيضا صورتان: الصورة الأولى: أن يكون اللفظ الذي جاء في الآية من الألفاظ المشتركة التي تطلق في اللغة على معنين أو أكثر، والمراد منه في الآية واحد بعينه، فيحمله المفسر على معنى آخر من معانيه غير المعنى المراد - قال أستاذنا الدكتور الذهبي: (وذلك كلفظ (أمة)، فإنه يطلق على معان، منها الجماعة والطريقة المسلوكة في الدين، والرجل الجامع الصفات الخير، فحمله على غير

стр. 98

معنى الطريقة المسلوكة في الدين في قوله تعالى في الآية (٢٢) من سورة الزخرف ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾، غير صحيح وإن احتمله اللفظ لغة» (١). والصورة الأخرى: هي أن يكون اللفظ موضوعا لمعنى معين، ولكنه غير مراد في الآية، وإنما المراد معنى آخر غير ما وضع له اللفظ بقرينة السياق مثلا، فيخطئ المفسر في تعيين المعنى المراد، ومثال ذلك ما ذكره القرطبي في مقدمة تفسيره، حيث يقول: «ألا ترى أن قوله تعالى ﴿وآتينا ثمود الناقة بصرة فظلموا بها﴾ (٢) معناه: آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها، فالناظر إلى ظاهر العربية يظن أن المراد به أن الناقة كانت مبصرة، ولا يدري بماذا ظلموا، وأنهم ظلموا غيرهم وأنفسهم» (٣).

стр. 99

الفصل الثاني الدخيل في التفسير الدخيل في التفسير أنواع كثيرة، فالإسرائيليات في التفسير نوع من أنواع الدخيل، والأحاديث الموضوعة والضعيفة في التفسير نوع من أنواع الدخيل، وتأويلات الباطنية لون من ألوان الدخيل، وشطحات المتصوفة في التفسير ضرب من ضروب الدخيل، وبدع التفاسير اللغوية قسم من أقسام الدخيل، وتحريفات البهائية والقاديانية في التفسير جزء من أجزاء الدخيل، وشطحات المفسرين العصريين نهاية المطاف في عصرنا الحاضر بالنسبة للدخول في التفسير، ولا ندري - بعد ذلك - ماذا سينسال إلى التفسير من الدخيل في مستقبل الأيام. ونتساءل هنا: كيف تسللت هذه الأنواع الكثيرة من الدخيل إلى تفسير القرآن الكريم؟ ومن أين تسللت؟ الواقع أن أنواع الدخيل في التفسير تسللت - للأسف - عن طريق بعض مصادر التفسير التي تحدثت عنها بالتفصيل في الفصل السابق وإليك البيان: أولا - الإسرائيليات: تسللت الإسرائيليات إلى تفسير القرآن الكريم عن طرق أنول الصحابة والتابعين، فمن المعروف أنه حدث اتصال كبير، واحتكاك واسع بين المسلمين من جهة، وبير أهل الكتب من جهة أخرى، وقد بدأ هذا الاتصال والاحتكاك في عصر الرسول ﷺ إلا أن تأثير الثقافة الإسرائيلية

стр. 100

من يهودية ونصرانية في ثقافة المسلمين لا يوجد قط في عصر النبوة، بل على العكس من ذلك كان تأثير المسلمين وثقافتهم في اليهود يبدو واضحا في عهد الرسول ﷺ ، والسبب في أن المسلمين لم يتأثروا بثقافة أهل الكتاب في عصر النبوة أمران: الأول: أن القرآن الكريم - وهو الذي يمثل ثقافة المسلمين - كان ينزل متتابعا ومتواصلا على الرسول ﷺ ، وكان يطغى على كل شيء في حياة المسلمين العلمية والعلمية، فلم يكن المسلمون في حاجة قط لثقافة أخرى غير ثقافة القرآن، والأمر الآخر: أن المسلمين في هذا العصر كانوا ينظرون إلى ثقافة أهل الكتاب بعين الريبة، نظرا لما جاء في القرآن الكريم من أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه، وغيروا آيات الله، وبدلوا في كتب الله المنزلة على رسلهم، ومن ثم فلم يكن هناك مجال لكي تؤثر الثقافة الإسرائيلية في المجتمع الإسلامي أو في ثقافة المسلمين على عهد الرسول ﷺ . ثم جاء عصر الصحابة فكان في بدايته - وبخاصة في عهد الشيخين - يسير على نفس النهج الذي كان عليه الحال في عهد الرسول ﷺ بالنسبة للثقافة اليهودية أو النصرانية، أما في أواخر عهد الصحابة، وبعد أن امتدت الفتوحات الإسلامية إلى مشارق الأرض ومغاربها، وبعد أن قتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁ فقد اختلت الأمور، واضطربت الأحوال، وبدأ الدخيل من الثقافات اليهوية والنصرانية يتسلل إلى ثقافة المسلمين، ومن جملتها تفسير القرآن الكريم، إلا أننا نستطيع أن نقول: أن هذا الدخيل إلى التفسير في عصر الصحابة لم يكن شيئا مذكورا: ومضى عصر الصحابة وجاء عصر التابعين وتابعيهم فاتسع الأخذ من أهل الكتاب - بالتدريج - شيئا فشيئا بتعاقب الأيام، حتى تضخمت

стр. 101

الإسرائيليات في التفسير وكتب التفسير، وتراكمت تراكما كبيرا بحيث أصبحت - في أيامنا هذه - تحجب عن الناس هداية القرآن الكريم، وتحيط كتاب الله تعالى بهالة من الخرافات والأساطير. ثانيا - الأحاديث الموضوعة والضعيفة: - بدأ الوضع في الحديث عند ظهور الفرق الإسلامية بعد مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁، فكانت كل فرقة تحاول بالحق وبالباطل أن تنتصر لرأيها ومذهبها بشتى الوسائل، ومن جملة هذه الوسائل وضع الأحاديث ونسبتها إلى الرسول ﷺ ، وإلى جانب ذلك كانت هناك أيضا عوامل أخرى ساعدت على وضع الحديث ستتحدث عنها بالتفصيل عندما يحين الوقت للحديث عن ذلك. وقد اعتمد الوضع في الحديث إلى تفسير القرآن الكريم، وبخاصة إلى اللون الذي يعرف باسم التفسير بالمأثور، فكان ذلك من أسباب ضعفه وعدم الوثوق به، ومن ثم نستطيع أن نقول: إن الأحاديث الموضوعة والضعيفة تسللت إلى كتب التفسير عن طريق المصدر الثاني من مصادر التفسير وهو السنة النبوية. ومن المعلوم أن الذي قام بنقل السنة النبوية هم الصحابة ثم التابعون ثم تابعو التابعين وهكذا. ولا يصح أن يفهم من كلامنا هذا أننا نعتبر الحديث الموضوع أو الضعيف من المصدر الثاني للتفسير وهو السنة النبوية، فذلك مما لا يخطر على بال مسلم فضلا عن باحث في حقل التفسير والدراسات القرآنية، بل الذي نريد أن نقوله هو أن هذه الأحاديث الموضوعة والضعيفة إنما نسبت إلى الرسول ﷺ

стр. 102

زورا لكي ينخدع الناس بها، ونحن إنما نقصد فقط هذا الجانب الدخيل على السنة النبوية - الذي قام علماء الحديث ببيان زيفه وبطلانه. ثالثا - بدع التفاسير اللغوية: - تسلال هذا اللون من الدخيل إلى التفسير عن طريق اللغة باعتبار أنها مصدر من مصادر التفسير وقد حدث ذلك عندما تصدى لتفسير القرآن الكريم طائفة من الناس ليس عندهم إلمام كامل بأوضاع اللغة، ولا معرفة تامة بأسرارها، ولم تجتمع لديهم الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يتصدى للتفسير، فجاءوا بالبدع والغرائب في التفسير، وأدخلوا على تفسير القرآن ما هو شاذ وعليل، فالتبس على الناس الأصيل بالدخيل، واختلط الغث بالسمين. رابعا - تأويلات الباطنية: - الباطنية طائفة من غلاة الشيعة، يعتنقون مبادئ هداية، وقد استمدوا هذه المبادئ من عقائد المجوس والوثنيين، وليس لهذه المبادئ أصل في كتاب الله تعالى، ولا في سنة الرسول ﷺ . غير أنهم - كعادة المنحرفين دائما - يحاولون التمسح بالقرآن انتصارا لمذهبهم الفاسد، فيؤولونه تأويلا باطنيا، يتمشى مع عقائدهم الباطلة، وآرائهم الضالة، من غير تقيد باللغة العربية ومدلولات الألفاظ، ومن هنا تسللت تأويلاتهم المنحرفة إلى تفسير القرآن الكريم عن طريق الرأي والاجتهاد في تفسير القرآن الكريم، إلا أن هذا الرأي والاجتهاد لا وزن لهما، فهو رأي لا يشده برهان، واجتهاد لا يعتمد على دليل.

стр. 103

خامسا - شطحات المتصوفة في التفسير: المتصوفة - بالنسبة لتفسير القرآن - فريقان: الأول فريق المعتدلين، وهم الذين يفسرون القرآن تفسيرا إشاريا لا يصطدم مع اللغة أو الدين، ولا يهملون - مع ذلك - التفسير الظاهري للقرآن الكريم، فيعتمدون على الظاهر والباطن معا في تفسير القرآن الكريم، وهذا الفريق من المتصوفة قد يكون كلامهم مقبولا في تفسير القرآن الكريم. والفريق الثاني: فريق المشعوذين، وهم الذين يشطحون في المعاني والأفكار، ويخوضون في خضم من الرموز والألغاز، ويتكلمون في جو يسوده الغموض والإبهام، وهؤلاء يفسرون القرآن الكريم تفسيرا ما أنزل الله به من سلطان، فتفسيرهم لا يمت إلى الشرع ولا إلى اللغة بصلة، ومن ثم نستطيع أن نقول: إن شطحات هؤلاء في التفسير لون من ألوان الدخيل، وقد تسللت إلى التفسير عن طريق الرأي والاجتهاد في تفسير القرآن الكريم كما تسللت إليه تأويلات الباطنية. سادسا - تحريفات البابية والبهائية والقاديانية في التفسير: البابية والبهائية والقاديانية طوائف ظهرت أخيرا على المسرح الإسلامي في القرن التاسع عشر الميلادي، ولكل طائفة آراء منحرفة، ومعتقدات شاذة، وقد حاولت كل منها أن تتمسح كذلك بالقرآن الكريم، لكي تحرف الكلم عن مواضعه، وتلحد في آيات الله، فيفتتن المسلمون في دينهم، وتقع البلبلة في نفوسهم، وكل طائفة تدعي الاجتهاد في الدين أو تجديد هذا الدين، ولكن أنى لهم ذلك وقد تكفل الله تعالى بحفظ كتابه من أن يناله تحريف أو تغيير، أو ينال منه انحراف في التأويل والتفسير، حيث

стр. 104

يقول - وهو أصدق القائلين: «﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (٩)﴾ (١)». سابعا - شطحات المفسرين العصريين: لقد ظهر في عصرنا الحاضر جماعة من الناس يتصدون لتفسير كتاب الله تعالى، من غير أن يكون عندهم أهلية للتفسير، بحجة أن فهم القرآن وتفسيره ليس حكرا على قوم من المسلمين دون قوم، بل هو أمر يجب أن يكون مشاعا بين المسلمين جميعا، لا فرق بين المتخصصين في الدين وغيرهم. ومن هذا المنطلق الذي سنناقشه بعد حين نجدهم في التفسير يصيبون حينا، ويخطئون أحيانا كثيرة، وما أشنع الخطأ الذي يصدر عنهم في مجال التفسير، وما أخطره، ذلك لأن القرآن الكريم ليس كتاب شعر أو أدب، فإذا ما أخطأ الإنسان في شرح بيت من الشعر أو نص من الأدب كان خطاؤه هينا وبسيطا، لأنه لا يعدو أن يكون سوء فهم؛ ولا يترتب على هذا الفهم السيئ انحرافات في سلوك المسلمين. ليس القرآن الكريم كذلك، بل هو كتاب الله تعالى الذي أنزله هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وهو دستور المسلمين الذي ينظم لهم العلاقات والمعاملات، ويحدد لهم الحقوق والواجبات، ويبين لهم الحدود والأحكام في آياته البينات، فمن الخطورة بمكان أن يفسر هذا القرآن تفسيرا خاطئا، لأنه سيترتب على ذلك - لا محالة - أن يطبقه الناس تطبيقا خاطئا، وهذا سيؤدي إلى الانحراف في سلوك المسلمين. إن تفسير القرآن الكريم من باب الرواية عن الله تعالى - كما جاء في

стр. 105

بعض الآثار- فكيف يتصيد الإنسان أشياء غريبة، ويجهد نفسه إجهادا في البحث عنها، ثم يحاول أن يلصقها إلصاقا بهذا الكتاب الكريم الصادر عن الله ﵎. ومن ثم نستطيع أن نقول: إن شطحات أدعياء التفسير في عصرنا الحاضر نوع من أنواع الدخيل في التفسير، ولا يقل - في خطورته - عن الأنواع السابقة التي تكلمنا عليها بإيجاز، أما التفصيل فإنه في الفصول القادمة إن شاء الله تعالى.

стр. 106

الفصل الثالث الإسرائيليات في التفسير الإسرائيليات جمع إسرائيلية، والإسرائيلي أو الإسرائيلية نسبة إلى إسرائيل وهو لقب نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم جميعا صلوات الله وسلامه. وعندما تطلق الإسرائيليات في كتب علماء الإسلام فإنهم يريدون بها القصص والأخبار التي تسللت إلى ثقافة المسلمين عن طريق أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وكلا الفريقين ينتسب - ولو زورا - إلى إسرائيل ﵇. وأغلب هذه الإسرائيليات تتعلق بما جرى للأولين، وما حدث للأنبياء والمرسلين، ولا تخلو هذه الإسرائيليات من تناقض وتهافت، وكذب وبهتان، لأنها مستمدة من التوراة والإنجيل، وهما قد أصابها التحريف والتبديل (١). بل إن بعض علماء الإسلام توسع في معنى الإسرائيليات، فأطلقها على كل ما دسه أعداء الإسلام في ثقافة المسلمين ولو كان من أصل غير إسرائيلي، كالأساطير التي نقلت عن المجوس مثلا، وحينئذ يكون إطلاق الإسرائيليات على ذلك من باب التغليب، قال أستاذنا الدكتور محمد الذهبي ﵀: «ولفظ الإسرائيليات - وإن كان يدل بظاهرة على القصص الذي يروى أصلا من مصادر يهودية - يستعمله علماء التفسير والحديث، ويطلقونه

стр. 107

على ما هو أوسع وأشمل من القصص اليهودية، فهو في اصطلاحهم يدل على كل ما تطرق إلى التفسير والحديث من أساطير قديمة منسوبة - في أصل روايتها - إلى مصدر يهودي أو نصراني أو غيرهما، بل توسع بعض المفسرين والمحدثين، فعدوا من الإسرائيليات ما دسه أعداء الإسلام من اليهود وغيرهم على التفسير والحديث من أخبار لا أصل لها في مصدر قديم، وإنما هي أخبار من صنع أعداء الإسلام، صنعوها بخبث نية، وسوء طوية، ثم دسوها على التفسير والحديث، ليفسدوا بها عقائد المسلمين، كقصة الغرانيق، وقصة زينب بنت جحش وزواج الرسول ﷺ منها، وإنما أطلق علماء التفسير والحديث لفظ الإسرائيليات على كل ذلك من باب التغليب للون اليهودي على غيره، لأن غالب ما يروى من هذه الخرافات والأباطيل يرجع في أصله إلى مصدر يهودي (١). موقف الرسول من الإسرائيليات: إن موقف الرسول ﷺ بالنسبة للإسرائيليات توضحه لنا أحاديثه النبوية الشريفة، والأحاديث - في هذا المجال - تبدو في ظاهرها متعارضة، ولكنني - بعون الله تعالى وتوفيقه - سأقوم بالتوفيق بين هذه الأحاديث بطريقة أعتقد أنني لم أسبق إليها، فأقول - وبالله التوفيق: لقد ورد عن الرسول ﷺ فيما يتعلق بالإسرائيليات - أحاديث ثلاثة، كل حديث منها ينم عن مرحلة من مراحل التدرج في تشريع الحكم المسلمين بالنسبة لهذه الإسرائيليات. والمرحلة الأولى: تتمثل في تحذير المسلمين تحذيرا شديدا، ومنعهم منعا

стр. 108

تاما من محاولة التعرف على ثقافات أهل الكتاب، سواء كان ذلك بطريق القراءة في كتبهم، أو سؤالهم، أو الاستماع لأخبارهم، وكان ذلك - كما يبدو - في بداية اتصال المسلمين بأهل الكتاب في المدينة. والمرحلة الثانية: تتمثل في الإذن للمسلمين بالاستماع فقط الأحاديث أهل الكتاب، بشرط عدم التصديق لهذه الأحاديث أو التكذيب بها، وأنه يجب على المسلمين أن يقولوا - لدى سماعهم لشيء من تلك الأحاديث -: «آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون» (١)، وكان هذا الإذن - كما يبدو - متأخرا في الزمن بعض الشيء عن التحذير الذي ورد في المرحلة السابقة. والمرحلة الثالثة والأخيرة: تتمثل في الإذن المسلمين بالتحدث عن أهل الكتاب، ورواية الأخبار عنهم، بشرط أن تكون هذه الأخبار صادقة، وكانت هذه المرحلة - كما يبدو - في أواخر عهد الرسول ﷺ . والآن نستعرض معا هذه الأحاديث النبوية: أما الحديث الأول فهو ما أخرجه الإمام أحمد - من حديث جابر بن عبد الله - «أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه فغضب، فقال: أمتهوكون (٢) فيها يابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده

стр. 109

لو أن موسى ﷺ حيا ما وسعه إلا أن يتبعني» (١). وهذا الحديث يتضمن نهي الرسول ﷺ عن أمرين: القراءة في كتب أهل الكتاب، وسؤالهم عن أشياء يظن أنهم على علم بها، والسبب في نهي الرسول ﷺ عن ذلك أن ثقافات أهل الكتاب لا يطمأن إليها، ولا يوثق بها، لأنهم قد حرفوا الكلم عن مواضعه، وغيروا وبدلوا في كتب الله المنزلة على رسلهم، فالواجب أن يكون المسلمون على حذر من ثقافاتهم. حتى لا يقعوا في حيرة واضطراب وبلبلة وحتى لا يلتبس عندهم الحق بالباطل، ويختلط الحابل بالنابل، أما شريعة القرآن فقد جاءنا بها الرسول ﷺ بيضاء نقية من الشوائب، ولو كان موسى ﵇ حيا - في زمن الرسول ﷺ ما وسعه إلا أن يكون تابعا لنبي الإسلام ﵊. ويستفاد من روح هذا الحديث وسياقه أن هذا النهي والتحذير من الرسول ﷺ لأصحابه إنما كان في بداية احتكاكهم باليهود في المدينة خوفا من الفتنة عليهم، واختلاط الحق بالباطل لديهم؛ وهذا الحديث يمثل المرحلة الأولى من مراحل التدرج في تشريع الحكم بالنسبة للإسرائيليات. وأما الحديث الثاني فهو ما أخرجه البخاري من أبي هريرة ﵁ أنه قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل» الآية (٢).

стр. 110

ويمثل هذا الحديث للمرحلة الثانية من مراحل التدرج في تشريع الحكم بالنسبة للإسرائيليات، فبعد أن كان الرسول ﷺ في المرحلة السابقة - ينهى ويحذر صحابته عن قراءة كتب أهل الكتاب أو سؤالهم أو الاستماع إلى أحاديثهم - نجد الرسول ﷺ في هذا الحديث الذي معنا - لا يحذر صحابته من أن يستمعوا لأحاديث أهل الكتاب، بل يحذرهم فقط من تصديق هذه الأحاديث أو تكذيبها، لأنها قد تكون كاذبة فيصدقون بها، أو قد تكون صادقة فيكذبون بها فيقعون في الحرج، ومعنى ذلك أنهم يتوقفون بالنسبة لها، ويكفي حينئذ أن يقولوا - كما علمهم الله - ﴿آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل﴾ الآية. ألا ترى معي هذا إلى أن الحكم قد تدرج من المنع المطلق إلى الإذن المقيد تبعا لتغير المصلحة، ولعل المصلحة الجديدة هنا هي أن الصحابة - في ذلك الوقت - كان قد كثر احتكاكهم بأهل الكتاب، بقصد دعوتهم إلى الإسلام، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، وأنه كان قد زال المحذور الذي من أجله جاء المنع في المرحلة الأولى، وإذن فلا حرج عليهم من أن يستمعوا لشيء من أخبار أهل الكتاب، بشرط أن لا يصدقوا أهل الكتاب، وأن لا يكذبوهم. ومما يرجع ما ذكرت أن هناك آية في القرآن الكريم تلتقي كثيرا مع هذا المعنى الذي فهمته من هذا الحديث الشريف، وهي قول الله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون﴾ (٤٦) (١).
следующие страницы →