«اللهم روح صدورنا بنسيم ودك واغمر أرجاء قلوبنا بغوامر من رفدك، وأذقنا حلاوة برك، وجد علينا بك، وجل أبصارنا إليك، وأسلفنا كرامتك، وسهل مقادتنا في الاستجابة لك والصبر معك، واجعل أرواحنا مغارس معرفتك، وألسنتنا قواطف وصفك في قدرتك وحكمتك».
أبو حيان التوحيدي، «الإشارات الإلهية» (ص: ٦٥).
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يسر «مشروع أسفار» أن يقدم للقارئ الكريم الإصدار الخامس عشر من إصدارات المشروع: كتاب (غرر المحصول)، وهو الكتاب الثاني من «سلسلة المحصوليات».
حظي المحصول للرازي بعناية كبيرة من قبل المشتغلين بأصول الفقه من معاصري الرازي فمن جاء بعدهم، وربما غيب الزمان بعض أخبار تلك العناية، إلا أن خزائن المخطوطات لا تزال تكشف لنا على ممر الأيام شيئا مما قد اندرس من ذلك، فها هي تبعث إلينا مختصرا من مختصرات المحصول طوت كتب التراجم عنا ذكره وذكر مصنفه: أبي محمد عبد الله بن أبي منصور الواسطي البرزي (ت ٦٥٧ هـ).
فرغبنا في إمداد المكتبة الأصولية بمختصر جديد، ذي صلة بالمحصول الذي هو من عمد علم الأصول، بما يثري للباحثين جانب الدراسات المتعلقة بجوانب التأثر والتأثير في المصنفات التعليمية من هذا الفن.
والله المسؤول أن يجزي مؤلف الكتاب ومحققه وكل من له إسهام في هذا المشروع خير الجزاء، وأن يسبغ عليهم من بركاته، ويهديهم سواء الصراط. والله تعالى الموفق، وهو المستعان.
أسفار
لنشر نفيس الكتب والرسائل العلمية
دولة الكويت
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تم نورك فهديت فلك الحمد، وعظم حلمك فعفوت فلك الحمد، وبسطت يدك فأعطيت فلك الحمد. ربنا وجهك أكرم الوجوه، وجاهك خير الجاه، وعطيتك أفضل العطية وأهنأها. تطاع - ربنا - فتشكر، وتعصى - ربنا - فتغفر، تجيب المضطر، وتكشف الضر، وتشفي السقيم، وتنجي من الكرب وتقبل التوبة، وتغفر الذنب، لا يجزي بالائك أحد، ولا يحصي نعماءك قول قائل (١).
أما بعد، فقد علمت من خبر كتاب «المحصول» لأبي عبد الله الرازي ما قد قصصنا عليك بعضه في تقدمة «المنتخب»، من عناية الناس به وصدورهم عنه حتى صار في هذا الفن إماما. وبين يديك أثر من آثار تلك العناية، ألا وهو «غرر المحصول في علم الأصول» للفقيه أبي محمد البرزي ﵀. والكتاب على فضله وحسن ترتيبه وحلاوة ألفاظه وتراكيبه، ينغص عليه أمران: أحدهما: قلة ما وصلنا من المعارف الكاشفة عن حال مؤلفه. والثاني: عدم العناية بالكتاب قديما وحديثا.
أما أحوال المؤلف، فلم أقف له سوى على ترجمة واحدة ذكرها بعض أصحابه، وهو الحافظ جمال الدين أبو حامد ابن الصابوني (ت ٦٨٠ هـ) ﵀ (٢).
_________
(١) من دعاء علي ﵁، رواه الضبي في «الدعاء» (رقم: ٦٩)، والطبراني في «الدعاء» (رقم: ٧٣٤).
(٢) في كتاب «تكملة إكمال الإكمال» (ص: ٣٩) [ط المجمع العلمي العراقي]. ونقلها عنه ابن ناصر الدين الدمشقي في «توضيح المشتبه» (١/ ٤٣٦).
стр. 4
وإليك ما وقفت عليه من خبر المصنف ﵀:
هو أبو محمد عبد الله بن أبي منصور بن عمر بن الزبير بن المسيب (١) البرزي (٢) الواسطي (٣) الفقيه. هكذا جاء نسبه في كتاب ابن الصابوني، وغاشية مخطوط «الغرر» وحلاه الناسخ بـ"الشيخ الإمام الفقيه".
ولا يعرف عن مكان وتأريخ ولادته ورحلاته وأسرته شيء. فيحتمل أنه ولد في برزى ثم انتقل منها إلى دمشق وتوفي فيها، - فهو دمشقي الوفاة كما سيأتي .. على عادة أهل العلم في الرحلة والخروج من أوطانهم في طلب العلم أو تحصيل الرزق (٤).
ولا يعرف عن شيوخه ومبتدأ طلبه للعلم شيء. إلا أن من أصحابه الآخذين عنه: أبو حامد ابن الصابوني، فقد سمع منه أبياتا من شعره.
_________
(١) الأصل في هذا الاسم أنه بفتح الياء المشددة، إلا في نسب سعيد بن المسيب بن حزن ﵁، ففيه اختلاف بين الفتح والكسر. انظر: «تبصير المنتبه» لابن حجر (٤/ ١٢٨٧)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ٣٧٨)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٥٢١) [ط كوشك].
(٢) ضبطه أبو حامد ابن الصابوني في «التكملة» (ص: ٣٨): "بضم الباء الموحدة، وبعدها راء مهملة ساكنة نسبة إلى برزى قرية من عمل واسط". وقال ياقوت في «معجم البلدان» (١/ ٣٨٣): "برزة، بالضم … والعامة تقول: برزى ممال، قرية من نواحي واسط في أوائل نهر الغراف". ولا أعلم عنها اليوم شيئا، إلا أن تكون هي مدينة الكوت عاصمة واسط، فإنها عند مبدء نهر الغراف.
(٣) نسبة لمدينة مشهورة ١٨٠ كم جنوب بغداد.
(٤) يذكر عن علي ﵁: "ليس بلد أحق من بلد، خير البلاد ما حملك"، انظر: «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد (٢٠/ ٩٠) [تـ محمد أبو الفضل إبراهيم]. ومن جملة ما درجت به الأمثال عند بعض أهل زماننا ما معناه: "بلدك التي ترزق فيها وليس التي تولد فيها".
стр. 5
وأما معارفه وتحصيله في العلم ومصنفاته، فقد وصفه صاحبه ابن الصابوني بالفقه ولم يزد، مما يدل على شهرته وتخصصه في هذا العلم وغلبته عليه دون غيره وهو من جملة الشافعية كما يدل عليه كتابه هذا.
ومن جملة معارفه الشعر، فله شعر كأنه من جملة شعر الفقهاء، ولكن لم يصلنا منه ما نعرف به منزلته فيه على وجه تام، قال ابن الصابوني: "له نظم حسن، كتبت عنه شيئا من شعره، أنشدني لنفسه بدمشق:
كن واثقا بإله العرش معتمدا … عليه في حالتي يسر وإعسار
فالله أرحم من تدعو وأكرم من … ترجو وأجود من يعطي بإكثار
وأما تصانيفه، فليس نعرف منها سوى «الغرر»، وقد ذكر صاحبه أبو حامد: أنه حدث بشيء من تصانيفه، ولم يعين منها. فالله أعلم بعددها وما صنفت فيه من العلوم.
وتوفي ﵀ بدمشق سنة سبع وخمسين وستمائة (٦٥٧ هـ). والله يرحمه ويغفر له ويتجاوز عنه ويجزيه خيرا.
هذا الذي وقفت عليه من خبره، وكنت قبل النظر في كتاب «الغرر» على أمل أن أجد فيه ما يدل على شيء من أحواله، كبعض شيوخه ومصنفاته ونحو ذلك من نظر المصنف ومنزلته في هذا الفن، ولكن طبيعة الاختصار قد غلبت عليه، ولعله قصد بالكتاب أن يكون أشبه بما يسمى عندنا بالكتاب المدرسي.
وأما أحوال الكتاب من جهة العناية به والاستفادة منه، فلم أقف له على
стр. 6
ذكر في شيء من كتب التراجم أو الأصول وغيرها مع كثرة البحث والتحري، فكأن الكتاب لم يكتب. والله في خلقه شؤون.
* بين «الغرر»، و «التحصيل»
أشهر ما عرف من مختصرات كتاب «المحصول» في عصر للمؤلف: «الحاصل من المحصول» لتاج الدين أبو الفضائل محمد بن الحسين الأرموي ثم البغدادي (تـ ٦٥٣ هـ). وأتمه سنة (٦١٤ هـ) (١).
و «تحصيل الأصول من كتاب المحصول» (٢) لسراج الدين أبي الثناء محمود بن أبي بكر الأرموي ثم الدمشقي (تـ ٦٨٢ هـ).
وأشهر هذين الكتابين هو: «الحاصل»، لمكان مؤلفه من جهة صحبته لأبي عبد الله الرازي، ومعرفته التامة بأصول هذا الفن واقتداره على حل مشكلاته، وزد عليه: شهرة صاحبه بين أهل الفنون. ومنه أخذ البيضاوي كتابه «المنهاج» (٣).
ولقرب العهد بين هؤلاء واشتراكهم في اختصار «المحصول»، قد ينقدح في الذهن استفادة أحدهم من الآخر. ولم يكن بين «الحاصل» وبين «التحصيل» أو «الغرر» - بعد المراجعة والبحث - صلة، مع تقدم تأليفه عنهما.
فإن عطفت لتقارن بين «التحصيل» و «الغرر» ظهر لك القرب في اللفظ
_________
(١) انظر: «كشف الظنون» للحاج خليفة (٢/ ١٦١٥).
(٢) هكذا سماه صاحبه في مقدمة كتابه (١/ ١٦٣). ولكن المحقق أعرض عن هذا وأثبت على صفحة العنوان «التحصيل من المحصول».
(٣) «نهاية السول» للإسنوي (١/¬٤).
стр. 7
في مواطن كثيرة. حتى يخيل إليك أن أحدهما مأخوذ من الآخر، فليس بينهما كبير اختلاف سوى في ترتيب الجمل واختصار بعض المسائل.
وبما أن صاحب «الغرر» توفي قبل سراج الدين الأرموي بخمس وعشرين سنة، فقد تقول: إن «الغرر» أصل «التحصيل». أو أنه استفاد منه.
وقد يقوي هذا الظن: أنهما [البرزي والأرموي] سكنا دمشق واستوطناها مدة من الزمان، أما صاحبنا فتوفي فيها كما قد علمت مما سبق. وأما الأرموي، فقد سكن دمشق وصنف فيها جملة من كتبه - ومنها «التحصيل» حسبما رجح محققه -، ثم ارتحل عنها في آخر سنة (٦٥٥ هـ) إلى قونية من بلاد الروم [تركيا] وبقي فيها إلى أن توفي ﵀ (١).
إلا أن نظرة يسيرة تدخل في نفسك الريب، فإن سراج الدين الأرموي، وإن تأخرت وفاته، إلا أن تأليفه «التحصيل» متقدم جدا، ويدلك على هذا أن من النسخ التي وصلت إلينا من هذا الكتاب نسخة يرجع تأريخها إلى سنة (٦٥٥ هـ) (٢). بنحو سنتين قبل وفاة صاحبنا. وقد رجح المحقق أنه فرغ منه قبل (٦٤٥ هـ) في دمشق على وجه التقريب والترجيح (٣).
فالظاهر (٤) أن صاحبنا هو الذي استفاد من «التحصيل» في كتابه، ويقوي هذا: أن «الغرر» دون «التحصيل» بنحو الربع تقريبا في الحجم، وهذا
_________
(١) انظر: «التحصيل» (١/ ١٢٥).
(٢) انظر: «التحصيل» (١/ ٨٥).
(٣) انظر: «التحصيل» (١/ ١٢٥).
(٤) استفادة صاحبنا من «التحصيل» أكاد أجزم بها، لما ذكرت من شواهد المقارنة، ولكن عبرت بالظاهر للاحتياط.
стр. 8
نتيجة زيادة الأرموي كثيرا من الأسئلة على أدلة صاحب «المحصول».
وتجاوز صاحب «الغرر» عن بعض الأدلة والوجوه التي كان الأرموي يذكرها تبعا «للمحصول»، وعلى كل حال فـ «الغرر» أقل ألفاظا من «التحصيل».
وإليك مثالا تدرك به ما وراءه للمقارنة بين الكتابين في الفصل الأول:
الغرر «التحصيل» (١/ ١٦٧ - ١٦٩) الأول: في أصول الفقه
معرفة المركب مرتبطة بمعرفة مفرداته من الوجه الذي وقع التركيب فيه. فالأصل: المفتقر إليه.
والفقه لغة: الفهم. وعند العلماء: العلم بالأحكام الشرعية العملية بحيث لا تعلم ضرورة من الشرع.
وما خرج بهذه القيود معلوم.
[وجعل الفقه علما لقطع المجتهد بوجوب العمل بظنه]، فالحكم معلوم، والظن المقدمة الأولى
أصول الفقه مركب، فيتوقف معرفته على معرفة مفرداته من حيث يصح تركبها. فالأصل هو المحتاج إليه.
والفقه عند العلماء: العلم بالأحكام الشرعية العملية التي لا يعرف بالضرورة كونها من الدين إذا حصل بالاستدلال على أعيانها.
وإنما جعل الفقه علما لقطع المجتهد بوجوب العمل بموجب ظنه فالحكم معلوم وقع الظن في طريقه.
وخرج عنه العلم بالذوات والصفات الحقيقية. وبالأحكام الشرعية العملية. العقلية والعلمية ككون الإجماع حجة
стр. 9
واقع في طريقه.
وأصول الفقه: مجموع طرقه إجمالا وكيفية الاستدلال والمستدل بها.
[ونريد] بالكيفية الأولى: شرائط الاستدلال. وبالثانية: حد المفتي والمستفتي والمجتهد.
والطريق: ما يفضي النظر الصحيح فيه - وهو: ترتيب تصديقات يتوصل بها إلى [غيرها - إلى] علم أو ظن.
ويسمى الأول دليلا. والثاني أمارة. والعلم بوجوب الصوم والصلاة وعلم المستفتي.
*وإضافة اسم المعنى لغيره لاختصاص المضاف بالمضاف إليه في معنى لفظ المضاف*، فإذن أصول الفقه: جميع طرق الفقه من حيث هي طرق وكيفيتي الاستدلال وحال المستدل بها.
والطريق: ما يفضي النظر الصحيح - وهو ترتيب أمور مطابقة لمتعلقاتها في الذهن ليتوسل بها إلى غيرها - فيه إلى العلم أو الظن.
والأول يسمى دليلا والثاني أمارة.
والكيفية الأولى: بيان شرائط الاستدلال والثانية: بيان وجوب الاجتهاد على المجتهد والاستفتاء على المقلد.
وأنت كما ترى، لم يصنع صاحبنا شيئا سوى أنه حذف ما بين النجمتين [**] من كلام صاحب «التحصيل»، وقدم في النص وأخر، وأبدل اللفظ في تعريف الأصل بغيره. وعلى هذا فقس في تالي فصول الكتاب. وليس يقال: إنهما صدرا عن «المحصول» فقد تجد بينهما هذا الشبه؛ لأنك إن
стр. 10
رجعت إلى «المحصول» علمت حجم الفرق الذي بينه وبين لفظ هذين الكتابين.
نعم، استقل صاحب «الغرر» عن «التحصيل» في النصف الثاني من الكتاب من بعض الوجوه من جهة التعبير، حتى ترى التمييز بينهما باديا بعض الشيء في آخر الكتاب، وإن كان في حالتيه لم ينفك عنه في الجملة. والتمييز الذي عنيت شيء تراكمي حصل في الكتاب شيئا فشيئا، لا تستطيع أن تعين الموطن الذي بدأ الافتراق فيه بينهما. فكأن المصنف بدأ وهو مقيد بكتاب «التحصيل» قد وقع في أسر ألفاظه وتراكيبه، ومع الاختصار والمضي في الكتابة وتكرار النظر والمراجعة استقل عنه في الشيء بعد الشيء، حتى نال منه حريته في آخر الكتاب وعتق من رقه.
وإليك مثالا آخر للمقارنة بين الكتابين من (فصل المفتي والمستفتي) يثبت صدق ما ذكرت لك:
«الغرر» «التحصيل» (٢/ ٣٠١) مسألة: إذا أفتى المجتهد مرة ثم سئل عنها مرة أخرى فإن ذكر طريق اجتهاده أفتى، وإلا استأنف الاجتهاد وأفتى وإن خالف الأول
ولقائل أن يقول: لما ظن أن المسألة الأولى: إذا أفتى مرة في واقعة بعد الاجتهاد، ثم سئل عنها أخرى وهو ذاكر لطريق اجتهاده أفتى وإلا استأنف الاجتهاد، فإن أدى اجتهاده إلى خلافه أفتى بموجبه. * والأحسن إعلام المستفتي أولا بذلك، كما فعله ابن
стр. 11
الطريق الأول كان قويا لم يجب الاستئناف، لأن العمل بالظن واجب.
مسألة: إذا حكي عن الميت فتوى لم يجز العمل بها، إذ لا قول للميت، لانعقاد الإجماع مع خلافه. وإنما صدقنا كتب الفقه لاستفادة طرق الاجتهاد ومعرفة المتفق والمختلف منها.
وقيل: إذا روى ثقة فاهم عن مجتهد عالم ثقة حصل للعامي ظن أن حكم الله ما حكاه، والعمل بالظن واجب. وأيضا: انعقد الإجماع في زماننا على ذلك.
وإن حكى عن حي أو سمع منه جاز العمل به ولغيره بقوله، إذ رجع علي إلى حكاية المقداد عن النبي ﷺ في شأن المذي. وإن رواه عن كتاب موثوق بصحته جاز، وإلا فلا. والله أعلم. ﵁ مسعود لئلا يبقى عملهم بغير موجب *.
وربما قيل: إنه إذا ظن أن الطريق الأول كان قويا لم يجب الاستئناف، إذ العمل بالظن واجب.
المسألة الثانية: اختلفوا في فتوى غير المجتهد بحكاية قول الغير. فنقول: ذلك الغير إن كان ميتا لم يجز الأخذ بقوله إذ لا قول لميت لانعقاد الإجماع على خلافه. وإنما صنفت كتب الفقه لمعرفة المتفق والمختلف واستفادة طرق الاجتهاد من تصرفهم.
وربما قيل: إذا كان المجتهد ثقة عالما والحاكي ثقة فاهما معنى كلامه حصل للعامي ظن أن حكم الله ما حكاه والظن حجة، وأيضا انعقد الإجماع في زماننا على هذا، إذ لا مجتهد فيه وإن كان حيا وسمع منه مشافهة فله العمل به ولغيره بقوله، إذ يجو ﵁ ز للمرأة أن تعمل في حيضها بنقل زوجها عن المفتي، ورجع علي إلى حكاية المقداد عن النبي ﷺ في شأن المذي، وإن رجع إلى كتاب موثوق به جاز أيضا.
стр. 12
وعلى كل حال، فصاحب «الغرر» لا يخلو من أحد أمرين في النظر والعقل:
إما أن يكون قد استعان في اختصاره «المحصول» بكتاب «التحصيل»، فكان ينظر في الكتابين وقد تغلب عليه عبارة الثاني في بعض المواطن. وإما أنه اختصر كتابه من «التحصيل» دون نظر لأصله.
وإذا كنا في سعة الاحتمال ومجمل الحال، حملنا الأمر على الأول، فلنا في هذا مندوحة عن الاحتمال الثاني، صيانة للمؤلف وإحسانا للظن به أن يكون أتى بدلسة في كتابه أو أنه لم يف بما قال من أن كتابه اختصار «للمحصول». حتى تقوم بينة على خلاف هذا، فنحمل كلامه على أنه تأول شيئا ولم يصب فيه (١). وعلى كل حال، فاستفادة المؤلف من «التحصيل» وإن كانت ظاهرة طاغية على الكتاب، لا تعني اقتصاره عليه وحده، بل لعل صواب العبارة أن يقال: أن المؤلف أثناء كتابته كان بين يديه «التحصيل» فتعجبه عبارته فيستفيد منها في كتابه، وقد يخالفه ويضع عبارة هي أولى عنده منها. ولم يزل هذا شأن الناس في العلم، يفيد بعضهم من بعض ويأخذ اللاحق من السابق.
ويبقى بعد هذا أمر لا يسعنا إلا أن نقر فيه بتقصير المؤلف سامحه الله، ألا وهو عدم ذكره - ولو بالإشارة الملغزة والتنبيه المبهم - لصاحب «التحصيل»، مع ما له عليه من منة الانتفاع بكتابه، والاستعانة به في عرض
_________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من أعظم التقصير: نسبة الغلط إلى متكلم مع إمكان تصحيح كلامه، وجريانه على أحسن أساليب كلام الناس"، «مجموع الفتاوى» (٣١/ ١١٤).
стр. 13
بضاعته. فكان حريا به أن يشير لصاحب الفضل ويدل على موطن الاستفادة ليبارك له فيما كتب ويكون قد أدى بذلك شكر العلم (١).
وإن كان في المقام ما يحتمل العذر للمصنف ﵀، فيقال: لعل المانع له من ذكر صاحب «التحصيل» زيادة على ما في المعاصرة الموجبة للنفرة، عظم الفرق بينهما في السن، فبين تاريخ وفاتيهما ربع قرن، وهذا يدل - في غالب الظن - على أن صاحبنا أسن من سراج الدين، فلعل هذا هو المانع له من عدم ذكره وإغفاله الإشارة إليه. على ما في هذا من منافاة أدب العلم وأخلاق العلماء وما هو اللائق بهم من نسبة الفضل لأهله والتواضع لهم فيه، ثم هبك سكت فلم تبين مأخذ كلامك، أفتحسب أن الكتاب ما عرفه غيرك؟! (٢)، إلا أن هذا من طبائع نفوس بني آدم، يعسر عليهم التخلص منه، فتجد المرء تغالبه نفسه حتى تخرجه إلى نوع من التدليس والتعمية. والله يعفو بمنه وفضله.
* * *
_________
(١) قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "من شكر العلم أن تستفيد الشيء، فإذا ذكر لك قلت: خفي علي كذا وكذا، ولم يكن لي به علم حتى أفادني فلان، فهذا شكر العلم"، «المنتظم» لابن الجوزي (١٥/ ١٣١)، وأبسط منه في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» للخطيب البغدادي (رقم: ١٤٦٧). وانظر: «المزهر» للسيوطي (٢/ ٢٧٣).
(٢) وقف ابن حجر على كتاب شيخه ابن الملقن الذي ذيل به على «طبقات الشافعية» له، وتبين له أنه مأخوذ من «الطبقات الوسطى» لتاج الدين ابن السبكي، ولم يشر ابن الملقن لذلك، فعلق ابن حجر على طرة الكتاب ما نصه: "أتراه ظن أن «طبقات» تاج الدين تدفن معه فلا تظهر؟ وما جوز قط أن ينقل منها نسخة أخرى؟ إن هذا لشيء عجيب"، «الجواهر والدرر» للسخاوي (١/ ٣٩٢).
стр. 14
* وصف الأصل المعتمد في تحقيق الكتاب
لا يعرف لكتاب «الغرر» سوى نسخة خطية واحدة من مودعات المكتبة الظاهرية بدمشق، تحت رقم: (٥\ ٧٧٤) (١). وعدد أوراقها: ٧١ ورقة في كل صفحة ٢٣ سطرا بخط دقيق حسن معجم. وفي آخر النسخة بعد تمام كتاب «الغرر» صفحتان في التنجيم والأرصاد.
وهي نسخة قديمة جيدة، تاريخ نسخها: يوم الثلاثاء الرابع عشر من شهر جمادى الأولى سنة أربعين وسبعمئة (٧٤٠ هـ).
وأصاب صفحة العنوان فيها بلل أو تمزق طمس به عنوان الكتاب، وبقي منه:
"اختصار الشيخ الفقيه الإمام أبي محمد عبد الله بن أبي منصور بن عمر بن الزبير بن المسيب الواسطي البرري (٢) شكر الله [سعيه] ".
وجاء في خاتمتها: " [هذا] آخر مختصر المحصول في علم الأصول.
واتفق الفراغ من نسخه يوم الثلاثاء الرابع عشر من شهر جمادى الأولى سنة أربعين وسبعمئة [من الهجرة] الطاهرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام على يد العبد الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن محمد بن مسعود الطبيق عفا الله عنه وعن والديه وعن مالكه وعن والديه وعن سائر المسلمين، وذلك
_________
(١) وإنما وقفت على الكتاب وخبره من جهة الأخ محمد الفوزان شكر الله له.
(٢) كذا، وتقدم ضبط الكلمة.
стр. 15
في قرية الخيالي (١) حماها الله تعالى".
وعلى النسخة تملكات أثبت ما ظهر لي منها، ففي أعلى الصفحة من اليسار: "من كتب العبد [الفقير] الحسن بن محمد [بن محمود] [ … ] عفي عنه".
وتحته قريب من وسط الصفحة بخط فارسي قريب العهد: "صار من جملة [ما] انتظم في سلك [ … ] العبد الفقير عمر بن محمد [ … ] بن مولانا محمد الشهير با [؟] ده كتب الله له الحسنى وزيادة. المدرس بمدرسة المرحوم إبراهيم باشا".
وفي طول الصفحة من اليساركتب هذا البيت من الشعر:
ويكفيك قول الناس فيما ملكته … لقد كان هذا مرة لفلان (٢)
والنسخة في الجملة حسنة متقنة قليلة الخطأ والسقط، وخطها حسن، وكان ناسخها يثبت تراجم الأبواب والفصول في وسط الصفحة بقلم عريض للتمييز، ويكتب أوائل المسائل بقلم دونه أثناء السطر.
والنسخة مقابلة على الأصل المنسوخ منه، فكان الناسخ يثبت دائرة صغيرة عقب كل فقرة، وبعد المقابلة يضع في وسطها نقطة أمارة على تمام المقابلة، فكان من أثر هذه المقابلة والعرض على الأصل المنسوخ منه: لحق
_________
(١) أحسبها من قرى ما يسمى اليوم تركيا.
(٢) ينسب لأبي محمد الحسن بن علي الأطروش (تـ ٣٠٤ هـ) من أئمة الزيدية في طبرستان، انظر: «كتاب المصابيح» لأبي العباس الحسني الزيدي (ص: ٦٠٤).
стр. 16
وتصحيح يسير في هوامش النسخة، كما في: (٩ أ، ١٢ أ، ٢٣ أ، ٤٥ أ، ٥١ ب، ٥٢ ب، ٦٠ ب). ولا يظهر أن الناسخ قابلها على غير الأصل المنسوخ منه. ومع هذا يعيب هذه النسخة أمران:
أهونهما: ما أصاب بعض أطرافها من تفشي الحبر والبلل الذي طمس بعض الجمل والكلمات. وقد تداركت جميع هذه الجمل والكلمات بحمد الله.
والآخر: سقوط الورقة التي قبل الأخيرة. وذهب بها معظم مسائل الفصل الأخير مع الأسف. وهذا نقص لا يتدارك.
* طريقة إخراج الكتاب
يعرف كل من له علم بتحقيق الكتب ما في إخراج الكتاب على نسخة واحدة من المخاطرة والجهد والتعب، فالنسخة في أحسن أحوالها إذا سلمت صورتها وقرئ خطها لم تسلم من تصحيف الناسخ وإغفاله وانتقال نظره أثناء النسخ فيذهب عليه بسبب ذلك كلمات وأحيانا جمل.
وعلى كل حال، فنسختنا هذه على ما فيها من مواطن الطمس والبياضات التي تركها الناسخ، إلا أنها في الجملة لم يصعب العمل عليها بحمد الله، والذي ساعد في هذا أن الكتاب في أصله مختصر «للمحصول» ويستمد من «التحصيل» كما تقدم شرحه، فاستعنت بهما في استدراك الجمل والكلمات الساقطة والمطموسة.
وليس عندي في طريقة إخراج هذا الكتاب زيادة على ما ذكرت في
стр. 17
«المنتخب»، إلا في موطنين:
الأول: أن الكتاب وإن كان حوى من المسائل أكثر مما في «المنتخب»، إلا أنه دونه في الحجم، وذلك لاختصاره في الألفاظ واقتصاده في التعبير عن معاني الكتاب وتجاوزه عن كثير من الأدلة. وعليه، فقد جعلت التعليق عليه من جهة العزو والتخريج على نحو ذلك. فأكتفي من ذلك بما يدل على المراد ويرفع اللبس، حتى لا ينقطع الناظر فيه عن تمام النظر بسبب الحواشي. فإن الكتاب من المختصرات التي تقصد بالشرح والحفظ، وإثقالها بالتعليق مخالف للقصد من وضعها.
والثاني: لم يكن بين يدي من الكتاب سوى نسخة واحدة، ولا تخلو من خطأ وسقط، وغالب هذا من الناسخ كما لا يخفى، فكان من أمري في تصحيح الكتاب:
* ما كان من الجمل والكلمات قد أصابه الطمس، أثبته في الأصل بما ترجح عندي بعد المراجعة والنظر بين معقوفتين []. ولم أشر إلى ذلك في الحاشية لكثرته، فلا تكاد تخلو منه صفحة.
* وما كان السقط فيه بسبب السهو وانتقال النظر، أو كان مما تركه الناسخ بياضا، فأثبته في الأصل بما ظهر لي بين معقوفتين أيضا []، ولكن مع بيان ذلك في الحاشية للتمييز.
* وما كان في النسخة من تحريف وتصحيف، أثبت مكانه في الأصل ما حسبته صوابا ونبهت عليه في الهامش، وذكرت ما كان في الأصل. فإن
стр. 18
كان لما في النسخة وجه - ولو كان بعيدا ـ، أبقيته على ما هو عليه، ونبهت عليه في الحاشية حتى لا يظن به الغلط بسبب الطباعة، خروجا من عهدته وبيانا لأمره.
وبقي من معهود الفصول في المقدمة ما لم أر حاجة لذكره، إما لتقدمه
في مقدمة «المنتخب»، كمآخذ الكتاب وبناءه. وإما لعدم ما يوجبه ويقتضيه، كتعيين التسمية (١). وأما بحث صحة النسبة، فليس عندي ما أذكره، والأصل صحة ما في غاشية الكتاب من النسبة حتى يقوم ما يدفعها.
ولا أنسى في ختام هذه التقدمة اليسيرة أن أشير لحق علي واجب قضاؤه لمن أعانني على نسخ الكتاب، بل نسخه كله إلا قليلا وأعني به أخي ووديدي مهند الشيباني وفقه الله وشكر له ويسر له ما رجاه.
وبعد، فإليك من الأصول غررا كالبكر لم تفتض، والغانية لم تمس، فأكرم نزلها، وأحسن رفادتها. وأرجو أن أكون قد وفقت في إخراج الكتاب والعناية به، فلا أكون كمن أسراج مصباحا في شمس، أو أهدى حسناء إلى عنين، فإن كنت أصبت فيما أتيت، فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان.
"إلهي، أعوذ بك من مقال الكاذبين وإعراض الغافلين، إليك خضعت قلوب العارفين، وذلت هيبة المشتاقين. إلهي، هب لي جودك، وجللني سترك واعف عن توبيخي بكرم وجهك يا أرحم الراحمين" (٢).
_________
(١) فقد كفانا المؤلف عناء البحث في هذا بنفسه إذ قال: "وسميته بغرر المحصول في علم الأصول".
(٢) من دعوات الإمام الشافعي ﵀، «مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ١٧٦).
стр. 19
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[وبالله تعالى نستعين]
الحمد لله خالق الخلق ومنشئه، ومعدمه بقدرته ومشيئته، جاعل العلم منار السواد الأعظم، ومدار السداد الأسلم، وسبيل البت واليقين، ومزيل الشك والتخمين، فيه تمدح الأقوال وتحمد الأفعال، ويحسن الحال والمال، فأهله هم الوارثون لأنبياء الله وصفوته، وشهادتهم مقرونة بشهادته ﷻ وشهادة ملائكته، حمدا لا يبلغ مداه ولا يدرك منتهاه. والصلاة على من خص بالخلق العظيم والدين القويم، محمد المصطفى ونبيه المجتبى، وعلى آله وأصحابه أئمة الهدى ومصابيح الدجى، صلاة دائمة، وتحية على ممر الليالي نامية.
وبعد، فإنه لم يصنف في أصول الفقه من المطولات أبلغ تحقيقا وأمعن تدقيقا، وأحسن ترتيبا وتلفيقا من «المحصول في علم الأصول». جزى الله مصنفه عن علماء المسلمين أفضل ما جازى به المحسنين.
لكنه يستدعي همة عالية، ونية عن غير تحصيل العلوم خالية. وفي زماننا الهمم عنها تقاصرت، والنيات عن الاشتغال بها تفاترت، فرأيت أن اختصاره على قدر الهمم أيسر لحفظه، وأنشر لبديع فحواه ولفظه.
فاستخرت الله تعالى في تلخيص ألفاظه ومعانيه، وتشييد قواعده
стр. 20
ومبانيه، نازلا عن حد الإطناب الممل، مترقيا عن درجة الإيجاز المخل، فجاء بحمد الله ومنه - مع صغر حجمه - جامعا لسائر مقاصد الكتاب، حاويا لأغراض الطلاب، لم أخل فيه بأصل ولا فرع، ولا من الدلائل إلا ما ضعف أو كان قليل النفع.
وسميته:
بـ «غرر المحصول في علم الأصول»
فالله تعالى ينفع المهتم بحفظه وتأمله، ويثيبنا على تقريبه ثواب من نيته خير من عمله، وبه أستعين وله أستكين.
стр. 21
الكلام في المقدمات
وفيه فصول:
الأول: في أصول الفقه:
معرفة المركب مرتبطة بمعرفة مفرداته من الوجه الذي وقع التركيب فيه.
فالأصل: المفتقر إليه.
والفقه لغة: الفهم. وعند العلماء: العلم بالأحكام الشرعية العملية بحيث لا تعلم ضرورة من الشرع. وما خرج بهذه القيود معلوم.
[وجعل الفقه علما لقطع المجتهد بوجوب العمل بظنه]، فالحكم معلوم، والظن واقع في طريقه.
وأصول الفقه: مجموع طرقه إجمالا وكيفية الاستدلال والمستدل بها.
[ونريد] بالكيفية الأولى: شرائط الاستدلال. وبالثانية: حد المفتي والمستفتي والمجتهد.
والطريق: ما يفضي النظر الصحيح فيه - وهو: ترتيب تصديقات يتوصل بها إلى [غيرها - إلى] علم أو ظن.
ويسمى الأول دليلا. والثاني أمارة.
стр. 22
الثاني: من تصور شيئا وحكم به على أمر، فهو تصديق، وإن لم يجزم وتساوى طرفاه فهو شك، وإلا، فالراجح ظن، والمرجوح وهم. وإن جزم، فإن لم يطابق، فجهل. وإن طابق لغير موجب، فتقليد. أو لموجب حسي فهو العلم بالمحسوسات، أو عقلي فهو البديهيات إن كفى تصور طرفيه، وإلا نظريا. أو مركب منهما، فهو المتواترات إن كان الحس السمع، أو من سائر الحواس والعقل فهو المجربات والحدسيات.
ولابد من تصور بديهي، دفعا للدور والتسلسل؛ لأن كل أحد يعلم ضرورة علمه بجوعه وشبعه. والتصديق مسبوق بالتصور. وكذا الظن.
دقيقة: الفرق بين رجحان الاعتقاد واعتقاد الرجحان: أن الأول ظن، فإن طابق فصدق. وإلا فكذب. والثاني إن طابق فعلم وإلا فجهل. ونتيجة العلم علم، والظن ظن. وقد سبق تعريف الدليل والأمارة والنظر والتصديق.
стр. 23
والمانعية والصحة والفساد.
والجواب: أن المعنى من حل الفعل قوله: رفعت الحرج عن فاعله، فلا يحصل له بذلك صفة، وإلا لحصل للمعدوم.
وأما تعليقه بالمحدث، فمعناه التعريف.
ونعني بالسبب: إيجاب الفعل عنده.
وبالصحة: الإذن في الانتفاع بالمعقود عليه.
وبالفساد عكسه.
وتعليق الضمان بفعل الصبي تكليف الولي بإخراجه من مال الصبي.
الرابع: تقسيم الأحكام من وجوه:
الأول: الخطاب: إن اقتضى جزم الفعل فإيجاب. أو الترك فتحريم.
وبغير جزم فندب، أو كراهة. وإن لم يقتضهما فإباحة.
وحد القاضي أبو بكر (١) الواجب: ما يذم تاركه شرعا على بعض الوجوه. فقولنا: (يذم خير من يعاقب، ويتوعد بالعقاب، لجواز عفو الله تعالى. و «شرعا» جريا على مذهبنا (٢). و «بعض الوجوه» ليدخل فيه الموسع
стр. 24
والمخير وفرض الكفاية. ولا يدخل [فيه السنة وإن قوتل] عليها، لما سنجيب عنه إن شاء الله تعالى.
والفرض هو الواجب. وقالت الحنفية: الفرض دليله قاطع، والواجب دليله مظنون (١). وقال أبو زيد (٢): الفرض التقدير. والوجوب السقوط.
فالأول نعلم تقديره علينا. والثاني نجهل سقوطه من الله تعالى.
وهو ضعيف، إذ ليس الفرض المقدر قطعا، كما أن الواجب ليس الساقط قطعا.
والحرام: ما يذم فاعله شرعا. ويسمى محظورا ومعصية وذنبا ومزجورا عنه.
والمباح: ما أعلم أو دل فاعله أنه لا حرج في فعله وتركه شرعا، ولا [نفع] في الآخرة. ويسمى حلالا وطلقا. وقد يقال: «الحلال» لما لا ضرر في فعله، وإن حرم تركه، كدم المرتد.
والمندوب: ما جاز تركه وترجح فعله شرعا. فيخرج عنه: الأكل قبل ورود الشرع. وإنما ذم الفقهاء تارك جميع النوافل لاستدلالهم على استهانته في الطاعة.
ويسمى نفلا، أي غير واجب. [ومستحبا]، أي أن الله أحبه. وتطوعا،
стр. 25
أي انقاد المكلف الله تعالى [فيه]. ومرغبا فيه، أي بعث على فعله بالثواب.
وإحسانا، إذا كان نفعا للغير.
وسنة بالعرف مختص بالمندوب. وقيل: يتناول ما وجب أو ندب بأمره ﵇، وبإدامة فعله؛ لأنها مأخوذة من الإدامة. [ولذلك] يقال: الختان من السنة (١).
والمكروه: ما جاز فعله وترجح تركه. وهو مشترك بين المحظور وترك الأولى، كترك صلاة الضحى، لا لنهي ورد عنه.
* التقسيم الثاني: الفعل حسن أو قبيح.
والحسن عندنا: ما لم ينه عنه، فيعم المباح وفعل الله تعالى وفعل الساهي والنائم والبهائم. والقبيح: ما نهي عنه شرعا.
وقال أبو الحسين (٢): القبيح هو: الذي ليس للقادر عليه العالم بحاله فعله. أو له فعله، وهو الحسن. أو يكونا على صفة يستحق لأجلها الذم أو المدح.
стр. 26
والأول باطل، إذ يقال ذلك للعاجز عن الفعل، ولمن به نفرة طبيعية، وللممنوع عنه شرعا أو حسا. وشيء منها غير مراد.
والثاني أيضا باطل، إذ يقال: الأثر يستحق المؤثر، وبالعكس، أي يفتقر إليه لذاته. ويقال: المالك يستحق الانتفاع بملكه، أي يحسن منه. والأول باطل. والثاني دور، لتفسيره الحسن بالاستحقاق.
* الثالث: قال الأصوليون: الخطاب قد يرد بجعل الشيء سببا ومانعا.
فلله تعالى في الزاني حكمان: وجوب الحد، وجعل الزنا سببا له.
ولقائل أن يقول: إن عنيتم بالسبب المعرف، فهو صحيح، لكنه ليس حكما شرعيا. وإن عنيتم به المؤثر، فليس بصحيح، إذ الزنا محدث والحكم قديم، فلا يعلل به. ولأن [حقيقة الزنا بعد الجعل، إن بقيت كما كانت] لم تكن مؤثرة [كما] قبله. وإن لم تبق، فكذلك، إذ المعدوم لا يؤثر.
* الرابع: الحكم يكون بالصحة والبطلان.
والمتكلمون يريدون بصحة العبادة: موافقة الشرع. والفقهاء: إسقاط القضاء. فصلاة من ظن أنه متطهر صحيحة عندهم، فاسدة عند الفقهاء.
والمراد بصحة العقود ترتب آثارها عليها. والبطلان والفساد عكس الصحة سواء.
стр. 27
والفاسد مرادف للباطل عندنا. وعند الحنفية (١): الفاسد ينعقد بأصله دون وصفه، كالربا.
ومعنى إجزاء العبادة: أن الإتيان بها كاف في سقوط التعبد. وقيل: الإجزاء سقوط القضاء (٢).
وهو باطل بإتيان العبادة بدون شرطها، فإنها غير مجزئة مع سقوط القضاء بالموت. ولأن القضاء يجب بأمر مجدد، لما سيأتي إن شاء الله.
وإنما يوصف الفعل بالإجزاء إذا أمكن ترتب أثره عليه، كالصلاة والصوم، لا كمعرفة الله تعالى، ورد الودائع.
* الخامس: العبادة إذا أديت في وقتها سميت أداء. ومرة أخرى مع خلا الأول إعادة. وبعد وقتها المضيق قضاء. إن وجد سبب [وجود] الأداء ولم يؤد، أو لم يجب الأداء لامتناعه عقلا، كالنائم والمغمى عليه، أو شرعا، كالحائض. أو يصح منه ولكن سقط وجوبه بسبب من جهته، كالسفر، أو من الله تعالى كالمرض.
فرع: لو غلب على ظنه في الواجب الموسع أنه لو أخر مات، عصى.
стр. 28
فإن لم يمت، وأتى به، فهو قضاء عند القاضي أبي بكر (١)، لوقوعه بعد وقته المتعين [بظنه]. وأداء عند الغزالي (٢)، إذ تبين خلاف ظنه.
* السادس: ما جاز للمكلف فعله مع عدم المقتضي للمنع، كان عزيمة.
ومع قيامه، رخصة. وقد يجب علينا، كأكل الميتة، وقد لا يجب، كالإفطار والقصر في السفر.
* السابع: لا نزاع في أن الحسن والقبح: بمعنى أنه ملائم للطبع ومنافر له. وكونه صفة كمال أو صفة نقص، كقولنا: العلم حسن والجهل قبيح، عقلي (٣).
وأما بمعنى ترتب الذم عاجلا والعقاب آجلا، فعندنا: شرعي (٤). وعند المعتزلة: [عقلي] (٥). بمعنى أن الفعل موصوف بصفة لأجلها استحق فاعله
стр. 29
العقاب والذم. والعقل يستقل بمعرفته، إما قطعا كالكذب الضار، أو ظنا كالكذب النافع. وقد لا يستقل بإدراكه، كحسن صوم رمضان، وقبح صوم العيد، فإن الشرع عرف اختصاصه بصفة لأجلها حسن وقبح.
لنا: أن فاعل القبيح إن لم يتمكن من الترك كان اضطراريا. وإن تمكن، فإن لم يتوقف رجحان الفاعلية على مرجح كان اتفاقيا. وإن توقف، لم يكن المرجح من العبد، ويجب الفعل عنده، ولا يلزم التسلسل ولا خلاف ما فرض من المرجح التام. وحينئذ يكون اضطراريا، والاضطراري والاتفاقي لا يقبحان عقلا وفاقا.
احتجوا بوجوه:
الأول: أنه لو لم [يختص] الفعل بما لأجله [ثبت] الحكم ترجح أحد الجائزين على الآخر بلا مرجح.
الثاني: لو لم يعلم الحسن والقبح قبل الشرع لاستحال معرفته بالشرع، لعدم تعقله وتصوره.
الثالث: أن العاقل في فطرته يختار الصدق على الكذب مع استواءهما وينفر طبعه عن الظلم ويستقبحه. وهذا يقتضي اتصافه بصفة لأجلها حسن وقبح.
الرابع: لو حسن من الله تعالى كل شيء لحسن منه إظهار المعجزة على
стр. 30
يد الكاذب، فيلتبس النبي بالمتنبي. ولحسن منه الكذب، فلا تحصل الثقة بأخباره.
والجواب عن الأول: أن الرجحان إن افتقر إلى مرجح لزم الجبر كما سبق، وبطل القبح العقلي. وإن لم يفتقر، اندفعت الشبهة.
وعن الثاني: أن الوقوف على الشرع ليس تصور الحسن والقبح، بل التصديق بهما، فافترقا.
وعن الثالث: أن اختيار الصدق على الكذب ونفرة الطبع عن الظلم مع قبحه؛ لأنه لو لائمه لما أمكنه دفعه عن نفس، وإنما رغب فيه لمعارضة أخذ المال.
وعن الرابع: أنه يجوز أن يخلق المعجز لا لغرض، أو لغرض غير التصديق، ولذا حسن الكذب.
[وأيضا]، فوارد عليكم بحسن الكذب لإنقاذ نبيء، والخلف بالتوعد بالقتل ظلما.
* الثامن: شكر المنعم غير واجب عقلا (١). خلافا للمعتزلة (٢).
стр. 31
لنا وجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ [الإسراء: ١٥].
الثاني: أنه تصرف (١) في ملك الغير بغير إذنه ورضاه، فيحرم.
الثالث: أن الشكر على نعم الله تعالى بمثابة شكر ملك عظيم على كسرة خبز.
[الرابع]: أن الشكر منه قد لا يليق به تعالى.
احتجوا بوجوه:
الأول: أن ذلك مقرر في بدائه (٢) العقول، فالاستدلال على نقيضه لا يقدح فيه.
الثاني: أن الشكر طريق آمن، والإعراض عنه مخوف، فكان الأول أولى عقلا.
الثالث: الشكر لو لم يجب عقلا لما وجب النظر في المعجزة عقلا، فإنه لا فرق بين البابين، وأنه يفضي إلى إلجام الرسل؛ لأن المكلف يقول: لا أنظر في المعجزة ما لم يجب. ولا يجب إلا بالشرع، ولا يثبت الشرع إلا بالمعجزة.
стр. 32
والجواب عن الأول: أنه ممنوع في حق من لا يسره الشكر ولا يضره الكفر.
وعن الثاني: أن الشكر طريق مخوف لما ذكرنا.
وعن الثالث: أن الإفحام لازم على المذهبين؛ لأن العلم بوجوب النظر ليس [ضروريا بل نظريا، فللمكلف] أن يقول: لا أنظر في المعجزة ما لم يجب النظر، ولا يجب إلا بنظري، فلا أنظر.
* التاسع: في حكم الأشياء قبل الشرع. ما يضطر المكلف إليه في الانتفاع كالتنفس، مأذون فيه قطعا، إلا إذا جوزنا تكليف ما لا يطاق.
وما لا يكون اضطراريا، فعند معتزلة البصرة (١) وطائفة من فقهاء الشافعية والحنفية: مباح (٢).
وعند معتزلة بغداذ (٣) وطائفة
стр. 33
من الإمامية (١) وأبي علي بن أبي هريرة (٢): محظور. وعند الأشعري والصيرفي وبعض الفقهاء (٣): على الوقف، وله تفسيران: أحدهما: لا حكم. والثاني: لا نعلم (٤).
لنا: ما سبق من أن هذه الأحكام لا تثبت إلا بالشرع.
حجة المباح: أنه انتفاع خال من المفسدة، ولا ضرر على المالك، فيحسن، لدوران الحسن معه في الاستظلال بحائط الغير والنظر في مرآته.
حجة الحظر: أنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، فيقبح كما في الشاهد.
والجواب عن الأول: بمنع الحكم العقلي، وبتسليمه نقدح في الدوران بما سبق (٥).
وعن الثاني: أن الإذن معلوم بدليل العقل، كالاستظلال بحائط الغير.
وأبطل الفريقان قولنا: "لا حكم"، بأن الحكم بالعدم حكم، ويكون متناقضا.
стр. 34
ولأن الفعل إن منع عنه فحظر، وإلا فمباح.
والجواب: لا تناقض في الإخبار. وليس المباح ما ذكرتموه، فإنه حاصل في فعل البهائم. بل ما سبق تعريفه (١).
ثم هاهنا بحثان:
الأول: معرفة أصول الفقه فرض؛ لأن معرفة حكم الله تعالى فرض إجماعا، وهو الطريق إلى معرفته، وما لا يتم [الواجب] المطلق إلا به وكان مقدورا، فهو واجب.
* الثاني: أنه من فروض الكفايات لجواز الاستثناء.
стр. 35
الكلام في اللغات
وفيه أبواب:
الأول: في أحكامها الكلية
النظر الأول: الكلام يقال بالاشتراك على: المعنى القائم بالنفس. وعلى الأصوات المقطعة. والبحث في الثاني.
قال أبو الحسين (١): هو المنتظم من حروف مسموعة متميزة متواضع عليها. صادرة عن قادر واحد. والاحترازات بهذه القيود معلومة. والحد يدخل الكلمة في الكلام. وهو قول الأصوليين. وأجمع النحاة على أن الكلام هو: "الجملة المفيدة (٢). و [قولهم فيه مرجح].
قال ابن جني (٣): يخرج (٤) الكلام عن كونه كلاما: [بزيادة] «إن»
стр. 36
الشرطية على "قام زيد". وبالنقصان، كإسقاط زيد من ذلك.
الثاني: في إفادة اللفظ المعنى. قال عباد الصيمري (١): يفيده لذاته (٢).
محتجا: بأنه لولا مناسبة بينهما لترجح الجائز من غير مرجح.
وجوابه: أن الواضع إن كان الله تعالى، كان كتخصيص إيجاد العالم بوقت معين. وإن كان الناس، كان لخطور ذلك اللفظ في ذلك الوقت بالبال دون غيره. ثم لو كانت لذواتها لاعتدى إليها كل عاقل، ولما اختلفت بالنواحي والأمم.
وقال الأشعري وابن فورك: دلالتها توقيفية (٣)، لوجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ [البقرة: ٣١]. فيدل أنها توقيفية، فكذا الأفعال والحروف، لعدم القائل بالفرق. ولأنها إنما سميت أسماء لكونها علامة على مسمياتها.
* الثاني: أن الله تعالى ذم قوما على إطلاقهم أسماء غير توقيفية بقوله
стр. 37
تعالى: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم﴾ الآية [النجم: ٢٣].
الثالث: قوله تعالى: ﴿واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾ [الروم: ٢٢].
والمراد اختلاف لغاتكم، لا التأليف فإنه في غيرها أبلغ.
* الرابع: لو كانت بالمواضعة لارتفع الأمان عن الشرائع، لجواز تبدل اللغات.
والجواب عن الأول: أن التعلم هو الفعل الصالح لتحصيل العلم، إذ يقال: علمته فما تعلم.
وعن الثاني: لم لا يجوز أن يكون المراد من الأسماء: العلامات والصفات؟! فإن الاسم مشتق من السمة أو السمو. فكل ما يكشف عن حقيقة (١) الشيء كان اسما. والاصطلاح عرف حادث.
وعن الثالث: أن اللسان متروك بالإجماع، فيبقى مجازا، فنعارضه بمجاز آخر، وهو: الإقرار على اللغات.
وعن الرابع: أن التغيير لو وقع لاشتهر. فلئن نقضوا بمعجزات الرسول والإقامة فرادى، فنجيب عنه في «الأخبار» إن شاء الله تعالى.
وقال أبو هاشم وأتباعه: دلالة الألفاظ بالاصطلاح (٢)، لقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ [إبراهيم: ٤]، دل على تقدم في اللغة على البعثة المتوقف عليها التوقيف.
стр. 38
وجوابه: منع أن التوقيف متوقف على البعثة.
وقيل: ابتداء اللغات وقع بالاصطلاح دون الباقي (١). وقال الأستاذ أبو إسحاق عكسه (٢).
والمحققون توقفوا في الكل (٣)، لجوازها، وضعف أدلة القاطعين، ولأنه يجوز أن يضع الواحد اللفظة للمعنى، ويعرفه غيره بإيماء أو إشارة، ويساعده عليه غيره كتعليم الوالد ولده لغته.
الثالث: في الموضوع. لما احتاج الإنسان إلى معين افتقر إلى تعريفه ما في ضميره، فوضعوا الألفاظ معرفات لما في الضمائر [سوى] الإشارة وغيرها، لسهولتها. ولأن التنفس ضروري، فالأولى صرفه إلى نفعه (٤). ولوجودها عند الحاجة وانقضائها عند انقضائها.
стр. 39
الرابع: لا يمكن أن يكون لكل معنى لفظ، لتناهي الألفاظ دون المعاني، فإن منها الأعداد. ثم المعنى إن اشتدت الحاجة إلى التعبير عنه، وجب وضع لفظ يدل عليه، للداعي التام والقدرة. ثم اللفظ المشهور عند الجميع، لا يجوز وضعه لمعنى خفي لا يعرفه إلا الخواص.
وليس الغرض من وضع الألفاظ المفردة إفادة معانيها المفردة، لأن إفادتها إياها موقوف على العلم بها وهو دور. بل الغرض تفهيم ما تركب من المعاني بتركيب الألفاظ.
والألفاظ إنما وضعت للدلالة على المعاني الذهنية لا الخارجية، لتغير الأسامي عند تغير الصورة الذهنية واستمرار الخارجية والمركبة أيضا كذلك، فإن قولك: زيد قائم، إنما يفيد الحكم ثم يستدل بالحكم على الوجود الخارجي إذا سلم عن الخطأ.
الخامس: معرفة العربية واجب، لتوقف معرفة شرعنا على القرآن والأخبار الواردين بها. وطريقها النقل، أو النقل والعقل. أما مجرد العقل، فلا، لما سبق أن اللغات وضعية.
والنقل إما متواتر يفيد العلم، أو آحاد يفيد الظن.
فإن قيل: المتواتر ممنوع للاختلاف في الألفاظ المشهورة، كلفظ «الإله»، قيل: إنه سوري. وقيل: إنه عربي مشتق. وقيل: غير مشتق. واختلف في الإيمان والصلاة والزكاة. ولأن شرط صحته استواء الطرفين والواسطة،
стр. 40
ولم يعلم. ثم اشتهر أن اللغة أخذت من جمع قليل، كالخليل والأصمعي وغيرهما، مع أنهم غير معصومين، وأنه قد قدح بعضهم في بعض، فكيف يقطع بشيء من مدلولاتي القرآن والأخبار؟!
ثم التمسك بالمركب موقوف على امتناع التناقض على الواضع، وهو مجهول. والإجماع فرع هذا الطريق، فإثباته [به] دور.
والجواب: أن العلم الضروري حاصل بأن الألفاظ المشهورة كـ «السماء» و «الأرض» كانت مستعملة زمن النبي ﷺ في معانيها المعلومة، وأكثر ألفاظ القرآن منها. وما ليست منها فإنما يثبت به الظن. ويثبت وجوب العمل بالإجماع. والإجماع يثبت بآية واردة بلغات معلومة لا مظنونة. وبهذا يزول الإشكال.
الباب الثاني تقسيم الألفاظ من وجهين
الأول: دلالة اللفظ على تمام مسماه مطابقة. وعلى جزئه تضمن. وعلى لازمه الخارجي التزام. ويعتبر فيه اللزوم الذهني لعدم الفهم بدونه. ولا الخارجي وهو شرط لا موجب. ويعتبر في التضمن والالتزام كونه كذلك، احتراز عما إذا دل عليه بالمطابقة على سبيل الاشتراك والدلالة الوضعية: المطابقة.
والباقيتان عقليتان، إذ الذهن ينتقل من المسمى إلى لازمه الداخل والخارج.
ثم اللفظ إن دل جزءه على جزء معناه، فمركب. وإن لم يدل، فمفرد، كالأبكم.