الشرطية على "قام زيد". وبالنقصان، كإسقاط زيد من ذلك.
الثاني: في إفادة اللفظ المعنى. قال عباد الصيمري (١): يفيده لذاته (٢).
محتجا: بأنه لولا مناسبة بينهما لترجح الجائز من غير مرجح.
وجوابه: أن الواضع إن كان الله تعالى، كان كتخصيص إيجاد العالم بوقت معين. وإن كان الناس، كان لخطور ذلك اللفظ في ذلك الوقت بالبال دون غيره. ثم لو كانت لذواتها لاعتدى إليها كل عاقل، ولما اختلفت بالنواحي والأمم.
وقال الأشعري وابن فورك: دلالتها توقيفية (٣)، لوجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ [البقرة: ٣١]. فيدل أنها توقيفية، فكذا الأفعال والحروف، لعدم القائل بالفرق. ولأنها إنما سميت أسماء لكونها علامة على مسمياتها.
* الثاني: أن الله تعالى ذم قوما على إطلاقهم أسماء غير توقيفية بقوله
стр. 37
تعالى: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم﴾ الآية [النجم: ٢٣].
الثالث: قوله تعالى: ﴿واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾ [الروم: ٢٢].
والمراد اختلاف لغاتكم، لا التأليف فإنه في غيرها أبلغ.
* الرابع: لو كانت بالمواضعة لارتفع الأمان عن الشرائع، لجواز تبدل اللغات.
والجواب عن الأول: أن التعلم هو الفعل الصالح لتحصيل العلم، إذ يقال: علمته فما تعلم.
وعن الثاني: لم لا يجوز أن يكون المراد من الأسماء: العلامات والصفات؟! فإن الاسم مشتق من السمة أو السمو. فكل ما يكشف عن حقيقة (١) الشيء كان اسما. والاصطلاح عرف حادث.
وعن الثالث: أن اللسان متروك بالإجماع، فيبقى مجازا، فنعارضه بمجاز آخر، وهو: الإقرار على اللغات.
وعن الرابع: أن التغيير لو وقع لاشتهر. فلئن نقضوا بمعجزات الرسول والإقامة فرادى، فنجيب عنه في «الأخبار» إن شاء الله تعالى.
وقال أبو هاشم وأتباعه: دلالة الألفاظ بالاصطلاح (٢)، لقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ [إبراهيم: ٤]، دل على تقدم في اللغة على البعثة المتوقف عليها التوقيف.
стр. 38
وجوابه: منع أن التوقيف متوقف على البعثة.
وقيل: ابتداء اللغات وقع بالاصطلاح دون الباقي (١). وقال الأستاذ أبو إسحاق عكسه (٢).
والمحققون توقفوا في الكل (٣)، لجوازها، وضعف أدلة القاطعين، ولأنه يجوز أن يضع الواحد اللفظة للمعنى، ويعرفه غيره بإيماء أو إشارة، ويساعده عليه غيره كتعليم الوالد ولده لغته.
الثالث: في الموضوع. لما احتاج الإنسان إلى معين افتقر إلى تعريفه ما في ضميره، فوضعوا الألفاظ معرفات لما في الضمائر [سوى] الإشارة وغيرها، لسهولتها. ولأن التنفس ضروري، فالأولى صرفه إلى نفعه (٤). ولوجودها عند الحاجة وانقضائها عند انقضائها.
стр. 39
الرابع: لا يمكن أن يكون لكل معنى لفظ، لتناهي الألفاظ دون المعاني، فإن منها الأعداد. ثم المعنى إن اشتدت الحاجة إلى التعبير عنه، وجب وضع لفظ يدل عليه، للداعي التام والقدرة. ثم اللفظ المشهور عند الجميع، لا يجوز وضعه لمعنى خفي لا يعرفه إلا الخواص.
وليس الغرض من وضع الألفاظ المفردة إفادة معانيها المفردة، لأن إفادتها إياها موقوف على العلم بها وهو دور. بل الغرض تفهيم ما تركب من المعاني بتركيب الألفاظ.
والألفاظ إنما وضعت للدلالة على المعاني الذهنية لا الخارجية، لتغير الأسامي عند تغير الصورة الذهنية واستمرار الخارجية والمركبة أيضا كذلك، فإن قولك: زيد قائم، إنما يفيد الحكم ثم يستدل بالحكم على الوجود الخارجي إذا سلم عن الخطأ.
الخامس: معرفة العربية واجب، لتوقف معرفة شرعنا على القرآن والأخبار الواردين بها. وطريقها النقل، أو النقل والعقل. أما مجرد العقل، فلا، لما سبق أن اللغات وضعية.
والنقل إما متواتر يفيد العلم، أو آحاد يفيد الظن.
فإن قيل: المتواتر ممنوع للاختلاف في الألفاظ المشهورة، كلفظ «الإله»، قيل: إنه سوري. وقيل: إنه عربي مشتق. وقيل: غير مشتق. واختلف في الإيمان والصلاة والزكاة. ولأن شرط صحته استواء الطرفين والواسطة،
стр. 40
ولم يعلم. ثم اشتهر أن اللغة أخذت من جمع قليل، كالخليل والأصمعي وغيرهما، مع أنهم غير معصومين، وأنه قد قدح بعضهم في بعض، فكيف يقطع بشيء من مدلولاتي القرآن والأخبار؟!
ثم التمسك بالمركب موقوف على امتناع التناقض على الواضع، وهو مجهول. والإجماع فرع هذا الطريق، فإثباته [به] دور.
والجواب: أن العلم الضروري حاصل بأن الألفاظ المشهورة كـ «السماء» و «الأرض» كانت مستعملة زمن النبي ﷺ في معانيها المعلومة، وأكثر ألفاظ القرآن منها. وما ليست منها فإنما يثبت به الظن. ويثبت وجوب العمل بالإجماع. والإجماع يثبت بآية واردة بلغات معلومة لا مظنونة. وبهذا يزول الإشكال.
الباب الثاني تقسيم الألفاظ من وجهين
الأول: دلالة اللفظ على تمام مسماه مطابقة. وعلى جزئه تضمن. وعلى لازمه الخارجي التزام. ويعتبر فيه اللزوم الذهني لعدم الفهم بدونه. ولا الخارجي وهو شرط لا موجب. ويعتبر في التضمن والالتزام كونه كذلك، احتراز عما إذا دل عليه بالمطابقة على سبيل الاشتراك والدلالة الوضعية: المطابقة.
والباقيتان عقليتان، إذ الذهن ينتقل من المسمى إلى لازمه الداخل والخارج.
ثم اللفظ إن دل جزءه على جزء معناه، فمركب. وإن لم يدل، فمفرد، كالأبكم.
стр. 41
الثاني: اللفظ إذا كان مدلوله لفظا، فالمدلول مفرد، أو مركب، دال على معنى، أو غير دال.
فالأول: الكلمة.
والثاني: الخبر.
والثالث: الحرف المعجم الدال على لفظ لا يفيد.
والرابع: اللفظ الدال على لفظ مركب لم يوضع لمعنى، فالأشبه أنه غير موجود؛ لأن التركيب إنما يراد للإفادة، ولا إفادة.
الباب الثالث في الأسماء المشتقة
وفيه مسائل:
الأولى: قال الميداني (١): "الاشتقاق أن تجد بين اللفظين تناسبا في المعنى والتركيب فترد أحدهما إلى الآخر".
وأركانه أربعة: اسم وضع لمعنى. وشيء آخر له نسبة إلى ذلك المعنى.
ومشاركتهما في الحروف الأصلية. وتغير يلحق ذلك الاسم في حرف أو حركة أو فيهما، بزيادة أو نقصان أو بهما.
стр. 42
الثانية: لا يصدق المشتق بدون المشتق منه، إذ المركب بدون المفرد محال. خلافا لأبي علي وأبي هاشم، إذ قالا: العلم والقدرة والحياة معان توجب العالمية والقادرية والحيية الثابتة لله تعالى دونها (١).
الثالثة: بقاء المشتق منه شرط. خلافا لابن سينا (٢) وأبي هاشم (٣)؛ لأنه يصدق بعد انقضاء الضرب أنه ليس بضارب، لصدق الأخص منه، وهو قولنا: ليس بضارب، [فـ] لم يصدق أنه ضارب، للتناقض.
فإن قلت: لا يلزم من صدق قولنا: ليس بضارب في الحال، صدق قولنا ليس بضارب، إذ حكم الشيء يجوز وحده أن يكون مخالفا لحكمه مع غيره.
ثم هو معارض بوجوه:
الأول: [أنه يصح تقسيم الضارب] إلى الضارب في الماضي والحال.
الثاني: اتفق أهل اللغة على أن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل عمل الفعل، فسموا من وجد منه الفعل في الماضي فاعلا (٤).
стр. 43
الثالث: لو كان البقاء شرطا لما كان اسم المخبر والمتكلم حقيقة لعدم وجود معناهما دفعة، ولما سمي المؤمن مؤمنا إلا حال تلبسه بمعنى الإيمان.
والجواب عن الأول: أنه باطل بإجماع أهل اللغة، ثم نقول: مدلول الألفاظ المركبة ليس إلا التركيب الحاصل من المفردات التي هي مدلولات الألفاظ المفردة.
وعن الثاني: أن النحاة أطلقوا ذلك على من سيفعل أيضا، وليس حقيقة.
وعن الثالث: المعارضة باتفاقهم على أنه إذا كان بمعنى المستقبل عمل عمل الفعل.
وعن الرابع: أن المعتبر حصول المشتق منه بتمامه إن وجد دفعة، وإلا فآخر جزء.
وعن الخامس: أن تلك التسمية مجاز، إذ [لا] يقال لأكابر الصحابة كفرة، واليقظان نائم باعتبار ما مضى.
الرابعة: يجب أن يشتق لمحل المعنى اسم منه، ولا يجوز أن يشتق لغير محله منه اسم. خلافا للمعتزلة فيهما (١)، فإنهم قالوا: الله تعالى يخلق كلامه في جسم ولا يسمى ذلك الجسم متكلما. ولأن [الجارح] يسمى [جارحا] مع قيام الجرح بغيره.
стр. 44
وأيضا لفظ المكي والمدني والحداد واللابن مشتق مما يمتنع قيامه بمحل الاشتقاق.
وأجيبوا عن الأول: أنه لو كان كذلك لسمي المحل متكلما.
وعن الثاني: أن الجرح هو التأثير القائم بالجارح.
وعن الثالث: أن الأصحاب لا تدعي ذلك إلا في المشتق من المصادر.
الخامسة: المشتق لا يدل على حقيقة الماهية، بل أنه أمر ما له المشتق [منه].
الباب الرابع في الترادف والتوكيد
وفيه مسائل:
الأولى: المترادفان هما: "اللفظان المفردان الدالان على مسمى واحد باعتبار واحد". واحترزنا "بالإفراد" عن الاسم والحد.
وبالآخرين (١) عن اللفظين الموضوعين لذاتين كالصارم والمهند.
ولذات وصفة، كالناطق والفصيح.
والتأكيد: "ما أفاد تقوية ما يفهم من آخر".
والتابع وحده لا يفيد بنفسه، والترادف يفيد بنفسه عين ما [أفاده الآخر، فوقع الفرق].
стр. 45
الثانية: العلم الضروري حاصل في جواز التأكيد والترادف ووقوعهما باستقراء اللغات. وأنكر الملاحدة التأكيد. وقوم الترادف (١)، وردوا ما نظن أنه من المترادفات إلى المتباينات تباين الصفتين، أو الصفة والموصوف.
* لنا: صحة قولهم: "أسد وليث"، و"خمر وسلاف".
ثم الداعي إلى الترادف: التسهيل، والإقدار على الفصاحة برعاية الوزن والقافية وأصناف البديع، والتعبير بأحد اللفظين إذا نسي الآخر. وإن تعدد واضعه، كالقبيلين، فهو أكثر من الأول. وسيأتي فوائد التأكيد في «العموم» إن شاء الله تعالى.
وقيل: الأصل عدم الترادف؛ لأنه يخل بالفهم. ولأنه يتضمن تعريف المعرف (٢).
الثالثة: يصح إقامة كل واحد من المترادفين مقام الآخر في أول النظر، لاتحاد المعنى وصحة الضم من عوارض المعاني دون الألفاظ، وليس كذلك، إذ لا يقام "من" من العربية مقام "أز" (٣) من الفارسية. وإذا علم ذلك في لغتين جاز ذلك في لغة. والجلي من المترادفين يكون شرحا للخفي، وقد ينعكس الحال بالنسبة إلى آخرين.
стр. 46
الرابعة: الشيء قد يؤكد بنفسه، كقوله ﷺ : «فنكاحها باطل باطل» (١).
وبغيره، فالمختص بالمفرد: "النفس والعين"، وبالمثنى: "كلا وكلتا"، وبالجمع: "أجمعون وأكتعون وأبصعون" و"الكل"، وهو أم الباب.
الباب الخامس في الاشتراك
وفيه مسائل:
الأولى: المشترك هو اللفظ الموضوع لشيئين فصاعدا وضعا أولا من حيث هو كذلك. واحترزنا "بالعدد" عن اللفظ المفرد. و"بالأولية" عما يدل على واحد بالحقيقة وآخر بالمجاز. و"من حيث هو" عن المتواطئ، فإن تناوله للماهيات المختلفة إنما كان لاشتراكهما في المعنى الواحد لا من حيث هي مختلفة.
ثم قيل (٢): وجوده واجب في اللغة لوجهين:
الأول أن الألفاظ متناهية، والمعاني غير متناهية، فلو وزعت عليها لزم الاشتراك.
стр. 47
الثاني: أن [اللفظ] العام - كـ «الوجود» و «الشيء» - واجب في اللغة، إذ وجود كل شيء عين ماهيته.
والجواب عن الأول: أن المعاني المقصودة بالتسمية متناهية، وغير المتناهي لا يخطر بالبال. ثم لا نسلم وجوب الاشتراك. سلمناه، لكن لم لا يجوز وضع الوجود لأمر عام.
وقيل: وجوده ممتنع، لإخلاله بالفهم التام. وجوابه: أن الإخلال لا يوجب النفي كما في أسماء الأجناس.
والدليل على إمكانه أن الإنسان قد يؤثر تعريف الشيء إجمالا، لما في التفصيل من المفسدة، أو لأنه يعلم التفصيل. والمواضعة تابعة للغرض.
ومنهم من أنكر وقوعه (١)، ونزل ما يظن مشتركا على المتواطئ، أو على أنه حقيقة في معنى مجاز في آخر كالعين، فإنه نقل من الجارحة المخصوصة إلى الدينار والشمس، لاشتراكهما في الضياء والصفاء. والأغلب عندنا وقوعه، لتردد الذهن عند سماع "القرء" بين الطهر والحيض بغير قرينة.
الثانية: مفهوما المشترك إما متباينان، كالطهر والحيض المسميين بالقرء.
أو بينهما تعلق، فإن كان أحدهما جزء الآخر لغير ممتنع وغير ضروري إذا
стр. 48
قيل: الممكن عليهما، وإن لم يكن جزءه، فيكون صفة الآخر كالأسود إذا سمي به شخص أسود.
دقيقة: إطلاق المشترك بين ثبوت الشيء ونفيه لا يفيد إلا التردد، وهو حاصل، فوضع اللفظ له عبث.
الثالثة: سبب وقوع الاشتراك ما سبق. وطريق معرفته: سماع أهل اللغة بالتصريح به، أو وجود دليل على أن اللفظ حقيقة بالنسبة إلى معنيين.
وقيل: يدل على الاشتراك: حسن الاستفهام لعدم الفهم. وقيل: باستعماله في حقيقتين. وسيأتي ضعفهما في باب العموم إن شاء الله تعالى.
الرابعة: جوز الشافعي (١) والقاضي أبوبكر (٢)
стр. 49
وعبد الجبار والجبائي (١)، استعمال المشترك المفرد في معانيه على الجمع.
ومنع منه أبو هاشم وأبو الحسين البصري (٢) والكرخي (٣).
والمختار: أن المنع يرجع إلى الوضع لا إلى القصد (٤). ويدل عليه: أن الموضوع للمفردات إن لم يوضع للمجموع لم يجز استعماله فيه، وإن وضع للمجموع، فإن استعمله فيه وحده كان مفيدا لأحد معانيه لا كلها، وإن استعمله فيه وفي كل فرد فهو متناقض، لحصول الاكتفاء بكل فرد، لاستعماله فيه. وعدم الاكتفاء بكل فرد، لاستعماله في المجموع.
واحتج المجوزون بوجهين:
الأول قوله تعالى: ﴿إن الله وملئكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب: ٥٦].
والصلاة من الله رحمة ومن الملائكة استغفار.
الثاني قول سيبويه: قول القائل: "ويل لك " دعاء وخبر (٥). جعله [مفيدا لهما].
والجواب: أن ما ذكرتم لو صح لكان اللفظ موضوعا للمجموع كما في
стр. 50
الآحاد، فيكون إعمالا له في بعض معانيه، لا في كلها لما بيناه.
فرعان:
* الأول: بعض من منع الاشتراك في المفرد [جوزه] في الجمع نفيا وإثباتا. والحق منعه؛ لأن قوله للمرأة "اعتدي [بالأقراء معناه:] (١) "بقرء وقرء"، والمفرد إنما يفيد فردا، فكذا جمعه. وأما في النفي، ففيه نظر لأنه لم يقم دليل قاطع أن الواضع ما استعمله لإفادتهما ويمكن جوابه بأن النفي يرفع مقتضى الإثبات وهو واحد فلو أريد به المسمى بهذا الاسم صار اللفظ كالمتواطئ.
* الثاني: إذا جوزنا ذلك، فلا يجب. وقال الشافعي ﵁ (٢) والقاضي أبوبكر ﵁ (٣): يجب. وفيه نظر؛ لأن اللفظ إن لم يوضع للمجموع لم يجز استعماله فيه، وإن وضع - مع أنه أحد مفهوماته - لزم الترجيح بلا مرجح، فإن رجحت لكونه أحوط، فإنا نبطله.
الخامسة: الأصل عدم الاشتراك، لوجوه:
* الأول: حصول التفاهم من غير استكشاف.
* الثاني: لولاه لما حصل الظن في الأدلة السمعية، واللازم منتف.
стр. 51
* الثالث: الاشتراك يخل بفهم السامع إما لمهابة القائل أو لاستنكاف السامع عن السؤال.
فإن قلت: الاشتراك واقع في الأسماء والأفعال والأوامر والحروف، والكلام يركب منها، والكثرة دليل الرجحان.
قلت: الأصل في الألفاظ الأسماء، وأكثرها مفردة، وإلا لما حصل التفاهم. السادسة: المشترك إن تجرد عن القرينة دام الإجمال، لما بينا من امتناع حمله على الكل. وإن وجدت قرينة، فإن اعتبر بعض معانيه تعين. أو كلها، فإن تنافت نظر إلى المرجح، وإن لم تتنافى، قال بعضهم: ينظر إلى الترجيح بين دليل الحمل على جميع المعاني ودليل المنع. وهو خطأ؛ لأن الدليل المانع قاطع، فلا تعارض، وإن لم يتعارض حمل على كل المعاني. وإن ألغت القرينة بعضها والباقي (١) واحد تعين. وإن كان أكثر بقي مجملا فيه.
وإن ألغت جميعها، فإن تساوت الحقائق دون مجازاتها أو بالعكس حمل على المجاز الراجح أو مجاز الحقيقة الراجح. وإن تساوت الحقائق ومجازاتها، بقي مجملا. وإن لم تتساوى الحقائق ولا مجازاتها رجح مجاز الحقيقة الراجحة، إلا أن يكون مجازها مرجوحا فيطلب له مرجح.
стр. 52
السابعة: الاشتراك واقع في القرآن والأخبار لقوله تعالى ﴿قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقوله تعالى: ﴿واليل إذا عسعس﴾ [التكوير]. فإنه مشترك بين الإقبال والإدبار.
احتج المانع: أن المشترك إن لم يرد منه [الإفهام، أو] أريد ولم يبين، فهو عبث. وإن بينه [مقارنا] كان تطويلا بلا فائدة. وإن لم يكن [مقارنا]، أمكن أن لا يصل إليه البيان، فيبقى الخطاب مجملا.
والجواب على أصلنا: أن الله يفعل ما [يشاء]. وعلى أصل المعتزلة يأتي في تأخير البيان. والله أعلم.
الباب السادس في الحقيقة والمجاز
وفيه مسائل:
الأولى: في تفسير لفظي الحقيقة والمجاز. والحقيقة (١): [فعيلة] من الحق، وهو الثابت، فإنه يذكر في مقابلة الباطل المعدوم. والفعيل بمعنى الفاعل، أو المفعول. فعلى الأول معنى الحقيقة: الثابتة. وعلى الثاني: المثبتة.
والمجاز (٢): مفعل من الجواز، إما بمعنى التعدي المختص بالجسم، فاستعماله في اللفظ مجاز للتشبيه، أو بالمعنى الذي هو قسيم الوجوب والامتناع، وهو راجع إلى الأول.
стр. 53
الثانية: قال أبو الحسين (١): الحقيقة ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به. فيدخل فيه الحقيقة اللغوية والعرفية والشرعية. والمجاز: ما أفيد به معنى مصطلح عليه في تلك المواضعة التي وقع التخاطب بها لعلاقة بينهما.
وقال أبو عبد الله البصري (٢): الحقيقة ما أفيد بها ما وضعت له.
والمجاز: ما أفيد به غير ما وضع له.
وقال ابن جني (٣): الحقيقة ما أقرت في الاستعمال على أصل وضعها في اللغة. والمجاز: ضد ذلك.
والأصح الأول.
الثالثة: لفظا الحقيقة والمجاز في معنييهما حقيقيان عرفا مجازان لغة (٤)، لما ثبت أن الحقيقة: فعيلة من الحق، وهو الثابت. ثم نقل إلى العقد ثم إلى القول المطابقين، إذ هما أولى بالوجود. ثم إلى اللفظ المستعمل في الموضوع لتحقيق ذلك الوضع. والمجاز: مفعل من الجواز، وهو حقيقة في الأجسام. ولأن بناء المفعل للمصدر أو للموضع، فيكون للفاعل مجازا.
стр. 54
القسم الأول: في الحقيقة
المسألة الأولى: احتج الجمهور (١) على إثبات الحقيقة اللغوية: بأن اللفظ إن استعمل في موضوعه الأصلي فهو الحقيقة، وإلا، فمجاز. ويلزم وجود الحقيقة؛ لأنه فرعها. وهو ضعيف، لما سنبين أن اللفظ في وضعه الأول ليس بحقيقة ولا مجاز. بل يدل عليه: أن ههنا ألفاظا استعملت في موضوعاتها، وهو المعني بالحقيقة.
الثانية: الحقيقة العرفية: هي اللفظة المنتقلة عن معناها إلى غيره بعرف الاستعمال. والعرف يكون خاصا وعاما، وامكانهما متفق عليه. والنزاع في وقوعهما، والدليل عليه:
أما الخاص، فما لكل طائفة من العلماء وأرباب الصنائع من ألفاظ تخصهم. وأما العام، فقد تصرف أهل العرف في ألفاظ اشتهرت في مجازاتها بحيث تستنكر معها الحقائق، كتسمية قضاء الحاجة بالغائط للموضع المطمئن من الأرض. وخصصوا الاسم ببعض مسمياته، كالدابة والجن والخابية والقارورة، فإنها مشتقة من الدبيب والاجتنان والقرار، ثم اختصت بشيء
стр. 55
معين. وأما على غير هذين الوجهين فلم يثبت.
الثالثة: الحقيقة الشرعية: هي التي استفيد من الشرع وضعها للمعنى.
والقاضي أبوبكر منعها مطلقا (١). والمعتزلة أثبتوها مطلقا (٢). والحق أن إطلاقه على سبيل المجاز من الحقائق اللغوية (٣). والدليل عليه: أن إفادتها لها لم تكن عربية لما كان القرآن جميعه عربيا؛ لأن كون اللفظ عربيا حكم يحصل له بإفادته لمعناه واللازم منتف لقوله تعالى ﴿قرآنا عربيا﴾ [يوسف: ٢].
فإن قلت: هذا يقتضي كون هذه الألفاظ مستعملة في عين ما كانت العرب تستعملها فيه، وهذا منتف بالاتفاق. سلمناه، لكن الإفادة وإن لم تكن عربية، غير أن الكلمة تكلمت بها العرب، فكانت عربية.
ثم نقول: هي وإن كانت غير عربية، لكنها قليلة فلا يخرج القرآن بسببها عن كونه عربيا، إذ الثور الأسود مع شعرات بيض فيه، والشعر الفارسي مع كلمات عربية فيه، لا يخرج عن الأسود والفارسي.
سلمناه، لكن القرآن يقال بالاشتراك على مجموعه وعلى بعضه،
стр. 56
لوجهين: الأول: لو حلف لا يقرأ القرآن، فقرأ آية حنث. الثاني: يصح قولنا: "هذا كل القرآن" و "هذا بعضه". والتكرار والنقص خلاف الأصل.
سلمناه، لكن القرآن مشتمل على غير العربي، كالحروف في أوائل السور، والمشكاة والاستبرق والسجيل.
ثم ما ذكرتم معارض بوجهين: الأول: أن معاني الشرع حادثة، فلابد من حدوث أسمائها. الثاني: الإيمان لغة: التصديق. وشرعا: فعل الواجبات فتغايرا.
والجواب عن الأول: أنه يقتضي وضع هذه الألفاظ لمعان هي عند العرب حقائق فيها أو مجازات، فإنهم تكلموا بالمجاز كما تكلموا بالحقيقة، فإطلاقهم اسم الجزء على الكل مجاز مشهور، كما يقال للزنجي: أسود.
والدعاء أحد أجزاء المجموع المسمى بالصلاة.
وعن الثاني: أن اللفظ إنما يصير من لغة، لأجل دلالته بذلك الوضع.
وعن الثالث: أن ذلك الاطلاق مجاز، بدليل الاستثناء.
وعن الرابع: أن الإجماع منعقد على أن الله تعالى لم ينزل إلا قرآنا واحدا.
والوجهان معارضان بصحة القول في كل آية وسورة إنه بعض القرآن.
وعن الخامس: أن الحروف عندنا أسماء السور، ولا يمتنع أن توافق العربية لغة أخرى.
стр. 57
وعن المعارضة: لا يكفي فيها المجاز، وهو تخصيص المطلق ببعض موارده، كما في الصلاة. والمراد من التضرع والمسألة: الصلاة.
فروع على القول بالنقل:
* [الأول:] والنقل خلاف الأصل، لوجوه:
الأول: أنه يتوقف على ثبوت الوضع اللغوي ونسخه، ثم ثبوت وضع جديد. واللغوي يتم بوضع واحد، فكان الثاني أرجح. الثاني: ثبوت الحكم في الحال يفيد ظن البقاء، عملا بالاستصحاب. الثالث: أنه يخل بالفهم.
* الثاني: في الأسماء الشرعية متواطئ بالاتفاق. وفي المشترك خلاف، والأقرب وقوعه؛ لأن لفظ "الصلاة" يستعمل في معان متفرقة، كصلاة الأخرس والجنازة والقاعد والصلاة بالإيماء عند الشافعي ﵁. وليس بين هذه الأشياء قدر مشترك. فيكون بالاشتراك (١). والأظهر أن الترادف لم يوجد؛ لأنه خلاف الأصل، فيقدر بقدر الحاجة (٢).
* الثالث: الأقرب أنه لم يوجد الفعل والحرف الشرعي، للاستقراء.
стр. 58
* الرابع: الأصح أن صيغ العقود إذا استعملت في الشرع لاستحداث الأحكام، إنشاءات. وهي إخبارات لغة وفاقا.
بيان الأول من وجوه:
الأول أنه لوكان قوله: "أنت طالق" إخبارا عن الماضي أو الحال، لامتنع تعليقه على شرط أو عن المستقبل، لما وقع الطلاق، كما لو صرح بقوله: "ستصيرين طالقا".
الثاني أن الله تعالى أمر بالتطليق، فيستدعي القدرة عليه، ولا قدرة إلا على القول، فيكون هذا المؤثر في الطلاق.
الثالث لو أضاف الطلاق إلى الرجعية وقع، وإن كان صادقا بدون الوقوع.
стр. 59
القسم الثاني: في المجاز
وفيه مسائل:
الكلام في اللغات
الأولى: المجاز إما أن يقع في مفردات الألفاظ فقط، كإطلاق الأسد على الشجاع. أو في التركيب فقط، كقوله (١):
أشاب الصغير وأفنى الكبيـ … ـــــر كر الغداة ومر العشي
فإن مفردات هذا البيت مستعملة في موضوعاتها، لكن نسبة بعضها إلى بعض مجاز. أوفيهما معا، كقوله: "أحياني اكتحالي بطلعتك".
الثانية: لا نشك في وجود المجاز، خلافا لقوم (٢)؛ لأنهم استعملوا الأسد في الشجاع، والحمار في البليد. مع أنها ما وضعت لها، بل لمشابهة بينهما.
стр. 60
فإن قلت: إن اللفظ بدون القرينة لا يفيد المعنى المجازي، ومع القرينة يكون حقيقة، إذ لا يحتمل غيره. قلنا: اللفظ الذي لا يفيد إلا مع القرينة مجاز، ودلالة القرينة ليست وضعية حتى يجعل المجموع حقيقة.
الثالثة: المجاز المفرد ينقسم اثني عشر وجها:
* الأول: إطلاق اسم السبب على المسبب. والأسباب أربعة: القابل، كقولهم: "سال الوادي". والصورة، كتسمية اليد بالقدرة. والفاعل، كتسمية المطر بالسماء. والغاية، كتسمية العنب بالخمر.
* الثاني: إطلاق اسم المسبب على السبب، كتسمية المذلة العظيمة بالموت. ويمكن إدخاله في المجاز للمشابهة. والأول أقوى.
* الثالث: تسمية الشيء بما يشابهه ويسمى مستعارا.
* الرابع: تسمية الشيء باسم ضده، كتسمية جزاء السيئة سيئة. ويمكن جعله مجازا للمشابهة.
* الخامس: تسمية الجزء باسم الكل.
* السادس: [تسمية] الكل باسم الجزء. والثاني أولى؛ لأن الأول يلازم الكل، ولا ينعكس.
* السابع: إطلاق اسم وجود الشيء على إمكانه، كتسمية الخمر في الدن بالمسكر.
* الثامن: إطلاق المشتق بعد زوال المشتق منه.
стр. 61
* التاسع: الإطلاق بسبب المجاورة، كتسمية الشراب بالكأس.
ويمكن جعله مجازا بسبب القابل.
* العاشر: المجاز بسبب أن أهل العرف نقلوا استعماله من معنى إلى معنى آخر، كتسمية الكلب بالدابة.
* الحادي عشر: المجاز بسبب الزيادة والنقصان. وقد سبق مثالها.
* الثاني عشر: تسمية المتعلق بالمتعلق كتسمية المقدور قدرة.
الرابعة: المجاز إنما يدخل ابتداء في اسم الجنس؛ لأن الاسم العلم لا علاقة بين مسماه وبين الأصل، وهي شرط المجاز. ومجازية المشتق والفعل تابعة للمصدر والمشتق منه. والحرف معناه في غيره، فإن انضم إلى ما ينبغي ضمه إليه، كان حقيقة، وإلا فمجاز في التركيب.
الخامسة: المجاز لا يكفي فيه المشابهة بل يتوقف على السمع (١). خلافا لبعضهم (٢)؛ لأن المشابهة لو كفت لجاز استعارة الأسد للأبخر، وهو ممتنع.
стр. 62
فإن قلت: اتفقوا على أن استخراج وجوه المجاز تتوقف على تدقيق النظر، بخلاف النقل. قلت: الموقوف إنما هو جهات حسن المجاز لا نفسه.
السادسة: المجاز المركب عقلي، كقوله تعالى: ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ [الزلزلة]. إذ الإخراج مستند إلى الله تعالى. وهو حكم عقلي، فنقله إلى الأرض نقل لحكم عقلي لا للفظ لغوي.
فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون لفظ أخرج موضوعا لصدور الخروج عن القادر، فاستعماله في غيره يكون مجازا لغويا؟! ثم ما الفارق بين هذا المجاز وبين الكذب؟!
قلت: لأن أمثلة الأفعال لو دلت على خصوصية المؤثر لكان لفظ أخرج خبرا تاما. وقولنا: "أخرجه القادر" تكرار. ثم القرائن الحالية والمقالية تفرق بينهما.
السابعة: المجاز جائز في الكتاب والسنة. خلافا لأبي بكر الأصفهاني (١).
لنا: قوله تعالى: ﴿جدارا يريد أن ينقض فأقامه﴾ [الكهف: ٧٧]، ﴿وجاء ربك﴾ [الفجر: ٢٢].
واحتج بوجوه:
الأول أنه لو خاطب بالمجاز لوصف بكونه متجوزا.
стр. 63
الثاني أنه يوجب الالتباس.
الثالث يقتضي كونه عاجزا عن الحقيقة.
والجواب عن الأول: أن أسماء الله تعالى توقيفية. على أنها لو كانت اصطلاحية لأوهم لفظ التجوز أنه فاعل لما لا يجوز، وهو محال.
وعن الثاني: [لا] التباس مع القرينة.
وعن الثالث: إنما يعدل عن الحقيقة لأغراض أخر.
الثامنة: إنما يعدل عن الحقيقة إلى المجاز: لاختصاص لفظه بالعذوبة، ومعناه بالتعظيم أو التحقير، أو لصلاحية الشعر والسجع وأصناف البديع، أو لزيادة البيان، أو تلطيف الكلام؛ لأن المجاز يوقف على مقصوده من وجه دون وجه، والحقيقة تنص على المقصود، فيبقى للنفس تشوق إلى المجاز دون الحقيقة. فلأجله كان التعبير بالمجاز آكد.
التاسعة: المجاز غير غالب على اللغات. وقال ابن جني (١): أكثر اللغة مجاز، أما في الفعل، فلأن قولك: "قام زيد" معناه: أنه وجد منه المصدر المتناول لجميع الأفراد، ولم يوجد جميع القيام. [وهو ركيك]، إذ المصدر يدل على الماهية دون أشخاصها.
وقال أيضا: قولك: "ضربت زيدا ورأيته" مجاز؛ لأنك ضربت ورأيت
стр. 64
بعضه. فنقول: زيد هو الموجود عند ولادته، فلعل الضرب وقع على جزء حادث.
العاشرة: المجاز خلاف الأصل لوجوه:
الأول: أنه يتوقف بعد الوضع على النقل وعلته، بخلاف الحقيقة، فكان أندر.
الثاني: أن الحقيقة أسبق إلى الفهم، فكانت أرجح.
الثالث: إجماعهم على أن الأصل هو الحقيقة، قال ابن عباس: "ما كنت أعرف معنى «فاطر»، حتى اختصم إلي اثنان في بئر، فقال أحدهما: فطرها أبي. [أي] اخترعها" (١). وقال الأصمعي: "ما كنت أدري معنى «الدهاق»، حتى سمعت جارية تقول: اسقني دهاقا. أي ملأن" (٢).
فرع: قال أبو حنيفة ﵀: الحقيقة [المرجوحة] (٣) أولى من المجاز الراجح. وقال أبو يوسف بالعكس (٤). وقيل: يستويان، لرجحان كل واحد منهما من وجه.
стр. 65
القسم الثالث: في مباحث مشتركة
وفيه مسائل:
* الأولى: اللفظ في أول وضعه ليس بحقيقة ولا مجاز؛ لأن الاستعمال الثاني شرط في الحقيقة والمجاز.
* الثانية: اللفظ الواحد لا يكون حقيقة ومجازا إلا بالنسبة إلى معنيين أو وضعين، لامتناع احتمال النفي والإثبات من جهة واحدة.
* الثالثة: المجاز إذا كثر استعماله صار حقيقة عرفية، والحقيقة إذا قل استعمالها صارت مجازا عرفيا.
* الرابعة: يلزم من كون اللفظ مجازا في شيء كونه حقيقة في غيره، بأن استعمل في موضوعه. ولا ينعكس، إذ وجود العلاقة غير لازم.
* الخامسة: يفرق بين الحقيقة والمجاز بنص الواضع عليهما. أو على أحدهما. أو بذكر خواصهما أو خواص أحدهما. أو بسبق المعنى إلى فهم أهل اللغة. أو بفهم المعنى من غير قرينة، فيعلم أنها حقيقة فيه. أو تعلق اللفظ بما يستحيل تعلقه به، فيعلم أنه مجاز فيه، كقوله تعالى: ﴿وسئل القرية﴾ [الكهف: ٨٢]. أو باستعماله فيما ترك استعماله، فيعلم أنه مجاز عرفي، شو كما تستعمل الدابة في الحمار.
стр. 66
الباب السابع في التعارض الحاصل بين أحوال الألفاظ
[وهو] من عشرة أوجه؛ لأن الاحتمالات المخلة بالفهم خمسة: الاشتراك والنقل والمجاز والإضمار والتخصيص.
المسألة الأولى: النقل أولى من الاشتراك؛ لأن عند النقل يكون اللفظ حقيقة منفردة في كل الأوقات، بخلاف الاشتراك.
فإن قلت: الاشتراك لوجهين: الأول: أنه عند القرينة يعمل. وعند جهلها يتوقف، فالخطأ حينئذ أبعد. وعند الجهل بالنقل نحمله على الوضع الأول، فنخطئ. الثاني: أنه يقتضي نسخ الوضع الأول.
والجواب عنهما: أن الشرع إذا نقل لفظا عن وضعه، فلابد وأن يشتهر نقله تواترا.
الثانية: المجاز أولى من الاشتراك، لكثرته في الكلام وحصول الفائدة منه وإن عدمت القرينة. فإن قلت: الاشتراك أولى، لما سبق في النقل بجوابه.
الثالثة: الإضمار أولى من الاشتراك؛ لأن الاحتمال فيه يختص ببعض الصور. والاحتمال في الاشتراك عام فيها. ولأن الإضمار إيجاز، وهو من محاسن الكلام.
стр. 67
الرابعة: التخصيص أولى من الاشتراك؛ لأنه أولى من المجاز الذي هو أولى من الاشتراك، لما سبق.
الخامسة: المجاز أولى من النقل، لتوقفه على القرينة فقط [وهو] متيسر.
والنقل يتوقف على اتفاق أهل اللسان على تغير الوضع وذلك متعذر أو متعسر.
فإن قلت: النقل إذا وجد يجب اشتهاره، فيحصل الغرض. والحقيقة إذا تعذرت قد يخفى وجه المجاز، فيحصل الجهل. قلت: الحقيقة تعين على فهم المجاز لتناسبهما. ثم هو معارض بفوائد المجاز.
السادسة: الإضمار أولى من النقل، لما ذكرنا في أن المجاز أولى.
السابعة: التخصيص أولى من النقل؛ لأنه أولى من المجاز الذي هو أولى منه. والله أعلم.
الثامنة: المجاز والإضمار سواء، لاحتياج كل واحد منهما إلى قرينة مانعة لفهم الظاهر.
التاسعة: التخصيص أولى من المجاز، لحصول غرض المتكلم عند معرفة القرينة وجهلها، بأن يحمله على عمومه. والحقيقة إذا جهلت لم تحمل على المجاز، فلا يحصل الغرض.
العاشرة: التخصيص أولى من الإضمار؛ لأنه أرجح من المجاز المساوي له.
стр. 68
فروع:
الأول: الاشتراك راجح على النسخ الذي هو تخصيص في الأزمان. أما التخصيص في الأعيان، فإنه راجح على الاشتراك، إذ يحتاط في النسخ أكثر مما يحتاط في تخصيص العام. ولهذا لا يجوز النسخ بخبر الواحد والقياس، بخلاف التخصيص.
الثاني: التواطؤ أولى من الاشتراك؛ لأن مسماه واحد بخلاف المشترك.
والإفراد أولى من الاشتراك، لما تقدم.
الثالث: الاشتراك بين علمين، أو بين علم ومعنى أولى منه بين معنيين، لقلة الاختلاف بقلة الموارد.
الرابع: اللفظ إذا تناول الشيء بجهتي التواطؤ والاشتراك، كان اعتقاد جهة التواطؤ أولى، كتناول الأسود الزنجي المسمى به.
الباب الثامن في تفسير حروف تشتد معرفة الفقيه إلى معرفتها
وفيه مسائل:
الأولى: «الواو» العاطفة لمطلق الجمع. [وقيل: للترتيب] (١).
стр. 69
لنا وجوه:
الأول: إجماع النحاة عليه (١). وذكره سيبويه في سبعة عشر موضعا من كتابه (٢).
الثاني: أنه لا يفيد الترتيب في قوله: ﴿واسجدي واركعي﴾ [آل عمران: ٤٣].
الثالث: الترتيب ممتنع في قوله: تقاتل زيد وعمرو.
الرابع: لوكان للترتيب لكان قوله: رأيت زيدا وعمرا بعده أو قبله. تكرارا أو نقضا.
احتج المخالف بوجهين:
الأول أن الصحابة ﵃ فهموا منه الترتيب، بدليل قولهم لابن عباس: "أتأمرنا بالعمرة قبل الحج وقد قال تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] " (٣).
стр. 70
الثاني: لو قال لغير المدخول بها: "أنت طالق وطالق" طلقت واحدة.
ولو كانت للجمع لطلقت طلقتين.
[والجواب] عن الأول: أن إنكار الصحابة معارض بأمر ابن عباس.
وعن الثاني: أن الطلاق [الثاني] ليس مفسرا للأول فبانت به، بخلاف قوله: طلقتين. فإنه تفسير لقوله: أنت طالق. والكلام بآخره.
الثانية: «الفاء» للتعقيب [حسب] ما يمكن، لإجماع أهل اللغة عليه (١). ولأنها تدخل على الجزاء إذا لم يكن ماضيا أو مضارعا، لوجوب تعقيب الجزاء للشرط.
احتج المانع (٢) بوجهين:
الأول: قوله تعالى: ﴿لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم﴾ [طه: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]. مع أن الإسحات
стр. 71
والرهن قد تأخر.
الثاني: الفاء قد تدخل على التعقيب، والأصل عدم التكرار.
والجواب: أنه استدلال في مقابلة النص، فيجب حمل الأول على المجاز، والثاني على التأكيد.
الثالثة: لفظة «في» للظرفية تحقيقا، كقوله: زيد في الدار. أو تقديرا، كقوله تعالى: ﴿ولا أصلبنكم في جذوع النخل﴾ [طه: ٧١]. لتمكن المصلوب على الجذع تمكن الشيء في المكان. وقولنا: فلان في الصلاة. وشاك في المسألة مثله تشبيها به. وقيل: إنها للسببية، لقوله ﵇ «في النفس المؤمنة مئة من الأبل» (١). ولم يذكره أهل اللغة.
الرابعة: المشهور أن لفظة «من» ترد لابتداء الغاية، نحو "سرت من البصرة إلى الكوفة". وللتبعيض، نحو "خاتم من فضة". وللتمييز، كقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ [الحج: ٣٠]. وزائدة، نحو "ما جاءني
стр. 72
من أحد". والحق أنها للتمييز، لاشتراك الكل فيه.
الخامسة: قيل: «إلى» لانتهاء الغاية (١). وقيل (٢): إنها مجملة، لاقتضائها دخول الغاية في قوله تعالى: ﴿إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦]، وإخراجها في قوله تعالى: ﴿إلى اليل﴾ [البقرة: ١٨٧]. وهو ضعيف، لما بينا أن النقيضين لا يوضع لهما لفظ واحد. والحق: خروج الغاية إن تميزت بمفصل حسي، كما في الليل والنهار. ودخولها إن لم تتميز، كما في اليد والمرفق.
السادسة: «الباء» مع فعل متعد بنفسه للتبعيض (٣). خلافا للحنفية (٤). لأنا نعلم بالضرورة أن قولنا: "مسحت بالمنديل" للتبعيض. و"مسحت المنديل" للشمول.
احتج المخالف بقوله: "كتبت بالقلم وضربت بالسيف". وقال ابن جني (٥): "كون الباء للتبعيض لا يعرفه أهل اللغة".
стр. 73
والجواب عن الأول: قوله: "كتبت بالقلم" لا يتعدى بنفسه، والنزاع في فعل يتعدى بنفسه. وعن الثاني: أنه شهادة على النفي فلا تسمع.
السابعة: «إنما» للحصر. خلافا لقوم (١).
لنا: قول الفرزدق (٢):
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما … يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
وقال الأعشى (٣):
وإنما العزة للكاثر
وقد نقله أبو علي الفارسي عن أهل اللغة (٤). ولأن «إن» للإثبات،
стр. 74
و «ما» للنفي، فعند التركيب يجب أن يبقى حكمهما، إذ الأصل عدم التغيير (١).
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ [الأنفال: ٢]. وجوابه: أنه للمبالغة.
الباب التاسع في الاستدلال بالخطاب
وفيه مسائل:
الأولى: لا يجوز أن يتكلم الله تعالى ورسوله ﵇ بكلام لا يفهم (٢).
خلافا للحشوية (٣).
стр. 75
لنا وجهان: الأول: أنه هذيان ونقص، وهو على الله تعالى محال.
الثاني: أنه تعالى وصف القرآن بكونه هدى وبيانا وشفاء.
احتجوا بوجوه: الأول: الحروف التي في أوائل السور. والثاني: قوله تعالى: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦]. الثالث: قوله تعالى: ﴿إلهين اثنين﴾ [النحل: ٥١]. مع أنه لا يفيد شيئا.
والجواب عن الأول: أنها أسماء السور. وعن الثاني: أنه للتأكيد.
الثانية: لا يجوز أن يعني الله تعالى بكلامه خلاف ظاهره ولا يدل عليه.
خلافا للمرجئة (١).
لنا: أنه مهمل بالنسبة إلى غير ظاهره، وقد بينا فساده. فإن قيل: المهمل ما لا فائدة فيه، والوعيد وإن لم يرد، يفيد منع الفسق. وجوابه: أن