← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30172

غرر المحصول فى علم الأصول

أبو محمد البرزي

Полный текст (358 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والرهن قد تأخر. الثاني: الفاء قد تدخل على التعقيب، والأصل عدم التكرار. والجواب: أنه استدلال في مقابلة النص، فيجب حمل الأول على المجاز، والثاني على التأكيد. الثالثة: لفظة «في» للظرفية تحقيقا، كقوله: زيد في الدار. أو تقديرا، كقوله تعالى: ﴿ولا أصلبنكم في جذوع النخل﴾ [طه: ٧١]. لتمكن المصلوب على الجذع تمكن الشيء في المكان. وقولنا: فلان في الصلاة. وشاك في المسألة مثله تشبيها به. وقيل: إنها للسببية، لقوله ﵇ «في النفس المؤمنة مئة من الأبل» (١). ولم يذكره أهل اللغة. الرابعة: المشهور أن لفظة «من» ترد لابتداء الغاية، نحو "سرت من البصرة إلى الكوفة". وللتبعيض، نحو "خاتم من فضة". وللتمييز، كقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ [الحج: ٣٠]. وزائدة، نحو "ما جاءني

стр. 72

من أحد". والحق أنها للتمييز، لاشتراك الكل فيه. الخامسة: قيل: «إلى» لانتهاء الغاية (١). وقيل (٢): إنها مجملة، لاقتضائها دخول الغاية في قوله تعالى: ﴿إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦]، وإخراجها في قوله تعالى: ﴿إلى اليل﴾ [البقرة: ١٨٧]. وهو ضعيف، لما بينا أن النقيضين لا يوضع لهما لفظ واحد. والحق: خروج الغاية إن تميزت بمفصل حسي، كما في الليل والنهار. ودخولها إن لم تتميز، كما في اليد والمرفق. السادسة: «الباء» مع فعل متعد بنفسه للتبعيض (٣). خلافا للحنفية (٤). لأنا نعلم بالضرورة أن قولنا: "مسحت بالمنديل" للتبعيض. و"مسحت المنديل" للشمول. احتج المخالف بقوله: "كتبت بالقلم وضربت بالسيف". وقال ابن جني (٥): "كون الباء للتبعيض لا يعرفه أهل اللغة".

стр. 73

والجواب عن الأول: قوله: "كتبت بالقلم" لا يتعدى بنفسه، والنزاع في فعل يتعدى بنفسه. وعن الثاني: أنه شهادة على النفي فلا تسمع. السابعة: «إنما» للحصر. خلافا لقوم (١). لنا: قول الفرزدق (٢): أنا الذائد الحامي الذمار وإنما … يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي وقال الأعشى (٣): وإنما العزة للكاثر وقد نقله أبو علي الفارسي عن أهل اللغة (٤). ولأن «إن» للإثبات،

стр. 74

و «ما» للنفي، فعند التركيب يجب أن يبقى حكمهما، إذ الأصل عدم التغيير (١). واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ [الأنفال: ٢]. وجوابه: أنه للمبالغة. الباب التاسع في الاستدلال بالخطاب وفيه مسائل: الأولى: لا يجوز أن يتكلم الله تعالى ورسوله ﵇ بكلام لا يفهم (٢). خلافا للحشوية (٣).

стр. 75

لنا وجهان: الأول: أنه هذيان ونقص، وهو على الله تعالى محال. الثاني: أنه تعالى وصف القرآن بكونه هدى وبيانا وشفاء. احتجوا بوجوه: الأول: الحروف التي في أوائل السور. والثاني: قوله تعالى: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦]. الثالث: قوله تعالى: ﴿إلهين اثنين﴾ [النحل: ٥١]. مع أنه لا يفيد شيئا. والجواب عن الأول: أنها أسماء السور. وعن الثاني: أنه للتأكيد. الثانية: لا يجوز أن يعني الله تعالى بكلامه خلاف ظاهره ولا يدل عليه. خلافا للمرجئة (١). لنا: أنه مهمل بالنسبة إلى غير ظاهره، وقد بينا فساده. فإن قيل: المهمل ما لا فائدة فيه، والوعيد وإن لم يرد، يفيد منع الفسق. وجوابه: أن

стр. 76

ذلك ينفي الاعتماد على أخبار الشارع، لاحتمال ما ذكرتم. الثالثة: قال بعضهم (١): الاستدلال بالألفاظ لا يفيد اليقين؛ لأنه مبني على نقل اللغة والنحو والتصريف، وعدم الاشتراك والمجاز والنقل والإضمار والتخصيص والتقديم والتأخير والناسخ والمعارض العقلي. وذلك ظني لما بينا من عدم عصمة الناقلين. ولما ذكره الجرجاني في «الوسائط» (٢) من قدح بعضهم ببعض وتلحينهم. والمبني على الظني ظني. ومن أنصف يعلم أنه لا يقين فيها إلا إذا اقترن بالخطاب قرائن مشاهدة أو معلومة بالتواتر. الرابعة: الخطاب إذا استقل بالإفادة بمنطوقه وجب حمله أولا على المعنى الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي الحقيقي، ثم المجازي. فإن دل على معنيين، حمله كل طائفة على معنى تعرفه. وإلا [لخاطبها] (٣) بما لا تعرفه مع عدم القرينة. وإن استقل بالدلالة بمعناه، فهو الذي قدمناه من الدلالة الالتزامية. وإن لم يستقل، فقد ينضم إليه شيء يصير المجموع دليلا على الحكم، فالمضموم

стр. 77

قد يكون شهادة حال المتكلم، أو دليلا شرعيا، وهو نص أو إجماع أو قياس. الخامسة: الخطاب إذا تعذر حمله على ظاهره لقرينة - وكان خاصا - وجب حمله على المجاز المتعين في نفسه، صونا له عن الإلغاء. وإن دلت على غير ظاهره [حمل عليه. أو دلت على ظاهره] (١) وغيره حمل عليها. وإن كان عاما تجرد عن قرينة حمل على العموم. وإن كان له قرينة، فإن دلت على ظاهره وغيره حمل عليهما، وإن دلت على أنه ليس ظاهره، وأن المراد غير ظاهره، فلابد من دليل يعين أن المراد بعض ما تناوله، أو شيء لم يتناوله، لتعذر اجتماعهما. وإن دلت على أن المراد هو البعض، خرج الباقي. وإن دلت على أن البعض مراد أو غير مراد، لم يخرج الباقي عن الإرادة، لعدم المنافاة. السادسة: ثبوت حكم الخطاب فيما يتناوله مجاز لا يدل على أنه المراد بالخطاب. خلافا للكرخي (٢). لنا: أنه يمكن ثبوت ذلك الحكم بدليل آخر، وحينئذ يجب إعمال الحقيقة. فإن قلت: لو كان عليه دليل غير الخطاب لنقل. قلت: لعلهم استغنوا بالإجماع عن نقله.

стр. 78

الكلام في الأوامر والنواهي وفيه مقدمة [وأقسام]: أما المقدمة، ففيها مسائل: الأولى: لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص وفاقا (١). وهو المختار. وعند [بعض] الفقهاء (٢): [مشترك بينه وبين الفعل] (٣). [و] عند أبي الحسين (٤): مشترك بينهما، وبين الشيء والصفة والشأن. لنا: أنه حقيقة في القول إجماعا، فلا يكون حقيقة في غيره، دفعا للاشتراك. [و] احتج بعضهم بوجوه:

стр. 79

الأول: لو كان حقيقة في غير القول لسمي الأكل والشرب أمرا. الثاني: لاشتق (١) منه الأمر والمأمور. الثالث: يصح نفي الأمر عن الفعل عرفا، فيقال: ما أمرته لكنه فعله. والكل ممنوع، أما الأول: فيمتنع اطراد الحقيقة. والثاني: يمتنع وجوب الاشتقاق. والثالث: يمتنع العرف. واحتج الفقهاء بوجهين: الأول قوله تعالى: ﴿أتعجبين من أمر الله﴾ [هود: ٧٣]، ﴿وما أمر فرعون﴾ ﴿برشيد﴾ [هود: ٩٧]، أي فعله، إذ كلامه تعالى غير مخلوق. وقول الشاعر (٢): لأمر ما يسود من يسود ويقال: "أمر مستقيم وأمر عظيم" والأصل الحقيقة. الثاني: جمعه بمعنى الفعل على "أمور" دليل الحقيقة. واحتج أبو الحسين بأن [من] قال: "هذا أمر"، فإن السامع يتردد في الأمور كلها، وذلك دليل الحقيقة في الجميع. والجواب عن الأول: من الآيتين (٣) القول أو الشأن؛ لأنهما يصدقان

стр. 80

على الفعل. وعن الثاني: أن الأمور جمع للأمر بمعنى الشأن. وجواب الثاني: منع تردد الذهن، بل السابق إلى الفهم: الأول، إلا إذا وجدت قرينة صارفة. الثانية: ذكر القاضي أبوبكر (١) أن الأمر: هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور له. وارتضاه الأصحاب (٢). وهو ضعيف؛ لأن المأمور والمأمور به مشتقان من الأمر، ومعرفتهما قبل معرفة الأمر ممتنع، فتعريف الأمر بهما دور. وقالت المعتزلة: هو قول القائل لمن دونه افعل أوما يقوم مقامه (٣). وهو ضعيف، لما تبين أن الرتبة غير معتبرة على أن الأمر يوجد بدون هذا اللفظ بوضع لفظ غيره أو لغة أخرى. والمختار: أنه القول الدال على طلب الفعل بالاستعلاء (٤). ومنهم من أسقط القيد الأخير. الثالثة: تصور ماهية الطلب معلوم للعقلاء (٥) ضرورة،

стр. 81

لتفريقهم (١) بين طلب الفعل والترك والمفهوم من الخبر. ويعلمون بالضرورة أن ما يصلح جوابا لأحدهما لا يصلح للآخر. ثم معنى الطلب ليس نفس الصيغة، إذ ماهية الطلب لا تختلف باختلافها، بل هي صفة المتكلم، كعلمه وقدرته، والصيغة الدالة عليها. ويتفرع عليها مسائل: * الأولى: أن تلك الماهية غير الإرادة. خلافا للمعتزلة (٢). لنا: أنه تعالى أمر أبا جهل بالإيمان ولم يرده منه، لوجهين: الأول أن صدوره منه - مع علمه تعالى أنه لا يؤمن - محال، فلا يريده بالاتفاق. ولأن الإرادة صفة مرجحة لأحد الجائزين. الثاني: أن العاقل قد يأمر عبده بما لا يريده، إظهارا لسوء أدبه وإقامة عذره. ولأنه يصح أن يقول: "أريد منك الفعل ولا (٣) آمرك به". فلو اتحدا لتناقضا. احتجوا بوجهين: الأول: أن أهل اللغة وضعوا لفظة (افعل) للطلب المفهوم لكل عاقل، وغير الإرادة غير معلوم.

стр. 82

الثاني: أن الإرادة لو لم تعتبر في الأمر لصح بالماضي والواجب والممتنع، كالخبر. والجواب عن الأول: أن الطلب النفساني المغاير للإرادة معلوم للعقلاء. وعن الثاني: يطلب الجامع. على أن من يجوز تكليف ما لا يطاق يجوزه. الثانية: العقل يقسم الطلب ستة أقسام، ويجيز الحمل عليها أو على أحدها: الأول: أن الطلب يقتضي ترجيح الفعل أو الترك. الثاني: الترجيح (١) المانع من النقيض. والثالث والرابع: مطلق اللفظ الدال على الأول والثاني. والخامس والسادس: اللفظة العربية الدالة على الأول والثاني. أما بحسب اللغة، فجعل الأمر اسما للفظ لا للترجيح أولى، لوجوه: الأول: أهل اللغة قالوا الأمر [من] الضرب (٢): «اضرب». الثاني: لو علق العتق على الأمر، ثم أشار بما يفيده لم يفد العتق. الثالث: المتبادر إلى الفهم عند سماع لفظ «الأمر» اللفظ دون المعنى. احتج المخالف (٣) بوجوه:

стр. 83

الأول قوله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ الآية [المنافقون: ١]. كذبهم مع صدقهم في اللفظ. الثاني: قول عمر ﵁ "زورت في نفسي كلاما " (١). الثالث قول الأخطل (٢): إن الكلام لفي الفؤاد وإنما … جعل اللسان على الفؤاد دليلا والجواب عن الأول: أن الشهادة هي الإخبار عن الشيء مع العلم به، فلما لم يكونوا كذلك كذبهم. وعن الثاني: معناه: جهزته وقدرته، كما يقال: قدرت في نفسي دارا. وعن الثالث: المنع، بأنه غير عربي. على أنه محمول على المقصود من الكلام. فرع: الصحيح أن الأمر اسم (٣) اللفظ، عربيا كان أو فارسيا، بدليل أنه لو حلف أنه لا يأمر، حنث بالأمر بغير العربية. ولأن العرف يسميه أمرا.

стр. 84

* الثالثة: دلالة هذه الصيغة على الطلب يكفي في تحققها الوضع بغير إرادة أخرى. وقال أبو علي وأبو هاشم: لابد معه من إرادة (١). لنا وجهان: الأول: القياس على سائر الألفاظ. الثاني: لو توقفت على الإرادة لتعذر الاستدلال بالصيغة على الطلب؛ لأن الإرادة أمر باطن. حجتهما: أنها تميز صيغة الطلب وصيغة التهديد، ولا مميز إلا الإرادة. وجوابه: أنها حقيقة في الطلب، مجاز في التهديد. والأصل الحقيقة. الرابعة: ذهب أبو علي وأبو هاشم إلى أن [إرادة] المأمور به [مؤثرة] في [صيرورة] صيغة (٢) «افعل» أمرا (٣). وهو ضعيف؛ لأن الإرادة هي مدلول الصيغة، فلا تفيدها صيغة، قياسا على سائر المسميات والأسماء. * الخامسة: المختار أنه لا يعتبر في الأمر على رتبة الأمر. خلافا للمعتزلة (٤). لقوله تعالى - حكاية عن فرعون أنه قال لقومه -: ﴿ماذا تأمرون﴾ [الأعراف: ١١٠]. وقال عمرو بن العاص لمعاوية - وكان دونه - (٥):

стр. 85

أمرتك أمرا حازما فعصيتني … وكان من التوفيق قتل ابن هاشم ولا الاستعلاء. خلافا لأبي الحسين البصري (١) إذ يقال في العرف: "فلان أمر فلانا على وجه الرفق واللين". واحتج جمهور المعتزلة باستقباح أهل العرف قول القائل: "أمرت الملك ونهيته". واحتج أبو الحسين، بأنه لا يقال لمن أمر غيره على سبيل التضرع: إنه أمره. ويقال لمن أمر غيره على سبيل الاستعلاء - وإن كان أعلى رتبة منه: إنه أمره. ولهذا يستقبحونه ويصفونه بالجهل. وجوابه: منع الاستقباح. * السادسة: الأمر والنهي قد يجيئان بلفظ الخبر، كقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقوله ﵇: (لا تنكح [المرأة المرأة]) (٢). وبالعكس، كقوله ﵇: «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» (٣). معناه: صنعت ما شئت. ووجه المجاز: أن الأمر يدل على الوجود. والنهي على العدم، كدلالة الخبر عليهما، فتشابها من هذا الوجه.

стр. 86

القسم الأول: في المباحث اللفظية وفيه مسائل: الأولى: صيغة افعل تستعمل في خمسة عشر وجها: الأول: الإيجاب، كقوله تعالى: ﴿أقيموا الصلوة﴾. الثاني: الندب، كقوله تعالى: ﴿فكاتبوهم﴾ [النور: ٣٣]. ويقرب منه التأديب، كقوله ﵇: «كل مما يليك» (١). الثالث: الإرشاد، ﴿واستشهدوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. الرابع: الإباحة، ﴿وكلوا واشربوا﴾ [الأعراف: ٣١]. الخامس: التهديد، ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠]. ويقرب منه الإنذار، ﴿تمتعوا قليلا﴾ [المرسلات: ٤٦] (٢). السادس: الامتنان، ﴿فكلوا مما رزقكم الله﴾ [النحل: ١١٤]. السابع: الإكرام، ﴿ادخلوها بسلام﴾ [ق: ٣٤].

стр. 87

الثامن: التسخير، ﴿كونوا قردة﴾ [البقرة: ٦٥]. التاسع: التعجيز، ﴿فأتوا بسورة﴾ [البقرة: ٢٣]. العاشر: الإهانة، ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩]. الحادي عشر: التسوية، ﴿فاصبروا أو لا تصبروا﴾ [الطور: ١٦]. الثاني عشر: الدعاء، ﴿رب اغفر لي﴾ [نوح: ٢٨]. الثالث عشر: التمني، كقوله (١): ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي الرابع عشر: الاحتقار، ﴿ألقوا ما أنتم ملقون﴾ [يونس: ٨٠]. الخامس عشر: التكوين، ﴿كن فيكون﴾ [النحل: ٤٠]. وقد اتفقوا أنها ليست حقيقة في الكل. واختلفوا في خمسة: الوجوب والندب [والإباحة] (٢) والتنزيه والتحريم، فقيل: هي مشتركة بينها. وقيل: بين الثلاثة الأول. وقيل: هي حقيقة في أقل المراتب، وهي الإباحة (٣). لنا: التفرقة الضرورية بين قوله: «افعل» «لا تفعل». و «إن شئت افعل» و «إن شئت لا تفعل». وليس ذلك من المترادفات على معنى واحد.

стр. 88

الثانية: الحق عند أكثر الفقهاء والمتكلمين أن الأمر للوجوب (١). وعند أبي هاشم للندب (٢). وقيل: مشترك بينهما (٣). وقيل: حقيقة فيهما (٤). وقيل بالوقف، وهو قول الغزالي (٥). * لنا وجوه: الأول: أنه تعالى ذم إبليس على ترك السجود بقوله: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ [الأعراف: ١٢]. وليس المراد منه الاستفهام وفاقا. الثاني: قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾ [المرسلات: ٤٨]. فإن قلت: إنما ذمهم لأنهم لم يعتقدوا حقيقة الأمر، لا لترك الركوع، بدليل قوله: ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ [المرسلات: ٤٩]. قلت: استحقاق الويل بالتكذيب، لا بنفي استحقاق الذم بترك الركوع؛ لأن الكافر عندنا كما يعاقب بترك الإيمان يعاقب بترك العبادات. الثالث: قول بريرة للنبي ﷺ : "أتأمرني" فقال: «لا، إنما أنا شافع» (٦).

стр. 89

نفى الأمر وأثبت الشفاعة المندوبة. الرابع: أن الصحابة ﵃ تمسكوا بالأمر في قوله ﵇: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» (١)، وقوله: «فليصلها إذا ذكرها» (٢)، على الوجوب، ولم يظهر مخالف، فكان إجماعا، لما يأتي في القياس إن شاء الله تعالى. فإن قلت: لم يوجبوه في قوله تعالى: ﴿فكاتبوهم﴾ [النور: ٣٣]، و ﴿واصطادوا﴾ [المائدة: ٢]، و ﴿وآنكحوا﴾ [النساء: ٣]، وأمثاله، فوقع التعارض. قلت: التمسك بما لا يفيد الوجوب عليه لا يجوز، وقد يتخلف الحكم عن مقتضيه لمانع. [الخامس] (٣): تارك المأمور به عاص، لقوله تعالى: ﴿لا أعصي لك أمرا﴾ [الكهف]. والعاصي يستحق العقاب، لقوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله﴾ [النساء: ١٤] الآية. فإن قيل: لو كان عاصيا لزم التكرار في قوله تعالى: ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ [التحريم: ٦]. ولأن تارك المندوب تارك المأمور، وليس بعاص وفاقا. ثم قرينة الخلود تدل على أنه مختص بالكفار. والجواب عن الأول: أنا نحمل قوله تعالى: ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ [التحريم: ٦]، على المستقبل. وما قبله على الماضي.

стр. 90

وعن الثاني: أن تسمية المندوب مأمورا به مجاز، محافظة على عموم قوله تعالى: ﴿ومن يعص الله﴾ [النساء: ١٤] الآية. وعن الثالث: أن الخلود هو المكث الطويل. واحتج منكر الوجوب بوجوه: الأول لو دل على الوجوب لدل إما العقل، وهو باطل إذ لا مجال له في اللغات. أو النقل المتواتر، وهو باطل أيضا، وإلا لعرفه كل واحد. أو (١) الآحاد، وهو يفيد الظن، والمسألة [علمية]. وهذه حجة من يقول بالوقف. الثاني: قياس الأمر على السؤال، إذ لا فارق سوى الرتبة وقد أبطلناها. الثالث: ورد (٢) للوجوب وللندب وللإباحة، ولا إشعار له بأحدها، فيجعل حقيقة في المشترك، دفعا للاشتراك والمجاز. والجواب عن الأول: أنه يجوز أن يعرف الوجود بدليل يتركب من العقل والنقل. ثم يمنع كون المسألة علمية. وعن الثاني: أن السؤال عندنا يدل على الإيجاب، وإن لم يتحقق الوجوب. وعن المجاز: أن ما ذكرناه من الأدلة يدل عليه (٣).

стр. 91

الثالثة: الأمر عقيب الحظر والإذن للوجوب. خلافا لبعض أصحابنا (١). لنا: أن المقتضي للوجوب قائم لما سبق والمعارض الموجود لا يصلح معارضا لجواز الانتقال من الحضر إلى الوجوب كالانتقال منه إلى الإباحة وهو معلوم ضرورة. احتج المخالف بوجهين: الأول: ورد في الكتاب للإباحة، كقوله تعالى: ﴿فإذا طعمتم فانتشروا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ﴿وإذا حللتم فأصطادوا﴾ [المائدة: ٢]، وأمثاله. والأصل الحقيقة. الثاني: أن السيد إذا أمر عبده بعد منعه فهم الإباحة. والجواب عن الأول: أنه معارض بقوله تعالى: ﴿فإذا أنسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥]، فإنه يفيد وجوب الجهاد. وعن الثاني: المعارضة بقول الأب لابنه المحبوس: "اخرج إلى المكتب"، فإنه يفهم منه الوجوب.

стр. 92

تنبيه: من قال: بأن الأمر عقيب الحظر للإباحة، اختلفوا في النهي الوارد عقيب الوجوب، فمنهم من قال: إنه للإباحة، طردا للقياس (١). ومنهم من قال: للتحريم (٢). الرابعة: الحق أن الأمر يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوحدة أو الكثرة، وتلك تحصل بالمرة الواحدة (٣). وقيل: يفيد التكرار (٤). وقيل: للمرة الواحدة لفظا (٥). وقيل: التوقف (٦). وقالت الحنفية: يفيد الفور (٧). وقيل: التراخي (٨).

стр. 93

* لنا وجوه: الأول أنه قد جاء للتكرار وللفور ولغيرهما في الكتاب والعرف. والأصل الحقيقة، وما ذاك إلا إدخال ماهية المصدر في الوجود. والدال على المشترك لا دلالة له على ما به الامتياز لا بالوضع ولا بالاستلزام، فالأمر لا يدل على شيء من أوصافه. الثاني: لو قال لغيره: "افعل أبدا أو مرة واحدة، أو في الحال أو غدا" لم يكن الأول تكرارا. ولا الثاني نقضا. الثالث: كونه للتكرار يقتضي استغراق العمر بفعل المأمور به، فإن اللفظ لا إشعار له بوقت دون وقت، وليس البعض أولى. وهو باطل بالإجماع. احتج القائل بالتكرار بوجوه: الأول: أن أبا بكر ﵁ تمسك بقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣] على تكرارها، ولم ينكر أحد، فكان إجماعا. الثاني: التكرار أحوط، إذ فيه أمن المخالفة بتقدير [وجوبه]. الثالث: القياس على النهي. والجواب عن الأول: أن ذلك دليل خاص. وعن الثاني أن التكرار قد يفضي إلى المعصية، كما في شراء اللحم، ودخول الدار (١).

стр. 94

وعن الثالث أن الانتهاء عن الفعل أبدا ممكن بخلاف الفعل. وحجة الفور وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢]. ولولم يقتض الفور لما حسن ذمه في الحال. الثاني: قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [البقرة: ١٤٨]. الثالث: التأخير لا إلى بدل ينافي الوجوب. وإلى بدل يسقط التكليف إذا أتى به؛ لأن البدل ما يقوم مقام المبدل من جميع الوجوه. وليس كذلك وفاقا. الرابع: القياس على النهي وعلى أمر السيد لعبده بالسقي. والجواب عن الأول: أن الذم كان للقرينة. وعن الثاني: أنه مجاز، إذ المراد من المغفرة ما تقتضيها، وليس في اللفظ ما يعينه. وعن الباقي: النقض بالواجب الموسع. وبقوله: "افعل في أي وقت شئت". وحجة الاشتراك: [حسن الاستفهام] (١) عن إرادتهما. وورود الأمر بهما. والأصل الحقيقة. والجواب: سيأتي في باب العموم إن شاء الله تعالى.

стр. 95

الخامسة: من قال: المطلق لا يفيد التكرار، [اختلفوا في المعلق بالشرط والصفة، كقوله: "إن كان زانيا فارجمه"] (١)، وكقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]. والمختار أنه لا يفيده لفظا ويفيده قياسا. بيان الأول: قوله لعبده: اشتر اللحم إن دخلت السوق". ولزوجته: "أنت طالق إن دخلت الدار"، فإنه لا يفيد التكرار. ولأن اللفظ إنما دل على تعليق شيء على شيء، وهو أعم من تعليقه عليه في الكل والبعض، ثم نقيس على [الخبر] (٢) بجامع دفع ضرر التكرار. وأما الثاني، فلأن الله تعالى لو قال: "إن كان زانيا فارجمه" كان دليلا على أنه جعل الزنا علة للرجم؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بعليته له، وإلا لما قبح أن يقال: "إن كان عالما فأهنه"، وهو مستقبح والحكم يتكرر بتكرر العلة باتفاق القائسين. بخلاف العبد إذا قال: "اعتقت غانما لسواده" حيث لا يعتق سالم مع سواده وإن صرح بالعلة. السادسة: الأمر أو الخبر المعلق على شيء بـ «إن»، عدم عند عدمه. خلافا لأكثر المعتزلة (٣)، والقاضي أبي بكر (٤).

стр. 96

* لنا وجهان: الأول: النحاة سموا كلمة «إن» حرف الشرط. والشرط: ما ينتفي الحكم عند انتفائه، بدليل قولهم: "الوضوء شرط للصلاة". و"الحول شرط للزكاة". والأصل الحقيقة. لا يقال: إنها علامات، لئلا يلزم منه المجاز في تسمية ما ليس بعلامة شرطا. الثاني: قول يعلى بن أمية لعمر بن الخطاب ﵄: "ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمنا؟! " فقال: "عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي ﵇، فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم» (١). وليس التعجب لأن الأصل الإتمام، فإن صلاة الحضر والسفر كانتا ركعتين، وإنما زيدت صلاة الحضر. نقلته عائشة ﵂ (٢). احتجوا بقوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتيتكم على البغاء إن أردن تحصنا﴾ [النور: ٣٣]. والنهي قائم وإن لم يردن التحصن. وبقوله: ﴿ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ويجوز الرهن مع وجود الكاتب وأمثاله. ولأنه لا يجوز تنجيز الطلاق بعد تعليقه بشرط. والجواب عن الأول: أنه لا يلزم من عدم الحرمة القول بالحل، فإنهن إذا لم يردن التحصن يردن البغاء، والإكراه على المراد ممتنع. وعن الثانية وأمثالها: إنما جوزنا مخالفة الظاهر لمعارض. وعن الطلاق: أن المنجز غير معلق.

стр. 97

السابعة: الحكم المقيد بعدد لا يدل على نفيه عما زاد أو نقص، إلا (١) لدليل منفصل (٢). والحق أن الحكم متى تقيد بعدد [معين] علل به، تعدى إلى الزائد لوجود علته فيه. والناقص (٣) عن ذلك العدد، إن دخل فيه - والحكم إيجاب أو إباحة - دخلا فيه. والحظر قد يدخل وقد لا يدخل. وإن لم يدخل، فالحظر قد يثبت فيه بطريق الأولى، والإيجاب والإباحة قد يدخلان، وقد لا يدخلان (٤). واحتج المخالف: بأن الأمة عقلت من تحديد جلد القاذف بالثمانين نفي الزيادة. وجوابه: أن الزيادة منتفية بحكم الأصل. * * * الثامنة: الحكم المقيد بالاسم لا يدل على نفي الحكم عما عداه (٥). خلافا لأبي بكر الدقاق (٦).

стр. 98

* لنا وجهان: الأول: جواز القول بأن زيدا أكل. مع العلم بأن غيره أكل. الثاني: لو دل عليه لبطل القياس؛ لأن عدم الحكم في الفرع يثبت بالقياس، وهو مقدم. حجته: لا فائدة للتخصيص إلا نفي الحكم عما عداه. وجوابه: لعل الغرض اختص بذكر أحدهما دون الآخر. * * * التاسعة: الأمر المقيد بالصفة لا ينتفي الحكم عما عداه. خلافا للأشعري (١) والشافعي (٢) ومعظم فقهائنا (٣). * لنا وجوه: الأول: أن الأمر قد يرد مع نفيه عما عداه وفاقا، ومع ثبوته، كقوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء﴾ [المائدة: ٩٥]، فجعله في المشترك أولى، دفعا للاشتراك والمجاز. الثاني: لا يدل [عليه] بالمطابقة، إذ نفي الحكم عن صفة ليس نفس

стр. 99

ثبوته في أخرى. ولا بالالتزام، لعدم استلزام ثبوت الحكم في أحد الصورتين نفيه عن الأخرى. الثالث: القياس على تقييد الحكم بالاسم، عملا بالمشترك. وهو أن الغرض بالتخصيص نفي الحكم عما عداه. احتج المخالف بوجوه: الأول: أنه يستقبح عرفا قول القائل: "الإنسان الطويل لا يطير" ويقال (١): القصير أيضا كذلك، فالتخصيص بالطويل عبث. والنقل خلاف الأصل. الثاني: لابد للتخصيص من فائدة، ونفي الحكم عما عداه أصلح الفوائد، لمبادرة الذهن إليه عرفا. الثالث: ترتيب الحكم على الوصف يشعر بعليته والأصل تعليل الأحكام المتساوية. والجواب عن الأول: أنه منقوض بقولهم: "زيد الطويل لا يطير". وبالاتفاق لا ينفي الحكم عما عداه. وعن الثاني: لا نسلم أن تخصيص القادر يتوقف على مرجح، فإن تخصيص وجود العالم وبعض الصور بالحكم ليس لمرجح. وعن الثالث: ما سيأتي في القياس، أن الأصل ليس ذلك.

стр. 100

فرعان: * الأول: المخالف وافق فيما إذا احتمل أن يكون سبب التخصيص العادة، كما في قوله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾ [النساء: ٣٥]. وبقوله ﷺ : «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها» (١). * الثاني: تقييد الحكم بالصفة في جنس، كما في قوله ﵇: «في سائمة الغنم زكاة» (٢)، إنما ينفي ذلك الحكم عما عداه في ذلك الجنس. خلافا لبعض فقهائنا (٣). * لنا: أن دليل الخطاب نقيض النطق، وإن لم يتناول غير ذلك الجنس. احتجوا بأن السوم يجري مجرى العلة لوجوب الزكاة، فينتفي الحكم حيث تنتفي العلة. وجوابه: أن المذكور سوم الغنم لا مطلق السوم. * * * العاشرة: في أن الأمر هل يدخل تحت الأمر؟! قال أبو الحسين (٤): يمكن أن يقول الإنسان لنفسه: "افعل" مريدا للفعل، لكنه لا يسمى أمرا؛ لأن

стр. 101

الأمر يطلب الفعل قولا من الغير. والحق: أنه لا يحسن؛ لأن الفائدة منه إعلام طلب الفعل. ولو حكى أمر الغير بلفظ نفسه، فإن تناوله لكونه أن فلانا [يأمرنا] (١) بكذا دخل فيه، وإلا فلا. وإن حكاه بلفظ ذلك الغير، كقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١]، دخل فيه الكل، لعموم الخطاب. *** الحادية عشرة: إن أمر عقيب أمر بحرف عطف أو بغيره، فالأمر الثاني إن تناول مخالف الأمر الأول [وجبا مفترقين]، إذا امتنع اجتماعهما عقلا، كالصلاة في مكانين. أو سمعا، كالصدقة والصلاة. وإن صح اجتماعهما لم يتعين الجمع والتفريق إلا بدليل منفصل. وإن [تناول] (٢) مثل تناول الأول - وصح الزائد في المأمور به ولم يكن الثاني معطوفا عليه -، قال عبد الجبار (٣): إنه يفيد ما أفاده الأول إلا أن تمنع منه العادة، كقوله: "اسقني اسقني". أو التعريف، كقوله: "صل ركعتين، صل الصلاة". وقال أبو الحسين (٤): الأشبه الوقف. والمختار الأول؛ لأن الأمر للإيجاب، وإيجاب الواجب محال. ولأن صرفه إلى متعلق الأول يفيد تأكيدا، وصرفه إلى غيره يفيد فائدة أصلية، فإن الثاني أولى.

стр. 102

وإن عطفه عليه ولم يكن معرفا له اقتضى شيئا آخر، إذ الشيء لا يعطف على نفسه، وإن كان معرفا كقوله: "صل ركعتين وصل الصلاة"، فعند أبي الحسين، الأشبه الوقف (١)، لتعارض «لام» التعريف و «واو»، العطف. والعطف أرجح؛ لأن اللام قد تكون لتعريف الماهية أو لمعهود آخر سابق. وإن لم يصح الزائد في المأمور به، فقد يكون للعقل مرة وللسمع أخرى، ثم الأمران إن كانا عامين أو خاصين اتحد مأمورهما، والثاني يؤكد الأول. وإن كان أحدهما عاما والآخر خاصا، فإن لم يعطف الثاني على الأول، كان الخاص مؤكدا للعام. وإن عطف عليه كقوله: "صم كل يوم وصم يوم الجمعة". فقيل: يوم الجمعة لا يدخل [تحت] الأول، ليصح حكم العطف (٢). والأشبه: الوقف (٣)، لمعارضة (٤) ظاهر العموم إياه. والله أعلم.

стр. 103

القسم الثاني: في المباحث المعنوية والنظر في ثلاثة أمور: * الأول: في الوجوب، وينقسم بحسب نفسه إلى معين ومخير، وبحسب وقته إلى مضيق وموسع وبحسب المأمور إلى فرض عين وفرض كفاية. المسألة الأولى: وقالت المعتزلة: الأمر بالأشياء على التخيير يقتضي وجوب الكل على التخيير (١). [و] قال الفقهاء: الواجب واحد لا بعينه (٢). وهو خلاف في اللفظ دون المعنى؛ لأن كل طائفة عنت بقولها أنه لا يجوز الإخلال بالجميع، ولا يجب إتيان الجميع. وللمكلف أن يختار أي واحد كان. لكن ههنا مذهب يرويه أصحابنا عن المعتزلة، والمعتزلة عن أصحابنا، وهو: أن الواجب واحد معين عند الله تعالى غير معين عندنا، لكنه تعالى علم أن المكلف لا يختار إلا ذلك (٣).

стр. 104

والدليل على فساده، أن معنى التخيير: يجوز ترك كل واحد بشرط الإتيان بالآخر. ومعنى التعيين: ينافي ذلك. والجمع بين جوازه وعدم جوازه متناقض. احتجوا بأنه إذا أتى بالجميع دفعة أتى بالواجب واستحق ثوابه وسقط الفرض، فيجب أن يكون لواحد معين، إذ يمتنع أن يكون لكل واحد منهما أو لمجموعها، لعدم [وجوب] (١) ذلك، والواحد غير معين لعدم وجوده. واحتج من قال الواجب واحد غير معين، بما لو قال: "اعتقت عبدا من عبيدي؛ أو "بعت قفيزا من هذه" فالمعتق والمبتاع واحد غير معين يتعين باختياره. والجواب عن الأول: أن كل واحد معرف لسقوط الفرض لا مؤثر، لئلا يجتمع المؤثران على أثر واحد، وكل واحد واجب على البدل، على ما فسرناه. وإنما استحقاق الثواب والعقاب بفعل الواجب، وتركه على البدل. وعن الثاني: أن كل واحد من العبيد والقفيزان مبتاع ومعتق، وإنما يتعين الملك ويعتق المختار باختياره. فرع: إذا أمرنا بأشياء، فقد تكون على الترتيب، أو على البدل. وعلى التقديرين، قد يحرم (٢) الجمع بينهما، وقد يباح، وقد يكون مندوبا.

стр. 105

الثانية: الفعل إن ساوى الوقت فظاهر. وإن زاد على الوقت امتنع الأمر به إلا إذا جوزنا تكليف ما لا يطاق. أو قصد به القضاء، كما لو طهرت الحائض - وقد بقي من الوقت قدر ركعة -. وإن نقص عنه، فهو الواجب الموسع، فمنهم من أنكر. وهؤلاء منهم من قال: الواجب يختص بأول الوقت، وما يأتي به بعده قضاء (١). ومنهم من قال: إذا أتى به في أول الوقت وبقي مكلفا إلى آخره كان ما فعله واجبا، وإلا نفلا (٢). ومنهم من قال: الواجب يختص بآخر الوقت، وما يأتي به قبله تعجيل. وهذا قول الحنفية (٣). ومنهم من جوزه، وهم جمهور أصحابنا (٤)، وأبو علي وأبو هاشم وأبو الحسين (٥). ثم منهم من قال: الوجوب متعلق بكل الوقت، وإنما يجوز التأخير إلى بدل وهو: العزم. وهو قول أكثر المتكلمين. ومنهم من قال: لا حاجة إلى هذا العزم. وهو قول أبي الحسين (٦)، وهو المختار. * لنا: أن الأمر تناول جميع الوقت، ولم يتعرض لجزء منه، فوجب أن

стр. 106

يتخير المأمور به إيقاعه في أي جزء أراده. فإن قيل: جواز الترك في أول الوقت ينافي وجوبه، فيحمل على البدل. قلنا: قد أبطلنا جواز التأخير إلى بدل. يدل على أنا نعني تعلق الوجوب بكل الوقت: عدم جواز خلاءه عن الفعل وعدم اشتغاله به فترجع حقيقة الموسع إلى المخير. فرع: الواجب الموسع في جميع العمر - كالقضاء والنذور -، إنما يجوز تأخيره إذا غلب على ظنه البقاء، وإن لم يبق. وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز تأخير الحج إلى سنة؛ لأن البقاء إلى سنة لا يغلب على الظن (١). والشافعي رحمه الله تعالى [يرى] البقاء إلى سنة غالب على الظن في حق الشاب الصحيح، دون الشيخ والمريض. والمعزر إذا غلب على ظنه السلامة، فهلك ضمن ولم يأثم. *** الثالثة: إذا تناول الأمر جماعة، فإن كان على سبيل الجمع، فقد لا يكون فعل البعض شرطا في فعل البعض. وقد يكون، كصلاة الجمعة. وإن تناول على سبيل البدل، فهو فرض كفاية، وذلك إذا كان الغرض حاصلا بفعل البعض، كالجهاد. والتكليف فيه منوط بغلبة الظن، إذ الممكن تحصيل الظن بأن غيري ما قام بهذا الفعل، لا العلم.

стр. 107

* النظر الثاني: في أحكام الوجوب * مسألة: الأمر المطلق بالشيء أمر بما لا يتم إلا به إذا كان مقدورا. وقالت الواقفية: إن كانت المقدمة سببا للمأمور به كان أمرا بها، وإلا فلا (١). * لنا: أن الأمر اقتضى إيجاب الفعل على كل حال، إذ الكلام فيه، فلو لم يقتض مقدمته لكان قد كلف بالفعل حال عدمها، وهو تكليف ما لا يطاق. فإن قلت: أمر بالفعل بشرط حضور المقدمة. قلت: ذلك خلاف الظاهر. ثم يبطل بأمر السيد لعبده بسقي الماء، وهو على مسافة، فإنه لا يتقيد الأمر بحال قطع المسافة، وإلا لو قعد عن قطعها لم يتوجه الأمر إليه. وجوابكم عنه هو جوابنا. فرعان: * الأول: اختلفوا فيما زاد على الواجب الغير مقدر، كمسح الرأس والطمأنينة، فقيل باتصافه بالوجوب (٢). وهو باطل، إذ جواز تركه ينافي وجوبه. * الثاني: إذا اختلطت منكوحة بأجنبية وجب الكف عنهما. ثم قيل: الحرام هو الأجنبية، والمنكوحة حلال (٣). وهو باطل؛ لأن رفع الحرج عن

стр. 108

الفعل ينافي حرمته. وإنما حرمت الأجنبية لكونها أجنبية، والمنكوحة لاشتباهها بالأجنبية (١). أما إذا طلق إحدى زوجتيه، احتمل أن يقال بحلهما؛ لأن الطلاق شيء معين، فلا يحصل إلا في متعين. ومنهم من حرمهما إلى وقت البيان، تعليقا للحرمة. *** الثانية: الأمر بالشيء نهي عن ضده. خلافا لجمهور المعتزلة (٢) وبعض أصحابنا (٣). * لنا: أن الدال على الشيء دال على ما هو من ضروراته، والمنع من الترك من ضرورات الطلب الجازم، فكان دالا عليه التزاما. ولأن الطلب الجازم يناقضه الإذن في الترك. فإن قلت: الآمر بالشيء قد يكون غافلا عن ضده. قلت: نحن ندعي أن الأمر بالشيء نهى عن ضده المشعور به، على أنه ينتقض بما سلمتموه من أن الأمر بالشيء أمر بمقدماته وإن غفل عنها. *** الثالثة: ليس من شرط الوجوب تحقق العقاب؛ لأن العفو عن الكبائر

стр. 109

جائز. وقال الغزالي به (١)، وهو مناقض لما زيفه (٢) من أن الوجوب ما يعاقب على تركه. * * * الرابعة: الوجوب إذا نسخ بقي الجواز. خلافا للغزالي (٣). لنا: أن المقتضي للجواز قائم، وهو الأمر المقتضي للوجوب بمعنى الإذن في الفعل، إذ هو جزؤه. والمعارض لا يصلح مزيلا؛ لأنه إنما يقتضي زوال الوجوب بزوال المنع من الترك، فيبقى جواز الفعل، وهو المطلوب. * * * الخامسة: ما جاز تركه لا يجب فعله، لتنافيهما. وقال الكعبي (٤) وأتباعه: المباح واجب؛ لأنه ترك الحرام، وهو واجب وجوابه: أن المباح ليس نفس ترك الحرام، بل هو فرد من أفراد ما يترك به الحرام. وقال كثير من الفقهاء: الصوم واجب على المريض والحائض والمسافر (٥).

стр. 110

وقيل: إنما يجب على المسافر فقط (١). وعندنا: يجب صوم أحد الشهرين بدلا (٢). احتجوا بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]. ولأن المأتي به بعد زوال العدد يسمى قضاء. وينوى قضاء، فيحكي وجوبا سابقا. ولأنه يتقدر بقدره، فكان بدلا عنه، كغرامات المتلفات. والجواب: أنه استدلال بالظواهر والأقيسة على الجمع بين النقيضين، فلا يسمع. فروع: *الأول: الحق أن المندوب غير مأمور به، لما سبق. *الثاني: التطوع لا يجب بالشرع فيه. خلافا لأبي حنيفة ﵁ (٣). لنا قوله ﵇: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» (٤).
следующие страницы →