← Фикх малики

Фикх малики · id 30174

موهوب الجليل في شرح مختصر خليل

ابن أبي بكر الواداني

Полный текст (1 727 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

لقي الثالث رابعا أخذه بخمسة وعشرين وبمثلها، ثم باثني عشر ونصف، وبستة وربع) أي فسبب ما قلنا، فإن اشترى ستة نفر سلعة بست مائة بالحمالة، فلقي رب الحق أحدهم، أخذ منه الجميع بحمالة بعضهم عن بعض، أو لقي جميعهم عدماء، إلا واحدا، ثم إن لقي هذا الغارم أحد الخمسة أخذه بمائة عن نفسه، لأنه غرمها عنه بالحمالة بمائتين، لأنه ساواه في الأربعة الباقية، لأنهما ضامنين عليهم، وقد غرم جميع المال لربه، فإن لقي أحد الغارمين ثالثا بالنسبة إلى الغارمين، وهو رابع بالنسبة إلى الباقين، أخذه بخمسين نصف حصته، لأن الثاني أيضا غرم عنه خمسين، وتبقى للغارم مائة وخمسون حمالة يساويه فيها، فيأخذه بخمس وسبعين، لأنه دفع ثلاث مائة عن نفسه، ومائتين عن هذا الثالث، وعن الثلاثة الباقية عليه منها خمسون، فإن لقي هذا الثالث الذي دفع خمسين وخمسة وسبعين رابعا، أخذه بخمس وعشرين أداها عنه، إذ لا رجوع له بالخمسين التي أداها عن نفسه، وقد أدى عن هذا الرابع وعن صاحبيه خمسة وسبعين، حصته منها خمسة وعشرون، ورجع عليه أيضا بخمسة وعشرين مثلها أداها حمالة عن الاثنين الباقيين، وغرم هذا الرابع خمسة وعشرين عنهما، ثم إن لقي هذا الرابع خامسا أخذه باثنى عشر ونصف، لأنه يقول دفعت خمسا وعشرين عن نفسي، وخمسة وعشرين عنك، وعن صاحبك، بقي لي إثنى عشر ونصف انت شريكي فيها حمالة، فعلي منها ستة وربع، وأرجع عليك بستة وربع، ثم إن لقي هذا الخامس السادس، أخذه بستة وربع، لأنها هي التي أداها عنه وحده، وسكت المصنف عن هذا لوضوحه. عياض: وهذا العمل قول الفضلاء كلهم. قوله: (وهل لا يرجع بما يخصه أيضا إذا كان الحق على غيرهم) وهم حملاء غير غرماء أي وهلا يرجع الحميل بما يخصه أيضا في الحمالة كالمسألة السابقة إذا كان الحق على غيرهم وهم حملاء فقط بعضهم عن بعض (أولا وعليه الأكثر) أو يرجع بما يخصه أيضا فيقاسم بالسواء في الغرم حتى يعتدلوا لأن الحق على غيرهم وإليه ذهب ابن لبابة والتونسي وغيرهما (تأويلان). قوله: (وصح بالوجه) أي وصح الضمان بالوجه أي الذاتي قال المصنف: وهو عبارة عن الإتيان بالغريم الذي عليه الدين وقت الحاجة، ولم يختلف في صحته عندنا.

стр. 1227

قوله: (وللزوج رده) أي وللزوج رد ضمان الوجه إن صدر (من زوجته) ولو لغير مال، لأنه يقول قد تحبس فأمنع منها، وقد تخرج للخصومة، وليس ذلك علي، وأما ضمانها للمال فقد تقدم صحته في الثلث فأقل. قوله: (وبرئ بتسليمه له وإن بسجن، أو بتسليمه نفسه إن أمره به) أي وبرئ الضامن للوجه بتسليم المضمون إلى المضمون له، وإن كان المضمون في سجن ظاهره في سجن حق، أو باطل في دم، أو غيره، سواء قدر المضمون له على إخراجه أم لا، وكذلك يبرأ الضامن بتسليم المضمون نفسه إلى المضمون له، إن أمره الضامن بذلك. قال أبو الحسن الصغير: ولم يزل الشيوخ يستشكلونه ويقولون: ما الفرق بين أن يأمره به أم لا، لأن المراد تحصيل ذاته وها هو قد حصل. قوله: (إن حل الحق) قيد في الفرعين أي وحيث يبرأ الضامن بتسليم المضمون، إنما يبرأ به إن حل الحق، وأما قبل الحلول فلا فائدة في تسليمه. قوله: (وبغير مجلس الحكم إن لم يشترط) أي ويبرأ الضامن بتسليم المضمون إلى المضمون له في غير مجلس الحكم، وأحرى مجلس الحكم، وأما إن اشترط تسليمه في مجلس الحكم فلا يبرأ إلا به. قوله: (وبغير بلده) أي ويبرأ الضامن للوجه بتسليم المضمون إلى المضمون له بغير البلد المشترط (إن كان به حاكم) معتبر وإلا فلا يبرأ. قوله: (ولو عديما) أي ويبرأ الضامن للوجه بتسليم المضمون إلى المضمون له، ولو كان المضمون عديما، لأنه لم يضمن إلا ذاته. قوله: (وإلا أغرم بعد خفيف تلوم، إن قربت غيبة غريمه كاليوم) أي وإن لم يبرأ الضامن للوجه بما ذكرنا أغرم المال الذي على المضمون، بعد تلوم خفيف بالاجتهاد، بحيث لا ضرر على رب المال، إنما يتلوم إذا قربت غيبة الغريم كاليوم ونحوه، وأما إن بعدت فلا تلوم. قوله: (ولا يسقط الغرم بإحضاره إن حكم به) أي ولا يسقط الغرم الثابت على ضامن الوجه بإحضار الغريم المضمون، إن حكم حاحكم بذلك الغرم. مفهومه إن أحضره قبل الحكم، فإنه يبرأ به، والمفهوم صحيح، والحكم أن يثبت الحاكم الغرم على الضامن للوجه، لما لم يأت بالمضمون.

стр. 1228

وقال بعضهم: إنما الحكم أن يشهد الحاكم أنه أثبت الغرم على الضامن. قوله: (لا إن أثبت عدمه) أي فلا يغرم الضامن للوجه، إن لم يأت به إن أثبت عدمه في غيبته خلافا لابن رشد. قوله: (أو موته في غيبته ولو بغير بلده) أي فلا يغرم الضامن للوجه إن أثبت موته ولو بغير بلده. قوله: (ورجع به) أي فإن أغرم الضامن للوجه قبل إثبات العدم أو الموت، فإنه يرجع بما أغرم. قال في المدونة: ولو أغرم الحميل، ثم أثبت أن الغريم قد مات في غيبته قبل القضاء، رجع الحميل بما أدى على رب الدين، لأنه لو علم أنه ميت حين أخذ به الحميل، لم يكن عليه شيء، وإنما تقع الحمالة على النفس (١). قوله: (وبالطلب، وإن في قصاص) أي وصح الضمان بالطلب، وإن كان الطلب في قصاص، وضمان الطلب يخالف الضمان بالمال والوجه، لأنهما من شرطهما أن يمكن الاستيفاء من الضامن، إن عدم في المضمون، وضمان الطلب ليس ذلك من شرطه، بل يصح وإن كان الطلب في دم قصاص. قوله: (كأنا حميل بطلبه، أو اشترط نفي المال) إلى آخر ما ذكر أمثلة للطلب: كأنا حميل بطلبه، أو قال: أنا حميل واشترط نفي الغرم (أو قال: لا أضمن إلا وجهه). قوله: (وطلبه بما يقوى عليه، وحلف ما قصر) أي وطلب الضامن للطلب المضمون بالطلب الذي يقوى عليه، وحلف أنه ما قصر في الطلب، وإن نكل غرم لأنها يمين تهمة فلا تنقلب. قوله: (وغرم إن فرط أو هربه) أي وغرم الضامن للطلب، إن فرط في الطلب، أو هربه، (وعوقب) إن هربه، وفي عقوبته نظر لأنه أغرم. قوله: (وحمل في مطلق أنا حميل، وزعيم، وأذين، وقبيل، وعندي، وإلي، وشبهه على المال على الأرجح والأظهر) أي وحمل الضامن إذا أطلق الضمان ولم يقيده بمال ولا وجه على المال، على الأرجح عند ابن يونس، والأظهر عند ابن رشد، والحميل من الحمل، والزعيم من السؤدد، وأذين من العلم، وقبيل من الطاقة، ومقابل الأرجح والأظهر، أنه يحمل على الوجه، إذا أطلق ولم يقيد بمال ولا وجه، لأن الأصل

стр. 1229

براءة الذمة. قوله: (لا إن اختلفا) أي فإن اختلف رب الدين والضامن، فقال: رب الدين أنت حميل بالمال، وقال الضامن: بل حميل بالوجه، فالقول قول الضامن، لأن الأصل براءة الذمة. قوله: (ولم يجب وكيل للخصومة، ولا كفيل بالوجه بالدعوى، إلا بشاهد) أي ولم يجب على المدعى عليه أن يأتي بوكيل، لأجل الخصومة، ولا أن يأتي بكفيل بمجرد الدعوى، إلا أن تكون الدعوى بشاهد فتجب الإجابة. قوله: (وإن ادعى بينة كالسوق أوقفه القاضي عنده) أي وإن ادعى المدعى بينة قريبة كالسوق ونحوه، أوقف القاضي المدعى عليه عنده، ليأتي بالبينة، وإن لم يأتي بها خلا سبيله.

стр. 1230

باب [في بيان حقيقة الشركة وأقسامها وأحكامها] قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الشركة. الشركة في اللغة الاختلاط والامتزاج، والأصل في الشركة قوله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة﴾ [الكهف: ١٩] وقوله ﵇: «حفظ الله على الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه» (١) أو كما قال. قوله: (الشركة إذن في التصرف لهما مع أنفسهما) الشركة بكسر الشين وفتحها وضمها، بهذا عرفها ابن الحاجب. قال ابن عرفة: وقد قبلوه ويبطل طرده بقول من ملك شيئا لغيره: أذنت لك في التصرف فيه معي؛ وقول الآخر له مثل ذلك، وليس بشركة؛ لأنه لو هلك ملك أحدهما لم يضمنه الآخر، وهو لازم الشركة ونفي اللازم ينفي الملزوم ويبطل عكسه بخروج شركة الجبر كالورثة وشركة المتبايعين شيئا بينهم وقد ذكرهما إذ لا إذن في التصرف لهما. انتهى من ابن غازي (٢). قوله: (وإنما تصح من أهل التوكيل والتوكل) أي إنما تصح الشركة، إذا كان صدورها ممن يكون وكيلا، وممن يقبل الوكالة. التوكيل مصدر وكل أي وكل توكيلا، والتوكل مصدر، وكل أي وكلته فتوكل أي قبل الوكالة. أركان الشركة ثلاثة: العاقدان ولا يشترط فيهما إلا أهلية التوكيل والتوكل. فإن كل واحد منهما متصرف لنفسه ولصاحبه بإذنه. الثاني: الصيغة الدالة على الإذن في التصرف، أو ما يقوم مقامه في الدلالة على ذلك، ويكفي قولهما: اشتركنا، إذا كان يفهم المقصود منه عرفا.

стр. 1231

الثالث: المحل: وهو المال أو الأعمال. انتهى من ابن شاس (١). قوله: (ولزمت بما يدل عرفا) أي ولزمت الشركة بما يدل عرفا عليها، قولا أو فعلا، ثم مثل بالقول بقوله: (كاشتركنا) وبعض النسخ كاشركنا والمعنى واحد. قوله: (بذهبين أو ورقين اتفق صرفهما) أي وتجوز الشركة بذهبين أو ورقين بشرط أن يتفق صرفهما، أو يزيدية ومحمدية وإن لم يتفق صرفهما فلا يجوز، لو أخرج هذا ذهبا، وهذا ورقا لم يجز على المشهور، لأنه صرف وشركة، فلا يجوز وإن اتفق الوزن. قوله: (وبهما منهما، وبعين، وبعرض، وبعرضين مطلقا، وكل بالقيمة يوم أحضر) أي وتصح الشركة بالذهب والورق من كل من الشركين، وكذلك تصح بعين في جهة، وعرض في جهة، وكذلك تصح بعرضين مطلقا اتفقا صفة ونوعا أم لا، وكل من العرضين رأس مال صاحبه قيمته يوم أحضر للشركة، وإن بيع بعد ذلك بأقل أو كثر، إذ المعتبر قيمته يوم أحضر للشركة، لا يوم فوته بالبيع كما قال: (لافات). قوله: (إن صحت) أي وإنما يكون رأس مال كل من الشريكين قيمة سلعته يوم أحضر، إذا كانت الشركة وقعت صحيحة، وأما إن وقعت فاسدة، فرأس مال كل منهما ما بيعت به سلعته، كما إذا وقعت بتفاضل الربح والعمل إن عرف، وإن لم يعرف ذلك فقيمته يوم الفوات. قوله: (إن خلطا ولو حكما) أي ولزمت الشركة لزوما يقتضي ضمان كل من الشريكين ما ضاع من مال صحابه، إن خلطا المالين، سواء كان الخلط حكما، كما إذا كان المالين بيد أحدهما، أو الخلط حسا كاختلاط المالين بعضه بعضا. قوله: (وإلا فالتالف من ربه، وما ابتيع بغيره فبينهما) أي وإن لم يختلط المالين، فضمان التالف من ربه، وأما ما ابتيع بغير التالف فبين الشريكين، عليهما ثمنه إن لم يدفعاه بعد. قوله: (وعلى المثلف نصف الثمن) هذا مستغنى عنه، لأنه لما قال بينهما، علمنا أن عليه نصف ثمنه سماه متلفا، وإن لم يكن أتلفه، أطلق المتلف على الذي تلف ماله، سواء كان التلف بسببه أو بغير سببه. قوله: (وهل إلا أن يعلم بالتلف فله وعليه، أو مطلقا) أي وهل ما ذكر من الاشتراك

стр. 1232

فيما ابتيع بغير التالف بينهما مطلقا، علم الذي لم يتلف ماله أم لا، أو مشتركة بينهما، إلا أن يعلم بتلف مال صاحبه، فيكون له الربح وحده، وعليه الخسر فيه تردد. قوله: (إلا أن يدعي الأخذ له؟ تردد) أي فيكون له ربحه وحده وعليه خسره بلا خلاف. قوله: (ولو غاب نقد أحدهما إن لم يبعد ولم يتجر لحضوره) أي ولزمت الشركة ولو غاب أحد المالين بشرطين أن لا يبعد الغائب منهما جدا، وأن لا يتجر بالمال الحاضر إلا بعد حضور المال الغائب. قوله: (لا بذهب وبورق) أي لا تصح الشركة بذهب في جهة، وبورق في جهة، وكذلك لا تجوز الشركة (وبطعامين، ولو اتفقا) صفة، لأنه بيع الطعام قبل قبضه، لأن كل واحد باع نصف طعامه للآخر، بنصف طعامه مع أنه لم يزل عليه يده. قال ابن القاسم: ولم يزل مالك منذ لقيمته يمنعه، ولا أعرف لمنعه وجها. أشار المصنف بلو إلى أن ابن القاسم أجازها بطعامين إذا اتفقا صفة. قوله: (ثم إن أطلقا التصرف - وإن بنوع - فمفاوضة ولا يفسدها انفراد أحدهما بشيء) أي فإن أطلق الشريكان التصرف، وإن كان الإطلاق في نوع دون غيره، فجعل كل واحد منهما لصاحبه أن يتصرف في الغيبة والحضور في البيع والكراء، فذلك شركة مفاوضة، ولا يفسد هذه المفاوضة انفراد أحد الشريكين بمال غير مال المفاوضة يعمل فيه لنفسه، ولا يكونان شريكين، إلا فيما يعقدان عليه الشركة من أموالهما. قوله: (وله أن يتبرع إن استألف به أو خف، كإعارة آلة ودفع كسرة، ويبضع، ويقارض ويودع لعدر، وإلا ضمن، ويشارك في معين، ويقيل، ويولي، ويقبل المعيب وإن أبى الآخر، ويقر بدين لمن لا يتهم عليه. ويبيع بالدين) أي وللشريك أن يتبرع على أجنبي بهبة، أو إسقاط دين، أو تأخيره به، بشرط أن يستألف بذلك، وأما إن تبرع بغير استيلاف ضمن، إلا أن يغلب على ظنه أن شريكه لا يكره ذلك، وكذلك إن كان ذلك التبرع خفيفا، فإن ذلك له وإن لم يستألف به، وذلك كإعارة آلة، كالدلو، والرشا، والقدر، والقصعة، وكل ما جرت العادة به كدفع كسرة والكسرة في اللغة قطعة من كل ما يكسر، وكذلك للشريك أن يدفع قراضا، وأن يضع لأجل التنمية، وله أن يودع لأجل عذر كعورة منزله، أو لخوف اللصوص، فأودع المال لمن له جاه، أو لمن يهرب به

стр. 1233

فلا يضمن، وأما إن أودع بغير عذر فإنه يضمن، وكذلك للشريك أن يشارك بمال الشركة في شيء معين، ويقيل لمصلحة ويولي ما اشتراه، إذا أراه مصلحة، ويقبل المعيب وإن أبى شريكه، وله أن يقر بدين لمن لا يتهم عليه، ولا يجوز لمن يتهم عليه، وله أن يبيع بالدين، لأنه قد يكون فيه التنمية. قوله: (لا الشراء به) أي ليس لأحد الشريكين أن يشتري بالدين، إذ لا يجوز له أن يعمر ذمة شريكه إلا بإذنه. قوله: (ككتابة. وعثق على مال) تشبيه أي كما ليس لأحدهما أن يكاتب عبدا من عبيد الشركة بلا إذن من شريكه، لأن الكتابة من باب العتق، ولذلك ليس له أن يعتق العبد على مال يتعجله، لأن له أن ينتزع المال ويبقى عبدا، وهذا إذا كان المال من العبد، وأما إن أعتقه على مال من أجنبي فإنه يجوز. قوله: (وإن إذن لعبد في تجارة) أي وليس لأحد الشريكين بلا إذن أن يأذن لعبد من عبيد الشركة في تجارة، لأن ذلك يؤدي إلى عيب العبد. قوله: (أو مفاوضة) أي وليس لأحدهما أن يشارك في مال الشركة شركة مفاوضة. قوله: (واستبد آخذ قراض، ومستعير دابة بلا إذن، وإن للشركة) لما فرغ تعلله مما يجوز لأحد الشركاء، وما لا يجوز له أن يفعله في مال الشركة. شرع فيما يستبد به أحدهما فقال: واستبد آخذ قراض أي وينفرد من أخذ قراضا من الشريكين بالربح والخسر، إذا أخذ ذلك بغير إذن شريكه (١)، وأما إن أذن له في أخذه، فلا يستبد، وكذلك يستبد أحد الشركاء بالربح والخسر، إذا استعار دابة وإن لأجل مال الشركة، إذا استعارها بلا إذن صاحبه، فإن قلت: كيف يتصور الخسر في الدابة المستعارة، وهي ما لا يغاب عليها. قلت: يضمن سرجها ولجامها، لأنه مما يغاب عليه، وأما إن تعدى عليها، فذلك ضمان تعد. قوله: (ومتجر بوديعة بالربح والخسر، إلا أن يعلم شريكه بتعديه في الوديعة) أي ومن اتجر بوديعة عنده من أحد الشريكين، فإنه يستبد بالربح فيها والخسر إن كان، إلا أن يعلم شريكه بتعديه فيها، ويرضى، فإنه لا يستبد بالربح والخسر، بل لهما وعليهما.

стр. 1234

قوله: (وكل وكيل، فيرد على حاضر لم يتول: كالغائب إن بعدت غيبته، وإلا انتظر) أي وكل واحد من الشركاء وكيل للآخر، وإن لم يصرحا بالوكالة، فبسبب ذلك يرد المبيع المعيب على حاضر منهم وإن لم يتول البيع بنفسه، بل تولاه شريكه وغاب غيبة بعيدة كالعشرة وما قرب منها، وأما إن قربت غيبته كاليوم، واليومين، والثلاثة، فإنه ينتظر ما عنده، إذ لعل له حجة، وحد البعد عشرة، وما قرب منها فهو على حكمها، واليوم واليومان قريبة، وما قارب منها فهو على حكمها. قوله: كالغائب تشبيه لما مضى في باب الخيار أي فيرد على حاضر، كما يرد على الغائب، وهو قوله في خيار النقيصة: ثم قضى إن أثبت عهدة مؤرخة وصحة الشراء. قوله: (والربح والخسر بقدر المالين، وتفسد بشرط التفاوت. ولكل أجر عمله للآخر) أي والربح من مال الشركة والخسر فيه بقدر المالين، وكذلك العمل. وتفسد الشركة بشرط التفاوت في الربح والخسر، فإن وقعت شركة فاسدة، فلكل من الشركين أجر عمله للآخر، إذا لم يطلع عليها حتى فاتت، وإلا فسخ العقد فيها. قوله: أجر عمله، أطلق أجر العمل على حقيقته ومجازه، فحقيقة تحقيقه الأجرة التابعة للعمل، ومجازه الربح التابع للمال، ويتصور هذا، إذا تفاوت المالان، كما إذا كان لأحدهما الثلثان، وللآخر الثلث، واستويا في العمل، فإن صاحب الثلثنين يرجع بسدس الربح، وصاحب الثلث يرجع بسدس أجر العمل. قوله: (وله التبرع، والسلف، والهبة بعد العقد) والذي تقدم تبرع أحد الشريكين على أجنبي، وهذا تبرعه على شريكه أي وللشريك التبرع على شريكه بعد العقد، وأما عند العقد فلا يجوز. قوله: (والقول لمدعي التلف والخسر) أي ومن ادعى من الشركاء تلف ما بيده من مال الشركة، أو خسارته، فإنه يصدق مع يمينه إن كان متهما، إلا أن يدعي في الخسر ما لا يمكن فلا يصدق. قوله: (ولآخذ لائق له) أي ومن أخذ من الشريكين ما يليق به، وادعى أنه أخذه لنفسه، فإنه يصدق. وأطلق الشيخ هنا وقيده في توضيحه بالمأكول، والملبوس، والمشروب. قوله: (ولمدعي النصف) أي وإذا اختلف الشريكان في المال المشترك، فالقول

стр. 1235

قول من ادعى النصف، لأن الإشتراك يقتضي التسوية. قوله: (وحملا عليه) أي وحمل الاختلاف (في تنازعهما) على النصف، وهذا قول أشهب، بشرط أن يحلفا معا، وأما ابن القاسم قال في الموازية: قد سلم مدعي النصف لصاحبه نصفه، ومدعي الثلثان مثلا يسلم الثلث لصاحبه، ويقسمان السدس بينهما نصفين. قوله: (وللاشتراك فيما بيد أحدهما، إلا لبينة على كإرثه، وإن قالت لا نعلم تقدمه لها) أي والقول قول من ادعى الإشتراك فيما في حوز شريكه، إن ثبتت المفاوضة بينهما، إلا أن تقوم بينة أن ما كان في يده، كان من إرثا، أو صدقة، أو هبة، أو وصية أو وصي بها عليه، فإنه ينفرد به حينئذ، وإن قالت البينة لا نعلم تقدم الإرث ونحوه عن المفاوضة، لأن الأصل بقاء الملك. قوله: (إن شهد بالمفاوضة، ولو لم يشهد بالإقرار بها على الأصح) أي والقول قول من ادعى الإشتراك فيما بيد صاحبه، بشرط أن تشهد البينة بالمفاوضة، ولو لم تشهد البينة بالإقرار بالمفاوضة على القول الأصح، مقابله لا بد من الإشهاد بالمفاوضة. قوله: (ولمقيم بينة بأخذ مائة أنها باقية، إن أشهد بها عند الأخذ، أو قصرت المدة) أي والقول قول من أقام ببينة على حي أو ميت، يأخذ مائة من المال المشرك أنها باقية على الأخذ، إن شهد بها عند الأخذ يعني على التوثق. وقوله: إن شهد بها صوابه إن أشهد بها أي أشهده الأخذ بها شهادة توثق قصرت المدة أملا، وكذلك القول قوله إن ادعى أنها باقية عنده، إن أقر للشهود ولم يشهدهم بشرط قصور المدة. قوله: (كدفع صداق عنه في أنه من المفاوضة، إلا أن يطول كسنة، وإلا ببينة على كإرثه، وإن قالت لا تعلم) أي كما أن القول قول الشريك، إذا ادعى أنه دفع الصداق من مال المفاوضة عن شريكه، إلا أن يطول بكسنة فلا يصدق، إلا أن تقوم بينة أن الدافع دفع ذلك من ماله من كارث، فإنه يأخذه، وإن قالت البينة: لا نعلم أكان الدفع قبل المفاوضة أو بعدها. وقوله: إلا ببينة مستثنى من المستثنى. قوله: (وإن أقر واحد بعد تفرق أو موت فهو شاهد في غير نصيبه) أي وإن أقر أحد الشركاء بدين، بعد تفرق المال، أو موت الشريك، فإنه شاهد في غير نصيبه، وأما في نصيبه هو فهو إقرار بذلك الدين.

стр. 1236

قوله: (وألغيت نفقتهما) أي فإذا أنفق الشريكان في المال المشترك ألغيت نفقتهما (وكسوتهما) إذا كان المال بينهما نصفين، وإلا حسبا. قوله: (وإن ببلدين مختلفي السعر) أي وألغيت نفقتهما، وإن كان الشريكان في بلدين، وأحرى بلد واحد، ولو اختلف البلدان في السعر، وأحرى إن اتفقا. قوله: (كعيالهما، إن تقاربا) أي كما تلغى نفقة عيالهما إن تقارب العيالان، وأحرى إن تساويا. قوله: (وإلا حسبا) أي وإن لم يتقاربا في العيال حسبا، ومن له فضلة عن الآخر رد إليه. قوله: (كانفراد أحدهما به) أي كما يتحاسبان إذا انفرد أحدهما بالعيال. قوله: (وإن اشترى جارية لنفسه فللآخر ردها) أي والجارية ليست بشرط أي وإن أشترى أحد الشريكين جارية أو غيرها لنفسه، فللشريك الآخر ردها لمال الشركة، إن لم يطأ الجارية. قوله: (إلا للوطء) أي فإن اشترى الجارية للوطء (بإذنه)، فليس له ردها، لأنه أسلف شريكه نصف ثمن الجارية، فلمشتريها نماؤها وعليه نقصانها. قوله: (وإن وطئ جارية للشركة بإذنه) أي وإن وطئ شريك جارية للشركة بإذن شريكه، قومت عليه، حملت أملا، لأنها أمة محللة. قوله: (أو بغير إذنه وحملت قومت) أي وإن وطئ الشريك جارية من مال الشركة بغير إذن شريكه، والحال أنها حملت منه، قومت عليه، إذا كان مليا بقيمتها. قوله: (وإلا فللآخر إبقاؤها أو مقاواتها) أي وإن وطئها بغير إذنه ولم تحمل، فللشريك الآخر إبقاؤها من مال الشركة، أو تقويمها. وفي بعض النسخ أو مقاواتها من القوة أي يزيد كل واحد على الآخر حتى يغلبه. قوله: (وإن اشترطا نفي الاستبداد فعنان) أي وإن شرط كل واحد من الشريكين على الآخر أن لا يستبد بفعل فهي شركة عنان. قوله: (وجاز لذي طير وذي طيرة أن يتفقا على الشركة في الفراخ) أي وجاز لذي طير ذكر، وذي طيرة أنثى، أن يتفقا على الشركة في الفراخ. البرزلي: هذا إذا كان الذكر يربى كالحمام، لأنهما يتعاونان جميعا، وإلا لم يجز كالدجاج، فإن جاء رجل ببيض إلى رجل فقال: اجعله تحت دجاجتك، فما كان من فراخ فبيني وبينك، فالفراخ في هذا لصاحب الدجاجة، وعليه لصاحب البيض مثله،

стр. 1237

وهو كمن جاء بقمح إلى رجل فقال ازرعه في أرضك بيننا فإنما له مثله والزرع لرب الأرض. انتهى (١). قوله: (واشتر لي ولك، فوكالة) أي وإذا قال رجل لرجل اشتر هذه السلعة لي ولك، فذلك محض توكيل وليس بشركة، بل هو مقصور على هذا الشراء ولا يتعداه، (وجان) هذا الشراء، وإن قال له: اشتر لي ولك (وانقد عني) ما يخصني من الثمن (إن لم يقل) الأمر اشتر لي ولك، وانقد عني (وأبيعها لك)، وأما إن قال: وأبيعها لك فلا يجوز، لأنه سلف جر منفعة، أسلفه الثمن على أن يبيعها له. قوله: (وليس له حبسها إلا أن يقول: واحبسها، فكالرهن) أي فليس للمشتري الذي نقد عن صاحبه حبس السلعة فيما يخص صاحبه من الثمن، إلا أن يقول له انقد عني واحبسها في الثمن، فيكون حكمها حينئذ حكم الرهن. قوله: (وإن أسلف غير المشتري جاز، إلا لكبصيرة المشتري) أي وإن كان الأمر بالشراء هو الذي أسلف الثمن جاز، إلا أن يكون المشتري ذا بصيرة في البيع أي ذا عقل فلا يجوز حينئذ، لأنه سلف جر منفعة. قوله: (وأجبر عليها، إن اشترى شيئا بسوقه) لما فرغ تعلله من شركة العنان، شرع في ذكر شركة الجبر، وهذه تسمى شركة الجبر، قضى بها عمر بن الخطاب ﵁، سواء كان ذلك الشيء طعاما أو غيره، خلافا لأشهب خصه بالطعام. وقوله: (بسوقه) شرط أي في سوق ذلك الشيء لا غيره، سمي السوق سوقا، لأن الناس يسوقون سلعهم إليه، أو لأن الناس قياما فيه على سيقانهم، ويذكر السوق ويؤنث. قوله: (لا لكسفر وقنية) أي لا يجبر على الشركة إن اشترى الشيء لأجل سفر، أو أكل ونحوه، أو قنية، ويصدق أنه اشتراه لذلك لا لتجارة مع يمينه، إلا أن يظهر كذبه فلا يصدق. قوله: (وغيره حاضر لم يتكلم) أي وغير المشتري حاضر حين الشراء، وهو من تجار ذلك الشيء، ولم يتكلم بزيادة في الثمن، وإن تكلم بزيادة فلا يجبر له الآخر على الشركة، لأن كلا منهما أراد أن يشتريها لنفسه. قوله: (من تجاره) أي إنما يجبر المشتري على الشركة للحاضر الساكت، إذا

стр. 1238

كان الحاضر من تجار ذلك الشيء المشترى، ولو تكلم الحاضر، فقال: أشركني فقال له: نعم، أو سكت، واشترى على ذلك الشيء، كما يجري في سوق ذلك، لكان شريكا من باب أحرى. قوله: (وهل وفي الزقاق لا كبيته؟ قولان) أي وهل يجبر المشتري على الشركة للحاضر الساكت، إذا اشترى الشيء في الزقاق، كما يجبر المشتري في سوق ذلك الشيء، أو لا يجبر على الشركة، كما لا يجبر المشتري على الشركة، إذا اشترى السلعة ببيت البائع، إذا كان البائع ليس من عادته أن يبيع في داره، وأما إذا كان ذلك عادته، فإن المشتري يجبر على الشركة للحاضر الذي لم يتكلم بزيادة. وللمسألة طرفان وواسطة، يجبر إذا اشترى في السوق، ولا يجبر إذا اشترى في البيت، وفي الشراء في الزقاق قولان، هل ذلك كالسوق؟ فيجبر، أو كالبيت فلا يجبر. قوله: (وجازت بالعمل إن اتحد، أو تلازم) لما فرغ تعلله من شركة الجبر، شرع في ذكر شركة الأبدان فقال: وجازت أي وجازت الشركة بعمل الأبدان بشرط أن يكون ذلك العمل متحدا، كالقصارين، أو الحدادين، أو الخياطين وغير ذلك، وكذلك تجوز الشركة إن لم يتحد العمل، ولكن تلازم العمل مع الآخر، كما إذا كان هذا يغزل، وهذا ينسج، وهذا يطحن، والآخر يدفع له القمح. قوله: (وتساويا فيه، أو تقاربا، وحصل التعاون، وإن بمكانين) أي ومن شروط جواز الشركة بالعمل، أن يكون العمل بين الشريكين متساويا في العمل أو تقاربا فيه في السرعة والإبطاء والجودة والرداءة، لأن التساوي متعذر، أو متعسر، والشرط أيضا أن يحصل التعاون، وإن كان الشريكان في مكانين، وأحرى في مكان واحد. قوله: (وفي جواز إخراج كل آلة) أي وفي جواز إخراج كل منهما آلة، أو لا بد من ملك يشتركان فيه، أو كراء فيه تأويلان. قوله: (واستئجاره من الآخر، أو لا بد من ملك أو كراء؟ تأويلان) أي وفي جواز استئجار آلة من الآخر، أو لا بد من ملك يشتركان فيه أو كراء فيه تأويلان. قوله: (كطبيبين اشتركا في الدواء) هذا مثال، الدواء مهموز مثلث الدال، وأما الدوى بالقصر فهو الأحمق. قوله: (وصائدين في البازين. وهل وإن افترقا؟ رويت عليهما. وحافرين بكركاز، ومعدن، ولم يستحق وارثه بقيته، وأقطعه الإمام) أي ويجوز اشتراك الصائدين بالبازين أو كلبين، وهل يجوز هذا الاشتراك؟ وإن افترق البازان، أو لا يجوز إن افترقا فيه

стр. 1239

قولان، رويت عليهما المدونة. وكذلك يجوز للحافرين بكركاز، أو آبار، أو قبور، أو معدن أن يشتركا في الحفر، فإن مات أحدهما لم يستحق وارثه بقية العمل فيه، بل يقطعة الإمام لمن شاء. قوله: (وقيد بما لم يبد) أي وقيد ما وقع في المدونة في هذا الفرع بما لم يبدأ، وأما إذا بدء ما كانا يحفرانه، فإن الوارث يستحقه. قوله: (ولزمه ما يقبله صاحبه وضمانه وإن تفاصلا) أي ولزم أحد الشريكين عمل ما قبله الآخر أحب أم كره، ويلزمه ضمانه إن تلف وإن تفاصلا، لأن المعتبر في ذلك حين القبض. قوله: (وألغي مرض كيومين وغيبتهما) أي وألغي مرض أحد الشريكين، يومين أو نحوهما، ولا يستبد شريكه بما عمل فيهما، وكذلك غيبته اليوم واليومان، ويؤخذ من هذا أن غيبة معلم الصبيان الجمعة أنها تلغى، ولا تحسب عليه في مدة الإجارة. قوله: (لا إن كثر) أي فإن كان المرض أو الغيبة أكثر من كيومين، فإنها لا تلغى بل يستبد الشريك بما عمل فيها. قوله: (وفسدت باشتراطه ككثير الآلة، وهل يلغى اليومان كالصحيحة؟ تردد) أي وفسدت الشركة باشتراط إلغاء أكثر من كاليومين كما يفسد اشتراط كثير الآلة، فإن وقعت الشركة فاسدة، فهل يلغى فيها اليومان؟ كما يلغيان في الشركة الصحيحة، أولا يلغيان فيه تردد. قوله: (وباشتراكهما بالذمم أن يشتريا بلا مال) لما فرغ الله من شركة الأبدان شرع في بيان حكم شركة الذمم أي وفسدت الشركة بالذمم، لأنه من باب تحمل عني وأتحمل عنك، وشركة الذمم هي أن يشتركا بلا مال، وهي شركة الوجوه. قوله: (وهو بينهما) أي فإن وقع ونزل أنهما اشتريا بلا مال، فالمشترى بينهما. قوله: (وكبيع وجيه مال خامل بجزء من ربحه) أي فلا يجوز بيع من له جاه عند الناس مال خامل خفي الذكر بجزء من ربحه، لأن قدر الربح مجهول، ولأن فيه تدليسا على الناس، إذ الناس لا يرغبون في سلع الخامل، والخمول نعمة وكل الناس يأباه، والظهور نقمة وكل الناس يتمناه. فالخمول نعمة من الله، يقول الله ﵎ لعبده المؤمن في إعداد النعم:

стр. 1240

(ألم أخمل ذكرك) (١). انتهى. (ورب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره) (٢). قوله: (وكذي رحى وذي بيت، وذي دابة ليعملوا، إن لم يتساو الكراء) أي ولا يجوز لصاحب رحى، ولصاحب بيت، ولصاحب دابة، أن يشتركوا ليعملوا كلهم، إن لم يتساوا كراء الرحى، وكراء البيت، وكراء الدابة، وأما إن تساوا فلا بأس. قوله: (وتساووا في الغلة، وترادوا الأكرية، وإن اشترط عمل رب الدابة فالغلة له، وعليه كراؤهما) أي فإن وقعت هذه الشركة الفاسدة متفاوة الكراء، فإن الغلة بينهما على السواء، لأنه حصل بعملهم ويترادوا فضل الأكرية، كما إذا كان كراء الرحى ثلاثة والبيت اثنان والدابة واحد، فإن صاحب البيت لا يرد شيئا، ولا يرد إليه شيء، وأما صاحب الدابة يرد واحدا لصاحب البيت. قوله: وإن اشترط عمل رب الدابة والفرع الذي تقدم عملوا كلهم، وهذا إنما عمل رب الدابة وحده، فإن الغلة له وحده، لأنه حصل بعمله، وعليه كراء الرحى والبيت. قوله: (وقضي على شريك فيما لا ينقسم أن يعمر أو يبيع) أي وقضي على شريك لشريكه فيما لا ينقسم أن يعمر أي ويصلح نصيبه أو يبيعه لمن يصلح، إذ لا ضرر ولا ضرار، فإن أبى أن يعمر أو يبيع باع عليه الحاكم، هل يبيع جميعه؟ ابن عبد السلام: وهو ظاهر إطلاقاتهم، وهو ظاهر لتقليل الشركاء. ابن الحاجب إنما يبيع قدر ما يعمر به (٣)، وهو ظاهر، لأنه قدر ما احتيج إليه، ولو انقسم ذلك لقسم بينهما. قوله: (كذي سفل إن وهي) أي كما يقضى على ذي سفل، لصاحب علو، إن وهي السفل أي ضعف أن يصلح ويعمر، أو يبيع لمن يصلح ويعمر. قوله: (وعليه التعليق والسقف، وكنس مرحاض) أي وعلى صاحبه السفل التعليق. والتعليق هو التدعيم، وهو ما يمسك به الأعلى حتى ينقض الأسفل، ويصلح،

стр. 1241

وكذلك عليه السقف أي خشب السقف، وعليه كنس مرحاض لأنه له، وإنما لصاحب العلو فيه الانتفاع فقط. قوله: (لا سلم) أي ليس على صاحب السفل سلم للأعلى. قوله: (وبعدم زيادة العلو، إلا الخفيف) أي وقضي على صاحب السفل بعدم زيادة العلو لأن ذلك يضر بجدران السفل إلا أن تكون الزيادة خفيفة لا تضر فلا تمنع. قوله: (وبالسقف للأسفل) أي وقضي بالسقف لصاحب الأسفل إذا تنازعا فيه، لأن الله تعالى أضاف السقف إلى البيوت وقال تعالى: ﴿لبيوتهم سقفا من فضة﴾ [الزخرف: ٣٣] الآية. قوله: (وبالدابة للراكب، لا متعلق بلجام) أي وإذا تنازع الراكب والمتعلق باللجام في الدابة، قضى بها للراكب، لأن حوزه أقوى من حوز المتعلق باللجام، وكذلك يقضى في الدابة للمتقدم في الراكبين. قوله: (وإن أقام أحدهم رحا إذ أبيا، فالغلة لهم، ويستوفي منها ما أنفق) أي وإن أصلح أحد الشركاء رحى بينهم، إذا أبوا أن يصلحوه، فيما حصل من اللغلة لهم، ولكن يستوفي من الغلة ما أنفق على إصلاحه، فإن لم يبق شيء فلا شيء لهم، وإن نقص فلا يرجع عليهم. قوله: (وبالإذن في دخول جاره لإصلاح جدار ونحوه) أي وقضى على الجار لجاره في دخوله لإصلاح جداره ونحو ذلك، كما إذا أراد أن ينظر لجداره، أو ألقت الريح ثوبه في الدار، أو دخلتها دابته، قضي على الجار بدخول جاره لذلك، ارتكابا لأخف الضررين. قوله: (وبقسمته إن طلبت لا بطوله عرضا) أي وقضى بقسمة الجدار إن طلبت القسمة عرضا، لا إن طلبت قسمته طولا، وقيل يقسم طولا، كما إذا كان غلظه ذراعا مثلا، فقسم طولا، كل من الشريكين صار له شيء من الجدار. قوله: (وبإعادة الساتر لغيره، إن هدمه ضررا لا لإصلاح، أو هدم) أي وقضى على الجار بإعادة الساتر لجاره، إن هدمه لأجل الضرر على الجار، وأما إن هدمه لأجل إصلاحه ثم عجز عنه، أو انهدم الساتر بنفسه، فلا إعادة عليه، ويقال للجار، إن شئت استر على نفسك، أو اترك. قوله: (وبهدم بناء بطريق، ولو لم يضر) أي وقضي بهدم بناء أي بسقوط بناء في الطريق، ولو لم يضر بالمار، ظاهره ولو كان لتوسيع مسجد، وأما إن أضر بالمارين

стр. 1242

فلا خلاف في هدمه وزواله حتى لا يبقى له رسم، وغلته مردودة، وتصرف للفقراء لا تحل للمغتل، ولا تمنع الحيازة على العامة، ومن ليس له ملك معلوم، والطريق كالمساجد من جلس فهو أحق، ومن قام سقط حقه. صح. برزلي. وروى ابن وهب أن النبي ﷺ قال: «من اقتطع من طريق المسلمين وأبنيتهم شبرا من الأرض طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين» (١) وقيل إن لم يضر فلا بأس. قوله: (وبجلوس باعة بأفنية الدور للبيع، إن خف) أي وقضى بجلوس باعة، وهو جمع بائع بجلوس في أفنية الدور للبيع، إن خف الجلوس ولم يضر بالمارين، وأما إن كان الجلوس غير خفيف، أو يضر بالمارين، فليس لهم ذلك. وقضى عمر بن الخطاب ﵁ بالأفنية لأرباب الدور. قال ابن حبيب: وتفسير هذا يعني بالانتفاع للمجالس والمرابط والمصاطب وجلوس الباعة فيها للبياعات الخفيفة في الأفنية، وليس بأن تحاز بالبنيان والتحظير. ويجوز إخراج العساكر والرواشن والأجنحة على الحيطان إلى طرق المسلمين. انتهى من ابن شاس (٢). قوله: (وللسابق) أي وقضي للسابق في الجلوس بالموضع في الأفنية والطرق والاسواق، فإن قام منه ونيته العود إليه، فهل يكون أحق به أم لا قولان. قوله: (كمسجد) ونحوه فإن قام ليرجع إليه فهل يقضى له به؟ أملا قولان. قوله: (وبسد كوة فتحت أريد سد خلفها) أي وقضى بسد كوة فتحت أراد الجار سد خلفها، قضى بسدها سدا لا يبقي لها أثرا، مخافة أن يطول الزمان، وتشهد الشهود على الكوة، بل يسد ظاهرها. غفل الشارح هنا ﵀. فإذا أحدث على جاره بابا أو كوة، وثبت ضرر ذلك، فإن الباب يغلق غلقا حصينا، ويقلع منه العتبة لئلا يكون حجة عند تقادم الزمان، وكذلك ذكروا في الكوة إذا سدت، يقلع منها العتبة العليا، لئلا يكون حجة، وتغير عضادة الباب حتى لا يشك فيه أنه باب، وأما الكوة للضوء والروح فلا تمنع، ولتكن حيث لا يصلها

стр. 1243

المتطلع، والكوة بفتح الكاف وضمها، وقيل: الكوة بضم الكاف غير النافذة، وبفتحها هي النافذة. قوله: (وبمنع دخان: كعمام، ورائحة كدباغ) أي وقضى بمنع دخان على جاره كدخان حمام أو فرن أو تنور وكذلك رائحة دباغ وكل ماله ريحة كريهة. قوله: (وأندر قبل بيت، ومضر بجدار، واصطبل، أو حانوت قبالة باب) أي وقضى على جار بمنع إقامة أندر وهو الجرين قبل بيت جاره، لأن التبن يضره. وكذلك يقضى بمنع كل مضر بجدار، وكذلك يقضى بمنع إحداث إصطبل عند بيت جاره، لما فيه من الضرر ببول الدواب وزبلها ببيت جاره، وحركتها في الليل والنهار المانعة من النوم. والإطصبل: مربط الدواب، وكذلك المطاحن، وكير الحداد، وكذلك يقضى بمنع إحداث حانوت فيه قبالة باب جاره. قوله: (وبقطع ما أضر من شجرة بجدار، إن تجددت، وإلا فقولان) أي ويقضى بقطع ما أضر من شجرة بجدار، بشرط إن تجددت الشجرة عن الجدار، وإن كانت الشجرة أقدم من الجدار، إلا أنها حدثت لها أغصان بعد بناء الجدار وأضرت به، هل تقطع؟ وهو قول مطرف وأصبغ أو لا تقطع؟ وهو قول عبد الملك، ووجوه الضرر كثيرة وعند النزول يعرف وينهى المضر عن المضر لجاره، فإن لم يكف عن الضرر بيعت داره عليه، وقيل: لا تباع لعله يتوب أو يموت. قوله: (لا مانع ضوء وشمس، وريح، إلا لأندر) أي لا يقضى بمنع مانع ضوء، ولا مانع شمس، ولا مانع ريح، إلا أن يكون ذلك مضرا بأندر جاره. قال في إكمال الإكمال: قلت: ومثله سريان عروقها في أرض الغير، فإنها تقطع منها تلك العروق كما تقطع الأفراع المنتشرة على حائط الغير فإنه يقضى بمنعه. والأندر بالدال مهملة الجرين لتيبيس الزرع. وقوله: لا مانع ضوء، ظاهره ولو قصد ذلك. قوله: (وعلو بناء، وصوت ككمد) أي ولا يقضى بمنع علو بناء على الإجارة، قال في آخر كتاب القسم من المدونة: ومن رفع بنيانه فجاوز به بنان جاره ليشرف عليه لم يمنع من رفع بنيانه ويمنع من الضرر. انتهى (١). وكذلك لا يقضى بمنع صوت ككمد، والكمد الدق للثياب بعد الغسل، وأحرى

стр. 1244

ألا يقضى بمنع صوت قارئ أو ذاكر. قوله: (وباب بسية نافدة، وروشن وساباط لمن له الجانبان: بسكة نفذت) أي ولا يقضى بمنع فتح باب لم يكن بسكة نافذة أي ماضية، هذا هو المشهور، وهو خلاف ظاهر الرسالة، لأنه لم يفرق بين النافذة وغيرها. قوله: وروشن الروشن جناح يخرجه الشخص في علو حائطه ليبنى عليه أي ولا يقضى بمنع روشن، وكذلك لا يقضى بمنع سابط لمن له الجانبان بسكة نافذة، والسابط هو أن يكون له حائطان مكتنفي الطريق، فيمد عليهما خشبا ويضع عليها سقفا لينتفع به. ابن شعبان وذلك مشروط بما إذا رفع عن رؤوس الركبان رفعا بينا. قوله: (وإلا فكالملك لجميعهم) أي ولم تكن السكة نافذة فإنها كالملك لجميعهم، فلا يفعله إلا برضاهم. قال الشيخ: كالملك، ولم ويقل فذلك ملكهم بل شبهه بالملك لأنه ليس ملكه الحقيقي، إذ ليس لهم أن يسدوها لإرفاق الناس بأفنيتهم. قوله: (إلا بابا، إن نكب) أي إلا فتح باب إن نكب أي انحرف عن أبواب بيوتهم، فإنه يجوز وهذا مستثنى من المستثنى. قوله: (وصعود نخلة، وأنذر بطلوعه) والنخلة ليست بشرط وكذلك غيرها أي لا يقضى بمنع صعود نخلة أو دار، ولكن ينذر جيرانه بالصعود ليستروا على أنفسهم. قوله: (وندب إعارة جداره لغرز خشبة، وإرفاق بماء، وفتح باب) أي وندب للجار إعارة جداره لجاره، ليغرز فيه خشبة، واختلف الأشياخ على قولين: هل لجار المسجد أن يغرز فيه خشبة؟ أم لا، وكذلك يندب له إرفاقه بماء في بيته، وكذلك ندب له أن يرفق لجاره بفتح باب ليس له عليه. قوله: (وله أن يرجع) أي وللجار الذي أرفق جاره بما ذكر، أن يرجع في إعارته، ظاهره طال الزمان أم قصر، احتاج أم لا، مات المعمري أم لا، وقيل: لا يرجع به إلا إذا احتاج. قوله: (وفيها: إن دفع ما أنفق أو قيمته) أي وفي المدونة في موضع يرجع إن دفع ما أنفق على من غرز خشبة، أو فتح بابا. وفي المدونة في موضع آخر أو قيمته أي ويرجع المعير إن دفع قيمة ما أنفق على ذلك. قوله: (وفي موافقته ومخالفته تردد) أي وفي موافقة ما وقع في المدونة

стр. 1245

ومخالفته تردد. واختلف الموفقون في كيفية التوفيق، فقال بعضهم: قيمة ما انفق، إذا أخرج من عنده شيئا من أجر ونحوه، أو ما أنفق إذا اشترى ذلك، وقيل: قيمة ما أنفق إذا طال الأمد، لأنه يتغير بانتفاعه، أو ما أنفق إذا كان بالقرب جدا. ابن يونس: وعلى هذين التأويلين لا يكون اختلافا من قوله: ومنهم من قال: ما أنفق إذا لم يكن فيه تغابن، أو فيه تغابن يسير، وإلا فالقيمة، وهو على هذا اختلاف. انتهى من الصغير. وعادة الشيخ أن يقول في مثل هذا: تأويلات. اختلف العلماء في المدة التي يجاز بها الضرر على أقوال عديدة ذكرها ابن رشد. قوله: والصواب منها أن ما كان لا يؤمن من يده فهو غير عاقل وإن كان يؤمن من يده فهو كحيازة الأملاك فتدبره. وفي الطرر: لا فرق في حيازة الضرر بين الأجنبيين والأقارب بخلاف حيازة الأملاك، وكذلك لا تعتبر حيازة الضرر على المولى عليهم إلا بعد رشدهم ومضى مدة الضرر بعد رشدهم وقدرتهم على القيام وعلمهم. انتهى من خط شيخنا محمود بن عمر في مجمعه (١). فصل [في بيان أحكام الشركة في الزرع] قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه الشركة في الزرع، وهي من العقود التي لا تلزم بالعقد، وكذلك المغارسة، والمقارضة، والمجاعلة، والشركة، والتحكيم. قوله: (لكل: فسخ المزارعة، إن لم يبذر) أي لكل واحد من المعاقدين فسخ العقد في الزراعة، ما لم يبذر، وأما إن بذر فلا فسخ له. والبذر بذال معجمة. قوله: (وصحت إن سلما من كراء الأرض بممنوع) أي وصحت العقدة في شركة الزرع، أن يسلم المتعاقدان من كراء الأرض بما يمنع كراءها. قال ابن شاس: المشهور عدم جواز كراء الأرض بشيء من الطعام، ولو لم

стр. 1246

تنبته، ولا ببعض ما تنبته من غير الطعام كالقطن والكتان ويجوز بالقصب والخشب. انتهى (١). قوله: (وقابلها، مساو) أي وقابل الأرض مساو لها، وهو شرط ثان، أن يكون مقابل الأرض من عمل وبقر معاد لا لكرائها عند مالك وأصحابه، سحنون: وهو صواب، فالمساوات شرط وعدمها مانع، وكثيرا ما يطلق الفقهاء الشرط على عدم المانع، ومفهومه إن لم يتساويا، فإن كان العمل أكثر من كراء الأرض بكثير لم يجز وهو كذلك. قوله: (وتساويا) أي وهذا هو الشرط الثالث أي ويتساويا العاقدان في قدر المخرج، أو قيمته، فإن أخرج أحدهما الأرض وثلث البذر، والآخر العمل وثلثي البذر، على أن الزرع نصفان منعت، لأن زيادة البذر كراء الأرض، أو أخرج واحد ثلثي الأرض، وثلث البذر، والآخر ثلث الأرض وثلثي البذر، والعمل والزرع بينهما نصفان منعت. سحنون كأنه أكرى سدس أرضه بسدس بذر صاحبه. قوله: (إلا لتبرع بعد العقد) أي إلا أن يكون عدم التساوي بالتبرع بعد العقد اللازم بالبذر، بأن يعقدا على التساوي ويبذرا ثم يتبرع أحدهما. سحنون من غير وأي أي ولا مواعدة لأنه بعد العقد محمول على التبرع وحملنا العقد على اللازم لقول أبي محمد: التبرع على القول بنفي اللزوم قبل العمل كالواقع قبله. قوله: (وخلط بذر إن كان، ولو بإخراجهما) هذا هو الشرط الرابع أي خلط البذر إن كان منهما، ولو كان الخلط بإخراج البذرين إلى الفدان معا، ويبذرانه بحيث لا يتميز موضع بذر كل. قال المصنف: وهو الجاري على قول مالك وابن القاسم، وإليه أشار بقوله: ولو بإخراجهما، وظاهره وإن تميز بذر كل في ناحيته وهو كذلك. قوله: (فإن لم ينبت بذر أحدهما وعلم لم يحتسب به إن غر وعليه مثل نصف النابت) أي وعلم بأن بذر كل واحد بذره في ناحية لم يحتسب به إن غر شريكه بأن كان عالما بأنه لا ينبت، وذلك لأن بعض البذر إذا شم رائحة الدخان لا ينبت، وعلى

стр. 1247

الغار لشريكه مثل نصف البذر النابت، والزرع بينهما. ابن عبد السلام: وينبغي الرجوع على الغار بنصف قيمة العمل. قال المصنف ﵀: ينبغي أن يرجع عليه بنصف قيمة كراء الأرض التي غر فيها. قوله: (وإلا فعلى كل نصف بدر الآخر، والزرع بينهما) أي وإن لم يغر شريكه، بأن لم يكن عالما أنه لا ينبت، فعلى كل منهما نصف بذر الآخر، فعلى صاحب النابت نصف غير النابت، وعلى صاحب غير النابت نصف النابت، ويكون الزرع لهما في الصورتين غر أولم يغر. قوله: (كأن تساويا في الجميع) تشبيه لإفادة الحكم. وقال ابن غازي: تمثيل لما تصح فيه الشركة (١) في الزرع أي كما إذا تساويا في الجميع أرضا وعملا وبقرا. قوله: (أو قابل بدر أحدهما عمل، أو أرضه وبدره، أو بعضه) يريد ومابه العمل أي وكذلك إن قابل بذر أحدهما عمل من عند الآخر، والأرض بينهما بملك أو كراء، وكذلك إن قابل عمله أحدهما من عند شريكه الآخر أرضه وبذره وما به العمل، وكذلك إن قابل عمله وبعض بذره أرض شريكه ومن البذر بعضه. قوله: (إن لم ينقص ما للعامل عن نسبة بدره) وأشار بشرط الصحة في هذا بقوله: إن لم ينقص ما للعامل، كأن يكون عليه العمل وثلث البذر، وعلى الآخر الأرض وثلثا البذر، وللعامل ثلث الزرع، فأما إن نقص عن نسبة بذرهم بأن يخرج مع عمله ثلثي البذر، ويخرج صاحب الأرض ثلث البذر على أن الزرع لهما نصفان لم يصح، لأن زيادة البذر هنا كراء الأرض. قوله: (أو لأحدهما الجميع) أي الأرض والبذر والبقر، (إلا العمل) فإنه على الآخر وله مثل الربع، فإنها تصح وهي مسألة الخماس. قوله: (إن عقدا بلفظ الشركة، لا الإجارة، أو أطلقا) أي وإنما يصح هذا إذا عقد على لفظ الشركة لا بلفظ الإجارة، وكذلك لا يصح إن أطلقا ولم يقيدا بلفظ الشركة ولا بلفظ الإجارة. قوله: (كإلغاء أرض، وتساويا غيرها أولأحدهما أرض رخيصة وعمل) أي كما لا يصح

стр. 1248

إلغاء أرض لها قدر وتساوي غيرها من البذر والعمل، وكذلك لا يجوز أن يكون لأحدهما أرض رخيصة وعمل، وللآخر عمل وبذر. قوله: (على الأصح) صوابه على الأرجح. قوله: (وإن فسدت) ولما قدم المزارعة الصحيحة وشروطها، علم أن الفاسدة ما اختل منها شرط، ولذا لم يحتج لبيانها بل ذكر حكمها فقال: وإن فسدت شركتهما ولم يعملا فسخت، وإن عملا (وتكافأ عملا) والأرض من أحدهما والبذر من الآخر وتساويا قيمة على أن الزرع بينهما نصفان (فبينهما) لكل نصفه (وترادا غيره) فعلى صاحب الأرض لصاحب البذر نصف مكيلته، وعلى صاحب البذر نصف كراء الأرض، ولا خفاء في فسادها لمقابلة الأرض بالبذر. قوله: (وإلا فللعامل، وعليه الأجرة) أي وإن لم يتكافأ في العمل بل تولاه أحدهما فقط، فللعامل جميع الزرع وعليه الأجرة لصاحب الأرض، كان للعامل بذر مع عمل، والأرض للآخر وفسدت لمقابلة الأرض بجزء من البذر. قوله: (كان له بدر مع عمل، أو أرض، أو كل لكل) مفهومه إن لم يكن له بذر ولا أرض لا يكون الزرع له، بل قيمة عمله، والمفهوم صحيح، وكذلك إن كان له أرض مع عمل والبذر للآخر، أو كان كل من الأرض والبذر لكل منهما والعمل من أحدهما، فالزرع لصاحب العمل سواء كان مخرج البذر صاحب الأرض أوغيره، وعليه إن كان هو مخرج البذر كراء أرض صاحبه، وإن كان صاحبه مخرج البذر فعليه له مثل بذره، هكذا نقله الشيخ أبو محمد عن ابن القاسم. انتهى من فتح الجليل (١). وكلام الشارح في هذا الفصل غير مجوز غفل في مواضع. * * *

стр. 1249

باب [في أحكام الوكالة] قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه ما جمعه من فروع الوكالة، وهي لغة: الحفظ، والاسم الوكالة بالفتح والكسر، ولما كان بينها وبين الشركة والمزارعة مناسبة في الجملة أتبعها لهما ولم يحدها المصنف وحدها ابن عرفة. اعلم أن الأفعال قسمان: منها ما لا تحصل مصلحته إلا بالمباشرة، فلا يجوز التوكيل فيها، لفوات المصلحة بالتوكيل، كالعبادة، فإن مصلحتها الخضوع وإظهار العبودية لله تعالى، فلا يلزم من خضوع الوكيل خضوع الموكل فتفوت المصلحة، ومصلحة الوطء الإعفاف وتحصيل ولد ينسب إليه، وذلك لا يحصل للموكل، بخلاف عقد النكاح؛ لأن مقصوده تحقيق سبب الإباحة، وهو يتحقق من الوكيل، ومقصود الأيمان كلها واللعان إظهار الصدق فيما ادعى، وحلف زيد ليس دليلا على صدق عمرو، وكذلك الشهادات مقصودة الوثوق بعدالة التحمل، وذلك فائت إذا ادعى غيره، ومقصود المعاصي إعدامها فيها، فلا يشرع التوكيل فيها؛ لأن شروع التوكيل فيها فرع تقريرها شرعا، فالضابط أن مقصود الفعل متى كان يحصل من من الوكيل كما يحصل من الموكل، وهو مما يجوز الإقدام عليه، جازت الوكالة فيه، وإلا فلا. انتهى من انوار البروق (١). أركان الوكالة أربعة: الركن الأول: ما فيه التوكيل، وله شرطان: الأول: أن يكون قابلا للنيابة، وهو ما لا يتعين لحكمه مباشرة، كأنواع البيع والحوالة والكفالة والشركة والوكالة والمضاربة والجعالة والمساقاة والنكاح والطلاق والخلع والصلح وسائر العقود والفسوخ. ولا يجوز التوكيل في العبادات، إلا في المالية منها كأداء الزكاة، وفي الحج على خلاف فيه. ولا يجوز في المعاصي كالسرقة والغصب والقتل العدوان، لأنها باطل وظلم.

стр. 1250

ويلتحق بفن العبادات الأيمان والشهادات. واللعان والإيلاء من الأيمان فلا تجوز الوكالة فيهما، وكذلك الظهار لأنه منكر من القول وزور. الشرط الثاني: أن يكون ما به التوكيل معلوما في الجملة، ويستوي كونه منصوصا عليه أو داخلا تحت عموم اللفظ، أو معلوما بالقرائن أو بالعادة. فلو قال: وكلتك بما إلي من قليل وكثير جاز، واسترسلت يد الوكيل على جميع الأشياء، ومضى فعله فيها إذا كان نظرا لأنه إذا فعل غير النظر فكأنه معزول عنه بالعادة. الركن الثاني في الموكل وهو كل من جاز له التصرف لنفسه جاز له أن يستنيب عنه فيما تجوز فيه النيابة لأجل الحاجة إلى ذلك على الجملة. وكذلك حكم الوكيل، وهو: الركن الثالث: فإنه من جاز له أن يتصرف لنفسه في الشيء جاز له أن ينوب فيه عن غيره إذا كان قابلا للاستنابة. هذا هو الأصل، إلا أن يعرض عارض يمنعه من توكيل شخص فلا يوكل. وقد نص في الكتاب على منع توكيل الذمي. الركن الرابع: الصيغة الدالة على معنى التوكيل، أو ما يقوم مقامها في الدلالة عليه. ثم لا بد من القبول، فإن وقع على الفور فلا خلاف بصحة العقد، وإن تراخي بالزمن الطويل، قال الإمام أبو عبد الله: قد يتخرج عندي على الروايتين في قول الرجل لزوجته اختاري أو قوله: أمرك بيدك، فقامت من المجلس ولم تختر، ثم قال: والتحقيق في هذا يرجع إلى اعتبار المقصود والعوائد، هل المراد في هذه الألفاظ استدعاء الجواب معجلا بدارا، فإن تأخر سقط حكم الخطاب، أو المراد استدعاء الجواب معجلا أو مؤجلا. انتهى من ابن شاس (١). قوله: (صحة الوكالة) وفي بعض النسخ صحت بالماضي، وعلامة التأنيث والمعنى واحد. قال المصنف: صحت ولم يقل: جازت، لأن الجواز يستلزم الصحة والصحة لا تستلزم الجواز. قوله: (في قابل النيابة من عقد، وفسخ) أي إنما تصح الوكالة في قابل النيابة من

стр. 1251

عقد بيع أو شراء أو نكاح، أو طلاق، أو خلع، أو عتق ونحو ذلك مما تقبل النيابة فيه، واحترز به مما لا يقبل النيابة كالعبادات من الصوم والصلاة، والغسل، والوضوء، إلا صب الماء على العضو فإنه يجوز إلا الدلك. قوله: (وقبض حق، وعقوبة، وحوالة، وإبراء - وإن جهله الثلاثة- وحج) أي وصحت الوكالة على قبض حق لآدمي أو لله، وكذلك تصح الوكالة على عقوبة حد كان أو غيره، وكذلك تجوز الوكالة على الحوالة من المحيل والمحال، وكذلك تصح الوكالة على إبراء الغريم من الديون، وإن كان قدر الدين جهله الثالثة: الوكيل، والموكل، والذي عليه الدين، لأن ذلك هبة وهبة المجهول جائزة، وكذلك تجوز الوكالة على الحج وقد تقد. قوله: (وواحد في خصومة) أي وتصح الوكالة بواحد لا أكثر من واحد في خصومة كان طالبا أو مطلوبا على المشهور، وكان سحنون لا يقبل الوكالة من المطلوب، فقيل له: كان مالك يقبل الوكالة من المطلوب، فقال: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور مما يجوز وأما في غير الخصومة فيجوز أن يوكل أكثر من واحد. ابن فتوح: ينبغي للوكيل على الخصومة أن يتحفظ بدينه ولا يوكل إلا في مطلب يقبل فيه يقينه أنه يوكله على حق. ومن تكلم في خصومة لا علم له بها لم يزل في معصية الله حتى ينزع. وعن السفياني: الوكالات كالأمانات فينبغي لأولي الأمانات أن لا يتوكلوا لأولي الخيانات. وعن مالك بن دينار (١): كفى بالمرء جناية أن يكون أمينا للخونة. ولا يتوكل مسلم لكافر. انتهى من البرزلي (٢). من وكل ابتداء إضرارا لخصمه لم يمكن من ذلك، وقال محمد بن لبابة (٣): كل

стр. 1252

من ظهر منه عند القاضي لدد وتشعيب في خصومة، فلا ينبغي له أن يقبله في وكالة، ولا يحل إدخال اللدد على المسلمين. قال ابن سهل: والذي ذهب الناس إليه في القديم والجديد قبول الوكالة، إلا من ظهر منه تشغيب ولدد، فيجب على القاضي إبعاده وأن لا يقبل به وكالة على أحد. انتهى من تبصرة ابن فرحون (١). قوله: (وإن كره خصمه) أي وتصح وكالة الواحد على الخصومة، وإن كره خصمه، إلا أن تكون عداوة بين الوكيل والخصم فلا تجوز حينئذ. قوله: (لا إن قاعد خصمه: كثلاث، إلا لعذر) أي وليس له توكيل في الخصومة، إذا قاعد خصمه كثلاث مرات، إلا لعذر بين فيوكل. وفي المفيدة قال ابن رشد: للموكل أن يعزل الوكيل متى شاء (٢)، وللوكيل أن ينحل عن الوكالة متى شاء، إلا في الوكالة على الخصام، فليس للوكيل أن ينحل عن الوكالة بعد أن ثبتت الخصومة، ولموكله أن يعزله عنها قبل تمامه. قوله: (وحلف في: كسفر) أي إذا أراد من قاعد خصمه ثلاث مرات السفر، حلف أنه ما أراد السفر ليوكل، وهي يمين التهمة. قوله: (وليس له حينئذ عزله، ولا له عزل نفسه) أي وليس للموكل عزل الوكيل حين قاعد خصمه ثلاث مرات، ولا للوكيل عزل نفسه، وأما قبل ذلك فله عزله، فإن عزله فهل لخصمه أن يوكله، ولا يقول الموكل الذي عزله فلا توكله، لأنه قد اطلع على أسراري. قوله: (ولا الإقرار، إن لم يفوض له أو يجعل له ولخصمه اضطراره إليه) أي وليس للوكيل على الخصومة الإقرار على موكله، إن لم يفوض له الموكل الأمر، أو يجعل له الإقرار فإن له حينئذ الإقرار. قوله: (ولخصمه اضطراره إليه) أي ولخصم الموكل إضراره أي الوكيل للإقرار فيقول لا أخاصمك حتى يجعل لك الإقرار.

стр. 1253

قوله: (قال: وإن قال أقر عني بألف، فإقرار) أي قال المازري في نفسه: وإن قال الموكل للوكيل: أقر عني بألف، فذلك إقرار للموكل، وظاهره أن المسئلة ليس فيها نص، واتفق العلماء أن من قال: ما أقر به فلان علي يلزمني أنه لا يلزمه. قوله: (لا في كيمين، ومعصية كظهار) أي وتصح الوكالة في قابل النيابة لا فيما لا يقبلها، كيمين ولعان وإيلاء لأنهما من الأيمان، وكذلك لا تصح الوكالة في معصية، وذلك كظهار، لأنه منكر من القول وزور. قوله: (بما يدل عرفا) أي وصحت الوكالة بما يدل عليها عادة، أو لغة، أو فعلا. قوله: (لا بمجرد وكلتك، بل حتى يفوض فيمضي النظر، إلا أن يقول وغير النظر) أي لا تصح الوكالة بمجرد قوله: وكلتك، بل إنما تصح أن يفوض إليه أو يعين بنص كما سيذكره، فبسبب أن فوض له يمضي النظر، لأنه إذا فعل غير النظر، فكأنه معزول بالعادة، إلا أن يقول الموكل نظرا وغير نظر، فيمضي فعله وفيه نظر، لأن الشرع لم يأذن بالسفه، وقوله: لا مجرد وكلتك، وهو خلاف ما لابن رشد الوكالة والوصية إذا طالتا قصرتا وإذا فصرتا طالتا. قوله: (إلا الطلاق، وإنكاح بكره، وبيع دار سكناه، وعبده) إلخ هو ماستثني من قوله: حتى يفوض فيمضي أي إلا الطلاق فإن أو قعه فلا يمضي، وكذلك نكاح بكره، وبيع دار سكناه، وبيع عبده الخادم له الذي علم أنه لا يبيعه، فإن فعل الوكيل في هذه الأشياء لا يمضي، لأن العرف أخرجها. قوله: (أو يعين بنص، أو قرينة) معطوف على قوله: حتى يفوض أي أو بنص أو قرينة تدل على مراده. قوله: (وتخصص وتقيد بالعرف، فلا يعده إلا على بيع، فله طلب الثمن وقبضه أو اشتراء فله قبض المبيع ورد المعيب، إن لم يعينه موكله) أي وتخصص الوكالة بالعرف كما إذا قال: بع لي سلعتي هذه، وللسلعة سوق معروف أو زمان معلوم، فإن فعل الوكيل فيها يختص بما خصها به العرف، وكذلك تتقيد الوكالة بالعرف، كما إذا قال له: اشتر لي ثوبا ألبسه، فإن الوكالة تتقيد بالعرف بما يليق بالموكل، فبسبب ذلك لا يعد الوكيل الموكل فيه، إلا الوكيل على بيع فله طلب الثمن وقبضه، أو وكيل على شراء، فله قبض المبيع، ورد المعيب، إن لم يعينه له موكله، وأما إن عينه له فلا يرده، لأن الموكل قد يراه ويغتفره لغرض له فيه، أو يرضى به.

стр. 1254

قوله: (وطولب بثمن ومثمن، ما لم يصرح بالبراءة كبعثني فلان لتبيعه) أي وطولب الوكيل بثمن ما اشتراه وبالمثمون، وإن علم أنه وكيل ما لم يصرح بالبراءة، فإن صرح بها فلا يطالب، كقوله: إنما ينقدك فلان إن صدقه فلان، كمالا يطالب الوكيل بالثمن، إذا قال بعثني فلانا لتبيعه. قوله: (لا لأشتري منك) أي وإن قال له بعثني فلانا لأشتري منك، أو لأبيع منك، فإنه يطالب بالثمن دون الأمر قاله أشهب. قوله: (وبالعهدة ما لم يعلم) أي وطولب الوكيل بالعهدة، وهي الرجوع بالثمن عند الاستحقاق، وظهور العيب إن لم يعلم أنه وكيل، والفرق بينها وبين الثمن والمثمون أنه يطالب بهما وإن علم أنه وكيل، لأنهما مقصودان والعهدة لا تكون، إلا نادرا. قوله: وبالعهدة ما لم يعلم أنظر هذا الإطلاق. قال في المدونة: من باع سلعة لرجل بأمره، فإن أعلم المشتري في العقد أنها لفلان، فالعهدة على ربها إن ردت بعيب فعلى ربها ترد وعليه اليمين، يريد وجبت عليه اليمين لا على الوكيل، وإن لم يعمله أنها لفلان حلف الوكيل وإلا ردت عليه السلعة، وما باع الطوافون والنخاسون ومن يعلم أنه يبيع للناس فلا عهدة عليهم في عيب ولا استحقاق، والتباعة على ربها إن وجد وإلا أتبع. انتهى من التاج والإكليل (١). قوله: (وتعين في المطلق نقد البلد) أي وتعين في العقد المطلق الذي لم يقيد نقد بلد العقد لا بلد الوكيل. والمراد بالنقد هنا المتعامل به في البلد. قوله: (ولائق به، إلا أن يسمي الثمن فتردد. وثمن المثل) أي ويتعين في العقد المطلق، كقول الموكل للوكيل: اشتر لي ما يليق بالموكل من عبد، أو كسوة وغير ذلك، إن لم يسم له الثمن، فإن سماه فهل يتعين اللائق بالموكل، أو لا يتعين، لأنه سمى الثمن ففيه تردد، وكذلك يتعين ثمن المثل في بيع الوكيل أو شرائه في التوكيل المطلق. قوله: (وإلا خير كفلوس، إلا ما شأته ذلك لخفته) أي وإن خالف الوكيل الموكل في نقد البلد أو اللائق للموكل أو في ثمن المثل، خير الموكل في الرد والإمضاء،

стр. 1255

كما يخير الموكل إذا باع الوكيل السلعة بالفلوس، إلا أن يكون المبيع مما يشابه أن يباع بالفلوس لأجل خفته. قوله: (كصرف ذهب) قال البساطي: هكذا فيما رأيناه من النسخ، ويتعين الواو انتهى. أي وكصرف ذهب بفضة مما يخير فيه الموكل، إذا أعطى الثمن للوكيل فصرفه (بفضة إلا أن يكون الشأن) في البلد الصرف في مثل ذلك، فلا يخير حينئذ. قوله: (وكمخالفته مشترى عين) أي كما يخير الموكل في الرد والإمضاء، إذا خالف الوكيل في مشتر عينه له، كما إذا قال له: بعها من فلان، فباعها لغير فلان، وفي بعض النسخ وكمخالفة مشترى أي كما إذا قال له: اشتر لي سلعة كذا فاشترى له غيرها، فإن الأمر يخير فيها في الرد والإمضاء. قوله: (أو سوقا أو زمانا) أي كما يخير الأمر إذا قال للمأمور: بعها في سوق كذا، أو في زمان كذا، فخالف فباع في غيره، لأن الأغراض تتفاوت في ذلك. قوله: (أو بيعه بأقل، أو اشترائه بأكثر كثيرا، إلا كدينا رين في أربعين، وصدق في دفعهما وإن سلم ما لم يطل) أي وكذلك يخير الأمر في الرد والإمضاء إذا باع الوكيل السلعة بأقل مما أمره به وإن قل، وكذلك إذا اشتراها بأكثر مما أمره به كثيرا. الفرق بينهما أن المراد في البيع تكثير الثمن، والمراد في الشراء تحصيل السلعة، ويحتمل أو بيعه بأقل كثيرا، أو اشترائه بأكثر كثيرا، واستغنى بكثير الثاني عن الأول. قوله: إلا كدينارين في أربعين صوابه لا كدينارين في أربعين بلا النافية دون إلا الإستثنائية أي فليس الخيار للموكل إذا زاد الوكيل دينارين في الإشتراء في أربعين دينارا، أو نقصهما في البيع على الاحتمال المذكور، وصدق الوكيل في دفع الدينارين اللذين زادهما، وإن سلم السلعة للأمر ما لم يطل الزمان، فإن طال فلا يصدق. قوله: (وحيث خالف في اشتراء لزمه، إن لم يرضه موكله، كذي عيب، إلا أن يقل، وهو فرصة) أي وحيث خالف الوكيل في اشتراء بما أمر به، فاشترى غيره، لزمه ما اشتراه إن لم يرضه موكله، يريد إن لم يتبين أنه وكيل، كما يلزمه المعيب إذ اشتراه إن لم يرضه موكله، إلا أن يقل العيب وهو فرصة أي والمشترى غنيمة فإنه يلزم الأمر. قوله: (أو في بيع فيخير موكله ولو ربويا بمثله) أي وحيث خالف الوكيل في بيع

стр. 1256

بما أمر به، فإن الموكل يخير في الرد والإمضاء، ولو كان المبيع ربويا، كما إذا أمره ببيع حنطة بذهب مثلا فباعها بطعام، فإن الموكل يخير بين الرد والإمضاء بناء على أن الخيار الحكمي ليس كالشرطي، وقيل: ليس له أن يخير بناء على أن الخيار الحكمي كالشرطي. قوله: (إن لم يلتزم الوكيل الزائد على الأحسن) أي وحيث خالف الوكيل أي في اشتراء أو بيع، فإن الأمر مخير إن لم يلتزم الوكيل الزائد على القول الأحسن، وأما إن التزمه كما إذا التزم الزائد على ما أمره به في الشراء، أو التزم ما نقص عن ما أمر به في البيع، فإن الموكل لا خيار له حينئذ، لأن مراده قد حصل. انتهى. قال البساطي: فإن قلت: قالوا في النكاح: إذا زوجه الوكيل بزائد لا يلزمه، ولو التزم الوكيل الزائد، فهل بينهما فرق؟ قلت: نعم، لأن الصداق يعتبر في حقوق الزوجة، وليس هذا في البيع. انتهى منه. إذا باع الوكيل ربويا بربوي، وقلنا الخيار للأمر فيدخله بيع الطعام بالخيار، والأصل منعه، إلا أن هذا الخيار حكمي بساطي. قوله: (لا إن زاد في بيع، أو نقص في اشتراء أو اشتر بها فاشترى في الذمة، ونقدها وعكسه) أي فلا خيار للموكل إن أمر الوكيل أن يبيع بمائة مثلا فباع بأكثر، أو قال له اشترها بمائة فاشتراها بأقل مما أمر به، لأن ذلك هو المراد، وكذلك إن قال له اشترها أي بالمائة فاشترى بها بالذمة ثم نقدها، وكذلك عكس ذلك، وهو أن يأمره بالاشتراء بالمائة في الذمة وينقدها، فاشترى بها وعينها فلا كلام للموكل، وإن خالفه، فإن قلت: هل يترتب على ذلك شيء حتى يتوهم أن المخالفة تورثه. قلت: نعم، إذا اشترى على تلك الدراهم انفسخ البيع بطرو مانع من عيب وغيره، بخلاف ما إذا اشترى على الذمة. انتهى من البساطي. قوله: (أو شاة بدينار فاشترى به اثنتين لم يمكن إفرادهما وإلا خير في الثانية) أي فلا كلام للموكل إذا أمر الوكيل أن يشتري شاة مثلا بدينار، فاشترى بالدينار شاتين لم يمكن إفرادهما، وإلا أي وإن أمكن إفرادهما خير في الشاة الثانية بما نابها من الثمن في الرد والإمضاء. قوله: (أو أخذ في سلمك حميلا أو رهنا، وضمنه قبل علمك به، ورضاك) أي وكذلك لا كلام للأمر إن أمر الوكيل أن يدفع دنانيره في سلم، فدفعها وأخذ حميلا على السلم أو رهنا، لأن ذلك زيادة توثق، فإن أخذ الوكيل ذلك الرهن ودخل في ضمانه حتى

стр. 1257

يعلم به الموكل ويرضى به، فحينئذ يدخل في ضمانه، وهذا كله إذا لم ينقص المسلم فيه وإلا خير الأمر. قوله: (وفي بذهب في بدراهم وعكسه قولان) أي وفي تعدي الوكيل في بيع ذهب بدراهم، أو في بيع دراهم بذهب، هل يخير الأمر في الرد والإمضاء قولان أي وفي تعدي الوكيل في بيع ذهب بدراهم أو بيع دراهم بذهب هل يخير الأمر في الرد والإمضاء قولان. قوله: (وحيث بفعله في لا أفعله إلا بنية) أي وحنث الأمر بفعل المأمور في حلفه لا أفعله، إلا أن ينوي لا أفعله بنفسي، فإنه لا يحنث. قوله: (ومنع ذمي في بيع أو شراء أو تقاض) أي ومنع توكيل الذمي، والحربي، والمعاهد أحرى في بيع شيء أو شرائه، أو تغاضي ديون، وظاهره ولو كان التقاضي من ذمي، خلافا لما قال الشارح باختصاصه من مسلم منع توكيل الكافر لعملهم بالربا. قوله: (وعدو على عدوه) أي ومنع توكيل عدو على عدوه، هذا في العداوة الدنيوية، وأما العداوة الدينية فلا عبرة بها، إذ لا خلاف في جواز وكالة المسلم على الكافر. قوله: (والرضا بمخالفته في سلم؛ إن دفع له الثمن) أي ومنع رضى الموكل برضى مخالفة الوكيل في مسلم له أي في جنس المسلم فيه أو نوعه، كما إذا أمره أن يسلم له في حنطة، فخالف فاسلم له في شعير، أو أمره أن يسلم له في كتان، فأسلم له في قطن فلا يجوز، لأنه إن رضي بمخالفته ففسخ دين في دين، لأنه فسخ ما وجب له من رأس المال الذي دفع إليه فتعدى فيه في شيء لم يقبضه، وذلك فسخ دين في دين، وبيع الطعام قبل قبضه إن كان طعاما، إن لم يحل أجل المسلم فيه، فإن حل أجله وقبضه فلا بأس به إذ لا محذور. قوله: (وبيعه لنفسه ومحجوره) أي وكذلك شراؤه من نفسه أو محجوره، لأن محجوره كهو، ولو اشتراه بأعلا الثمن، لأنه يتهم أن الناس يرغبون فيه، هل إنما يمنع للوكيل بيع الشيء من نفسه أو شراؤه، لأنه خارج عن الخطاب أو للتهمة، فإن وقع ونزل وباع لنفسه، أو اشترى من نفسه، فللموكل الرد والإمضاء، إلا أن يفوت المبيع بحوالة سوق فأعلى فله الأكثر من الثمن أو القيمة، فإن كانت القيمة أكثر فقد خان بها، وإن كان الثمن هو الأكثر فقد رضي به.

стр. 1258

قوله: (بخلاف زوجته ورقيقه، إن لم يحاب) أي فإنه يجوز للوكيل أن يبيع من زوجته أو يشتري منها، لأنها تتصرف لنفسها، وكذلك رقيقه المأذون له إن لم يحاب لهما، وأما إن حابا فلا يجوز، وهذا مستغنى عنه، لأن عدم المحابات شرط في كل من باع له. قوله: (واشتراؤه من يعتق عليه إن علم ولم يعينه موكله وعتق عليه) أي ومنع اشتراء الوكيل من يعتق على الموكل، إن علم الوكيل أنه يعتق عليه وعلم الحكم ولم يعينه له موكله، فإن وقع ونزل عتق عليه أي على الوكيل، وأما إن لم يعلم أنه يعتق عليه، أو علم ولكن جهل الحكم أو عينه له، فإنه يعتق على الأمر، وإليه أشار بقوله: (وإلا فعلى آمره). قوله: (وتوكيله) أي ومنع توكيل الوكيل، ظاهره وإن كان مفوضا، وقيل: غير المفوض، وأما المفوض فله التوكيل. ابن ناجي: وعليه العمل عندنا. قوله: (إلا أن لا يليق به أو يكثر أي ومنع توكيل الوكيل، إلا أن لا يليق به، فعلى ذلك فيجوز التوكيل فيه، وكذلك يجوز له التوكيل على بعض الموكل فيه، إذا كان كثيرا يعلم أنه لا يقدر عليه وحده. قوله: (فلا ينعزل الثاني بعزل الأول) أي وحيث يجوز للوكيل أن يوكل فوكل، فلا ينعزل هذا الثاني بعزل الوكيل الأول، لأنه كوكيل بعد وكيل. قوله: (وفي رضاه إن تعدى به أي وفي جواز رضى الموكل، وعدم جوازه بفعل وكيل الوكيل، إن تعدى التوكيل بالتوكيل تأويلان) وعدم الجواز أظهر. قوله: (ورضاه بمخالفته في سلم إن دفع الثمن بمسماه إلى آخره أي ومنع رضى الموكل بمخالفة الوكيل في مسماء في رأس المال، كما إذا أمره أن يسلم عشرة في شيء فخالف، فأسلم اثنى عشر مثلا، فإنه يمنع رضاه بتلك المخالفة، لأنه فسخ دين في دين، لأنه فسخ رأس ماله الذي دفع إليه، وتعدى فيه في شيء لم يقبضه. تنبيه: هذه المسألة ليست بتكرار مع ما قبلها في قوله والرضا بمخالفته في سلم، لأن تلك المخالفة فيها جنس المسلم فيه أو في نوعه، وهذه المخالفة فيها في قدر رأس المال المدفوع. قوله: (أو بدين) أي أو كانت المخالفة لأجل البيع بالدين، كما إذا أمره أن يبيع بالنقد فباع بالدين، فلا يجوز الرضى في ذلك الدين، إن فات) المبيع، لأنه يصير

стр. 1259

فسخ دين في دين، وأما إن لم يفت فله الرد والإمضاء. قوله: (وبيع؛ فإن وفى بالتسمية أو القيمة، وإلا غرم) أي فإن وقع ونزل وباع بالدين وفات المبيع، بيع الدين إن كان مما يباع قبل قبضه، وإن كان مما لا يباع قبل قبضه فسيأتي في قوله: وإن أمر ببيع سلعة فسماها في طعام … إلى آخره. فإن بيع الدين، فإن وفى بقيمة السلعة إن لم يسم الثمن، أو التسمية فإن سماه، فلا كلام، فإن لم يوف بذلك غرم الوكيل النقص. قوله: (وإن سأل غرم التسمية، أو القيمة، ويصبر ليقبضها ويدفع الباقي جاز إن كان قيمته مثلها فأقل) أي وإن سأل الوكيل غرم التسمية إلا إن سمى أو القيمة إن لم يسم الأمر شيئا، ويصبر إلى الأجل ليقبضها أي التسمية أو القيمة، ويدفع الباقي الموكل جاز، إذا كانت قيمة الدين مثل قيمة السلعة فأقل، فأما إن كانت قيمة الدين أكثر فلا يجوز، لأنه سلف بزيادة. قوله: (وإن أمره ببيع سلعة فأسلمها في طعام، أخرم التسمية أو القيمة واستؤني بالطعام لأجله فبيع، وغرم النقص، والزيادة لك) إلى آخره أي وهو جواب عن سؤال مقدر، كأنك قلت: إنما يباع الدين إذا كان مما يجوز بيعه قبل قبضه، وما لا يجوز بيعه قبل قبضه فما الحكم فيه فقال: وإن أمر ببيع سلعة فأسلمها في طعام تعديا أغرم التسمية الآن إن سمى، أو القيمة إن لم يسم قدر ما يبيع به، إذا فاتت السلعة، وأما إن لم تفت فإن الموكل مخير في إمضاء البيع أو رد السلعة، فإن أغرم الوكيل استأني بالطعام إلى أجله وقبض فباع، فلا كلام إن وفى، فإن لم يوف بالتسمية غرم الوكيل القبص، فإن كانت الزيادة، فلك أيها الموكل. قوله: (وضمن إن أقبض الدين ولم يشهد) أي وضمن الوكيل إن أقبض الدين لربه إن لم يشهد على الدفع فيما أمر بدفعه. وهذا إذا غاب الموكل حين الدفع، وأما إن دفع الوكيل بحضوره فلا يضمن، ظاهره ولو كانت العادة عدم الإشهاد على مثل القابض، وأشار بعضهم إلى أنه لا يختلف في سقوط الضمان إذا كانت العادة ترك الإشهاد، وكذلك إذا وكله على الدفع إلى زوجته أو القاضي لأن العادة عدم الإشهاد. قوله: (أو باع كطعام نقدا ما لا يباع به وادعى الإذن فنونع) أي وكذلك يضمن الوكيل إذا باع بكطعام وعرض ما لا يباع به نقدا، وأحرى إذا باعه بأجل وادعى الوكيل إذن الموكل بذلك وأنكر الموكل، وأحرى أن يضمن إن ادعى عدم الإذن

стр. 1260

بذلك. قوله: (أو أنكر القبض فقامت البينة، فشهدت بينة بالتلف) أي ويضمن الوكيل إذا أنكر قبض ما وكل على قبضه، فقامت بينة على القبض، فشهدت بينة على التلف، فإنه يضمن، لأنه قد أكذب بينته بقوله أولا: لم أقبضه، لأن مضمن الإقرار تصريح الإقرار. قوله: (كالمديان) تشبيه لما يأتي في قوله: وإن أنكر مطلوب المعاملة فالبينة أي على الطالب، ثم لا تقبل بينة المطلوب بالقضاء، بخلاف لاحق لك علي، فإن ذلك ليس بتكذيب للبينة. قوله: (ولو قال غير المفوض: قبضت وتلف برئ، ولم يبرأ الغريم إلا ببينة) أي ولو قال الوكيل غير المفوض: قبضت ثمن ما بعته، وتلف عندي من غير تفريط مني، برئ لأنه أمين بالنسبة إلى الموكل، ولم يبرأ الغريم من ذلك الثمن لاعترافه أنه في ذمته، ولأن الموكل إنما وكل على القبض لا على الإبراء، فلا يبرأ الغريم إلا ببينة تشهد بالدفع للوكيل، فإن الغريم حينئذ يبرأ. قوله: (ولزم الموكل غرم الثمن إلى أن يصل لربه إن لم يدفعه له) أي وإن أمره بشراء سلعة، لزمه الثمن إلى أن يصل إلى يد ربه، إن لم يدفع الثمن للوكيل، بل قال له: اشتر لي كذا لأدفع ثمنه، فاشتراه ثم دفع له الثمن، فإن ضاع فإن الوكيل يغرمه ثانيا وثالثا مثلا، وأما إن دفع له الثمن فقال: اشتر لي بهذا، فاشترا به ثم تلف الثمن، فإن الموكل مخير إن شاء غرم الثمن ثانيا ويأخذ السلعة، وإن شاء تركها. قوله: (وصدق في الرد كالمودع) أي وصدق الوكيل في رد ثمن ما باعه، وفي رد السلعة المأمور بشرائها، ونحو ذلك، كما يصدق المودع في الرد. قوله: (فلا يؤخر للإشهاد) أي فبسبب أنه يصدق، فلا يؤخر الرد لأجل الإشهاد على الرد. تبع الشيخ في هذا ابن الحاجب واعترض، وقال في توضيحه تبعا لابن عبد السلام وابن هارون: ولو قيل للوكيل والمودع تأخير الدفع حتى يشهدا لكان حسنا؛ لأنهما يقولان: إذا لم يشهدا تتوجه عليهما اليمين، ولا سيما الوكيل للخلاف فيه (١). وأما ابن عرفة فقال بعد كلام طويل: الحق أنه لا يتعقب على ظاهر لفظ ابن

стр. 1261

الحاجب، لأنه يصدق، لحمله على الصور التي يصدق فيها الدافع بغير يمين، كالوكيل على قبض شيء يطلبه منه موكله بعد قبضه بمدة طويلة، يصدق فيه الوكيل بلا يمين منهم على تبرئة ذمته. وقيل: إن أقر بذلك فإن الموكل يحلف معه إن كان عدلا ليأخذ ذلك لأن المسلم إليه أن يبرئ ذمته بدفع الحق إلى الحاكم. قوله: (ولأحد الوكيلين الاستبداد إلا لشرط) أي الانفراد بالفعل، إلا بشرط عدم الإنفراد به، وهذا عكس ما في المدونة، لعل الناسخ أسقط لا النافية فيكون المعنى ولا لأحد الوكيلين ليوافقها. قوله: (وإن بعت وباع فالأول، إلا بقبض) أي وإن بعت أيها الموكل وباع الوكيل، فالمعتبر العقد الأول، إلا أن يقبض الثاني أو لا إن لم يعلم أنه ثان. قوله: (ولك قبض سلمه لك إن ثبت ببينة) أي ولك أيها الموكل قبض سلمه لك، إن ثبت أن السلم لك، ظاهره أن البينة غير المسلم إليه، لأنه لا يشهد على فعل نفسه، ولأنه متهم على تبرية ذمته، وقيل: إن أقر بذلك، فإن الموكل يحلف معه إن كان عدلا، فيأخذ ذلك لأن المسلم إليه تبرء ذمته بدفع الحق إلى الحاكم. قوله: (والقول لك إن ادعى الإذن، أو صفة له) أي والقول لك أيها الموكل إن ادعى الوكيل الإذن في بيع ونحوه فأنكرت، لأن الأصل عدم الإذن، وكذلك إن اتفقا على الإذن وادعى الوكيل صفة للأذن فأنكرها الموكل، لأن الأصل عدمها. قوله: (إلا أن يشتري بالثمن فزعمت أنك أمرته بغيره وحلف، كقوله: أمرت ببيعه بعشرة، وأشبهت، وقلت بأكثر، وفات المبيع بزوال عينه أو لم يفت ولم تحلف) إلى آخره، واستثنى من قوله: أو صفة له هاتان المسألتان أي والقول لك أيها الموكل، إلا أن يشتري الوكيل بالثمن شيئا، فزعمت أنك أمرته بغيره، فإن القول قول الوكيل إن حلف، لأن الثمن المستهلك كفوت السلعة، وإن أنكر الوكيل حلفت وغرم لك الثمن. والمسألة الثانية المستثناة، كقوله: أمرت ببيعه بعشرة وأشبهت العشرة ثمن الشيء، وقلت: أيها الموكل أمرته بالبيع بأكثر، والمبيع قد فات بزوال عينه لا بحوالة سوق، أو كان قائما لم يفت ولم تحلف أنت أيه الموكل، فإن الوكيل يصدق مع يمينه. فرع: إن قلت: أعطني ثمن الثوب، فقال: وكلتني في بيعه، صدقت مع يمينك بنفي الوكالة لا بالبيع فتطلبه بالقيمة، لأن الأصل عدم الإذن.

стр. 1262

فرع: قال مالك: إن قلت: اشتريتها لك، فلك طلبه بالثمن إن قبضها ولم تنفذ، وإن نفذت صدق في دفع الثمن لأن الأصل عدم إسلافك إياه، قال سحنون: إلا أن تشهد عند الدفع أنك تعطي من مالك فتصدق مع يمينك. انتهى من الذخيرة (١). قوله: (وإن وكلته على أخذ جارية فبعث بها فوطئت ثم قدم بأخرى وقال هذه لك والأولى وديعة، فإن لم يبين وحلف أخذها، إلا أن تفوت بكولد أو تدبير، إلا لبينة، ولزمتك الأخرى) أي على شراء جارية فاشتراها وبعث بها ووصلتك فوطئتها، ثم قدم الوكيل بجارية أخرى، فقال: هذه لك، والجارية الأولى وديعة مني إليك، فإن يبين الوكيل حين بعث بالأولى، وحلف على ما قال أخذها، إلا أن تفوت بولد أو عتق تدبير، فلا يأخذها، إلا أن تقوم بينة أنها له، فإنه يأخذها، وإن فاتت بما ذكرنا، وهل يأخذ معها قيمة الولد كالأمة المستحقة؟ أولا يأخذ قيمة الولد لأنه المسلط عليها في ذلك قولان. ولزمتك الأمة الأخرى في الصورتين، حيث فاتت الأمة وحيث لم تفت. قوله: (وإن أمرته بمائة فقال: أخذتها بمائة وخمسين، فإن لم تفت خيرت في أخذها بما قال) إلى آخره أي وإن أمرت وكيلا على شراء جارية أو غيرها بمائة مثلا، فاشتراها ثم قال بعد ذلك: اشتريتها بمائة وخمسين، فإن لم تفت الأمة باستيلاد أو عتق أو تدبير - لا بحوالة سوق - خيرت أيها الموكل في أخذها بما قال أو تتركها. قوله: (وإلا لم يلزمك إلا المائة) أي وإن فاتت بما ذكر لم يلزمك إلا المائة التي أمرت بها. قوله: (وإن ردت دراهمك لزيف، فإن عرفها مأمورك لزمتك. وهل وإن قبضت؟ تأويلان) إلى آخره أي وإن أمرته أن يسلم لك دراهمك في شيء فأسلمها فيه، ثم رددت الدراهم على المأمور لا يخلو أن يعرفها أو لا، فإن عرفها مأمورك لزمتك أيها الأمر وتبد لها للمسلم إليه أيه الأمر لأنه أمينك، وهل تلزمك تلك الدراهم وإن قبضت الشيء المسلم فيه وهو ظاهر المدونة، أو إنما تلزمك إذا لم تقبض المسلم فيه، وإن قبضته فلا تلزمك فيه تأويلان. قوله: (وإلا فإن قبلها حلفت وهل مطلقا، أو لعدم المأمور ما دفعت إلا جيادا في علمك ولزمته؟ تأويلان) أي وإن لم يعرفها مأمورك، فإن قبلها حلفت أيها الأمر ما دفعت إلا جيادا في علمك، وهل تحلف مطلقا كان المأمور عديما أم لا؟ وهو ظاهر المدونة،

стр. 1263

أو إنما تحلف إذا كان المأمور عديما، وأما إن كان غير عديم، فإن الدراهم تلزمه، لأنه قبلها، فلا يمين عليك حينئذ. قوله: ما دفعت إلا جيادا هو صفة أي هو صفة اليمين. قوله: (وإلا حلف كذلك، وحلف البائع، وفي المبدإ تأويلان) أي وإن لم يقبل المأمور الدراهم، حلف ما دفع إلا جيادا، وحلف البائع الأمر، والبائع الذي عليه السلم، وفي المبدء باليمين منها تأويلان. قال بعضهم: يبدء الأمر باليمين ثم بالمأمور. قوله: (وانعزل بموت موكله) أي وانعزل الوكيل بموت موكله (إن علم) بموته، ظاهره مفوضا أم لا، وظاهره أشرف على فصل الخصومة، وقال فيما تقدم: وليس له حينئذ عزله أي إذا قاعد خصمه كثلاث، يعني أن الموكل حيا، وأما إن مات فقد انعزل، ظاهره قبض الذي وكل عليه أم لا. قوله: (وإلا) أي وإن لم يعلم بموته (فتأويلان) في عزله وعدم عزله. قوله: (وفي عزله بعزله، ولم يعلم خلاف) أي وفي عزل الوكيل يعزل الموكل وإن لم يعلم الوكيل بالعزل، يريد بغير وكيل الخصومة إن قاعد الخصم ثلاث مرات خلاف، بناء على أن النسخ هل يثبت مطلقا أو لا يثبت حتى يبلغ. قوله: (وهل لا تلزم، أو إن وقعت بأجرة أو جعل فكهما) إلى آخره أي وهل لا تلزم الوكالة الوكيل، فمتى يريد عزل نفسه عزلها، أو تلزم إن وقعت بأجرة بالعقد، أو تلزم إن وقعت بجعل بالشروع فيه. قوله: (وإلا لم تلزم؟ تردد) أي وإن وقعت بغير أجرة ولا جعل لم تلزم في ذلك تردد من المتأخرين. الشيخ سكت عن الموكل إذا جن والوكيل إذا جن الموكل، فالوكيل على وكالته ما لم يطل، وإن جن الوكيل ثم أفاق وهو على وكالته، وإذا ارتد الوكيل فهو على وكالته ما لم يعلم أن الموكل لا يرضى بوكالة مثله. مسألة: وإذا قدم رجل بكتاب موكله أن يدفع له سلعة أو غيرها، فعرف خط موكله، ودفع ذلك للذي قدم بالكتاب، فلما اجتمع الوكيل والموكل أنكر أن يكون كتب ذلك أو أرسل إليه أحدا، فإنه يحلف على ذلك ويغرمه الوكيل. انتهى. وينبغي أن يأتي فيها من الخلاف في مسألة من ادعى على رجل بمال فجحده، فأخرج المدعي كتابا فيه خط المدعى عليه، وإقراره بما ادعى عليه، فأنكر المدعى عليه أن ذلك خطه، فطلب المدعي أن يجبر المدعى عليه على أن يكتب بحضرة

стр. 1264

العدول ويقابل ما كتبه بما أظهره المدعي، فأفتى اللخمي بأنه يجبر على ذلك وعلى أن يطول فيما يكتب تطويلا لا يمكن معه أن يستعمل خطا غير خطه، وأفتى عبد الحميد الصائغ بأن ذلك لا يلزمه. ورجح أكثر الشيوخ ما أفتى به اللخمي. انتهى من ابن فرحون (١). وسئل ابن رشد عمن وكل على خصومة وقبلها ولم يخاصم حتى يشهد عليه في الحق الذي يخاصم فيه، هل تقبل أم لا؟ فلم يذكر لها جوابا فيما قيدته عنه. وجوابها إن كان وكله على الخصومة بإجارة أو جعل فلا تجوز شهادته فيها، لأنه جر نفعا إلى نفسه بإظهار ترجيح الحق في جهة الطالب بشهادته، وإن كانت بغير أجر وعزل نفسه عن الوكالة فيجوز إذ لا منفعة له في إدراك الحق (٢). * * *

стр. 1265

باب [في بيان أحكام الإقرار] قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الإقرار، وحقيقة الإقرار: إخبار المرء عن أمر اختص بنفسه، وهو راجع إلى شهادته على نفسه. وأركانه: المقر، والمقر له، والمقر به، والصغة. قاعدة: الإقرار والشهادات والدعوى كلها إخبارات، والفرق بينهما أن الإخبار إن كان يقتصر حكمه على قائله فهو الإقرار، وإن لم يقتصر فإما أن لا يكون للمخبر فيه نفع فهو الشهادة أو يكون وهو الدعوى. انتهى من الذخيرة (١). الإقرار يصح من البر والفاجر، والمسلم والكافر إجماعا؛ لأن الإقرار على خلاف الوازع الطبيعي، فإنه إنما يقر على نفسه في ماله، أو نفسه، أو أعضائه ونحو ذلك، والطبع يمنع من المسامحة بذلك من غير سبب يقتضيه، بل هو مع السبب المقتضى له شأن الطباع جحده. انتهى من أنوار البروق (٢). قاعدة: كل من ادعى عليه ما لو أقر به لأضره ففيه يمين، إلا الشاهد والحاكم والزوج والسيد في عبده، ولو كلف الشاهد أن يحلف أن ما شهد به حق لعدم الشهود، والحاكم لو كلف أن يحلف أن ما حكم به حق لعدم، وكذلك لو كلف الزوج اليمين، إذ ادعت عليه زوجته أنه طلقها لحلفته كل وقت، وكذلك السيد في عبده إذا ادعى عليه أنه أعتقه، فلا يمين على السيد. قل ما يوجد لمالك في هذا الباب نص، ولذلك تجد أكثر مسائله مشكلة. قوله: (يؤاخذ المكلف) أي يواخذ المكلف بإقراره فاسقا كان أو كافرا، احترز بالمكلف من الصبي والمجنون والمكره. قوله: (بلا حجر بإقراره) أي والمكلف ليس بمحجور عليه، إذ لا يصح إقراره، وقد تقدم المحجور عليه.
следующие страницы →