← Фикх малики

Фикх малики · id 30174

موهوب الجليل في شرح مختصر خليل

ابن أبي بكر الواداني

Полный текст (1 727 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

الحاجب، لأنه يصدق، لحمله على الصور التي يصدق فيها الدافع بغير يمين، كالوكيل على قبض شيء يطلبه منه موكله بعد قبضه بمدة طويلة، يصدق فيه الوكيل بلا يمين منهم على تبرئة ذمته. وقيل: إن أقر بذلك فإن الموكل يحلف معه إن كان عدلا ليأخذ ذلك لأن المسلم إليه أن يبرئ ذمته بدفع الحق إلى الحاكم. قوله: (ولأحد الوكيلين الاستبداد إلا لشرط) أي الانفراد بالفعل، إلا بشرط عدم الإنفراد به، وهذا عكس ما في المدونة، لعل الناسخ أسقط لا النافية فيكون المعنى ولا لأحد الوكيلين ليوافقها. قوله: (وإن بعت وباع فالأول، إلا بقبض) أي وإن بعت أيها الموكل وباع الوكيل، فالمعتبر العقد الأول، إلا أن يقبض الثاني أو لا إن لم يعلم أنه ثان. قوله: (ولك قبض سلمه لك إن ثبت ببينة) أي ولك أيها الموكل قبض سلمه لك، إن ثبت أن السلم لك، ظاهره أن البينة غير المسلم إليه، لأنه لا يشهد على فعل نفسه، ولأنه متهم على تبرية ذمته، وقيل: إن أقر بذلك، فإن الموكل يحلف معه إن كان عدلا، فيأخذ ذلك لأن المسلم إليه تبرء ذمته بدفع الحق إلى الحاكم. قوله: (والقول لك إن ادعى الإذن، أو صفة له) أي والقول لك أيها الموكل إن ادعى الوكيل الإذن في بيع ونحوه فأنكرت، لأن الأصل عدم الإذن، وكذلك إن اتفقا على الإذن وادعى الوكيل صفة للأذن فأنكرها الموكل، لأن الأصل عدمها. قوله: (إلا أن يشتري بالثمن فزعمت أنك أمرته بغيره وحلف، كقوله: أمرت ببيعه بعشرة، وأشبهت، وقلت بأكثر، وفات المبيع بزوال عينه أو لم يفت ولم تحلف) إلى آخره، واستثنى من قوله: أو صفة له هاتان المسألتان أي والقول لك أيها الموكل، إلا أن يشتري الوكيل بالثمن شيئا، فزعمت أنك أمرته بغيره، فإن القول قول الوكيل إن حلف، لأن الثمن المستهلك كفوت السلعة، وإن أنكر الوكيل حلفت وغرم لك الثمن. والمسألة الثانية المستثناة، كقوله: أمرت ببيعه بعشرة وأشبهت العشرة ثمن الشيء، وقلت: أيها الموكل أمرته بالبيع بأكثر، والمبيع قد فات بزوال عينه لا بحوالة سوق، أو كان قائما لم يفت ولم تحلف أنت أيه الموكل، فإن الوكيل يصدق مع يمينه. فرع: إن قلت: أعطني ثمن الثوب، فقال: وكلتني في بيعه، صدقت مع يمينك بنفي الوكالة لا بالبيع فتطلبه بالقيمة، لأن الأصل عدم الإذن.

стр. 1262

فرع: قال مالك: إن قلت: اشتريتها لك، فلك طلبه بالثمن إن قبضها ولم تنفذ، وإن نفذت صدق في دفع الثمن لأن الأصل عدم إسلافك إياه، قال سحنون: إلا أن تشهد عند الدفع أنك تعطي من مالك فتصدق مع يمينك. انتهى من الذخيرة (١). قوله: (وإن وكلته على أخذ جارية فبعث بها فوطئت ثم قدم بأخرى وقال هذه لك والأولى وديعة، فإن لم يبين وحلف أخذها، إلا أن تفوت بكولد أو تدبير، إلا لبينة، ولزمتك الأخرى) أي على شراء جارية فاشتراها وبعث بها ووصلتك فوطئتها، ثم قدم الوكيل بجارية أخرى، فقال: هذه لك، والجارية الأولى وديعة مني إليك، فإن يبين الوكيل حين بعث بالأولى، وحلف على ما قال أخذها، إلا أن تفوت بولد أو عتق تدبير، فلا يأخذها، إلا أن تقوم بينة أنها له، فإنه يأخذها، وإن فاتت بما ذكرنا، وهل يأخذ معها قيمة الولد كالأمة المستحقة؟ أولا يأخذ قيمة الولد لأنه المسلط عليها في ذلك قولان. ولزمتك الأمة الأخرى في الصورتين، حيث فاتت الأمة وحيث لم تفت. قوله: (وإن أمرته بمائة فقال: أخذتها بمائة وخمسين، فإن لم تفت خيرت في أخذها بما قال) إلى آخره أي وإن أمرت وكيلا على شراء جارية أو غيرها بمائة مثلا، فاشتراها ثم قال بعد ذلك: اشتريتها بمائة وخمسين، فإن لم تفت الأمة باستيلاد أو عتق أو تدبير - لا بحوالة سوق - خيرت أيها الموكل في أخذها بما قال أو تتركها. قوله: (وإلا لم يلزمك إلا المائة) أي وإن فاتت بما ذكر لم يلزمك إلا المائة التي أمرت بها. قوله: (وإن ردت دراهمك لزيف، فإن عرفها مأمورك لزمتك. وهل وإن قبضت؟ تأويلان) إلى آخره أي وإن أمرته أن يسلم لك دراهمك في شيء فأسلمها فيه، ثم رددت الدراهم على المأمور لا يخلو أن يعرفها أو لا، فإن عرفها مأمورك لزمتك أيها الأمر وتبد لها للمسلم إليه أيه الأمر لأنه أمينك، وهل تلزمك تلك الدراهم وإن قبضت الشيء المسلم فيه وهو ظاهر المدونة، أو إنما تلزمك إذا لم تقبض المسلم فيه، وإن قبضته فلا تلزمك فيه تأويلان. قوله: (وإلا فإن قبلها حلفت وهل مطلقا، أو لعدم المأمور ما دفعت إلا جيادا في علمك ولزمته؟ تأويلان) أي وإن لم يعرفها مأمورك، فإن قبلها حلفت أيها الأمر ما دفعت إلا جيادا في علمك، وهل تحلف مطلقا كان المأمور عديما أم لا؟ وهو ظاهر المدونة،

стр. 1263

أو إنما تحلف إذا كان المأمور عديما، وأما إن كان غير عديم، فإن الدراهم تلزمه، لأنه قبلها، فلا يمين عليك حينئذ. قوله: ما دفعت إلا جيادا هو صفة أي هو صفة اليمين. قوله: (وإلا حلف كذلك، وحلف البائع، وفي المبدإ تأويلان) أي وإن لم يقبل المأمور الدراهم، حلف ما دفع إلا جيادا، وحلف البائع الأمر، والبائع الذي عليه السلم، وفي المبدء باليمين منها تأويلان. قال بعضهم: يبدء الأمر باليمين ثم بالمأمور. قوله: (وانعزل بموت موكله) أي وانعزل الوكيل بموت موكله (إن علم) بموته، ظاهره مفوضا أم لا، وظاهره أشرف على فصل الخصومة، وقال فيما تقدم: وليس له حينئذ عزله أي إذا قاعد خصمه كثلاث، يعني أن الموكل حيا، وأما إن مات فقد انعزل، ظاهره قبض الذي وكل عليه أم لا. قوله: (وإلا) أي وإن لم يعلم بموته (فتأويلان) في عزله وعدم عزله. قوله: (وفي عزله بعزله، ولم يعلم خلاف) أي وفي عزل الوكيل يعزل الموكل وإن لم يعلم الوكيل بالعزل، يريد بغير وكيل الخصومة إن قاعد الخصم ثلاث مرات خلاف، بناء على أن النسخ هل يثبت مطلقا أو لا يثبت حتى يبلغ. قوله: (وهل لا تلزم، أو إن وقعت بأجرة أو جعل فكهما) إلى آخره أي وهل لا تلزم الوكالة الوكيل، فمتى يريد عزل نفسه عزلها، أو تلزم إن وقعت بأجرة بالعقد، أو تلزم إن وقعت بجعل بالشروع فيه. قوله: (وإلا لم تلزم؟ تردد) أي وإن وقعت بغير أجرة ولا جعل لم تلزم في ذلك تردد من المتأخرين. الشيخ سكت عن الموكل إذا جن والوكيل إذا جن الموكل، فالوكيل على وكالته ما لم يطل، وإن جن الوكيل ثم أفاق وهو على وكالته، وإذا ارتد الوكيل فهو على وكالته ما لم يعلم أن الموكل لا يرضى بوكالة مثله. مسألة: وإذا قدم رجل بكتاب موكله أن يدفع له سلعة أو غيرها، فعرف خط موكله، ودفع ذلك للذي قدم بالكتاب، فلما اجتمع الوكيل والموكل أنكر أن يكون كتب ذلك أو أرسل إليه أحدا، فإنه يحلف على ذلك ويغرمه الوكيل. انتهى. وينبغي أن يأتي فيها من الخلاف في مسألة من ادعى على رجل بمال فجحده، فأخرج المدعي كتابا فيه خط المدعى عليه، وإقراره بما ادعى عليه، فأنكر المدعى عليه أن ذلك خطه، فطلب المدعي أن يجبر المدعى عليه على أن يكتب بحضرة

стр. 1264

العدول ويقابل ما كتبه بما أظهره المدعي، فأفتى اللخمي بأنه يجبر على ذلك وعلى أن يطول فيما يكتب تطويلا لا يمكن معه أن يستعمل خطا غير خطه، وأفتى عبد الحميد الصائغ بأن ذلك لا يلزمه. ورجح أكثر الشيوخ ما أفتى به اللخمي. انتهى من ابن فرحون (١). وسئل ابن رشد عمن وكل على خصومة وقبلها ولم يخاصم حتى يشهد عليه في الحق الذي يخاصم فيه، هل تقبل أم لا؟ فلم يذكر لها جوابا فيما قيدته عنه. وجوابها إن كان وكله على الخصومة بإجارة أو جعل فلا تجوز شهادته فيها، لأنه جر نفعا إلى نفسه بإظهار ترجيح الحق في جهة الطالب بشهادته، وإن كانت بغير أجر وعزل نفسه عن الوكالة فيجوز إذ لا منفعة له في إدراك الحق (٢). * * *

стр. 1265

باب [في بيان أحكام الإقرار] قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الإقرار، وحقيقة الإقرار: إخبار المرء عن أمر اختص بنفسه، وهو راجع إلى شهادته على نفسه. وأركانه: المقر، والمقر له، والمقر به، والصغة. قاعدة: الإقرار والشهادات والدعوى كلها إخبارات، والفرق بينهما أن الإخبار إن كان يقتصر حكمه على قائله فهو الإقرار، وإن لم يقتصر فإما أن لا يكون للمخبر فيه نفع فهو الشهادة أو يكون وهو الدعوى. انتهى من الذخيرة (١). الإقرار يصح من البر والفاجر، والمسلم والكافر إجماعا؛ لأن الإقرار على خلاف الوازع الطبيعي، فإنه إنما يقر على نفسه في ماله، أو نفسه، أو أعضائه ونحو ذلك، والطبع يمنع من المسامحة بذلك من غير سبب يقتضيه، بل هو مع السبب المقتضى له شأن الطباع جحده. انتهى من أنوار البروق (٢). قاعدة: كل من ادعى عليه ما لو أقر به لأضره ففيه يمين، إلا الشاهد والحاكم والزوج والسيد في عبده، ولو كلف الشاهد أن يحلف أن ما شهد به حق لعدم الشهود، والحاكم لو كلف أن يحلف أن ما حكم به حق لعدم، وكذلك لو كلف الزوج اليمين، إذ ادعت عليه زوجته أنه طلقها لحلفته كل وقت، وكذلك السيد في عبده إذا ادعى عليه أنه أعتقه، فلا يمين على السيد. قل ما يوجد لمالك في هذا الباب نص، ولذلك تجد أكثر مسائله مشكلة. قوله: (يؤاخذ المكلف) أي يواخذ المكلف بإقراره فاسقا كان أو كافرا، احترز بالمكلف من الصبي والمجنون والمكره. قوله: (بلا حجر بإقراره) أي والمكلف ليس بمحجور عليه، إذ لا يصح إقراره، وقد تقدم المحجور عليه.

стр. 1266

قوله: (لأهل) أي وشرط المقر له أن يكون أهلا للإستحقاق، ويدخل في ذلك مسجد أو قنطرة، فلو قال: لهذ الحجر أو هذا الحمار علي ألف بطل، ولو أقر لصبي لا يعقل، أو للمجنون بشيء لزمه. قوله: (لم يكذبه) أي فإن أقر لأهل فكذبه المقر له لم يسلم إليه، ويترك في يد المقر، فإن رجع المقر فله ذلك، ثم لا رجوع للمقر له بعد ذلك إلا أن يعود المقر إلى الإقرار، فيكون للمقر له حينئذ التصديق والأخذ. انتهى من ابن شاس (١). وإن اعترف رجل أن لفلان في ذمته درهما مثلا فقال الرجل: ليس لي في ذمته شيء وطلب يمينه فلا أعرف فيها نصا، والظاهر أنها تتوجه لغرضه في براءة ذمته، وهو أيسر من الصدقة على فقير، وقد يكون في باطن الأمر غنيا ووقعت بالغير، وإن ترافعا إلى القاضي واصطلحا قبل الحكم، وما اختارته من يمينه هو الذي يظهر من فحوى كلام شيخنا حفظه الله. برزلي. قوله: (ولم يتهم) أي ولم يتهم المقر بالإقرار. قوله: (كالعبد في غير المال) أي كما يؤخذ العبد غير المأذون بإقراره بغير مال من حد أو قطع، وأما المال فلا يلزمه ذلك الإقرار، لأنه إقرار على الغير، وأما المأذون يؤخد بإقراره بالمال وغيره. قوله: (وأخرس) أي ويؤخذ أخرس وهو الأ بكم بإقراره بما يفهم منه من إشارة أو كتب. قوله: (ومريض إن ورثه ولد لأبعد أو لملاطفه، أو لمن لم يرثه، أو لمجهول حاله) أي ويؤخذ المريض مرضا مخوفا بإقراره لوارث أبعد إن ورثه ولد، مفهومه إن لم يرثه ولد فلا يقبل إقراره وهو كذلك، كما إذا كان له بنت وأخ فأقر للأخ بشيء، فإن إقراره يقبل، وكذلك يقبل إقرار المريض لصديق ملاطف له، إن ورثه ولد، وكذلك يقبل إقرار المريض لمن لم يرثه من الأقارب، كالخال، إن ورثه ولد ذكرا كان أو أنثى، وكذلك يقبل إقراره لمجهول حاله هل من الأقارب أو لا، وكذلك من جهل حاله هل هو ملاطف؟ أو لا؟. قوله: (كزوج علم بغضه لها أو جهل، وورثه ابن، أو بنون) أي كما يقبل إقرار الزوج المريض لزوجته، أو الزوجة لزوجها إن علم بغضه لها أو له إن جهل حاله معها أو

стр. 1267

حالها معه، والحال أن المريض ورثه ابن صغيرا كان أو كبيرا منها أو من غيرها، وأما إن لم يرث ابن أو بنون بل ورث كلالة فلا يصح إقراره. قوله: (إلا أن تنفرد بالصغير) أي فيقبل إقرار الزوج المريض لزوجته إن ورثه ابن أو بنون، إلا أن تنفرد الزوجة بالأولاد الصغار، فلا يجوز إقراره لها باتفاق. قوله: (ومع الإناث والعصبة قولان) أي وفي جواز إقرار المريض للزوجة، وعدم جوازه مع البنات والعصبة قولان، فإن نظرت إلى البنات جوزت، وإن نظرت إلى العصبة منعت، إذ قد يتهم لأجل العصبة ولا يتهم لأجل البنات، ولذلك فيه القولان. مسألة: ومن أشهد في صحته أني بعت منزلي هذا من إمرأتي أو ابني بمال عظيم، ولم ير أحد من الشهود الثمن، ولم تزل الدار بيد البائع إلى أن مات، قال: لا يجوز هذا وليس هذا بيعا، وإنما هو توليج وخدعة ووصية لوارث. انتهى من ابن فرحون (١). فرع: قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون فيمن باع لولده الصغير أو الكبير أو أجنبيا داره التي يسكن بثمن ضعيف، مثل أن يبيعها بعشرة وهي ثمن مائة، ولا تزال في يده حتى يموت، قال: ليس هذا بيعا وهو من باب العطية التي لم تقبض، وهي باطلة وترد الدنانير إلى ربها، وهي من الأجنبي أبعد تهمة، إلا أن ذلك كله لا يجوز، وهو مردود ما لم يشبه أن يكون ثمنا، أو مقاربا أو مشكلا فيمضي على جهة البيع. انتهى من ابن فرحون (٢). فرع ولو كتب في الأرض لفلان علي كذا، وقال أشهدوا علي بهذا، لزمه. وإن لم يقل: اشهدوا لم يلزمه. ولو كتب ذلك في صحيفة أو لوح أو خرقة، لزمه إن شهد أنه خطه، بخلاف كتابته في الأرض. انتهى من ابن فرحون (٣). فرع: قال ابن القاسم سمعت مالكا يقول في الرجلين يحضران الرجل في الأمر بينهما، ويقولان له: لا تشهد علينا بشيء، فإنا نتقارر بأشياء من أمرنا لا ندري أيتم بيننا ذلك أم لا، فيتكلمان ثم يفترقان، فيسأله أحدهما أن يقوم بما سمع بينهما: لا أرى أن يعجل بالشهادة وليكلهما، فإن أصرا وتجاحدا شهد بما سمع منهما. انتهى

стр. 1268

من ابن فرحون (١). فرع: قال ابن القاسم فيمن أتى إلى قوم فقال: اشهدوا أن لي كذا وكذا على هذا الرجل، والرجل ساكة ولم يسأله الشهود عن شيء، فلما طولب أنكر، فقال: يلزمه بسكوته. انتهى من ابن فرحون (٢). مسألة: وإذا أقر لك غريمك بإثنى عشر دينارا، وثبت قبضك لتسعة ببينة أو إقرار، وله بينة بأداء ثلاثة، فزعمت أنها من التسعة فالقول قوله بأنها سواها. انتهى من ابن فرحون (٣). وسئل أبو عمران عن الرجل يكون له دين ثابت على رجل ببينة فيغيب عن البلد ولا يوجد، فيقر رجل أن للغائب الذي عليه الدين عنده بضاعة فهل لهذا الطالب البضاعة التي أقر هذا الرجل أنها للغائب، وما يستحسن من قول سحنون فيها. هل قوله الذي يحكم بالبضاعة؟ أم القول الآخر، وأيهما الأول من قوليه والآخر بين لنا توجد. قال: أما المقر لغائب مطلوب بدين فلا أدري ما قول سحنون هو الآخر ولو علمنا الآخر لم يفتنا ذلك عن النظر، فأما القياس فهو ألا يحكم بقضاء الدين مما أقر به المقر إن ذلك للغائب، وبذلك كتب يحيى بن عمران إلى قاضي إفريقية عيسى بن مسكين والاستحسان أن يحمل الإقرار للغائب على الصحة ويقضي دينه ذلك حتى يظهر خلاف ذلك، لا سيما إن كان الغائب ليس له من أين يؤدي الدين حتى يكون لو حضر كالمفلس الذي لا يجوز إقراره بأن هذه الأشياء وديعة أو قراض إذ لو كانت بيده وقام عليه أهل الديون على وجه التفليس، ويكون وجه الأولى أقيس. انتهى من الأسولة. فرع: وإذا قال لفلان عندي أو قبلي كذا وكذا بخط يده قضي عليه، لأنه خرج مخرج الإقرار بالحقوق. قوله: (كإقراره للولد العاق، أو لأمه) التشبيه بينهما في القولين أي وهل يلزم إقرار المريض لولده العاق له أو لا يلزم فيه قولان، كما إذا كان له ولدان أحدهما بار

стр. 1269

له والآخر عاق فاقر للعاق، ومن أجاز نظر إلى أن الولد عاق فلا يتهم فيه، ومن منع نظر إلى أنه وارث، وكذلك قولان في إقرار الزوج المريض لزوجته أم ولولد عاق له، وكونها أم ولد عاق ليس بشرط، بل لا فرق أن يكون العاق منها أو من غيرها. قوله: (أو لأن من لم يقر له أبعد وأقرب) أي بل هو متوسط كما إذا ترك أما وأختا وعما فأقر للأخت، ففي لزوم ذلك الإقرار قولان، فإن نظرت إلى جهة الأم يجوز، لأن الأخت أبعد منها، وإن نظرت إلى جهة العم منعت، لأن الأخت أقرب منه ولذلك فيه قولان. قوله: (لا المساوي) أي لا يصح إقرار المريض لوارث مساو لصاحبه في الدرجة، كما إذا ترك ولدين أو أخوين أو عمين فأقر لواحد منهما فلا يجوز، لأنه وصية لوارث. قوله: (والأقرب) أي فلا يصح الإقرار لوارث أقرب، وهو أحرى مما تقدم، ولكن عادة الشيوخ يذكرون الصور وإن كان بعضها يغني عن بعض. قوله: كأخرني لسنة وأنا أقر، ورجع للخصومة التشبيه في عدم اللزوم والصحة أي كما لا يصح الإقرار إذا قال للطالب: أخرني سنة وأنا أقر لك، وهذا ليس بإقرار، فإن لم يكن إقرار يرجع إلى خصومته. غفل الشارح هنا ﵀. قوله: (ولزم لحمل إن وطئت، ووضع لأقله) أي ولزم الإقرار لحمل إن وطئت أي بعد الإقرار، والزوج مرسل عليهما ووضع الحمل لأقله. وقوله: لأقله، صوابه لأقل من أقله. قوله: (وإلا فلأكثره، وسوي بين توأميه: إلا لبيان الفضل) أي وإن لم توطأ بعد الإقرار يلزم الإقرار للحمل إلى أقصا أمد الحمل وهو خمس سنين أو أربع. قوله: وسوى بين توأمي الحمل في المقر به، والمقر لهما إذا خرجا حيين أي فإن خرج أحدهما ميتا فللحي، وإن خرجا ميتين بطل الإقرار. قوله: وسوى بينهما أي الا أن يتبين الفضل كما إذا قال المقر لأب: هذا الحمل على كذا فإنه يقسم على فريضة الله تعالى. فرع ومن أقر بمال في يده أنه لرجل، فهو كالهبة إن أقام في صحته أخذه، وفي مرضه أو بعد موته فهو ميراث (١).

стр. 1270

قلت: يحتمل أنه إنما ذلك إذا لم يذكر له وجها صار إليه، ولو قال: من معاملة صحيحة، أو من وجه كذا، فيأتي بما يقتضي أنه يلزمه مطلقا. وجدته بخط شيخنا محمود بن عمر حفظه الله. والله أعلم إنه من البرزلي. مسألة: وإن كتب لفلان على فلان إلى آخر الوثيقة وشهادته فيها، لم تجز إلا ببينة سواه، لأنه أخرجها مخرج الوثائق وجرت مجرى الحقوق، ولم تجز الشهادة فيها على خطه وهو تفسير جيد، وهي مسألة فيها اختلاف انتهى من ابن فرحون (١). ومن العتبية قال ابن القاسم: إذا قال كنت أعامل فلانا فما ادعى علي فأعطوه، قال: يصدق في معاملة مثله، وأراه ذكره عن ملك. قال ابن القاسم: ويكون من رأس المال. وإن ادعى ما لا يشبه بطل دعواه. انتهى من الوصايا من ابن سلمون (٢). انتهى من التاج والإكليل (٣). قوله: (بعلي، أو في ذمتي، أو عندي، أو أخذت منك، ولو زاد إن شاء الله، أو قضى) إلى آخره أي هذا هو الصيغة، والصيغة كل لفظ أو إشارة أو كتب يفهم الإقرار منه، فإن قال: علي لفلان كذا، أو في ذمتي، أو عندي أو أخذت منك، أي في يدك أو في دارك فذلك كله إقرار، ولو قال: إن شاء الله، أو قضى الله أو أراد فلا ينفعه الاستثناء في هذا، وإن قال: أخذت منك في حانوتك أو مسجدك فيلس بإقرار. قوله: (أو وهبته لي) أي وإذا قال له: لي عليك كذا، فقال الآخر: وهبته لي، فذلك إقرار، لأنه أقر، وادعى، يؤخذ بإقراره ويكلف بإثبات دعواه، وهل يحلف المقر له أم لا؟ قولان بناء على أن من ادعي عليه معروفا، هل يحلف أم لا. قوله: (أو بعته، أو وفيته) أي فإن قال له: عليك لي كذا، فقال له: بعته لي، أو قال: وفيته لك، فهو إقرار، لأنه أقر وادعى، يؤخذ بإقراره ويكلف إثبات دعواه. قوله: (أو أقرضتني، أو أما أقرضتني، أو ألم تقرضني) وهذه الألفاظ من المقرض، فأقر له الآخر فكذلك إقرار. وفي بعض النسخ أو ليس أقرضتني، وهو الموافق لما في المدونة (٤) عن كتاب ابن سحنون.

стр. 1271

قوله: (أو ساهلني) إذا قال: له لي عليك كذا فقال: ساهلني فيه، فذلك إقرار، لأنه إنما طلب منه أن يساهله. قال ابن غازي والذي في النوادر عن ابن سحنون عن ابن عبد الحكم فيمن قال لرجل اعطني كذا فقال: نفسني به أو أجلني به شهرا. أنه إقرار. قال ابن عرفة: ولفظ ابن شاس عنه: ساهلني فيها، دون نفسي لم أجده في النوادر ولا في نقل المازري. انتهى منه (١). قوله: (أو اتزنها مني) أي فإذا قال له: لي عليك كذا فقال: أتزنها مني فذلك إقرار، لأنه نسب ذلك منه إلى نفسه. أتزن أي أخذ. قوله: (أو لا قضيتك اليوم) أي فهو إقرار منه له، وفي بعض النسخ: أو لا أقضيتك في هذا اليوم بلا النافية والمعنى واحد، لأنه أقر فقال: لا قضيتك في هذا اليوم. قوله: (أو نعم، أو بلى، أو أجل، جوابا لأليس لي عندك، أو ليست لي ميسرة) أي فإذا قال: له أليس لي عندك كذا فأجابه بنعم أو بلا أو أجل، فذلك إقرار منه له، وكذلك إن قال له: لي عليك كذا فقال له: ليس لي ميسرة به الآن فذلك إقرار. قوله: (لا أقر) أي وهذا ليس بإقرار، لأنه وعد، والوعد لا يلزم، لأنه قال: أقر بصغة المضارع. قال ابن غازي: ولم أجد هذا الفرع هكذا لأهل المذهب، وإنما رأيت في وجيز الغزالي: لو قال: أنا أقر به، فقيل: إنه إقرار، وقيل: أنه وعد بالإقرار، والذي في مفيد الحكام لابن هشام أن من قال: أقر لك بكذا على أني بالخيار ثلاثا في التمادي والرجوع عن هذا الإقرار لزمه الإقرار دما كان أو طلاقا. انتهى منه (٢). قوله: (أو علي، أو على فلان) أي ليس هذا بإقرار لأنه ردد في الإقرار، وعلى أصل سحنون هو إقرار، ويكون قوله: أو على فلان ندما منه. قوله: (أو من أي ضرب تأخذها) أي إذا قال له: لي عليك كذا دينارا مثلا فقال: من أي سكة تأخذها (ما أبعدك منها)، فذلك ليس بإقرار بل استهزاء وتهكم. قوله: (وفي حتى يأتي وكيلي وشبهه، أو اتزن) أي فإذا قال له: اعطني ما لي عليك،

стр. 1272

فقال: حتى يأتي وكيلي أو غلامي فهل يكون ذلك إقرار أم لا لاحتمال الإستهزاء به قولان، وكذلك إذا قال المطلوب: أتزن (أوخذ) ولم يقل مني فهل هو إقرار أم لا (قولان). قوله: (كلك علي ألف فيما أعلم، أو أظن، أو علمي) هل هو إقرار أو ليس بإقرار قولان وإن قلنا ليس بإقرار في قوله: فيما أعلم وأحرى وأظن، وإن قلنا في قوله: أظن أنه إقرار، وفيما أعلم أحرى أنه إقرار. قوله: (ولزم إن نوكر في ألف من ثمن خمر، أو عبد، ولم أقبضه) أي ولزم الإقرار بألف إن نوكل المقر كما إذا قال له: علي ألف من ثمن خمر، فقال المقر له: بل من ثمن بر، فإن ذلك إقرار مع يمين الطالب. وقوله: من ثمن خمر يعني منه، وكذلك إذا قال له: علي ألف لا تلزم أو زورا أو باطلا منه لزمه إن صدقه في الملك، وكذبه في قوله: زورا أو باطلا، وإن صدقه فيهما لم يلزمه شيء، وكذلك إن قال: علي ألف من ثمن عبد، ثم قال: لم أقبض العبد فقال ابن القاسم وسحنون: يلزمه الثمن ولا يصدق في عدم القبض، وقيل: القول قوله، وعلى البائع البينة أنه أسلم العبد إليه. قوله: (كدعواه الربا) إلى آخره أي كما يلزمه الإقرار إذا أقر له بألف مثلا وادعى أن الألف ربا (وأقام بينة أنه راباه في ألف)، فالألف تلزمه لاحتمال أن الربا الذي ادعاه هو في غير هذه الألف المقر بها، وأحرى أن يلزمه إن لم تقم بينة. قوله: (لا إن أقامها) أي لا يلزمه الإقرار إن أقام بينة (على إقرار المدعي أنه لم يقع بينهما إلا الربا). قوله (أو اشتريت خمرا بألف، أو اشتريت عبدا بألف ولم أقبضه، أو أقررت بكذا وأنا صبي) أي فلا يلزمه الإقرار لأنه قدم لفظ الشراء على لفظ الخمر، والذي تقدم من قوله: ولزم إن نوكر في ألف، قدم لفظ على ألف عن لفظ من ثمن خمر فافترقا، وكذلك لا يلزمه الإقرار في قوله: اشتريت عبدا بألف ولم أقبضه، لأنه قدم لفظ الشراء، وكذلك لا يلزمه الإقرار في قوله: أقررت بكذا وأنا صبي، وأما إن قال: أفسدت كذا وأنا صبي فإن ذلك يلزمه. قوله: (كأنا مبرسم إن علم تقدمه) أي كما لا يلزمه الإقرار إذا قال: أقررت وأنا مبرسم إن علم تقدم البرسام فيه، والبر سام مرض في الدماغ يختل منه العقل، وقال

стр. 1273

صاحب فتح الجليل: البرسام ضرب من الجنون (١). قوله: (أو أقر اعتذارا) فلا يلزمه الإقرار إذا كان اعتذارا، كما إذا طلب منه السلطان جارية، فيقول: ولدت مني، ووجوه العذر كثيرة. قوله: (أو بقرض شكرا) أي ولا يلزم الإقرار بقرض إذا كان ذلك شركا للمقرض (على الأصح) طال الزمان أم لا، مفهوم قوله: شكرا إن لم يكن شكرا فإنه يلزمه إن لم يطل الزمان، كما إذا قال: جزى الله فلانا خيرا أقرضني كذا ووفيته له فلا يلزمه ذلك. وقوله: على الاصح مستغنى عنه، لأنه مذهب المدونة ولا يحتاج ما فيها للتصحيح. قوله: (وقبل أجل مثله في بيع، لا قرض) أي وإن قال علي لفلان ألف مثلا مؤجلا إلى كذا، فإنه يقبل تفسيره للأجل، إن كان أجل مثل المقر به وإن كان غير أجل مثله، فإنه لا يقبل، ولا يقبل الأجل في قرض. قال ابن عرفة: لا أعرفه لغير ابن الحاجب. انتهى. ولو عكس الشيخ في هذه المسألة لكان أولى، لأن الأصل في البيع النقد وفي القرض التأجيل. قوله: (وتفسير ألف) أي وقبل تفسير ألف (في) قوله: (كألف ودرهم)، فلا يكون المعطوف تفسيرا للمعطوف عليه، فلو قال: علي ألف ودرهم ولم يسم الألف من أي جنس هو، فقال القاضي ابن القصار: لا يكون الدرهم الزائد تفسيرا للألف، بل يكون الألف موكولا إلى تفسيره فيقال له: سم أي جنس شئت، فإن قال: أردت ألف جوزة أو ألف بيضة، قبل منه ويحلف على ذلك، إن خالفه المدعي. انتهى من ابن شاس (٢). قوله: (وخاتم فصه لي) أي وقبل تفسير المقر إذا قال هذا الخاتم له وفصد لي، إذا قال ذلك (نسقا) وإلا فلا يقبل منه قوله: فصه لي. قوله: (إلا في غصب، فقولان) أي إذا أقر أنه غصب الخاتم، وقال: صفه لي، ففي قبول قوله في ذلك وعدم قبوله قولان. قوله: (لا بجذع وباب في له من هذه الدار، أو الأرض، كفي على الأحسن) أي لا يقبل

стр. 1274

تفسيره بجذع، وباب في قوله له: من هذه الدار أو هذه الأرض حق كما لا يقبل تفسيره بجذع، وباب في قوله له: في هذه الدار أو في هذه الأرض حق على القول الأحسن ومقابل الأحسن يقبل تفسيره. قوله: (ومال نصاب) أي وقبل تفسير قوله: له علي مال نصاب الزكاة، فإذا قال له: علي مال ولم يذكر مبلغه فليس عن مالك فيه نص. وقال أبوبكر الأبهري: يقبل منه ما فسره به ولو قيراطا أو حبة ويحلف، قال ابن المواز: لا يقبل في أقل من نصاب الزكاة. وقال القاضي ابن القصار: عندي أنه يجيء على مذهب مالك أنه يلزمه ربع دينار، فإن كان من أهل الورق، فثلاثة دراهم. ويقبل تفسيره بالكلب وجلد الميتة والمستولدة، ولو قال له على مال عظيم، أو نفيس أو كثير، فقال الشيخ أبو بكر: هو بمنزلة مال على التجريد، وقال غيره: يلزمه ثلاثة دراهم أو ربع دينار. وقال القاضي أبو الحسن الذي يقوى في نفسي أن يلزمه مائتا درهم إن كان من أهل الدراهم، أو عشرون دينارا إن كان من أهل الذهب. وقاله سحنون وغيره في كتاب ابنه. انتهى من الجواهر (١). قوله: (والأحسن تفسيره) أي إذا قال له علي ما لم، والأحسن من الأقوال أن يفسر ذلك المال. قوله: (كشيء وكذا) تشبيه لا فائدة الحكم أي كما يفسر الشيء إذا أقر أنه عليه شيء لفلان، ويحتمل أن يكون أتى به استدلالا أي والأحسن تفسير المال كتفسير الشيء، وكذا والفرق بين الشيء، وكذا أن الشيء يقع على غير الكامل من الثلث، أو النصف أو غير ذلك، وكذا لا يقع إلا على الكامل كدينار ودرهم. قوله: (وسجن له) أي وسجن المقر إلى تفسير المقر به من مال أو شيء أو كذا، لأنه إذا قال له علي مال أو قال شيء، أو قال له علي كذا، أقر وأجمل فيسجن إلى أن يفسر. قوله: (وكعشرة ونيف) أتى بالكاف ليشمل العشرين والثلاثين والمائة أي إذا قال له: علي عشرون مثلا ونيف، قبل تفسيره في العشرة، وفي النيف، والنيف والنيف لغتان، وهو من النوف، وهو الزيادة، والنيف مازاد على عقود العدد.

стр. 1275

قوله: (وسقط في كمائة وشيء) أي وسقط الشيء في قوله: علي مائة وشيء أي فتبقى المائة، لأن الشيء الزائد لا يمكن رده إلى تقدير إذ هو شك لا مخرج له، ويحلف المطلوب ويسقط الشيء، لأنهم يقولون في المائة الكاملة مائة وشيء، وهذا عرفهم. والأحكام تختلف باختلاف العرف، والجمود على النقول أبدا ضلال وإضلال. ولو قال له: علي مائة إلا شيئا، لزمه إحدى وتسعين. ولو قال له: علي درهم إلا شيئا، لزمه أربعة أخماس درهم. قال عبد الملك: والمعتبر في جميع ما ذكرناه أن ما يحسن استعمال الإستثناء فيه يستعمل، وما بعده مشكوك فيه، فلا يثبت. انتهى من الجواهر (١). قوله: (وكذا درهما عشرون) أي ولزم المقر في قوله له: علي كذا درهما وعشرون درهما، وكذلك يلزمه إذا أقر له بكذا وكذا إحدى وعشرون. قوله: (وكذا وكذا أحد وعشرون، وكذا كذا أحد عشر) أي يلزمه إحدى وعشرون درهما إذا قال له: علي كذا وكذا بلا عطف بواو، والمعطوف بالواو إحدى وعشرون. قوله: (وبضع أو دراهم ثلاثة) أي وإذا قال له: علي بعض لزمه ثلاث، لأنه أقل الجمع، ولأنه المحقق، والأصل براءة الذمة، والبضع ما بين الثلاث إلى العشر، وكذلك إذا قال له: علي دراهم، تلزمه ثلاثة دراهم لأنه أقل الجمع، وكذلك إن قال له دريهمات، لأن التصغير لا يؤثر في نقل المعنى أصل من الجواهر أجمع الناس على الحمل على أدنى الرتب في الأقارير، فإذا قال له عنده دنانير حمل على أقل الجمع ثلاثة وهو أدنى رتبها مع تصديقها في الألف لكون الأصل براءة الذمة، وقيل إنما يلزمه اثنان. قوله: (وكثيرة، أو لا كثيرة ولا قليلة أربعة) أي إذا قال له علي دراهم كثيرة، أو قال له: علي دراهم لا كثيرة ولا قليلة لزمه أربعة. قوله: (ودرهم: المتعارف، وإلا فالشرعي) أي وحيث يلزمه درهم، إنما يلزمه الدرهم المتعارف بين الناس في تلك البلد، وإن لم يكن المتعارف فالدرهم الشرعي وهو الوازن خمسون حبة وخمسا حبة من وسط الشعير، وكذلك الحكم في الدينار،

стр. 1276

فالدينار المتعارف وإن لم يكن فالشرعي. قوله: (وقبل غشه ونقصه إن وصل) أي وإذا أقر له بدرهم مثلا، ثم قال له: مغشوش أو ناقص، فإنه يقبل ذلك منه إذا وصل ذلك بإقراره نسقا. قوله: (ودرهم مع درهم، أو تحته) درهم (أو فوقه) درهم (أو عليه، أو قبله، أو بعده، أو فدرهم، أو ثم درهم) أي فإذا قال له: علي درهم مع درهم، أو تحته درهم، أو فوقه درهم، أو عليه درهم، أو قبله درهم أو قال: علي درهم وقبله درهم، أو قال: علي درهم بعده درهم، أو قال له: علي درهم ثم درهم، فإنه يلزمه في هذه الألفاظ الثمانية (درهمان). قوله: (وسقط في لا بل ديناران) أي فإذا أقر له بدرهم، ثم قال: لا بل ديناران، فإن الدرهم يسقط لأنه أتى بأكثر وجملة لا بل إنما يعطف بها على المثبت. قوله: (ودرهم درهم، أو بدرهم درهم، وحلف ما أرادهما) أي وإذا قال له: علي درهم درهم، أو قال له: علي درهم بدرهم إنما يلزمه درهم ولكن يحلف أنه ما أرادهما، لاحتمال أن يكونا اثنين، ولا حتمال أن يكون الباء في الثانية أن يكون معية. قوله: (كإشهاد في ذكر بمائة، وفي آخر بمائة، وبمائة) أي كما يحلف المقر أن المائتين المكتوبتين أنهما مائة واحدة، واعترض ابن عرفة هذا. تبع الشيخ في فرض الإشهاد في وثيقتين قول ابن الحاجب. قال ابن عرفة: قد قبله ابن عبد السلام وابن هارون، واتبعوا في ذلك ابن شاس وهو وهم وغفلة؛ لأن المنصوص في عين المسألة خلاف ذلك. ففي النوادر عن كتاب ابن سحنون من أشهد لرجل في موطن بمائة، ثم أشهد له في موطن آخر بمائة، فقال الطالب: هي مائتان، وقال المقر: هي مائة واحدة (١)، فقال أصحابنا جميعا: لا يلزمه إلا مائة بخلاف إنكار الحق ولو أشهد له في صك بمائة، وفي صك آخر بمائة لزمه مائتان. انتهى من ابن غازي (٢). قوله: (وبمائتين الأكثر) ظاهره أنه في وثيقتين أي وإن أشهد في ذكر بمائة، وفي آخر بمائتين فالمعتبر الأكثر سواء تقدم الأقل أو تأخر. قال ابن عرفة: لا أعرفه في المذهب إلا لابن الحاجب ولم يحكه ابن شاس.

стр. 1277

ابن عرفة: المنصوص تلزمه الثلاث. انتهى. قال محمد: ولو اختلف الإقرار، فأقر له في موطن بمائة، وأشهد وفي موطن بمائتين، لزمته ثلاث مائة، وقال ابن حبيب عن أصبغ: إن كان الإقرار بالأقل أولا صدق المطلوب أن الأقل دخل في الأكثر، وإن كان الإقرار بالأكثر أولا، فهما مالان. انتهى من الجواهر (١). قوله: (وجل المائة، أو قربها، أو نحوها، الثلثان فأكثر بالاجتهاد) أي وإذا أقر له بجل المائة أو ما قرب منها، أو أقر له بنحو المائة لزمه ثلث المائة فأكثر باجتهاد الإمام بالتقوى لا بالهوى. قوله: (وهل يلزمه في عشرة في عشرة عشرون أو مائة) أي وإن قال له: علي عشرة في عشرة فهل تلزمه عشرون كما تعتقده العامة، أو إنما تلزمه المائة، لأن عشرة في عشرة مائة في ذلك (قولان). ولو فرق بين أهل الحساب والعامة لكان أولى. ابن عبد السلام: إن كان المقر من أهل العلم بالعدد فينبغي أن تلزمه المائة ولا يقبل منه غير ذلك إذا كان كلامه مع من هو مثله، وفي إلزامه مائة إذا كان كلامه مع العامة نظر (٢). ابن عرفة: قول غير واحد من شيوخنا، إذا كان المقر عالما بالحساب لزمه مائة. قول سحنون اتفاقا صواب إن كان المقر له كذلك وإلا فلا. قوله: (وثوب في صندوق، وزيت في جرة، وفي لزوم ظرفه قولان) أي وإذا قال له: عندي ثوب في صندوق أو زيت في جرة، ففي لزوم الظرف أي الوعاء للمقر قولان. وأما الثوب والزيت فلا خلاف في لزومهما له والثوب يستغني عن الصندوق والزيت لا يستغني عن الوعاء وساووهما، والصندوق بالصاد وبالزاء وبالسين. قوله: (لا دابة في اصطبل) أي إذا قال له: عندي دابة في اصطبل أو نخلة في بستان فإن الظرف لا يدخل.

стр. 1278

قوله: (وألف إن استحل أو أعارني، لم يلزم) أي إذا قال له: علي ألف إن استحله أي عده حلالا، أو قال له: علي ألف إن أعارني فإن ذلك الإقرار لم يلزمه، لأنه يقول: ما ظننت أنه يستحل حراما، وظننت أنه لا يعيرني. قوله: (فإن حلف في غير الدعوى) أي إذا قال له علي ألف إن حلف وذلك في غير الدعوى فلا يلزمه ذلك الإقرار، وأما إن ادعى عليه فقال له: إن حلفت فما قلت حق فحلف المدعي، فإنه يلزمه ما ادعى به عليه. قوله: (أو إن شهد فلان غير العدل) أي فإن قال له: علي كذا إن شهد فلان وشهد فلان، فلا يلزمه ذلك الإقرار عند مالك ﵀. وقيد ابن القاسم عدم اللزوم بما إذا كان الشاهد غير عدل، وأما إن كان عدلا فيلزمه، وكذلك إن قال له: علي ألف إن حكم به فلان بعد أن خاصمه فحكم به فإنه يلزمه. قوله: (وهذه الشاة أو هذه الناقة، لزمته الشاة، وحلف عليها) إلى آخره أي وإن قال له هذه الشاة مثلا، أو هذه الناقة مثلا، لزمه الأول الذي قبل حرف الشك وهو أو، وحلف على الثاني وهي الناقة أنها ليست للمقر له. قوله: (وغصبته من فلان، لا بل من آخر، فهو للأول، وقضي للثاني بقيمته) أي وإن أقر أنه غصبه من فلان، ثم قال: لا بل من فلان آخر قضى بالمغصوب للأول الذي نسبه إليه، وقضي للثاني بقيمة المغصوب إن كان مقوما أو مثله إن كان مثليا، لأنه أقر به له. قوله: (ولك أحد ثوبين عين) أي وإذا قال له: لك أحد هذين الثوبين مثلا عين المقر له أي أمر بالتعيين، فإن عين الأعلى فلا كلام، وإن عين الأدنى فصدقه المقر له فلا كلام، وإن لم يصدقه، فإن المقر يحلف على ما قال. قوله: (وإلا فإن عين المقر له أجودهما حلف، وإن قال لا أدري حلفا على نفي العلم، واشتركا) أي وإن لم يعين المقر أحدهما يؤمر المقر له بالتعيين فإن عين أجودهما حلف أنه له وإن عين الأدنى فلا يحلف، وإن قال المقر له: لا أدري أيهما لي حلفا أي المقر والمقر له علي نفي العلم، واشتركا في الثوبين. قوله: (والاستثناء هنا كغيره) أي والاستثناء في باب الإقرار كغيره من الأبواب وقد تقدم الاستثناء بشروطه في موضعه.

стр. 1279

قوله: (وصح له الدار والبيت لي) أي: وصح الإقرار بالدار واستثنى فيه البيت، إذ كأنه قال له: هذه الدار إلا البيت. قوله: (وبغير الجنس كألف إلا عبدا، وسقطت قيمته) أي: وصح الاستثناء في الإقرار بغير الجنس ثم مثل ذلك فقال: كألف إلا عبدا أي أقر له بألف إلا عبدا، وتسقط قيمة العبد من الألف، ويفهم من قوله: وسقطت أن الألف أكثر من قيمة العبد، إذ لو ساواه أو القيمة أكثر لبطل الإقرار والمفهوم صحيح. قوله: (وإن أبرأ فلانا مما له قبله، أو من كل حق، أو أبرأه برئ مطلقا. ومن القدف والسرقة) إلى آخره أي وإن قال: أبرءت فلانا مما لي قبله، أو قال: أبرأته من كل حق، أو قال: أبرأته، ولم يقل مما لي قبله، أو من كل حق، بل قال: أبرأته فقط، برئ فلان مطلقا من الديون والأمانات، ومن القذف، ومن غرم المسروق، وأما القطع فحق الله تعالى. قوله: (فلا تقبل دعواه وإن بصك إلا ببينة أنه بعده) أي فبسبب ذلك فلا تقبل دعوى بعد الإبراء وإن أتى بصك إلا أن تقوم بينة أن المدعى فيه بعد الإبراء. قوله: (وإن أبرأه مما معه برئ من الأمانة، لا الدين) أي وإن أبرأ فلانا مما معه برئ من الأمانة كالقراض والوديعة. ولا يبرأ من الدين الذي ثبت في ذمته. * * *

стр. 1280

فصل في [بيان أحكام] الاستلحاق قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل الاستلحاق ليس مما تقدم فنا سب الفصل وليس ببعيد منه فينا سب الباب. ولم يعرف الشيخ هذا الفصل كابن الحاجب وعرفه ابن عرفة فقال: الاستلحاق ادعاء المدعي أنه أب لغيره. وروى ابن القاسم عن ملك أن الاستحسان تسعة أعشار العلم، وأكثر هذا الفصل يحمل على الاستحسان، والاستحسان هو ترك الدليل للعرف والمصلحة، وترك الدليل للإجماع للصحابة، وترك الدليل لليسير. قوله: (إنما يستلحق الأب مجهول النسب) أي فلا يستلحق من الأقارب إلا الأب لا الأم اتفاقا والجد على المشهور، فلو قال: هذا ولد ولدي فلا يصدق، وأما إن قال له: هذا ولدي، فإنه يصدق. فلا يستلحق الأب إلا مجهول النسب سواء عرف له نكاح الأم، أو تقدم ملك أم لا عند ابن القاسم، لأن لحوق النسب ينفي كل تهمة. سحنون: لا يلحق به إن لم يتقدم له نكاح أو ملك يمين. إنما يصح الإستلحاق إن لم يكذب العقل المستلحق لصغره، كما إذا علم أن مثله لا يلده، بل كان مثله في السن، لأن العقل مانع أن يكون الولد كأبيه في السن، وأحرى إن كان أكبر منه أو كذبه العرف، كما إذا استلحق من قدم من بلد يعلم أن المستلحق لم يدخله، فإن استلحقه فلا يلحق به، وكذلك إن كذبه الشرع فلا يلحق به كما إذا استلحق مشهور النسب. قوله: (إن لم يكذبه العقل لصغره، أو العادة، إن لم يكن رقا لمكذبه، أو مولى) أي إنما يستلحق الأب مجهول النسب إن لم يكن مرقوقا لمن كذبه أو مولى له فإنه لا يلحق به، انظر هذا مع قوله: (لكنه يلحق به). وفي بعض النسخ: لكنه يلحق به أي في الصورتين ظاهره أنه يلحق به مع بقاء رق لمكذبه، وولائه. قال ابن غازي: وهذا لا يقوله ابن القاسم هنا، وإنما نسبه ابن يونس لأشهب فقال: قال أشهب يلحق به ويكون إبنا لهذا، ومولى لمن اعتقه أو عبدا لمن ملكه

стр. 1281

وإن أعتقه مولاه ورث أباه وورثه. انتهى منه (١). نعم قال ابن القاسم: نحو هذا في المدونة في المسألة الآتية بعدها فيمن ابتاع أمة فولدت عنده فادعاه البائع بعد عتق المبتاع الأم والولد، قال هناك: ألحقت به نسب الولد ولم أزل عن المبتاع ما ثبت له من ولائهما. قال أبو الحسن الصغير: الفرق بينهما أنه في الأولى لم يملك أمه فليس معه قرينة تصدقه بخلاف هذه. انتهى من ابن غازي أيضا (٢). قوله: (وفيها أيضا يصدق) أي وفي المدونة أيضا: يصدق في استلحاق الولد (وإن أعتقه مشتريه) وأحرى إن لم يعتقه. قوله: (إن لم يستدل على كذبه) أي إن لم يظهر كذب المستلحق، لأن كل مصدق مصدق ما لم يظهر كذبه. قول: (وإن كبر أو مات وورثه، إن ورثه ابن) أي يستلحق الأب مجهول النسب وإن كبر المستلحق أو مات وورثه الأب المستلحق، إن ورث المستلحق ابن، مفهومه إن ورثته بنت أو بنات فلا يرثه وهو كذلك. كبر الولد بكسر الباء، يكبر بضم الباء، كبر في السن، وفي التعظيم كبر بضم الباء ويكبر بفتحها. قوله: (أو باعه، ونقض ورجع بنفقته، إن لم تكن له خدمة على الأرجح) أي يستلحق الأب مجهول النسب وإن باعه ونقض فيه البيع، ويرجع المشتري بالنفقة على بائعه إن لم تكن للولد خدمة على ما اختاره ابن يونس، وقيل: لا يرجع بها مطلقا، وقيل: يرجع بها مطلقا. قوله: (وإن ادعى استيلادها بسابق، فقولان فيها) أي وإن ادعى البائع استيلاد الأمة بولد سابق فقولان في المدونة في تصديقه وعدم مصديقه. قوله: (وإن باعها فولدت فاستلحقه لحق ولم يصدق فيها، إن اتهم بمحبة، أو عدم ثمن، أو وجاهة) أي وإن باع الأمة فولدت عند المبتاع فاستلحق الولد لحق به، ولم يصدق في الأمة إن اتهم فيها بمحبة أو عدم ثمن مثلها أو وجاهة أي لها وجه عند الناس. قوله: (ورد ثمنها، ولحق به الولد مطلقا، وإن اشترى مستلحقه والملك لغيره عتق أي

стр. 1282

وحيث يصدق يرد ثمن الأمة ولحق به الولد مطلقا اتهم به أم لا. قال بن رشد الرجل مصدق في حمل أمته أنه منه وإن كان مستغرق الذمة بالدين، وأما إن قال: ولدت مني ولا ولد معها فلا يصدق وتباع للغرماء، إلا أن يكون ذلك قد سمع منه وفشا أو قاله قبل أن يتداين. ومن الاستغناء أن إقرار الرجل في جارية باعها أنها أم ولده وصدقه المبتاع، رجع عليه بالثمن والنفقة، وإن لم يصدقه وكان ممن يتهم على مثلها لم يصدق، إلا أن يسمع ذلك منه وفشا قبل البيع. صح من التاج وإلا كليل (١). قوله: وإن اشترى مستلحقه أي وإن استلحق ملكا لغيره فكذبه المالك ثم اشترى هو المستلحق عتق عليه لأنه مقر بأنه حر، ولكن الولاء للبايع. قوله: (كشاهد ردت شهادته) أي فإذا شهد رجل على آخر أنه أعتق عبده وردت شهاته فيه بمانع من موانع الشهادة ثم اشتراه بعد ذلك، فإنه يعتق عليه، لأنه معترف بحريته ولكن الولاء للبائع. قوله: (وإن استلحق غير ولد لم يرثه إن كان وارث، وإلا فخلاف) أي وإن استلحق رجل غير ولد لم يرثه إن لم يرثه ولد هكذا في النسخ وهو بخلاف المنصوص صوابه: إن يكن وارث أي لم يرثه إن يكن وارث وإلا فخلاف أي وإن لم يكن وارث فخلاف في الميراث سبب الخلاف هل بيت المال وارث فلا يرث أو هو جامع للأموال الضائعة فيرث. قوله: (وخصه المختار بما إذا لم يطل الإقرار) أي وخص اللخمي الخلاف بما إذا لم يطل الإقرار، وأما إن طال فلا خلاف أنه يرثه، والمختار هنا اسم فاعل، وما عداه في هذا المختصر اسم مفعول. قوله: (وإن قال لأولاد أمته: أحدهم ولدي عتق الأصغر، وثلثا الأوسط، وثلث الأكبر. وإن افترقت أمهاتهم فواحد بالقرعة) أي وإن قال لأولاد أمته الثلاث أحدهم ولدي ومات ولم يعين أيهم عتق الأصغر لأنه يعتق على كل وجه ويعتق ثلثا الوسط لأنه يعتق بوجهين وعتق ثلث الأكبر لأنه لا يعتق إلا في وجه واحد، وقيل يعتقون كلهم إذ لا يملك بالشك، وقيل لا يعتقون كلهم، لأن العتق لا يكون بالشك، وقيل لا يعتق إلا الأصغر، لأنه يعتق على كل وجه، وهذ الخلاف كله إنما هو في العتق، وأما

стр. 1283

الميراث فلا يكون لهم إذ لا ميراث بالشك، وهؤلاء أمهم واحدة، وأما إن افترقت أمهاتهم، فإنما يعتق واحد بالقرعة. قوله: (وإذا ولدت زوجة رجل وأمة آخر واختلطا عينته القافة، وعن ابن القاسم فيمن وجدت مع ابنتها أخرى لا تلحق به واحدة منهما) أي وإذا ولدت زوجة حرة لرجل، وولدت أمة أخرى واختلط الولدان، فإن القافة تعينه ويلحق الآخر بالآخر. وقوله: أمة أخرى احترز به مما إذا ولدت زوجة رجل وأمته فإن الولدين له. قوله: وعن ابن القاسم فيمن وجدت مع ابنتها أخرى لا تلحق به واحدة منهما وهذا يعارض ما قبله. فإن قلت: هل ينتفي ولد الحرة عن أبيه من غير لعان بين الزوجين، والمرأة تدعي أنه ولده. قلت: نعم، قال ابن القاسم: إذا تركت المرأة ابنتها ثم عادت لأخذها فوجدت معها أخرى ولم تعلم ابنتها بعينها، فلا يلحق بزوجها واحدة منهما. سحنون يدعى لها القافة. انتهى من درة الغواص لابن فرحون (١). وفي كتاب ابن ميسر (٢) فيمن قال لزوجته: إن ولدت جارية أغيب عنك غيبة بعيدة، فولدت جارية، فدفعتها للخادمة لترميها على باب قوم ففعلت، فلقيه الزوج حينئذ وحقق عليها فأخبرته، فردها لتأتي بالصبية فوجدت صبيتين، فأتت بهما، فأشكل على الأم أيتهما هي ابنتها، قال ابن القاسم: لا تلحق واحدة منهما، وقال سحنون: تدعى لهم القافة. ابن المواز: وبه أقول. وفي إكمال الإكمال قلت: قال تقي الدين اختلف قول السلف في القيافة، هل هي مختصة ببني مدلج (٣) أم لا؟. لأن المراعا فيها إنما هو إدراك الشبه وذلك غير

стр. 1284

خاص بهم، أو يقال إن لهم في ذلك قوة ليست لغيرهم. وكان يقال في علوم العرف ثلاثة: اللسياقة، والعيافة، واللقيافة. فالسياقة شم تراب الأرض ليعلم بها الاستقامة على الطريق، والخروج عنها. والعيافة زجر الطير، والطيرة والتفاؤل ونحو ذلك. والقيافة اعتبار الشبه في إلحاق النسب. المازري: أثبت العمل بالقافة الشافعي ونفاه أبو حنيفة. والمشهور عن مالك إثباته في الإماء دون الحرائر. وروى عنه ابن وهب إثباته في الحرائر. عياض: ولا خلاف عند القائلين بالقافة أنها إنما تكون فيما أشكل من فراشين ثابتين كأمة يطؤها المبتاع والمشتري في طهر واحد قبل الاستبراء من وطء البايع فتأتي بولد لأكثر من ستة أشهر من وطء المشتري، وأقل من أقصى الحمل من وطء البائع، فالمشتري وإن كان ممنوعا من الوطء، فله شبهة تسلط الملك وصحة العقد. ولهذا فرق مالك بين النكاح والملك في هذا إذ لا يصح عقد النكاح في العدة ويصح عقد المشتري في الاستبراء. ولم يعذر الناكح في العدة بالجهة والغفلة، لأنه يجب عليه أن يبحث في حجج العقد الصحيح والوطء فيه دون غيره. ورأى في القول الآخر أن الجهل بحكم النكاح في العدة والنسيان عذر يوجب الفراش حكما. واختلف إذا ألحقته القافة بالوطأين معا بمدعييه معا؛ سحنون يكون إبنا لهما. وقال عمر ومالك: يترك حتى يكبر فيوالي أيهما شاء. ابن مسلمة وابن الماجشون يلحق بأكثرهما شبها (١). قوله: (وإنما تعتمد القافة على أب) حي أو ميت (لم يدفن) بعد على المشهور، ويكتفى بقائف واحد، وكذلك الترجمان، ويقبل قول القائف العدل عند مالك وابن القاسم، وروي عن مالك وابن القاسم أيضا أنه لا بد من اثنين وبه قال سحنون، لأنه يلحق به نسبا وينتظر أبدا حتى يضم إليه آخر، قال الباجي: وعلى القول الأول، فيقبل فيه قول العبد والمرأة. قال: وهو الأظهر، والقول الثاني مبني على أنه شهادة. انتهى من ابن فرحون (٢). قوله: (وإن أقر عدلان بثالث ثبت النسب) أي وإن أقر وارثان عدلان أو ثلاث أو أربع بوارث آخر ثبت نسبه، وهذا من باب الشهادة لا من باب الإقرار، لأن الإقرار لا يكون على الغير.

стр. 1285

قوله: (وعدل يحلف معه ويرث، ولا نسب) أي وإن أقر عدل واحد بوارث يحلف المقر له مع شاهده المقر به ويرث المال، لأن المال يثبت بشاهد ويمين، ولا يثبت له النسب، لأن النسب لا يثبت إلا بعدلين. قوله: (وإلا فحصة المقر) أي وإن أقر غير عدلان أو عدل واحد بوارث، فإن حصة المقر تلزمه كالشاهد بالمال. وقوله: (كالمال) أتى به تقوية، وقد تقدم في باب الشركة إذا أقر أحدهما بعد تفرق أو موت بدين فهو شاهد في غير نصيبه. قوله: (وهذا أخي بل هذا؛ فللأول نصف إرث أبيه، وللثاني نصف ما بقي) أي وإن قال وارث: هذا أخي، ثم قال: لا، بل هذا فللمقر به الأول نصف إرث أبيه، وللمقر الثاني نصف ما بقي، وقيل: له جميع ما بقي لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء. قوله: (وإن ترك أما وأخا، فأقرت بأخ فله منها السدس) أي وإن ترك الميت أما وأخا فأقرت الأم بأخ، فللمقر به من الأم سدس، ولو كان الأخ هو الذي أقر بالأخ فللأم الثلث، وللمقر به نسبته فيما بقي بعد السدس. قوله: (وإن أقر ميت بأن فلانة جاريته ولدت منه فلانة ولها ابنتان أيضا ونسيتها الورثة والبينة، فإن أقر بذلك الورثة فهن أحرار ولهن ميراث بنت، وإلا لم يعتق شيء) أي وإن قال ميت أن فلانة جاريته ولدت منه فلانة وللجارية ابنتان غيرها ونسيت الورثة عينها والبينة، فإن أقر الورثة بذلك أي بإقرار أبيهم فالبنات الثلاث أحرار، ولهن ميراث بنت واحدة، ولا يقال: لا ميراث بالشك، إذ ليس هنا شك في الميراث، وإنما هو شك في مستحقه، ولا يضر، وإن لم يقر الورثة بذلك الإقرار لم يعتق منهن شيء، إذ لا عتق بالشك. قوله: (وإن استلحق ولدا ثم أنكره، ثم مات الولد فلا يرثه، ووقف ماله، فإن مات فلورثته وقضي به دينه، وإن قام غرماؤه وهو حي أخذوه) أي وإن استلحق الأب ولدا ثم أنكره بعد ذلك ثم مات الولد المستلحق فلا يرثه الأب المنكر، ولكن يوقف مال الولد الميت، فإن مات الأب يأخذه ورثته، إذ وقف ذلك الميراث إنما يضر الأب المنكر لا ورثته، ويقضى به دين الأب إن مات وإن قام عليه غرماؤه وهو حي أخذوه.

стр. 1286

باب [في بيان أحكام الوديعة ومتعلقاتها] قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الوديعة وحقيقتها استنابة في حفظ المال، وهي عقد أمانة، وهو جائز من الجهتين، ولا يشترط في المودع والمودع إلا ما يشترط في الوكيل والموكل. الوديعة من الترك، والأصل في هذا الباب عدم الضمان، وقد يعرض ما يوجبه، وقد يجب قبول الوديعة، كما إذا لم يكن هناك أمين غيره، وقد يحرم قبولها كما إذا كانت من مستغرق الذمة بالحرام، إن لم يقدر على ردها لأربابها إن عرفهم، أو التصدق بها على أهلها، إن لم يعرفوا، وقد يستحب قبولها. قوله: (الإيداع توكيل) فلما قال، توكيل أشمل وفصل بقوله: (بحفظ مال) لأنه لو ترك عنده ولده لا يسمى ذلك وديعة، وكذلك لو وضع عنده جارية المواضعة لست بوديعة، وإنما هو مخبر باستبرائها. قوله: (تضمن بسقوط شيء عليها) أي فضمن المودع بسقوط شيء من يده على الوديعة فأتلفها، لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء. قوله: (لا إن انكسرت في نقل مثلها) أي فلا يضمن إذا نقل الوديعة مثل نقل مثلها، لأنه مأذون له في ذلك، فلو لم ينقلها نقل مثلها لضمنها. قوله: (وبخلطها، إلا كقمح بمثله، أو دراهم بدنانين) أي ويضمن المودع، إذا خلط الوديعة بغيرها، إلا أن يكون الخلط كقمح بمثله في الصفة والجنس، فإنه لا يضمن، وكذلك إذا خلط دراهم مع دنانير فلا يضمر لأنها تتميز. قوله: (للإحران، ثم إن تلف بعضه فبينكما، إلا أن يتميز) أي عدم الضمان بالخلط مقيد بالإحراز، مفهومه أنه إن خلطها بغير إحراز ضمن، والمفهوم صحيح، ثم إن تلف بعض المخلوط حيث جاز الخلط، فالتالف بين المودع والمودع، إلا أن يتميز التالف، فتكون مصيبتها لربها. قوله: (وبانتفاعه بها) أي وضمن المودع بانتفاعه بها أي بالوديعة باللباس، أو الركوب فهلك بسبب ذلك. قوله: (أو سفره: إن قدر على أمين) أي ويضمن الوديعة، إن سافر بها، إن قدر على أمين يتركها عنده، ولو دونه في الأمانة، مفهومه إن لم يقدر على أمين، فإنه يسافر بها

стр. 1287

لأن الإيداع لغير الأمين هو عين التضييع، والمفهوم صحيح، ولا يقال يدفنها في الأرض، إذا كانت مما لا يضره الدفن، لأنه إن دفنها، وأشهد على الدفن كأنه أو دعها، وإن لم يشهد فقد عرضها للتلف. قوله: (إلا أن ترد سالمة) أي فيضمن بالإنتفاع بها، أو بالسفر بها، إلا أن ترد من الانتفاع أو بالسفر بها سالمة، فإنه لا يضمن. قوله: (وحرم سلف مقوم ومعدم، وكره النقد والمثلي كالتجارة، والربح له) أي وحرم سلف وديعة مقوم، وإن كان مليا بقضاء مثلها، وكذلك يحرم سلف وديعة لمعدم بمثلها، وإن كانت مثليا، وكذلك إن ساواها ماله، لأن قضاء مثلها يعسر عليه، وأما سلف النقد فمكروه، فإن وقع ونزل وتسلفه واتجر به فإن الربح له بخلاف المبضع، فإن الربح لرب المال، لأنه أمر بتنميته لا ليتركها عنده. قوله: والمثلي من باب عطف العام على الخاص. قوله: (وبرئ، إن رد غير المحرم إلا بإذن، أو يقول: إن احتجت فخذ) أي وبرئ المتسلف للوديعة غير المحرم سلفه إن ادعى ردها، إلا بإذن من ربها بالسلف، فلا يبرأ إن ادعى ردها، لأنه قد ثبت في ذمته فتسلفه، وكذلك لا يبرأ إن قال: إن احتجت إليها فخذ لانه إذن مقيد بالاحتياج، والأول إذن مطلق. قوله: (وضمن المأخوذ فقط) أي وعند الشارح، فإن تسلف بعض الوديعة وتلف باقيها، إنما يضمن ما أخذ فقط جعلها مسألة مستقلة، وهي عند البساطي تتمة للمسألة التي تقدمت الآن في الإذن بالسلف. قوله: (أو بقفل بنهي، أو بوضع بنحاس في أمره بفخار) أي ويضمن المودع بوضع قفل على وديعة نهاه ربها عن القفل عليها، لأن السارق إذا رءا القفل عليها طمع أن تحته شيء، وأما إن لم ينهه عن القفل عليها، فقفل المودع عليها، فإنه لا يضمن لأن العرف أذن له، وكذلك يضمن إن أمره ربها بوضعها في فخار، فوضعها في وعاء نحاس، لأن السارق يطمع في النحاس. قوله: (لا إن زاد قفلا) أي لا يضمن المودع الوديعة المقفول عليها، إن زاد عليها قفلا آخر، وقيل: يضمن. قوله: (أو عكس في الفخار، أو أمر بربط بكم فأخذها باليد) أي وإذا أمره ربها بوضعها في نحاس، فوضعها في فخار، فلا يضمن، وكذلك لا يضمن إن أمره ربها أن يربطها في كمه، فجعلها في يده لأن اليد أحفظ مما في الكم، فلا يضمن إلا أن

стр. 1288

يريد ربها إخفاءها عن الناس، فإنه يضمن لمخالفته أمره. قوله: (كجيبه على المختار) أي وكما لا يضمن إن أمره بربطها في الكم، فخالف وعملها في جيبه، لأنه أقرب، لا سيما جيب أهل المغرب على ما اختاره اللخمي. قوله: (وبنسيانها في موضع إيداعها، وبدخوله الحمام بها، وبخروجه بها يظنها له) أي ويضمن الوديعة إذا نسيها في موضع إيداعها إياه، إلا أن تكون الوديعة مما يوضع في الأرض فلا يضمنها، وكذلك لا يضمنها إن وضعها على نعله، فقام ونسيها، وكذلك يضمنها إذا دخل به الحمام فتلفت، وفي ضمان الغريب وعدمه إن دخل به الحمام فتلفت خلاف. وكذلك يضمن الوديعة إن خرج بها ظانا أنها له، وأحرى إن لم يعلم. والعمد والخطأ في أموال الناس سواء. قوله: (فتلفت) راجع إلى المسائل الثلاثة. قوله: (لا إن نسيها في كمه فوقعت، ولا إن شرط عليه الضمان) أي فلا يضمن إذا أمره ربها بوضعها في الكم ووضعها فيه ونسي، فوقعت من كمه، لأنه ليس عليه أكثر مما صنع. وكذلك لا ضمان عليه، إن شرط عليه ربها عليه الضمان، إذا تلفت، لأن الشرط لا يغير ما ثبت بالحكم. قوله: (وبإيداعها وإن بسفر) أي ويضمن الوديعة إن أودعها لغيره، وإن كان في سفر، ولو لمن هو أكثر منه أمانة. وقوله: وإن بسفر تأكيد في الضمان، يريد إلا لعذر كما إذا أودعها لمن له جاه عند الخوف، أو لمن يهرب بها، وكذلك إن طرحها عند الخوف ليرجع إليها إذا زال الخوف، فرجع فلم يجدها فلا ضمان. قوله: (لغير زوجة وأمة اعتيدا بذلك) أي وضمن المودع بإيداع الوديعة لغير زوجته وأمته، أو عبده أو أجيره، إذا اعتيد الإيداع لهم، مفهومه إن لم يكن ذلك عادة فإنه يضمن، والمفهوم صحيح، وأما إن أودعت الزوجة لزوجها فإنها تضمن. قوله: (إلا لعورة حدثت، أو لسفر عند عجز الرد، وإن أودع بسفر) أي ويضمن بالإيداع، إلا لأجل عورة حدثت، وإن لم تكن حادثة فلا يودع، لأن ربها دخل على ذلك، وكذلك لأجل سفر عند عجز ردها لصاحبها بأن كان غائبا فلا يضمن، وإن أودع المودع في سفر تأكيد في نفي الضمان عنه. قوله: (ووجب الإشهاد) أي وجب على الذي في يده الوديعة الإشهاد (بالعذر) الذي يوجب الإيداع، ولا يجب عليه الإشهاد بالإيداع.

стр. 1289

قوله: (وبرئ إن رجعت سالمة، وعليه استرجاعها إن نوى الإياب) أي وبرئ المودع إن رجعت الوديعة في تعديه بإيداعها أو السفر بها سالمة كما كانت أولا، وليس بتكرار مع قوله: إلا أن ترد سالمة، لأن هذه رجعت من الإيداع، وتلك من الانتفاع، ووجب على المودع استرجاع الوديعة إن نوى الإياب حين الإيداع، وإن لم ينو الإياب حينئذ فله استرجاعها وله الترك، والمستحب الاسترجاع. قوله: (وببعثه بها) أي وضمن المودع الوديعة، إذا بعث بها إلى ربها، إلا إن حدثت له إقامة أو انتقال من بلد إلى آخر. قوله: (وبإنزائه عليها فمتن، وإن من الولادة) أي وضمن المودع الوديعة إذ أنزى عليهن الفحل بغير إذن من ربها فمتن، وإن كان الموت بسبب الولادة، وأحرى تحت الفحل لو قال الشيخ ولو من الولادة ليشير إلى قول مالك الله لكان أولى، لأنه قال: إن متن من الولادة فلا يضمن. قوله: (كأمة زوجها فماتت من الولادة) أي كما يضمن الأمة المودعة، إن زوجها فماتت من الولادة لتعديه. لوقال الشيخ: كأمة زوجها فماتت، ولم يقل من الولادة لكان أولى، إذ لا فرق بين الموت من الولادة وغيرها. قوله: (وبجعدها ثم في قبول بينة الرد خلاف) أي وضمن المودع الوديعة، إن جحدها فتلفت ثم أقر بها، أو ثبتت ببينة، وكذلك إن جحدها وقامت عليها البينة، ثم قام هو ببينة على أنه ردها لربها، هل تقبل بينته؟ أولا تقبل، لأنه أكذبها حين جحد، والجاحد كالغاصب، ولأن مضمن الإقرار كالإقرار. قوله: (وبموته ولم يوص) أي وضمن المودع الوديعة بسبب موته ولم يوص بها ولم توجد) في تركته، لاحتمال أنه تسلفها أو أتلفها، أو تلفت من تفريطه، والمسألة مشكلة، لأن الأصل عدم الضمان، وأما إن أوصى بالتلف فواضح، وكذلك إن قال: فهي مدفونة في موضع كذا، ولم توجد فيه، فلا يضمن، وإن أوصى بردها ففيه تفصيل، إما بإشهاد فيضمنها، وإن لم تكن باشهاد فإنه لا يضمن، لأن الأصل عدم الضمان. قوله: (إلا لكعشر سنين) أي عشر سنين من الإيداع، فإنه يحمل على الرد، هذا إذا ثبتت الوديعة بإقرار، وأما إن ثبتت ببينة، فإنه يضمن وإن طال السنون. قوله: (وأخذها، إن ثبت بكتابة عليها أنها له أن ذلك خطه، أو خط الميت) أي وأخذ المودع وديعته بسبب كتابة عليها أنها له، إن ثبتت ببينة أن ذلك الكتابة خطه أو خط

стр. 1290

الميت. قوله: (وبسعيه بها لمصادر) أي وضمن المودع الوديعة التي في يده إن مشى بالوديعة إلى ظالم. انتهى. ابن عبد السلام: ومشى بها إلى ظالم، وإذا قيل فيمن دل غاصبا على مال رجل فغصبه أنه ضامن، فأحرى هنا؛ لأن ذلك لم يلتزم حفظ المال بخلاف المودع. انتهى. ابن عرفة: قول ابن الحاجب وابن شاس: لو سعى بها إلى مصادر ضمنها، واضح لتسببه في تلفها، ولا أعلم نص المسألة، إلا في وجيز الغزالي. إنتهى من ابن غازي (١). قوله: (وبموت المرسل معه لبلد، إن لم يصل إليه، وبكلبس الثوب، وركوب الدابة) أي وضمن المودع الوديعة إن أرسلها إلى ربها، فمات الرسول قبل وصول المكان الذي أرسل إليه، لأنه محمول على التعدي، وأما إن وصل الرسول إلى ذلك البلد، فإنه يحمل على الرد. قوله: وبكلبس الثوب وركوب الدابة، وهذا تكرار مع قوله: وبانتفاعه بها. قوله: (والقول له أنه ردها سالمة، إن أقر بالفعل) أي والقول للمودع أنه رد الوديعة لربها سالمة إن أقر بالفعل، وأما إن شهدت عليه البينة بذلك الفعل فلا يبرأ من الضمان، إلا بقيام بينة أنه ردها سالمة. قال بن فرحون: وإذا ادعى المودع رد الوديعة، فالقول قوله مع يمينه وهو مدع، وإنما ترجح قوله، لأنه استأمنه والأمين مصدق. انتهى منه (٢). قوله: (وإن أكراها لمكة ورجعت بحالها، إلا أنه حبسها عن أسواقها فلك قيمتها يوم كرائه. ولا كراء، أو أخذه وأخذها) أي وإن أكرى المودع الوديعة إلى مكة مثلا ورجعت بحالها، إلا أنه حبسها عن أسواقها، فالمالك مخير في أخذ القيمة منه يوم أكراها، لأنه يوم التعدي، ولا كراء للمالك، أو أخذ كرائها منه والدابة. قوله: (وبدفعها مدعيا أنك أمرته به، وحلفت وإلا حلف وبرئ) أي وضمن المودع الوديعة بدفعها لغير ربها في حال كونه مدعيا أنك يا رب الوديعة أمرته بدفعها،

стр. 1291

وتحلف أنك ما أمرته، وإن نكلت عن اليمين حلف المودع أنك أمرته بالدفع وبرئ من ضمانها. قوله: (إلا ببينة على الآمر) أي فلا يضمن وهذا لا يخفى. قوله: (ورجع على القابض) أي فإذا ضمن المودع الوديعة التي ادعى الإذن في دفعها، فإنه يرجع على قابضها منه، وإن أقر أن المالك لها أمره بدفعها، فلا يضر ذلك الإقرار، بل يرجع على القابض منه، لأن الغرم من سببه انظر لم يرجع عليه، وقد أقر أنه أمره بالدفع وسيأتي بعد من اشترى سلعة يعلم أنها لبائعها ثم استحقت أنه لا يرجع على البائع لعلمه أنها له. قوله: (وإن بعثت إليه بمال، فقال: تصدقت به علي وأنكرت: فالرسول شاهد) أي قراضا كان أو وديعة، فقال المبعوث إليه: إنما تصدقت بذلك ضمان علي فأنكرت أيه الباعث، فالرسول شاهد، إن شهد له يحلف معه، إن كان عدلا، ويستحق ذلك بما ادعاه، وغير العدل كالعدم. قوله: (وهل مطلقا؟ أو إن كان المال بيده؟ تأويلان) أي وهل الرسول شاهد مطلقا كان ذلك المال قائما بيد المبعوث إليه أو فائتا، كان الرسول عديما أم لا، أو إنما يكون شاهدا، إذا كان المال بيد المبعوث إليه، أو لم يكن وكان مليا، وإن كان غير ملي فالرسول شاهد على فعل نفسه، فلا يعمل بها فيه تأويلان. مسألة: وفي أحكام بن سهل: قال في كتاب الوديعة في سماع يحيى من قول ابن وهب فيمن أودع رجلا دنانير، وعهد إليه فيها ألا يدفعها إلا لمن أتى بأمارة أعلمه بها لم يطلع عليها غيره، فأتى رجل بتلك الأمارة فدفع إليه المال، ومات المودع رب المال، فقال ورثته للمودع: ما صنعت بالمال؟ فقال: صنعت به الذي أمرني به أبوكم: أنه يحلف لقد فعل به الذي أمره به في المال، ولم يعتده إلى غيره ويبرأ. قال يحيى: وسألت عنه ابن القاسم، فقال مثله، والمعنى أنهم صدقوه في الأمارة، وأن أباهم أمره بذلك. وأما لو كذبوه في دعواه كلها وطلبوا المال فذلك لهم. انتهى من ابن فرحون (١). ومن عليه حق، أو بيده وديعة، أو عارية فجاءه رجل فقال: وكلني رب الحق على

стр. 1292

قبضه، فصدقه من كان ذلك بيده، فالذي يظهر أنه لا يجبر على الدفع، ولست أعرفها منصوصة لنا وبه قال الشافعي ﵁. برزلي. ولا يدفع الوديعة بكتاب المودع، وإن عرف خطه، فإن فعل ضمن. مسألة: ومن كتاب ابن حبيب قال أصبغ: إذا وجد في ديوان القاضي بعد موته أو عزله أن عند فلان بن فلان من الأموال التي عندنا، أو قال: من مال فلان اليتيم كذا وكذا دينارا، وأنكر الأمين، فإنه يحلف ويبر، أو يضمن القاضي ذلك المال حيا أو ميتا لأنه فرط حين لم يشهد عليه. انتهى من ابن فرحون (١). قال أصبغ: وإذا بعث قاض إلى قاض بمال فعلى الرسول أن يشهد بإيصاله، وإلا ضمن إن جحد المبعوث إليه قبضه أو مات أو عزل، فلم يعرف للمال موضع، إلا أن يوجد في ديوان الميت ذكره: إنا قبضنا من فلان كذا وكذا دينارا، قدم بها علينا من عند قاضي بلد كذا، وهي لورثة فلان، فيبرأ الرسول بهذا، وإن لم يوجد المال، ولا عرف له موضع، فلا يضمنه القاضي حيا كان أو ميتا، إذا قال في حال حياته: قد ضاع، أو جهلنا موضعه. وقال ابن القاسم من رواية عيسى: وإذا دفع القاضي مالا إلى رجل، وأمره أن يدفعه إلى فلان، فقال المبعوث معه المال: قد دفعته إلى الذي أمرتني بدفعه إليه، وأنكر المبعوث إليه، فإن قامت له البينة على دفعه إليه وإلا ضمن. انتهى من ابن فرحون (٢). قوله: (وبدعوى الرد على وارثك، أو المرسل إليه المنكر) أي وضمن المودع بدعوى الرد للوديعة على وارثك أيها المودع، أو ادعى الرد على المرسل إليه المنكر لدعواه، لأن من دفع إلى غير اليد التي دفعت إليه، فعليه البينة، وإلا ضمن، إلا أن تكون العادة عدم الإشهاد، أو ممن لا يشهد عليه كسلطان، أو زوجة، أو شرط الدفع بلا بينة فلا يضمن. قوله: (كعليك؛ إن كانت له بينة به مقصودة) أي كما يضمن الوديعة إن ادعى ردها عليك أيه المودع، إن كان للإيداع بينة مقصودة توثقا، وأما البينة غير مقصودة فلا فائدة.

стр. 1293

قوله: (لا بدعوى التلف، أو عدم العلم بالتلف أو الضياع، وحلف المتهم ولم يفده شرط نفيها، فإن نكل حلفت) أي لا يضمن الوديعة إن ادعى تلفها قبضها ببينة أم لا، وكذلك لا يضمن إن ادعى عدم العلم بالرد إذا كانت الوديعة بغير إشهاد، وكذلك لا يضمن إن ادعى عدم العلم بوقت الضياع، ويحلف المتهم بالخيانة، وأما غير المتهم فلا يحلف في دعوى التلف، وأما دعوى الرد فلا بد من اليمين، لأن رب الوديعة يدعي التحقيق، وهو عدم الرد، ولم يفد المتهم شرط نفي اليمين، لأنه أسقط حقا قبل وجوبه، فإن نكل المتهم حلفت يا رب الوديعة، فإن نكلت فلا شيء لك لأن النكول بالنكول تصديق للناكل الأول. انظر يمين رب الوديعة هنا، إذا نكل المتهم، لأن أيمان التهمة لا ترد على المشهور. قوله: (ولا إن شرط الدفع للمرسل إليه بلا بينة) أي ولا يضمن المودع الوديعة، إن شرط على ربها عدم الإشهاد عند الدفع للمرسل إليه، إن ثبت الشرط، وإلا ضمن إن أنكر المرسل إليه. وعن ابن القاسم: من بعث مع رجلين مالا يدفعا نه لرجل وقال: لا أشهد على الدفع غير كما ففعلا فشهادتهما ساقطة لدفع المعرة عنهما، ولا يضمنان لأنهما مأموران لذلك. انتهى من جامع شيخنا محمود بن عمر من البرزلي (١). قوله: (وبقوله تلفت قبل أن تلقاني، بعد منعه دفعها: كقوله بعده بلا عذر) أي وضمن الوديعة، إذا طلبها منه ربها، فمنعه منها ثم قال: تلفت قبل أن تلقاني، لأنه كذب نفسه، كما يضمن إن منعها منه بلا عذر ثم قال: ضاعت بعد أن ألقاك، وأما إن منعها بالعذر فلا ضمان عليه. قوله: (لا إن قال: لا أدري متى تلفت) والمسألة بحالها أي إن منعها منه، ثم قال: لا أدري متى تلفت فلا يضمن، لأن الأصل عدم الضمان، وكذلك الراعي إذا تعدى وولى عن رعيته، ثم رجع إليها فذهب منها شيء، ولا يعرف وقت الذهاب، هل وقت التعدي؟ أم لا، فلا يضمن، لأن الأصل عدم الضمان. انتهى. قوله: (وبمنعها حتى يأتي الحاكم إن لم تكن بينة) أي وضمن الوديعة بمنعها من ربها حتى يأتي إلى الحاكم، لأن إمساكها عن ربها ظلم، إن لم تكن للوديعة، وأما إن كانت بينة فلا يضمنها، لأنه حينئذ معذور، وهو قول ابن القاسم. الظاهر نصب

стр. 1294

الحاكم على المفعولية، وجوز في التوضيح رفعه على الفاعلية. قال: كما في بعض القرى أن الحاكم يأتي إليها. قوله: (لا إن قال: ضاعت منذ سنين وكنت أرجوها. ولو حضر صاحبها كالقراض) أي ولا يضمن الوديعة، إن قال ضاعت منذ سنين، وكنت أرجوا وجودها، ولو كان ربها حاضرا، وأحرى إن كان غائبا، وكذلك لا يضمن القراض، إذا قال: ضاع منذ سنين. قوله: (وليس له الأخذ منها لمن ظلمه بمثلها) أي وليس للمودع الأخذ من الوديعة، لكونها لمن ظلمه بمثل الوديعة من غصب، أو جحد دين أو غير ذلك، لأنه صلى الله قال: «أدي الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» (١)، وهذا هو المشهور، وقيل: جائز، وقيل: مندوب، وقيل مكروه، وقيل: مباح، وهذه الأقوال كلها إذا لم يكن عليه دين، وأما إن كان عليه دين فلا يأخذ منها إلا قدر ما يجب له بالمحاصة. قال أبو الوليد والأظهر إباحة الأخذ، واستدل له بحديث هند بنت عتبة في قوله ﷺ : «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (٢). قوله: (ولا أجرة حفظها، بخلاف محلها) أي وليس للمودع أجرة حفظ الوديعة، إلا أن تكون العادة، بخلاف أجرة محل الوديعة، فإنها تكون له إذا كان عادة. قوله: (ولكل تركها) أي ولكل من المودع والمودع ترك الوديعة متى شاء، إلا أن تكون بإجارة فكالإجارة. قال ابن غازي: قال بن عرفة هي من حيث ذاتها للفاعل والقابل مباحة، وقد يعرض وجوبها كخائف فقدها الموجب هلاكه أو فقره إن لم يودعها مع وجود قابل لها يقدر على حفظها، وحرمتها كمودع شيء غصبه ولا يقدر القابل على جحده ليرده لربه أو للفقراء إن كان المودع مستغرق الذمة؛ ولذا ذكر عياض في مداركه عن بعض الشيوخ: أن من قبل وديعة من مستغرق ذمة ثم ردها إليه ضمنها للفقراء. زاد في نوازل البرزلي: ولم تجر عادة فقهاء تونس بقبول ودائع الظلمة، ثم قال بن عرفة وقد يعرض ندبها حيث يخشى ما يوجبها دون تحققه، وكراهتها حيث

стр. 1295

يخشى ما يحرمها دون تحققه (١). مسألة: وإذا كان بيد المفقود ودائع فلا يحكم لصاحبها بها حتى يحكم بموته، بخلاف الدين في الذمة، لاحتمال لو حضر لا دعى الضياع والخسارة في القراض. قوله: (وإن أودع صبيا، أو سفيها، أو أقرضه أو باعه فأتلف لم يضمن وإن بإذن أهله، وتعلقت بذمة المأذون عاجلا وبذمة غيره إذا عتق، إن لم يسقطه السيد) أي وإن أودع إنسان صبيا أو سفيها، وإن شيخا أو أقرضه، أو باعه فأتلف ذلك، لم يضمن، لأن صاحب الشيء هو الذي سلطه عليه، وهو محجور، ولو ضمن المحجور لما كان للحجر فائدة، إلا أن يكون المحجوز جعل ذلك في نفقته وكسوته فإنه يضمنه، لأنه صان به ماله، فإن فوت العبد المأذون له في التجارة الوديعة، تعلقت بذمته عاجلا، وبذمة غير المأذون إن عتق، إلا أن يسقطه السيد عنه فيسقط، والعبد المأذون له لا يتوكل أي لا يكون وكيلا ويقبل الودائع. قوله: (وإن قال: هي لأحدكما ونسيته تحالفا، وقسمت بينهما) أي وإن قال الذي في يده الوديعة لأحدكما ونسيت أيكما هو، قسمت بينهما بعد أيمانهما، وإن نكل أحدهما انفرد به الحالف ولا ضمان عليه، وقيل: يغرم لكل واحد منهما ما ادعاه لنسيانه، فلو كانت الوديعة مائة وخمسين فادعى كل واحد منهما المائة قسمت بينهما وتبقى الخمسين بلا مالك، وتجعل في مصالح المسلمين. قوله: (وإن أودع اثنين جعلت بيد الأعدل) أي وإن أودع إنسان وديعة لاثنين، جعلت بيد الأعدل منهما، وإن كانا عدلين أقرع إذ لا مرجح. * * *

стр. 1296

باب [في بيان أحكام العارية] قوله: (باب) أي باب يذكر فيه مسائل العرية. العارية من أخلاق المؤمنين، وهي من حيث الجملة مندوبة، ومن حيث التفصيل قد تكون واجبة، كما إذا خاف عليه الموت، إذا لم يعره، وقد تكون حراما كما إذا كان المستعير يستعملها في حرام، وقد تكره إذا كان يستعملها في مكروه، وقد تكون مباحة إذا كان المستعير غنيا. وللعارية أربعة أركان المعير وبه بدأ. والمستعير وبه ثنى والمستعار وبه ثلث. والرابع الصيغة وبها ربع. الركن الأول: وهو المعير، لا يعتبر فيه إلا كونه مالكا للمنفعة، غير محجور عليه في التبرع، فإن العارية تبرع بالمنافع، فتصح من المستعير والمستأجر. الركن الثاني: وهو المستعير، ولا يعتبر فيه إلا كونه أهلا للتبرع عليه. الركن الثالث: المستعار وله شرطان: الأول: أن يكون منتفعا به مع بقائه، فلا معنى لإعارة الأطعمة وغيرها من المكيلات والموزونات، وإنما يكون قرضا، لأنها لا تراد إلا لاستهلاك أعيانها. وكذلك الدنانير والدراهم إذا أخذت ليتصرف فيها. قال أبو الحسن اللخمي: ولو استعيرت لتبقى أعيانها، كالصيرفي يجعلها بين يديه ليرى أنه ذو مال فيقصده البائع والمشتري، أو الرجل يكون عليه دين فيقل ما في يديه فيستعيرها لذلك. قال: فهذه تضمن إذا لم تقم البينة على تلفها، ولا تضمن مع الشهادة على ذهابها (١). الشرط الثاني: أن يكون الانتفاع مباحا، فلا تستعار الجواري للاستمتاع. ولا يعار العبد المسلم من الكافر. الركن الرابع ما به تكون الإعارة من قول أو فعل. وهو كل ما كان من ذلك يدل على تمليك المنفعة بغير عوض. انتهى من ابن شاس (٢).

стр. 1297

قوله: (صح وندب إعارة مالك منفعة بلا حجر) أي ولم يستغن الشيخ عن قوله: صح بندب، لأن كل مندوب صحيح، وليس كل صحيح مندوب أي وصح إعارة مالك منفعة بملك أو إجارة، أو حبس، غير محجور عليه، إذ المحجور لا تبرع له، والعارية من التبرع. قوله: (وإن مستعيرا) أي وتصح إعارة مالك منفعة وإن كان مستعيرا. قوله: (لا مالك انتفاع) أي ليس لمالك انتفاع العرية كسكني الرباط، والجلوس في المسجد، أو السوق، أو الطرق. قوله: (من أهل التبرع عليه) أي وشرط المستعير أن يكون أهلا للتبرع عليه بالمستعار بخصوصيته، فلذلك لا يعار عبد مسلم لذمي، وأحرى المعاهد والحربي أحرى. قوله: (عينا) أي وشرط المستعار أن يكون عينا أي ذاتا ينتفع بها ويبقى قائما. غفل الشارح هنا نعم الله. قوله: (لمنفعة) أي لأجل منفعة، فلا يصح إعارة ما لا منفعة فيه. قوله: (مباحة، لا كذمي مسلما، وجارية لوطء) أي لا يصح إعادة منفعة غير مباحة، فلذلك لا يصح إعارة ذمي مسلما، أو مصحفا، أو جارية لوطئ. لو قال الشيخ: وجارية للاستمتاع لأنه أعم. قوله: (أو خدمة لغير محرم، أو لمن تعتق عليه، وهي لها) أي ولا تصح عارية جارية لخدمة لغير المحرم، لأن ذلك يؤدي إلى الخلوة معها، وكذلك لا تجوز إعارة خادم لمن يعتق عليه، لأنه كما يحرم عليه ملك الرقبة يحرم عليه ملك المنفعة، فإن وفع ونزل فالخدمة للجارية مدة العارية. قوله: (والأطعمة والنقود قرض) أي وإن أعاره الأطعمة والنقود، فإنه يكون قرضا، إذ لا تراد إلا لاستهلاك أعيانها. قوله: (بما يدل) هذا هو الركن الرابع، وهو الصيغة، وهي كل ما يدل على العارية من قول أو فعل أو إشارة. قوله: (وجاز أعني بغلامك لأعينك إجارة) أي وجاز أن يقول له: أعني بغلامك أو ثورك اليوم أو اليومين أو الثلاثة لا عينك بغلامي أوثوري، فليس هذا بإعارة، بل يرجع إلى حكم الإجارة، أجازه ابن القاسم ورآه من الرفق.

стр. 1298

قوله: (وضمن المغيب عليه، إلا لبينة) لما فرغ من أركان العارية شرع الله فيما يضمن المستعير منها، وما لا يضمنه. أحكام العارية أربعة: الأول في ضمان المستعير ما يغاب عليه، ولا يقبل قول المستعير في هلاكه ما لم تقم ببينة، فإن قامت فلا ضمان عليه، لأن ضمانه ضمان تهمة، فإذا قامت البينة ارتفعت التهمة، يريد ويحلف إذ لعله أخفاه ويغرمه ليملكه بعد. قوله: (وهل، وإن شرط نفيه؟ تردد) أي وهل يضمن المستعير ما يغاب عليه، وإن شرط نفي الضمان، لأن الشرط لا يغير ما ثبت بالحكم، أو لا يضمن إن شرط نفي الضمان لأنه إحسان على إحسان، في ذلك تردد الأشياخ في الفهم. سبب الخلاف من أسقط حقا قبل وجوبه، هل يسقط؟ أم لا، فالمشهور أن الشرط لا يغير ما ثبت بالحكم. قوله: (لا غيره، ولو بشرط) أي لا يضمن ما لا يغاب عليه، ولو بشرط الضمان عليه، لأن الشرط لا يغير ما ثبت بالحكم، فيقبل قول المستعير في هلاكه ما لم يظهر كذبه، وإن لم يعلم ذلك إلا بقوله، وإن كان ما لا يغاب عليه عبدا، فلا يضمن ما عليه، لأنه أحرز ما عليه. قوله: (وحلف فيما علم أنه بغير (١) سببه، كسوس، أنه ما فرط) أي وحلف المستعير إن فاتت العارية بما علم أنه من غير سببه، كالسوس في الثوب أنه ما أضاعه ولا فرط فيه ولا أراد فسادا، فلا يضمن. قوله: (وبرئ في كسر كسيف، إن شهد له أنه معه في اللقاء) أي وبرئ المستعير في كسر سيف، إن شهد أن ذلك السيف معه حين لقاء العدو، وهو مذهب المدونة. قوله: (أو ضرب به ضرب مثله) وهو قول سحنون وهو مشكل، ولو استغنى الشيخ بالأول لكان أولى. قوله: (وفعل المأذون، ومثله ودونه، لا أضر) أي ويفعل المستعير المأذون له في العارية ومثله وأدنى لا أضر منه. الحكم الثاني في العارية التسليط على الانتفاع، وهو بقدر التسليط، فإن أذن له في زراعة حنطة لم يزرع ما ضرره فوق ضررها، ولو زرع ما ضرره مثل ضررها

стр. 1299

وأدنى فلا يضمن إلا إذا نهاه، ولو أعار الأرض ولم يعين زرع فيها ما العادة زرعه فيها، وكذلك الحكم في سائر الأعيان المستعارة. قوله: (وإن زاد ما تعطب به، فله قيمتها، أو كراؤه) أي وإن زاد المستعير لدابة كحمل زيادة تعطب في مثله، وعطبت، فللمالك قيمتها إن شاء، أو أخذ دابته وكراء الزائد، يقال مثلا: كم كراؤها بغير زيادة، فإن قيل: عشرة، وكراؤها بالزائد خمسة عشر، فإن المالك يأخذ منه خمسة. قوله: (كرديف، واتبع إن أعدم ولم يعلم بالإعارة) تشبيه لإفائدة الحكم أي وإن كانت الدابة تعطب بمثله وعطبت فالحكم سواء، واتبع الرديف بما يجب له، إن أعدم المستعير، إذا لم يعلم بالإعارة، وأما إن علم بها فهو متعد بنفسه، وللمعير أخذ أيهما شاء. قوله: (وإلا فكراؤه) أي وإن لم يكن الزائد ما تعطب به فعطبت، أو زاد ما تعطب به فلم تعطب، فليس لربها الاكراء الزائد فقط، ولا خيار له. وفي بعض النسخ وإلا فكردفه. قوله: (ولزمت المقيدة بعمل أو أجل لانقضائه، وإلا فالمعتاد. وله الإخراج في كبناء، إن دفع ما أنفق، وفيها أيضا قيمته، وهل خلاف؛ أو قيمته إن لم يشتره؟ أو إن طال؟ أو إن اشتراه بغين كثير؛ تأويلات أي ولزمت العارية المقيدة بعمل إلى أجل بالقول إلى انقضاء ذلك العمل، أو ذلك الأجل المقيدة به، وهذا هو الحكم الثالث للعارية اللزوم، ومتى قيدت إلى أجل معلوم كعارية الدابة إلى موضع كذا، فهي لازمة كهبة الرقاب، فإن لم يكن مقيدة بعمل أو أجل، فيلزم بقاؤها مدة الانتفاع بها في العادة بمثلها، وإليه أشار بقوله: وإلا فالمعتاد، وهو خلاف خلاف ما في المدونة، إلا أن ابن يونس صوبه. لو قال الشيخ: وإلا فالمعتاد على الأرجح. وفيها: وله الإخراج في كبناء إلى آخره أجاد أي وللمعير إخراج المستعير في بناء، أو غرس، إن دفع له ما أنفق في البناء. وفي المدونة أيضا: إن دفع له قيمة البناء أو الغرس، وهل هو خلاف من المدونة؟ أو ليس بخلاف، أو يدفع قيمته إن لم يشتر ما أنفق، بل أخرجت من عنده، ويدفع قيمته إن طال زمان البناء، لأنه يعتبر بانتفاعه، وإن لم يطل فما أنفق، أو يدفع القيمة إن اشترى ما أنفق بغبن كثير، وإن اشتراه بغير غبن كثير فما أنفق فيه تأويلات

стр. 1300

على المدونة. قوله: (وإن انقضت مدة البناء والغرس فكالغصب) أي وإن انقضت مدة العارية المشترطة أو المعتادة أي فالحكم فيها كحكم من غصب أرضا فبنى فيها أو غرس، فللمعير أن يدفع قيمة البناء والغرس مقلوعا، بعد أن يحاسبه بأجرة من يقلعه، وتسوية الأرض، أو يأمره بقلعه، فإن لم تكن له قيمة أخذه بغير شيء. قوله: (وإن ادعاها الآخذ والمالك: الكراء: فالقول له، إلا أن يأنف مثله) أي: وإن ادعى الآخذ العرية، وادعى المالك الكراء، فالقول للمالك مع يمينه، لأنه مدعي الأصل، وهو الملك، إلا أن يأنف أي يمتنع مثل المالك عن الكراء، فلا يكون القول قوله في الكراء. قوله: (كزائد المسافة إن لم يزد، وإلا فللمستعير في نفي الضمان والكراء) أي: كما يكون القول قول المعير، إذا اختلفا في الموضع الذي وقعت إليه، كما إذا قال المعير: إلى طرابلس، وقال المستعير إلى مصر، فإن لم يركب المستعير الزيادة بعد وأحرى إن لم يركب أصلا، فالقول قول المعير، ويحلف أنه إلى ذلك الموضع، وهو مدعى عليه، وأما إن ركب المستعير الزيادة فالقول قوله في نفي الضمان إذا عطبت، والكراء إذا سلمت. قوله: (وإن برسول مخالف) أي وإن كانت العرية برسول مخالف للمستعير أو للمعير أو لهما. قوله: (كدعواه رد ما لم يضمن) أي كما يصدق المستعير في دعواه رد العرية التي لم يضمنها، لأنه لو قال: تلفت، لصدق، مفهومه أنه إذا ادعى رد ما يضمنه، فلا يصدق وهو كذلك. قوله: (وإن زعم أنه مرسل لاستعارة حلي) ونحوه. (وتلف ضمنه مرسله؛ إن صدقه، وإلا حلف وبرئ، ثم حلف الرسول وبرئ) الحلي ليس بشرط، وإنما هو تمثيل أي وإن زعم الرسول أنه مرسل لاستعارة حلي ونحوه، وتلف ذلك الحلي ضمنه الذي أرسله إن صدقه في الإرسال أو قامت بينة، لأن يد الوكيل كيد موكله، وإلا أي وإن لم يصدقه في الإرسال، حلف أنه ما أرسله وبرئ، ثم حلف الرسول أنه أرسله وبرئ، لأن المعير صدقه في الإرسال، فليس عليه أكثر من اليمين، ومن نكل عن اليمين غرم. قوله: (وإن اعترف بالعداء ضمن الحر، والعبد في ذمته إن عتق) أي وإن اعترف
следующие страницы →