باب [في بيان أحكام العارية]
قوله: (باب) أي باب يذكر فيه مسائل العرية.
العارية من أخلاق المؤمنين، وهي من حيث الجملة مندوبة، ومن حيث التفصيل قد تكون واجبة، كما إذا خاف عليه الموت، إذا لم يعره، وقد تكون حراما كما إذا كان المستعير يستعملها في حرام، وقد تكره إذا كان يستعملها في مكروه، وقد تكون مباحة إذا كان المستعير غنيا.
وللعارية أربعة أركان المعير وبه بدأ. والمستعير وبه ثنى والمستعار وبه ثلث. والرابع الصيغة وبها ربع.
الركن الأول: وهو المعير، لا يعتبر فيه إلا كونه مالكا للمنفعة، غير محجور عليه في التبرع، فإن العارية تبرع بالمنافع، فتصح من المستعير والمستأجر.
الركن الثاني: وهو المستعير، ولا يعتبر فيه إلا كونه أهلا للتبرع عليه.
الركن الثالث: المستعار وله شرطان:
الأول: أن يكون منتفعا به مع بقائه، فلا معنى لإعارة الأطعمة وغيرها من المكيلات والموزونات، وإنما يكون قرضا، لأنها لا تراد إلا لاستهلاك أعيانها. وكذلك الدنانير والدراهم إذا أخذت ليتصرف فيها.
قال أبو الحسن اللخمي: ولو استعيرت لتبقى أعيانها، كالصيرفي يجعلها بين يديه ليرى أنه ذو مال فيقصده البائع والمشتري، أو الرجل يكون عليه دين فيقل ما في يديه فيستعيرها لذلك. قال: فهذه تضمن إذا لم تقم البينة على تلفها، ولا تضمن مع الشهادة على ذهابها (١).
الشرط الثاني: أن يكون الانتفاع مباحا، فلا تستعار الجواري للاستمتاع. ولا يعار العبد المسلم من الكافر.
الركن الرابع ما به تكون الإعارة من قول أو فعل.
وهو كل ما كان من ذلك يدل على تمليك المنفعة بغير عوض. انتهى من ابن شاس (٢).
стр. 1297
قوله: (صح وندب إعارة مالك منفعة بلا حجر) أي ولم يستغن الشيخ عن قوله: صح بندب، لأن كل مندوب صحيح، وليس كل صحيح مندوب أي وصح إعارة مالك منفعة بملك أو إجارة، أو حبس، غير محجور عليه، إذ المحجور لا تبرع له، والعارية من التبرع.
قوله: (وإن مستعيرا) أي وتصح إعارة مالك منفعة وإن كان مستعيرا.
قوله: (لا مالك انتفاع) أي ليس لمالك انتفاع العرية كسكني الرباط، والجلوس في المسجد، أو السوق، أو الطرق.
قوله: (من أهل التبرع عليه) أي وشرط المستعير أن يكون أهلا للتبرع عليه بالمستعار بخصوصيته، فلذلك لا يعار عبد مسلم لذمي، وأحرى المعاهد والحربي أحرى.
قوله: (عينا) أي وشرط المستعار أن يكون عينا أي ذاتا ينتفع بها ويبقى قائما. غفل الشارح هنا نعم الله.
قوله: (لمنفعة) أي لأجل منفعة، فلا يصح إعارة ما لا منفعة فيه.
قوله: (مباحة، لا كذمي مسلما، وجارية لوطء) أي لا يصح إعادة منفعة غير مباحة، فلذلك لا يصح إعارة ذمي مسلما، أو مصحفا، أو جارية لوطئ. لو قال الشيخ: وجارية للاستمتاع لأنه أعم.
قوله: (أو خدمة لغير محرم، أو لمن تعتق عليه، وهي لها) أي ولا تصح عارية جارية لخدمة لغير المحرم، لأن ذلك يؤدي إلى الخلوة معها، وكذلك لا تجوز إعارة خادم لمن يعتق عليه، لأنه كما يحرم عليه ملك الرقبة يحرم عليه ملك المنفعة، فإن وفع ونزل فالخدمة للجارية مدة العارية.
قوله: (والأطعمة والنقود قرض) أي وإن أعاره الأطعمة والنقود، فإنه يكون قرضا، إذ لا تراد إلا لاستهلاك أعيانها.
قوله: (بما يدل) هذا هو الركن الرابع، وهو الصيغة، وهي كل ما يدل على العارية من قول أو فعل أو إشارة.
قوله: (وجاز أعني بغلامك لأعينك إجارة) أي وجاز أن يقول له: أعني بغلامك أو ثورك اليوم أو اليومين أو الثلاثة لا عينك بغلامي أوثوري، فليس هذا بإعارة، بل يرجع إلى حكم الإجارة، أجازه ابن القاسم ورآه من الرفق.
стр. 1298
قوله: (وضمن المغيب عليه، إلا لبينة) لما فرغ من أركان العارية شرع الله فيما يضمن المستعير منها، وما لا يضمنه.
أحكام العارية أربعة: الأول في ضمان المستعير ما يغاب عليه، ولا يقبل قول المستعير في هلاكه ما لم تقم ببينة، فإن قامت فلا ضمان عليه، لأن ضمانه ضمان تهمة، فإذا قامت البينة ارتفعت التهمة، يريد ويحلف إذ لعله أخفاه ويغرمه ليملكه بعد.
قوله: (وهل، وإن شرط نفيه؟ تردد) أي وهل يضمن المستعير ما يغاب عليه، وإن شرط نفي الضمان، لأن الشرط لا يغير ما ثبت بالحكم، أو لا يضمن إن شرط نفي الضمان لأنه إحسان على إحسان، في ذلك تردد الأشياخ في الفهم. سبب الخلاف من أسقط حقا قبل وجوبه، هل يسقط؟ أم لا، فالمشهور أن الشرط لا يغير ما ثبت بالحكم.
قوله: (لا غيره، ولو بشرط) أي لا يضمن ما لا يغاب عليه، ولو بشرط الضمان عليه، لأن الشرط لا يغير ما ثبت بالحكم، فيقبل قول المستعير في هلاكه ما لم يظهر كذبه، وإن لم يعلم ذلك إلا بقوله، وإن كان ما لا يغاب عليه عبدا، فلا يضمن ما عليه، لأنه أحرز ما عليه.
قوله: (وحلف فيما علم أنه بغير (١) سببه، كسوس، أنه ما فرط) أي وحلف المستعير إن فاتت العارية بما علم أنه من غير سببه، كالسوس في الثوب أنه ما أضاعه ولا فرط فيه ولا أراد فسادا، فلا يضمن.
قوله: (وبرئ في كسر كسيف، إن شهد له أنه معه في اللقاء) أي وبرئ المستعير في كسر سيف، إن شهد أن ذلك السيف معه حين لقاء العدو، وهو مذهب المدونة.
قوله: (أو ضرب به ضرب مثله) وهو قول سحنون وهو مشكل، ولو استغنى الشيخ بالأول لكان أولى.
قوله: (وفعل المأذون، ومثله ودونه، لا أضر) أي ويفعل المستعير المأذون له في العارية ومثله وأدنى لا أضر منه.
الحكم الثاني في العارية التسليط على الانتفاع، وهو بقدر التسليط، فإن أذن له في زراعة حنطة لم يزرع ما ضرره فوق ضررها، ولو زرع ما ضرره مثل ضررها
стр. 1299
وأدنى فلا يضمن إلا إذا نهاه، ولو أعار الأرض ولم يعين زرع فيها ما العادة زرعه فيها، وكذلك الحكم في سائر الأعيان المستعارة.
قوله: (وإن زاد ما تعطب به، فله قيمتها، أو كراؤه) أي وإن زاد المستعير لدابة كحمل زيادة تعطب في مثله، وعطبت، فللمالك قيمتها إن شاء، أو أخذ دابته وكراء الزائد، يقال مثلا: كم كراؤها بغير زيادة، فإن قيل: عشرة، وكراؤها بالزائد خمسة عشر، فإن المالك يأخذ منه خمسة.
قوله: (كرديف، واتبع إن أعدم ولم يعلم بالإعارة) تشبيه لإفائدة الحكم أي وإن كانت الدابة تعطب بمثله وعطبت فالحكم سواء، واتبع الرديف بما يجب له، إن أعدم المستعير، إذا لم يعلم بالإعارة، وأما إن علم بها فهو متعد بنفسه، وللمعير أخذ أيهما شاء.
قوله: (وإلا فكراؤه) أي وإن لم يكن الزائد ما تعطب به فعطبت، أو زاد ما تعطب به فلم تعطب، فليس لربها الاكراء الزائد فقط، ولا خيار له. وفي بعض النسخ وإلا فكردفه.
قوله: (ولزمت المقيدة بعمل أو أجل لانقضائه، وإلا فالمعتاد. وله الإخراج في كبناء، إن دفع ما أنفق، وفيها أيضا قيمته، وهل خلاف؛ أو قيمته إن لم يشتره؟ أو إن طال؟ أو إن اشتراه بغين كثير؛ تأويلات أي ولزمت العارية المقيدة بعمل إلى أجل بالقول إلى انقضاء ذلك العمل، أو ذلك الأجل المقيدة به، وهذا هو الحكم الثالث للعارية اللزوم، ومتى قيدت إلى أجل معلوم كعارية الدابة إلى موضع كذا، فهي لازمة كهبة الرقاب، فإن لم يكن مقيدة بعمل أو أجل، فيلزم بقاؤها مدة الانتفاع بها في العادة بمثلها، وإليه أشار بقوله: وإلا فالمعتاد، وهو خلاف خلاف ما في المدونة، إلا أن ابن يونس صوبه.
لو قال الشيخ: وإلا فالمعتاد على الأرجح.
وفيها: وله الإخراج في كبناء إلى آخره أجاد أي وللمعير إخراج المستعير في بناء، أو غرس، إن دفع له ما أنفق في البناء.
وفي المدونة أيضا: إن دفع له قيمة البناء أو الغرس، وهل هو خلاف من المدونة؟ أو ليس بخلاف، أو يدفع قيمته إن لم يشتر ما أنفق، بل أخرجت من عنده، ويدفع قيمته إن طال زمان البناء، لأنه يعتبر بانتفاعه، وإن لم يطل فما أنفق، أو يدفع القيمة إن اشترى ما أنفق بغبن كثير، وإن اشتراه بغير غبن كثير فما أنفق فيه تأويلات
стр. 1300
على المدونة.
قوله: (وإن انقضت مدة البناء والغرس فكالغصب) أي وإن انقضت مدة العارية المشترطة أو المعتادة أي فالحكم فيها كحكم من غصب أرضا فبنى فيها أو غرس، فللمعير أن يدفع قيمة البناء والغرس مقلوعا، بعد أن يحاسبه بأجرة من يقلعه، وتسوية الأرض، أو يأمره بقلعه، فإن لم تكن له قيمة أخذه بغير شيء.
قوله: (وإن ادعاها الآخذ والمالك: الكراء: فالقول له، إلا أن يأنف مثله) أي: وإن ادعى الآخذ العرية، وادعى المالك الكراء، فالقول للمالك مع يمينه، لأنه مدعي الأصل، وهو الملك، إلا أن يأنف أي يمتنع مثل المالك عن الكراء، فلا يكون القول قوله في الكراء.
قوله: (كزائد المسافة إن لم يزد، وإلا فللمستعير في نفي الضمان والكراء) أي: كما يكون القول قول المعير، إذا اختلفا في الموضع الذي وقعت إليه، كما إذا قال المعير: إلى طرابلس، وقال المستعير إلى مصر، فإن لم يركب المستعير الزيادة بعد وأحرى إن لم يركب أصلا، فالقول قول المعير، ويحلف أنه إلى ذلك الموضع، وهو مدعى عليه، وأما إن ركب المستعير الزيادة فالقول قوله في نفي الضمان إذا عطبت، والكراء إذا سلمت.
قوله: (وإن برسول مخالف) أي وإن كانت العرية برسول مخالف للمستعير أو للمعير أو لهما.
قوله: (كدعواه رد ما لم يضمن) أي كما يصدق المستعير في دعواه رد العرية التي لم يضمنها، لأنه لو قال: تلفت، لصدق، مفهومه أنه إذا ادعى رد ما يضمنه، فلا يصدق وهو كذلك.
قوله: (وإن زعم أنه مرسل لاستعارة حلي) ونحوه. (وتلف ضمنه مرسله؛ إن صدقه، وإلا حلف وبرئ، ثم حلف الرسول وبرئ)
الحلي ليس بشرط، وإنما هو تمثيل أي وإن زعم الرسول أنه مرسل لاستعارة حلي ونحوه، وتلف ذلك الحلي ضمنه الذي أرسله إن صدقه في الإرسال أو قامت بينة، لأن يد الوكيل كيد موكله، وإلا أي وإن لم يصدقه في الإرسال، حلف أنه ما أرسله وبرئ، ثم حلف الرسول أنه أرسله وبرئ، لأن المعير صدقه في الإرسال، فليس عليه أكثر من اليمين، ومن نكل عن اليمين غرم.
قوله: (وإن اعترف بالعداء ضمن الحر، والعبد في ذمته إن عتق) أي وإن اعترف
стр. 1301
الرسول أنه تعدى ضمن الحر والعبد في ذمته إن عتق، إلا أن يسقطه السيد.
قوله: (وإن قال أوصلته لهم فعليه وعليهم اليمين) أي وإن قال الرسول: أوصلته العرية لمن أرسلني إليها فأنكروا الوصول إليهم، فعلى الرسول اليمين أنه أوصلها إليهم وعليهم أي الذين أرسلوه اليمين أنهم ما أرسلوه، وتكون مصيبة للمعري، لأنه صدقه في الإرسال.
قوله: (ومؤنة أخذها على المستعير، كردها على الأظهر، وفي علف الدابة قولان) أي ومؤنة أخذ العارية على المستعير بلا خلاف، كما أن عليه مؤنة ردها إلى صاحبها، على ما اختاره ابن رشد من الخلاف، وفي علف الدابة قولان هل على المستعير؟ أو على المعير، هذا إن لم يكن له عرف وعادة، وأما إن كان العرف أو العادة فعليه.
* * *
стр. 1302
باب [في بيان حقيقة الغصب وأحكامه وما يتعلق به]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الغصب والاستحقاق، ولكن فصل بينهما بفصل. عرف الشيخ الغصب فقال: (الغصب: أخذ مال قهرا تعديا، بلا حرابة)، فلما قال: أخذ، شمل الأخذ كله، من سرقة، وخيانة، فلما قال: مال، أخرج الحر فلما قال: قهرا احترازا من السرقة والخيانة، فلما قال: تعديا، أخرج أخذ المال من مانع الزكاة، فلما قال: بلا حرابة، أخرج المحارب، إذ السلطان يكون غاصبا ولا يقال إنه محارب، وأخذ ملك الغير يتنوع بحسب قرائنه، فمنه الغصب وقرينته علم المغصوب منه وقت الغصب، أو علم مشاهد غيره، ومنه الخيانة وقرينتها أن الخائن قد طرق له إلى المال بتصرف ما، ومنه السرقة وقرائنها أن يؤخذ مال لم يطرق إليه على غير علم من المسروق ماله وفي خفاء من جميع الناس فيما يرى السارق، وهذا هو الذي يجب عليه القطع وحده من بين أخذة الأموال، لخبث هذا المنزع. انتهى من ابن عطية (١).
قاعدة: أسباب الضمان ثلاثة: الإتلاف كخرق الثوب، والتسبب في الإتلاف كحفر البئر لإتلاف الحيوان، ووضع اليد غير مؤمنة كيد الغاصب، والمشتري شراء فاسدا وهو خير من قولنا: وضع اليد العادية، فإن هذه الأيدي الأخر ما وضعت إلا بإذن، وهي قاعدة مجمع عليها. انتهى من الذخيرة (٢).
قوله: (وأدب مميز) أي وأدب غاصب مميز، وأحرى بالغ، ظاهره وإن عفا عنه المغصوب، ظاهره وإن كان المغصوب منه غير حاضر.
قوله: (كمدعيه على صالح، وفي حلف المجهول قولان) أي كما يؤدب مدعي الغصب على صالح، لأنه نسبه إلى ما لا يليق به، ومن آذا مسلما أدب، وأما مجهول حال الصلاح فلا يؤدب مدعي الغصب عليه، وهل يحلف أنه ما غصبه؟ أو ليس عليه اليمين فيه قولان مشهوران، ويحلف المتهم بالغصب ولا يؤدب من ادعى
стр. 1303
عليه الغصب، وأما المعروف بالغصب فإنه يسجن ولا يترك.
قوله: (وضمن بالإستيلاء) أي ويضمن الغاصب المميز بالاستيلاء، وهو مجرد حصول المغصوب في حوزه.
قوله: (وإلا فتردد. كأن مات، أو قتل عبد قصاصا) لو اسقطه الشيخ ابن غازي أي وإن لم يكن مميزا ففي ضمانه تردد المتأخرين، هل الخلاف في ضمانه كما نقل ابن الحاجب، أم في السن المخرج له إلى المتميز كما ذكر ابن عبد السلام، وذلك أن ابن الحاجب قال: وأما غير المميز فقيل المال في ماله، والدم على عاقلته، وقيل: المال هدر كالمجنون، وقيل: كلاهما (١) هدر.
البساطي: يحتمل أن يريد أن الغاصب يضمن المغصوب بالاستيلاء عليه فقط، ولكنه في شيء خاص وهي الدور وشبهها وعلى هذا فيكون معنى قوله: وإلا فتردد أي وإن لم تكن دار فهل يكفي الإستيلاء، أو لابد من شيء معه في ذلك تردد، ويحتمل أن يريد بالإستيلاء زيادة على وضع اليد ويكون عاما في كل شيء، وعلى هذا فمعنى قوله: وإلا فتردد أي وإن لم يكن إلا وضع اليد، فهل يكفي في الضمان أو لا فيه تردد، ولا يخلو كل من التمشتين عن شيء، أما الأول فيحتاج إلى تقدير لا دليل له في كلامه عليه، ومع ذلك قال في النوادر عن كتاب ابن المواز: ومن غصب شيئا، فأدركه ربه بعينه ولم يتغير في بدنه فليس له غيره، ولا نظر إلى اختلاف سوقه، طال زمانه أو كان في ساعة (٢)، وكذلك في المجموعة عن مالك وابن القاسم في الرقيق والحيوان، فظاهر الكلام الأول: أن الاستيلاء لا يكفي في كل شيء.
والثاني: أنه يكفي في العقار، فيكون محل التردد في العقار لاغيره، وأما الثانية فيقتضي أنه تردد في وضع اليد في المنقولات أنه كاف وقد تقدم الاتفاق أنه لا يكفي على النقلين، فإن قلت قد قال في النوادر عن مطرف وابن الماجشون: أن الأمة لو وجدها على حالها، غير أنه غاب عليها، أنه ضامن.
قلت: وذلك لاتهامه على الوطء، ولذلك فرق أصبغ بين الرائعة وغيرها وقال: ولا نقول ذلك في الذكور، ولا في إناث سائر الحيوان، فإن قلت: فهلا حملت كلامه على ما إذا غصب المنفعة خاصة، ويكون المعنى هكذا، وضمن بالاستيلاء
стр. 1304
على الرقبة، وإن لم يكن الاستيلاء عليها، بل على المنفعة، فهل يضمن الرقبة أولا فيه تردد.
قلت: لم يترددوا، بل حكموا في صور ضمان الرقبة، كالمدعي للمكان المستعار إليه، والمستأجر إليه، وأحرى بضمان المنافع، كغاصب السكنى خاصة، وحمل كلامه على هذه مع ما فيه أقرب. انتهى من البساطي.
قوله: كأن مات مشتمل على أمثلة ونظائر في ضمان غير غاصب أي كما يضمن من غصب عبدا فمات ولو كان بسماوي، وكذلك إن قتل ذلك العبد المغصوب قصاصا، فإن الغاصب يضمنه، لأنه بالاستيلاء دخل في ضمانه.
قوله: أو ركب وهو مستغنى عنه لأنه قد دخل في ضمانه بالاستيلاء.
قوله: (أو ذبح شاة) أي فإنه يدخل في ضمانه ظاهره أنه يملكه بعد الذبح، يصنع به ما شاء، ولا خيار لربه في اللحم أو القيمة، وهو ظاهر كلام غيره. والمنصوص أن المغصوب منه مخير بين تضمينه القيمة، أو أخذ اللحم مع ما نقص.
قوله: (أو جعد وديعة) وهذا مستغنى عنه، لأنه قد تقدم في الوديعة.
قوله: (أو أكل بلا علم) أي يضمن إذا أكل المغصوب بلا علم منه أنه مغصوب، وأحرى في الضمان إن علم، ولا فرق بين العالم بالغصب في الضمان وغير العالم، إلا في الأدب، فإن غير العالم بالغصب لا يؤدب والعالم به يؤدب.
قوله: (أو أكره غيره على التلف) أي وكذلك يضمن إن كره غيره على إتلاف شيء.
قال سحنون: لرب الشيء أن يأخذ أيهما شاء المكره والمكره، لأن هذا مسبب وهذا مباشر، وكذلك إن أكرهه على أن يدخل دارا، ليأخذ منها متاعا يدفعه إليه، فإن المغصوب منه مخير في أخذ أيهما شاء، لتسبب هذا، ومباشرة هذا.
قوله: (أو حفر بنرا). الحفر ليس بشرط، والبئر ليس بشرط أي وكذلك يضمن إن حفر بئرا، أو حفر حفرة (تعديا)، حيث لم يأذن له الشرع بالحفر فيه، فإنه يضمن ما وقع فيه.
قوله: (وقدم عليه المردي، إلا لمعين فسيان) أي فإذا حفر حفرة حيث لم يأذن له الشرع، فأردى فيه غيره حيوانا أي أسقطه فيه، فإن المردي مقدم في الضمان، لأنه المباشر وهو أقرى من السبب، إلا إن حفرها لشخص معين، فأرداه فيها غيره، فإن
стр. 1305
الحافر والمردي سيان أي مثلان في القصاص في الإنسان، والضمان في غيره.
قوله: (أو فتح قيد عبد لئلا يأبق أو على غير عاقل، إلا بمصاحبة ربه، أو حرزا) أي وكذلك يضمن إن فتح قيد عبد أو غيره، قيد لكي لا يأبق، أو يشرد، وإن لم يأبق العبد إلا بعد زمان، وأما إن قيد العبد تأديبا، ففتح قيده ثم أبق فلا ضمان عليه، وكذلك يضمن إن فتح بابا على غير عاقل فذهب، ولو كان الحيوان في دار الفاتح، إلا بمصاحبة ربه، فإنه لا يضمن، وإن كان ربه الذي كان معه نائما، وكذلك إن فتح معه باب حرز فإنه يضمن ما سرق فيه.
وقوله: إلا بمصاحبة ربه، يعود على ما تقدم عنه وما تأخر من الحرز.
قوله: (لمثلي، ولو بغلاء بمثله) أي وضمن الغاصب المثلي إن عرف، وإلا فقيمته ولو غصبه في وقت الغلاء، ثم حكم عليه في زمن الرخاء، وكذلك العكس.
قوله: (وصبر لوجوده، ولبلده ولو صاحبة، ومنع منه للتوثق ولا رد له) أي وحيث حكم على الغاصب بمثل ما غصبه، ولم يوجد عنده، فإن المغصوب منه المثلي يصبر إلى أن يجده الغاصب، فلو حكمه عليه بالمثل في غير بلد الغصب، فإن المغصوب منه يصير إلى ذلك البلد، ولو كان ذلك المثلي بعينه مصاحبا للغاصب، وليس للمغصوب منه أن يقول للغاصب: رد متاعي بعينه إلى ذلك البلد، لأن مثل المثلي يقوم مقامه، ولكن يمنع ذلك الغاصب المصاحب للمثلي بعينه إلى أن يأتي برهن أو حميل توثقا، ولا رد له أي وليس للمغصوب منه أن يجبر الغاصب على رده إلى بلد الغصب.
وحد المثلي ما تماثلت أجزاؤه في الخلقة، والصورة، والجنس، وذلك مما يوزن أو يكال كالذهب والفضة والحديد والنحاس، وجميع الأطعمة، وكذلك ما يعد مما تستوي آحاد جملته في الصفة غالبا كالبيض والجوز ونحوه. انتهى.
قوله: (كإجازته بيعه معيبا زال، وقال: أجزت لظن بقائه) تشبيه لإفادة والحكم أي كما إذا غصبه شيئا معينا زال عيبه، فباعه الغاصب، فأجاز المغصوب منه ذلك البيع، وقال المغصوب منه أجزت البيع، لظن بقاء العيب، فإنه لا رد له في المبيع.
قوله: (كنقرة صيغت، وطين لبن، وقمح طحن، وبدر زرع، وبيض أفرخ) إلى آخره أمثلة لما يفيت أي فإذا غصب نقرة فصاغها حليا، أو ضربها دراهم، أو ضربها دنانير، فإنه لا يضمن إلا مثل النقرة وزنا وصفة، ولا يأخذ المضروب، وكذلك إن غصب طينا
стр. 1306
فضربه لبنا، فليس عليه إلا مثل الطين إن عرف وإلا فالقيمة، وكذلك إن غصب قمحا فعجنه، فإنه ليس عليه إلا مثل ذلك القمح كيلا وصفة، وكذلك إذا غصب بذرا فزرعه، فإنه لا يضمن إلا مثل البذر، وكذلك إذا غصب بيضة، فجعلها تحت دجاجة فأفرخت فليس عليه إلا مثل تلك البيضة.
قوله: (إلا ما باض إن حضن) أي إلا إذا غصب دجاجة أو حمامة مثلا فباض عنده، وحضن الطير البيض بيض نفسه، فإن المغصوب وفرخه للمغصوب منه.
قوله: (وعصير تخمر، وإن تخلل خير، كتخللها لذمي) أي وإن غصب عصيرا فتخمر عنده، فإنه ليس عليه إلا مثل العصير، وإن غصب عصيرا فتخلل عنده، فإن المغصوب منه يخير بين أخذه الخل أو مثل عصيره.
قوله: كتخللها لذمي، وتعين لغيره لو قال الشيخ: لكافر ليعلم المعاهد والذمي أي فإن غصب مسلم خمرا لذمي ونحوه، فتخلل الخمر، فإن الكافر يخير بين أخذ الخل ومثل خمره، وتعين أخذ ذلك الخل لغير الكافر وهو المسلم.
قوله: وإن صيغ كغزل أو حلي وغير مثلي، وفي بعض النسخ، وإن صنع ويكون تأكيدا لقوله: (وتعين لغيره) أي وتعين الخل لغير الذمي وإن صيغ فيكون قوله: كغزل تشبيه لا فادة الحكم.
وقوله: (وإن ضيع كفزل وحلي وغير مثلي فقيمته يوم غصبه، وإن جلد ميتة لم يدبغ، أو كلبا) أي وإن استهلك غزلا وشبهه، أو حليا، أو غير مثلي، فعليه قيمته يوم غصبه، وإن كان ذلك المغصوب جلد ميتة لم يدبغ، وأحرى إن دبغ، وكذلك إن كان المغصوب كلبا، فإنه يضمن قيمته إن كان الكلب مأذونا فيه، وإلا فلا يضمنه، فلا يقال: الكلب لا يباع، ليس على من قتله القيمة، وفي الأشياء ما لا يجوز بيعه، وإن استهلك أخذت قيمته، كأم الولد والمدبر وجلد الضحية وجلد الميتة.
قوله: (ولو قتله تعديا) راجع إلى قوله: بقيمته يوم غصبه ورد للكلب كما في الشامل ليس بشيء ء. انتهى من ابن غازي (١).
قوله: (وخير في الأجنبي فإن تبعه تبع هو الجاني، فإن أخذ ربه أقل فله الزائد من الغاصب فقط) أي فإن جنى أجنبي على المغصوب، فإن ربه مخير في اتباع الجاني، أو الغاصب، فإن اتبع الغاصب وأخذ من قيمة شيئه، رجع الغاصب على الجاني بأرش
стр. 1307
الجناية، لأنه لما غرم منه قيمة المغصوب، كأنه ملكه، فإن أخذ المغصوب منه أقل من قيمة شيئه من أحدهما، فإن كان أخذها من الجاني، فله أخذ الزائد من الغاصب فقط، والزائد هو ما نقص عن قيمة شيئه يوم الغصب، فإن كان إنما أخذ الأقل من الغاصب فلا يرجع على الجاني بشيء لأنه قد أخذ من الغاصب ما عليه، وهو قيمة شيئه. وفي المسألة ثلاثة أقوال:
قيل: لا يأخذ الزائدة منهما.
وقيل: يأخذه منهما.
والثالثة: ما في المختصر.
قوله: (وله هدم بناء عليه، وغلة مستعمل، وصيد عبد، وجارح) أي وللمغصوب منه هدم بناء على المغصوب، وإن كان قصورا، إذ ليس للغاصب فيه حق، وكذلك للمغصوب منه غلة مستعمل. مفهومه أن غير المستعمل ليس له غلته، كما إذا عطل ولم يستعمل، ولم يشتغل، كدار يغلقها، أو دابة يحبسها، أو الأرض يبورها، فلا شيء عليه عند ابن القاسم في الغرم، وعليه الإثم، وهذا هو المشهور، وكذلك للمغصوب منه صيد عبد، كما إذا غصب عبدا فاصطاد العبد عند الغاصب، فإن الصيد لربه، وكذلك الجارح من كلب أو باز ونحوه، لا فرس وسيف ورمح، فليس على الغاصب إلا كراء الفرس أو الرمح أو السيف.
قوله: (وكراء أرض بنيت، كمركب نخر، وأخذ ما لا عين له قائمة) أي ومن غصب أرضا فبنا فيها ثم سكن واستغل، فإنه يغرم كراء القاعة (١)، كما إذا غصب مركبا نخرا أي باليا فأصلحه فإن ربه يأخذه وعلى الغاصب كراؤه نخرا، وكذلك للمغصوب منه أخذ مالا عين له قائمة زاده الغاصب في المغصوب.
قوله: (وصيد شبكة، وما أنفق في الغلة) لما فرغ علله مما يكون للمغصوب منه، شرع في ذكر ما يكون للغاصب أي وللغاصب صيد شبكة لأن الشبكة لا تصيد بنفسها كالعبد والجارح، ولكن عليه كراء الشبكة، وكذلك للغاصب ما أنفق على المغصوب في الغلة إن لم يجاوزها، وإن جاوزت النفقة الغلة فلا شيء على المغصوب منه.
مسألة: وسئل عمن شهد عليه أنه استغل ضيعة زمانا عدوانا، وشهد الشهود أن
стр. 1308
قيمة ذلك على التقريب كذا وكذا دينارا دون معاينة بيع الغلة وحدها، هل تجوز شهادتهم على التقريب؟ أو لا وأثبت المطلوب أنه كان يعمر هذه الضيعة ويقوم عليها ويؤدي عليها الخراج، وأراد قطعه مما ثبت عليه من الغلة، فهل له ذلك أم لا؟ فأجاب: أن شهادة الشهود على التقريب والتخمين لا تجوز، بل يستنزل حتى يشهدوا على القطع بقدر ما شهدوا به ويحكم به، فإن ادعوا عليه زائدا عما شهد عليه حلفوا على ذلك، ويحاسب بما دفع من العمارة والقيام بالضيعة والخراج إن كان حقا واجبا وإلا فلا.
قلت: قوله: يستنزلون يحتمل أن يتخرج على قول مطرف: إذا شك الشهود في العدل (١) يستنزلون وحكاه اللخمي في كتاب الأيمان بالطلاق في ظني. ويحتمل أن يجري على المشهور، لأنه غاية المقدور في هذه، والظالم أحق بالحمل عليه. انتهى من نوازل البرزلي (٢).
قوله: (وهل إن أعطاه فيه متعدد عطاء فبه؟ أو بالأكثر منه ومن القيمة؟ تردد) إلى آخره أي من أعرض سلعته للسوق فأعطى فيها عدد من الناس عطاء أي ثمنا فاستهلكه آخر، هل يلزمه ما أعطاه فيها متعدد، وإليه الإشارة بقوله: أو إنما يلزمه الأكثر من ذلك، أو من القيمة فيه تردد.
قوله: (وإن وجد غاصبه بغيره وغير محله فله تضمينه، ومعه أخذه إن لم يحتج لكبير حمل، لا إن هزلت جارية، أو نسي عبد صنعة ثم عاد) أي وإن وجد المغصوب منه الغاصب بغير المغصوب، وفي غير محل الغصب، فللمالك تضمينه القيمة، وإن وجد المغصوب معه أخذه منه، إن لم يحتج لكبير حمل، وإن احتاج إلى كبير حمل فربه مخير بين أخذه، أو أخذ قيمته يوم الغصب.
قوله: لا إن هزلت جارية معطوف على قوله: كإن مات أو قتل عبدا قصاصا أي وضمن الغاصب المغصوب وإن (مات) (٣) بخلاف الجارية إن هزلت ثم عادت لهيأتها، فإنه لا ضمان عليه فيها، وإنما يردها لربها، وكذلك إذا غصب عبدا صانعا فنسي الصنعة، ثم عادت، فإنه لا يضمنه.
стр. 1309
الهزال: هزل بضم الزاء وفتحها ضد السمن، وبكسرها ضد الجد.
ابن عرفة: وقول بن الحاجب وابن شاس: لو هزلت الجارية ثم سمنت أو نسي العبد الصنعة ثم تذكرها حصل الجبر هو كقوله في المدونة: من اطلع على عيب قديم فيما ابتاعه فلم يرده حتى زال فلا رد له، والهزال والنسيان زوالهما في المغصوب كذلك ولا أعرفه في المذهب نصا لغيرهما بل للغزالي في وجيزه. انتهى من ابن غازي (١).
قوله: (أو خصاه فلم ينقص)
قال البرزلي في جامعه: إنا نجد الرجل يكون على صفة من العقل، فإذا خصي نقص عقله. صح منه.
أي ومن غصب عبدا فخصاه، ولم تنقص قيمته لأجل ذلك، وأحرى إن زادت، فليس لربه إلا أخذه.
قوله: (أو جلس على ثوب غيره في صلاة) أي وكذلك لا يضمن الجالس على ثوب غيره في الصلاة، فقام رب الثوب فانخرق، لأن ذلك مما لا يجد الناس منه بدا، والتعليل يدل على أن الصلاة ليست بشرط.
قوله: (أو دل لصا) أي ومن دل لصا أو غاصبا فلا ضمان عليه، يريد ما لم يمش معه إلى المدلول عليه، وقيل: يضمن مطلقا.
قال أبو محمد: من أخبر سلطانا أو جائرا أو فاسقا بأسماء قوم ومواضعهم وهو يعلم أن الذي يطلبهم به ظلم فينالهم بسبب تعريفه ظلم، أو عقوبة، فإنه ضامن لما غرموه مع العقوبة الموجعة انتهى من نظم اللباب في آخر الغصب.
قوله: (أو أعاد مصوفا على حاله، وعلى غيرها فقيمته، ككسره) أي وكذلك لا يضمن إذا غصب مصوغا فغيره ثم أعاده لهيأته، وإن أعاده على غير حاله ضمن قيمته يوم الغصب، كما يضمن قيمته إذا كسره.
قوله: (أو غصب منفعة فتلفت الذات) وهذا هو المتعدي أي ولا ضمان على الغاصب للمنفعة دون الذات كما إذا غصب سكنى دار فانكسرت الدار فلا يضمنها، وإنما يضمن الغاصب ما استعمل.
قوله: (أو أكله مالكه ضيافة) أي فإن قدم الغاصب الطعام إلى مالكه، فأكله ظنا
стр. 1310
مع الجهل بحاله، فإن الغاصب يبرأ من الضمان، بل لو أكرهه على أكله فأكله لبرئ الغاصب ومهمى أتلف الآخذ من الغاصب فالضمان عليه حتى لو كان مغرورا، كما لو قدم الغاصب الطعام للضيف، فأكله ظنا منه أنه ملك المقدم لضمن بالأكل.
قوله: (أو نقصت للسوق) أي ومن غصب شيئا له قيمة ثم نقصت السوق شيئا له قيمة ثم نقصت سوقه فرده فلا شيء عليه إلا الأدب الموجعة، فلو غصب ما قيمته عشرة فعاد إلى درهم فرده بعينه فلا شيء عليه إذ لا يراعى انخفاض الأسواق كما لا يراعي ارتفاعها، وإن تلف قبل رده فالواجب عليه عشرة وهي قيمته يوم الغصب.
قوله: (أو رجع بها من سفر ولو بعد) اي ولا يضمن إن تعدى عليها فركبها أو حمل عليها ثم رجع بها من سفره ذلك على حالها ولم تتغير في بدن وإن كان سفره بعيدا.
قوله: (كسارق) تشبيه لإفائدة الحكم.
قوله: (وله في تعدي كمستأجر، كراء الزائد إن سلمت، وإلا خير فيه وفي قيمتها وقته) أي وللمالك إذا تعدى المستجأر منه أو المستعير منه في المسافة أو زيادة الحمل كراء الزائد إن سلمت الدابة، وإن لم تسلم خير في أخذ دابته وكرائها أو قيمتها يوم التعدي أجحف بحمدالله.
قوله: (وإن تعيب، وإن قل ككسر نهديها أو جنى هو أو أجنبي خير فيه) أي وإن تعيب المغصوب عند الغاصب بسماوي، وإن قل العيب ككسر نهديها أي ثدييها عند الغاصب، خير المالك في أخذ شيئه بلا شيء، وفي قيمته، وكذلك إن جنى الغاصب على المغصوب خير المغصوب منه في أخذ شيئه مع ما نقص، أو في قيمته، فإن كان الجاني على المغصوب أجنبيا خير المغصوب منه في أخذ شيئه بعينه، وأرش الجناية من الجاني أو أخذ القيمة من الغاصب، فيرجع الغاصب على الجاني بالأرش لأنه لما دفع القيمة عاد المغصوب ملكا له.
قوله: (كصبغه في قيمته وأخذ توبه، ودفع قيمة الصبغ) أي كما إذا غصب ثوبا وصبغه فإن المغصوب منه يخير في تضمين الغاصب القيمة، وفي أخذ ثوبه ودفع قيمة الصبغ وهو ما صبغ به.
أجحف بحمدالله في هذه المسائل الثلاث.
قوله: (وفي بناءه في أخذه، ودفع قيمة نقضه بعد سقوط كلفة لم يتولها) إلى آخره أي إذا غصب أرضا وبنا فيها، فإن رب الأرض مخير في أخذ البناء ودفع قيمة النقض بعد سقوط أجرة كلفة النقض، إن لم يتولها، وأما إن تولاها بنفسه أو بعبده
стр. 1311
فليس عليه قيمة الكلفة.
قوله: (ومنفعة البضع) معطوف على قوله: المثلي أي وضمن الغاصب منفعة البضع بالتفويت، وتفويت البضع الوطء، فإن كان الوطء من الحرة ضمن لها صداق المثل، وإن كانت أمة فعليه ما نقصها الوطء ثيبا كانت أو بكرا (والحر بالتفويت) كذلك يضمن منفعة بدن (الحر بالتفويت) كما إذا غصب حرا فاستخدمه، فإنه يضمن للحر قيمة ما استخدمه.
قوله: (كحر باعه وتعذر رجوعه) أي كما يضمن دية الحر، إذا باعه وتعذر رجوعه.
نزلت في طليطلة (١) وكتب قاضيها إلى ابن بشير قاضي قرطبة، فأفتى فيه أن يكلف برده، وإن لم يأت به فعليه ديته ذكرا كان أو أنثى.
قوله: (ومنفعة غيرهما بالفوات) أي ويضمن الغاصب منفعة غير البضع والحر بالفوات على المغصوب منه، وهذا يخالف ما تقدم من قوله: وغلة مستعمل، لأن مفهومه لا يضمن غير المستعمل، إذا عطل ولم يستعمل وهو المشهور، ولكن تبع الشيخ هنا القول المصوب وقد يستعمله.
قوله: (وهل يضمن شاكيه لمغرم زائدا على قدر الرسول إن ظلم؟ أو الجميع؟ أو لا؟ أقوال) أي وهل يضن شاكي مطلوبه إلى مغرم ظالم يغرم فوق الحق زائدا على أجرة الرسول، إن ظلم الشاكي بأن يأخذ حقه بلا شكوى، وإن كان مظلوما فلا شيء عليه، لأن الناس يلجؤون إلى السلاطين، أو يغرم الجميع إن ظلم، وإلا فلا شيء عليه أو لا يضمن شيئا وإن أظلم وأحرى إن كان مظلوما أقوال.
قوله: (وملكه إن اشتراه، ولو غاب أو غرم قيمته إن لم يموه ورجع عليه بفضلة أخفاها) أي وملك الغاصب المغصوب إن اشتراه، ولو غاب المغصوب، يؤخذ منه جواز بيع
стр. 1312
المغصوب من الغاصب، وإن لم يرده، ولم يذكر الخلاف هنا كما ذكره فيما تقدم في قوله: وهل إن رده لربه مدة تردد، ويؤخذ من هنا أيضا جواز وصف المشتري، وكذلك إذا غرم قيمة المغصوب فإنه يملكه، إلا أن يموه فيه أي يظهر فيه خلاف ما كان، فإن وصف المغصوب الغائب وصفا دون وصفه، فإن المالك يرجع عليه بالفضلة أي بالزيادة في الوصف الذي أخفاه.
قوله: (والقول له في تلفه ونعته وقدره وحلف) أي والقول للغاصب في تلف المغصوب وقدره ونعته مع يمينه لأنه غارم مدعى عليه، وقاعدة الشرع ترجيحه، والقدر يشمل الوزر، والعدد.
قوله: (كمشتر منه) أي كما أن القول قول مشتر من الغاصب مع يمينه في تلفه ونعته وقدره يريد إن كان يعرف قدره، وإلا فالمغصوب منه مصدق في قدره، وكذلك من غصب صرة فطرحها في بحر فلم يعرفها، فالمغصوب منه مصدق في قدره، وهو موافق للكتاب، وقبول قول الغاصب في التلف والنعت والقدر مع يمينه الضرورة الحاجة لئلا يخلد في الحبس.
قوله: (ثم غرم لآخر رؤية) أي إذا غرم المشتري من الغاصب الذي لم يعلم بالغصب القيمة، إنما يغرمها لآخر رؤية إن لم تقم بينة على هلاكه، وأما إن قامت بينة فلا شيء عليه، لأنه دخل على الملكية.
قوله: (ولربه إمضاء بيعه، ونقض عتق المشتري، وإجازته) أي ولرب الشيء المغصوب إمضاء بيع الغاصب المغصوب، وكذلك له نقض عتق المشتري من الغاصب وله إجارته. قوله: (وضمن مشتر لم يعلم في عمد) أي وضمن مشتر من الغاصب ولم يعلم بالغصب في جناية عمد، وأما إن علم بالغصب فهو كالغاصب.
قوله: (لا سماوي، وغلة، وهل الخطأ كالعمد تأويلان) أي لا يضمن المشتري من الغاصب إن لم يعلم بالغصب إن هلك ما اشتراه بأمر من الله، وكذلك لا يضمن الغلة، لأن الغلة بالضمان أي يتوقع الضمان، وهل جناية المشتري غير العالم بالغصب خطأ كالعمد فيضمن، أو كالسماوي فلا يضمن فيه تأويلان.
قوله: (ووارثه، وموهوبه إن علما كهو، وإلا بدئ بالغاصب. ورجع عليه بغلة موهوبه، فإن أعسر فعلى الموهوب) أي ووارث الغاصب ومن وهب له المغصوب إن علما بالغصب فهما كالغاصب في الضمان ورد الغلة والأدب، وقد تقدم حكمه، وإن لم
стр. 1313
يعلما بدئ بالغاصب وإن لم يوجد عنده رجع على الموهوب وإليه أشار بقوله: بدئ بالغاصب، ورجع على الغاصب بغلة موهوبه إن كان موسرا، وقيل: لا يرجع عليه.
وإذا باع الجارية المغصوبة، فوطئها المشتري وهو عالم لزمه الحد، وإن كان جاهلا لم يحد.
وأما الولد فهو رقيق، ولا نسب له إن كان عالما، وإن كان جاهلا انعقد على الحرية، وضمن المشتري قيمة الولد يوم الحكم إن كان باقيا، إلا أن يكون يومئذ جنينا فتؤخذ قيمته يوم الوضع إذا وضع.
وقال المغيرة: يضمن الولد بقيمته يوم الوضع، وإن مات بعد ذلك، ويرد الأم. انتهى من ابن شاس (١).
مسألة: وإذا اشترك رجلان في شيء مشاع فقصد الغاصب نصيب أحدهما والآخر محرم، ولم أقف عليه نصا، إلا ما استقرء في الرهن بالجزء المشاع وذكر له نظائر.
ابن ناجي وقال شيخنا حفظه الله فكلامه قصور، وقد ذكر فيها قولين في الأسولة وأن الصحيح عدم امتيازه، وقال: وبه أفتى مع صاحبا عيسى الغبريني. انتهى من ابن ناجي على التهذيب.
قوله: (ولفق شاهد بالغصب الآخر على إقراره بالغصب) أي لشاهد آخر على إقرار الغاصب بالغصب ممن شهد له الشاهد فينزع المغصوب من يد الغاصب، إن كان غير فائت، أو قيمته إن فات، فيبقى في يد المغصوب منه حائزا لا مالكا له.
قوله: (كشاهد بملكك لثان بغصبك، وجعلت ذا يد، لا مالكا، إلا أن تحلف مع شاهد الملك، ويمين القضاء) أي كما تلفق شهادة شاهد شهد لك بملك المغصوب إلى شاهد آخر شهد أن الغاصب غصبه منك، فإن المغصوب ينزع من يد الغاصب، ويجعل في يدك على أنك حائز لا مالك، إلا أن تحلف مع شاهد الملك يمين الاستظهار فتستحقه، ويمين القضاء أنك ما بعته، ولا وهبته، ولا خرج عن ملكك بوجه من الوجوه، وعن ابن سهل قال: يجب اليمين على المستحق ولو من يد الغاصب.
стр. 1314
وقال ابن حمدون (١): لا يمين على من يستحق من يد غاصب بخلاف ذي الشبهة. انتهى.
قوله: (وإن ادعت استكراها) وهذه المسألة ليست من المختصر، وإنما وجد في أصل المؤلف الله وإن ادعت استكراها وترك بياضا فكمله الأفقهسي فقال: (على غير لائق بلا تعلق حدت له) مفهومه إن تعلقت به فلا تحد للزنى ولا للمتعلق به، لما أنزل بها من فضيحة نفسها، ومفهوم قوله: غير لائق به أن اللائق بذلك لا تحد.
قوله: (والمتعدي جان على بعض غالبا)، وقد يكون جان على الكل كالمكتري والمستعير إذا تعدى المسافة.
فرع: في بيان الفرق بين الغاصب والمعتدي.
قال في الكتاب: والمتعدي يفارق الغاصب في جنايته، لأن المتعدي إنما جنا على بعض السلعة، والغاصب كان لجميعها غاصبا فضمنها يومئذ بالغصب، فلو تعدى رجل على صفحة أو عصا فكسرها، أو خرق ثوبا، فإن كان ما صنع قد أفسد ذلك فسادا كثيرا فربه مخير في أخذ قيمة جميعه أو أخذه بعينه ويأخذ ما نقصه من المتعدي. فإن كان الفساد يسير فليس له إلا ما نقصه بعد رفء المتعدي للثوب. انتهى من ابن شاس (٢).
قوله: (فإن أفات المقصود) أي فإن أفات المتعدي المقصود من الشيء فذكر لذلك أمثلة من قوله: (كقطع ذنب دابة ذي هيئة، أو أذنها، أو طيلسانه، أو لبن شاة هو المقصود) إلى قوله: (وقلع عيني عبد أو يديه).
قاعدة: المنافع مقومة لا مثلية، فلو ركب دابة أحد قضى عليه بقيمة المنفعة.
قوله: (فله أخذه ونقصه، أو قيمته، وإن لم يفته فنقصه) أي فإن أفات المتعدي المقصود من الشيء فللمالك أخذ شيئه مع ما نقصه أو أخذ قيمته، وأما إن لم يفت المقصود، فليس للمالك إلا ما نقص، فذكر لذلك أمثلة فقال: (كلبن بقرة، ويد عبد أو
стр. 1315
عينه).
قوله: كلبن بقرة جعل البقرة مخالفة للشاة، لأن البقرة تراد لغير اللبن من الحرث، وهذا في بلد يستعملون فيه البقر، وأما البلد الذي لا تستعمل فيه البقر ما الفرق بينهما وبين الشاة. والله أعلم.
قوله: (وعتق عليه إن قوم، ولا منع لصاحبه في الفاحش على الأرجح) أي فإن أفات المتعدي المقصود من العبد وقوم عليه فإنه يعتق عليه، لأنه كمن مثل بعبده إذ لما قوم عليه ملكه، وقيل: لا يعتق عليه لأنه مثل بعبد غيره، ولا منع لسيد العبد من التقويم في العيب الفاحش على الأرجح (١) لو أسقط الشيخ في الفاحش لكان أولى.
قوله: (ورفا الثوب مطلقا) أي ورفا المتعدي على الثوب مطلقا، سواء كان الخرق يسيرا أو كثيرا.
قوله: (وفي أجرة الطبيب) أي فإذا أخذ المالك عبده أو دابته مثلا مع ما نقصها فاستأجر طبيبا على طبها فهل له الأجرة أولا؟ فيه (قولان).
* * *
стр. 1316
فصل [في بيان أحكام الاستحقاق]
قوله: (فصل) هذا فصل يذكر فيه مسائل الاستحقاق.
قوله: (وإن زرع فاستحقت فإن لم ينتفع بالزرع أخذ بلا شيء) أي وإن زرع الغاصب أو المتعدي، فاستحقت الأرض، فإن لم ينتفع الغاصب بالزرع أي لم يبلغ الزرع حد الانتفاع به، وأحرى إن لم ينبت، أخذه المستحق بلا شيء أي وليس للمغصوب منه أن يبيعه للغاصب ويأخذ كراء أرضه، لأنه ملك الزرع وباعه منه وهو بيع فاسد، (وإلا فله قلعه؛ إن لم يفت) أي وإن كان الزرع قد بلغ حد الانتفاع به فللمستحق أن يأمر الغاصب أو المتعدي بقلع زرعه، إن لم يفت وقت ما تراد له الأرض من الزرع والمقاثي والبقول، بخلاف ما حمل عبد الحق عليه المدونة بما إذا فات وقت الزرع.
قوله: (وله أخذه بقيمته على المختار) أي وللمستحق أخذه بقيمته مقلوعا على ما اختاره اللخمي.
قوله: (وإلا فكراء السنة) أي وإن فات وقت ما تراد له الأرض فعلى الغاصب أو المتعدي كراء تلك السنة.
قوله: (كذي شبهة) أي فاستحقت الأرض بعد أن زرع فيه أي كما أن كراء السنة على ذي شبهة إن لم يفت وقت ما تراد له الارض، وأما إن فات فلا كراء عليه، لأنه دخل على وجه الشبهة والخراج بالضمان. غفل الشارح هنا ﵀.
قوله: (أو جهل حاله) أي وإن زرع من جهل حاله هل هو ذو شبهة؟ أو غاصب، فاستحقت الأرض، ولم يفت وقت ما تراد له الأرض فعليه كراء السنة، وأما إن فات وقت ما تراد له فلا شيء عليه، لأنه محمول على الخير حتى يثبت خلافه.
قوله: (وفاتت بحرثها فيما بين مكر ومكتر) أي ومن اكترى أرضا بعرض فحرثها ثم استحق ما اكتراها به، فإن الأرض قد فاتت بالحرث، والحرث هنا تحريك الأرض، وعلى المكتري كراء السنة، لا يقول المكري يأخذ أرضه.
قوله: (وللمستحق أخذها، ودفع كراء الحرث، فإن أبى قيل له: أعط كراء سنة، وإلا أسلمها بلا شيء) أي وللمستحق أخذ الأرض من ذي الشبهة بعد أن حرثها، إن دفع له كراء الحرث، فإن أبى المستحق من دفعه، قيل لذي الشبهة أعط كراء سنة، وإن لم يدفعه أسلم الأرض بلا شيء.
стр. 1317
قوله: (وفي سنين يفسخ أو يمضي، إن عرف النسبة، ولأخيار للمكتري للعهدة، وانتقد إن انتقد الأول، وأمن هو) أي فإن استحقت الأرض ممن كانت في يده بعد أن أكراها سنين بعد أن زرع بعضها، فإن للمستحق فسخ ذلك الكراء وله امضاؤه فيما بقي، وأما ما فات فإنه للمستحق من يده، وإنما له الإمضاء إذا عرف نسبة ما بقي من الكراء، وإلا فلا يجوز، لأنه كراء مجهول ولا خيار للمكتري لأجل العهدة، وانتقد المستحق إن انتقد الأول وهو المكري وأمن هو أي الثاني وهو المستحق ولم يخف من دين أحاط به.
قوله: (والغلة لذي الشبهة أو المجهول للحكم) أي المجهول حاله هل هو ذو شبهة؟ أم لا أي والغلة له إلى الحكم، لأن الخراج بالضمان.
وأعلم أن المشتري لا يرد الغلة في خمسة مواضع: هذه ومن اشترى شيئا فاغتله ثم رده بعيب، والمشترى شراء فاسد فرده بعد أن اغتله، ومن اشترى ما فيه الشفعة وأغتله ثم أخذ بالشفعة، ومن اشترى شيئا فاغتله ثم فلس.
قوله: (كوارث، وموهوب، ومشتر منه) إلى آخره مثال لذي الشبهة.
قوله: (إن لم يعلموا) شرط، وأما إن علموا فهم كالغاصب في الضمان ورد الغلة والتأديب.
قوله: (بخلاف ذي دين على وارث، كوارث طرأ على مثله) أي فإنه يرد الغلة.
لو قال الشيخ: بخلاف ذي دين طرأ على وارث كوارث على مثله لكان أوضح وأبين.
الوارث يرد الغلة، لأن الخراج بالضمان، والوارث لا ضمان عليه، ولذلك يرد الغلة لذي دين أو وارث مثله في الاسم (إلا أن ينتفع) الوارث بنفسه ولم يستقل فلا شيء عليه ولكن بشروط ثلاثة: الأول هذه.
الثاني: أن يكون في نصيبه ما يقوم به.
الثالث: إلا أن لا يعلم بالطارئ.
قوله: (وإن غرس، أو بنى قيل للمالك أعطه قيمته قائما، فإن أبى فله دفع قيمة الأرض، فإن أبى فشريكان بالقيمة يوم الحكم) أي وإن غرس أو بنا ذو الشبهة أو من جهل حاله هل هو ذو شبهة؟ أم لا، قيل للمالك أعطه قيمة الغرس أو البناء قائما، فإن أبي المستحق فللمستحق من يده دفع قيمة الأرض، فإن أبي فيكونان شريكان بقيمة ما لكل واحد، فيقال: كم تساوي هذه الأرض بلا بناء، فيقال: خمسة مثلا، ثم
стр. 1318
يقال: كم يساوي هذا البناء يقال عشرة، فلصاحب الأرض الثلث، إنما تعتبر القيمة يوم الحكم، وقيل: يوم الغرس أو البناء.
قوله: (إلا المحبسة فالنقض) أي الأرض المستحقة بالحبس، فليس للغارس أو الباني ذي الشبهة إلا النقض، إذ ليس هناك من يعطي قيمة الغرس أو البناء، ولا للغارس أو الباني أن يعطي قيمة الأرض، لأنه بيع الحبس فتعين أخذ نقضه، والنقض يفعل به ما يشاء، إلا أن يكون البناء كمسجد، فإنه يجعل النقض في مثله لأنه حبس فلا يملك.
النقض بضم النون ما يبنى به وبالكسر الهزيل.
قوله: (وضمن قيمة المستحقة، وولدها يوم الحكم) أي وإذ استحقت الأمة من يد ذي الشبة بعد أن أولدها، فإنه يضمن قيمتها وولدها يوم الحكم، ومن مات منهما قبل الحكم فلا شيء عليه فيه.
ابن شاس: إلا أن يكون يوم إذ جنينا فتؤخذ قيمته يوم الوضع إذا وضع. وقال المغيرة: يضمن قيمة الولد يوم الوضع وإن مات بعد ذلك. انتهى (١).
ولا يخفى أنها استحقت بملك لا بحرية. غفل الشارع هنا ﵀
كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
فكم أجاد ﵀ وأصلح.
قوله: (والأقل إن أخذ دية) أي وضمن المستحق من يده الأمة بعد أن أولدها الأقل من قيمة الولد أو الدية إن أخذ ديته، لأن القيمة إن كانت أقل فهي التي عليه، وإن كانت الدية هي الأقل هو الذي أخذ منه لا يلزمه غيره، وإن صالح فعليه الأقل من القيمة أو ما أخذ في الصلح، وإن اقتص منه فلا شيء عليه.
قوله: (لا صداق حرة أو غلتها) أي من اشترى أمة فوطئها وهي ثيب أو بكر فافتضها ثم استحقت بحرية، فلا شيء عليه في الوطئ لا صداق ولا ما نقصها، وكذلك إذ اغتلها لأن الغلة بالضمان.
قوله: (وإن هدم مكتر تعديا) شرط، وأما إن هدم بإذن المكري فلا شيء عليه، وإن هدمه تعديا (فللمستحق) أخذ (النقض وقيمة الهدم) صورته، يقوم البناء بعشرين مثلا ثم النقض بعشرة، فليدفع له العشرة (وإن أبرأه مكريه) بالهدم، لأنه أبرأه مماليس له.
стр. 1319
قوله: (كسارق عبد، ثم استحق) أي كما يضمن سارق عبد وإن أبرأه المسروق من يده، لأنه أبرأه مما ليس له.
قوله: (بخلاف مستحق مدعي حرية، إلا القليل) أي فإن له أخذ قيمة عمله ممن استعمله إلا أن تكون الخدمة قليلة فلا يرجع بها المستحق.
لو وصل الشيخ هذا الفرع بقوله: لا صداق حرة أو غلتها لكان أولى لأنه في مقابلته.
قوله: (وله هدم مسجد) أي وللمستحق هدم مسجد بني في أرضه وليس له شراء النقض، لأنه حبس، بل يجعل النقض في مسجد آخر.
قوله: (وإن استحق بعض فكالمبيع) أي وإن استحق بعض ما بيده، فكالبيع إذا ظهر فيه عيب قديم، وقد تقدم ذكره في خيار النقيصة مجملا ومفصلا، ولذلك كان صوابه فكالعيب وهو في بعض النسخ الله أعلم إصلاح.
قوله: (ورجع للتقويم) أي وإن استحق بعض المبيع يرجع فيه إلى التقويم لا إلى التسمية، كما إذا اشترى عشرة أثواب كل ثوب بعشرة مثلا، فاستحق نصفها فأقل، فإنما يقوم المستحق فيرجع بقيمته لا إلى العشرة إن كانت قيمته أقل أو أكثر.
قوله: (وله رد أحد عبدين استحق أفضلهما بحرية) مفهومه وله التمسك وهو ظاهر التهذيب وهو خلاف المشهور، والمشهور ليس له إلا الرد فيهما. وقوله: بحرية قصد الوجه المشكل وأحرى إن استحق برق.
قوله: لا إن صالح (١) صوابه (كأن صالح عن عيب بآخر) أي فإذا اشترى عبدا فظهر فيه عيب، فصالح البائع بعبد آخر، ثم استحق أحد العبدين فإن له الرد (وهل يقوم الأول يوم الصلح أو يوم البيع؟) فيه (تأويلان) وأما الثاني إنما يقوم يوم الصلح بلا خلاف.
قوله: (وإن صالح فاستحق ما بيد مدعيه رجع في مقر به لم يفت، وإلا ففي عوضه) أي وإن صالح المدعى عليه مدعيه بشيء ثم استحق ما بيد المدعي، فإن كان الصلح على الإقرار رجع المدعي في المقر به إن لم يفت بحوالة سوق فأعلا، وإلا أي وإن فات فإنه يرجع في عوضه وهو قيمته إن كان مقدما أو مثله إن كان مثليا.
стр. 1320
قوله: (فإنكار على الأرجح، لا إلى الخصومة) التشبيه بين المسئلتين الرجوع لا كيفية الرجوع أي فإن كان الصلح على الإنكار، فإنه يرجع بقيمة ما استحق من يده وإن كان مقوما أو مثله إن كان مثليا، فلا يرجع إلى الخصومة، وقيل: يرجع إليها.
قوله: (وما بيد المدعى عليه، ففي الإنكار يرجع بما دفع، وإلا فبقيمته، وفي الإقرار لا يرجع) أي وإن استحق ما بيد المدعا عليه بعد أن صالح فيه، فإن كان الصلح على الإنكار، فإن المدعى عليه يرجع بما دفع إن لم يفت، وإلا فبقيمته إن كان مقوما، أو مثله إن كان مثليا فإن كان الصلح على الإقرار فلا يرجع عليه، لأنه قد أقر له أنه له وقيل يرجع عليه.
قوله: (كعلمه صحة ملك بائعه) أي كما لا يرجع على البائع إذا استحق عليه ما ابتاعه منه إن علم صحة ملك البيع للبائع، لأنه يعلم أن البائع مظلوم في استحقاق شيئه (لا إن قال داره) أي فإن اشترى منه دارا مثلا، فقال: هي لي، ثم استحق الدار، فإنه يرجع عليه بالثمن.
قوله: (وفي عرض بعرض بما خرج من يده أو قيمته، إلا نكاحا وخلعا، وصلح عمد، ومقاطعا به عن عبد أو مكاتب، أو عمرى) أي ورجع في بيع عرض بعرض فاستحق أحدهما بما خرج من يده إن لم يفت أو قيمته إن فات إن كان مقوما، أو مثله إن كان مثليا، إلا في هذه المسائل الست نكاحا، فإن تزوج امرأة بصداق ثم استحق، فإنه إنما يرجع بقيمة ما استحق من يدها لا إلى صداق المثل، وكذلك إذا خالعت زوجها فاستحق ما أخذه في الخلع، فإنه يرجع بقيمة ما استحق، فلا يرجع إلى خلع المثل، وكذلك إن صالح عن دم عمد فاستحق ما صالح به، فإنه يرجع بقيمة ما استحق من يده لا إلى الدم، فإن دم العمد لا قيمة له، وكذلك إن قاطع عبده على عتق بعبد ثم استحق العبد، فإنه يرجع بقيمة العبد المستحق من يده، وكذلك إن قاطع المكاتب بعبد ثم استحق العبد فإن السيد يرجع بقيمة العبد لا إلى المكاتب، وكذلك إن أعمر رجل دارا مثلا، ثم اشتراها فاستحق الثمن، فإنه يرجع بقيمته إن كان مقوما أو مثله إن كان مثليا لا إلى العمري.
قوله: (وإن أنفذت وصية مستحق برق لم يضمن وصي، وحاج إن عرف بالحرية، وأخذ السيد ما بيع، ولم يفت بالثمن) أي لم يضمن، ولي ذلك أو حاج بالمال الموصي به، إن عرف العبد بحرية أي لم تظهر عليه علامة الرق، وأخذ السيد ما بيع من ذلك لم يفت بالثمن، والفوات يكون بحوالة سوق فاعلا، وكذلك الغائب إذا ادعى عليه
стр. 1321
فباع الحاكم عليه ماله، ثم قدم فأثبت أنه قضى ما ادعى به عليه، فإنه لا يأخذ المبيع عليه إلا بالثمن، لأنه حكم مضى.
قوله: (كمشهود بموته إن عذرت بينته وإلا فكالغاصب) أي كما يأخذ من شهد بموته ثم جاء ما بيع من سلعة إن عذرت بينته أي أتوا بعذر وإلا أي وإن لم تأت البينة بعذر فحكمه حكم الغاصب وقد تقدم.
قوله: (وما فات، فالثمن، كما لو دبر، أو كبر صغير) أي وأخذ السيد ما بيع ولم يفت والذي فات فالثمن في المسألتين متعين ويرجع بالثمن على البائع.
قلت: قال أبو إبراهيم ما معناه ولا معارضة في قوله: لم يضمن مع قوله: خير أو يرجع بذلك الثمن على البائع بحمل ما تقدم على أن الثمن فات وصرف في مصارفه.
والثاني قوله: كما لو دبر أو كبر صغيرا مثلا، لأن الفوات فرع، أجاب ابن أبي الهيثم (١) في مسألة غائب عن ماله مدة من الزمان فلما انصرف وجده عند أقوام ادعوا ابتياعه، ولم يثبت لهم ذلك، ولا ظهرت لهم وثيقة به. وطلب منهم صاحب الأرض الغلة. فقال: إذا ثبت الأصل للقائم، وأنه لم يفته في علم شهوده، ولم يعلم شراء من وجد بيده إلا بقوله فاختلف فيه أصحاب مالك ﵀، واختلف فيه أيضا قول مالك، فقال: وقالوا: يحمل على الشراء حتى يستبين خلافه. ويعلم أنه غاصب، ولا غلة عليه. وقالوا أيضا: هو كالغاصب وعليه الغلة حتى يعلم الشراء. وقع القولان في أمهالت كتبه وخالفه أبو علي حسون في المسألة وقال: لا رجوع عليه. ولا أعلم خلافا بين مالك وأصحابه فيمن استحق بيده شيء، لا يعلم تفويته فيه أن لا رجوع عليه بغلة. وإنما يجب عليه الرجوع بالغلة على الغاصب. انتهى من المدارك (٢).
وسئل ابن أبي زيد عمن بيده دابة فقال له آخر: هي لي من أين ملكتها.
فقال: اشتريتها من فلان رجل متغلب من جهة السلطان لا يستطاع له.
فقال لي بينة، فقال: اذهب فأت بها لأرجع فيما دفعت له. فذهب الرجل ليأتي
стр. 1322
بالبينة فردها من هي بيده للرج المتغلب وأخذ ثمنها وأحال صاحبها على طلبه منه.
فأجاب: إن قدر الطالب على إقامة البينة وأخذ الدابة ممن هي في يده فعل، وإن لم يجد البينة بهذا ولم يمكنه فله رد اليمين على الذي كانت بيده الدابة أن فلانا أقاله فيها ورد عليه، ثم يطلبه إن أمكنه (١).
هكذا وجدت بخط شيخنا محمود بن عمر حفظه الله.
قال ابن سهل: وفي بعض النسخ في آخر كتاب الإستحقاق من العتبية وأراها من سماع أصبغ، قلت: أرأيت القاضي إذا قضى بشيء للعامة كالطريق، أو الخاصة، أو الموردة ونحوها، من يشهد عليه؟ قال عدول من العامة، قلت: وكيف تجوز شهادتهم ولهم في ذلك سهم؟ قال: هذا مما لا بد منه، لأنه لا يوجد أحد ليس له سهم يشهد عليه. قال لي: وليس هذا سهما أيضا، ولو كان سهما ما قطع من سرق من بيت المال، ولا حد من زنا بجارية من المغنم، وهذا مثله. انتهى من ابن فرحون (٢).
* * *
стр. 1323
باب [في حقيقة الشفعة وأحكامها]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الشفعة. (الشفعة) ثابتة بالسنة والإجماع وهو تعبد، وقيل: معلل، وفيه ثلاثة أبواب:
الأول في أركانها وهي: المأخوذ، والآخذ، والمأخوذ منه الباب.
الثاني: في كيفية الأخذ.
الثالث: ما تسقط الشفعة به.
الشفعة من الزيادة أي زاد نصيب شريكه على نصيبه، أو من الشفع ضد الوتر، أو من الشفاعة.
ابن عرفه: الشفعة استحقاق شريك أخذ مبيع شريكه بالثمن.
قوله: (أخذ شريك) أي لما قال: أخذ شريكه أخرج الجار وسيأتي به نصا.
قوله: (ولو ذميا باع المسلم لذمي) أي ولو كان الشريك ذميا شارك مسلما، وباع المسلم الشقص لذمي وأحرى إن باعه لمسلم، فلا اعتراض على الشيخ كما قاله بعضهم.
قوله: (كذميين تحاكموا) أتى به دليلا أي لأنهم كذميين تحاكموا (إلينا) فإنما نحكم بينهم بحكم الإسلام، وإن لم يتحاكموا إلينا فلا نتعرض لهم.
قوله: (أو محبسا ليحبس، كسلطان) أي وللمحبس أن يأخذ بالشفعة بشرط أن يحبس الشخص المأخوذ لا ليملكه، كما للسلطان أن يأخذ الشفعة لبيت المال، كما إذا مات إنسان وترك بنتا لا غير، فباعت البنت مالها في الدار، فإن الحاكم يأخذ بالشفعة لبيت المال.
قوله: (لا محبس عليه ولو ليحبس، وجار وإن ملك تطرقا، وناظر وقف) أي فليس له الأخذ بالشفعة ولو ليحبس الشخص إذ لا أصل له يستشفع به، وكذلك الجار لا شفعة له وإن ملك في الدار طريقا وأحرى إن لم تكن له وكذلك ناظر وقف لا شفعة له.
فرع: وهل للشريك أن يحبس نصيبه أم لا، فإن كان المشاع مما ينقسم فله ذلك، وإن كان مما لا ينقسم فليس له تحبيسه للضرر على شريكه.
قوله: (وكراء) أي من أكرى شقصا من دار فليس لشريكه أخذه بالكراء، وقيل:
стр. 1324
له ذلك. وعادة الشيخ أن يقول في مثل هذا قولان.
قوله: (وفي ناظر الميراث قولان) أي هل له أن يأخذ الشفعة لبيت المال أم لا قولان.
قوله: (ممن تجدد ملكه اللازم اختيارا) لما فرغ تعلله من الآخذ، شرع في بيان المأخوذ منه، وهو ممن تجدد ملكه ولو اشتريا معا فلا شفعة لأحدهما على الآخر، واحترز بقوله: اللازم من بيع الخيار، إذ لا شفعة قبل لزومه، واحترز بقوله: اختيارا من الداخل عليه بغر اختار كالميراث، فإنه لا شفعة فيه.
قوله: (بمعاوضة) أي إنما يؤخذ بالشفعة ما حصل بمعاوضة لا كصدقة أو هبة.
قوله: (ولو موصى ببيعه) أي ولو كان المبيع موصى لبيعه ليدفع ثمنه (للمساكين) فإن للورثة الشفعة، لأن مراد الميت دفع الثمن للمساكين (على) القول (الأصح والمختار) عند اللخمي.
قوله: (لا موصى له ببيع جزء عقارا، ولو مناقلا به إن انقسم) أي ومن أوصى ببيع جزء من داره لفلان فمات، فليس للورثة إذا اشترى فلان الجزء للشفعة لأن مراد الميت أن يملكهم.
قوله: عقارا منصوب على المفعولية أي هذا هو المأخوذ أي الشفعة أخذ شريك عقارا.
العقار بفتح العين الأرض، وقد يطلق عليها وما يتصل بها، ولو كان ذلك العقار مناقلا.
المناقلة تبديل الشقص بالشقص أو الشقص بالكل.
قوله: إن انقسم يريد أن الشفعة في العقار مشروطة بأن يكون قابلا للقسم، واحترز به مما إذا كان لا يقبل القسمة، أو يقبلها بضرر كالحمام ونحوه بناء على أنها لضرر القسمة.
قوله: (وفيها الإطلاق، وعمل به) أي وفي المدونة: الإطلاق أي قبل القسمة أم لا بناء على أنها لضرر الشركة.
لو قال الشيخ: وفيها أيضا، لأن ما قبله فيها، والأول هو المشهور، ولكن عمل بالإطلاق.
قوله: (بمثل الثمن ولو دينا، أو قيمته) هذا هو المأخوذ به أي وللشريك أخذ ما باعه شريكه بالثمن مثله إن كان مثليا ولو كان الشقص مأخوذا عن دين إن كان الدين
стр. 1325
حالا، وإلا فقيمته أو قيمته إن كان مقوما.
قوله: (برهنه وضامنه، وأجرة دلال، وعقد شراء) أي وللشفيع أخذ الشقص بمثل الثمن مع رهنه أو ضمانه إن كان وأجرة دلال للشقص، وأجرة كاتب عقد شراء وما يكتب فيه، وهذا إذا دفع المبتاع المعتاد من ذلك وأما إن دفع أكثر فليس على الشفيع الزيادة (وفي) دفع (المكس) لأنه أدخل عليه، وعدمه لأنه ظلم على المبتاع (تردد) لعدم النقص.
قوله: (أو قيمة الشقص في كخلع، وصلح عمد، وجزاف نقد) إلى آخره أي وللشريك أخذ ما دفع شريكه بقيمته، كما إذا دفع شقصا من دار في صداق، فإن الشريك يستشفع بقيمة الشقص لا بصداق المثل، وكذلك إذا خالعت زوجها بشقص، فإن الشفيع يأخذ بقيمة الشقص لا بخلع المثل، وكذلك من صالح عن دم عمد بشقص فإنما يشفع بقيمة الشقص لأن دم العمد لا قيمة له، وكذلك إذا اشترى شقصا بجزاف نقد ذهب أو فضة، فإنما يؤخذ بالشفعة بقيمة الشقص لا بخلع المثل، وهذا مذهب الغزالي تخلله وهو شافعي.
قوله: (وبما يخصه إن صاحب غيره) أي وأخذ الشفيع الشقص بما يخصه من الثمن إن صاحبه غيره في عقد البيع، كما إذا اشترى شقصا من دار وفرس في عقد (ولزم المشتري الباقي) في الصفقة وإن قل.
قوله: (وإلى أجله إن أيسر، أو ضمنه مليء، وإلا عجل الثمن إلا أن يتساويا عدما على المختار) أي فإن باع الشقص لأجل، فللشفيع أخذه بالأجل إن أيسر بالثمن أو ضمنه وإلا أي وإن لم يكن موسرا أو لم يضمنه موسر عجل الحق وإلا فلا شفعة.
قوله: وإلى أجله يريد إذا قام الشفيع في الوقت، وأما إن لم يقم حتى حل الأجل، فهل يضرب له الأجل أم لا فيه قولان، إلا أن يتساوا المبتاع والشفيع عدما، فلا يعجل على المختار.
قوله: (ولا يجوز إحالة البائع به) الإضافة إضافة مصدر إلى المفعول، والمعنى: لا يجوز للمبتاع أن يحيل البائع على الشفيع بالثمن المؤجل، لأن الحوالة إنما تجوز بالدين الحال.
قوله: (كأن أخذ من أجنبي مالا ليأخذ ويربح. ثم لا أخذ له، أو باع قبل أخذه، بخلاف أخذ مال بعده ليسقط أي كما لا يجوز أخذ من له الشفعة مالا من أجنبي، ليأخذ الشفعة، ويربح ذلك المال، فإن وقع ونزل فلا أخذ له، وكذلك لا شفعة للشفيع، إن
стр. 1326
باع الشقص الذي له فيه الشفعة قبل الأخذ بالشفعة، لأنه بيع ما ليس عندك، بخلاف أخذ مال من المبتاع بعد عقد البيع، ليسقط ماله في الشفعة وأنظر هنا.
فرع: غريب أن المرء قد يبيع شقصه ثم يشفع فيه وذلك إذا ورث شقص شريكه قبل سقوط شفعته، وهذه إحدى ست مسائل التي تتربت على الميراث. انتهى من التاج والإكليل (١).
مسألة: ومن اشترى أرضا فقبضها، ثم قام عليه رجل فطلبها بالشفعة، فزعم المشتري أنه اشترى شيئا مقسوما وقال الشفيع: أنها لم تقسم، فالقول قوله لأنه مدعى عليه. انتهى من ابن فرحون (٢).
قوله: (كشجر وبناء بأرض حبس، أو معير، وقدم المعير بنقضه، أو ثمنه، إن مضى ما يعار له، وإلا فقائما) أي كما أن الشفعة في شجر وبناء في أرض حبس أو أرض معير إذا باع أحد الشريكين نصيبه من الشجر أو البناء، وقدم المعير عن الشفيع بدفع قيمة نقضه أو الثمن الذي باعه به، إن مضى مدة المعار لها. وإلا أي وإن لم تمض المدة فقيمته قائما، إن كانت أقل، أو الثمن إن كانت أقل فإن أخذ المعير ذلك فكأن المبيع لم يكن وإن أبى المعير أن يدفع شيئا فللشريك أخذه بالشفعة.
قوله: (وكثمرة، ومقتأة، وباذنجان، ولو مفردة) أي وكما أن الشفيع في الثمار والمقثأة والباذنجان ولو بيعت مفردة وأحرى إن بيعت مع الأصل.
قوله: (إلا أن تيبس) أي فلا شفعة يحتمل إلا أن تيبس الثمرة وقت البيع، ويحتمل إلا أن تيبس وقت القيام.
قوله: (وحط حصتها إن أزهت، أو أبرت) وهذا تفريع على ما إذا كانت الثمرة لا شفعة فيها أي وحد حصة الثمرة إن كانت يوم البيع مزهية أو مأبورة وأخذ بالشفعة بعد يبسها فإنه لا شفعة له في الثمار، بل يأخذ الأصل بالشفعة بحصته، ويحط عنه ما ينوب الثمرة؛ لأن لها حصة من الثمن، وأما إن كانت غير مأبورة فلا يحط عنه من الثمن شيء، إذ لا حظ لها من الثمن. انتهى من ابن غازي (٣).
ولو استغنى الشيخ بذكر الأبار عن الزهو لأنه من باب أحرى لكان أحسن.
стр. 1327
قوله: (وفيها أخذها ما لم تيبس أو تجد، وهل هو خلاف؟ تأويلان) أي وفي المدونة في موضع له أخذها ما لم تيبس.
وفيها في موضع آخر ما لم تجذ، وهل هو اختلاف؟ أو ليس بخلاف؟ فيكون المعنى: إذا اشترى الثمرة بغير أصلها له أخذها ما لم تيبس، ويكون معنى ما لم تجذ إذا اشتراها مع الأصول فيه تأويلان.
قوله: (وإن اشترى أصلها فقد أخذت وإن أبرت، ورجع بالمؤنة) أي ليس فيها ثمرا أو فيها غير مؤبر أخذت بالشفعة وإن أبرت، ورجع المبتاع بالمؤنة على الشفيع ولو زاد على قيمة الثمرة.
قوله: (وكبئر لم تقسم أرضها) أي وكذلك الشفعة في البئر إذا لم تقسم أرضها (وإلا فلا) أي وإن قسمت أرضها فلا شفعة (وأولت) المدونة (أيضا بـ) البئر (المتحدة) وأما المتعددة ففيها الشفعة.
قوله: (لا عرض، أو كتابة ودين) شرع ﵀ في بيان ما لا شفعة فيه أي ولا شفعة في عروض.
قوله: وكتابة ودين، وذكر الشفعة في الكتابة والدين مجاز، والمراد أن السيد إذا باع كتابة مكاتبه فليس للمكاتب ردها من المبتاع، وكذلك من اشترى من رجل دينا له على رجل، فليس للذي عليه الدين أن يرد الثمن من للمشتري.
قوله: (وعلو على سفل وعكسه، وزرع، ولو بأرضه، وبقل) أي ليس لصاحب سفل على صاحب علو وعكسه شفعة، لأنهما جاران لا شريكان، وكذلك لا شفعة في الزرع، ولو بيع مع الأرض، وكذلك لا شفعة في البقول.
قوله: (وعرصة، وممر قسم متبوعه) أي ولا شفعة في العرصة، ويقال لها: الساحة والباحة والقاعة وممر أي طريق بين ديار قسم متبوع كل منها.
مسألة: إذا قسم القاضي على الغائب الشريك بعد أن وجبت له الشفعة ثم قدم الغائب وأراد الأخذ بالشفعة فله نقض البيع والأخذ بالشفعة عند مالك وابن القاسم. صح من المفيدة.
قوله: (وحيوان إلا في كحائط) أي ولا شفعة في حيوان إلا حيوانا في حائط بيع وأخذ بالشفعة، فيكون ذلك الحيوان الذي فيه تبعا للحائط.
قوله: (وإرث، وهبة بلا ثواب، وإلا فبه بعده) أي لا شفعة في ملك تجدد بإرث لأنه لم يدخل في ملكه اختيارا، وكذلك لا شفعة في هبة بلا ثواب وهو مفهوم قوله:
стр. 1328
بمعاوضة. وإلا أي وإن كانت الهبة للثواب ففيه الشفعة بعد الثواب، لأنه كالبيع.
مسألة: إذا وهب رجل رجلا هبة مطلقة وادعى أنها للثواب، وقال الموهوب لغير الثواب حكم بالعرف مع اليمين، فإن أشكل فالقول قول الواهب مع يمينه. انتهى من ابن فرحون (١).
قوله: (وخيار إلا بعد مضيه) أي ولا شفعة فيما بيع خيارا، إلا بعد مضي أمد الخيار فيكون فيه الشفعة.
قوله: (ووجبت لمشتريه إن باع نصفين خيارا ثم بتلا فأمضى) أي ووجبت الشفعة لمشتري الخيار إن باع نصفين لرجلين خيارا ثم بتلا فأمضى الخيار وهو مبني على أن بيع الخيار منعقد من أوله، فمشتري البتل هنا متجدد ملكه هذا قول ابن القاسم وهو جار على الخلاف المعهود من مذهبه، لأن مذهبه أن بيع الخيار منحل قال أشهب هي لمبتاع البتل.
قوله: (وبيع فاسد، إلا أن يفوت فبالقيمة، إلا ببيع صح فبالثمن فيه) أي ولا شفعة في بيع فاسد، إلا أن يفوت فتكون فيه الشفعة بالقيمة التي وجبت، إلا أن يكون الفوت ببيع صحيح، فتكون الشفعة بالثمن في البيع الصحيح.
قوله: (وتنازع في سبق ملك، إلا أن ينكل أحدهما) أي لا شفعة لأحدهما إذا تنازعا في سبق الملك إذا حلفا أو نكلا، فإن نكل أحدهما فالشفعة للحالف.
ابن عرفة ولا أعرفها بنصها لأحد من أهل المذهب، وإنما هو نص وجيز الغزالي، فأضافها ابن شاس للمذهب، وأصول المذهب لا تنافيها، وهي كاختلاف المتبايعين في كثرة الثمن وقلته. انتهى من ابن غازي (٢).
مسألة: إذا اختلف المبتاع والشفيع في مرور السنة وانقضائها بعد البيع ولا بينة، فالشفيع مصدق مع يمينه وهو مدعى عليه، لأن الشفعة قد وجبت له، والمبتاع مدع لتأريخ يسقط الشفعة فلا يقبل قول البائع. انتهى من تبصرة ابن فرحون (٣).
ومن فتاوي أبو عمر أحمد بن عبد الملك المعروف بالمكوي (٤): مسألة وقعت
стр. 1329
ببلد سبته وهي إذ ذاك من عمل صاحب الأندلس وذلك أن الفقيه يحيى بن تمام (١) من أهلها اشترى حصة من حمام فيه شرك، وأشهد البائع لابن تمام في الظاهر أنه تصدق به عليه؛ ليقطع شفعة الشريك فقام الشريك بشفعته، فأفتى الفقهاء بها إذ ذاك كلهم بقطع الشفعة إذ لا شفعة في الصدقة فقال الشفيع للقاضي: لا أرضى إلا بفتوى فقهاء الحضرة بقرطبة فرفع إليهم السؤال على وجهه وبدء بالشيخ أبو عمر فوقع أسلفها: هذا من حيل الفجار، وأرى الشفعة واجبة فلما رآ ابن تمام جوابه قال: هذا عقاب لا يطار تحت جناحيه، والحق خير ما قيل، هات مالي وخذ حمامك. انتهى من المدارك (٢).
مسألة: إذا ادعى رجل على رجلين دارا، فكذبه أحدهما وصدقه الآخر فصالحه المصدق على مال، فأراد المكذب الأخذ بالشفعة فله ذلك. انتهى من الجواهر (٣).
قوله: (وسقطت إن قاسم أو اشترى، أو ساوم، أو ساقى، أو استأجر) إلى آخره هذا شروع منه الله في مسقطات الشفعة أي وسقطت الشفعة إن قاسم الشفيع المشتري لأن طلبه القسمة يدل على إسقاطه الشفعة مفهوم قوله: إن قاسم أنه إذا قاسم عنه حاكم في غيبته أن الشفعة لا تسقط والمفهوم صحيح، وكذلك تسقط الشفعة إذا اشترى الحصة التي أراد أخذها بالشفعة، وكذلك إن ساومها فقط. لو استغنى الشيخ بهذه عن التي قبلها لكان أولى، لأن الشفعة إذا كانت، تسقط بالمساومة، وأحرى الشراء، وكذلك تسقط شفعته إن أخذ الحصة المشترات مساقاة، لأن ذلك يدل على إسقاطها.
قوله: أو استأجر أطلق الإجارة على ما لا يعقل أي وتسقط الشفعة إذا أكترى
стр. 1330
الحصة المبيعة.
قوله: (أوباع حصته) أي وتسقط الشفعة إذا باع الحصة التي يستشفع بها، مفهومه لو باع بعضها فلا تسقط الشفعة، وإنما الخلاف بما يأخذ به هل بجميع حصته؟ أو بما بقي في يده منها.
قوله: (أوسكت بهدم أو بناء، أو شهرين، إن حضر العقد) أي ومما يسقط شفعة الشفيع سكوته مع هدم المشتري ما اشتراه، أو بناؤه، أو سكوته بشهرين إن حضر العقد. لو زاد الشيخ وكتب شهادته في العقد، كما ذكره بن رشد، ومع ذلك هو خلاف ظاهر المدونة والرسالة.
قوله: (وإلا سنة) أي وإن لم يكن شيء مما تقدم من المسقطات فسنة تسقطها. قوله: (كأن علم فقاب، إلا أن يظن الأوبة قبلها، فعيق وحلف إن بعد) أي فإن علم بالبيع وغاب فالسنة تسقط شفعته، إلا أن يظن الأوبة قبل السنة فعيق أي منع من الرجوع لعذر، وحلف على ذلك، إن بعد ما بعد السنة، وإلا فلا يمين عليه، فإن شفعته لا تسقط.
قوله: (وصدق إن أنكر علمه) أي وصدق الشفيع إن ادعى عليه المشتري علم البيع لأن الأصل عدم العلم.
قوله: (لا إن غاب أولا) هذا شروع منه فيما لا يسقط الشفعة أي فإن كان غائبا حين البيع غيبة بعيدة، فإن شفعته لا تسقط، ولو أقام سنين علم بالبيع أم لا، ما لم يصرح بإسقاطها إلى أن يحضر فيعتبر في حقه من المدة ما اعتبر في حق الحاضر، فإن غاب الشفيع والمشتري في موضع واحد فكالحاضرين.
قوله: (أو أسقط لكذب في الثمن، وحلف) أي فلا تسقط شفعته إن أسقطها، لأجل كذب في الثمن ثم ظهر له أن الثمن أقل، ولكن يحلف أنه ما سلم إلا لأجل كثرة الثمن. قال أشهب: لا يمين عليه.
قوله: (أو في المشترى، أو المشتري) هذا هو الذي في المدونة أي ولا تسقط شفعة الشفيع إذا أسقطها، لأجل كذب في المشتري، كما إذا قيل له: باع شريكك نصف حصته فأسقط الشفعة، ثم ظهر له أنه باع الحصة كلها، فإن له أن يقوم بشفعته، وكذلك إن أسقطها، لأجل كذب في المشتري أسلم فاعل كما إذا قيل للشفيع: اشترى فلان حصة شريكك فسلم ثم ظهر أنه ابتاعه رجل آخر، فللشفيع القيام بأخذ الشفعة، لأنه يقول: أرضى بشركة فلان لا غيره.
стр. 1331
قال ابن غازي: يغلب على الظن أن المصنف هكذا قاله بلفظين الأول اسم مفعول والثاني اسم فاعل لعود الضمير من قوله بعده: أو انفراده عليه، ولعل الناسخ من المبيضة ظن التكرار فأسقط أحد اللفظين. انتهى (١).
قوله: (أو انفراده) أي وللشفيع القيام بالشفعة، إذا قيل له اشترى فلان شريكك حصته فأسقط، ثم ظهر أنه اشتراها مع رجل آخر.
قال أشهب: لا يأخذ إلا حصة الذي لم يسلم له.
قوله: (أو أسقط وصي أو أب بلا نظر) أي بناء على أن الشفعة من باب الاستحقاق لا من باب الشراء وفيه خلاف.
ولا يسقط شفعة صبي إذا استقل بالنظر لنفسه، فيوم استقلاله بالنظر كيوم حضور الغائب، والسفيه، والمجنون كالصبي.
وقوله: بلا نظر مفهومه إن كان بالنظر فإنها تسقط.
قوله: (وشفع لنفسه، أو ليتيم آخر) أي ويأخذ الأب، أو الوصي الشريك إذا باع حصة محجوره أخذ الحصة بالشفعة لنفسه، ولكن بعد نظر الإمام في ذلك خيفة المحابات، وكذلك إن شفع لمحجوره من نفسه، فإن الإمام ينظر فيه، وكذلك يشفع من محجوره لمحجوره.
قوله: (أو أنكر المشتري الشراء وحلف وأقر به بائعه)، هكذا في نسخة المصنف تجوز تحمل لله في إطلاق المشتري على من لم يثبت له شراء، لأن الفرض أنه منكر، وهذا من المسقطات، فلعل الناقل من المبيضات وضعه في غير محله.
غفل الشارح هنا رحم الله أي فلا شفعة، لأن عهدة الشفيع على المشتري، وقد أنكر الشراء وحلف ولم يثبت البيع.
قوله: (وهي على الأنصباء) أي والشفعة على قدر الإنصباء للآخذين بالشفعة جمع نصيب وقيل على الرؤوس.
قوله: (وترك للشريك حصته) يعني أن الشفيع إذا ابتاع شخصا من شريك آخر، فإن الشريك إذا قام على المشتري ليأخذ بالشفعة، فلا يأخذ منه الشقص كاملا، بل لا بد أن يترك له ما يخصه من ذلك الشقص.
قوله: (وطولب بالأخذ بعد اشترائه لا قبله) أي وطولب الشفيع بأخذ الشفعة أو
стр. 1332
تركها، لأجل ما يلحق المشتري من الضرر، إنما يطالب الشفيع بذلك بعد اشتراء الشقص لا قبله أي لا يطالب بالأخذ قبل الشراء، إذ لو أسقطها لم يضره إذا قام بالشفعة، ولذلك قال: (ولم يلزمه إسقاطه) أي قبل الشراء، لأنه أسقط ما لم يجب له بعد.
قوله: (وله نقض وقف كهبة، وصدقة، والثمن لمعطاه؛ إن علم شفيعه) أي فإن حبس المشتري الحصة المشترات أو وهبها أو تصدق بها، فإن الشفيع له نقض الحبس، والهبة، والصدقة، فيأخذها بالشفعة، والثمن لمن أعطي له الشقص، بشرط أن يكون الواهب عالما أن للحصة الموهوبة شفيع إذا كان أعطاه الثمن.
قوله: (لا إن وهب دارا فاستحق نصفها) النصف ليس بشرط وإنما هو تمثيل يعني من ابتاع دارا فوهبها لرجل ثم استحق بعضها وأخذ الباقي بالشفعة، فإن ثمن الباقي المستشفع فيه للواهب ولا شيء للموهوب فيه.
قوله: (وملك بحكم أو دفع ثمن، أو إشهاد) يريد أن الشفيع يملك الشقص بأحد أمور ثلاثة: إما بحكم حاكم بالشفعة، أو بدفع الثمن للمبتاع وإن لم يرض، أو بالإشهاد أنه أخذ بالشفعة، ظاهره أشهد بحضرة المبتاع أم لا.
ابن عبد السلام: إن أشهد بحضرة المبتاع الشريك في الشفعة إذا باع شريكه، تحقق له بسبب يقتضي المطالبة بأن يملك الشقص المبيع بالشفعة. ولم أر خلافا في أنه غير مالك. انتهى من كتاب أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي (١).
فرع: في الحمالة من تقييد أبي عمران العبدوسي: من وجبت له شفعة فأشهد في خفية أني على شفعتي، وسكت حتى جاوز الأمد المسقط حق الحاضر ثم قام لم ينفعه هذا الإشهاد قيدتها من أحكام الدبوسي (٢) بعد ما بحثت عن هذه الأحكام فلم أجدها إلا بسبتة. انتهى من ابن غازي (٣).
стр. 1333
قوله: (واستعجل إن قصد ارتياء أو نظرا للمشتري إلا كساعة) أي واستعجل الشفيع بما عنده إن قصد أرتياء أو مشاورة، أو قصد نظرا للمشتري إن كان غائبا عن المجلس، إلا أن يطلب المهملة ساعة فإنه يمهل.
قوله: (ولزم إن أخذ وعرف الثمن) أي ولزم الشقص الشفيع إن أخذ بالشفعة وعرف الثمن، وأما إن لم يعرف الثمن فله الرجوع فيها، وهل له الأخذ وهو مذهب المدونة أولا وهو مذهب الموازية.
قوله: (فبيع للثمن) أي بسبب أنه يلزمه الشقص بالأخذ إن عرف الثمن يباع الشقص في الثمن إذا كان عديما.
قوله: (والمشتري إن سلم، فإن سكت فله نقضه، وإن قال: أنا آخذ أجل ثلاثا للنقد، وإلا سقطت) أي ولزم الشقص المشتري إن سلم الشفيع الشفعة فإن سكت المشتري حين قال له الشفيع: أخذت بالشفعة فللمبتاع نقض الأخذ بالشفعة إن لم يأت الشفيع بالثمن، وإن قال الشفيع: أنا آخذه أجل إلى ثلاثة أيام، لأجل النقد، وإلا أي وإن لم يأت بالثمن في الأجل سقطت شفعته.
قوله: (وإن اتحدت الصفقة، وتعددت الحصص والبائع لم تبعض) أي وإن اشترى أشقاصا في صفقة واحدة عند عدد من الناس وأراد الشفيع الأخذ بالشفعة، فإن الشفعة لا تبعض، فأما أن يأخذ الجميع أو يترك الجميع. قصد الشيخ تحلله الوجه المشكل، وأحرى إن اتحدت الحصة، وأحرى إن اتحد البائع.
قوله: (كتعدد المشتري على الأصح) أي كما لا تبعض الشفعة إذا تعدد المشتري على الأصح لوقال الشيخ ولو تعدد المشتري فيسقط على الأصح لأنه مذهب المدونة ولا يحتاج إلى التصحيح.
قوله: (وكأن أسقط بعضهم، أو غاب، أو أراده المشتري) أي كما لا تبعض الشفعة إذا تعدد الشفيع فأسقط بعضهم ماله من الشفعة فإن الآخذين إما أن يأخذوا الكل بالشفعة أو يتركوه وكذلك إن غاب بعض من له الشفعة فأراد الحاضر الآخذ بالشفعة فإما أن يأخذ الجميع أو يترك الجميع فلا تبعض وكذلك إن أراد المشتري التبعيض فلا يجبر عليه الشفيع أشكل هذا على المؤلف (١) ﵀.
قال في التوضيح: الحاصل أن من ادعى عدم تبعيض الشفعة فالقول قوله.
стр. 1334
قوله: (ولمن حضر حصته، وهل العهدة عليه، أو على المشتري، أو على المشتري فقط، كغيره) أي ولمن قدم في غيبته حصته في الشفعة، إذا وجد الحاضر قد أخذ بالشفعة، وإن أخذ القادم حصته في الشفعة، وهل يكتب عهدته على الشفيع الذي دفع له الثمن، أو يكتبها على المشتري فهو مخير بينهما وهو تأويل، أو يكتب عهدته على المشتري فقط، كما يكتب الشفيع عهدته على المشتري في غير هذا الفرع فيه تأويلان هكذا هو الصواب. لعل الناسخ من المبيضات ظنه تكرار فأسقط أحد اللفظين.
قوله: (ولو أقاله البائع) أي ويكتب عهدته على المشتري ولو أقاله، واستشكلت المدونة في هذه المسأة بأنه إذا كانت الإقالة بيعا وجب تخييره في أخذه بالبيع، أو بالإقالة، وإن كانت حلا فلا بيع ولا شفعة، وأجيب بأنها حل، ولكن وجبت الشفعة للتهامها على قطع الشفعة الواجبة، لأن ذلك من حيل الفجار.
قوله: (إلا أن يسلم قبلها؟ تأويلان) أي إلا أن يسلم الشفعة قبل الإقالة، فتكون عهدته على البائع لأنه صار مشتريا.
قوله: (وقدم مشاركه في السهم، وإن كأخت لأب أخذت سدسا) شرع الله فيمن يقدم بالأخذ بالشفعة أي وقدم في الأخذ بالشفعة مشارك في السهم من ذوي الفروض (١) كأخت لأب أخذت السدس وأحرى شقيقة، كما إذا ترك أختا شقيقة وأختا لأب أخذت سدسا تمام الثلثين، فإن باعت الشقيقة والأخت للأب أولى بالأخذ بالشفعة من الغاصب.
قوله: (ودخل على غيره) أي ودخل الأخص على غيره، فالضمير في دخل يعود على ذي السهم، وفي غيره يعود على من ورث بغير سهم، والتشبيه في قوله: (كذي سهم على وارث) تمثيل لقوله: ودخل لا أنه شيء آخر.
قوله: (ووارث على موصى لهم) أي كما يدخل وارث على موصى لهم إذا باع أحد الموصى لهم نصيبه.
قوله: (ثم الوارث، ثم الأجنبي) أي فإن سلم من يقدم في الشفعة، فإن الوارث يقدم على الشريك الأجنبي، فإن سلم الوارث فالشفعة للشريك الأجنبي.
قوله: (وأخذ بأي بيع، وعهدته عليه، ونقض ما بعده) أي فإذا تعدد البيع، كما إذا
стр. 1335
الجزء الثالث باع المشتري الشخص ثم باعه المشتري حتى يتعدد البائع، فإن الشفيع يأخذ الشفعة بأي بيع شاء، ويكتب عهدته على من أخذ منه، فإن كانت الشفعة بالبيع الأول نقص ما بعده، وإن كان بالبيع الآخر صح ما قبله، وإن كان في المتوسط صح ما قبله ونقض ما بعده قيده اللخمي بما إذا كان غائبا، وأما إذا كان حاضرا فليس له الأخذ إلا بالأخير، لأنه إن حضر البيع وسكت كأنه أمضاه.
قوله: (وله غلته) أي وللمشتري غلة الشقص ما دام في يده، لأن ضمانه منه.
قوله: (وفي فسخ عقد كرائه تردد) أي فإن أكرى المشتري الأرض ثم أخذ بالشفعة، هل للشفيع فسخ الكراء؟ لأن الشفعة من باب الاستحقاق أو ليس له فسخ المستحق لأنها من باب الشراء فيه تردد بناء على أنه من باب الاستحقاق أو من باب الشراء، فإن قلت: المستحق إذا أمضى البيع الأول صح ما بعده، والشفيع إذا مضى الأول له أن يأخذ من الثاني فما الفرق؟ قلت: هذا سؤال ضعيف، فإن المستحق إذا أجاز البيع لم يبق له في الدار حق أصلا، والشفيع إذا أجاز الأول وهو باق على شركته في الدار، فإذا طرء بيع كان كالأول.
قال أبو محمد: ويتبين لي أن رجلا لو باع شقصا له في دار، ثم إن المشتري منه باع ذلك الشقص من رجل آخر، أن لبائعه الأول الأخذ بالشفعة، لأنه بيع ثان لم يله الأول انتهى من ابن شاس (١).
قوله: (ولا يضمن نقصه) أي ولا يضمن المشتري النقص الكائن في الشقص، والأصل في المشتري أنه لا يضمن للشفيع شيئا مما حدث في الشقص من غصب أو هدم أو حرق أو غرق أو ما غار من العين، ولا يحط للشفيع لذلك من الثمن شيئا إما أخذه بجميع الثمن أو يتركه.
قوله: (فإن هدم وبنى فله قيمته قائما، وللشفيع النقض) أي وإن هدم المشتري بناء الدار ثم أقامه على وجهه أو غيره، فله قيمة البناء قائما، لأنه تصرف في ملكه، وليس بمتعد، وللشفيع نفس النقض إن كان باقيا وإن فات فقيمته.
قوله: (إما لغيبة شفيعه فقاسم وكيله، أو قاض عنه) إلى آخره، جواب عن سؤال مقدر كأن قائلا قال له: كيف يتصور هذا شرعا، لأن الشفيع الحاضر يسقط قيامه بالشفعة بالهدم والبناء وهو ساكت، والغائب لا تلزمه قيمته قائما لتعديه، فقال: إما