← Фикх малики

Фикх малики · id 30174

موهوب الجليل في شرح مختصر خليل

ابن أبي بكر الواداني

Полный текст (1 727 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

كذا. انتهى (١). قوله: (وكفاه بعت، وتزوجت، وحمل على الصحيح) أي وكفى المدعي قوله: بعت لهذا كذا أو تزوجت هذه المرأة وحمل ما قال (٢) في البيع على الصحيح، وكذلك النكاح فلا يسأل عن صحة العقد فيهما، ولم يذكر الشيخ هنا القيد الذي ذكره في البيوع هو إن لم يغلب الفساد. قوله: (وإلا فليسأله الحاكم عن السبب) أي وإن لم يذكر المدعي السبب، فإن الحاكم يسأله عنه، هذا تصريح بأن الحاكم هو الذي يسأل عن السبب على أحد القولين، والقول الآخر هو قوله فيما يأتي: وللمدعى عليه السؤال عن السبب، وجمع بعضهم بين القولين فقال: وليسأله الحاكم عن السبب، وإن لم يسأله غفلة منه أو جهلا فللمدعى عليه السؤال عنه، إذ قد يذكر سببا لا يترتب عليه شيء من دعواه، أو يترتب عليه ما كان أقل أو عنده ما يدفع به الدعوى، فإن بين طلب الآخر بالجواب، فإن أبى وقال: لا أعلم السبب ولا أبين، لم يطالب خصمه بالجواب، لاحتمال أنه لو بين أمكن أن يكون فاسدا لا يترتب عليه الغرم البتة، أو غرم ما هو أقل مما يدعي. انتهى. إكمال الإكمال (٣). قوله: (ثم مدعى عليه ترجح قوله) أي فإن أتم المدعي كلامه، أمر القاضي المدعى عليه بجوابه، فالمدعى عليه هو من ترجح. قوله: (بمعهود) أي بالعرف أو ترجح قوله: (أو أصل بجوابه) وهو الاستصحاب مثل أن يدعي على إنسان أنه عبده، وقال العبد: أنا حر، فالأصل الحرية، إلا أن يكون العبد في حوز المدعي فلا يصدق، إلا إذا كان في بلد يباع فيه الأحرار، فإنه يصدق، لأنه متمسك بالأصل الأصل عند مالك: الناس على الحرية من أبويهم آدم وحوا، والمتمسك بالأصل هو المدعى عليه، ومن أراد النقل عنه فهو المدعي، غير أنه يتعارض النظر في كثير من المسائل، من هو المتمسك بالأصل من الخصمين، كما لو ادعى الزوج أن سيد الأمة غره وزوجه وأنكر السيد، فقال أشهب القول قول الزوج، قال سحنون: القول

стр. 1472

قول السيد، فيتعارض في هذه المسألة الأصل والغالب، والأصل عدم الغرور، فيكون القول قول السيد، والغالب عدم الدخول على زواج الإماء، وعدم الرضى بهن، وزواج الأحرار للإماء نادر، فيقدم الغالب على النادر ومثل هذا كثير في مسائل الدعاوي. وقال أبو عمر بن عبد البر: إذا أشكل عليك المدعي من المدعى عليه، فواجب الاعتبار فيه أن ينظر: هل هو آخذ أو دافع؟ وهل يطلب استحقاق شيء على غيره أو ينفيه؟ فالطالب أبدا مدع والدافع المنكر مدعى عليه، فقف على هذا الأصل وقال غيره: كل من يريد الأخذ أو يطلب البراءة من شيء وجب عليه فهو مدع. وكلامهم على شيء واحد، وهو أن المتمسك بالأصل هو المدعى عليه، ومن أراد النقل عنه فهو المدعي. انتهى من تبصرة ابن فرحون (١). والمدعي أضعف المتداعيين ولذلك كلف بالبينة والمدعى عليه أقوى المتداعيين ولذلك اكتفى بيمينه. تنبيه: وأجمعوا على اعتبار الأصل وإلغاء الغالب في دعوى الدين ونحوه، فإن القول قول المدعى عليه، وإن كان الطالب أتقى الناس والغالب أنه لا يدعي إلا حقا. واجتمعوا على اعتبار الغالب وإلغاء الأصل في البينة إذا شهدت، فإن الغالب صدقها والأصل براءة ذمة المشهود عليه. انتهى من ابن فرحون (٢). قوله: (إن خالطه بدين) كذا في بعض النسخ بأدات الشرط وفي بعضها وخالطه بالعطف على ترجح ولا يخفاك ما فيها من القلق، فإن الخلطة شرط في توجيه اليمين لا في إيجاب الجواب ولا في سماع الدعوى، وتكليف البينة كما تعطيه عبارته. انتهى. قال شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله -: لو قال المصنف: ثم مدعى عليه بجوابه، فإن أقر فله الإشهاد عليه وللحاكم تنبيهه عليه، وإن أنكر استحلفه إن خالطه، لأن الخلطة إنما هي شرط في توجه اليمين على المشهور. انتهى. فائدة: ابن عرفة: قطع ابن رشد في سماع أصبغ أن مذهب مالك وكافة أصحابه الحكم بالخلطة، ومثله لابن حارث، ونقل ابن زرقون عن ابن نافع: لا تعتبر الخلطة.

стр. 1473

ابن عرفة: ومضى عمل القضاة عليه عندنا بتونس. أبو الحسن الصغير: وعليه العمل اليوم. قال صاحب فتح الجليل: وعليه العمل اليوم عندنا في مصر، والشاذ من الأقوال إذا كان عليه العمل يتقوى به. انتهى. قال صاحب الجواهر: والدليل على لزوم اعتبار الخلطة النص والمعنى، وأما النص فيها بما روى سحنون بإسناده عنه ﷺ ، وأما المعنى فلما في ذلك من صيانة أهل الفضل والمنزلة عن الذلة وكف الأطراف عنهم. انتهى منه. قوله: إن خالطه بدين (أو تكرر بيع)، وإن بشهادة امرأة) أي إن خالط المدعي المدعى عليه ببيع الدين وإن مرة واحدة أو خالطه بتكرر بيع نقدا إن ثبت ذلك، وإن بشهادة امرأة واحدة، وليس في الشرع موضع يجوز فيه شهادة امرأة واحدة إلا في الخلطة، لأن القصد هنا النصح (١). وقوله: امرأة وأحرى رجل. قوله: (لا ببينة جرحت) أي لا تثبت الخلطة ببينة جرحت سواء جرحت في هذه النازلة أو قبلها. قوله: (إلا الصانع، والمتهم، والضيف وفي معين، والوديعة على أهلها، والمسافر على رفقته، ودعوى مريض أو بائع على حاضر المزائدة) إلى آخر النظائر الثمانية أي فلا تعتبر الخلطة في الصانع إذا ادعى عليه، لأنه نصب نفسه للصنعة وكذلك التاجر، وكذلك إذا ادعى على متهم بسرقة، أو غصب، أو ظلم أو عداء، فإن الخلطة لا تعتبر فيه، ولا تنقلب اليمين، بل إذا نكل غرم، وكذلك الضيف والمراد به القريب الطارئ على البلد، إذا ادعى أنه أو دع رجلا، سواء ضيفه ذلك الرجل المدعى عليه أو لم يضيفه، فإن الخلطة لا تعتبر فيه، وكذلك من ادعى في شيء معين في يد آخر، فإن الخلطة لا تعتبر فيه، وكذلك من ادعى أنه أودع وديعة لمن كان مثله يودع، ويثبت أن المدعي يملك مثل ما ادعى في جنسه وقدره، ويثبت العذر الذي أداه للإيداع، فإن ثبت هذا فلا تعتبر الخلطة فيه، وكذلك المسافر يدعي على بعض أهل رفقته أنه أو دعه مالا، وكذلك إذا ادعى مريض بمرض موته أن له عند فلان حقا، فلا تعتبر الخلطة فيه، وكذلك بائع ادعى على حاضر المزايدة أنه اشترى منه بكذا، ويقول

стр. 1474

حاضر المزايدة ابتعت منك فإن الخلطة لا تعتبر في هذه المسائل الثمانية. انتهى. وفي الدعاوي التي لا توجب اليمين من ادعى على رجل أنه باعه سلعة، فأنكر المدعى عليه، فليس للمدعي أن يحلفه. ومنها: لو ادعى على رجل أنه اشترى منه سلعة: فلا يمين على المدعى عليه الشراء. ومنها: لو ادعى عليه أنه أشركه فيها أو ولاه إياها فلا يمين عليه وأما لو ادعى الإقالة فتجب فيها اليمين. قال ابن سهل: كان ابن عتاب يقول: لا تجب اليمين لمدعي الإقالة إلا أن يأتي بشبهة تقوي دعواه، وبه كان يفتي. ومنها: أن من باع سلعة لرجل أو اشترى لرجل سلعة وزعم أنه وكيله في الصورتين، وأنكر المدعى عليه الوكالة فلا يمين عليه. ومنها: من اشترى عبدا أو دابة وقال البائع: احلف لي أنه ما به عيب تعلمه ولا تكمته، فليس ذلك له. ومنها: إذا ظهر بالعبد أو الدابة عيب قديم، يوجب به الرد فقال للمشتري: احلف أنك ما رضيته بعد علمك به، فلا يمين عليه بقول البائع إلا أن يقول: أخبرني مخبر صدق أنك رضيته بعد العلم، فينكر فتجب عليه اليمين. ومنها: الرجل يشتري العبد فيأبق فقال للبائع أحلف أنه ما أبق عندك، فلا يمين عليه إلا أن يقول: أخبرني مخبر صدق أنه أبق عندك، فحينئذ يحلف وغير ابن القاسم يرى عليه اليمين إذا أبق، لأنه عيب قد ظهر. ومنها: إذا اشترى عبد أو يتيم سلعة أو باعاها، فأراد السيد أو الوصي فسخ ذلك، فأراد المشتري منهما أو البائع أن يحلف السيد أو الوصي أنهما ما أذنا لهما في ذلك، فليس له ذلك. ومنها: لو ادعى رجل على رجل حقا من شركة، فأنكر المدعى عليه الشركة، فلا يمين عليه إلا أن يقر بالشركة أو تقوم بذلك البينة فيحلف على إبطال دعوى المدعي. ومنها: لو ادعى على رجل أنه عامله قراضا أو ساقاه، فأنكر المدعى عليه فلا يمين عليه. انتهى من تبصرة ابن فرحون (١).

стр. 1475

قوله: (فإن أقر فله الإشهاد عليه، وللحاكم تنبيهه عليه، وإن أنكر قال: ألك بينة) أي وإن أقر المدعى عليه، فللمدعي الإشهاد عليه خوف الإنكار بعد الإقرار، وللحاكم تنبيه المدعي على الإشهاد على إقرار المدعى عليه، ولا يقال له أنه تلقين خصم، وإن أنكر المدعى عليه، قال الحاكم للمدعي: ألك بينة، فإن قال: نعم، فيقول له أحضرها، فإن أحضرها مقبولة يحكم بها بعد الإعذار. والإعذار مبالغة في طلب العذر. قوله: (فإن نفاها واستحلفه) أي فإن نفى المدعي بينة، فقال: لا بينة لي واستحلفه فحلفه القاضي (فلا بينة) بعد ذلك نافعة له، واختلف هل يسقط حقه بمجرد طلب يمينه، وهو ظاهر كلام الشيخ، وهو ظاهر كلام ابن الحاجب، وقال بعضهم بل لا يسقط حتى يحلف. قوله: (إلا لعذر كنسيان، أو وجد ثانيا، أو مع يمين لم يره الأول) أي فلا تقبل بينته بعد أن نفاها، واستحلف المدعى عليه إلا أن يتبين له عذر فيقوم بها، ويكون العذر بالنسيان، أو عدم العلم بها، أو ظن موت البينة، أو وجد شاهدا ثان مع شاهده الذي لم يحكم به الحاكم وحده، وكذلك إن قام شاهده الذي شهد له مع يمين لم ير الحاكم الأول الحكم بشاهد ويمين. ابن مرزوق في المنزع النبيل: وفيه نظر لأن فيه نقض حكم الحاكم. قوله: (وله يمينه أنه لم يحلفه أولا، قال وكذا أنه عالم بفسق شهوده) أي وللمدعى عليه يمين المدعي أنه لم يحلفه أولا، فإن نكل حلف المدعى عليه أنه حلفه أولا. قال المازري في نفسه وكذلك للمدعى عليه أن يحلف المدعي إذا ادعى عليه علم فسق شهوده، فإن نكل عن اليمين بطلت دعواه. فرع: دعوى المرأة على زوجها أنه طلقها، ودعوى العبد على سيده أنه أعتقه. فإن عندنا لا تتعلق اليمين بهذه الدعوى المجردة، لأجل أن ذلك لو فتح فيه الباب، لم تشأ امرأة أن تستحلف زوجها كل يوم مرارا إلا وفعلت، وكذلك العبد مع سيده إذا ادعى عليه العتق، فتسقط هذه الدعوى مع كونها مفيدة لو أقر بها المدعى عليه، لأجل ما يتخوف من تكريرها مضارة حصول الأذى للأزواج والسادات. وهو مستثنى من شرط سماع الدعوى أن تكون مما يتعلق به غرض صحيح فاحترز من الدعوى بعشر سمسمة، فإنه لا ينبغي للحاكم سماع مثل هذه الدعوى. ونص القرافي أن هذه الدعوى وشبهها لا تسمع، لأنه لا يترتب عليها نفع شرعي. انتهى

стр. 1476

من تبصرة ابن فرحون (١). قوله: (وأعذر إليه بأبقيت لك حجة؟ وندب توجيه متعدد فيه إلا الشاهد بما في المجلس، وموجهه، ومزكي السر، والمبرز بغير عداوة، ومن يخشى منه، وأنظره لها باجتهاده، ثم حكم) أي وأعذر القاضي المحكوم عليه بأن يقول له: أبقيت لك حجة طالبا كان أو مطلوبا. والحجاج فهي ما يقضي به الحكام ولذلك قال ال: «ولعل بعضهم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه» (٢) فالحجاج تتوقف على نصب من جهة الشارع وهي: البينة، والإقرار، والشهادة واليمين، والشاهد، والنكول، واليمين، والنكول والمرأتان واليمين، والمرأتان والنكول، والمرأتان فيما يختص بالنساء، وشهادة الصبيان، ومجرد التحالف عند مالك فيقسمان بعد إيمانهما عند تساويهما عند مالك، فذلك نحو عشرة من الحجاج هي التي يقضي بها الحاكم. فالحجاج أقل من الأدلة الدالة على المشروعية، وأدلة المشروعية أقل من أدلة وقوع الأحكام. فائدة: هذه الثلاثة الأنواع موزعة في الشريعة على ثلاثة طوائف فالأدلة يعتمد عليها المجتهدون. والحجاج يعتمد عليها الحكام والأسباب يعتمد عليها المكلفون، كالزوال ورؤية الهلال ونحوه. انتهى من أنوار البروق للقرافي في الفرق السابع عشر منه (٣). قوله: وندب للقاضي توجيه متعدد في الأعذار اثنان فأكثر حتى ينتهي الإعذار. والإعذار مبالغة في طلب العذر، فإن قال الطالب: لي بينة، أنظره لأجلها بالإجتهاد بالعلم والتقوى لا بالجهل والهوى بلا حد، ثم حكم بعد الإنظار على المحكوم عليه طالبا كان أو مطلوبا بأن حكم عليه ببراءة ذمة المدعى عليه فيما ادعاه عليه، وإن كان المحكوم عليه هو المدعى عليه حكم عليه بعمارة ذمته بما ادعى عليه. قوله: (كنفيها) أي كما يحكم عليه إذا نفى الحجة، وقال: لا حجة لي،

стр. 1477

والحجاج التي تقضي بها الحكام سبع عشرة: الشاهدان، والشاهد واليمين، والأربعة في الزنا، والشاهد واليمين، والمرأة واليمين، والمرأتان، والشاهد، والنكول، والمرأتان، والنكول، واليمين والنكول، وأربعة أيمان في اللعان، وخمسون يمينا في القسامة، والمرأتان فقط في العيوب المتعلقة بالنساء، والقافة، وقمط الحيطان وشواهدها واليد واليمين وحدها، بأن يتخالفا ويقسم بينهما فيقضي لكل واحد منهما بيمينه والإقرار، وشاهد الصبيان وهذه هي الحجاج التي تقضي بها الحكام وما عداها لا يقضي به عندنا. قوله: إلا الشاهد بما في المجلس إلى آخر النظائر، هذه المسائل المستثنى من قوله: وأعذر القاضي أي وأعذر القاضي إلى المحكوم عليه، إلا إذا أشهد شاهدان بما وقع في مجلس الحكم، فإنه لا إعذار فيه، لأن الحاكم علم ما علم الشاهد. لا يقال أن الحاكم حكم بعلمه، وكذلك شهادة من وجهه القاضي لأجل الشهادة فشهد لا إعذار فيه، بل ينفذ ما شهد به، لأن الحاكم لا يوجه إلا من يثق به، وكذلك الشاهد الذي زكى في السر إذا شهد، فلا إعذار فيه، ويكفي فيه مزك واحد، وأما المزكى على نية، كمن شهد وطلب تزكيته، فلا بد فيه من مزكيين، وكذلك شاهد المبرز بالعدالة فلا إعذار فيه. والمبرز: من بلغ أقصى الغاية في استقامة الحال، والصلاح، والزهد، والورع، هذا إذا لم يكن بينه وبين المشهود عليه عداوة، لأن تهمة العداوة أقوى من تهمة القرابة، وكذلك الشاهد إذا أشهد على من يخشى منه الإعذار فيه، فيحكم عليه بلا إعذار، ولا يخبر بمن شهد عليه، ولا بمن زكاه، ولا يخبر بمن جرح شاهدا له. وترك الشيخ مسألة سادسة وهي إذا شهد شاهد بما جرى بين أهل الرفقة وقبلت شهادته بالتراسم، فلا إعذار فيه ويقسم بينهما، فيقضى لكل واحد بيمينه، والإقرار وشهادة الصبيان فهذه هي الحجاج التي بها الحكام وما عداها لا يقضى به عندنا. قوله: (وليجب عن المجرح، ويعجزه، إلا في دم، وحبس، وعشق، ونسب، وطلاق) أي وليجب القاضي المحكوم عليه إذا سأل عن المجرح لشاهده فيقول له: فلان وفلان هما اللذان جرحا شاهدك، إذ لعله بينه وبينهما عداوة، وكذلك القاضي يجيب المحكوم عليه إذا سأل عن من زكى الشاهد على قوله: ويعجزه أي فإن حكم الحاكم على المحكوم عليه بعد الإنظار، فإنه يعجزه أي لا يقبل له بينة بعده، إلا في

стр. 1478

هذه المسائل الخمسة، فإنه لا يعجزه بل إذا عجز بنفسه حكم عليه، ومتى أتى ببينة سمعت منه وهي: الدم، والحبس، والعتق، والنسب، والطلاق. قوله: (وكتبه) أي وكتب القاضي التعجيز، وتكون الوثيقة في يد المحكوم له. قال في المفيدة: حق على القاضي أن يكتب التعجيز، ويشهد عليه. وما قاله الشارح هنا غير ظاهر. قوله: (وإن لم يجب حبس، وأدب ثم حكم بلا يمين. ولمدعى عليه السؤال عن السبب، وقبل نسيانه بلا يمين) أي وإن أبى المدعى عليه أن يجيب المدعي بإقرار أو إنكار، بل سكت أو قال: لا أخاصمك حبس حتى يجيب بإقرار أو إنكار، فإن لم ينفع فيه مجرد الحبس أدب بالضرب، فإن لم ينفع فيه ذلك حكم عليه القاضي بلا يمين من الطالب، وقيل: بيمين وهو الظاهر. انتهى. قال أصبغ: إذا تكلم المدعي وأدعي بحجته، قال الحاكم للآخر: تكلم، فإن سكت أو قال: لا أخاصمه إليك، قال له القاضي: إما خاصمت، وإما أحلفت هذا المدعي على دعواه، وحكمت له؟ فإن تكلم نظر الحاكم في حجته، وإن لم يتكلم أحلف المدعي، وقضى له بحقه إن كان مما يستحق مع نكول المطلوب عن اليمين، وكانت الخلطة ثابتة والدعوى مشبهة عرفا، لأن نكوله عن التكلم نكول عن اليمين، وإن كان مما لا يثبت إلا بالبينة دعا بالبينة. قال محمد بن عبد الحكم: إن قال: لا أقر ولا أنكر لم يترك حتى يقر أو ينكر، وإن أبي سجنه حتى يقر أو ينكر، وهي رواية أشهب، ابن رشد: والذي جرى به العمل إن تمادى على امتناعه حكم عليه بلا يمين. انتهى من ابن فرحون (١). قوله: ولمدعى عليه السؤال عن السبب، وهذا على القول أن المدعى عليه هو الذي يسأل المدعي عن سبب دعواه، إذ لعل المدعي يذكر سببا لا يوجب عليه شيئا، أو يوجب أقل مما ادعى، وقبل من المدعي دعواه نسيان السبب بلا يمين منه. قوله: (وإن أنكر مطلوب المعاملة فالبينة: ثم لا تقبل بينة بالقضاء) أي وإن ادعى على رجل دينا فأنكر المدعى عليه المعاملة أصلا، فالبينة على المدعي، فإن أتى بها قضى له به، فإن أتى المدعى عليه ببينة بعد أن أنكر المعاملة أنه قضاه ذلك الدين، فإن بينته لا تقبل لأنه قد كذبها، لإنكاره المعاملة أولا، فالدعوى الصحيحة يمكن

стр. 1479

مدعيها من إقامة البينة وقد يمنع من إقامتها في وجوه منها: إذا استحلف المدعي المطلوب مع العلم ببينته الحاضرة، ثم أراد القيام بها لم يمكن من إقامتها على خلاف فيه. ومنها: أن من ادعي عليه بدين من سلف، أو ادعي عليه بقراض، أو بوديعة، أو ببضاعة، أو رسالة، أو رهن، أو عارية، أو هبة، أو صدقة، أو حق من الحقوق، فجحد أن يكون عليه شيء من ذلك، فلما خاف أن تقوم عليه البينة بذلك أقر به، وادعى فيه وجها من الوجوه يريد إسقاط ذلك عن نفسه، لم ينفعه ذلك وإن قامت له البينة على ما زعم آخرا لأن جحوده أولا إكذاب لبينته فلا تسمع وإن كانوا عدولا، وكذا لو لم يقر بل لما جحد قامت عليه البينة، فإن أراد أن يقيم البينة بما يبرئه من ذلك لم تسمع بينته. ومنها: لو أنكر الوكيل قبض الثمن، فقامت عليه البينة، فقال: تلف، أو رددته، لم تسمع دعواه ولا بينته لأنه كذبها. ومنها من ثبت عليه حق بشاهد فقال للمدعي احلف مع شاهدك فقال: أخشى أن أحلف، وتدعي العدم فأشهد له بأنه موسر، فحلف المدعي، ثم ادعى المطلوب العدم وأقام بينة على ذلك لم تسمع، لأنه أكذبها. ومنها: إذا حل القاضي بغير عمله، فأتاه قوم من أهل علمه يسألونه أن يسمع من بينتهم على رجل في علمه، فليس له ذلك لأنه ليس والي ذلك البلد، فليس له أن يسمع من بينة فيها، ولا ينظر في بينة أحد ولا يشهد عنده أحد إلا في بلده. ومنها: قال ابن حبيب قال لي أصبغ لا ينبغي للقاضي إذا عزل الوصي لأمر كرهه منه، أو لعذر رآه فيه، أن يكتب له براءة مما جرى على يديه قبل ذلك، مما زعم أنه أنفقه عليه، وإن أتاه على ذلك بينة فلا يسمعها، حتى يبلغ اليتيم مبلغ الدفع عن نفسه، ولكن إن أخذ القاضي منه مالا لليتيم كان في يديه عند عزله إياه، كتب له براءة منه وأخذه منه. ومنها: أن من ادعى على صغير أو سفيه بدين من معاملة أو بيع أو ابتياع له أو سلف، فلا يسمع الدعوى عليه، ولا يمكن من إقامة البينة. انتهى من تبصرة ابن فرحون (١).

стр. 1480

مسألة: وفي المفيدة: إذا انعقد بين شخصين أنه لم يبق بينهما دعوى ولا حجة ولا يمين ولا علقة بوجه من الوجوه كلها حديثها وقديمها، ثم قام أحدهما على صاحبه بحق قبل تاريخ الإشهاد المذكور، وثبت ببينة أنه يأخذه صاحبه به ولا يضره الإشهاد؛ لأن ظاهر الإشهاد لم يقصدا فيه إلى إسقاط البينة. قاله ابن عات. انتهى (١). قوله: (بخلاف لا حق لك علي) أي وإن ادعى عليه دينا فقال له لا حق لك علي، فأثبت المدعي الحق، فأقام المدعى عليه بينة أنه قضاه ذلك الحق، فإن بينته تقبل لأنه لم يكذبها أولا. قوله: (وكل دعوى لا تثبت إلا بعدلين فلا يمين بمجردها) إلى آخره وهذا ضابط مليح أي وكل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين عدلين فلا يمين بمجردها، مفهومه لو شهد عدل واحد ففيها اليمين، وهو بخلاف ما تقدم في باب النكاح في قوله: وإلا فلا يمين، ولو أقام المدعي شاهدا، والمفهوم موافق لصاحب لو هناك، والتعارض يكون بين نصين ومفهومين، وبين مفهوم ونص. قوله: (ولا ترد) أي ولا ترد هذه اليمين. ابن عبد السلام فإن قلت: قوله: لا ترد زيادة مستغنى عنها؛ لأن رد اليمين فرع عن توجيهها، فإذا لم تتوجه لم ترد؟ قلت: الرد الذي يستغنى عن نفيه بنفي التوجه وهو الذي يكون في جانب المدعى عليه، وقد يكون الرد من جانب المدعي إلى جانب المدعى عليه، كما إذا قام للمدعي شاهد في بعض هذه المسائل يعني كما قال بعد وحلف بشاهد في طلاق أو عتق. انتهى من ابن غازي (٢). قوله: (كنكاح) مثال لما لا يثبت إلا بشاهدين، كعتق وطلاق وولاء ونسب ورجعة وقتل عمد وشبه ذلك. قوله: (وأمر بالصلح ذوي الفضل والرحم: كأن خشي تفاقم الأمر) أي وأمر القاضي الخصمان بالصلح، إذا كانا من ذوي الفضل، وإن ظهر وجه الحكم، وإن لم يخش تفاقم الأمر وإن لم يكونا من ذوي الرحم، وكذلك يأمر ذوي الرحم بالصلح وإن لم يكونا من أهل الفضل، وإن لم يخش تفاقم الأمر، وإن ظهر وجه الحكم، لأن

стр. 1481

الصلح لا يثير العداوة كما يثيرها الحكم، وكذلك يأمر بالصلح إن خشي تفاقم الأمر أي تفاحشه وإن لم يكونا من أهل الفضل والرحم. قوله: (ولا يحكم لمن لا يشهد له على المختار) أي ولا يحكم القاضي لمن لا يشهد له كوالده وولده وزوجه على ما اختاره اللخمي من الخلاف، مقابله يحكم لهم، لأن الحكم بالبينة، والبينة ظاهرة غير خفية. قوله: (ونبذ حكم جائر، وجاهل لم يشاور) أي وإذا تولى القاضي نظر فيمن تقدم قبله فإن كان جائرا أي ظالما نبذ حكمه أي طرحه ولا يعمل به، كان ما حكم به صوابا أو غير صواب، لأنه لم يقصد الصواب، وكذلك ينبذ حكم جاهل بالأحكام إن لم يشاور العلماء، وإن وافق صوابا لأنه لا يعلمه فيقصده. قوله: (وإلا تعقب، ومضى غير الجور أي وإن كان الجاهل يشاور العلماء، نظر في حكمه وما كان صوابا أمضاه وما كان غير صواب نبذه. قوله: (ولا يتعقب حكم العدل العالم) أي ولا يتعقب القاضي الذي تولى حكم القاضي العالم العدل. قوله: (ونقض - وبين السبب مطلقا - ما خالف قاطعا، أو جلي قياس) أي ونقض الحاكم العالم العدل حكمه أو حكم غيره، ما خالف قاطعا من كتاب أو سنة أو إجماع، أو خالف قياسا جليا وهو مفهوم الموافقة وهو أحرى، وقيل: ما اتفق فيه العلة ويبين السبب النقض لحق المحكوم له والشاهد فإن قلت: قد قال: ولا يتعقب حكم العدل العالم قلت: وقد يظهر بغير تعقب. قوله: (كاستسعاء معتق، وشفعة جار، وحكم على عدو، أو بشهادة كافر، أوميراث ذي رحم، أو مولى أسفل، أو بعلم سبق مجلسه، أو جعل بتة واحدة، أو أنه قصد كذا فأخطأ ببينة، أو ظهر أنه قضى بعبدين، أو كافرين، أو صبيين، أو فاسقين) أي تشبيه لإفادة الحكم لا تمثيل كما توهمه بعضهم أي فإذا عتق شخص نصيبه من العبد، فحكم حاكم باستسعاء ذلك العبد ليعتق الباقي منه، فإنه ينقض هذا الحكم بل يبقى العبد معتق البعض، وكذلك ينقض حكم بشفعة جار، وكذلك ينقض الحكم على عداوة وقيل: لا ينقض، لأن البينة ظاهرة غير خفية، وكذلك ينقض الحكم بشهادة كافر قصدا وإن على كافر. وكذلك ينقض الحكم بتوريث ذي رحم كعمة وخالة، وكذلك إذا حكم بميراث مولى أسفل، وكذلك ينقض الحكم إذا حكم الحاكم بعلم سبق مجلس

стр. 1482

قضائه، سواء علم ذلك قبل ولايته أو فيها، وأما علمه بالمجلس بإقرار الخصم ثم أنكر، فإنه يحكم عليه بعد الإنكار لعلمه، وكذلك ينقض الحكم إذا حكم بجعل بتة طلقة واحدة، وكذلك ينقض الحكم إذا ثبت ببينة أنه قصد كذا فخطأ، وكذلك ينقض الحكم إذا شهد شاهدان عنده فحكم بهما، ثم ظهر أنهما عبدين، أو كافرين، أو صبيين، أو فاسقين، وليس بتكرار مع قوله: أو بشهادة كافر لأن تلك حكم بها قصدا، وهذه إنما ظهر بعد الحكم. قوله: (كأحدهما؛ إلا بمال فلا يرد، إن حلف، وإلا أخذ منه، إن حلف) أي كما ينقض الحكم إذا ظهر أن أحد الشاهدين عبدا أو كافرا أو صبيا أو فاسقا، إلا أن يكون المحكوم فيه مالا، فلا يرد للمحكوم عليه ذلك المال إن حلف الطالب، وإن نكل أخذ منه إن حلف المطلوب. قوله: (وحلف في القصاص خمسين مع عاصبه، وإن نكل ردت، وغرم شهود علموا؛ وإلا فعلى عاقلة الإمام) أي فإذا شهد شاهدان بالقتل فحكم القاضي بقتله قصاصا، ثم ظهر أن أحد الشهود عبدا، أو كافرا، أو صبيا، أو فاسقا، حلف مستحق الدم مع عاصبه خمسين يمينا، فإن نكل عن اليمين ردت الشهادة أي بطلت، ويغرم الشهود الدية إن علموا أن أحدهم عبد أو كافر أو صبي أو فاسق، وإن جهلوا الحكم، وإلا أي وإن لم يعلموا بذلك فالدية على عاقلة الإمام، لأنه الذي عليه التفتيش في الشهود. القاعدة أن خطأ الإمام في الدماء على عاقلته، وخطؤه في الأموال هدر. قوله: (وفي القطع حلف المقطوع أنها باطلة) أي وإن شهد الشهود على قطع عضو إنسان فقطعه الحاكم قصاصا، ثم ظهر أن أحد الشهود عبد أو كافر أو صبي أو فاسق، فإن الطالب يحلف مع شاهده، فإن نكل حلف المقطوع أن الشهادة باطلة، ويأخذ دية يده من الشهود إن علموا، وإن لم يعلموا فعاقلة الإمام، فإن نكل فلاشيء له. انتهى. وفي مختصر الواضحة: وعلى القاضي إذا أقر بالجور أو ثبت عليه بالبينة العقوبة الموجعة، ويعزل، ويشهر به، ويفضح، ولا تجوز ولايته أبدا، ولا شهادته، وإن تاب وصلحت حاله، بما اجترم في حكم الله تعالى (١). ولو شهد عنده من ليس بعدل، والقاضي يعلم أنه شهد بحق، فلا يحل له أن

стр. 1483

يجيز الشهادة ولا يحكم بها. انتهى من تبصرة ابن فرحون (١). قوله: (ونقضه هو فقط إن ظهر أن غيره أصوب، أو خرج عن رأيه، أو رأي مقلده) أي فلا ينقضه غيره وهذا يبين معنى قوله: مطلقا أي ونقض الحاكم المجتهد ما حكم به إن ظهر له بالإجتهاد أن غير ما حكم به أصوب ما دام في ولايته، وكذلك إن حكم بما خرج عن رأيه إن كان مجتهدا، أو خرج عن رأي مقلده، إن كان مقلدا والمقلد كالبعير يقاد لا يميل يمينا ولا شمالا. انتهى. قال ابن الحاجب: فلو حكم قصدا فظهر أن غيره أصوب، فقال ابن القاسم: يفسخ الأول. وقال ابن الماجشون وسحنون: لا يجوز فسخه وصوبه الأئمة (٢). يعني وصوبه أئمة المتأخرين قياسا على حكم غيره، ولأنه لو كان له نقض هذا لرأيه الثاني لكان له فسخ الثاني والثالث، ولا يقف على حد، ولا يثق أحد بما قضى له به، وذلك ضرر شديد، وقيل: إن كان القضاء بمال فسخه، وإن كان في ثبوت نكاح أو فسخه لم ينقضه. قال ابن رشد والمشهور هو الأول وهو الصواب، لأنه رجوع إلى الصواب. انتهى (٣). وقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ ولو عزل القاضي ثم ولي، فأراد نقض قضاء كان قد قضي به في ولايته الأولى، والرجوع عنه إلى ما هو أحسن منه لم يجز ذلك له، إلا على ما يجوز له من نقض قضاء غيره قبله إن كان خطأ بينا لم يختلف فيه، أو أمرا شاذا مما اختلف فيه. انتهى من تبصرة ابن فرحون (٤). قوله: (ورفع الخلاف، لا أحل حراما) وقال: «فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض» النووي معنى ألحن أعلم وأبلغ في الحجة فأقضي له على نحو ما أسمع. عياض فيه أن حكمه ﷺ إنما كان بحسب الظاهر وإن كان الباطن بخلافه، فقضى بالشاهد واليمين وبمعرفة العفاص والوكاء، ولو شاء الله سبحانه لأطلعه على ضمير الخصمين وحقيقة الأمر فيحكم بالقطع. وحكمة الله سبحانه في العدول عن

стр. 1484

ذلك إلى الحكم بالظاهر، أنه تعالى كلف الأمة بالاقتداء به ﷺ في أقواله وأفعاله، ولو حكم مستندا إلى القطع لم يمكن الاقتداء به، لأن الإطلاع على ضمير الخصمين وحقيقة الأمر يكون من خصائصه ﷺ ، ويحتج به أيضا من لا يجيز حكم الحاكم بعلمه، لقوله ﷺ : «على نحو ما أسمع»، ولم يقل: أعلم. إكمال الإكمال (١). وفي المدارك والإخفاء بأن حكمة الله تعالى في منصب الحكم والقضاء، تحقيق الحق وإبطال الباطل بحكم الدلائل الظاهرة، وقطع المنازعة والمشاجرة، وحكمهم بذلك ماض وبواطن الأمور إلى الله تعالى. ومن خادع الله فإنما يخادع نفسه (٢) أي فإذا حكم حاكم في نازلة فيها خلاف، فإن حكمه ذلك يرفع ذلك الخلاف ويصير كالمتفق عليه في تلك النازلة بعينها لا في أمثالها. قوله: (لا أحل حراما) أي ولا يحل الحكم حراما بل يبقى على حاله، لأن الحكم على الظواهر، والله يتولى السرائر، لا خلاف عند أهل المذهب أنه لا فرق بين الأموال والفروج كما قطع به ابن رشد وابن عرفة وغيرهما. انتهى. فحكم الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا على من علمه في باطن الأمر، لأن الحاكم إنما يحكم بما ظهر، وهو الذي يحكم به، ولا ينقل الباطن عند من علمه عما هو عليه من التحليل أو التحريم. قال رسول الله ﷺ : «إنما أنا بشر مثلكم ولعلكم تختصمون إلي، فلعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار» (٣). وهذا إجماع من أهل العلم في الأموال. واختلفوا في انعقاد النكاح أو حل عقده بظاهر ما يقضي به الحاكم وهو خلاف الباطن. فمذهب مالك والشافعي وجمهور أهل العلم،

стр. 1485

إلى أن الأموال والفروج في ذلك سواء، لأنها حقوق كلها تدخل تحت قوله: ﷺ «فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه» (١)، وقال أبو يوسف وأبو حنيفة: إنما ذلك في أموال خاصة. انتهى من تبصر ابن فرحون (٢). والإخفاء بأن حكمة الله في منصب الحكم، والقضاء، تحقيق الحق وإبطال الباطل بحكم الدلائل الظاهرة، وقطع المنازعة والمشاجرة، وحكمهم بذلك ماض وبواطن الأمور إلى الله تعالى، ومن خادع الله فإنما يخادع نفسه، ومحال تغيير حكم البشر في الباطن حكم الله وحكمته. انتهى من المدارك (٣). قال القرافي وعز الدين: من أتى شيئا مختلفا فيه يعتقد تحريمه أنكر عليه لانتهاكه الحرمة، وإن اعتقد تحليله لم ينكر عليه، إلا أن يكون مدرك المحل ضعيفا ينتقض الحكم بمثله في الشرع. انتهى من العبدري (٤). قوله: (ونقل ملك، وفسخ عقد، وتقرر نكاح بلا ولي حكم) إلى آخره أي ونقل الأملاك حكم كبيع الحاكم ملك المديان، فإنه حكم ينقل الملك عنه، وخروجه من يده، وكذلك فسخ عقد من بيع أو إجارة حكم بلا اختلاف فيهما، وكذلك تقرر نكاح بلا ولي حكم ليس لقاض آخر نقضه. اختلف أهل المذهب هل يكون تقرير الحاكم على الواقعة حكم بالواقع فيها؟ أم لا، كما إذا زوجت امرأة نفسها بغير إذن ولي، ورفع ذلك إلى قاض يراه جائزا، فأقره وأجازه ثم عزل قال ابن القاسم: ليس لغيره فسخه وإقراره عليه حكم واختاره ابن محرز وهو ظاهر المدونة. قال عبد الملك: ليس بحكم ولغيره فسخه، وهذا بخلاف ما لو رفع إليه فقال: لا أجيز النكاح بغير ولي، من غير أن يحكم بفسخه. فهذه فتوى ولغيره الحكم في تلك الواقعة بما يراه. وكذلك إذا قال: لا أجيز الشاهد واليمين، فهو فتوى اتفاقا.

стр. 1486

انتهى من ابن فرحون (١). قوله: (لا، لا أجيزه، أو أفتى) أي هذا ليس بحكم بلا خلاف. الحكم والفتوى كلاهما إخبار عن حكم الله تعالى، ويجب على السامع اعتقادهما، وكلاهما يلزم المكلف من حيث الجملة. لكن الفتوى إخبار عن الله تعالى في إلزام أو إباحة، والحكم إخبار معناه الإنشاء والإلزام، وبيان ذلك بالتمثيل أن المفتي مع الله تعالى، كالمترجم مع القاضي ينقل ما وجده عن القاضي، واستفاده منه بإشارة أو عبارة أو فعل أو تقرير أو ترك، والحاكم مع الله تعالى كنائب الحاكم ينشيء الأحكام، والإلزام بين الخصوم، وليس بناقل ذلك عن مشتنيبه. قال له أي شيء حكمت به على القواعد فقد جعلته حكمي. من أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي (٢). قوله: (ولم يتعد لمماثل) أي وإذا حكم حاكم مجتهد باجتهاده في نازلة لم ينعقد الحكم لمماثل النازلة، (بل إن تجدد) مثلها (ف) عليه (الاجتهاد)، لأن حكم القاضي إنما يتعلق بالجزئيات لا بالكليات. قوله: (كفسخ برضع كبير، وتأبيد منكوحة عدة) وهذا مثال أي فإذا رفع إلى قاض أن أحد الزوجين رضع أم الآخر وهو كبير وفسخ القاضي نكاحهما، فالفسخ ثابت، لا ينقضه أحد، ولكنه إن تزوجها بعد ذلك فرفع أمرهما إلى غيره لم يمنعه ذلك الفسخ أن يجتهد ويبيحها له، إن أداه اجتهاده إلى أن رضاع الكبير لا ينشر الحرمة، وكذلك لو رفع إليه نفسه وتغير اجتهاده، إلى أن إرضاع الكبير لا ينشر الحرمة، فله أن يبيحها له. وكذلك من تزوج امرأة في عدتها ورفع ذلك إلى قاض مالكي، فإنه يرى مع الفسخ تأبيد التحريم، ومع هذا فإن حكمه لا يتعدى الفسخ، فإن تزوجها بعد ذلك ورفع أمرهما إلى قاض آخر لا يرى تأبيد التحريم، لم يكن القضاء الأول مانعا من أن يبيحها له، ويكون الحكم في حق المرأتين في هذا الفرع والذي قبله، حكم امرأتين لم يتقدم عليهما حكم. انتهى من تبصرة ابن فرحون (٣).

стр. 1487

قوله: (وهي كغيرها) أي وهذه المرأة فهي كغيرها (في المستقبل) من الزمان. قوله: (ولا يدعو لصلح، إن ظهر وجهه) أي ولا يدعو القاضي الخصمين إلى الصلح إن ظهر وجه الحكم لأن فيه إبطال حق من له الحق، وهذا كله في غير من تقدم ذكره، وهو ذو الفضل والرحم، أو لم يخش تفاقم الأمر، مفهومه أنه يدعوا إلى الصلح إذا لم يظهر وجه الحكم، والمفهوم صحيح، ولكن لا يجبر على الصلح، وقيل يجبرهما عليه لأنه من باب الأمر بالمعروف. قوله: (ولا يستند لعلمه) أي ولا يستند القاضي في حكمه لعلمه، يريد في الأموال وأما التعازير وشبهها، فإنه يحكم بعلمه وما قاله أبو الحسن هنا غفلة منه. قال المازري: ومن الحكمة والمصلحة منع القاضي الحكم بعلمه، لأنه قد يكون غير عدل، فيقول علمت فيما لم يعلم. انتهى. والحاكم غير معصوم فيتهم بالقضاء بعلمه، فلعل المحكوم له ولي، أو المحكوم عليه صديق ولا نعلم نحن ذلك، فحسمنا المادة صونا لمنصب القضاء عن التهم. من كتاب أنوار البروق (١). والقضاء يكون بحسب المسموع لا بحسب المعلوم انتهى منه (٢). وعلى هذا إذا قال: ثبت عندي كذا فلا يقبل إلا ببينة، ولو شهد عنده من ليس بعدل وهو يعلم أنه شهد بحق، فلا يحل له أن يجيز الشهادة ولا أن يحكم بها. قوله: (إلا في التعديل والجرح) أي ولا يستند القاضي بعلمه إلا في التعديل والجرح، فإنه يستند لعلمه فيهما نفيا للتسلسل، لأنه يحتاج إلى بينة تشهد بالتعديل والجرح، وتحتاج البينة إلى بينة إلا أن يقبل بعلمه ويقبل قوله: لئلا تفوت المصالح المرتبة على الولاية للأحكام أي فإذا علم عدالة إنسان عمل بها، وكذلك جرحه إنما يسأل عن المجهول. قوله: (كالشهرة بذلك) أي كما يستند بعلمه في الشهرة بالعدالة، والشهرة بالجرح، فإذا اشتهر رجل بالعدالة يستند عليه وإن جهل عينه، وكذلك مشتهر بالفسخ، فإنه يستند على ذلك فلا يحكم بشهادته ولا يسأل عنه. قوله: (أو إقرار الخصم بالعدالة) أي وكذلك يستند القاضي على إقرار وقول

стр. 1488

الخصم بعدالة من شهد عليه، وهذا إذا أقر بعدالته بعد أن أدى الشهادة وأما قبل الشهادة ففيه نظر، لأن المشهود عليه قد يقول كنت أعرفه عدلا والآن ظهر لي حاله وهذا هو الظاهر وإن قيل ما قيل. انتهى. وفي المتيطية قال أبو عمر في كافيه: وإن شهد عند القاضي شهود لا يعرفهم، فاعترف المشهود عليه بعدالتهم جاز للقاضي أن يقضي بهم (١) عليه فإذا لم يكذبهم ولا يقضي بهم على غيره إلا أن يعرف عدالتهم. وقال أصبغ: إذا رضي الخصمان بشهادة من لا يعرف القاضي عدالته ولا جرحته، لم يحكم بها. فرع: قال ابن القاسم: وإذا رضي المسلمان بشهادة المسخوطين فيما بينهما لزمهما، وليس لهما الرجوع عنه، كما لو رضيا بغير شهادة. ولو رفعا ذلك إلى الحاكم لم يحكم عليهما بشهادتهما. انتهى من ابن فرحون (٢). قوله: (وإن أنكر محكوم عليه إقراره بعده لم يفده) أي وإن أنكر المحكوم عليه إقراره بالحق بعد الحكم عليه لم يفده إنكاره ذلك شيئا بل مضى الحكم لأنه نسب الجور إلى القاضي إذ كأنه قال: حكمت علي بغير إقرار مني وأما إن أنكر الاقرار قبل الحكم فإنه يفيد ويكون القاضي شاهدا. قوله: (وإن شهدا بحكم نسيه أو أنكره أمضاه) أي وإن شهد الحكم شاهدان على حكم حاكم وادعى الحاكم نسيانه أو أنكره وقال لم أحكم، فإنه يمضي ذلك الحكم بشهادة الشاهدين ولا يعتمد على نسيانه وإنكاره. قوله: (وأنهى لغيره بمشافهة إن كان كل بولايته) أي وبلغ القاضي حكمه لغيره من القضاة بمشافهة معه لا بإرسال، إن كان كل من القاضيين في ولايته، ويشتمل على ثلاث صور: إحداهما: إذا كان المبلغ في ناحية من البلد، والآخر في ناحية من ذلك البلد. الثانية: أن يكونا في بلدين متلاصقين، فيأتي هذا إلى آخر عمله، فيبلغه ذلك مشافهة. الثالثة: إذا كانا في بلد واحد، وكل منهما يحكم فيه على الإطلاق، ولم يقيد

стр. 1489

بناحية ولا نوع من الأحكام. ومعنى إن كان كل في ولايته أن كل من خرج عن ولايته منهما فلا عبرة بقوله، لأنه معزول بخروجه عنه. الولاية بالكسر الإمارة وبالفتح النصر والإنهاء التبليغ. قوله: (وبشاهدين مطلقا) أي وأنهى الحاكم لغيره من الحكام بشاهدين سواء كان ذلك الحكم الذي بلغه إليه مما يثبت بشاهدين، أو بشاهد ويمين، أو بشاهد وامرأتان أو ما لا يثبت إلا بأربعة شهود. قوله: (واعتمد عليهما، وإن خالفا كتابه) أي واعتمد القاضي الثاني على شهادة الشاهدين وإن خالف ما شهد به الكتاب الذي كتبه إليه معهما لاحتمال التزوير ولكن إذا وافقت شهادتهما الدعوى. قوله: (وندب ختمه) أي وندب للقاضي ختم الكتاب الذي يكتب به الى آخر أنه حكم بكذا. انتهى. قوله: (ولم يفد وحده) أي ولم يفد الكتاب وحده ولا الختم وحده، وهذا في الزمان الأول، وأما هذا الزمان العمل على قبول كتب القضاة في الأحكام والحقوق بمجرد معرفة خط القاضي. انتهى. قال ابن عاصم (١): والعمل اليوم على قبول ما … خاطبه قاض بمثل اعلما قال ابن القاسم وابن الماجشون: ولا بد من شهود بأن هذا الكتاب كتاب فلان القاضي. وزاد أشهب: ويشهدون أنه اشهدهم عليه. وقال ابن نافع عن مالك: كان من الأمر القديم إجازة الخواتم حتى إن كان القاضي ليكتب للرجل بالكتاب إلى القاضي، فما يزيد على ختمه فيجاز له، حتى أحدث عند اتهام الناس الشهادة على خاتم القاضي: أنه خاتمه. قال ابن كنانة: كان إذا جاء كتاب من قاضي مكة إلى قاضي المدينة أنفذه بغير

стр. 1490

بينة، ثم نظر أهل العلم في ذلك، فخافوا أن تملك الأموال وتستحل الفروج بغير بينة، فألزموا الناس البينة على الكتب التي تأتي من كورة إلى كورة. انتهى من الجواهر (١). قوله: (وأديا، وإن عند غيره) أي وأديا الشاهدان شهادتهما عند المكتوب إليه إن كان في ولايته، وإن عزل أو مات فليؤديانها عند غيره. قوله: (وأفاد، إن أشهدهما) أي يعمل بما في الكتاب إذا كتبه، وأشهدهما (أن ما فيه) أي في الكتاب (كالإقران) وإن لم يعلموا ما في الكتاب. قوله: (كالإقرار) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يفيد إذا كتب كتابا ودفعه لرجلين، وقال اشهدا علي بما فيه لفلان، وأنا عالم به، فإن ذلك يكون إقرارا. قوله: (وميز فيه ما يتميز به من اسم وحرفة وغيرهما فنفذه الثاني، وبنى) أي وميز القاضي الكاتب إلى غيره من القضاة في الكتاب مما يتميز به المحكوم عليه من اسم فيقول: فلان بن فلان، وحرفته كصباغ أو نجار مثلا أو غيرهما كطول وقصر وغلظ ورقة وبياض وسواد، فإن أتى الكتاب إلى الثاني نفذه وجوبا أي يعمل بما فيه إن استوفى القاضي الأول الحكم، وإن لم يستوفه بنى على ما فعل منه كما إذا شهد عنده شاهدان فلانا وفلانا، فطلب تزكيتهما، فإنه يبني على ذلك ويستوفيه. قوله: (كأن نقل لخطة أخرى) التشبيه بينهما في البناء، كصاحب شرطة مثلا نظر في مسألة ولم يستوفها حتى نقل إلى خطة القضاء (٢) فإنه يبني على ما تقدم. انتهى. قال ابن سهل: فسألت ابن عتاب عن حاكم من صاحب شرطة أو غيره، يرتفع إلى خطة القضاء، هل يستأنف النظر فيما وقع بين يديه من الأحكام ولم يكملها؟ أو يصل نظره فيها، ويكمل على ما مضى له؟ قال: يبني على ما مضى. انتهى من ابن (٣) غازي قوله: (وإن حدا) أي فنفذ الثاني الحكم، وإن كان ذلك الحكم حدا. لو قال الشيخ: ولو زنى ليشير إلى الخلاف فيه (إن كان أهلا) أي إنما ينفذ القاضي المكتوب إليه كتاب الكاتب إليه، إذا كان يعرف كتاب الكاتب إليه ويعلم أنه أهل للقضاء بأن

стр. 1491

يكون عالما عادلا، (أو) يكون (قاضي مصر) من الأمصار، إذ قضاة الأمصار محمولون على الخير. قوله: (وإلا فلا) أي وإن لم يكن أهلا للقضاء، أو قاضي مصر فلا ينفذه. قوله: (كأن شاركه غيره، وإن ميتا) تشبيه أي كما لا ينفذ كتابه إذا شارك المحكوم عليه غيره في الاسم والصفة، وإن كان المشارك له في الاسم والصفة ميتا، إذا كان موته عن قرب، وأما إن كان موته عن بعد فيعلم أن الميت ليس بمراد، فإنه ينفذه. قوله: (وإن لم يميز ففي إعدائه أو لا حتى يثبت أحديته قولان) أي وإن لم يميز القاضي المحكوم عليه باسمه وصفته وصنعته، ففي إعداء المحكوم عليه أي ففي إعانته الأعداء لاستعانة، ويقال: استعديت الأمير قاعدا أي استعنته فأعانني أي وفي إعانة المحكوم عليه حتى يثبت أن له شريك في الاسم والصفة فلا يعان حينئذ وهذا قول، والقول الآخر لا يعان حتى يثبت أحديته بالاسم والصفة فيعان في ذلك قولان. قوله: (والقريب كالحاضر، والبعيد كإفريقية يقضى عليه بيمين القضاء، وسمى الشهود، وإلا نقض، والعشرة أو اليومان مع الخوف، يقضى عليه معها في غير استحقاق العقار) أي والقريب الغيبة كالحاضر يحكم عليه بعد الإعذار. وفي إكمال الإكمال المتيطي: أول ما ينظر في الحكم على الغائب، أن يكلف الطالب إثبات حقه وإثبات غيبة المطلوب، وأين محله في غيبته، ليعلم أقريب هو أم بعيد. وقال: وإذا أراد القاضي بيعه فلا بد أن يكلف الطالب إثبات ملك الغائب لما يريد بيعه عليه، ثم يحلفه أنه لم يقبض شيئا من حقه ولا أسقطه ولا أحيل به، وأنه لباق عليه إلى الآن. ويجب على القاضي التأني التثبت وترك العجلة ما استطاع، حتى لا يبقى إشكال ولا سبب اعتراض، وحينئذ يوجه الحكم. والغائب على حجته إذا قدم. واختلف العلماء في هذه اليمين هل هي احتياط للغائب؟ أو واجبة لا يصح الحكم إلا بها، لأن القاضي يبرم القضية ويقول في حكمه: أو جبت على فلان

стр. 1492

الغائب هذا الحق. انتهى منه (١). قال ابن رشد الحكم على الغائب في مذهب مالك على ثلاثة أقسام: أحدها: غائب قريب الغيبة على مسيرة اليوم واليومين والثالثة، فهذا يكتب إليه ويعذر إليه في كل حق، فإما وكل، وإما قدم، فإن لم يفعل حكم عليه في الدين، وبيع عليه ماله من الأصل وغيره، وفي استحقاق العروض والحيوان والأصول وجميع الأشياء، من الطلاق والعتق وغير ذلك، ولم ترج له حجة في شيء من ذلك. والثاني: غائب بعيد الغيبة على مسيرة عشرة أيام وشبهها، فهذا يحكم عليه فيما عدا الاستحقاق في الرباع والأصول من الديون والحيوان والعروض، وترجى له الحجة في ذلك. والثالث: غائب منقطع الغيبة، مثل مكة من افريقية، والمدينة من الأندلس وخراسان، فهذا يحكم عليه في كل شيء من الديون والحيوان والعروض والرباع والأصول وترجى له الحجة في ذلك. قال ابن سهل وإرجاء الحجة للغائب فيما يحكم به عليه أصل معلوم به عند الحكام والقضاة ولا ينبغي العدول عنه ولا الحكم بغيره، إذ هو كالإجماع في المذهب. وذكر عن سحنون أنه لا ترجى له الحجة. وهو ضعيف. انتهى من تبصرة ابن فرحون (٢). وقد استوفى المصنف ﵀ هذه الأقسام الثلاثة فقال: والقريب كالحاضر يحكم عليه بعد الإعذار في كل شيء، عقارا كان أو غيره، والبعيد الغيبة غيبته بعيدة كإفريقية من المدينة، قضى عليه في كل شيء كان عقارا أو غيره بغير إعذار بيمين القضاء، وظاهره وجوب اليمين، وهو على حجته، ويسمي الحاكم الشهود الذين حكم بشهادتهم على الغائب ليكون على حجته، إذ لعله يقدح في الشهود، بأنهم لا يشهدون عليه أولا يشهدون للمحكوم له. وإلا نقض أي وإن لم يسم الحاكم الشهود نقض ذلك الحكم، والبعيد الغيبة غيبة متوسطة كالعشرة الأيام ونحوها، أو يومان مع الخوف، لأن الخوف يصير مسافة اليومين كالعشرة، يقضي عليه مع يمين القضاء في كل شيء غير استحقاق

стр. 1493

العقار، فإنه لا يحكم عليه فيه إلا بعد الإعذار. قوله: (وحكم بما يتميز غائبا بالصفة كدين) لما فرغ من الحكم على الغائب شرع في الحكم على الغائب بالصفة أي وحكم الحاكم بشيء يتميز في حال كونه غائبا بالصفة. قوله: كدين تشبيه أتى به استدلالا، كأنه قال ألا ترى أن يحكم به بالصفة. قوله: (وجلب الخصم بخاتم، أو رسول) أي وجلب الطالب خصمه بخاتم القاضي أو رسوله أو كتابه (إن كان) الخصم (على مسافة العدوى)، والعدوى المعونة، وفسروه بما يذهب ويروح إلى منزله في يومه، وحجب الإجابة على المطلوب وإن كان عليه فيه ضرر، لارتكاب أخف الضررين، ولأنه لا يتم مصالح الأحكام وإنصاف المظلومين إلا بذلك، وأجرة الرسول على الطالب إن لم يلد المطلوب وإن لد فالأجرة عليه قال ابن عاصم: وأجرة العون على الطالب الحق … أو من سواه إن ألد مستحق قوله: (لا أكثر: كستين ميلا، إلا بشاهد) أي لا يجلبه في أكثر من مسافة العدوى كستين ميلا، إلا أن تكون الدعوى بشاهد فتجب الإجابة عليه. قوله: (ولا يزوج امرأة) أي وقد تقدم في باب النكاح أن الحاكم يكون وليا، فإن كان وليا فلا يزوج امرأة (ليست بولايته) وإن كانت في ولايته قبل ذلك، وإن كانت في ولايته، فإنه يزوجها وإن كانت قبل في غير ولايته وفسره البساطي في المسافر. قوله: (وهل يدعى حيث المدعى عليه) أي وهل يطلب الحق حيث المدعى عليه (وبه عمل) في المدونة، وبه حكم ابن بشير في الأندلس، (أو) يطلب حيث (المدعى؟ وأقيم منها) أي وأقيم هذا القول من المدونة. الحاصل: أن في المسألة خمسة أقوال وذكر الشيخ منها قولين، وقيل: حيث الشهود، وقيل: حيث أعدل القضاة، وقيل: حيث المدعى فيه، وهو ظاهر كتاب القسمة. قوله: (وفي تمكين الدعوى لغائب) أي وفي تمكين المحتسب في الدعوى (بلا وكالة) صونا للأموال أقوال، كما إذا استولى على غائب، أو عمل عيبا في داره، أو أرضه، وعدم تمكينه، لأنه ليس بوكيل ولا مالك (تردد) لو قال قولان، لأنه الأليق باصطلاحه.

стр. 1494

الحاصل أن في المسألة خمسة أقوال: يمكن القريب دون غيره، وقيل: إن قامت بينة يمكن، وقيل: يمكن فيما يخشى تغيره. غفل الشارح في هذه المسألة في المتوسط وبينه في الصغير.

стр. 1495

باب [في أحكام الشهادة] قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فية حكم الشهادة. ابن راشد حكمة مشروعية الشهادة صيانة الحقوق، أما حد الشهادة فهو: إخبار يتعلق بمعين. وبقيد التعين المعين يفارق الرواية، الفرق الرواية لا تختص بشخص معين، بل على الشهادة صيانة حقوق جميع الخلق في جميع الأعصار، وكذلك القضاء وأمانة الحكم وغير ذلك من الولايات مما في معنى هذه لو فوضت لمن لا يوثق به، لحكم بالجور وانتشر الظلم بخلاف قول العدل عند الحاكم لهذا عند هذا دينار إلزام لمعين لا يتعداه لغيره، فهذا شأن الشهادة المحضة والأول هو الرواية المحضة، ووجه المناسبة بين الشهادة واشتراط العدد حينئذ وبقية الشروط أن إلزام المعين تتوقع فيه عداوة باطنية لم يطلع علها الحاكم فتبعث العدو على إلزام عدوه ما لم يكن لازما له. فاحتاط الشارع لذلك واشترط معه آخر إبعادا لهذا الإحتمال، فإذا اتفقا في المقال قرب الصدق جدا بخلاف الواحد. انتهى من كتاب أنوار البروق (١). فاشتراط العدالة في محل الضرورة كالشهادة، فإن الضرورة تدعو لحفظ دماء الناس وأموالهم وأبضاعهم وأعراضهم عن الضياع، فلو قبلنا فيها قول الفسقة ومن لا يوثق به لضاعت وكذلك القضاء وأمانة الحكم، وغير ذلك من الأولويات مما في معنى هذه لو فرضت لمن لا يوثق به لحكم بالجور وانتشر الظلم والمكر ولضاعت المصالح، وكثرت المفاسد، وإنما تشترط العدالة لأجل الاعتماد على قوله: فقط. قال صاحب المقدمات كل من علم شيئا بوجه من الوجوه الموجبة للعلم شهد به. فلذلك صحت شهادة هذه الأمة لنوح ﵇ ولغيره على أمهم بإخبار رسول الله ﷺ على ذلك. ومدارك العلم أربعة: العقل واحد ومدارك الحواس الخمس، والنقل المتواتر،

стр. 1496

والاستدلال فتجوز الشهادة بأحد هذه الوجوه (١). العدالة حق الله تعالى فلا يجوز للقاضي أن يحكم بشهادة مسخوط وإن رضي الخصم. قوله: (العدل حر، مسلم) إلى آخر صفاته هنا فسر العدل إذ قال: أهل القضاء عدل فقال: العدل حر في حال الأداء، فأخرج الرقيق القن ومن فيه بقية رق، و (عاقل) أخرج به غير العاقل في حال التحمل والأداء معا ل (بالغ) أي في حال الأداء (بلا فسق) أي غير فاسق عند أداء الشهادة (و) بلا (حجر) أي غير محجور عليه. والمحجور لا يشهد، وإن كان وليا، وإن كان يطير في السماء (وبدعة) أي وبلا بدعة (وإن تأول) في بدعته وأحرى إن تعمد أو جهل، لأن البدعي إما كافر على القول به أو فاسق. قوله: (كخارجي، وقدري) مثالان لأهل البدع. قوله: (لم يباشر كبيرة) أي العدل من لم يباشر كبيرة ليس المراد بالمباشرة أنه لا تصدر منه الكبيرة البتة، وإنما مراده ألا يكون ملتبسا بها تلبسا لا تعرف له توبة بعده. قوله: (أو كثير كذب) والكذب داخل في الكبيرة، وذكره اهتماما به لأن الكذب قل من يسلم منه في قليله، ولأن شروط الشهادة كلها خوف الكذب. قوله: (أو صغيرة خسة) أي ولم يباشر صغيرة خسيسة، كسرقة لقمة، أو تطفيف حبة في الوزن، لأن ذلك يدل على عدم مروءته. قوله: (وسفاهة) أي لم يباشر سفاهة لأن السفيه لا يشهد، وقد يكون سفيها لم يحجر عليه بعد، ويكون محجورا عليه بسبب السفه ما لم يفك عنه الحجر. قوله: (ولعب نرد) أي لم يباشر لعب نرد. اللعب بكسر العين لعب نرد أو غيره، وبفتح العين سيلان ماء الفم. قوله: (ذو مروءة بترك غير لائق من حمام، وسماء غناء، ودباغة، وحياكة اختيارا) أي العدل مبتدأ وحر خبره، وذو مروة خبر بعد خبر أي العدل ذو مروءة، وتكون المروءة بترك كل مالا يليق فعله بمثله، وذلك كاللعب بحمام أو غيره ظاهره وإن لم يغامر عليها، وروي عن سفيان الثورى أنه قال: كان اللعب بالحمام من عمل قوم

стр. 1497

لوط وأن من لعب بالحمام الطيارة لم يمت حتى يذوق ألم الفقر كما في حياة الحيوان، وسماع غناء قصدا، وتكون المروءة بترك دباغة، وحياكة اختيارا، لا اضرارا إليه، فإنه لا يقدح، وكذلك إذا كانت الدباغة والحياكة من فعل آبائه، وكذلك إن قصد بها كسر نفسه ومباعدتها من الكبر وتخليقها بأخلاق الفضلاء. قوله: (وإدامة شطرنج) أي لم يباشر إدامة لعب بشطرنج، وإدامته أن يلعب به أكثر من مرة في السنة. قوله: (وإن أعمى في قول، أو أصم في فعل) أي العدل حر وإن كان العدل أعمى في قول، أو كان أصم في فعل، لأنه يراه وأما أعمى أصم فلا تجوز شهادته. قوله: (ليس بمغفل) أي المغفل الذي لا يضبط، لا تجوز شهادته، وأما المتغافل فتجوز شهادته، وهو الفطن الذي يتغافل عن أمور ضرته، لأنه من وصف الكرام. قوله: (إلا فيما لا يلبس ولا متأكد القرب كأب وإن علا، وزوجهما وولد، وإن سفل، كبنت وزوجهما) أي ولا يشهد المغفل إلا فيما لا يلبس عنه كضرب هذا الرجل هذا الآخر أو قتله مثلا فإن شهادته في مثل هذا تجوز، وأما إن طال الأمر حيث يلبس عليه فلا تقبل شهادته فيه. لما فرغ الله من شروط الشهادة شرع يذكر موانعها وهو أن لا يكون الشاهد مغفلا أو لا متأكد القرب أي القرابة كأب وإن على، فإن الولد لا يشهد له، وكذلك الأم وزوجها وزوجة الأب، وكذلك الأب لا يشهد للولد وإن سفل كما لا يشهد لبنته وزوجها والبنت داخلة في الولد لعله ذكرها ليركب عليها ما بعده. وكذلك لا يشهد الزوج لولد زوجته ولا تشهد لولد زوجها. التهمة على ثلاثة أقسام منها ما يعتبر في الشرع كشهادة المرء لنفسه فلا تجوز بلا خلاف. ومنها ما لا يعتبر شرعا كشهادة امرئ على رجل من قبيلته أو بلده فتجوز. ومنها ما اختلف فيه كتهمة القرابة. وفي الطرر لابن عات: قال ابن عبد الغفور (١) في الاستغناء: حكى بعض

стр. 1498

شيوخنا المتأخرين من الثقات أن أهل البادية إذا اشهدوا في حق لامرأة أو غيرها ولم يكن فيهم عدل أنه يستكثر منهم ويقضي بشهادتهم (١). قوله: (وشهادة ابن مع أب واحدة) أي وشهادة واحدة وتلغى الأخرى، إذ يتهم أنه إنما شهد لتقوية شهادة الآخر. قوله: (ككل عند الآخر، أو على شهادته، أو حكمه) أي كما تلغى شهادة أحدهما عند الآخر، وهو حاكم والعمل على خلاف هذا، وكذلك لا يشهد نقلا على شهادة الآخر، وكذلك لا يشهد أحدهما على حكم الآخر. قوله: (بخلاف أخ لأخ، إن برز، ولو بتعديل وتؤولت أيضا بخلافه) أي ولا تجوز شهادة متأكد القرب إلا الأخ لأخيه، فإنها تجوز بشرط أن يكون الأخ الشاهد مبرزا في العدالة، بأن يكون بلغ أقصى غاية الصلاح والزهد والورع، ولو كانت شهادته هذه في تعديل الأخ بالتزكية، وقيل: لا تجوز شهادته له في التزكية، لأنه يتشرف بشرف أخيه، وتؤلت أيضا المدونة بخلاف الجواز في التعديل، لما قال: أيضا علمنا أن الأول تأويل. قال بعضهم: سمعت اسحاق بن عبدوس (٢) يقول: وقد ذكرت عنده التزكية، فقال: من كف لسانه وإذايته في زماننا فهو عدل. انتهى من المدارك (٣). قوله: (كأجير، ومولى، وملاطف، ومفاوض في غير مفاوضة، وزائد، أو منقص، وذاكر بعد شك) إلى قوله: (وتزكية) وهذه المسائل الثمانية يشترط فيها التبريز، فالأجير لا يشهد لمن استأجره إلا أن يكون مبرزا في العدالة، وكذلك المولى لا يشهد لمن أعتقه إلا أن يكون مبرزا فيجوز، والصديق الملاطف لا يشهد لصديقه إلا بشرط التبريز في العدالة، وكذلك الشريك المفاوض لا يشهد لشريكه في غير مال المفاوضة إلا أن يكون مبرزا، وأما في مال المفاوضة فلا يشهد له وإن كان مبرزا،

стр. 1499

وكذلك الشاهد إذا أدى شهادته ثم زاد فيها بعد أدائها، وكذلك من نقص فيها بعد أدائها فلا تقبل شهادته إلا أن يكون مبرزا، وكذلك من طلب منه أداء الشهادة فشك فيها فذكر بعد الشك، فإنه لا تقبل منه شهادته إلا أن يكون مبرزا في العدالة، وكذلك لا يزكي الشاهد إلا مبرزا في العدالة بالنسبة إلى المكان والزمان. قوله: (وإن بحد) لو قال الشيخ ولو بدم ليشير إلى الخلاف إلى الدم أن الدم لا يقبل فيه من يحتاج إلى التزكية. قوله: (من معروف، إلا الغريب) أي وتزكية حاصلة من معروف عند القاضي إلا الغريب أي إلا أن يكون الشاهد غريبا فإنه يزكيه من لا يعرفه القاضي، إذا زكاه من يعرفه القاضي فتكون تزكية في تزكية وكذلك النساء وخميل الذكر. قوله: (بأشهد أنه عدل رضا) أي وتزكية يقول المزكي أشهد أن الشاهد عدل رضى، وقد يكون عدلا وليس بمرضي بغفلة وشبهها، والعدل إنما يتعلق في الدين. قوله: (من فطن) أي تزكية حاصلة من فطن (عارف) بما يقدح الشاهد (لا يخدع) والمخدوع لا يزكي. قوله: (معتمد على طول عشرة) أي من فطن معتمد على طول العشرة والشهر قليل. قوله: (لا سماع) أي لا يعتمد في تزكية الشاهد على السماع أنه عدل رضى. قوله: (من سوقه أو محلته إلا لتعذر) أي وتزكية حاصلة من فطن من أصل سوق الشاهد أو محلته إلا لتعذر من أهل سوقه أو محلة من يزكيه فتجوز من غيرهم لأن العدول عنهم مع إمكان الوجود ريبة. قوله: (ووجبت إن تعين كجرح) أي ووجبت التزكية إن تعينت عليه لعدم المزكي غيره، كما يجب الجرح إن تعين عليه، إن بطل حق لعدم التزكية والجرح. قوله: (إن بطل حق) راجع إليهما، وخالف هنا قاعدته الأكثرية، أن الشرط راجع لما بعد الكاف. قوله: (وندب تزكية سر معها) أي مع التزكية العلانية وأحد هما كاف. قوله: (من متعدد، وإن لم يعرف الاسم، أو لم يذكر السبب) أي وتزكية حاصلة من متعدد لا واحد وإن لم يعرف المزكي اسم الشاهد، فإن قلت: كيف يزكيه ولم يعرف إسمه. قلت: قد يغلب عليه اللقب أو الكنية، وكذلك تجوز التزكية وإن لم يذكر

стр. 1500

السبب الذي زكاه به، (بخلاف الجرح) لا بد أن يذكر السبب، إذ لعله يذكر ما لا يقدح فيه. قوله: (وهو مقدم) أي إذا أشهد الشاهد وزكاه شهود وجرحه آخرون، فإن بينة الجرح تقدم لأنها زادت، والحافظ مقدم، هذا إذا لم يكذب بعضهم بعضا وإذا قال الشهود بات ليلة العيد قائما يصلي. وقالت البينة الأخرى بات فيه يشرب الخمر، وكذب بعضهم بعضا فإن الحاكم يجتهد ويقدم الأعدل منهما. قوله: (وإن شهد ثانيا) أي وإن شهد الشاهد فزكى وحكم بشهادته، ثم شهد ثانيا في قضية أخرى (ففي الاكتفاء بالتزكية الأولى) فيحكم بشهادته أولا يكتفي بها فلا بد له من تزكية أخرى فيه (تردد)، لو قال: قولان لكان أولى إذ في المسألة قولان قول أشهب وسحنون. قوله: (وبخلافها لأحد ولديه على الآخر، أو أبويه إن لم يظهر ميل له) معطوف على قوله: بخلاف أخ لأخ، فإنها تجوز كرر بخلافها لطول ما بينهما أي وبخلاف شهادة الوالد لأحد ولديه على الآخر، فإنها تجوز لاستواء الدرجة، وكذلك تجوز شهادة لأحد أبويه على الآخر وهذا كله إذا لم يظهر ميل الشاهد للمشهود له، وأما إن ظهر له ميل فلا تجوز كما إذا شهد الصغير على الكبير أو الفقير على الغني أو للبار على العاق ويكون ظهور الميل بهذه الأشياء. قوله: (ولا عدو ولو على ابنه) أي راجع إلى الموانع أي فلا يشهد عدو على عدوه ولا على ابن عدوه، كان الأب حيا أو ميتا، إذ تهمة العداوة أقوى من تهمة المحبة. قوله: (أو مسلم وكافر) أي ولو كانت العداوة الدنيوية بين مسلم وكافر فلا يشهد عليه المسلم. قوله: (وليخبر بها) أي فإن شهد شاهد على عدوه، فإنه يخبر الحاكم بالعداوة بينهما لئلا يكون دلسة، وقيل: لا يخبر بها، لأنه علم صحة ما شهد به، وكيف يبطل ما يعلم صحته، قيل: وهو الأصح، وأما إن علم بالجرح في نفسه غير العداوة، فلا يخبر به وقيل: يخبر به. قوله: (كقوله بعدها، تتهمني وتشبهني بالمجانين) أي كما لا تقبل شهادة الشاهد إذا قال بعد أداء الشهادة للمشهود عليه تتهمني في شهادتي وتشبهني بالمجنون، في حال كونه (مخاصما) بذلك، لأنه أخبر بالعداوة الطارئة (لا) إن قال له ذلك في حال

стр. 1501

كونه (شاكيا)، فإنه لا يقدح في شهادته. قوله: (واعتمد في إعسار بصحبة) وهذا شيء آخر أي فإذا شهد شاهد بعسر المديان بالدين أو نفقة من تلزمه نفقته، فإن الشاهد يعتمد على غلبة الظن فيه بصحبة طويلة، (و) لم ير عنده مال أو (قرينة) أي علامة (صبر ضر من جوع وعري، إذ لا يصبر من له مال على هذه الحال، ولا يصل الشائهد في علم مثل هذا بالعلم بل بغالب الظن، لأنه يجوز عقلا حصول المال للمفلس وهو يكتمه، وشهادة النفي في مثل هذا مقبولة، (ك) ما يعتمد الشاهد على (ضرر الزوجين) على الظن الغالب بما ظهر. قوله: (ولا إن حرص على إزالة نقص فيما رد فيه: لفسق، أو صبا، أو رق، أو على التأسي، كشهادة ولد الزنى فيه، أو من حد فيما حد فيه) وهذا من موانع الشهادة أي ولا تجوز شهادة الشاهد إن حرص على إزالة نقص رد به فيما رد فيه، لأجل فسق اعتقادا كان أو بغير اعتقاد، كسائر المعاصي الجوارحية، وأما إن شهد بغير مثل النازلة فإنه يقبل، أو رد لأجل صبي أو رق، وكذلك إن حرص على التأسي أي التقليد، ويكون ذلك بشهادة ولد الزنى فيه أي في الزنى فلا يشهد فيه، وكذلك إن شهد الشاهد فيما حد فيه فلا تقبل شهادته، كمن حد في الزنى فلا يشهد فيه، أو حد في الشرب فلا يشهد فيه، أو حد في السرقة فلا يشهد في السرقة، أو حد في القذف، فلا يشهد فيه. والعرف يقول المصيبة إذا عمت هانت وإذا خصت هالت، وأما غير ما حد فيه فيشهد فيه إن تاب وحسنت حاله. قوله: (ولا إن حرص على القبول، كمخاصمة مشهود عليه مطلقا، أو شهد وحلف، أو رفع قبل الطلب في محض حق الآدمي. وفي محض حق الله تجب المبادرة بالإمكان، إن استديم تحريمه، كعتق، وطلاق، ووقف، ورضاع) أي فإن شهد الشاهد وحرص على قبول شهادته، مثل أن يخاصم المشهود عليه، فلا تقبل شهادته مطلقا أي سواء كان ذلك حقا للآدمي أو حقا لله تعالى، وقيل ذلك لا يقدح فيه إذا كان ذلك حقا لله تعالى، وكذلك لا تقبل شهادته إن حرص على قبولها بأن حلف على شهادته، لأنه إنما حلف على صحة شهادته وذلك قادح، لأن اليمين دالة على التعصب والحرص على إنفاذها. ابن عبد السلام وهذا للعالم، وأما العامي فلا يقدح فيه.

стр. 1502

وروي عن ابن وضاح أنه قال: أرى لفساد الزمان أن يحلف الحاكم الشهود. وابن وضاح هذا ممن أخذ عن سحنون. انتهى من ابن فرحون (١). وكذلك لا تقبل شهادة الشاهد إذا رفعها للحاكم قبل أن تطلب منه، إذ كأن الحق للآدمي، ولكن يخبر بها من له الحق بأن يقول له: كانت لك عندي شهادة فاعلم بها، وأما في محض حق الله تعالى تجب المبادرة بها على الشاهد، والتأخير بها من غير جرحة في شهادته، والمبادرة بالإمكان، إنما تجب المبادرة إن استديم تحريم ذلك الحق الله تعالى، وذلك كعتق وطلاق ووقف ورضاع، فإن شهد على إنسان أنه اعتق عبده، يجب أن يبادر برفع الشهادة، وكذلك إن سمع رجلا يطلق زوجته، فإنه تجب عليه المبادرة بالرفع إلى القاضي، وكذلك إن شهد على حبس فإنه تجب المبادرة بالرفع إذ كان الوقف على غير معنين، وأما إن كان على المعين فهو داخل في حق الآدميين. وظاهر كلام الشيخ لم يفرق بين معين وغير معين، وكذلك إن شهد أن أحد الزوجين أخ للآخر من الرضاعة، فإنه تجب المبادرة بالرفع لئلا يستديم التحريم في الفروع الأربعة. قوله: (وإلا خير) أي وإن كان محض حق الله تعالى ولكن لا يستديم، وذلك (كالزنى)، لأن بالفراغ منه انقطع، فإن الشاهد يخير في رفعه وتركه، وترك الرفع أولى للستر على العباد، إلا أن يكون مجاهرا به فالرفع أولى من الترك. قوله: (بخلاف الحرص على التحمل) أي تحمل الشهادة، فإنه لا يقدح ذلك في شهادته. انتهى. قوله: (كالمختفي) تشبيه لإفادة الحكم أي كما تجوز شهادة المختفي عن المشهود عليه، ليتحمل الشهادة من إقراره. انتهى. وفي وثائق ابن الهندي: اختلف في شهادة الاستغفال، وهي أن يدخل شهودا خلف ستر، ثم يستجر الذي يسغفل في الحديث فيقر بشيء، فأجاز ذلك قوم وكرهه آخرون، والمشهور أن ذلك لا يضر. وحجته شهادة الأعمى على معرفة الصوت، وأخذ الناس عن أزواج النبي ﷺ وهن وراء حجاب، ومن حجة من كرهه، أن الشهود شاركوا في التدليس ولا يحل لهم ذلك. مع أن الأصوات قد تختلف وقد

стр. 1503

تتفق ويشبه بعضها بعضا (١). تنبيه: وحيث أجزنا شهادته فلا يكون من باب الحرص على التحمل. قاله ابن رشد. تنبيه: ينبغي للشاهد التنبيه أن يرفع نفسه عن أن يختفي ليشهد. هذا مما لم يندب إليه ولا افرض عليه، فإن فعل فقد فعل ما لا يليق بالفضلاء ولا يختاره العقلاء. انتهى من ابن فرحون (٢). قوله: (ولا إن استبعد كبدوي لحضري، بخلاف إن سمعه، أو مر به) وهذا من الموانع أي ولا تقبل شهادته إن عد ذلك بعيدا، كشهادة بدوي لحضري، لأن العدول عن شهود الحضر، وإشهاد البدوي مع إمكان الحضري ريبة وتهمة فيما شهدوا فيه، وفي شهادة الحضري للبدوي خلاف، لو قال الشيخ: كبدوي لقروي لوافق لفظ الحديث، وهذا كله بخلاف إن سمعه البدوي يقر له بلا إشهاد عليه، فإن ذلك لا يقدح في شهادته، وكذلك إن مر به وهو يفعل كذا، فإنه لا يقدح في شهادته. قوله: (ولا سائل في كثير) أي ولا تقبل شهادة سائل في مال كثير، لأن العدول عن إشهاد الأغنياء في المال الكثير ريبة، مفهومه أن المال القليل تقبل فيه شهادتهم وهو صحيح. قوله: (بخلاف من لم يسأل، أو يسأل الأعيان) أي بخلاف شهادة من لم يسأل الناس أصلا، ولكن إذا أعطي قبل، أو إنما يسأل من الناس الأعيان، كالسلاطين ونحوهم، فإنه لا يقدح ذلك في شهادته. قوله: (ولا إن جر بها نفعا، كعلى مورثه المحصن بالزنا، أو قتل العمد، إلا الفقير، أو بعثق من يتهم في ولائه) أي بالشهادة نفعا، وذلك كشهادته على مورثه المحصن بالزني، أو شهد عليه بقتل عمد، فلا تقبل شهادته، لأنه يتهم أن يقتل فيرثه، إلا أن يكون المحصن أو القاتل فقير، فإن شهادته فيه تقبل لنفي التهمة، وكذلك إذا كان غير محصن، أو القتل خطأ، فإن شهادته تقبل، وكذلك إن جر الشاهد لنفسه نفعا، كما إذا شهد بعتق من يتهم في ولائه، كما إذا كان ممن يرغب في ولائه، وليس معه من يدخل معه في الولاء، وهو يرث الآن، فلا تجوز شهادته بعتقه.

стр. 1504

قوله: (أو بدين لمدينه) أي وكذلك إن جر الشاهد لنفسه نفعا، وذلك كشهادته لمن عليه دينه بمال، كان معسرا أم لا، وقيل: يجوز إن كان مليا، وقيل: يجوز مطلقا. قوله: (بخلاف المنفق للمنفق عليه) أي بخلاف شهادة المنفق للمنفق عليه فإنها تجوز بخلاف العكس وهو شهادة المنفق عليه للمنفق. قوله: (وشهادة كل للآخر، وإن بالمجلس) أي وبخلاف شهادة كل من الشاهدين للآخر، وإن كانت الشهادة في مجلس واحد، كما إذا شهد واحد للآخر بحق على شخص واحد أو أكثر، وشهد له الآخر بحق على ذلك الشخص بعينه فإنها تجوز. قال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله: الله أعلم وهذا في غير هذا الزمان. قوله: (والقافلة، بعضهم لبعض) أي وبخلاف شهادة بعض القافلة لبعض في (حرابة)، فإنها تجوز، وأما إن شهد لنفسه فلا تقبل، أجيزت هذه الشهادة للضرورة، ولا يلتفت هنا إلى العداوة. قوله: (لا المجلوبين) أي فلا تقبل شهادة بعضهم على بعض (إلا) أن يكثروا (ك (عشرين) فتجوز شهادتهم لبعض، ومن هذا المعنى ما لابن عات: أن أهل البادية إذا شهدوا في حق لامرأة أو غيرها ولم يكن فيهم عدل أنه يستكثر منهم ويقضي بشهادتهم (١). قوله: (ولا من شهد له بكثير ولغيره بوصية) أي وهذا من الموانع فإن شهد لنفسه بمال كثير ولغيره بمال قليل أو كثير، وذلك في وصيته فلا تقبل شهادته، لأن الشهادة إذا ردت للتهمة ردت كلها، وإن ردت للسنة، جاز منها ما أجازته السنة، كشاهد بسرقة يوجب غرم المال، ولا يوجب القطع. قوله: (وإلا قبل لهما) أي وإن لم يشهد لنفسه بكثير بل بيسير ولغيره بكثير أو يسير قبلت شهادته لهما في الوصية وأما غير الوصية فلا تقبل وإن قل وحيث أجيزت شهادته بأن شهد لنفسه، فقيل إنه يأخذه بلا يمين لأنه تابع ويحلف الغير معه فيأخذ له ما شهد له به، وإن شهد مع الشاهد غيره فإنه يحلف معه والمسألة مسألة اختلاف. وقال بعضهم فيها: إذا كانت الوصية مكتوبة وإلا فلا تقبل وإن قل. قوله: (ولا إن دفع كشهادة بعض العاقلة بفسق شهود القتل) حيث فرغ من الموانع لجر النفع شرع يذكر الموانع لأجل الدفع عن نفسه، ويكون ذلك بشهادة بعض

стр. 1505

العاقلة بجرح شهود القتل في الخطأ فلا تقبل شهادتهم، لأنه يتهم بالدفع عن نفسه، إلا أن يكون ممن لم تلزمهم الدية لقتلهم، فتجوز شهادته في الجرح. قوله: (أو المدان المعسر لربه) أي وهو من الموانع أي وإن شهد الذي عليه الدين في حال كونه معسرا فلا تقبل شهادته لرب الدين الذي عليه، لأنه يتهم أنه إن لم يشهد له ضيق عليه، وقيل: تقبل مطلقا. قوله: (ولا مفت على مستفتيه، إن كان مما ينوى فيه) أي وهو من الموانع أي ولا يشهد المفتي على من استفتاه في النازلة، إذا كان سؤال المستفتي مما ينوى فيه، كما إذا جاءه مستفتيا أنه حلف بطلاق زوجته، لا أكلم فلانا فكلمه بعد شهر، ينوي ألا يكلمه شهرا، فإذا دعته زوجته يشهد لها بما أقر به عنده من حلف بالطلاق ألا يكلمه وأنه كلمه بعد شهر لم يجز للمفتي له أن يشهد عليه بذلك، وإن شهد لم تقبل شهادته، لأنه يعلم من باطن اليمين خلاف ما يوجب ظاهرها. انتهى. قوله: (وإلا رفع) أي وإن كان مما لا ينوى فيه رفع الشهادة للحاكم. قوله: (ولا إن شهد باستحقاق، وقال: أنا بعته له) وهذا من الموانع أي وإن شهد شاهد باستحقاق شيء، وقال: أنا بعته له أي للمستحق فلا تقبل شهادته لأنه قد يبيع له غير ملكه، وكذلك إن شهد أنه اشتراه له فلا تقبل شهادته له إذ قد يشتري ممن ليس بمالك. قال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله: سألت الشيخ الصالح عمر المسيلي في مكة أو المدينة عمن شهد للمستحق أنه له، وقال: أنا أشتريته له، فقال: هو كمن قال أنا بعته له. قوله: (ولا إن حدث فسق) هو من الموانع أي فإن شهد شاهد وقبلت شهادته، وظهر فيه فسق (بعد الأداء) وقبل الحكم، فإن شهادته لا تقبل، لأن الغالب أن لا يظهر أول الفسق، وإن ظهر الفسق بعد الحكم بالشهادة فلا ينقض. قوله: (بخلاف تهمة جر، ودفع وعداوة) أي بخلاف حدوث تهمة جر نفع بعد أداء الشهادة، فإنها لا يقدح فيها، كمن شهد لامرأة بحق فأدى شهادته، وقبلت، ثم تزوج تلك المرأة قبل الحكم بالشهادة، وكذلك حدوث التهمة دفع عن نفسه، كما إذا شهد شاهد بفسق آخر، ثم بعد ذلك شهد المشهود بفسقه على رجل أنه قتل رجلا خطئا، والشاهد الأول من عاقلة القاتل، فإن ذلك لا يقدح في شهادته، وأما ظهور العداوة بعد الأداء وقبل الحكم، فلا يقدح في الشهادة.

стр. 1506

قوله: (ولا عالم على مثله) أي ولا يشهد عالم على مثله في المذهب أي في الفن لعل هذا ممن ثبتت العداوة بينهم، لأن العلماء أشد تحاسدا، وهذا الذي قال هو خلاف ما عليه العمل. قوله: (ولا إن أخذ من العمال، أو أكل عندهم بخلاف الخلفاء) وهذا من الموانع أي ولا يشهد من يأخذ من العمال أو يأكل عندهم، بخلاف أخذه من الخلفاء والأكل عندهم، فإن ذلك لا يقدح في شهادته. قوله: (ولا إن تعصب) أي ولا يشهد من تعصب في شهادته أي يميل فيها للمشهود له. العصبية هو أن يبغض الرجل الرجل لأنه من بني فلان أو من قبيلة كذا. انتهى. قوله: (كالرشوة) الرشوة بفتح الراء وكسرها وضمها أي فلا يشهد الراشي والمرتشي، لأنه ملعون في الحديث النبوي. والرشوة دفع مال وأخذه ليبطل الحق، أو يثبت الباطل، دافعا كان أو آخذا، والدافع على أن يدفع عن نفسه الباطل أو يثبت الحق فليس بداخل في اللعنة. قوله: (وتلقين خصم) أي وهذا من موانع الشهادة أي ولا يشهد من يلقن الخصم الحجج ويعينه على باطل فقيها كان أو عاميا، وهذا في من يعلم الحجج بنفسه، وأما الضعيف العيي عن الحجاج فلا بأس في عونه. قوله: (ولعب بنيرون) أي ولا يشهد من يلعب ليوم النيروز، وهو أول يوم يناير، والذي لابن عات يخرج الرجل بصنيعته النيروز والمهرجان إذ هو من فعل النصارى لقوله: «من أحب قوما فهو منهم» (١)، ولقوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فليس منا» (٢). انتهى (٣).

стр. 1507

قوله: (ومطل) أي ولا تجوز شهادة الذي يمطل الدين، وفي معنى المطل من سكت عن اقتضاء دينه حيا ولم يدفعه له. قوله: (وحلف بعثق وبطلاق) أي ولا يشهد من يحلف بعتاق ولا بطلاق، لأنهما من أيمان الفساق. وقد كتب رسول الله ﷺ كتابا بعث فيه للأمصار: «هذا كتاب محمد رسول الله ﷺ إلى ورثة الأنبياء وإلى الناس وإلى أشباه الناس: لا تحلفوا بالعتاق ولا بالطلاق، لأنها من أيمان الفساق، وورثة الأنبياء هم العلماء والناس هم أهل الحضر، وأشباه الناس البوادي». قوله: (وبمجيء مجلس القاضي ثلاثا بلا عذر) أي ولا تجوز شهادة من يأتي مجلس القاضي كل يوم ثلاث مرات بلا عذر، كأداء شهادة أو سماع كلام الخصمين ليشهد عليه، لأن مجلس القاضي عورة الناس فلا يريد أحد أن يطلع أحد على عورته، ويكفي القاضي في معرفة قبح الرجل أن يصحبه في غير حاجة ولا دفع مظلمة ولا خصومة، وحق عليه أن يمنعه من ذلك، لأنهم إنما يلزمون ذلك لإستكال أموال الناس، لأنهم يروا الناس أن لهم عند القاضي منزلة، ولهذا قال: ومن تردد إلى القاضي ثلاث مرات في غير حاجة فذلك جرحة في عدالته، ويمنع من يجلس في دهاليزه من غير حاجة، لأن في ذلك مأكلة الناس. قوله: (وتجارة لأرض حرب) أي ومما يقدح في الشهادة التجارة بأرض الحرب، حيث تنا له أحكام العدو، وأما المشي إلى دار الحرب في مصلحة المسلمين، مثل فك أسراهم وغير ذلك من المصالح، فإن ذلك لا يقدح في شهادته. قوله: (وسكنى مغصوبة، أو مع ولد شريب، وبوطء من لا توطأ، وبالتفاته في الصلاة، وباقتراضه حجارة من المسجد، وعدم إحكام الوضوء والغسل، والزكاة لمن لزمته، وبيع نرد، وطنبور، واستخلاف أبيه) أي ومما يقدح في الشاهد سكنى دار مغصوبة، وكذلك غير الدار فلا تقبل شهادته، لأنه في كل وقت مأمور بردها فهو على مخالفة المأمور به، وإن كان الغاصب غيره، وكذلك لا تقبل شهادته إن سكن مع ولد شريب للخمر، وأحرى ألا تقبل شهادته إن يسكن مع أجنبي شريب قصد الشيخ الوجه المشكل، لأن الولد يعسر مفارقته عن الوالد، وكذلك لا تقبل شهادة رجل يطأ من لا توطأ شرعا أو عادة، كالحائض والصائمة والمحرمة والمستبرأة، أو صغيرة جدا، وكذلك

стр. 1508

لا تقبل شهادة من يلتفت في صلاته، وإن كان الإلتفات في الصلاة مكروها، لأن الإلتفات فيها يدل على قلة المبالات بها، وكذلك لا تقبل شهادة من يقترض حجارة المسجد، أو خشبه، وإن كان يرده، إلا أن يكون جاهلا بالحكم، فتجوز شهادته، وكذلك لا تقبل شهادة من لا يعرف أحكام الوضوء والغسل أي إتقانه، وكذلك التيمم، وكذلك من لا يقيم صلبه في صلاة فريضة، أو نافلة، وكذلك من لم يعرف الواجب من الزكاة إذا كان يلزمه، وكذلك لا تقبل شهادة من يبيع النرد، والطنبور (١). لو قال الشيخ: كطنبور ليعم كل آلة اللهو، وكذلك لا تقبل شهادة من استحلف أباه أو أمه وإن كان مباحا لأنه عقوق. قوله: (وقدح في المتوسط بكل، وفي المبرز بعداوة وقرابة وإن بدونه كغيرهما على المختار) أي وقدح في الشاهد المتوسط في العدالة بكل قادح من عداوة أو قرابة، أو غيرهما من الموانع، وأما المبرز في العدالة فلا يقدح فيه، إلا بالعداوة والقرابة، وإن كان القادح فيه من دونه في التبريز وأحرى مثله، وأحرى من فوقه، فيقدح فيه كما يقدح فيه بغير العداوة والقرابة على ما اختاره اللخمي من الخلاف، وقيل: لا يقدح فيه مطلقا. والمبرز العدل العالم بما تصح به الشهادة، فتجوز شهادته في كل شيء ولا يسأل عن كيفية علمه بما شهد به، والشاهد المبرز بالعدالة غير العالم بما تصح به الشهادة فحكمه حكم الأول إلا أنه يسأل عن كفية علمه بما شهد به. انتهى من ابن فرحون (٢). قوله: (وزوال العداوة والفسق) أي وزوال العداوة بين الشاهد والمشهود عليه (بما يغلب على الظن) بحسب الفطنة (بلاحد)، خلافا لمن حده بالسنة، وكذلك زوال الفسق عن الشاهد بما يغلب على الظن بحسن حاله وتوبته، لا بقوله: تبت عن الفسق، فإن التوبة تخفى فلا يصدق حتى يستبرء أمره مدة يظهر بقرائن الأحوال صلاح سريرته فيها، ويغلب على الظن أنه ندم عليها، وكفرها بالتوبة والأعمال الصالحة.

стр. 1509

والتحقيق أن يستند في ذلك إلى قرائن أحوال الرجال، فإن منهم من لا يظهر معتقده وباطنه على طول الدهر، ويخالط الحذاق بظاهره حتى يظنوه صالحا، وإن كان في الباطن زنديقا. ومنهم من هو بالعكس. والصحيح الرجوع إلى قرائن الأحوال واستناد غلبة الظن في الإنتقال إلى العدالة لا إلى مجرد مضي الزمن. قوله: (ومن امتنعت له لم يزك شاهده ويجرح شاهدا عليه، ومن امتنعت عليه فالعكس، إلا الصبيان، لا نساء في كعرس، في جرح، أو قتل. والشاهد حر، مميز، ذكر تعدد، ليس بعدو ولا قريب، ولا خلاف بينهم، ولا فرقة إلا أن يشهد عليهم قبلها، ولم يحضر كبير أو يشهد عليه أو له. ولا يقدح رجوعهم، ولا تجريحهم. وللزنا واللواط أربعة بوقت ورؤيا اتحدا. وفرقوا فقط أنه أدخل فرجه في فرجها، ولكل النظر للعورة) أي ومن امتنعت شهادة الشاهد له لم يزك شاهده، ولم يجرح شاهدا عليه، وهو ضابط حسن، واقتصار عجيب، ومن امتنعت عليه فالعكس فتمنع شهادته لتزكية من شهد عليه، أو تجريح من يشهد له. قوله: إلا الصبيان مستثنى من قوله: العدل حر ذكر عاقل بالغ المعنى لا تشترط في الصبيان جميعا بل بعضها وتجوز شهادة الصبيان فيما بينهم للضرورة لا شهادة النساء في اجتماعهن في عرس ونحوه كالجنائز في جرح القتل إنما يشهد الصبيان في الجراح والقتل لأنهم مأمورون باللعب دون النساء ولكن شهادتهم لها شروط وهو أن يكون الشاهد حر لا عبد وأن يكون عاقلا للشهادة وأن يكون الشهود اثنان فأكثر وأن يكون الشاهد ليس بعدو للمشهود عليه ولو بالعداوة بين آبائهم بل هي أكبر من العدواة بينهما وأن يكون الشاهد ليس بغريب للمشهود له. قوله: الشاهد حر يتضمن اشتراط الحكم بإسلامه إذ لا يشهد الكافر البالغ فكيف بالصغير. قوله: ولا خلاف بينهم ولا فرقة، وهذه موانع الشهادة لهم، فإن اختلفوا في شهادتهم فقال بعضهم: هذا جرحه أو قتله. وقال بعضهم: بل هذا فإن شهادتهم لا تقبل وكذلك إن تفرقوا قبل الشهادة لأن التفرق مظنة التخبيب إلا أن يشهد عليهم عدول قبل التفرق، ويشترط ألا يحضر بينهم كبير عدلا كان أو غير عدل رجلا كان أو امرأة مسلما كان أو كافرا، ويشترط في الشهادة منهم السلامة من جرحة الكذب. قوله: ولا يقدح رجوعهم ولا تجريحهم ولا يقدح في شهادتهم الرجوع عنها ولا تجريحهم سواء رجعوا قبل الحكم أو بعده، لأن الظاهر أن الذي شهدوا به أولا

стр. 1510

هو الموافق دون الثاني، ولو تأخر الحكم بشهادتهم حتى بلغوا ثم رجعوا، فإن رجوعهم يقبل. قوله: وللزنا شرع يذكر مراتب الشهادة أعلاها أربعة وأدناها امرأتان. ويشترط في شهادة الزنا شهادة أربعة ذكور بزنا واحد في وقت واحد ورؤيا. وأخذ كيفية شهادتهم أن يشهد كل منهم أن الزاني أدخل فرجه في فرج المزنا بها، فشهادة الزنا خاصة لا تتم إلا بأربعة عدول تغليظا على المدعي وسترا على العباد، ولما كان هذا الفعل من كبير الفواحش وهو ستار على عبيده كلف من البينة ما لم يكلف في غيره فضلا منه تعالى ورحمة، والله كريم خبير ستار متفضل. قوله: وفرقوا فقط أي وفرق شهود الزنا واللواط فقط، إذ ربما اختلفوا في كيفية شهادتهم. وفي ظاهر المدونة لا يلزم مطالبة المقر بالزنا بصفته بخلاف الشهود. عبد الوهاب: إلا أن يتهم بغفلة أو جهل فيستكشف. انتهى من البرزلي (١). وينبغي أن يفرق الشهود في هذا الزمان لفساده. قوله: (وندب سؤالهم كالسرقة ما هي؟ وكيف أخذت؟) أي وندب سؤال شهود الزنا واللواط عن كيفية اطلاعهم عليه ومن أين دخلوا عليهم وما سبب اطلاعهم عليهما ولفظ المدونة فيه وينبغي وفسره أبو الحسن بالوجوب. قوله: كالسرقة كما يندب سؤال شهود السرقة عن جنسها وفي الحرز أو غيره. قوله: (ولما ليس بمال ولا آيل له كعتق، ورجعة، وكتابة- عدلان، وإلا فعدل وامرأتان، أو أحدهما بيمين كأجل، وخيار، وشفعة، وإجارة، وجرح خطا أو مال، وأداء كتابة وإيصاء بتصرف فيه، أو بأنه حكم به) أي ويشترط في شهادته فيما ليس بمال ولا آئلا لمال وذلك كعتق ورجعة وطلاق ونكاح وكتابة عدلان بالنسبة إلى الزمان. قال صاحب إكمال الإكمال: قال ابن المناصف وأما الشهادة بالمال تؤل إلى غير المال، كالشهادة بأن المكاتب دفع نجومه فيعتق وكالشهادة بأنه باع العبد ممن يعتق عليه وكالشهادة بأنه باع الأمة من زوجها فيفسخ النكاح، فيقبل فيها الشاهد واليمين. فهي كالأموال ولم يذكر في ذلك خلافا. قال: لأن غير المال فيها تابع
следующие страницы →