وقال القاضي أبو الحسن وأما لو قال: إن مت قبلك فداري لك، وإن مت قبلي فهي لي، فهذا عندي يجوز؛ لأنها وصية إن مات الموصي فهي للموصى له من الثلث، وإن مات الموصى له قبل موت الموصي بطلت الوصية، قال: وهذه صفة الوصايا. انتهى من الجواهر (١).
قوله: لا للرقبى أي لا يجوز الرقبى، فإن وقع ونزل ذكر اللخمي فيه الخلاف وسئل مالك رحمة الله عن الرقبى فلم يعرفها، وفسرت له فقال: لا تجوز.
وقوله: كذوي دارين مثال للرقبى، الدارين ليست بشرط، وكذلك الواحدة، وكذلك جماعة من الناس، قالا، أو قالوا: إن مت قبلي فهما لي، وإن مت قبلك فهما لك، فلا يجوز لأنه بيع فاسد، وروى أشهب عن مالك فيمن تصدق على رجل بعبد بتلا على أنك إن مت فالعبد إلي رد، وإن مت أنا فهو لك بتلا فمات المعطى له أولا، فإن العبد يرجع إلى المعطي.
وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم فيمن أعطا أخاه منزلا، وشرط أنك إن مت فهو رد إلي وإن مت قبلك فهو لك، قال: ذلك مثل الوصية، ويكون للمعطى السكني من الثلث، لأنه جعلها له نافذة إن مات المعطي أولا قبله، وعجل له قبضها، وهي وصية، حيزت أو لم تحز.
قال أصبغ وليس للمعطي أن يبيعها أو يحولها عن حالها. انتهى من المنتقى (٢).
قوله: (كهبة نخل واستثناء ثمرتها سنين، والسقي على الموهوب له، أو فرس لمن يغزو سنين، وينفق عليه المدفوع له، ولا يبيعه لبعد الأجل) التشبيه في المنع أي ولا تجوز هبة نخل واستثنى ثمرتها سنين على أن السقي في السنين على الموهوب، لأنه معين يتأخر قبضه، وأما إن كان السقي على الواهب فجائز، وكذلك إن كان الماء الذي يسقي به للواهب يجوز، وكذلك لا يجوز هبة فرس لمن يغزوا به سنين على أن النفقة في السنين على الموهوب، وشرط أن لا يبيعه إلا بعد الأجل، فلا يجوز، لأنه معين يتأخر قبضه، وقد يهلك فتضيع نفقته، وأما إن كان الواهب هو المنفق فجائز.
قوله: (وللأب اعتصارها من ولده، كأم فقد وهبت ذا أب، وإن مجنونا، ولو تيتم على المختار) أي وللأب اعتصار الهبة من ولده صغيرا كان أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، غنيا
стр. 1437
أو فقيرا.
والاعتصار لغة الحبس والمنع، وقيل: الرجوع، وكذلك الأم تعتصر ما وهبت لولدها ذي أب حي، وإن كان الأب مجنونا، ولو تيتم الولد بعد الهبة، لأن المعتبر في الاعتصار وقت الهبة على ما اختاره اللخمي من الخلاف، ومقابله لا تعتصر إن مات الأب، بناء على أن المعتبر وقت الاعتصار. وفي المدونة ما يشهد لهما.
وقوله: فقط أي للأب والأم فقط لا لغيرهما خلافا لمن قال: ذلك للجد والجدة.
قوله: (إلا فيما أريد به الآخرة) شرع تخلله في موانع الاعتصار فيما وهب وأريد به ثواب الآخرة، (كصدقة بلا شرط) في الرجوع فيه، وأما إن شرط الرجوع فيه، فإن ذلك له والمؤمنون عند شروطهم.
قوله: (إن لم تفت، لا بحوالة سوق، بل بزيد أو نقص، ولم ينكح، أو يداين لها، أو يطأ ثيبا، أو يمرض، كواهب) أي إنما يكون الاعتصار في الهبة، إن لم تفت بحوالة سوق، وهذه غفلة من الشيخ نعم الله وتبعه الشارح.
صوابه: إن لم تفت بزيادة أو نقص لا بحوالة سوق، إذ حوالة السوق لا تفيت الاعتصار باتفاق.
قال مطرف وابن الماجشون: الزيادة والنقص فيها لا يفيت.
قوله: إن لم ينكح، إنما يكون الاعتصار إذا لم ينكح الموهوب، أو ينكح لأجل الهبة، أو يداين لأجلها، وكذلك إذا وطئ ثيبا، وأحرى بكرا، فإن ذلك كله يفيت الاعتصار، ويصدق الموهوب في الوطء إذا غاب عليها، وكذلك إذا مرض الموهوب مرضا مخوفا، فإنه يمنع الاعتصار لحق ورثته، وكذلك مرض الواهب مرضا مخوفا، لأنه لا اعتصار له لأنه يعتصر لغيره.
قوله: (إلا أن يهب على هذه الأحوال، أو يزول المرض على المختار، وكره تملك صدقة بغير ميراث، ولا يركبها، أو يأكل من غلتها) أي إلا أن يهب الواهب في حال نكاح الموهوب له أو التداين أو المرض فإن له الاعتصار، وكذلك له الاعتصار إن زال المرض المانع للاعتصار لارتفاع العلة فعاد حق الرجوع عند ابن القاسم، وقال أصبغ: ما زال به للاعتصار من مرض أو غيره يوما واحدا فلا يعود بزواله.
قوله: وكره تملك صدقة هذا هو المشهور، وقيل: يمنع تملكها أي وكره تملك صدقة واجبا كان أو تطوعا بعوض وبغير عوض، إلا أن يكون التملك بميراث
стр. 1438
فيجوز، لأنه دخل في ملكه بغير سببه ولا يركب الصدقة ولا يأكل غلتها، وشرب اللبن أخف من أكل الثمن، وربح المال أخف من اللبن.
قوله: (وهل إلا أن يرضى الإبن الكبير) أي وهل يكره مطلقا رضي الإبن الكبير بشرب اللبن أم لا، أو إنما يكره إن لم يرض الابن الكبير (بشرب اللبن)، وأما إن رضي فيجوز من غير كراهة فيه (تأويلان).
قوله: (وينفق على أب افتقر منها) أي وكذلك الأم أي وينفق على أب افتقر من الصدقة.
قوله: (وتقويم جارية أو عبد للضرورة، ويستقصى) معطوف على قوله: وللأب اعتصارها أي وللأب تقويم جارية تصدق بها على ولده.
قال في المدونة: ومن تصدق على ابنه الصغير بجارية، فتبعتها نفسه، فلا بأس أن يقومها على نفسه ويستقضي في الثمن (١).
وقال في العتبية عبدا، وجمع المؤلف بينهما. ترك الشيخ حمدالله قيدين لا بد منهما: هو أن يشهد بالتقويم.
الثاني: أن يكون الولد صغيرا.
قوله: (وجاز شرط الثواب، ولزم بتعيينه) أي وجاز للواهب شرط الثواب، عين الثواب أم لا، ولزم الثواب إن عين أي ولزم الموهوب دفع الثواب إن عين.
قوله: (وصدق واهب فيه) أي وصدق الواهب في ادعاء الثواب، (إن لم يشهد عرف بضده)، وهو الموهوب له، فإن شهد العرف للواهب فلا كلام للموهوب له، وإن شهد العرف للموهوب له فلا كلام للواهب.
قوله: (وإن لعرس) أي وصدق في دعواه الثواب وإن كانت الهبة لأجل نكاح، وكذلك نفاس وطعام الميت.
قوله: (وهل يحلف، أو إن أشكل) أي وإن أشكل الأمر أي إلتبس، فهل يحلف من شهد له العرف واهبا كان أو موهوبا له، لأن العرف كشاهد واحد، ولا يحلف إلا إذا أشكل فيحلف، لأن العرف شاهدان فيه تأويلان).
قوله: (في غير المسكوك، إلا لشرط، وهبة أحد الزوجين للآخر، ولقادم عند قدومه وإن فقيرا لغني، ولا يأخذ هبته، وإن قائمة) أي وصدق الواهب في الثواب في غير
стр. 1439
مسكوك الدنانير والدراهم، وأما المسكوك فلا يصدق، لأن العرف ألا ثواب فيها إلا أن يشترطه، وإن انعكس العرف انعكس الحكم، وكذلك لا ثواب في هبة أحد الزوجين للآخر العرف، وكذلك لا ثواب لمن أهدى لقادم من سفره عند قدومه، وإن كان الواهب فقيرا لغني، وأحرى غني لفقير، ولا يأخذ هذا الواهب هبته من القادم وإن كانت قائمة.
قوله: (ولزم واهبها) أخذ القيمة إذا دفعها إليه الموهوب له.
قوله: (لا الموهوب له القيمة، إلا لقوت بزيد أو نقص) أي فلا يلزمه دفع القيمة للواهب بل إن شاء دفعها وإن شاء رد الهبة، إلا أن تفوت بزيادة في بدن أو نقص لا بحوالة بسوق، فتلزمه القيمة، ابن القاسم: يوم الهبة، قال غيره: يوم القبض.
قوله: (وله منعها حتى يقبضه) أي وللواهب منع الهبة حتى يقبض الثواب.
قوله: (وأثيب ما يقضى عنه ببيع) أي وأثيب الواهب بما يقضي أي بما يؤدي عنه في بيع الدين، فلا يأخذ في الثواب مما فيه الربا، إلا أن يكون يدا بيد.
قوله: (وإن معيبا) أي وإن كان المأخوذ في الثواب معيبا، إذا كان فيه وفاء للقيمة.
قوله: (إلا كحطب، فلا يلزمه قبوله) أي فلا يلزم أخذ الحطب أو التبن وشبهه مما لا يثاب في العادة بمثله في الثواب.
قال صاحب فتح الجليل: وهذا في غير مصر غالبا (١) لأن صاحب العيال والدابة قد يختاره عن غيره.
قوله: (وللمأذون، وللأب في مال ولده: الهبة للثواب) أي وللأب في مال ولده أي وللمأذون في التجارة الهبة للثواب لأنه كالبيع، وللأب الهبة من مال ولده للثواب، وأما لغير الثواب فلا يجوز لهما.
قوله: (وإن قال: داري صدقة بيمين مطلقا، أو بغيرها ولم يعين لم يقض عليه، بخلاف المعين) أي وإن قال مكلف رشيد داري صدقة في يمين مطلقا على معين أم لا، لم يقض عليه بدفعها، لأنه لم يرد التقرب وإنما أراد به التضييق، وكذلك إن قال: داري صدقة، ولم يعين لم يقض عليه، لأن شرط المحكوم له أن يكون معينا بخلاف إن قال: داري صدقة لفلان معين، فإنه يقضى عليه بدفعها له.
стр. 1440
قوله: (وفي مسجد معين قولان، وقضي بين مسلم وذمي فيها بحكمنا) أي وإن قال داري صدقة على مسجد معين، هل هو كإنسان معين فيقضى عليه، لأنه معين، أو لا يقضى عليه، لأن المصلين فيه ليسوا بمعينين فيه قولان من غير ترجيح، ويقضى بين مسلم وذمي في الهبة للثواب بحكمنا، لأن الإسلام يعلوا ولا يعلا عليه، ويؤخذ من هذا أن الحاكم يحكم بالمكروه.
стр. 1441
باب [في اللقطة والضالة والآبق واللقيط]
قوله: (باب) أي هذا باب يبين فيه مسائل اللقطة والضالة والآبق.
وفي اللقطة أربع لغات: اللقطة، واللقطة، واللقاطة، واللقاطة.
قال النووي: اللقطة هي بضم اللام مع فتح القاف وسكونها، وبفتح اللام مع سكون القاف وفتحها.
قال الجمهور والأولى من الأربعة هي المشهورة. (١)
(اللقطة مال معصوم) المال جنس معصوم فصل عرض للضياعي.
وقوله: مال معصوم احترز به من مال الحربي، والركاز، وما وجد بأرض الحرب.
قوله: (عرض للضياع، وإن كلبا، وفرسا، وحمارا) أي عرض ذلك المال للضياع في عامر أي عمارة أو غامر الغامر الخالي من العمارة، وأخرج معرض للضياع ما بيد صاحبه، وإن كان ذلك المال كلبا يعني المأذون في اتخاذه، أو كان فرسا أو حمارا، ذكر هذه الثلاثة، لأجل الخلاف فيها.
قوله: (ورد بمعرفة مشدود فيه، وبه) أي ورد الشيء الملتقط للواصف بمعرفة مشدود فيه، وهو العفاص الذي قاله صاحب الرسالة، وبمعرفة مشدود به من الخيط (و) بمعرفة (عدده)، فإذا عرفها بهذه الثلاث دفعت إليه (بلا يمين) منه، لأنه لا منازع له فيه، ولأن العرف كشاهدين له، وهو من باب القضاء بالمعروف، وقيل لا يأخذها إلا بيمين، لأن العرف شاهد واحد.
قوله: (وقضي له) أي ويحكم للواصف بهذه الثلاث ويقدم (على ذي العدد والوزن).
قوله: (وإن وصف ثان) أي وإن وصف إنسان ثان اللقطة (وصف أول، ولم يبن بها) أي لم يذهب بها (حلفا، وقسمت) بينهما، وإن نكل أحدهما قضي بها للآخر، وإن نكلا هل تقسم بينهما كحلفهما؟ أو لا شيء لهما فيها فيه خلاف، وأما إن بان به الأول فلا تقسم.
стр. 1442
قوله: (كبينتين لم تؤرخا) أي كما تقسم اللقطة بينهما، إذا أقام كل واحد منهما بينة لم تؤرخ وتكافأت البينات، وكذلك إن تساوى التاريخان، وإن لم تتكافأ البينتان قضى بأعدلهما.
قوله: (وإلا فللأقدم ولا ضمان على دافع بوصف، وإن قامت بينة لغيره) أي وإن تورخا البينتان فللأقدم تاريخا، ولا ضمان على دافع بوصف وأحرى ببينة، لأنه فعل ما أمره به الشرع، وإن قامت بينة لغير الواصف.
قوله: (واستؤني بالواحدة) أي واستؤني في الواصف صفة واحدة (إن جهل غيرها، فإن لم يأت غيره بما هو أقوى منه دفعت إليه، ومفهوم الصفة الواحدة أنه لا يستأنى باثنين.
قوله: (لا غلط على الأظهر) أي واستؤني في الواحدة إن جهل غيرها، لأنه غلط في غير الواحدة، فإنه لا يدفع له، كما إذا وصف اللقطة وصفا واحدا وغلط في غيرها. غفل الشارح هنا نعم الله إذ جعل الغلط في العدد.
قوله: (ولم يضر) أي ولم يضر الواصف للشيء الملتقط (جهله بقدره).
قوله: (ووجب أخذه لخوف خائن: لا إن علم خيانته هو فيحرم) أي ووجب أخذ الشيء الضائع، إذا خاف إن تركه يلتقطه خائن فيه، وهو من لم يتبع فيه ما أمر به الشرع، إذ هو من باب حفظ مال المسلم، وهذا إذا لم يعلم الخيانة من نفسه، وأما إن علم من نسفه الخيانة فيحرم له حينئذ أخذه، لأن الأخذ لأجل خوف الخائن وهو خائن.
قوله: (وإلا كره) أي وإن لم يكن موجب، ولا محرم بأن لا يدري حال نفسه، كره أخذه على الأحسن)، وقال بعضهم: استحب أخذه ليعرف بها.
قوله: (وتعريفه سنة، ولو كدلو، لا تافها، بمظان طلبها بكباب مسجد، في كل يومين، أو ثلاثة) أي ووجب التعريف بالشيء الملتقط سنة في مظان طلبه، ولو كدلو بكباب مسجد أو سوق في كل يومين مرة أو ثلاثة أيام مرة فلا يلزمه التعريف كل يوم وقيل يعرف في كدلو ما دون السنة لا شيئا تافها، فإنه لا يعرف به، الأصل فيه قوله ﵊: «لولا أن أخشى أن تكون من الصدقتين لأكلتها» (١) لثمرة وجدها
стр. 1443
في الطريق، وتعريف اللقطة من مسائل السنة، وكذلك الشفعة، والمعترض، والمجنون، والأجذم والأبرص، وعدة المستحاضة، والمرتابة، والمريضة، والجرح لا يحكم فيه، إلا بعد سنة، والبكر تقيم عند زوجها سنة ولم يصبها ثم تطلق، فإنها لا تجبر، واليتيمة تمكث في بيتها سنة، فإنها تحمل على الرشد في قول، والذي ويوصي بشراء عبد ليعتق وأبأ أهله البيع، فإنه يستأنى سنة، والتي تقيم شاهدا بالطلاق ويأبى زوجها أن يحلف، فإنه يحبس سنة في قول. والهبة إذا حاز الموهوب له الهبة سنة صح الحوز فيها، وإن رجعت إلى الواهب على المشهور.
والزكاة والصوم لا يجبان إلا بعد السنة، والعمرة لا يباح فعلها على المشهور في السنة إلا مرة واحدة، وعهدة السنة والشاهد إذا تاب من فسقه، قيل: لا بد من مضي سنة، وقيل: ستة أشهر، وقيل: لا حد لذلك. وكل هذه النظائر ذكرها الشيخ خليل وأكثرها في نظائر أبي عمران الصنهاجي. انتهى من ابن ناجي.
قوله: (بنفسه أو بمن يثق به، أو بأجرة منها، إن لم يعرف مثله) أي متعلق بقوله: وتعريفها سنة أي يعرف بها سنة بنفسه، أو من يثق به أو بأجرة من اللقطة إن يعرف مثله، وأما إن عرف مثله فلا تكون الأجرة إذا آجر من يعرف بها في اللقطة بل تكون على الملتقط.
قوله: (وبالبلدين إن وجدت بينهما، ولا يذكر جنسها على المختار، ودفعت لحبر، إن وجدت بقرية ذمة) أي ويعرف باللقط في البلدين إن وجدت بينهما، ولا يذكر جنسها حين التعريف على ما اختاره اللخمي، بل يقول من ضاع منه شيء، وقيل: يذكر جنسها، فإن وجدت اللقطة في قرية أهل الذمة، فإنها تدفع لحبر منهم أي عالمهم فهو أعلم بما يفعلون بها.
قوله: (وله حبسها بعده، أو التصدق، أو التملك ولو بمكة ضامنا فيهما) أي وللملتقط حبس اللقطة بعد تعريفها سنة، ليحفظها لربها أمانة، فإن ضاعت فلا يضمنها وله التصدق بها، أو التملك، ولو كانت لقطة بمكة ضامنا أي في حال كونه لها فيهما أي في التصدق والتملك إذا جاء ربها. وأشار بلو إلى قول الباجي: أن اللقطة يعني لقطة مكة لا تملك وتعرف دائما.
стр. 1444
قوله: (كنية أخذها قبلها) أي كما يضمنها الملتقط إذا ما نوى أخذها أي أكلها قبل أن يلتقطها غفل الشارح هنا ﵀.
قوله: (وردها بعد أخذها للحفظ) أي ويضمن الملتقط اللقطة إذا ردها إلى موضعها بعد أن أخذها، لأجل الحفظ، لأنه متعد (إلا) إذا ردها (بقرب) ذلك بعد أن أخذها للحفظ (ف) في الضمان وعدمه (تأويلان)، وأما إن أخذها ليريها لإنسان فقال: ليست لي، فإنه لا يضمن إذا ردها إلى موضعها.
قوله: (وذو الرق كذلك) أي والرقيق الملتقط كما تقدم، سواء كان قنا أو فيه شائبة حرية، يعرف بها سنة، فله حبسها بعد سنة لربها، وله التصدق والتملك، فإن جاء ربها بعد أن تصدق بها أو تملكها، ففي ذمته، لأن الشرع أذن له في ذلك، و أما إن أتفلها (١) (قبل السنة) فهي (في رقبته) والعبد فيما جنى.
قوله: (وله أكل ما يفسد ولو بقرية) أي وللملتقط أكل ما يفسد، ظاهره ولو كثر، ولا يضمنه إن أكله، ولو كان ذلك في قرية، وأحرى فيما في الأرض.
فرع وما نقله السيل أو الوادي من الأمتعة فهو لقطة وينشد، وكذا كل ما علم أن له مالكا من خشب أو غيره، وكذا الوادي يحمل فيسوق أمتعة الناس وخشبهم، وإن خلط الوادي جلود القوم أو كتانا كان ذلك بينهم إلا أن يعلم أنه لرجل بعينه. انتهى من البرزلي (٢).
قال المازري في المعلم: لو جهل عين المسروق منه فكاللقطة يأخذه واصفه بما تؤخذ به اللقطة قاله أصحابنا، واختلف في جهل المودع، فقيل كذلك، وقيل: لا، لأنه قادر على دفعها ببينة، لأنه مختار. انتهى من ابن ناجي.
قال ابن الماجشون وأشهب وأصبغ في المصلين يوم الجمعة أو غيرها: إذا التبست عليهم النعال، فأصاب أحدهم بمكان نعله نعل غيره، فقال: من تبدل له خف بخف فلم يجبه أحد، فإنه يتصدق بثمن ذلك النعل على المساكين، وقال ابن القاسم: إذا كان الذي مر له جديد وهذا لبيس، فليلبسه ولا شيء عليه، وإن كان الذي مر له لبيسا وهذا جديد فلا يحل له لبسه، إذ لا يحمل صاحب الجديد لبيسا. انتهى من الذخيرة.
стр. 1445
قوله: (وشاة بفيفاء) أي ولملتقط الشاة في الصحراء أكلها ولا يضمنها لقوله ال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» (١)، وإن جاء بلحمها إلى البلد له أكله، إلا أن يأتي ربها فيأخذ اللحم، ولكن يدفع كراء حمل اللحم للملتقط، وأما إن جاء بالشاة حية، فإنه يعرف بها سنة.
ومعنى هي لك أو لأخيك أو للذئب، تنبيه على أنها تالفة على كل حال، لا ينفع صاحبها بقاؤها، فإن أكلها ثم جاء صاحبها فلا يغرمها له، لأن اللام في قوله ال: هي لك لام التمليك، والمالك لا يغرم. انتهى من إكمال الإكمال (٢).
قوله: (كبقر بمحل خوف، وإلا تركت كإبل) أي كما للملتقط أكل البقر في محل خوف عليها من السباع والعطش. وإلا أي وإن لم تكن في محل خوف تركت فيه فلا تؤخذ، كما تترك الأبل الضالة فلا تؤخذ، وإن خاف عليها من السباع والعطش لقوله ال: «مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها» أي نعلها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يأتيها ربها (٣) وهذا في زمن عدل الملوك والرعية، وأما غير زمن العدل فإن أخذها ببيعها ويوقف ثمنها لربها.
قوله: (وإن أخذت عرفت، ثم تركت بمحلها) أي فإن أخذت البقر في غير محل الخوف أو الإبل عرفت سنة ثم تركت بمحلها الذي أخذت فيه، لأنه أخطأ أولا في أخذها.
وفي إكمال الإكمال: وإذا لزم ردها إلى محلها. ففي العتبية: لا يلزمه الإشهاد على ذلك. ابن رشد: ومعنى ذلك في غير المتهم، وقيل: يستحب أن يشهد.
عياض: واختلف في الخيل والبغال والحمير، فهل هي كالإبل وقيل كسائر اللقطات.
قلت: القول بأنها كالإبل لا تلتقط لأشهب وابن كنانة. والقول بأنها تلقط كسائر اللقطات لابن القاسم، فإن جاء ربها وإلا تصدق بها، والقول بأن البقر إن لم يخف
стр. 1446
عليها السباع لمالك في المدونة، والقول بأنهما كالغنم تؤكل ولا تضمن لمالك في كتاب ابن حبيب الضالة هي الغنم الموجودة في غير حرز. انتهى (١).
قوله: (وكراء بقر ونحوها في علفها كراء مضمونا، وركوب دابة لموضعه، وإلا ضمن) أي وللملتقط كراء بقر ونحوها من الإبل أو خيل أو بغال أو حمير في علفها كراء مضمونها أي مأمونا عليه فيه، وكذلك للملتقط ركوب الدابة للضرورة أو لتعذر قودها إلى موضع الملتقط. وإلا أي وإن ركبها إلى غير موضعه أو إلى موضعه وزاد ضمن القيمة إن أعطبت والكراء إن سلمت من العطب.
قوله: (وغلاتها دون نسلها) أي وللملتقط غلة اللقطة من الصوف واللبن والسمن والكراء هكذا فسره صاحب فتح الجليل (٢).
قال ابن غازي: المراد بالغلة هنا اللبن والسمن دون الصوف ودون الكراء، بدليل أنه قدم الكراء إذ قال: وكراء بقر ونحوها في علفها والصوف حكمه حكم النسل بدليل قوله في خيار النقيصة بخلاف ولد وثمرة أبرت وصوف تم أولا وقال ابن عرفة: نسل الضالة المعرفة وصوفها مثلها. انتهى منه (٣).
قوله: (وخير ربها بين فكها بالنفقة أو إسلامها) أي فإذا أنفق الملتقط على اللقطة ثم جاء ربها، فإنه يخير بين أن يفكها بما أنفق عليها، أو يسلمها فيه فلا يجبر على دفعه إذ هي نفقة على معين.
قوله: (وإن باعها بعدها فما لربها إلا الثمن، بخلاف ما لو وجدها بيد المسكين، أو مبتاع منه فله أخذها) أي وإن باع الملتقط اللقطة بإذن الإمام أو غيره بعد التعريف بهما سنة، ثم جاء ربها فليس له الثمن الذي بيعت به، لأن الملتقط كوكيله، بخلاف لو وجدها ربها بيد المسكين المصدق بها عليه، فإنه يأخذها من المسكين، أو مبتاع منه، لأنه تبين أن الملتقط تصدق بمال من غير إذن ربه.
قوله: (وللملتقط الرجوع عليه إن أخذ منه قيمتها؛ إلا أن يتصدق بها عن نفسه) أي وللملتقط الرجوع على المسكين المتقدم الذكر الذي لم يفوتها، إن أخذت القيمة منه أي من الملتقط إلا أن يتصدق بها على نفسه، فإنه لا يرجع على المسكين بشيء.
стр. 1447
قوله: (وإن نقصت بعد نية تملكها فلربها أخذها أو قيمتها) أي وإن نقصت اللقطة بعد أن نوى الملتقط تملكها فربها مخير بين أخذها بنقصها، أو أخذ قيمتها منه، وأما إن وجدها بحالها غير ناقصة، فليس له إلا أخذها لا غير.
قوله: (ووجب لقط طفل نبذكفاية. وحضانته. ونفقته: إن لم يعط من الفيء، إلا أن يملك كهبة، أو يوجد معه أو مدفون تحته، إن كانت معه رقعة) أي وإنما وجب لقط طفل إحياء للنفوس، وذلك وجوب كفاية، ومن قام به سقط عن الباقين.
الطفل يشمل الذكر والأنثى، ووجبت حضانته ونفقته على ملتقطه، لأنه لما التقطه ألتزم الحضانة والنفقة لنفسه، هذا إذا لم يعط للقيط من بيت مال المسلمين، وأما إن أعطي، فإن النفقة حينئذ تسقط عن الملتقط، وكذلك تسقط عنه، إن ملك اللقيط مالا بهبة له، أو حبس عليه، أو تصدق به عليه، وكذلك لا نفقة على الملتقط إن وجد مع اللقيط مال فينفق عليه منه، وكذلك إن وجد مال مدفون تحت اللقيط، إن كانت معه رقعة مكتوب فيها هذا المال لهذا الطفل، فإنه ينفق عليه من ذلك المال، وإما إن لم يوجد معه رقعة فلا ينفق عليه منه بل هو لقطة.
قوله: (ورجوعه على أبيه إن طرحه عمدا، والقول له أنه لم ينفق حسبة) أي ويقضى للملتقط بالرجوع على أبي اللقيط، إن طرحه عمدا بما أنفق على اللقيط، وإن طرحه بغير عمد فلا يرجع عليه بشيء، وهذا كله إذا ثبت أن اللقيط ولده، لأن ميراث اللقيط للمسلمين، إنما يرجع الملتقط على أبي اللقيط، إذا كان الأب موسرا حين إنفاق الملتقط على اللقيط، لأنه ممن تلزمه نفقته، والقول للملتقط أنه لم ينفق على اللقيط حسبة أي طلب ثواب الآخرة.
قوله: (وهو حر، وولاؤه للمسلمين) أي واللقيط حر، لأن أصل الناس على الحرية عند مالك الله من آدم وحوى، وولاء اللقيط للمسلمين إذ لا نسب له ثابت ولا ولاية، ولا يقبل فيه دعوى الرق من أحد إلا ببينة.
قال مالك: ولا يقبل إقراره على نفسه بالرق، إذ ليس له أن يرق نفسه، وجنايته وأرش خطئه على بيت المال، لأنه إن مات يرثه، وإن جنى عليه فالإرش له.
قوله: (وحكم بإسلامه في قرى المسلمين، كأن لم يكن فيها إلا بيتان، إن التقطه مسلم، وإن في قرى الشرك فمشرك. ولم يلحق بملتقطه ولا غيره، إلا ببينة، أو بوجه) أي وحكم بإسلام اللقيط إن التقطت في قرى المسلمين التقطه مسلم أو كافر، كما يحكم
стр. 1448
بإسلامه، إذا لم يكن فيها أي في تالك القرى إلا بيتان من المسلمين إن كان ملتقطه مسلما، لأن الإسلام يعلوا ولا يعلى عليه، وقال أشهب: وهو حر وإن التقطه كافر. انتهى.
وإن التقطه ذمي نزع منه لئلا ينصره أو يهوده، أو يتقادم الأمر فيسترقه، وإن التقط اللقيط في قرى الشركة فهو مشرك، التقطه كافر أو مسلم، فإن التقطه مسلم ملكه.
قوله: ولم يلحق بملتقطه ولا غيره إلا ببينة أو بوجه، لأن ولاء اللقيط للمسلمين. والوجه أن يقول: لا يعيش لي ولد، وسمعت أن من لا يعيش له ولد فإذا ولد له فرماه فإنه يعيش ولده، ولذلك رميته، فإن اللقيط يلحق به إن ادعاه.
قوله: (ولا يرده بعد أخذه إلا أن يأخذه ليرفعه للحاكم فلم يقبله، والموضع مطروق) أي فإن لقط لقيطا فلا يرده بعد أن أخذه، لأنه قد ألزمه نفسه بالأخذ، إلا إن كان أخذه له ليرفعه إلى الإمام، فيرفعه إليه فلم يقبله الإمام، فإنه له رده إلى الموضع الذي أخذه منه، بشرط أن يكون الموضع مطروقا، ويأمن عليه الضياع. الواو في الموضع واو الحال.
قوله: (وقدم الأسبق) أي وقدم في حضانة اللقيط السابق لأخذه (ثم الأولى) أي الأصلح للحضانة أي (وإلا) أي وإن تساوو في السبق والأولوية، (فالقرعة) ثابتة إذ لا مرجح.
قوله: (وينبغي الإشهاد) أي وينبغي الإشهاد حين الإلتقاط أن هذا الطفل لقيط خوف استرقاقه، والتعليل يدل على وجوب الإشهاد.
قوله: (وليس لمكاتب ونحوه التقاط بغير إذن السيد) أي وليس لمكاتب التقاط، لأنه لا تطوع له، إلا بإذن سيده، وأن تكون نفقة اللقيط قد تؤدي إلى عجزه، فيؤدي إلى رقه، وكذلك لا يجوز لأم الولد والمدبر والمعتق إلى أجل إلا بإذن السيد، لأن ذلك يشغله عن خدمة السيد وأحرى القن في هذا.
قوله: (ونزع محكوم بإسلامه من غيره) أي وإذا التقط كافر لقيطا حيث يحكم بإسلام اللقيط، نزع منه لئلا يربيه على كفره، وإن غفل عنه حتى كبر وبلغ أجبر على الإسلام وإن أبي فهو مرتد.
قوله: (وندب أخذ آبق لمن يعرف، وإلا فلا يأخذه، فإن أخذه رفعه للإمام. ووقف سنة،
стр. 1449
ثم بيع ولا يهمل، وأخذ نفقته) من هنا إلى آخر الباب ليس في ابن الحاجب، وإنما هو في المدونة أي وندب أخذ آبق لمن يعرفه صونا لماله. وإلا أي وإن لم يكن يعرف ربه فلا يندب له أخذه، إلا أن يخاف عليه الهلاك فيجب عليه أخذه، فإن قلنا لا يندب له أخذه، فإن وقع ونزل أخذه رفعه للإمام العدل، وإن رفعه إلى غير العدل ضمنه، لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا، فإن كان الإمام عدلا ورفعه إليه، وقفه الإمام سنة ثم بيع ولا يطلق بعد السنة، كما تطلق الإبل بعد التعريف بها سنة إن أخذت كما تقدم. انتهى.
قال بعض أصحابنا: مراد مالك أنه يحبس سنة، إذا كان للعبد صنعة تقوم بنفقته، أو قام إمام عادل ينفق عليه من بيت المال، وإلا بيع قبل السنة، وأخذ الإمام من ثمنه النفقة وحبس الباقي لربه.
قال سحنون: لا أرى أن يوقف سنة، بل ما تبين أمره فيه، ثم يباع، وتكتب صفته حتى يأتي طالبه.
قال ابن يونس: هو الصواب، لأن نفقة السنة ربما أذهبت ثمنه إذا بيع. انتهى من ابن فرحون (١).
قوله: (ومضى بيعه) أي وإن باع الحاكم الآبق بعد الاستناء، فإن ذلك البيع يمضي ولا يفسخ (وإن قال ربه كنت أعتقته) فلا يقبل قوله إلا ببينة.
قوله: (وله عتقه وهبته لغير ثواب، وتقام عليه الحدود) أي ولرب الآبق عتقه وهبته لغير ثواب، لأن ذلك تبرع، وأما لهبة الثواب فلا يجوز، لأن هبة الثواب كالبيع، وتقام على الآبق الحدود من زنا، وشرب خمر، وقذف، وحرابة، فلا يتوهم أن السيد هو الذي يقيم عليه الحد بل الإمام يقيم عليه الحد.
قوله: (وضمنه إن أرسله إلا لخوف) أي وضمن الآخذ آبقا إن أطلقه بعد أن أخذه اختيارا، إلا إذا أطلقه لأجل خوف منه على نفسه، فإنه لا يضمنه.
قوله: (منه، كمن استأجره فيما يعطب فيه) أي كما يضمن من استأجر آبقا فيما يعطب وعطب، سواء علم أنه أبق أم لا، إذ العمد والخطأ في أموال الناس سواء، والأجرة لسيده إذا لم يعطب، أو استأجره فيما لا يعطب فيه، وإن كان المستأجر قد أعطا الأجرة للآبق فهل يغرمه أيضا لسيده أم لا فيه خلاف.
стр. 1450
قوله: (لا إن أبق منه؛ وإن مرتهنا، وحلف) أي فإن أخذه الآبق ثم ضمنه، فلا ضمان عليه، وإن كان الذي أبق منه مرتهنا فلا يضمنه، إذ هو مما لا يغاب عليه، ولكن يحلف على أحد الروايتين، وعليها اختصر ابن أبي زيد ولا يحلف في الرواية الأخرى وعليه اختصر أبو سعيد البراذعي (١).
قوله: (واستحقه سيده) أي ويستحق الآبق سيده (بشاهد، ويمين)، وامرأتين بمن كسائر الأموال بلا استيناء ولا تضمين.
قوله: (وأخذه، إن لم يكن إلا دعواه) أي وأخذ الآبق مدعيه بعد الإستيناء وتضمينه إياه إن لم يكن إلا دعواه (إن صدقه) الآبق.
قوله: (وليرفع للإمام، إن لم يعرف مستحقه، إن لم يخف ظلمه) أي وإن أخذ آبقا لم يعرف ربه رفعه إلى الإمام العدل، وأما لغير العدل فلا يرفعه إليه، فإن فعل فإنه يضمنه، لأن غير العدل كالعدم.
قوله: (وإن أتى رجل بكتاب قاض، أنه قد شهد عندي: أن صاحب كتابي هذا فلان، هرب منه عبد، ووصفه) أي وإن أتى رجل أو إمرأة إلى قاض بكتاب قاض آخر أنه أي أن الأمر والشأن قد شهد عندي أن صاحب كتابي هذا فلان بن فلان هرب منه العبد ووصفه بصفاته، ومثل تلك الصفات عند القاضي الذي الآبق في يده فليدفع إليه بذلك).
стр. 1451
باب [في شروط القضاء وأحكامه]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل القضاء.
ابن رشد: حقيقة القضاء الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام.
وأما حكمته رفع التهارج، ورد النوائب، وقمع الظالم، ونصر المظلوم، وقطع الخصومات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. انتهى من ابن فرحون (١).
وفي إكمال الإكمال وفرق بين علم القضاء وصفة القضاء فرق ما بين الأخص والأعم. ففقه القضاء أعم، لأنه الفقه بالأحكام الكلية. وعلم القضاء هو العلم بتلك الأحكام الكلية مع العلم بكيفية تنزيلها على النوازل الواقعة. ومن هذا المعنى ما ذكره ابن الرفيق (٢): أن أمير إفريقية استفتى أسد بن الفرات في دخوله الحمام مع جواريه دون ساتر له ولهن، فأفتاه بالجواز لأنهن ملكه، وأجاب ابن محرز بمنع ذلك وقال له: إن جاز لك نظرهن كذلك ونظرهن إليك كذلك، لم يجز لهن نظر بعضهن بعضا، فأغفل أسد رحمة الله إعمال النظر في هذه الصورة الجزئية فلم يعتبرها لهن فيما بينهن، واعتبرها ابن محرز رحمة الله. والفرق المذكور هو أيضا الفرق بين علم الفتيا وفقه الفتيا.
ففقه الفتوى هو العلم بالأحكام الكلية. وعلمها هو: العلم بتلك الأحكام مع ترتبها على النوازل. انتهى من إكمال الإكمال (٣).
والروايات وأقوال الشيوخ واضحة على جلالة خطة القضاء وندور السلامة.
ابن سهل وقال بعض الناس: إن خطط القضاء من أعظم الخطط قدرا، وأجلها نظرا لا سيما إذا جمعت إليه إمامة الصلاة.
стр. 1452
قال شيخنا ومقتضاه حسن اجتماعهما. انتهى من البرزلي (١).
قال في الجواهر والحكم بالعدل من أفضل أعمال البر، وأعلى درجات الأجر، قال الله تعالى: ﴿فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين﴾ [المائدة آية ٤٢] وقال رسول الله ﷺ : «المقسطون على منابر من نور يوم القيامة» (٢).
ولكن خطره عظيم، لأن الجور في الأحكام واتباع الهوى فيها من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، قال الله: ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا﴾ [الجن الآية ١٥] وقال رسول الله ﷺ : «إن أعتى الناس على الله، وأبغض الناس إلى الله، وأبعد الناس من الله رجل ولاه الله من أمر أمة محمد شيئا ثم لم يعدل فيهم» (٣).
فالقضاء محنة، ومن دخل فيه فقد ابتلي بعظيم، لأنه عرض نفسه للهلاك، إذ التخلص منه على من ابتلي به عسير، ولذلك قال ﷺ : «من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين» (٤).
وفي رواية ابن أبي ذؤيب (٥) فقد ذبح بسكين». فلا ينبغي أن يقدم عليه إلا من
стр. 1453
وثق نفسه وتعين له، أو أجبره الإمام العدل عليه. انتهى من الجواهر (١).
وعن أبي هريرة ﵁: إذا أولى حاكم عدل أعطاه الله خمسة خصال: أولها: توفيق العدل.
الثانية نور الفراسة، فينظر بنور الله فلا تخطئ فراسته.
الثالثة: الهيبة في قلوب أهل الريبة.
الرابعة: يوكل الله به ملكين يوفقانه ويسددانه إلى الحق.
الخامسة: يعطى من الأجر في عدل الساعة مثل أجر عبادته في بيته ستين سنة.
وعن عبد الله بن عمرو ابن العاص (٢) عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا قضى القاضي واجتهد كان له عشرة أجور» (٣) قال مالك: ولا أرى خصال القضاء تجتمع في أحد اليوم، فيجب أن يكون: عالما، عدلا.
ابن حبيب فإن لم يكن فالعاقل الورع، فبالعقل يسأل، وبالورع يقف، واتباع الهوى في الحكم والفتيا حرام إجماعا.
قال عمر بن الخطاب ﵁: وددت أني أنجو من هذا الأمر كفافا لا لي ولا علي (٤).
ابن الحاج: عن عائشة ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن القاضي العدل يجاء به يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أن لا يكون قضى بين اثنين في تمرة قط (٥)، وفي حديث من طريق حذيفة: أن جور الأئمة يهزل الطير والوحوش والسمك في البحور (٦)».
стр. 1454
قوله: (أهل القضاء، عدل، ذكر، فطن، مجتهد إن وجد) أي إنما يستحق القضاء عدل لا غير.
القاعدة أنه يقدم في كل ولاية من هو أقوم بقضاء مصالحها ولذلك قدم في القضاء من هو أيقظ وأكثر تفطنا لوجوه الحجاج وسياسة الخصوم وأضبط للفقه وخدع المتحاكمين وهو معنى قوله ﷺ : «أقضاكم علي» أي هو أشد تفطنا للحجاج، وذلك أمر زائد على معرفة الحلال والحرام، فقد يكون الإنسان شديد المعرفة بالحلال والحرام، وهو يخدع بأيسر الشبهات، فالقضاء عبارة عن هذا التفطن، والقضاء يتبع الحجاج، وأحوالها فمن كان لها أشد تفطنا كان أقضى من غيره. انتهى من أنوار البروق للقرافي (١).
وكذلك يقدم في الفتيا من هو أورع وأضبط لمنقولات الفقه ولا تجوز شهادة المغفل وأحرى حكمه. انتهى.
قال القرافي: لا ينبغي للمفتي إذا كان في المسألة قولان، أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تخفيف: أن يفتي العامة بالتشديد والخواص من ولاة الأمور بالتخفيف، وذلك قريب من الفسوق والخيانة في الدين والتلاعب بالمسلمين، وذلك دليل فراغ القلب من تعظيم الله تعالى وإجلاله وتقواه، وعمارته باللعب وحب الرياسة والتقرب إلى الخلق دون الخالق. نعوذ بالله من صفات الغافلين والحاكم والمفتي في هذا سواء. انتهى من تبصرة ابن فرحون (٢).
قال أصبغ: إذا لم يوجد إلا عدل لا علم عنده. وعالم لا بأس بحاله لكن الذي لا علم عنده أعدل منه، فإن العالم هو الذي يولى. فإن كان ليس بعدل فيولى العدل الذي ليس بعالم، ويؤمر أن يسأل ويستشير. وهذا الذي وقع في المذهب ينبغي أن يحمل على مواقع الضرورة ومسيس الحاجة. انتهى ابن فرحون (٣).
قوله: (وإلا) أي وإن لم يوجد مجتهد (فأمثل مقلد، وزيد للإمام الأعظم: قرشي، فحكم بقول مقلده) أي فأضل مقلد.
التقليد أخذ قول من غير معرفة دليله، وزيد مع هذه الشروط للإمام الأعظم ثم
стр. 1455
أن يكون قرشيا، فإن كان الحاكم مقلدا لحكم بقول مقلده بنص النازلة لا قياسا، إلا أن يكون عالما بمداركه، وإن كان لمقلده في النازلة أقوال، فإنه يحكم بمشهورها، لأن الحكم بقول مقلده والفتوى بالمشهور لا بالشاذ، ولا يحكم بقول غير مقلده.
قوله: (ونفذ حكم أعمى، وأبكم، وأصم) أي فإن حكم قاض أعمى وأبكم وأصم نفذ ذلك الحكم طرأ عليه ذلك أم لا (ووجب عزله).
قوله: (ولزم المتعين أو الخائف فتنة إن لم يتول، أو ضياع الحق) أي ولزم المتعين، وهو من توفرت فيه شروط القبول إن أعطى، والطلب إن لم يعط، وكذلك الخائف فتنة على نفسه أو ماله أو ولده إن لم يتول القضاء، وكذلك الخائف ضياع الحق إن لم يتول (القبول، والطلب. وأجبر المتعين على القضاء، أو الخائف فتنة، أو الخائف ضياع الحق (وإن بضرب) أو سجن.
قوله: (وإلا فله الهرب، وإن عين) أي وإن لم يتعين عليه، أو لم يخف فتنة، أو ضياع حق، فله أن يهرب وإن عينه الإمام، بخلاف الجهاد إن عينه الإمام، فإنه يلزمه.
قوله: (وحرم لجاهل، وطالب دنيا) أي وحرم القضاء لجاهل وقاصد دنيا ولو حفظ المذهب كله.
قوله: (وندب ليشهر علمه كورع، غني، حليم، نزه، نسيب، مستشير: بلا دين وحد، وزائد في الدهاء، وبطانة سوء) أي وندب للعالم الخفي طلب القضاء، ليشهر علمه لا لدنيا، كما يندب للقاضي أن يكون ورعا، تاركا للشبهات خوفا أن يقع في الحرام، وكذلك يندب له أن يكون غنيا، لأن الفقير محقور عند العامة، وكذلك يندب له أن يكون حليما صبورا ما لم تنتهك حرم الله، وكذلك يندب له أن يكون نزيها أي كامل المروة، نزيه النفس عما في أيدي الناس، ذا نزاهة عن الطمع، ونزه من غير لائق له، ونزه نفسه أي نجاها عن القبيح، وكذلك يندب له أن يكون نسيبا أي معروف النسب لا ولد زنا ولا ابن ملاعنة.
قال ابن عرفة: المعروف أن كونه معتقا غير مانع، ومنعه سحنون خوف استحقاقه بملك (١). وكذلك يندب له أن يشاور العلماء.
قال المازري: القاضي مأمور بالاستشارة ولو كان عالما، لأن ما فكر فيه الفقهاء وبحثوا فيه، تثق النفس به ما لا تثق بواحد إذا استبد برأيه. ولا يمنع من ذلك كونهم
стр. 1456
مقلدين لاختلافهم في الفتوى فيما ليس مسطور، بحسب ما يظن كل واحد منهم أنه مقتضى أصول المذهب (١).
وكذلك يندب للقاضي أن لا يكون مدينا وإن كان غنيا، لأن الدين يحط قدره، لا سيما عند أرباب الديون الدين شين الدين، وكذلك يندب له ألا يكون محدودا حد الزنا أو الشرب أو القذف أو السرقة، وكذلك يندب له ألا يكون زائدا في الدهاء، فيكون الناس منه على حذر، وهو من نفسه في تعب.
والدهاء جودة النظر وجودة الرأي والدهى كغنى العاقل.
قال موسى: وإنما نهى عن أن يكون زائدا في الدهاء، لأن ذلك يحمله على الحكم بالفراسة، وتعطيل الطرق الشرعية من البينة والأيمان، وقد فسد الزمان، ولأنه إذا وصف بذلك كان الناس منه على حذر، وكذلك يندب له ألا يكون له بطانة سوء.
البطانة بالكسر السريرة والصاحب الوليجة كذا ذكره ابن الحاجب في الصفات المستحبة كونه سليما من بطانة السوء.
قال ابن عرفة: الذي في "المعونة" أخص من هذا وهو أن يستبطن أهل الدين والأمانة والعدالة والنزاهة يستعين بهم، وهذا أخص من كونه سليما من بطانة السوء، وأما نفس السلامة من بطانة السوء فمقتضى قول أصبغ أنها من الشروط الواجبة.
قال أبو محمد عنه: ينبغي للإمام أن يعزل من قضاته من يخشى عليه الضعف والوهن أو بطانة السوء، وإن أمن عليه الجور. انتهى من ابن غازي (٢).
قال ابن رشد: من خصاله المستحبة كونه من أهل البلد.
قال ابن عبد السلام: ليعرف المقبولين والمسخوطين من الشهود ويعرف من حال المحق والمبطل ما لا يعرف غير البلدي (٣).
قوله: (ومنع الراكبين معه، والمصاحبين له) أي وندب للإمام منع الراكبين مع القاضي، لئلا يأنف لأجل ذلك ويتكبر، إلا أن يكون أهل أمانة ونصيحة وفضل، فلا بأس به.
стр. 1457
ابن يونس عن الواضحة: يقام من جلس للقاضي يتعلم أقضيته، والجلوس عند القضاة من حيل المستأكلين للناس إلا أن يكون عنده معروفا مأمونا فليدعه. برزلي (١).
قال في الجواهر: ولا ينبغي للقاضي أن يتضاحك مع الناس، ويستحب أن تكون فيه عبوسة بغير غضب، وأن يلزم التواضع والتقرب في غير وهن ولا ضعف ولا ترك لشيء من الحق، ولا يري الناس لأحد منزلة عنده، ولا يدعوا إلى أحد في عدالة ولا شهادة. انتهى (٢).
قوله: (وتخفيف الأعوان) أي وندب للقاضي تخفيف الأعوان لئلا يأكلوا أموال الناس بالباطل، وأجرة الأعوان في بيت المال إن وجد، وإن لم يوجد فعلى الطالب، إلا أن يكون المطلوب ملدا فتكون عليه.
القضاة يجوز أن يكون لهم أرزاق من بيت المال على القضاء إجماعا، ولا يجوز أن يستأجروا على القضاء إجماعا بسبب أن الأرزاق إعانة من الإمام لهم على القيام بالمصالح لا أنه عوض عما وجب عليهم من تنفيذ الأحكام عند قيام الحجج ونهوضها، ولو استأجروا على ذلك لدخلت التهمة في الحكم بمعاونة صاحب العوض، والفرق بين قاعدة الأرزاق وبين قاعدة الإجارات كلاهما بذل مال بإزاء المنافع من الغير غير أن باب الأرزاق أدخل في باب الإحسان، وأبعد عن باب المعاوضة، وباب الإجارة أبعد من باب المسامحة وأدخل في باب المكايسة. من كتاب أنوار البروق في أنواء الفروق للقرافي تخلله في الفرق الرابع عشر والمائة (٣).
قوله: (واتخاذ من يخبره بما يقال في سيرته، وحكمه، وشهوده، وتأديب من أساء عليه) أي ويستحب للقاضي اتخاذ إنسان يخبره بما يقال فيه في سيرته أي طريقته وفي حكمه وفي شهوده، ويندب له أيضا أن يتخذ مخبرا عن مخبره، وكذلك يندب للقاضي تأديب من أساء عليه تأديبا يليق بمثله.
التأديب والتعزير والنكاية والعقوبة والزجر ما لاحد فيه والتهديد بالكلام.
قوله: (إلا في مثل: اتق الله في أمري، فليرفق به) أي إذا قال أحد الخصماء
стр. 1458
للقاضي: اتق الله في أمري، فإنه يرفق به بأن يقول له: رزقني الله تقواه ما أمرت إلا بخير، أنا وأنت لزمنا تقواه.
قوله: (ولم يستخلف إلا لوسع عمله في جهة بعدت، من علم ما استخلف فيه) أي ولا يستخلف القاضي ظاهره وإن مرض أو سافر وهو كذلك، إلا لوسع عمله فإنه يستخلف بشرطين:
أحدهما: جهة بعدت منه وأما القريبة، فإنه لايستخلف فيها.
الشرط الثاني: أن يكون المستخلف عالما ما أستخلف فيه ولو جهل غيره.
قوله: (وانعزل بموته) أي وأنعزل المستخلف بموت من استخلفه، لأنه كوكيله، والوكيل ينعزل بموت موكله.
قوله: (لا هو بموت الأمير) أي لا ينعزل القاضي بموت الأمير، (ولو كان الأمير (الخليفة)، لأن مصلحة القاضي عامة كالأمير.
قوله: (ولا تقبل شهادته بعده) أي ولا تقبل شهادة القاضي بعد عزله (أنه قضى بكذا) أو ثبت عنده كذا.
ابن عرفة: مفهوم قوله بعده أنه قبل العزل يقبل قوله مطلقا، وليس كذلك، ففي سماع أصبغ شهادة القاضي بقضاء قضى به وهو معزول أو غير معزول أنها لا تقبل.
ابن رشد في هذه المسألة معنى خفي وهو أن قول القاضي قبل عزله قضيت لفلان بكذا لا يقبل إن كان بمعنى الشهادة كتخاصم رجلين عند قاض فيحتج أحدهما بأن قاضي بلد كذا قضى لي بكذا أو ثبت عنده كذا، فيسأله البينة عن ذلك، فيأتيه من عنده بكتابه أني حكمت لفلان بكذا أو أنه ثبت عندي لفلان كذا، فهذا لا يجوز؛ لأنه شاهد ولو أتى رجل ابتداء للقاضي فقال له: خاطب لي قاضي بلد كذا بما ثبت لي عندك على فلان أو بما حكمت لي به عليه فخاطبه بذلك لقبل ذلك، لأنه مخبر لا شاهد.
ابن عبد السلام: أما بعد العزل فلا يقبل كان على سبيل الإقرار أو الشهادة (١). ولم يتعرض الشارحان لهذا.
قوله: (وجاز تعدد مستقل أو خاص بناحية، أو نوع) أي بنفسه أو في جميع النواحي، وجميع الأحكام، احترازا من المشترك الذي لا ينفذ حكمه وحده، إلا بموافقة
стр. 1459
شريكه، لأن الشريك في الحكم يؤدي إلى تعطيل الحقوق.
قال المازري: تجوز تولية قاضيين ببلدين، على أن يخص كل منهما بناحية من البلد، أو نوع من المحكوم فيه، لأن هذه الولاية يصح فيها التخصيص والتحجير، وكذلك على عدم التخصيص مع استقلال كل منهما بنفوذ حكمه، ومنعه بعض الناس بمقتضى السياسة خوف تنازع الخصوم فيمن يحكم بينهم، ومقتضى أصول الشرع جوازه، لأن لذي الحق استنابة من شاء على حقه، والتنازع مرتفع شغبه باعتبار قول الطالب. انتهى (١).
وكذلك يجوز تعدد قاض خاص بناحية من البلد، إذا كان مستقلا بحكمه بلا مشارك فيه، وكذلك يجوز تعدد قاض مستقل خاص بنوع من الأحكام كالأنكحة مثلا أو نوعا من الناس.
قوله: (والقول للطالب ثم من سبق رسوله، وإلا أقرع) أي وإذا تنازعا المدعي والمدعى عليه فيمن يختصمان عنده من الحكام، فإن القول قول الطالب فيختصمان عند من أراده وتنازعا في ابتداء الطلب، وهذا إذا كانا في بلد واحد، وأما إذا كانا في بلدين فسيذكره الشيخ حيث قال: وهل يدعى حيث المدعى عليه وبه العمل أو المدعي، فإن كانا طالبين وتنازعا في ابتداء الطلب، فالقول لمن سبق رسول القاضي إليه، ظاهره وإن سبق طلب الآخر، وقد يريد أحد الخصمين القاضي لعدله، ويريد خصمه آخر ليعرف شهوده دون الآخر، وإلا أقرع بينهما إذ لا مرجح، فإن اتفقا على القرعة فلا كلام، وإلا أقرع بينهما القاضي.
قوله: (كالإدعاء، وتحكيم غير: خصم وجاهل وكافر، وغير مميز، في مال، وجرح) أي كما لا يقرع بينهما إذا تنازعا في الإدعاء، كل منهما يدعي أنه مدع، وهو تشبيه لما يأتي بعد، وإلا فالجالب وإلا أقرع.
قوله: وجاز تحكيم غير خصم.
التحكيم أن يتفق الخصمان على من يحكم بينهما من غير ولاية من الإمام أو القاضي. شرع هنا الله فيما يجوز فقال: وجاز تحكيم غير خصم، وأما تحكيم الخصم فلا يجوز، فإن حكم فحكمه باطل، وكذلك يجوز تحكيم غير جاهل، وأما الجاهل فلا يجوز تحكيمه، والكافر أحرى، وكذلك لا يجوز تحكيم غير مميز،
стр. 1460
كصبي أو مجنون أو وسوسة أو سكر.
إنما يحكم غير الخصم وغير الجاهل وغير الكافر وغير المميز إذا حكم، فإنما يحكم في مال أو جرح إذ لا حق فيهما لغير الخصمين.
قوله: (لا حد، ولعان، وقتل، وولاء، ونسب، وطلاق، وعتق. ومضى إن حكم صوابا، وأدب) إلى آخر ما ذكر أي لا يجوز التحكيم في حد من الحدود ولعان وقتل وولاء ونسب وطلاق وعتق، لما في هذه السبعة من حق الغير وحق الله تعالى، فإن وقع ونزل التحكيم في هذه المسائل السبعة، فحكم فيها المحكم مضى الحكم فيما هو صواب وبطل الآخر، ويؤدب المحكم لئلا يعود زجرا لأمثاله.
قوله: (وفي صبي، وعبد، وامرأة، وفاسق، ثالثها إلا الصبي، ورابعها إلا وفاسق) أي وفي إمضاء تحكيم صبي وعبد وامرأة وفاسق وعدم إمضائه أربعة أقوال: قول بإمضاء حكم الجميع، وقول ببطلان حكم الجميع، وفرق القول الثالث أن حكم العبد والمرأة والفاسق يمضي إن حكم صوابا، ويبطل حكم الصبي، ورابع الأقوال: يمضي حكم العبد والمرأة، ويبطل حكم الصبي والفاسق، وهذا كله حيث يجوز فيه التحكيم.
قوله: (وضرب خصم لد) أي وجاز للحاكم ضرب خصم لد أي عاند ولم يقبل الحق.
قوله: (وعزله لمصلحة) أي وجاز عزل القاضي لمصلحة، كما إذا وجد أعلم منه، أو أفطن، أو كان يصلح للقضاء في ناحية أخرى، وكذلك يجوز للإمام عزل القاضي لدرء المفسدة.
اختلف هل ينعزل القاضي بنفس الفسق، أو حتى يعزله الإمام؟.
قال المازري: ظاهر المذهب على قولين، وأشار إلى ترجيح عدم العزل، وهو قول أصبغ، ومذهب ابن القصار أنه إذا ظهر عليه الفسق بعد ولا يته انفسخ عقد ولايته.
وأما عزل القاضي نفسه اختيارا لا عجزا ولا لعذر، فالظاهر عند بعض العلماء أنه يمكن من ذلك.
قال المازري: وهذا عندي ينبني على النظر في عزل الوكيل نفسه، فإن القاضي نائب عن الإمام الذي ولاه ووكيل من قبله، فحكمه حكم الوكيل، والقاضي والوكيل
стр. 1461
والوصي كالواهبين منافعهم، والواهب شيئا معلوما إلى أجل معلوم، تلزمه هبته بالقول على المشهور، ولكن ينبغي أن يلتفت في عزل القاضي نفسه اختيارا إلى النظر، هل تعلق لأحد حق قضائه، حتى يكون انعزاله ضررا لمن التزم القضاء بينه وبين خصمه، فيمنع من ذلك؟ وقد منع في المدونة الوصي من عزل نفسه إذا مات الميت وقد قبل الوصية، لما يلحق الموصى به من ضرر العزل، وتبقيته مهملا. انتهى من ابن فرحون (١).
قوله: (ولم ينبغ إن شهر عدلا) أي ولم ينبغ للإمام عزل القاضي، إن شهر كونه عدلا (بمجرد شكية) قال مطرف: وإن لم تشتهر عدالته عزله.
قوله: (وليبرأ عن غير سخط) أي وإذا عزل الإمام القاضي من غير سخط بل لمصلحة فليبرأه فيقول: لم أعزله عن سخط منه أو جور.
قال سحنون وعزل عمر بن الخطاب ﷺ شرحبيل بن حسنة (٢) فقال له: أعن سخط عزلتني؟ قال: لا، ولكن وجدت من هو مثلك في الصلاح وأقوى على عملك منك، فلم أره يحل لي إلا ذلك، قال: يا أمير المؤمنين، إن عزلك عيب، فأخبر الناس بعذري، ففعل عمر.
وحيث عزل الإمام قاضيا، فإن كان لريبة وعن سخط فحق عليه شهرته وإذاعة سخطه، وإن كان عزله لغير ريبة فليخبر الناس ببراءته. انتهى من الجواهر (٣).
وفي مختصر الواضحة: إذا أقر القاضي بأنه حكم بالجور أو ثبت ذلك عليه ببينة فعليه العقوبة الموجعة ويعزل ويشهر به ويفضح، ولا تجوز ولايته أبدا وإن تاب
стр. 1462
وصلحت حاله لما احترم في حكم الله تعالى. انتهى من تبصرة ابن فرحون (١).
قوله: (وخفيف تعزير بمسجد، لا حد) أي وجاز قيام تعزير خفيف كخمسة عشر سوطا في المسجد، ولا تقام فيه الحدود، لعدم خفتها لئلا يخرج شيء من المحدود مما ينزه عنه المسجد.
قوله: (وجلس به بغير عيد، وقدوم حاج، وخروجه، ومطر ونحوه، واتخاذ حاجب وبواب) أي وجلس القاضي للحكم في المسجد في غير أيام العيد ونحوه مما كان للناس فيه اشتغالا أو عليهم فيه مضرة، لأن ذلك ضرر على المدعى عليه إن أتي، وإن لم يأت في ذلك الوقت نسب إليه الإباية من الإجابة للقاضي فذلك ضرر وحرج، وكذلك يجوز للقاضي اتخاذ حاجب يمنعه ممن لا حاجة له عنده، وكذلك يجوز له اتخاذ البواب، ليمنع الداخل عليه بلا إذن، وكل بواب حاجب وليس كل حاجب بوابا.
قوله: (وبدأ بمحبوس، ثم وصي، ومال طفل، ومقام، ثم ضال) أي فإن تولى القضاء فإنه يبدأ في النظر في أمر المحبوسين، لأن الحبس تعذيب، فلذلك يبدأ بهم، ومن استحق منهم الإطلاق أطلقه ومن لا أبقاه، ثم ينظر في أمر الوصي فمن استحق العزل عزله، ثم ينظر في مال الطفل المهمل، ليقيم له مقدما، ثم ينظر في مقام القاضي أي مقدمه على الأيتام، ومن استحق العزل عزله، ثم ينظر في مال الضوال فيجريها على أحكامها وقد تقدم في باب اللقطة.
قوله: (ونادى بمنع معاملة يتيم وسفيه، ورفع أمرهما إليه) أي يأمر من ينادي في الناس بمنع معاملة يتيم مهمل وسفيه، وينادي برفع أمرهما إليه.
اليتيم والسفيه والنداء على السفيه مبني على قول مالك أن تصرفه على الإجازة قبل الحجر.
قوله: (ثم في الخصوم. ورتب كاتبا عدلا شرطا) أي ثم يبدأ في الخصوم ويرتب كاتبا عدلا يكتب ما جرى بين الخصمين من إقرار وإنكار. والعدالة في الكاتب شرط لا مستحب.
قوله: (كمزك) أي يرتب مزك للناس عدلا لا مجهولا، وأحرى المسخوط واختارهما) أي واختار القاضي الكاتب والمزكي، غير أن المزكي يكون خفيا لئلا
стр. 1463
يريه الناس الصلاح.
قوله: (والمترجم مخبر، كالمحلف) أي فأختيار المترجم وهو الذي يخبره بلغة من يخالف لغته، ويكفي فيه الواحد، لأنه مخبر، وكذلك المحلف لمن وجبت عليه اليمين يكفي فيه الواحد، لأنه مخبر بما كان من اليمين، وكذلك الذي يقيس الجراح، وكذلك الذي ينظر في العيوب، وكذلك القائف يكفي واحد من هؤلاء.
قوله: (وأحضر العلماء، أوشاورهم) ظاهره الوجوب، والمنصوص الاستحباب، وقد أحضر عثمان بن عفان رضي الله العلماء وشاورهم عمر بن الخطاب ﵁.
قوله: (وشهودا) أي وأحضر شهودا عدولا يشهدون، ويحفظون ما جرى بين الخصمين من الإقرار والإنكار، وقبول شهود المدعي والحكم بها.
قوله: (ولم يفت في خصومة، ولم يشتر بمجلس قضائه) صوابه ولا يفت، وكذلك لا يشتري، لأن لم لا يكون إلا فيما مضى، ولا يفت القاضي في خصومة، لأن فيه تعليم الخصمين خلافا لابن عبد الحكم. ومفهوم قوله: ولا يفت في خصومة، أنه يفتي في العبادات والمفهوم صحيح، وكذلك لا يجوز للقاضي أن يشتري في مجلس قضائه، لأن ذلك يشغله، ولأنه قد ينقص له في الثمن بسببه أو بسبب من يحضر عنده، ومفهوم مجلس قضائه أنه يشتري في غيره والمفهوم صحيح ذكره المازري.
قوله: (كسلف وقراض، وإبضاع، وحضور وليمة، إلا النكاح وقبول هدية ولو كافا عليها، إلا من قريب) إلى آخره أي كما لا يجوز للقاضي السلف عند الناس، وأخذ قراض منهم، وإبضاع لهم، وحضور كل وليمة، إلا وليمة النكاح، فإنه يجوز له حضورها، وكذلك لا يجوز له قبول هدية ولو كافأه عليها بأكثر، إلا أن تكون الهدية من قريب فيجوز قبوله لها، وكذلك الشاهد لا يجوز له قبول الهدية من أحد الخصمين ما دامت الخصومة بينهما.
قوله: (وفي هدية من اعتادها قبل الولاية، وكراهة حكمه في مشيه، أو متكنا، وإلزام يهودي حكما بسبته، وتحديثه بمجلسه لضجر، ودوام الرضا في التحكيم للحكم) إلى قوله: (قولان) أي ففي كل فرع من الستة قولان أي وفي جواز قبول القاضي هدية من اعتادها له قبل ولاية القضاء وعدم جواز قبولها قولان. وفي كراهة حكم القاضي حين مشيه وعدم كراهته قولان.
стр. 1464
وهو اختلاف في شهادة هل المشي يشغله أم لا، وفي كراهة حكمه متكئا وعدم كراهته قولان، وفي كراهة إلزام يهودي حكما في يوم سبته، أو نصراني في يوم الأحد وعدم كراهته قولان، وفي كراهية تحديثه في مجلس قضائه لأجل ضجر في نفسه وعدم كراهته قولان.
الضجر: ضيق النفس، والقلق.
قوله: ودوام الرضى في التحكيم جمع بينه وبين الفروع المتقدمة في القولين.
المعنى: وهل يشترط دوام الرضى في المحكم؟ إلى انفصال الحكم، أولا يشترط بل لكل من الخصمين الرجوع عنه في ذلك قولان أحدهما لما ألزم نفسه بالرضى به لزمه إلى أن يحكم بينهما وقيل لا يلزمه.
قوله: (ولا يحكم مع ما يدهش عن الفكر، ومضى) أي ولا يحكم القاضي مع ما يدهش الفكر من جوع أو شبع أو غضب.
الغضب يغير الطباع ويفسد الرأي ويطير العقل، ولذلك يقال: الغضب غول العقل فلا يؤمن معه الخطأ، وفي معنى الغضب كل ما يغير طبع الإنسان وأدهشه عن التفكير من الجوع والمرض ونحوه، ولا يقضي حتى تزول عنه هذه الأعراض. الكرماني (١)(٢).
أو هم أو فرح لأن الغضب يسرع مع الجوع والفهم ينطفي مع الشبع والقلب يشتغل مع الهم فإن حكم على هذا الحال مضى ذلك الحكم.
قال في إكمال الإكمال: كالشبع المفرط الموقع في القلق، وجمود الفهم، والجوع المفرط المؤدي إلى موت النفس وانحلال الذهن، وكالخوف والحزن المفرطين إلى غير ذلك، وإنما أفرد في الحديث الغضب بالذكر، لأنه أكثر ما يعرض للحكام عند مراجعة الخصوم، وما يقع منهم من هفوة ويسمع منهم من جفاء.
стр. 1465
القرطبي: إنما كان الغضب ما نعا من الحكم لأنه يشوش الذهن ويخل بالفهم، فيلحق به ما في معناه كالجوع والألم وغيرهما. انتهى منه (١).
قوله: (وعزر شاهد زور في الملا بنداء، ولا يحلق رأسه، أو لحيته، ولا يسلمه، ثم في قبوله تردد) أي وعزر القاضي شاهد الزور في ملأ من الناس مع نداء عليه: هذا شاهد زور، ويطاف به هذا جزاء من عصى الشريعة، ولا يحلق رأسه أو لحيته خلافا لمن قال: يفعل به ذلك ولا يسخمه أي ولا يسود وجهه، خلافا لمن قال: إذا كان أبيض يسود وجهه، وإن كان أسود يبيض، فإن تاب شاهد الزور هل تقبل شهادته بعد ذلك؟ أولا تقبل فيه تردد في الفهم، قال بعضهم: إن كان ظاهر العدالة تقبل، وإلا لم تقبل توبته بلا خلاف، لأنه لا يكاد تعرف توبته وإن كان غير ظاهرها فقولان.
قال ابن رشد: بالعكس إن كان ظاهر العدالة فقولان، وإن لم يكن ظاهرها لم تقبل اتفاقا.
قال ابن عرفة: ما ذكره عن ابن رشد لا أعرفه له ولا لغيره. انتهى.
وعن ابن عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول: «شاهد الزور لا تزول قدماه يوم القيامة حتى تجب له النار» (٢).
قال صاحب إكمال الإكمال: قول الزور قال القرطبي: هي الشهادة بالكذب.
قلت: ليست هي كذلك وإنما هي أن يشهد بما لم يعلم عمدا وإن طابقت الواقع، كمن شهد أن زيدا قتل عمرا وهو لا يعلم أنه قتله وقد كان قتله. فإن كان لشبهة فليست زورا لقوله في باب الاستحقاق: وإن شهدوا بموته ثم قدم حيا فإن ذكروا عذرا كرؤيتهم إياه صريعا في القتلى وقد طعن فظنوا أنه مات فليست بزور.
القرطبي: وكان من أكبر الكبائر لأنها يتوصل بها إلى إتلاف النفس والمال وتحريم الحلال وعكسه، وليس بعد الشرك أعظم منها.
قال النوري: القتل أعظم منها. وظاهر الحديث حتى لو أتلف بها اليسير. انتهى (٣).
стр. 1466
والتعزير جائز بشرط سلامة العاقبة فإن سرى ضمنت عاقلة المعز بخلاف الحد.
قوله: (وإن أدب) أي وإن أدب القاضي (التائب) من شهادة الزور (فأهل) للتأديب وهو بخلاف من أفطر في رمضان عمدا، وصاحب الغلول، فإنهما لا يؤدبان، إلا إذا ظهر ذلك قبل التوبة.
قوله: (ومن أساء على خصمه، أو مفت أو شاهد) أي ويؤدب القاضي من أساء على خصمه، أو على مفت أو شاهد وجوبا، والتأديب بالنسبة إلى القول والقائل والمقول فيه ظاهره وإن لم يطلبوا ذلك، وظاهره وإن لم يحضروا وظاهره وإن لم يعلم ذلك إلا الإمام، لأنه يحكم بعلمه في مثل هذا.
قوله: (لا بشهدت بباطل) أي لا يؤدب إن قال للشاهد عليه: شهدت علي بباطل، إلا أن يريد إذاية الشاهد بذلك، فإنه يؤدب.
قوله: (كلخصمه) أي كما لا يؤدب إذا قال لخصمه: (كذبت).
قوله: (وليسو بين الخصمين) أي وإذا أتى الخصمان القاضي، فإنه يسوي بالخطاب فيقول: ما جاء بكما، ولا يخاطب أحدهما دون الآخر، لأن ذلك يفسد عقل من لم يخاطب منهما، وليسو بينهما في المجلس، كانا حرين أو عبدين، أو مختلفين كانا صالحين أو مختلفين مسلمين أو كافرين أو مختلفين، وإليه أشار بقوله: (وإن مسلما) أي وإن كان أحد الخصمين مسلما (و) الآخر (كافرا)، قيل: أن عمر بن الخطاب رضي الله حضر مع خصمه عند حاكم، فرمى لعمر وسادة فقال له عمر: هذا أول ظلمك.
قوله: (وقدم المسافر وما يخشى فواته، ثم السابق، قال: وإن بحقين بلا طول، ثم أقرع) أي وقدم القاضي المسافر في الحكم، لما يلحقه من الضرر ومن فوات أصحابه، إلا أن يكثر فيدخل الضرر على الحاضر، وكذلك يقدم القاضي الحكم فيما يخشى فواته أي فساده، ثم يقدم السابق إليه إن عرف، وإلا أقرع.
وينبغي أن يوكل من يعرف السابق.
قال المازري في نفسه: يقدم وإن كان في حقين، إذا لم يطل ذلك، فإن طال فهل يقدم في حق واحد؟ أولا وسكت عنه الشيخ رحمة الله.
قوله: (وينبغي أن يفرد وقتا أو يوما للنساء، كالمفتي، والمدرس) أي ويستحب للقاضي أن يفرد وقتا أو يوما للناس، فإن وقع التنازع بين الرجل والمرأة فليأت
стр. 1467
الرجل في يوم النساء وذلك أخف ضررا. برزلي (١).
وكذلك المفتي والمدرس ينبغي لهما أن يفردا وقتا أو يوما للنساء، ويقدم السابق بالفتوى والتدريس، ويمنع ذات الجمال والمنطق الرخيم أن تباشر الخصومة، ويأمرها أن توكل وكيلا.
قال المازري: إذا كانت الدعوى على امرأة شابة لها جمال، وخاف عليها إن تكلمت أن يؤدي سماع كلامها إلى الشغف بها، فإنها تؤمر أن توكل ولا يكون من حق الخصم أن يأتي بها إلى مجلس القضاء. وقد حضرت العامرية إلى النبي ﷺ حتى أقرت بالزنا، فأمر برجمها، وقال عليه الصلاة السلام في المرأة الأخرى: «واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها (٢)، فلم يأمر بإحضارها لسماع ذلك منها، ولعلها كانت على حال لا يحسن إحضارها وخطابها بمحضر الناس. انتهى من تبصرة ابن فرحون (٣).
قوله: (وأمر مدع تجرد قوله عن مصدق بالكلام؛ وإلا فالجالب، وإلا أقرع) قال القرافي: الدعوى لغة الطلب، وفي الشرع طلب معين أو ما في ذمة معين، أو أمر يترتب له عليه نفع معتبر شرعا كالطلاق (٤) أي فإذا أتى الخصمان إلى الحاكم فإنه يأمر المدعي منهما بالكلام أولا، ويأمر الآخر بالسكوت حتى يفرغ، هذا إذا علم المدعي وإن لم يعلمه، فالجالب هو المدعي، وإن لم يعلم الجالب أقرع.
فالمدعي هو من تجرد قوله عن شيء يصدقه، فإذا عرف المدعي، فقد عرف المدعى عليه، وإذا عرف المدعى عليه فقد عرف المدعي، ولكن معرفتهما صعب، فإن عرفهما أظهر الحكم بالبينة على المدعي، واليمين على من أنكر.
وقال بعضهم: المدعي من لو سكت ترك على سكوته، والمدعى عليه من لو سكت لم يترك على سكوته. وقال بعضهم: المدعي من قال: كان، والمدعى عليه من قال: لم يكن.
стр. 1468
السيرة في القضاء البداية بالسماع من الطالب ثم من المطلوب، هل يقر؟ أو ينكر، ثم طلب البينة من الطالب، ثم توجيه اليمين على المطلوب في عدم بينة الطالب.
قال المازري ويمين المطلوب لا تثبت له ملك المدعي فيه ولا حيازته بل يبقى بيده على حكم اليمين، لأن يمينه إنما هي لرفع دعوى المدعي. عياض: بقاء الشيء على حكم اليمين هو بناء على عدم تعجيز الطالب، وهو أصل متنازع فيه. والمشهور أن على الحاكم أن يعجز الطالب إذا قام بذلك المطلوب إلا فيما فيه حق الله تعالى كالطلاق والعتق والنسب، أو فيما لا يختص للقيام به بواحد معين كالأحباس والطرق العامة. انتهى من إكمال الإكمال للأبي تحمله (١).
وقال: الدعوى قول لو سلم أوجب لقائله حقا. وفي الحديث: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم» (٢).
المازري: لا شك في هذا إذ لو كان القول قول المدعي استبيحت الأموال والدماء، ولم يقدر أحد على صون ماله ودمه، وأما المدعون فيمكن صون أموالهم بالبينات. انتهى (٣).
وقال: المدعى عليه من طابقت دعواه الأصل، الذي هو عدم الفعل والمعاملة، وكان القياس قبول دعواه دون يمين لتمسكه بهذا الأصل. لكن لم يقتصر الشرع على الثقة بهذا الأصل في كثير من الدعاوي، حتى أضاف إليه يمين المدعى عليه ليقوي الظن بصدقه. انتهى منه (٤).
قوله: (فيدعي بمعلوم مح فيدعي بمعلوم محقق، قال: وكذا شيء قق، قال: وكذا شئ أي وأمر الحاكم المدعي بالكلام، فيدعي بشيء معلوم لا مجهول، محقق لا مظنون، وأحرى مشكوك، وأحرى متوهم. والدعوى الصحيحة لها أربعة شروط: الشرط الأول: أن تكون له معلومة، فلو قال لي عليه شيء لم يسمع دعواه، لأنها مجهولة.
стр. 1469
الثاني: أن تكون مما لو أقر بها المدعى عليه لزمته، فإنه لو ادعى على رجل هبة وقلنا أن الهبة تلزم بالقول للزم المدعى عليه الجواب بإقرار أو إنكار، وإن قلنا بالشاهد أن الهبة لا تلزم بالقول، فالجواب فيه لا يلزم.
الثالث: أن تكون مما يتعلق بها حكم أو غرض صحيح، فمثال ما يتعلق به حكم أن يدعي رجل على رجل دينا ويقيم البينة على ذلك، وعدلت البينة فقال المطلوب للقاضي استحلف لي الطالب أنه لم يعلم كون شهوده مجروحين، فإن هذا مما اختلف فيه العلماء هل يجب فيه اليمين؟ أم لا، فمن لم يوجبها اعتل بأن حقيقة الدعوى أن تكون متعلقة باستحقاق أمر يستخرج به من المدعى عليه، وها هنا لا يطلب من القاضي استخراج شيء من الذي شهدت له البينة بحقه.
الشرط الرابع: أن تكون الدعوى محققة فلو قال: أظن أن لي عليه ألفا، أو قال المدعى عليه في الجواب: أظن أني قضيته لم يسمع لتعذر الحكم بالمجهول. انتهى من تبصرة ابن فرحون.
وأما لو قال: لي عليه شيء من فضلة حساب لا أعلم قدره، وقامت عليه بينة أنهما تحاسبا وبقيت له عنده بقية لا علم له بقدرها، فدعواه في هذه الصورة مسموعة، وكذلك لو ادعى حقا في هذه الدار والأرض، وقامت بينة أن له فيها حقا لا يعلمون قدره فهي دعوى مسموعة.
وفي مختصر الواضحة: قال مطرف: سمعت مالكا يقول في الرجل يشهد له الشهود أن له في هذه الدار حقا ولا يعرف كم هو، مثل أن يكون في ميراث قد تقادم، وتناسخ أهله، وينكر ذلك المشهود عليه، فإنه يقال للمشهود عليه: قد ثبت لهذا في دارك حق فأقر له بحقه، فإن أقر له بشيء قل أو كثر، حلف عليه ولم يكن للمشهود له غيره وإن أنكر، قيل للمشهود له: أتعرف حقك الذي شهد لك به؟ فإن سماه حلف عليه وأخذه، وإن قال: لا أعرفه، فإنه يحال بين المشهود عليه وبين الدار كلها، حتى يقر منها بحق هذا، ويسمى من ذلك ما سمى، ويحلف على ذلك ويأخذ بقية الدار. وإن قال: حقه منها الربع، وأبى أن يحلف عليه، أخذ منه الربع ثم قال: ما بقي من الدار موقوفا حتى يحلف أنه لا شيء له غيره. انتهى من تبصرة ابن فرحون (١).
стр. 1470
قوله: وإلا أقرع فيدعي بمعلوم محقق قال أي قال المازري في نفسه: وكذلك إن ادعي عليه شيء محقق ولكن يجهل قدره، فإن دعواه، مسموعة.
وفي الطرر لابن عات: قال الأبهري: إن شهد الشهود على رجل بحق لا يعرفون عدده، فاليمين على المدعى عليه، فإن أقر بشيء حلف وبرئ، لأنه إنما يحكم بإقراره لأن الشهادة لم يثبت بها الحق حتى يحكم به عليه، لأن الشهود لم يعينوا شيئا ولا حدوه، فشهادتهم مجهولة لا يحكم بها. ولو قالوا: شهدنا بدنانير لا نعرف عدتها جعلت ثلاثة، ثم حلف على شهادتهم. لأن الشهود قد بينوا بشهادتهم شيئا معلوما وهي الدنانير، فيؤخذ بأقل ما يقع عليه اسم الدنانير، لأنه أقل جمع للدينار، ويحلف مع شهادتهم لجواز أن يكون أكثر من ذلك احتياطا. انتهى من ابن فرحون (١).
قوله: (وإلا لم تسمع، كأظن) أي وإن لم يدع المدعي شيئا معلوما أو ادعاه ولكن غير محقق، وذلك كأظن أنه عنده عشرة مثلا فلا تسمع دعواه.
قال بن عبد السلام: لا يقال إن العلم والتحقيق مترادفان بمعنى واحد، فالإيتان بقول معلوم يغني عن قوله: محققا، لأنا نقول أن المعلوم راجع إلى تصور المدعى فيه فلابد أن يكون متميزا في ذهن المدعي والمدعى عليه، وفي ذهن القاضي.
والتحقيق راجع إلى جزم المدعي بأنه مالك لما وقع التنازع فيه، فهو من نوع التصديق، فقد رجع كل من اللفظين لمعنى غير المعنى الذي رجع إليه الآخر، فلاشتراط العلم لا يسمع لي عليه شيء، ولاشتراط التحقيق لا يسمع: أشك أن لي عليه كذا وأظن وما أشبهه. (٢). انتهى (٣). وأصل هذه العبارة لابن شاس. انتهى.
وفي إكمال الإكمال وشرط المدعى فيه أن يكون معلوما أي متصورا ليتم سماع الحجة فيه - نفيا وإثباتا - فلا نقبل دعوى لي عليه شيء، وأن يكون محققا أي مجزوما بثبوته في ذمة المطلوب، فلا تقبل دعوى: أشك أو أظن أن لي عليه
стр. 1471
كذا. انتهى (١).
قوله: (وكفاه بعت، وتزوجت، وحمل على الصحيح) أي وكفى المدعي قوله: بعت لهذا كذا أو تزوجت هذه المرأة وحمل ما قال (٢) في البيع على الصحيح، وكذلك النكاح فلا يسأل عن صحة العقد فيهما، ولم يذكر الشيخ هنا القيد الذي ذكره في البيوع هو إن لم يغلب الفساد.
قوله: (وإلا فليسأله الحاكم عن السبب) أي وإن لم يذكر المدعي السبب، فإن الحاكم يسأله عنه، هذا تصريح بأن الحاكم هو الذي يسأل عن السبب على أحد القولين، والقول الآخر هو قوله فيما يأتي: وللمدعى عليه السؤال عن السبب، وجمع بعضهم بين القولين فقال: وليسأله الحاكم عن السبب، وإن لم يسأله غفلة منه أو جهلا فللمدعى عليه السؤال عنه، إذ قد يذكر سببا لا يترتب عليه شيء من دعواه، أو يترتب عليه ما كان أقل أو عنده ما يدفع به الدعوى، فإن بين طلب الآخر بالجواب، فإن أبى وقال: لا أعلم السبب ولا أبين، لم يطالب خصمه بالجواب، لاحتمال أنه لو بين أمكن أن يكون فاسدا لا يترتب عليه الغرم البتة، أو غرم ما هو أقل مما يدعي. انتهى. إكمال الإكمال (٣).
قوله: (ثم مدعى عليه ترجح قوله) أي فإن أتم المدعي كلامه، أمر القاضي المدعى عليه بجوابه، فالمدعى عليه هو من ترجح.
قوله: (بمعهود) أي بالعرف أو ترجح
قوله: (أو أصل بجوابه) وهو الاستصحاب مثل أن يدعي على إنسان أنه عبده، وقال العبد: أنا حر، فالأصل الحرية، إلا أن يكون العبد في حوز المدعي فلا يصدق، إلا إذا كان في بلد يباع فيه الأحرار، فإنه يصدق، لأنه متمسك بالأصل الأصل عند مالك: الناس على الحرية من أبويهم آدم وحوا، والمتمسك بالأصل هو المدعى عليه، ومن أراد النقل عنه فهو المدعي، غير أنه يتعارض النظر في كثير من المسائل، من هو المتمسك بالأصل من الخصمين، كما لو ادعى الزوج أن سيد الأمة غره وزوجه وأنكر السيد، فقال أشهب القول قول الزوج، قال سحنون: القول
стр. 1472
قول السيد، فيتعارض في هذه المسألة الأصل والغالب، والأصل عدم الغرور، فيكون القول قول السيد، والغالب عدم الدخول على زواج الإماء، وعدم الرضى بهن، وزواج الأحرار للإماء نادر، فيقدم الغالب على النادر ومثل هذا كثير في مسائل الدعاوي.
وقال أبو عمر بن عبد البر: إذا أشكل عليك المدعي من المدعى عليه، فواجب الاعتبار فيه أن ينظر: هل هو آخذ أو دافع؟ وهل يطلب استحقاق شيء على غيره أو ينفيه؟ فالطالب أبدا مدع والدافع المنكر مدعى عليه، فقف على هذا الأصل وقال غيره: كل من يريد الأخذ أو يطلب البراءة من شيء وجب عليه فهو مدع. وكلامهم على شيء واحد، وهو أن المتمسك بالأصل هو المدعى عليه، ومن أراد النقل عنه فهو المدعي. انتهى من تبصرة ابن فرحون (١).
والمدعي أضعف المتداعيين ولذلك كلف بالبينة والمدعى عليه أقوى المتداعيين ولذلك اكتفى بيمينه.
تنبيه: وأجمعوا على اعتبار الأصل وإلغاء الغالب في دعوى الدين ونحوه، فإن القول قول المدعى عليه، وإن كان الطالب أتقى الناس والغالب أنه لا يدعي إلا حقا. واجتمعوا على اعتبار الغالب وإلغاء الأصل في البينة إذا شهدت، فإن الغالب صدقها والأصل براءة ذمة المشهود عليه. انتهى من ابن فرحون (٢).
قوله: (إن خالطه بدين) كذا في بعض النسخ بأدات الشرط وفي بعضها وخالطه بالعطف على ترجح ولا يخفاك ما فيها من القلق، فإن الخلطة شرط في توجيه اليمين لا في إيجاب الجواب ولا في سماع الدعوى، وتكليف البينة كما تعطيه عبارته. انتهى.
قال شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله -: لو قال المصنف: ثم مدعى عليه بجوابه، فإن أقر فله الإشهاد عليه وللحاكم تنبيهه عليه، وإن أنكر استحلفه إن خالطه، لأن الخلطة إنما هي شرط في توجه اليمين على المشهور. انتهى.
فائدة: ابن عرفة: قطع ابن رشد في سماع أصبغ أن مذهب مالك وكافة أصحابه الحكم بالخلطة، ومثله لابن حارث، ونقل ابن زرقون عن ابن نافع: لا تعتبر الخلطة.
стр. 1473
ابن عرفة: ومضى عمل القضاة عليه عندنا بتونس.
أبو الحسن الصغير: وعليه العمل اليوم.
قال صاحب فتح الجليل: وعليه العمل اليوم عندنا في مصر، والشاذ من الأقوال إذا كان عليه العمل يتقوى به. انتهى.
قال صاحب الجواهر: والدليل على لزوم اعتبار الخلطة النص والمعنى، وأما النص فيها بما روى سحنون بإسناده عنه ﷺ ، وأما المعنى فلما في ذلك من صيانة أهل الفضل والمنزلة عن الذلة وكف الأطراف عنهم. انتهى منه.
قوله: إن خالطه بدين (أو تكرر بيع)، وإن بشهادة امرأة) أي إن خالط المدعي المدعى عليه ببيع الدين وإن مرة واحدة أو خالطه بتكرر بيع نقدا إن ثبت ذلك، وإن بشهادة امرأة واحدة، وليس في الشرع موضع يجوز فيه شهادة امرأة واحدة إلا في الخلطة، لأن القصد هنا النصح (١).
وقوله: امرأة وأحرى رجل.
قوله: (لا ببينة جرحت) أي لا تثبت الخلطة ببينة جرحت سواء جرحت في هذه النازلة أو قبلها.
قوله: (إلا الصانع، والمتهم، والضيف وفي معين، والوديعة على أهلها، والمسافر على رفقته، ودعوى مريض أو بائع على حاضر المزائدة) إلى آخر النظائر الثمانية أي فلا تعتبر الخلطة في الصانع إذا ادعى عليه، لأنه نصب نفسه للصنعة وكذلك التاجر، وكذلك إذا ادعى على متهم بسرقة، أو غصب، أو ظلم أو عداء، فإن الخلطة لا تعتبر فيه، ولا تنقلب اليمين، بل إذا نكل غرم، وكذلك الضيف والمراد به القريب الطارئ على البلد، إذا ادعى أنه أو دع رجلا، سواء ضيفه ذلك الرجل المدعى عليه أو لم يضيفه، فإن الخلطة لا تعتبر فيه، وكذلك من ادعى في شيء معين في يد آخر، فإن الخلطة لا تعتبر فيه، وكذلك من ادعى أنه أودع وديعة لمن كان مثله يودع، ويثبت أن المدعي يملك مثل ما ادعى في جنسه وقدره، ويثبت العذر الذي أداه للإيداع، فإن ثبت هذا فلا تعتبر الخلطة فيه، وكذلك المسافر يدعي على بعض أهل رفقته أنه أو دعه مالا، وكذلك إذا ادعى مريض بمرض موته أن له عند فلان حقا، فلا تعتبر الخلطة فيه، وكذلك بائع ادعى على حاضر المزايدة أنه اشترى منه بكذا، ويقول
стр. 1474
حاضر المزايدة ابتعت منك فإن الخلطة لا تعتبر في هذه المسائل الثمانية. انتهى.
وفي الدعاوي التي لا توجب اليمين من ادعى على رجل أنه باعه سلعة، فأنكر المدعى عليه، فليس للمدعي أن يحلفه.
ومنها: لو ادعى على رجل أنه اشترى منه سلعة: فلا يمين على المدعى عليه الشراء.
ومنها: لو ادعى عليه أنه أشركه فيها أو ولاه إياها فلا يمين عليه وأما لو ادعى الإقالة فتجب فيها اليمين.
قال ابن سهل: كان ابن عتاب يقول: لا تجب اليمين لمدعي الإقالة إلا أن يأتي بشبهة تقوي دعواه، وبه كان يفتي.
ومنها: أن من باع سلعة لرجل أو اشترى لرجل سلعة وزعم أنه وكيله في الصورتين، وأنكر المدعى عليه الوكالة فلا يمين عليه.
ومنها: من اشترى عبدا أو دابة وقال البائع: احلف لي أنه ما به عيب تعلمه ولا تكمته، فليس ذلك له.
ومنها: إذا ظهر بالعبد أو الدابة عيب قديم، يوجب به الرد فقال للمشتري: احلف أنك ما رضيته بعد علمك به، فلا يمين عليه بقول البائع إلا أن يقول: أخبرني مخبر صدق أنك رضيته بعد العلم، فينكر فتجب عليه اليمين.
ومنها: الرجل يشتري العبد فيأبق فقال للبائع أحلف أنه ما أبق عندك، فلا يمين عليه إلا أن يقول: أخبرني مخبر صدق أنه أبق عندك، فحينئذ يحلف وغير ابن القاسم يرى عليه اليمين إذا أبق، لأنه عيب قد ظهر.
ومنها: إذا اشترى عبد أو يتيم سلعة أو باعاها، فأراد السيد أو الوصي فسخ ذلك، فأراد المشتري منهما أو البائع أن يحلف السيد أو الوصي أنهما ما أذنا لهما في ذلك، فليس له ذلك.
ومنها: لو ادعى رجل على رجل حقا من شركة، فأنكر المدعى عليه الشركة، فلا يمين عليه إلا أن يقر بالشركة أو تقوم بذلك البينة فيحلف على إبطال دعوى المدعي.
ومنها: لو ادعى على رجل أنه عامله قراضا أو ساقاه، فأنكر المدعى عليه فلا يمين عليه. انتهى من تبصرة ابن فرحون (١).
стр. 1475
قوله: (فإن أقر فله الإشهاد عليه، وللحاكم تنبيهه عليه، وإن أنكر قال: ألك بينة) أي وإن أقر المدعى عليه، فللمدعي الإشهاد عليه خوف الإنكار بعد الإقرار، وللحاكم تنبيه المدعي على الإشهاد على إقرار المدعى عليه، ولا يقال له أنه تلقين خصم، وإن أنكر المدعى عليه، قال الحاكم للمدعي: ألك بينة، فإن قال: نعم، فيقول له أحضرها، فإن أحضرها مقبولة يحكم بها بعد الإعذار.
والإعذار مبالغة في طلب العذر.
قوله: (فإن نفاها واستحلفه) أي فإن نفى المدعي بينة، فقال: لا بينة لي واستحلفه فحلفه القاضي (فلا بينة) بعد ذلك نافعة له، واختلف هل يسقط حقه بمجرد طلب يمينه، وهو ظاهر كلام الشيخ، وهو ظاهر كلام ابن الحاجب، وقال بعضهم بل لا يسقط حتى يحلف.
قوله: (إلا لعذر كنسيان، أو وجد ثانيا، أو مع يمين لم يره الأول) أي فلا تقبل بينته بعد أن نفاها، واستحلف المدعى عليه إلا أن يتبين له عذر فيقوم بها، ويكون العذر بالنسيان، أو عدم العلم بها، أو ظن موت البينة، أو وجد شاهدا ثان مع شاهده الذي لم يحكم به الحاكم وحده، وكذلك إن قام شاهده الذي شهد له مع يمين لم ير الحاكم الأول الحكم بشاهد ويمين.
ابن مرزوق في المنزع النبيل: وفيه نظر لأن فيه نقض حكم الحاكم.
قوله: (وله يمينه أنه لم يحلفه أولا، قال وكذا أنه عالم بفسق شهوده) أي وللمدعى عليه يمين المدعي أنه لم يحلفه أولا، فإن نكل حلف المدعى عليه أنه حلفه أولا.
قال المازري في نفسه وكذلك للمدعى عليه أن يحلف المدعي إذا ادعى عليه علم فسق شهوده، فإن نكل عن اليمين بطلت دعواه.
فرع: دعوى المرأة على زوجها أنه طلقها، ودعوى العبد على سيده أنه أعتقه.
فإن عندنا لا تتعلق اليمين بهذه الدعوى المجردة، لأجل أن ذلك لو فتح فيه الباب، لم تشأ امرأة أن تستحلف زوجها كل يوم مرارا إلا وفعلت، وكذلك العبد مع سيده إذا ادعى عليه العتق، فتسقط هذه الدعوى مع كونها مفيدة لو أقر بها المدعى عليه، لأجل ما يتخوف من تكريرها مضارة حصول الأذى للأزواج والسادات. وهو مستثنى من شرط سماع الدعوى أن تكون مما يتعلق به غرض صحيح فاحترز من الدعوى بعشر سمسمة، فإنه لا ينبغي للحاكم سماع مثل هذه الدعوى. ونص القرافي أن هذه الدعوى وشبهها لا تسمع، لأنه لا يترتب عليها نفع شرعي. انتهى