أي وإذا وجب على العواقل دية لجناية واحدة، فإنها كحكم العاقلة في التنجيم، كما إذا حمل عشرة رجال خشبة، فسقطت على إنسان فقتلته، فإن الدية على عواقلهم كل منها يلزمها عشر الدية فينجم عليها العشر ثلاث سنين، وكذلك عكسه، وهو أن تعدد الجنايات على العاقلة الواحدة كما إذا قتل رجلا من قبيلة خطأ ثم قتل آخر خطأ من قبيلة أخرى، فإنها تنجم عليها الديات كلها ثلاث سنين، ولا يقال تنجم إحدى الديات حتى تنقضي ثم أخرى كذلك تنجم الديات كلها ثلاث سنين.
قوله: (وهل حدها سبعمائة؟ أو الزائد على ألف؟ قولان) أي وهل حد العاقلة التي تحمل الدية سبع مائة فما دونها فلا يلزمها أو حدها الزائد على ألف وما دون ذلك منها فلا فيه قولان وهما لسحنون.
قوله: (وعلى القاتل الحر المسلم، وإن صبيا، أو مجنونا، أو شريئا) إلى آخره وهذه إحدى موجبات القتل وهي أربع: القصاص في العمد والدية في الخطأ وقد تقدما. الثالث: وهو الكفارة.
الرابع: التعزير وسيأتي بعد هذا إن شاء الله.
وعتق رقبة مبتدأ مؤخر وعلى القاتل خبر مقدم أي وعلى القاتل الحر المسلم عتق رقبة، وإن كان هذا القاتل صبيا أو مجنونا، لأنه من باب خطاب الوضع لا من باب خطاب التكليف، وورد خطابه على قسمين خطاب تكليف ويشترط فيه علم المكلف وقدرته، وغير ذلك كالعبادات، وخطاب وضع ولا يشترط فيه شيء من ذلك، ولذلك يوجب الضمان على المجانين والغافلين بسبب الإتلاف، لكونه من باب خطاب الوضع الذي هو معناه أن الله تعالى قال: إذا وقع هذا في الوجود فاعلموا أني حكمت بكذا، ومن ذلك الطلاق بالإضرار والإعسار والتوريث بالأنساب. انتهى.
وكذلك عتق رقبة على مشترك في القتل مع غيره، لأن الكفارة لا تتبعض (١).
قوله: (إذا قتل مثله معصوما خطأ) أي وعلى القاتل الحر لا العبد المسلم إلا الكافر (عتق رقبة) إذا قتل مثله، وهو الحر المسلم في حال كونه معصوما وقتله خطأ لا عمدا، وأما غير المعصوم فلا كفارة فيه، كالمرتد وزان أحصن والصائل.
قوله: (ولعجزها شهران كالظهار) أي ولأجل العجز عن الرقبة يجب صوم
стр. 1577
شهرين متتابعين كشهري الظهار والرقبة كرقبة كفارة الظهار.
قوله: (لا صائلا) أي ولا كفارة على قاتل صائل لأنه غير معصوم الدم.
قال ابن عرفة: وهذا مقتضى المذهب، لأنه غير خطأ ولم أجده نصا إلا للغزالي في وجيزه.
قوله: (وقاتل نفسه كديته) أي لا كفارة على قاتل نفسه، إذ لا يتأتى منه ذلك، وكذلك لا دية له.
ابن عرفة: قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾ [المجادلة: ٤] مخرج لقاتل نفسه لامتناع تصور هذا الجزء من الكفارة، وإذا بطل الجزء بطل الكل. انتهى.
قوله: (وندبت في جنين، ورقيق، وعمد، وعبد، وعليه مطلقا جلد مائة، وحبس سنة، وإن بقتل مجوسي، أو عبده، أو تكول المدعي على ذي اللوث وحلفه. والقسامة سببها قتل الحر المسلم) أي وندب إخراج الكفارة بإسقاط جنين، وكذلك قاتل رقيق يندب له إخراجها، وكذلك يندب للقاتل عمدا إخراجها، وكذلك العبد.
قال الشارح: وأنظر عطف العبد على الرقيق، هل يحمل الأول على الخطأ؟ والثاني على العمد أو العكس، أو يحمل على أن الرفيق مقتول، وأن العبد قاتل. قوله: وعليه مطلقا وهذا هو الموجب الرابع عن القتل أي وعلى القاتل مطلقا حرا أو عبدا ذكرا أو أنثى، جلد مائة، يبدأ بالجلد، ثم يحبس عاما كاملا، وإن كان المقتول مجوسيا، أو عبدا للقاتل، وأحرى عبد غيره، وكذلك إذا نكل الولاة عن القسامة، وحلف المدعى عليه، فإنه يجلد مائة سوط، ويحبس سنة. واللوث بثاء مثلثة وهو أمر تنشأ عنه غلبة الظن في صدق المدعي، كشهادة العدل الواحد على رؤية القتل، وفي شهادة من لا تعرف عدالته، أو العدل يرى المقتول يتشحط في دمه، والمتهم قربه عليه آثار القتل، واللوث لا يتوصل به إلى التمكن من الدماء لعظيم خطرها ورفيع قدرها، فوجب الإعراض عنها، لأن فيها ما له قوة، لأجل ما اختلط به من القرائن الحاملة على صدق مدعيه.
قوله: والقسامة وهي إسم مصدر أقسم، والقسامة سنة لا رأي فيها لأحد، وحكم القسامة مخالف لسائر الدعاوي من جهة أن اليمين على المدعي، وذلك لأن المدعي هو ذاكر أمر خفي، والمدعى عليه من الظاهر معه، وها هنا الظاهر مع المدعي إذ لا بد فيها من اللوث وهي القرينة المغلبة لظن صدقه. انتهى.
стр. 1578
والقسامة سببها قتل الحر المسلم، وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول، واحترز بالقتل من الجرح والقطع، إذ لا قسامة فيهما، واحترز بالحر من العبد إذ لا قسامة فيه وبالمسلم من الكافر إذ لا قسامة فيه، وعن ابن القاسم إذا قال الذمي: قتلني فلان المسلم، يحلف ولاته يمينا واحدة، ويأخذون الدية، وفي الموازية عنه لا قسامة، وعن المغيرة أنهم لا يستحقون الدية، إلا بخمسين يمينا، وعن مالك وأشهب وعبد الملك: يحلف المدعى عليه خمسين يمينا ويبرأ. انتهى.
قوله: (في محل اللوث) أي إنما تكون القسامة في محل اللوث، لا في محل الإقرار أو البينة على القتل.
قوله: (كأن يقول بالغ، حر، مسلم: قتلني فلان) إلى آخره. احترز بالبالغ من الصبي، واحترز بالحر من العبد، واحترز بالمسلم من الكافر، لأن هؤلاء لا عبرة بقولهم، وهذا مثال الأول للوث وذكر فيه خمسة أمثلة. وقوله: قتلني فلان كان فلان صبيا أو عبدا أو كافرا.
قوله: (ولو خطأ، أو مسخوطا على ورع، أو ولد على والده أنه ذبحه، أو زوجة على زوجها إن كان جرح) أي ولو قال المقتول: قتلني خطئا، خلافا لمن قال: إذا قال قتلني خطأ لا قسامة فيه، لأن الخطأ مال فلا يثبت المال إلا بالبينة، أو الإقرار، وكذلك إذا قال مسخوط قتلني فلان ورع من أورع الناس، فإنه لوث لأن الغالب على الإنسان إذا حضره الموت، ألا يقول إلا الحق، لأنه عاين وقيل لا يقبل.
قوله: وكذلك إذا ادعى ولد على والده أنه ذبحه، كأنه قصد الوجه المشكل لينخرط في سلك الأغنياء، لأنها إذا قبلت القسامة الموجبة للقود من الوالد، فأحرى الموجبة للدية المغلظة، وأحرى غير المغلظة، وكذلك الزوجة إذا ادعت على زوجها أنه قتلها، فإنه يقبل قولها، وقيل: لا يقبل قولها لأجل غيرتها.
قوله: إن كان جرح لو قدم الشيخ هذا ويقول: كأن يقول بالغ: قتلني فلان، إن كان جرح لكان أحسن، مفهومه إن لم يكن جرح فلا قسامة، وعليه العمل وظاهر المدونة والرسالة قبول قوله وإن لم يكن فيه حرج.
قوله: (أو أطلق وبينوا) أي فإن قال المقتول قتلني فلان، ولم يبين هل عمدا أو خطأ، فإن بين الأولياء ذلك، فإنهم يقسمون عليه، فإن أقسموا على العمد فلهم القتل، وإن أقسموا على الخطأ فلهم الدية.
قوله: (لا خالفوا. ولا يقبل رجوعهم، ولا إن قال بعض عمدا، وبعض لا نعلم، أو نكلوا،
стр. 1579
بخلاف ذي الخطإ، فله الحلف وأخذ نصيبه) أي فلا قسامة ويبطل الدم إذا خالفوا قول الميت، لأنهم إذا قال: عمدا وقالوا: بل خطأ، أو قال قتلني خطأ، وقالوا: عمدا، لأنه إذا ادعى العمد فقد أبرأ العاقلة من الدية، وهم قد أبرأ القاتل فإن قال: قتلني خطأ، وقالوا: بل عمدا، فإنه قد أبرأ القاتل وهم قد أبرأ العاقلة، فيبطل الدم، فلا يقبل رجوعهم إلى قول المقتول بعد أن خالفوه، لتعلق حق المدعى عليهم في قولهم الأول، وكذلك إذا تخالف قول الأولياء فلا قسامة، كما إذا قال بعض قتله عمدا، وقال بعضهم لا نعلم هل قتله عمدا أو خطأ، أو اتفقوا على العمد ونكل بعضهم عن اليمين، فإن الدم يبطل وهو مذهب المدونة، وكذلك إذا اتفقوا على الخطأ ونكلوا فلا دية، فإن حلف مدعي الخطأ على دعواه خمسين يمينا، أخذ نصيبه من الدية ولا شيء لمدعي العمد.
قوله: (وإن اختلفا فيهما واستووا حلف كل، وللجميع دية خطإ) أي وإن اختلف الفريقان من الأولياء في العمد والخطأ، وهم مستوون في الدرجة، حلف كل من الفريقين على ما قال، ويستحقون دية الخطأ، ولا سبيل إلى القتل، فإن لم يتساووا في الدرجة، ففي الموازية إذا قالت الابنة: قتله خطأ. وقالت العصبة: عمدا أن دمه هدر ولا قسامة ولا قود ولا دية، لأنه إن كان عمدا فذلك للعصبة، ولم يثبت لهم، وإن كان خطأ ففيه الدية، ولم يثبت الخطأ. انتهى.
قوله: (وبطل حق ذي العمد بنكول غيرهم، وكشاهدين بجرح أو ضرب مطلقا، أو بإقرار المقتول عمدا أو خطأ ثم يتأخر الموت) أي وإذا مات المقتول ولم يبين هل عمدا أو خطأ، فقال بعض الأولياء: قتله عمدا، وقال بعضهم: بل خطأ، ثم نكل مدعي الخطأ عن الأيمان، فإن حق مدعي العمد يبطل، ولا قسامة لهم ولا دية، لأنهم إنما أخذوا الدية إذا حلف مدعي الخطأ بالتبعية، لأنهم إنما يدعون الدم.
قوله: وكشاهدين بجرح أو ضرب هذا هو المثال الثاني للوث أي وإذا شهد شاهدان على الجرح أو الضرب مطلقا أي في العمد والخطأ، فإن ذلك لوث، وكذلك إذا شهد شاهدان على إقرار المقتول أن فلانا جرحه أو ضربه عمدا أو خطأ، فإن ذلك لوث يوجب القسامة، وأما إن قال: قتلني لكان هو المثال الأول.
قوله: ثم يتأخر الموت شرط في القسامة، وأما إن لم يتأخر، كما إذا مات مغمورا أو أنفذت مقاتله، فإنه لا قسامة.
قوله: (يقسم لمن ضربه مات) أي يقسم كل من الأولياء خمسين يمينا لمن
стр. 1580
ضربه مات.
قوله: (أو بشاهد بذلك مطلقا) أي عمدا أو خطأ هذا هو المثال الثالث من أمثلة اللوث أي وتتوجه القسامة بشاهد واحد بالجرح أو الضرب وهو مذهب المدونة. قوله: (إن ثبت الموت) أي وهذا راجع إلى جميع المسائل، فلا تجب القسامة إلا بعد ثبوت الموت، إذ لا قسامة في حي.
قوله: (أو بإقرار المقتول عمدا) أي وكذلك تثبت القسامة، إذا شهد شاهد واحد بإقرار المقتول، فإقرار المقتول أن فلانا قتله عمدا، واحترز بالعمد من الخطأ، فإنه لا يثبت بشاهد واحد، لأن قول المقتول جار مجرى الشهادة، لأنه شاهد على العاقلة، والشاهد لا ينقل عنه إلا اثنان، وفي العمد إنما يطلب ثبوت الحكم لنفسه وهو القصاص، وما ذكره من قبول الشاهد الواحد على إقرار المقتول عمدا نص عليه أشهب.
قوله: (كإقراره مع شاهد مطلقا) أي عمدا وخطأ أي كإقرار المقتول أن دمه عند فلان مع شاهد واحد يشهد أنه قتله لم يجتزأ بذلك ولا بد من القسامة.
لو أسقط الشيخ هذا الفرع لأنه يأتي بعد ما يغني عنه من قوله: ووجبت وإن تعدد اللوث.
وفي إكمال الإكمال عياض: وصور الشبهة سبعة:
الأولى: قول الميت: دمي عند فلان، أو هو قتلني، أو جرحني، أو ضربني، وإن لم يظهر به أثر، وهو فعل بي هذا، ويذكر العمد في ذلك كله. وشرط بعض أصحابنا ظهور الأثر، وإلا لم تكن قسامة. فقول القتيل شيئا من ذلك يوجب القسامة عند مالك وأصحابه وعليه إجماع الأئمة في القديم والحديث ولم يوافقه على ذلك إلا الليث وخالفه في ذلك سائر العلماء ولم يرو في شيء من ذلك القسامة واحتج أصحابنا لذلك بأن القتل حالة تطلب فيه الغيلة والاستتار، والمرء عند آخر عهده بالدنيا يتحرى الصدق، ويرد المظالم، ويتزود من البر. واحتج له بقصة البقرة بقوله تعالى: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾ الآية [٧٣: البقرة] فأحيى الرجل وأخبر بمن قتله.
قلت: القسامة أصل في نفسها شرعت لحياة الناس وليرتدع المعتدي والدعاوي في الأموال على سنتها فكل أصل في نفسه يتبع ولا تطرح سنة لسنة.
الصورة الثانية: اللوث من غير بينة قاطعة على معاينة القتل. لم يختلف قول مالك في أن شهادة العدل الواحد أو اللفيف من الناس، وإن لم يكونوا عدولا لوث.
стр. 1581
وإنما اختلف قوله في شهادة الواحد غير العدل، وفي شهادة المرأة هل ذلك لوث؟. الصورة الثالثة: شهادة عدلين بجرح، وحيى بعده حياة بينة، ثم مات بعده قبل أن يفيق منه. قال مالك وأصحابه، والليث: ذلك لوث.
الصورة الرابعة: وجود المتهم بقرب القتيل أو آتيا من جهته ومعه آلة القتل، أو عليه أثره كالتلطخ بالدم وشبهه ابن وهب وابن عبد الحكم: هو لوث.
الصورة الخامسة: قتيل الصفين تقتل فئتان فيوجد بينهما قتيل لا يدرى من قتله.
الصورة السادسة: قتيل الزحام.
قال مالك: دمه هدر، الشافعي: فيه قسامة والدية.
السابعة: القتيل يوجد في محلة قوم، أو قبيلتهم، أو في مسجدهم.
مالك والشافعي: دمه هدر. انتهى من إكمال الإكمال (١).
قوله: (أو إقرار القاتل في الخطأ فقط)، صوابه أو إقرار القاتل بالعمد فقط (بشاهد)، والنسخ التي فيها بالخطا خطأ صراح، إذ لا تحمل العاقلة دية الخطأ بالإعتراف بل ببينة أو قسامة.
قوله: (وإن اختلف شاهداه بطل) أي وإن اختلف شاهدا الموت في صفة القتل، قال أحدهما: ذبحه.
وقال الآخر: قتله بحجر، بطل الدم، ولا يقال أنهما اتفقا على القتل بل يبطل الدم لتعارض الشاهدين، ولم يبق إلا مجرد الدعوى، فليس للأولياء أن يقسموا مع شهادة أحدهما. قاله في المدونة.
قوله: (وكالعدل فقط في معاينة القتل) وهذا مثال رابع للوث، فإذا شهد عدل واحد فقط على معاينة القتل، فإنه يقسم الأولياء خمسين يمينا مع شهادة العدل ويستحقون الدم، وإنما قال: فقط، إشارة منه إلى أن غير العدل غير معتبر في اللوث وغيره وجوده كالعدم.
قوله: (أو رآه يتشحط في دمه، والمتهم قربه وعليه آثاره) هذا هو المثال الخامس من أمثلة اللوث وهو أن يرى العدل المقتول يضطرب في دمه، والمتهم بالقتل قربه وعليه آثار القتل من اللطخ بالدم، والسيف في يده ونحوه.
قوله: (ووجبت وإن تعدد اللوث) أي وجبت القسامة باللوث وإن تعدد، كما إذا
стр. 1582
شهد شاهد واحد بالقتل، وقال المقتول: دمي عند فلان، ولا يقال إذا تعدد اللوث ثبت الدم بلا قسامة.
قوله: (وليس منه وجوده بقرية قوم أو دارهم) أي وليس من اللوث وجود القتيل في قرية قوم أو في دارهم، لأن العادة أن من فعل هذا يبعده عن نفسه، وهذا هو مذهب الإمام مالك، وليس موت الرجل عندنا في الزحام لوث يوجب القسامة.
قوله: (ولو شهد اثنان أنه قتل ودخل في جماعة استحلف كل خمسين، والدية عليهم، أو على من نكل بلا قسامة) أي ولو شهد الشهود على شخص أنه قتل شخصا، ودخل في جماعة فلم يعرف من جملتهم، فإن كل واحد من الجماعة يحلف خمسين يمينا أنه لم يقتله، فإن حلفوا كلهم أو نكلوا كلهم فالدية عليهم، فإن حلف بعض ونكل بعض، فالدية على من نكل بلا قسامة من أولياء المقتول.
وفائدة حلفهم لعل بعضهم ينكل فتكون عليه الدية.
قوله: (وإن انفصلت بغاة عن قتلى، ولم يعلم القاتل، فهل لا قسامة ولا قود مطلقا؟ أو إن تجرد عن تدمية وشاهد؟ أو عن الشاهد فقط تأويلات).
قتلى جمع قتيل. البغي في اللغة التعدي.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: بناء (ب غ ي) في لسان العرب الطلب، قال الله ﵎: ﴿ذلك ما كنا نبغ﴾ [الكهف: ٦٤]. ووقع التعبير به ها هنا عن من يبغي ما لا ينبغي على عادة اللغة في تخصيص الإسم ببعض متعلقاته. انتهى (١).
والبغات ضد المتأولين، وإن انفصلت بغاة عن موتى للمسلمين، ولم يعلم القاتل فهل لا قسامة فيهم ولا قصاص مطلقا، أي قال المقتول: دمي عند فلان، أو قام شاهد بالقتل وهذا تأويل أو لا قسامة ولا قود، إن تجرد عن التدمية والشاهد معا، وإن لم يتجرد عنهما ففيه القسامة والقود وهو تأويل، أو لا قسامة ولا قود إن تجرد عن الشاهد فقط دون التدمية وهو تأويل. فالتأويلات ثلاث وهذا كله مقيد بما إذا لم يعرف القاتل، فأما لو عرف ببينة من غير الفريقين، فإنه يقتص منه.
قوله: (وإن تأولوا فهدر، كزاحفة على دافعة وهي خمسون يمينا متوالية بتا، وإن أعمى أو غائبا، يحلفها في الخطإ من يرث المقتول، وإن واحدا أو امرأة) أي وإن كان قتالهم تأويلا، فدمهم هدر، كما إن دم الزاحفة على الدافعة هدر، ودم الدافعة ثابت.
стр. 1583
قوله: (وهي خمسون يمينا) لما ذكر القسامة شرع في تفسيرها وقال: هي خمسون يمينا متوالية، لأنه أرهب وأوقع في النفس، ولتعظيم أمر الدماء يحلفها من توجهت عليه، وإن كان أعمى أو غائبا، والحالف في القسامة في الخطأ من يرث الدية لا من لا يرث بخلاف العمد، وإن كان الحالف الوارث واحدا كابن أو أخ أو عم، لأنه قد يحوز المال، وكذلك المرأة الواحدة الوارثة، لأنها قد تحوز المال كمولات النعمة.
بدأ بالقسامة في الخطأ إما لرجحانها على القسامة في العمد، لموافقتها في الأصول، لأن الأيمان فيها مقصورة على الورثة، فلا يحلفها من لا يرث، ويحلف كل وارث ممن حضر، ولو كان أقل نصيبا من الميراث إلى غير ذلك، وقسامة العمد بخلاف الأصول في هذه الوجوه أو أكثرها، غير أنها أصل لقسامة الخطأ، لأن الأحاديث إنما وردت في قسامة العمد وإما لأن الخطأ يحلف فيه الرجال والنساء بخلاف العمد.
قوله: (وجبرت اليمين على أكثر كسرها) أي فإذا كان في الأيمان كسر، فإن اليمين المنكسرة يحلفها من أكثر من تلك اليمين كابن وبنت، فإن الابن يحلف ثلاثا وثلاثين يمينا، والبنت ستة عشر يمينا، وبقية اليمين الموفية خمسين فقد ناب البنت منها ثلثاها، فتحلفها هي دون الابن، لأنها أكثر منه فتحلف سبعة عشر يمينا، وإن لم يكن وارث، إلا بنتا واحدة حلفت جميع الأيمان وأخذت نصف الدية، ويسقط الباقي إذ ليس لها من يحلف معها.
قوله: (وإلا فعلى الجميع، ولا يأخذ أحد إلا بعدها، ثم حلف من حضر حصته) أي وإن لم يكن في الأيمان كسر أكثر بل تساووا في المنكسرة، فإنها على جميعهم كثلاث بنين أو أربعة، فإنه يحلف كل منهم يمينا، فيحلف كل من الثلاثة ثمانية عشر يمينا فتصير الأيمان أربعة وخمسين، وكذلك أربعة بنين يحلف كل واحد ثلاث عشرة يمينا فتصير الأيمان اثنين وخمسين، فلا يأخذ أحد شيئا إلا بعد تمام الخمسين إذ لا تجب الدية إلا بها، كما إذا غاب أحد الورثة أو نكل عن اليمين، وأراد غيره أن يحلف نصيبه من الأيمان ويأخذ ما ينوبه من الدية لم يكن له ذلك حتى يحلف جميع الأيمان، إذ لا يلزم العاقلة شيء، إلا بعد ثبوت الدم وهو لا يثبت إلا بتمام أيمان القسامة، فإذا وجبت الدية بتمام أيمان القسامة فمن حضر بعد ذلك من غيبته، فإنه يحلف حصته من الأيمان ويأخذ حصته من الدية.
قوله: (وإن نكلوا، أو بعض حلفت العاقلة، فمن نكل فحصته على الأظهر) أي وإن نكل مدعوا الخطأ من الورثة عن الأيمان أو حلف بعض ونكل بعض، ردت الأيمان على
стр. 1584
العاقلة، فإن حلفت برئت من الدية، فمن نكل منهم فعليه حصته من الدية على ما اختاره ابن رشد، والقاتل كأحدهم، وهذا بخلاف القاعدة: أن النكول بالنكول تصديق للناكل الأول.
وفي المسألة خمسة أقوال: أحدها رد الأيمان على العاقلة يحلفون كلهم ولو كانوا عشرة آلاف، والقاتل كأحدهم، فمن حلف فلا غرم، ومن نكل غرم ما يجب عليه، وهذا أحد قولي ابن القاسم وهو أصحها وعليه اقتصر هنا.
قوله: (ولا يحلف في العمد أقل من رجلين عصبة؛ وإلا فموالي) أي ولا يحلف في القسامة في قتل العمد أقل من رجلين، إذ لا يقتل إلا بشهادة رجلين، والرجلان الحالفان لا بد أن يكون من عصبة القتيل كانا ورثة أم لا، وإلا أي وإن لم يكن له عصبة، فيكون الحالفان من الموالي الأعلون عصبة ولكنهم أبعد العصبة.
قوله: (وللولي الإستعانة بعاصبه) أي ولولي الدم طلب الإعانة في القسامة بعاصبه لا من غير العصبة.
قوله: (وللولي فقط حلف الأكثر: إن لم تزد على نصفها، ووزعت) أي ولولي القتل فقط لا المعين حلف أكثر الأيمان، إذا وزعت على العصبة ما لم يزد ما يحلف على نصف الخمسين، ووزعت الأيمان على عدد المستحقين إن كانوا خمسين أو أقل، فإن كانوا ثلاثة كل منهم يحلف ثلث الأيمان، وإن أربعة فربع الأيمان على كل، وإن كانا اثنين يحلف كل واحد منهما نصف الخمسين.
قوله: (واجتزئ باثنين طاعا من أكثر) أي فإن كان أولياء الدم أكثر من اثنين، فطاع منهم اثنان بأن يحلفا جميع الأيمان، فإنه يجتزأ بهما عند ابن القاسم، وأما إن كانا غير متطوعين بذلك بل بسبب نكول غيرهم فلا يجتزأ بهما.
قوله: (ونكول المعين غير معتبر) أي من أعان غيره من العصبة في الأيمان فنكل عن اليمين فإن نكوله لا يعتبر، إذ لا حق له في الدم، ولأنه قد يتهم أن يرشى، وللولي أن يستعين بغيره من العصبة ويحلف معه، وإلا بطل الدم، إذ لا يحلف في العمد أقل من رجلين.
قوله: (بخلاف غيره، ولو بعدوا فترد على المدعى عليهم، فيحلف كل خمسين، ومن نكل حبس حتى يحلف، ولا استعانة) أي بخلاف نكول غير المعين من الأولياء، فإن نكوله معتبر، ولو كان أبعد الأولياء، كأولاد العم مع أبيهم ونحو ذلك، هذا هو المشهور فبسبب ذلك ترد الأيمان على المدعى عليهم، فيحلف كل منهم خمسين يمينا إن
стр. 1585
كانوا جماعة، لأن كلا منهم مطلوب، ومن نكل منهم عن اليمين حبس حتى يحلف، أو يعترف أو يموت.
قال ابن الجلاب: وإن طال حبسه أطلق (١)، وليس للمدعى عليه الاستعانة بالعاصب بخلاف المدعي.
قوله: (وإن أكذب بعض نفسه بطل) أي وإن أكذب بعض الأولياء نفسه بعد القسامة بطل الدم، لأن دم العمد لا يتبعض، ولم يمكن لمن بقي شيء من الدية، وإن كانوا قد قبضوها ردوها.
قوله: (بخلاف عفوه، فللباقي نصيبه من الدية) أي بخلاف ما إذا عفا أحد الأولياء بعد ثبوته بالبينة أو القسامة فإنه يكون لمن بقي نصيبه من الدية.
قوله: (ولا ينتظر صغير) أي ولا ينتظر ولي صغير لم يتوقف الثبوت عليه، بل يحلف الكبير جميع حصته من الأيمان، ولا يؤخر إلى بلوغ الصبي، لأنه قد يموت قبل ذلك فيبطل الدم.
قوله: (بخلاف المغمى عليه، والمبرسم) فإنهما ينتظران لرجاء زوالهما عن قرب إلا ألا يوجد غيره فيحلف الكبير حصته من الأيمان الآن ولا يؤخرها، لأنه قد يموت أو يغيب قبل بلوغ الصغير، فيبطل الدم (والصغير معه) حال اليمين.
قال ابن غازي: ما وجدته إلا لابن الحاجب، وقبله ابن عبد السلام، وعلله المصنف في التوضيح بأنه أرهب، وأضرب عنه ابن راشد القفصي وابن عرفة. والله تعالى أعلم. انتهى (٢).
قوله: (ووجب بها الدية) أي ووجبت بالقسامة الدية (في الخطإ، والقود في العمد) ولا يقتل بالقسامة إلا واحد عين لها، لأنها أضعف من الإقرار، والبينة.
ابن القاسم: وإن وجب لقوم دم رجل بقسامة، فلما قدم للقتل أقر غيره أنه قتله، إن شاؤوا قتلوا المقر، أو الأول، وليس إلا قتل واحد منهما (٣).
قوله: (من واحد تعين لها) أي للقسامة فلا يقسمون إلا على عين من يريدون قتله، ويعينونه من جملة الذين شملهم اللوث، ويقولون في أيمانهم لمن ضربه
стр. 1586
مات، ولا يقولون من ضربهم، وهذا في العمد وأما في الخطأ فلا، إلا على جميعهم، وتوزع الدية على عواقلهم، ولا تختص عاقلة دون أخرى، ولا فرق بين كون الضرب واحد، أو متعدد ويحلفون في الخطأ لمن ضربهم مات.
قوله: (ومن أقام شاهدا على جرح، أو قتل كافر، أو عبد، أو جنين حلف واحدة، وأخذ الدية، وإن نكل برئ الجارح إن حلف، وإلا حبس) أي من أقام شاهدا على أحد هذه الأمور لم يطلب بقسامة، إذ لا قسامة فيها، ولكن يحلف يمينا واحدة على ما شهد به شاهده، واقتص من الجرح، إن كان عمدا، وإن كان خطأ أخذ ديته، وكذلك الكافر يأخذ ديته، والسيد يأخذ قيمة العبد، ويأخذ مستحق الجنين غرته، فإن نكل عن اليمين قيل للجريح أحلف، فإن حلف برئ وكذلك الحكم فيمن ذكر بعده، وإن نكل الجاني عن اليمين حبس ظاهره حتى يعترف أو يحلف أو يموت.
قال ابن الجلاب: إن طال حبسه أطلق.
قوله: (فلو قالت: دمي وجنيني عند فلان. ففيها القسامة، ولا شيء في الجنين، ولو استهل) أي فلو قالت امرأة دمي وجنيني عند فلان، فإن القسامة فيها هي، ولا قسامة في الجنين، لأنه جرح ولا شيء فيه، ولو استهل لأنه دعوى بغير شاهد. انتهى.
وفي النوادر عن أصبغ من رمى بدمه نفرا فأخذ واحد منهم فسجن وتغيب الباقون، فطلب الأولياء البقاء حتى يجدوا الباقين، وطلب المسجون إما أن يقسموا عليه أو يرسلوه فيستأنى به قدر ما يطلبونهم ويرجى الظفر بهم ويتلوم لهم في ذلك. فإن تم التلوم أقسموا على هذا وقتلوه، ثم ليس لهم على من وجد من الباقين إلا ضرب مائة وسجن عام (١)، ولهم صلح المسجون على مال يقسمونه على من شاؤوا من الباقين ويحبس المصالح سنة بعد ضربه مائة. انتهى من البرزلي (٢).
стр. 1587
باب [في بيان حد الباغية وأحكامها]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه أحكام البغاة هذه هي الجناية الأولى، والجنايات سبع.
المسلم يقام عليه الحد في الجنايات كلها، والكافر لا يقام عليه الحد في الثلاثة في الردة والزنى والشرب، ويقام عليه في البغي والحرابة، والقذف، والسرقة.
ابن عرفة: البغي هو الامتناع من طاعة من ترتبت إمامته.
الجنايات سبعة: البغي، الردة، الزنى، القذف، السرقة، الحرابة، شرب الخمر. بدأ بالبغي لأنه أعظم مفسدة.
الجناية: ما يحدثه الإنسان على نفسه، أو غيره مما يضره حالا أو مالا أو فيهما. (الباغية فرقة خالفت الإمام لمنع حق، أو لخلعه) أي جماعة خالفت الإمام المعتبر، لمنع حق وجب عليها من حق الله تعالى، أو حق آدمي، أو امتناع من طاعته، أو إرادة خلعه أي نزعه عن إمامته.
ابن يونس: لو قام على إمام من أراد إزالة ما بيده، فروى عيسى عن ابن القاسم عن مالك: إن كان مثل عمر بن عبد العزيز، وجب على الناس الذب عنه والقيام معه، وأما غيره فلا، ودعه وما يراد منه ينتقم الله من الظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما.
قوله: (فللعدل قتالهم) تقديم المجرور يدل على الحصر أي فللعدل قتالهم لا غير العدل، إذ لعلهم خالفوه بسبب ظلمه، فأما العدل يقاتلهم (وإن تأولوا) تفريق الكلمة، وأحرى إن لم يتأولوا، كما فعل أبو بكر الصديق ﵁ عن الخارجين عليه بسبب منع الزكاة، منهم من تأول فقال قال الله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] جعلوا الخطاب للنبي ﷺ وحده متأولين، فقاتلهم الصديق ﵁ حتى قال: لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه أو كما قال.
قوله: (كالكفار، ولا يسترقوا، ولا يحرق شجرهم، ولا ترفع رؤوسهم بأرماح) أي يقاتلهم كما يقاتل الكفار بأرماح، وسيوف وسهام وقطع ماء وحرق، كما تقدم في الجهاد، ولكن لا يسترقون لأنهم أحرار مسلمون، والحر المسلم لا يكون رقيقا أبدا، ولا تحرق أشجارهم، لأنها مال من أموال المسلمين، ولا ترفع رؤوس قتلاهم على
стр. 1588
أرماح لأنه مثلة والمثلة لا تفعل للكافر وأحرى للمسلمين.
قوله: (ولا يدعوهم بمال) أي ولا يترك قتلهم بسبب مال يعطونه له، ليتركهم على ما كانوا عليه، بخلاف الكفار إن رآه مصلحة.
قوله: (واستعين بمالهم عليهم إن احتيج له، ثم رد كغيره) صوابه بسلاحهم أي ويجوز للإمام العدل أن يستعين على قتال البغاة بسلاحهم إن احتاج إليها، فإن قضى حاجته منها ردت إليهم، كما يرد إليهم غير ذلك من أموالهم.
قوله: (وإن أمنوا لم يتبع منهزمهم، ولم يذفف على جريحهم) أي وإن أمن عود البغاة إليهم لم يتبع من أنهزم منهم، ولا يذفف على جريحهم، مفهومه إن لم يؤمنوا يتبع منهزمهم ويذفف على جريحهم والمفهوم صحيح.
يذفف بالذال المعجمة وبالمهملة التجهير.
قوله: (وكره للرجل قتل أبيه، وورثه) من فئة الإمام قتل أبيه من الباغية والأم أحرى، فإن وقع ونزل فقتله فإنه يرثه، لأن قاتل العمد الذي لا يرث هو القاتل عدوانا، وأما من قتل بالشرع فلا يمنعه من الميراث.
قوله: (ولم يضمن متأول أتلف نفسا أو مالا) أي ومن خرج عن الإمام في حال كونه متأولا، لم يضمن ما أتلف في حال خروجه عنه من نفس ومال.
الإتلاف شرط، وأما إن كان المال قائما، فإنه يرده.
قوله: (ومضى حكم قاضيه، وحد أقامه) أي وإن أقام المتأول قاضيا بالحق، فإن حكمه ذلك ماض فلا ينقض، وكذلك لا يعاد حد أقامه المتأول وقاضيه.
قوله: (ورد ذمي معه لذمته) أي وإن كان مع المتأول ذميا فظفر منه، فإنه يرد إلى ذمته ولا يسترق.
قوله: (وضمن المعاند النفس والمال، والذمي معه ناقض والمرأة المقاتلة كالرجل) أي ويضمن الخارج عن الإمام بلا تأويل بل عنادا ما أتلف من نفس، فيقتص منه، وما لا قائما أو فائتا، وإن كان معه ذمي، فذلك نقض لذمته، فإن ظفر منه يسترق كالحربي، والمرأة المقاتلة في كل ما تقدم كالرجل وما يجعل له يجعل لها.
стр. 1589
باب [في بيان حقيقة الردة وأحكامها]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه حكم من ارتد بعد إسلامه، هذه هي الجناية الثانية وما يكون به الكفر من قول وفعل وعمل، وما لا يكون به الكفر، وما اختلف فيه.
قوله: (الردة كفر المسلم بصريح، أو لفظ يقتضيه، أو فعل يتضمنه كالقاء مصحف بقدر، وشد زنار، وسحر): ابن عرفة الردة كفر بعد إسلام تقرر، وتقرره بالنطق بالشهادتين مع التزام أحكام الإسلام قال المصنف: الردة كفر المسلم، ولم يقل كفر المؤمن، لأن الحكم على الظواهر.
عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من بدل دينه فاقتلوه» (١).
وأصل الكفر انتهاك خاص لحرمة الربوبية، إما بالجهل بوجود الله تعالى، أو صفاته العلا.
فقولنا انتهاك خاص، احترازا من الكبائر والصغائر، لأنها انتهاك وليست كفرا. انتهى.
ويكون الارتداد بلفظ صريح كأشركت بالله، ويكون بلفظ يقتضي الكفر، كقوله عزير ابن الله، ويكون بعمل يتضمن فعله الكفر، وذكر لذلك أمثلة، كإلقاء مصحف بقدر أي بنجاسة أو لطخه بها، وكذلك لطخ الكعبة بالنجاسة كفر، وكذلك شد زنار ببلد الإسلام كفر، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وكذلك السحر كفر، وهو من أمثلة فعل يتضمن الكفر، ويحتمل أن يكون من أمثلة لفظ يقتضي الكفر.
ابن عبد السلام والمذهب أن الساحر كافر.
قال: وروى ابن نافع عن مالك في المبسوط في المرأة تقر أنها عقدت زوجها عن نفسها، أو عن غيرها من النساء: أنها تقتل. انتهى من ابن فرحون (٢).
وفي الطرر لابن عات قال: لا يجوز الجعل على حل المربوط والسحر، وكذلك لا يجوز الجعل على إخراج الجان من الرجل لأنه لا يعرف له حقيقة ولا
стр. 1590
يوقف عليها ولا ينبغي لأهل الورع الدخول فيه وينسب نقل ذلك إلى الاستغناء لابن عبد الغفور.
قال اللخمي: عمل السحر والإجارة عليه حرام، وعمل ما يبطله والإجارة عليه جائزة.
وللسحر حقيقة يصح تعلقه بذات الإنسان، فيؤثر في النفس بغضا ومحبة (١).
وقال أبو عبيد في حديث عبد الله بن مسعود: «إن التمائم والرقى والتولة من الشرك» (٢).
قال الأصمعي: التولة بكسر التاء (٣).
قال أبو عبيد: وإنما أراد بالرقى والتمائم عندي ما كان بغير لسان العرب مما لا يدرى ما هو، فأما الذي يحبب المرأة إلى زوجها فهو عندنا من السحر (٤).
قال في مختصر العين: التولة شيء كالسحر يحبب المرأة إلى زوجها.
قوله: (وقول بقدم العالم، أو بقائه، أو شك في ذلك، أو بتناسخ الأرواح) أي وكذلك يكفر من قال بتناسخ الأرواح أي انتقالها من شخص إلى شخص أبد الآباد.
أهل التناسخ قوم من الفلاسفة قبل الإسلام وكان منهم في دولة الإسلام فريقان فريق من جملة القدرية، وفريق من غلاة الروافض، قالوا: أهل التناسخ ذكروا أن أرواح الصديقين إذا خرجت من أبدانهم اتصلت بعمود الصبح إلى أن تبلغ بالنور الذي فوق الفلك، وتكون في السرور دائما، وأرواح أهل الضلالة تتناسخ في أجسام الحيوانات، فلا تزال تنتقل من حيوان إلى حيوان إلى أن تصفوا من ظلمتها فحينئذ تتصل بالنور الذي فوق الفلك.
стр. 1591
قوله: (أن) بقوله (في كل جنس نذير، أو ادعى شرعا مع نبوته ﵊، أو بمحاربة نبي، أوجوز اكتساب النبوة، أو ادعى أنه يصعد للسماء، أو يعانق الحور، أو استحل كالشرب) أي وكذلك يكفر من قال في كل جنس نذير لأن في ذلك تكليف الحيوانات، ولأنه يكون نبي قرد أو خنزير أو دودة ويحتج بقوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ [فاطر: ٢٤] إذ ذلك يؤدي إلى أن يوصف انبياء هذه الأجناس بصفاتهم المذمومة وفيه من الإزراء على هذا المنصف المنيف ما فيه مع إجماع المسلمين على خلافه وتكذيب قائله. انتهى من الشفا (١).
وكذلك يكفر إذا ادعى شركا لنفسه أو لغيره في نبوته ﷺ ، وكذلك يكفر من قال بمحاربة النبي ﷺ ، لأن من حاربه فقد حارب الله ﵎، وكذلك يكفر من جوز اكتساب النبوة لأن النبوة لا تنال بالأعمال وإنما هي فضل من الله على من شاء، وكذلك يكفر من ادعى أنه يصعد إلى السماء، لأنه مستحيل في الدنيا، وكذلك إن ادعى أنه يعانق الحور العين أو أنه يدخل الجنة ويأكل من ثمارها، وكذلك يكفر من ادعى أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوة، لأنه كذب النبي ﷺ لأنه أخبر أنه خاتم النبيئين. وكذلك يكفر من استحل ما حرمه الله كالخمر والزنى وغير ذلك مما حرمه بعد علمه بتحريمه.
قوله: (لا بأماته الله كافرا) أي لا يكفر من قال لغيره: أماتك الله كافرا (على) القول (الأصح)، وقيل: يكفر بذلك.
وفي مجموع البرزلي: حكى النووي في الدعاء على الظالم بعدم الوفاة على الإيمان وجهين، هل هو دعاء بارتضاء الكفر أو لا، واختار الثاني وكان شيخنا الفقيه الإمام يختار الجواز في المتمرد في الظلم الغافل عن أحوال دار الآخرة، إذا كان اختيار الإمام ابن عرفة جواز الدعاء عليه بعدم الوفاة على الإيمان واللعن أحرى.
قوله: (وفصلت الشهادة فيه) أي وفصلت الشهادة في الكفر، ما وجه ما كفروه به لأنه قد يكفر عند الشهود، ولا يحكم الحاكم بكفره، وظاهر قوله وفصلت الوجوب.
قوله: (واستتيب ثلاثة أيام بلا جوع وعطش ومعاقبة وإن لم يتب فإن تاب، وإلا قتل. واستبرئت بحيضة، ومال العبد لسيده) أي فإن ارتد من كان ظاهر الإسلام فإنه يستتاب ثلاثة أيام ولا يترك بالجوع والعطش، وينفق عليه من ماله، ولا ينفق على عياله من
стр. 1592
المال، فإن تاب فلا كلام وبقي ماله له وإن لم يتب قتل وإن كان المرتد امرأة متزوجة أو مطلقة رجعية، فإنها تستبرء بحيضة لاحتمال حملها حرة كانت أو أمة، أقر السيد بوطئها وهذه إحدى المسائل التي تستبرأ الحرة فيها بحيضة واحدة والأخرى من زنت وهي ذات زوج فلا تقتل إلا بعد الاستبراء.
والثالثة: المرأة إذا التعنت زوجها فلا تقتل حتى تستبرأ ويلغز بهذه المسائل. وإن كان المرتد عبدا ولم يتب فإنه يقتل وماله لسيده.
قوله: (وإلا ففيء، وبقي ولده مسلما) أي وإن لم يكن عبدا بل حر فما له فيء يجتهد فيه الإمام في مصالح المسلمين، الأوكد، فالأوكد وبقي ولده الصغار مسلمين إن مات على ردته.
قوله: (كأن ترك) أي كما إذا غفل عنه أي عن ولد المرتد حتى إذا بلغ فإنه يحكم له بحكم الإسلام.
قوله: (وأخذ منه ما جنى عمدا على عبد، أوذمي) أي فإذا جنى المرتد عمدا على عبد أو ذمي، فإنه يؤخذ من ماله قيمة العبد ودية الذمي إذ لا قصاص فيهما.
قوله: (لا حر مسلم) أي لا يؤخذ منه ما جنى عمدا على حر مسلم لأنه يندرج في قتله إذا قتل.
قوله: (كأن هرب لدار الحرب) أي لو قتل رجلا حرا عمدا في ردته وهرب إلى بلاد الحرب لم يكن لولاة المقتول في ماله شيء، ولا ينفق على ولده وعياله منه بل يوقف فإن مات على ردته فهو فيء وإن تاب ثم مات كان ماله لورثته.
قوله: (إلا حد الفرية) أي فإنه لا يندرج في قتله وهو مخرج من قوله: لا حر مسلم أي ولا يؤخذ منه ما جنى عمدا على حر مسلم إلا حد الفرية.
قوله: (والخطأ) أي فإن جنى المرتد على حر مسلم خطأ فالأرش (١) (على بيت المال) وقيل على عاقتله، وقيل: في ماله.
قوله: (كأخذه جناية عليه، وإن تاب فماله له، وقدر كالمسلم فيهما) أي على المرتد كما يأخذ بيت المال أرشه إذا جنى عليه، وإن تاب المرتد فماله له، وقيل: لبيت المال، ويقدر المرتد كالمسلم في العمد والخطأ، وإليه أشار بقوله: فيهما.
مسألة: روى ابن سحنون عن أبيه في المسلم يرفع زوجته المسلمة إلى الحاكم
стр. 1593
يدعي عليها أنها ارتدت عن دينها فتنكر، أن الحاكم يفرق بينهما لإقراره بارتدادها الموجب للفرقة، قال: وكذلك لو كانت الزوجة كتابية. انتهى من الجواهر (١).
قوله: (وقتل المستسر بلا استتابة، إلا أن يجيء تائبا، وماله لوارثه) أي المستسر بالكفر وهو الزنديق في العرف اليوم يقتل بلا استتابة، إذ لا تعرف توبته إلا أن يجيء تائبا قبل أن يظهر عليه، فإنه تقبل توبته فإن قتل المستسر فما له لورثته لما أظهر الإسلام، لأن الحكم على الظواهر بخلاف ميراث المرتد.
قوله: (وقبل عذر من أسلم، وقال: أسلمت عن ضيق، إن ظهر، كأن توضأ وصلى) أي وقبل عذر من أظهر الإسلام ثم أظهر الكفر وقال: إنما أظهرت الإسلام لخوف على نفسي أو مالي ولست بمسلم، فإنه يقبل قوله إن ظهر عذره بأنه ضيق عليه بخوف أو حبس ونحوه، وأما إن لم يظهر عذره فإنه يحكم فيه بحكم المرتد. انتهى.
وإنما يقبل عذره إذا لم يقم على إظهار إسلامه بعد زوال عذره، وأما إن أقام عليه بعد زوال العذر فلا يقبل قوله بل يقتل، وكذلك الكافر يتوضأ ويصلي صلاة الإسلام وقال: إنما فعلت ذلك خوفا على نفسي أو مالي، فإنه يقبل عذره إن ظهر عذره ظاهره ولو طال الأمد (٢).
قوله: (وأعاد مأمومه) أي ومن صلى خلفه في تلك المدة التي أظهر فيها الإسلام، فإنه يعيد أبدا إذا قبلنا عذره، لأنه صلى خلف كافر
قوله: (وأدب من تشهد، ولم يوقف على الدعائم) أي وإذا تلفظ الكافر بالشهادتين ولم يوقف على بقية دعائم الإسلام وهي: الصلاة والصوم والزكاة والحج ثم ارتد، فإنه يؤدب، ولا يحكم بارتداده، لأنه لا يكون مرتدا إلا بعد التزام أحكامها، وهو لم يلتزم بعد، وكذلك إن وقف على الدعائم ولم يقبلها فإنه يؤدب ولا يقتل.
قوله: (كساحر ذمي إن لم يدخل ضررا على مسلم) أي كما يؤدب ساحر ذمي إن لم يدخل ضررا بسحر على مسلم، ولو أدخل عليه ضررا به لقتل، لأنه نقض العهد بإدخال الضرر على المسلم، ولا تقبل منه توبة غير الإسلام.
قوله: (وأسقطت صلاة، وصياما، وزكاة، وحجا تقدم، ونذرا، وكفارة، ويمينا بالله، أو بعتق، أو ظهار، وإحصانا) إلى آخره أي وأسقطت الردة قضاء صلاة سواء كانت قبل
стр. 1594
الردة أو فيها، وكذلك الصيام، وكذلك زكاة فرط إن كان فرط فيها، فإذا أسلم بعد ارتداده فلا قضاء عليه في ذلك، وكذلك إذا حج قبل الارتداد ثم أسلم، فإن ذلك الحج لا يسقط عنه فرض الحج، عاد كأن لم يحج إذ لا عبرة بحج تقدم على الردة، وكذلك النذر تسقطه الردة سواء كان قبل الردة أو فيها، فإذا أسلم بعد ارتداده، فإن النذر يسقط عنه، وكذلك اليمين بالله، وكذلك إذا حلف بعتق عبد غير معين ثم ارتد ثم أسلم، فإن ذلك لا يلزمه، وكذلك إذا ظاهر من أمرءته ثم ارتد ثم أسلم، فإن الظهار لا يلزمه، وكذلك إن ارتد وهو محصن، فإن الإحصان يسقط عنه كأن لم يكن محصنا، فإذا زني فلا يرجم بل يحد.
قوله: (ووصية) أي فإذا مات على ردته فإن الوصية تبطل.
قال ابن يونس: لأن الرجل إنما تجوز وصاياه في ماله وهذا المال ليس هو للمرتد وإنما هو لجماعة المسلمين.
قوله: (لا طلاقا) أي لا تسقط الردة، طلاقا، فإن طلق زوجته ثلاثا ثم ارتد ثم أسلم، فإن الارتداد لا يسقط التحريم بل لا يتزوجها إلا بعد زوج، ظاهره ارتدت المرأة أم لا، وهو قول ابن المواز، وأما ابن القاسم قال: إذا ارتدا جميعا ثم أسلما، فإن الطلاق يسقط، ويجوز له تزويجها من غير زوج.
ابن زياد (١) عن مالك: إذا ارتدت المرأة تريد بذلك فسخ نكاحها لا يكون ذلك طلاقا وتبقى في عصمته.
قوله: (وردة محلل) أي فإن طلق رجل زوجته ثلاثا ثم تزوجها غيره نكاحا يحل المبتوتة، ثم ارتد فإن ارتداده لا يبطل ذلك التحليل، لأن أثره في المرأة لا فيه هو، ولفظ ردة محلل مرفوع عطفا على الضمير في أسقط.
قوله: (بخلاف ردة المرأة) أي فإنه يبطل إحلالها، فإذا طلقها زوجها ثلاثا فتزوجت غيره ثم ارتجعها، فإن إحلالها يبطل وتصير كمن لم تتزوج بعد الثلاث، فإن تابت من الارتداد، فليس لزوجها الأول أن يتزوجها إلا بعد زوج، لأنها أبطلت إحلالها بالردة.
стр. 1595
قوله: (وأقر كافر انتقل لكفر آخر) أي وأقر كافر على ملة الكفر التي انتقل إليها كيهودي تنصر أو تمجس أو العكس فإنه يقر على ذلك الكفر، لأن الكفر ملة واحدة وقال ﷺ : «من بدل دينه فاضربوا عنقه» (١) يريد الدين المستقيم، وقيل: يقتل.
قوله: (وحكم بإسلام من لم يميز لصغر أو جنون بإسلام أبيه فقط) أي فإذا أسلم كافر فإن ولده الصغير الذي لم يميز أو كان مجنونا، فإنه يحكم بإسلامه بإسلام أبيه فقط لا إسلام الأم أو الجد، لأن الصغير يتبع أباه في الدين القويم لا غيره ولذلك يبقى ولد المرتد مسلما لأنه ارتد عن الدين القويم.
قوله: (كأن ميز، إلا المراهق) أي كما يحكم بإسلام الصغير المميز إذا أسلم أبوه، إلا أن يكون الصغير مراهقا كابن ثلاثة عشر سنة، فلا يحكم بإسلامه بإسلام أبيه بل يجبر على الإسلام بتهديد وضرب، ولا يجبر بالقتل إن امتنع من الإسلام، فإن مات أبوه قبل بلوغه فإن إرثه منه يوقف إلى بلوغه، فإن أسلم ورثه وإن أبى أن يسلم لم يرثه، ويكون المال للمسلمين، ولو أسلم قبل البلوغ لم يأخذ المال حتى يحتلم إذ لو رجع إلى الكفر ولم يجبر على الإسلام بالقتل بل يكره بغير القتل.
قوله: (والمتروك لها، فلا يجبر بقتل، إن امتنع، ووقف إرثه) أي فإذا أسلم أبو المميز وغفل عنه إلى المراهقة، فإنه يجبر على الإسلام بغير القتل.
قوله: (وبإسلام سابيه إن لم يكن معه أبوه) أي وحكم بإسلام الصغير إذا سباه مسلم تبعا لإسلام سابيه، هذا قول ابن شاش، والذي تقدم في الجنائز خلافه، وقال فيه: وإن صغيرا ارتد أو نوى به سابيه الإسلام، وهذا هو قول ابن القاسم، لأنه محكوم بكفره. انتهى.
وأما إن كان معه أبوه فلا يحكم بإسلامة تبعا لأبيه.
قوله: (والمتنصر من كأسير على الطوع، إن لم يثبت إكراهه) أي وإذا ثبت أن أسير المسلمين في بلاد الحرب أو التاجر إليهم ونحوه تنصر، فإنه يحمل كفره على الطوع إلا أن يثبت إكراهه فقال تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [سورة النحل: ١٠٦] وأفعال المكلف محمولة على الطوع إلا أن يتبين خلافه. انتهى كلام ابن الحاجب في هذا الباب هنا، وباقي الباب اختصره المصنف من الشفا في تعريف
стр. 1596
حقوق المصطفى ﷺ .
قوله: (وإن سب نبيا أو ملكا، أو عرض، أو لعنه، أو عابه، أو قذفه، أو استخف بحقه، أو غير صفته، أو ألحق به نقصا، وإن في بدنه، أو خصلته، أو غض من مرتبته، أو وفور علمه، أو زهده، أو أضاف له ما لا يجوز عليه، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو قيل له بحق رسول الله، فلعن، وقال: أردت العقرب) إلى آخره أي ومن شتم نبيا لم يختلف في نبوته أو شتم ملكا مجمع على أنه ملك من الملائكة، فإنه يقتل بلا استتابة، وإن كان الشتم تعريضا والتعريض أن يذكر أمرا ومراده غيره سواء أثبت أو نفى، مثال ما إذا أثبت كقوله: نسبي معروف كأنه قال ونسب الآخر غير معروف، ومثال ما إذا نفى كقوله لست بزان كأنه قال للآخر أنت زان.
وقال في الرسالة: وفي التعريض الحد (١)، فإذا كان في التعريض الحد في غير النبي وأحرى أن يكون في النبي، وكذلك يقتل إذا لعن نبيا أو ملكا وكذلك إذا نسب إليه العيب والعيب ضد المستحسن من خلق وخلق ودين، فإنه يقتل، وكذلك إذا قذفه أي رماه بفاحشة، وكذلك يقتل من استخف بحق النبي ﷺ كما إذا قيل له نهى النبي عن كذا فيقول لا أبالي بنهيه.
قال البرزلي: ورأيت في بعض الفتاوي عن البرجيني (٢) تحلله من قال إن آدم عصى ربه قتل، فإن قال: قال ذلك في القرآن، يقال له: الله تعالى يفعل بعباده ما يشاء.
قلت: فتمثيل النحويين في ﴿وعصى آدم ربه﴾ [طه: ١٢١] كفر ولم يندم وكفره أخروي لأنه زاد على نص القرآن ولم يندم، وهو زيادة في القدح.
ولو قال: إن كنت عصيته فقد عصى آدم فهذا أشد من قوله: إن كنت رعيت فقد رعي آدم، لأنه خرج مخرج التنقيص. انتهى (٣).
وروى ابن وهب عن مالك من قال: إن رداء النبي ﷺ ويروى أن زر النبي ﷺ وسخ أراد به عيبه قتل، وقال بعض علمائنا أجمع العلماء على أن من دعى على نبي
стр. 1597
من الأنبياء بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة. انتهى من الشفا (١).
وكذلك يقتل من غير صفة النبي ﷺ كما إذا قال: هو أسود أو الطويل أو القصير ومات قبل أن يلتحى، وكذلك يقتل إن لحق بالنبي ﷺ نقصا في بدنه وأخرى في دينه أو تشبيه بشيء على طريق السب له والإزدراء عليه أو التصغير بشأنه، وكذلك إن ألحق به نقصا في خصلته أي في شأنه كله أو نقص من مرتبه أي درجته أو نقص في وفور علمه أي كثرته أو نقص في زهده أو أضاف إليه ما لا يجوز عليه كالميل إلى بعض نسائه أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه كالمداهنة في الأحكام، إذا قال ذلك على طريق الذم، وهذا قيد في غالب هذه الأحوال، وكذلك يقتل إذا قيل له سألناك بحق الرسول ﷺ فلعن أو ذكر كلاما قبينحا، فقيل له: ما تقول يا عد والله فقال: أشد من كلامه الأول فقال: إنما أردت برسول الله العقرب فقال ابن أبي سليمان (٢): أشهد عليه وإنما شريكك يريد قتله وثواب ذلك قال حبيب بن الربيع (٣): لأن ادعاءه التأويل في لفظ صراح لا يقبل لأنه امتهان وهو غير معزز
стр. 1598
للنبي ﷺ ولا مقر له فوجب إباحة دمه (١).
قال البرزلي: وسمعت شيخنا الفقيه الإمام ﵀ في من تشفع بالنبي ﷺ ولم يقبل المسؤول شفاعته. قال: نزلت ببجاية وأفتى فقهاؤها بأنه لا يلزمه شيء، واجتمع بما وقع في حديث بريرة في قولها: «آمر أو شفيع؟» يعني في زوجها، فقال: «شفيع» فقالت: لا حاجة لي به (٢)، ولم ينكر عليها ذلك وتركته. انتهى من مجموع البرزلي (٣).
وفيه: وعن عمر بن عبد العزيز ﵀ قال لرجل: انظر لنا كاتبا يكون أبوه عربيا فقال له: قد كان أبو النبي ﷺ كافرا، فقال: جعلت هذا مثلا فعزله، وقال: لا يكتب لي أبدا.
قوله: (قتل، ولم يستتب حدا جواب عن المسائل كلها أي فلا يستتاب لأن توبته لا تعرف وميراثه لورثته من المسلمين.
قوله: (إلا أن يسلم الكافر) أي فإن قال الكافر ما تقدم ذكره، فإنه يقتل إلا أن يسلم فلا يقتل، لأن الإسلام يجب ما قبله، وقيل يقتل وإن أسلم لأن حق الآدمي لا يسقط بالتوبة.
قوله: (وإن ظهر أنه لم يرد ذمه لجهل، أو سكر، أو تهور) أي بما تقدم ذكره أي وهو تأكيد في القتل إذ لا يعذر أحد بالكفر بالجهل أو السكر لأنه أدخله على نفسه، وكذلك لا يعذر بالتهور وهو الوقوع في الشيء بغير مبالات.
قوله: (وفي من قال: لا صلى الله على من صلى عليه جوابا لصل، أو قال: الأنبياء يتهمون، جوابا لتتهمني، أو جميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي ﷺ قولان) أي وفي قتل
стр. 1599
من قال: لا صلى الله على من صلى عليه جوابا لمن قال له: صل على النبي ﷺ وعدم قتله قولان.
ومن قال: يقتل لأنه شتم الملائكة الذين يصلون عليه، ومن قال: لا يقتل، لأنه شتم الناس الذين يصلون عليه لقرينة الغضب، أما لو قال: لا ﷺ لم يختلف في قتله، وكذلك من قال: الأنبياء يتهمون جوابا لمن قال: تتهمني ففي قتله قولان، ومن قال: يقتل لشناعة لفظه، ومن قال: لا يقتل لاحتمال أن يكون خبرا عمن اتهمهم من الكفار، وكذلك من قال: جميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي ﷺ في قتله وعدم قتله قولان، والقتل أظهر من عدمه.
قوله: (واستتيب في هزم، أو أعلن بتكذيبه، أو تنبأ، إلا أن يسر على الأظهر) من قال أن النبي ﷺ هزم في الحروب فإنه يستتاب، فإن تاب فلا كلام وإلا قتل، لأنه نقص، إذ لا يجوز عليه ذلك في خاصته إذ هو على بصيرة من أمره، ويقين من عصمته، وكذلك من أعلن بتكذيبه ﷺ فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل ظاهره كذبه في الرسالة أو صدقه فيها وكذبه في غيرها، وفرق البساطي فقال: إن كذبه في الرسالة لا يستتاب، وأما إن لم يعلن التكذيب بل ظهر عليه، فإنه يقتل بلا استتابة كالزنديق، وكذلك من ادعى النبوة فإنه يقتل بعد الإستتابة إلا أن يسر ذلك فلا يستتاب على ما ظهر عند ابن رشد.
قوله: (وأدب اجتهادا) (في: أد واشك للنبي، أو لو سبني ملك لسببته، أو يا ابن ألف كلب، أو خنزير، أو عير بالفقر فقال: تعيرني به والنبي قد رعى الغنم، أو قال لغضبان: كأنه وجه منكر، أو مالك، أو استشهد ببعض جائز عليه في الدنيا حجة له، أو لغيره) أي وأدب القائل إذا ما طلبتك وأشك للنبي ﷺ نزل هذا في عشار طلب من شخص شيئا يأخذه منه فقال له أشكوك للنبي فقال له العشار أدي واشك للنبي، فإنه يؤدب اجتهادا من الإمام، وكذلك يؤدب بالإجتهاد من قال: لو سبني ملك أو نبي لشتمته لقبح مقالته، وكذلك يؤدب من قال لآخر: يابن ألف كلب وألف خنزير أو قرد باجتهاد من الإمام فلا يقتل لأنا لسنا على تحقيق أن الناس كلهم أولاد نوح وأما إن علم أنه قصد الأنبياء فإنه يقتل.
وقد رأيت لأبي موسى بن مناس (١) ﷺ في من قال لرجل: لعنك الله إلى آدم،
стр. 1600
أنه إن ثبت ذلك قتل.
قلت: نقل لي بعض أصحابنا عن شيخنا الإمام أنه وفق فيه، لأن إلى غاية الأصل عدم دخول ما بعدها فيما قبلها. انتهى من البرزلي (١).
وكذلك يؤدب بالاجتهاد من عير بالفقر فقال: تعيرني بالفقر والنبي قد رعى الغنم فإنه يؤدب لأنه عرض بذكر محمد في غير موضعه. التعيير والتوبيخ والتتريب بمعنى قال تعالى: ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾ [يوسف: ٩٢] وكذلك إن قال لغضبان أو قبيح الوجه كأنه وجه منكر، أحد الملكين يأتيان القبر أو وجه مالك خازن النار، فإنه يؤدب لذكره الملائكة ولشنيعة لفظه، وكذلك يؤدب من استشهد أي طلب الشهادة لبعض جائز في حق النبي ﷺ في الدنيا ذكر ذلك حجة له أو لغيره كما إذا قال إن أحببت النساء فقد أحبهن النبي ﷺ ، أو إن لم أعرف أن التذكير ثمرة النخل وتركه مضر به، فإنه ﷺ لم يعرفه وذكر هذا على وجه الترفع لنفسه.
قوله: (أو شبه لنقص لحقه لا على التأسي، كإن كذبت فقد كذبوا، أو لعن العرب، أو بني هاشم، وقال: أردت الظالمين) أي وكذلك يؤدب إذا أشبه نفسه بالنبي عليه اسلام لأجل نقص لحقه لا أن شبهه على الاقتداء، كقوله: إن كذبت فقد كذب الأنبياء أو كيف أسلم من ألسنة الناس فلم تسلم منهم الأنبياء، وكذلك يؤدب من لعن العرب أو بني هاشم، وهذا أحرى، وكذلك من لعن بني إسرائيل أو بني آدم وإن قال: أردت الظالمين من العرب أو بني إسرائيل فلا يسقط ذلك عنه التأديب، والعرب هم ولد عدنان وقحطان، وولد غيرهما ليس من العرب.
قوله: (وشدد عليه في كل صاحب فندق قرنان، ولو كان نبيا. وفي قبيح لأحد ذريته ﵊ مع العلم به) أي وشدد النكال على القائل كل صاحب فندق قرنان وإن كان نبيا لأن قوله عام والقرنان زوج الزانية، وكذلك يشدد بالعقوبة على من قال قولا قبيحا لأحد من ذريته ﷺ إذا علم أنه من ذريته.
غفل الشارح هنا
قوله: (كأن انتسب له) أي كما يؤدب إذا نسب نفسه للنبي ﷺ بلا بينة تثبت
стр. 1601
ذلك، روى أبو مصعب عن مالك: من انتسب إلى آل النبي ﷺ يضرب ضربا وجيعا ويشهر ويحبس طويلا حتى تظهر توبته لأنه استخفاف بحق الرسول ﷺ .
قوله: (أو احتمل قوله) أي وكذلك يؤدب إذا احتمل قوله أنخ: سب ويحتمل غيره، فلا يقتل بل يشدد عليه بالضرب الوجيع والسجن والقيود.
قوله: (أو شهد عليه عدل، أو لفيف فعاق عن القتل) أي وكذلك يؤدب إذا شهد عليه عدل لما يوجب قتله من السب فعاق القتل أي امتنع لعدم كمال النصاب في الشهادة، وكذلك إذا شهد عليه اللفيف من الناس وتعذرت التزكية فعاق القتل لعدم التزكية فإنه يشدد عليه في الأدب بالضرب الوجيع.
وقوله: فعاق القتل راجع على المسائل الثلاث إذا احتمل قوله: السب أو شهد عليه عدل أو لفيف. انتهى.
قوله: (أو سب من لم يجمع على نبوته) أي ويؤدب من سب من لم يجمع على نبوته كالخضر ﵇، وذي القرنين وإسحاق ومريم وأم موسى وخالد بن شنان أو سب من لم يجمع علي أنه ملك كهاروت وماروت، فإنه يشدد عليه في الأدب.
قوله: (أو صحابيا) أي وكذلك يؤدب من سب أحد أصحاب رسول الله ﷺ . ظاهره وإن كان الصحابي عائشة زوج النبي ﷺ . وقال بعضهم: من سب عائشة ﵂ قتل لأن براءتها نزلت في الكتاب العزيز.
سأل أحمد بن القاضي النعمان أبا سعيد خلف ابن أخي هشام فقال: لم تقولون أن من قذف عائشة يقتل، وإنما قال الله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ [النور: ٤] إلى قوله: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النور: ٤] وجلد رسول الله ﷺ أهل الإفك ثمانين فلم تأخذوا بالقرآن ولا بما فعل النبي ﷺ فقال أبو سعيد: قال الله تعالى: ﴿أولئك مبرءون مما يقولون﴾ [النور آية ٢٦] وقال: ﴿والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات﴾ [النور: ٢٦] فجلد من قذفها قبل البراءة بالقرآن وبعد البراءة من قذفها فقد رد القرآن ومن رد حرفا من القرآن فقد وجب قتله بإجماع. انتهى من معالم الايمان في مناقب صلحاء القيروان (١).
стр. 1602
قوله: (وسب الله كذلك) أي كما تقدم في سب الأنبياء وقوله: كذلك يحتمل أنه يقتل، الفرق بين من تعرض له سبحانه أو لأنبيائه ﵈، لأنهم من جنس البشر فيلحقهم الأذى بما ينسب إليهم وهم معصومون وهو سبحانه منزه عن جميع المخلوقين مستغنيا عنهم بذاته وصفاته فلا يلحقه أذى منهم بوجه.
قوله: (وفي استتابة المسلم خلاف، كمن قال لقيت في مرضي ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجبه) أي فإن سب المسلم الله ففي قتله وأدبه قولان فإن قلنا يقتل فهل يقتل بلا استتابة أو بعد الاستتابة وإن تاب ترك قولان، وكذلك الخلاف في قتل من قال لقيت من مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم استوجبه لأنه نسب الجور إلى الله، وقيل لا يقتل بل يؤدب أدبا شديدا ونزلت في هارون ابن حبيب أخي عبد الملك الفقيه وكان ضيق الصدر كثير التبرم، وكان قد شهد عليه بشهادات أنه قد قال عند استلاله من مرض لقيت في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجب هذا، فأفتى إبراهيم بن حسين بن خالد (١) بقتله وأن مضمن قوله تجوير الله تعالى وتظلم منه والتعريض فيه كالتصريح، وأفتى أخوه عبد الملك بن حبيب وإبراهيم بن حسين بن عاصم (٢)، وسعيد بن سليمان القاضي (٣) بطرح القتل عنه إلا أن القاضي رأى
стр. 1603
عليه التثقيل في الحبس والشدة في الأدب لاحتمال كلامه وصرفه إلى التشكي. انتهى من الشفا (١).
وأفتى أبو عمران في رجل قال: لو شهد على أبو بكر الصديق إن كان في مثل ما لا يجوز فيه الشاهد الواحد فلا شيء عليه وإن أراد غير هذا يضرب ضربا يبلغ به حد الموت وذكروها رواية والله أعلم ولهذا تأدب سحنون في قوله: لو شهد عمر ابن عبد العزيز ﵀ في هلال رمضان وحده ما صمت ولا أفطرت. انتهى من البرزلي (٢).
стр. 1604
باب [في حد الزنا ومتعلقاته]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الزنا، هذه هي الجناية الثالثة.
الزنا يمد ويقصر، والمد لغة نجد، والقصر لغة الحجاز قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة﴾ [الإسراء: ٣٢] وهو مما اجتمعت جميع الملل على تحريمه.
عرفه المصنف عجله فقال: (الزنا وطء مكلف مسلم) وهو من باب إضافة المصدر إلى الفاعل، واحترز بالمكلف من الصبي والمجنون، ودخل السكران، واحترز بالمسلم من الكافر لأن وطئه لا يسمى زنا.
قوله: (فرج آدمي لا منك له فيه باتفاق تعمدا) أي وهو جنس شمل الذكر والأنثى قبلا كان أو دبرا لا ملك للواطئ فيه أي في الفرج محرم بإجماع من العلماء في حال كون الوطء تعمدا احترازا من الغلط بالظن أنها زوجته أو أمته.
قوله: (وإن لواطا، أو إثيان أجنبية بدبر، أو إثيان ميتة غير زوج، أو صغيرة يمكن وطؤها، أو مستأجرة لوطء، أو غيره، أو مملوكة تعتق، أو يعلم حريتها، أو محرمة بصهر مؤبد، أو خامسة، أو مرهونة، أو ذات مغنم، أو حربية، أو مبتوتة وإن بعدة. وهل وإن أبت في مرة؟ تأويلان. أو مطلقة قبل البناء، أو معتقة بلا عقد) أي وإن كان الوطء لواطا أي عمل قوم لوط وهو اتيان الذكر في دبره يسمى زنا وإن اختلفا في الحكم فإنه يرجم اللائط أحصن أو لم يحصن حرا كان أو عبدا مسلما كان أو كافرا بخلاف الحد، وكذلك إتيان أي وطء أجنبية بدبر فإنه زنى احترازا من الزوجة فإنه ليس عليه إذا وطء في دبرها إلا الأدب، وكذلك إذا وطء امرأة ميتة غير زوجة أو أمة فإنه زنى وأما زوجته، فإنه يؤدب فقط فلا يحد وإن كان وطؤها لا يجوز، وكذلك إذا وطء صغيرة يمكن وطؤها فإنه زنا.
قوله: يمكن وطؤها قول أشهب واقتصر عليه المصنف، وأما قول ابن القاسم فإنه يحد في الصغيرة يمكن وطؤها أم لا، وكذلك إذا وطئ امرأة مستأجرة لوطء أو غيره كالخدمة فإنه يحد وإن كان فيه خلاف أبي حنيفة غحله لضعف الخلاف، وكذلك إذا وطئ مملوكة تعتق عليه كأمه وإن علت وبنته وإن سفلت فإنه يحد، وكذلك من اشترى حرة وهو يعلم بحريتها ووطئها فإنه يحد.
стр. 1605
قال في المدونة: ومن اشترى حرة وهو يعلم بها فأقر أنه وطئها حد (١).
غفل الشارح هنا ﵀
وسئل ابن رشد عن الخمس مسائل التي يجمع فيها الحد ولحوق النسب.
فأجاب عنها بأنها: الرجل يشتري الأمة فيولدها ثم يقر بحريتها وشرائها مع علمه بحريتها، أو يشتري الأمة فيولدها ثم يقر بحريتها وشرائها مع علمه بحريتها، أو يشتري الأمة ويولدها ثم يقر أنه اشتراها عالم بأنها ممن يعتق عليه ووطئها عالما بذلك وبعدم حليتها، أو يتزوج المرأة ويقر أنه طلقها ثلاثا وعلم أنها لا تحل له إلا بعد زوج ووطئها وأولدها كذلك، أو يشتري الجارية ويطؤها وهو يعلم أنها لا تحل له.
وكذا يتزوج المرأة ويطؤها وهو يعلم أنها لا تحل له بنسب أو رضاع مع علمه بعدم حلية ذلك، أو يتزوج امرأة ويقر أنها خامسة ويطؤها وهو يعلم أنها لا تحل له.
وإنما يثبت النسب في هذه المسائل لأن ظاهر الحكم يعطيه ووجب الحد بما أقر به على نفسه مما يوجبه ولا يسقط ما ثبت من نسب الولد بقوله.
وكذلك كل ما في معنى هذه المسائل إذ لا نص فيها.
وإنما ذكرت لكونها من أمهات مسائل يقاس عليها وضابطه: أن كل حد يجب بالإقرار ويسقط بالرجوع عنه فالنسب معه ثابت، وكل ما لا يسقط من الحدود بالرجوع عنه فلا يثبت النسب فيه. انتهى من البرزلي (٢).
وقد ذكر الشيخ الحد فيها.
وكذلك يحد واطئ امرأة محرمة لصهر مؤبد، كما إذا تزوج امرأة ثم تزوج عليها ابنتها ووطء البنت بعد الدخول بالأم فإنه يحد.
واحترز به من غير المؤبد كبنت على أم لم يدخل بها، وكذلك يحد من تزوج امرأة خامسة إذا وطئها وهو مذهب المدونة خلافا لأهل الظاهر.
قال الفاكهاني: والصحيح أن مذهب أهل الظاهر لا يعتبر، وإنما يعتبر خلاف المذاهب الأربعة: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وابن حنبل رحمه اللاه في بعض المواضع، وكذلك يحد واطئ أمة مرهونة عنده ومودعة إذ لا ملك له في فرجها،
стр. 1606
وكذلك يحد واطئ أمة ذات مغنم أي من الغنيمة قال بعضهم: وهذا في الجيش الكبير، وأما الجيش القليل فلا يحد، وقيل: لا يحد مطلقا، وعلى الحداد لا يستقر ملك القائمين عليها بنفس الغنيمة وإنما ملكوا أن يملكوا وقيل بل ملكوا بالاستيلاء وتقض الحرب وقد خرج بعض العلماء على القولين فروعا وهي: لو وقع في المغنم من يعتق على بعض الغانمين فإنه يعتق عليه ويغرم نصيب أصحابه، وكذلك لو أعتق عبدا من المغنم كمل عليه قاله سحنون فيهما، وقال ابن القاسم وأشهب: إذا أعتق أمة من المغنم فلا عتق له، ولو وطء جارية حد ولم تكن له أم ولد، وقال عبد الملك: لا حد عليه.
وقال سحنون: إن سرق ما يزيد على حصته بثلاثة دراهم قطع وإلا فلا، وأما الوطء فلا حد فيه والاستيلاء ثابت. انتهى من الجواهر (١).
وبذلك يحد واطئ حربية في بلدها أو خرجت بنفسها ودخلت بلد الإسلام، وأما إن غنمها وخرج بها هو فلا يحد لأنه ملكها، وكذلك يحد واطئ مبتوتة وإن كانت في عدته، وأحرى إذا خرجت من العدة وهل هذا هو الحكم وإن كان أبتها في مرة واحدة لضعف الخلاف أن البتة لا تلزم إن وقعت مرة واحدة في فور، وقيل: لا يحد مراعاة للخلاف أن البتة لا تلزم إذا وقعت في مرة واحدة في ذلك تأويلان على المدونة.
وكذلك يحد واطئ مطلقته قبل البناء أو واطئ معتقته قبل عقد النكاح عليهما.
قوله: (كأن يطأها مملوكها أو مجنون؛ بخلاف الصبي) أي وكذلك تحد المرأة إذا وطئها مملوكها أو مجنون طائعة لهما بخلاف إذا وطئها صبي فإنها لا تحد بل تؤدب لأن وطء الصبي كلا وطئ، وذكره كالأصبع فلا يحصل لها مع الصبي من اللذة ما يحصل مع غيره.
وقوله: (إلا أن يجهل العين أو الحكم، إن جهل مثله، إلا الواضح) راجع إلى جميع المسائل أي يحد إلا أن يجهل عين الموطوءة، كما إذا ظنها زوجته أو أمته، فإنه لا يحد، وكذلك لا يحد إذا جهل حكم تحريم الزنا لقرب عهده بالإسلام، إن كان مثله يجهل ذلك كالأعجمي، إلا أن يكون الزنى واضحا، فإنه لا يعذر بالجهل فيه وهو مذهب المدونة. قال أصبغ يعذر.
стр. 1607
قوله: (لا مساحقة) قال شيخنا: الله أعلم معطوف على قوله: الزنا وطئ مكلف لا مساحقة، لأن الوطء هو الإيلاج والمساحقة ليست بإيلاج وإنما هو أن تحك المرأة فرجها مع فرج الأخرى حتى تنزلا.
وقيل: أن تصنع المرأة شيئا كذكر الرجل تدخله في فرجها فلا تحد بل تؤدب اجتهادا من الإمام ولهذا قال: (وأدب) أي الإمام (اجتهادا) منه بالعلم والتقوى لا بالجهل والهوى.
قوله: (كبهيمة وهي كغيرها في الذبح والأكل. ومن حرم لعارض كحائض، أو مشتركة أو مملوكة لا تعتق أو معتدة أو بنت على أم، لم يدخل بها، أو أختا على أختها، وهل إلا أخت النسب لتحريمها بالكتاب تأويلان) أي كما يؤدب واطئ البهيمة والموطوءة كغيرها من الدواب في الذبح والأكل بلا خلاف عندنا، وكذلك يؤدب واطء امرأة حلال له في الأصل، وهي الآن حرم وطؤها بسبب عارض وذلك كحائض وصائمة بفرض أو تطوع بإذنه أو كانت محرمة أو معتكفة فلا يحد بل يؤدب، وكذلك واطئ أمة مشتركة لا يحد بل يؤدب لأنه متعد على شريكه.
وكذلك لا حد على واطئ مملوكته المعتدة يريد المتزوجة كما قال ابن الحاجب أو عدة أو تزويج ولم يذكرها الشارحان، وكذلك لا يحد واطئ مملوكته المحرمة عليه، ولكن لا تعتق عليه كالعمة والخالة بل يؤدب، وأما التي تعتق تقدم حكمها وكذلك إذا نكح ابنتا على أمها وطئها قبل الدخول على الأم بل يؤدب، وأما إذا وطئ البنت بعد الدخول بالأم فإنه يحد، وكذلك يحد إذا تزوج امرأة على أختها أو خالتها أو عمتها ووطئها بل عليه الأدب، وهل لا يحد مطلقا كانت الأخت من النسب أو الرضاع وإليه ذهب التونسي.
أولا يحد في الأخت من الرضاع، وأما أخت النسب فيحد فيها لتحريمها في كتاب الله، والأخت من الرضاع بالسنة وهي أضعف من الكتاب في ذلك تأويلان على المدونة.
وأما تزويجها على عمتها أو خالتها فلا يحد لأنه تحريم من جهة السنة، وهذا أصل وهو أن ما كان تحريمه من جهة السنة لا يحد فيه، وما كان من تحريم القرآن ففيه الحد قاله بعض الشيوخ. انتهى من الشرح الكبير (١).
стр. 1608
قوله: (وكأمة محللة، وقومت وإن أبيا) أي وكذلك يؤدب واطئ أمة محللة له وشبهها كمن زوج ابنته لرجل وأدخل معها أمته على الزوج، فإنها كالمحللة يؤدب واطئها وإن عالما بالتحريم وقومت الأمة وإن أبا سيدها والمحللة له لا ينظر إليهما، فيدفع قيمتها لسيدها لتتم له الشبهة فيها وليس لربها التمسك بها بعد الوطء.
قوله: (أو مكرهة أو مبيعة بفلاء) أي ولا تحد المكرهة على الزنى ولا تؤدب، وكذلك المرأة الحرة إذا أقرت أنها مملوكة فباعها الذي أقرت له بالملك أقرت بذلك لأجل غلاء حصل لها ووطئها مشتريها لا حد عليها ولا أدب لأنها معذورة بشدة الجوع.
مسألة: لو أقر حر لرجل أنه مملوكه فباعه المقر له بالملك واقتسما الثمن ثم مات البائع وثبتت حرية المقر رجع المبتاع على المقر بجميع الثمن عقوبة له.
قوله: (والأظهر والأصح، كإن ادعى شراء أمة، ونكل البائع، وحلف الواطن إلى آخره يعني أن من وطئ أمة وادعى أنه اشتراها من مالكها وأنكر المالك البيع وتوجهت اليمين على البائع ونكل عنها وحلف الواطئ المدعي الشراء، فإنه لا حد عليه، لأنه تبين أنه وطئها وهي في ملكه، وهو قول ابن القاسم واختاره ابن رشد وأما ابن غازي: الأظهر نفيه.
مسألة مبيعة بالغلاء أي ومبيعة بالغلاء على الأظهر، ولهذا كان هكذا في بعض النسخ. انتهى.
قوله: (والمختار أن المكره كذلك، والأكثر على خلافه) أي والمختار للخمي من الخلاف أن الذي أكره على أن يزني لا حد عليه، وهو الذي عليه المحققون، والأكثر من الشيوخ على خلاف سقوط الحد عنه، وقيل بالفرق إن انتشر حد، وإلا فلا، وأسقطه اللخمي، لأن الانتشار طبيعة.
قوله: (ويثبت بإقرار مرة؛ إلا أن يرجع مطلقا، أو يهرب) شرع هنا ﴿الله﴾ فيما يثبت به الزنى وما لا يثبت به أي يثبت الزنى بإقرار الزاني به وإن مرة واحدة خلافا لمن قال إنما يثبت بإقراره أربع مرات وهو قول أبي حنيفة ﵁
قوله: إلا أن يرجع عن إقراره ذلك مطلقا أي رجع إلى ما فيه شبهة أم لا وأكذب نفسه، فإنه يقبل رجوعه عن ذلك الإقرار فلا يحد، وكذلك إن هرب فإنه
стр. 1609
يكف عن حده.
قوله: (وإن في الحد) أي راجع إلى الرجوع عن الإقرار والهروب معا، بمعنى إن رجع وإن في وسط الحد أو هرب فيه سواء ذهب أكثر الحد أو أقله فإنه يترك ولا يحد.
قوله: (وبالبينة) أي وكذلك يثبت الزنى بالبينة وقد تقدم أن شرط الشهادة فيه أربعة عدول يشهدون أنهم رأوا فرجه في فرجها كالمرود في المحكلة في وقت واحد ورؤية واحدة، جعل الله الشهادة في الزنى خاصة لا تتم إلا بأربعة شهداء تغليظا على المدعي وسترا على العباد.
قوله: (فلا يسقط بشهادة أربع نسوة ببكارتها، وبحمل في غير متزوجة، وذات سيد مقر به) أي فلا يسقط الحد الثابت على المرأة بالزنى بشهادة أربع نسوة ببقاء بكارتها، لأن من أثبت حكما الذي هو الحد أولى ممن نفاه، وكذلك يثبت الزني بظهور حمل في امرأة غير متزوجة، أو غير ذات السيد أقر بوطئها، وأما إن ظهر بالمتزوجة فلا تحد لأن الولد لا حق للزوج، إلا أن ينفيه بلعان، وذكر المواق هنا كلاما غير ظاهر واعترض على الشيخ.
وكم من عائب قولا صحيحا … وآفته من الفهم السقيم) (١)
قوله: (ولم يقبل دعواها الغصب بلا قرينة) أي فإن ظهر بالمرأة غير ذات زوج أو سيد أقر بالوطء حمل وادعت أنها غصبت فلا يقبل منها ذلك إلا لأجل قرينة تدل على صدقها، كما لو جاءت مستغيثة عند النازلة أو جاءت بكرا تدمي عند النازلة وهذا هو المشهور.
اللخمي: يقبل قولها وإن لم تظهر قرينة لاحتمال أن تكون غصبت وكتمت رجاء ألا يكون عنه حمل، ولكن شرط في هذا أن تكون المرأة معروفة بالخير غير مطعون فيها.
قوله: (يرجم المكلف) لما فرغ مما يثبت به الزنى شرع يذكر كيفية الحد وقدره وما فيه التغريب وما ليس فيه فقال: يرجم المكلف (الحر المسلم) أخرج غير المكلف وأخرج العبد وأخرج الكافر وشروط الرجم ستة: البلوغ، والعقل، والإسلام،
стр. 1610
والحرية، ووطء صحيح في نكاح صحيح نظمها بعضهم فقال: (١)
شروط الإحصان ست أتت … فخذها على النص مستفهما
بلوغ وعقل وحرية … ورابعه كونه مسلما
وتزويج صحيح ووطء مباح … متى اختل شرط فلن يرجما
قوله: (إن أصاب بعدهن بنكاح لازم) أي إنما يرجم الزاني إذا أصاب أي وطئ بعدهن أي بعد التكليف والحرية والإسلام في نكاح لازم احترازا من النكاح الذي للزوج فيه الخيار كما إذا كان فيها عيب يوجب الخيار فيها، وكذلك إذا كان الخيار للزوجة كما إذا كان في الزوج عيب يوجب لها الخيار، وكذلك النكاح الذي فيه الخيار للولي كما إذا تزوجها بغير إذنه.
قوله: (صح) أي بوطئ صحيح احترازا من وطء فاسد، فإنه لا يحصن كالوطء في الحيض. غفل الشارحان هنا لأنهما جعلا معنى صح أي صح النكاح إذ فيه تكرار وأيضا فيه ترك صحة الوطئ وهي شرط.
قوله: (بحجارة معتدلة) أي يرجم المرجوم بحجارة معتدلة لا صغيرة ولا كبيرة، لأن في الصغيرة تعذيبه، وفي الكبيرة تغيير خلقته، ويتقى الوجه عند الرجم.
قوله: (ولم يعرف بداءة البينة) أي ولم يعرف الإمام مالك البداية للبينة بالرمي عند الرجم (ثم) يليهم (الإمام) ثم الناس بل سواء من ابتدأ برجمه.
قوله: (كلائط مطلقا وإن عبدين أو كافرين) أي كما يرجم اللائط مطلقا أحصن أو لم يحصن وإن كانا عبدين أو كافرين وهو بخلاف الزاني في هذا الحكم.
قوله: (وجلد البكر الحر مائة، وتشطر بالرق وإن قل) أي وجلد البكر الذي لم يحصن ذكرا كان أو أنثى مائة سوط، وستأتي صفة السوط، والضرب إن شاء الله وتشطر ذلك الحد لأجل الرق قنا كان أو غيره كالمكاتب والمدبر والمعتق إلى أجل أو المعتق بعضه وإن قل المعتق منه وأم الولد.
قوله: (وتحصن كل دون صاحبه بالعتق والوطء بعده) أي وتحصن كل من الزوجين دون صاحبه بالعتق، فإذا وطئ الزوج بعد عتقه فإنه يحصل له الإحصان بذلك الوطء، وكذلك إذا أعتقت هي ووطئها الزوج بعد عتقها، فإنها تكون محصنة بذلك
стр. 1611
الوطء، خص العتق بالذكر إذ يحصل من الزوجين به الإحصان، وأما البلوغ والإسلام قد لا يحصل بهما.
قوله: (وغرب الحر الذكر فقط عاما، وأجره عليه. وإن لم يكن له مال فمن بيت المال) أي وإذا جلد البكر الحر الذكر مائة، فإنه يغرب عن بلده عاما كاملا واحترز بالذكر من الأنثى، فإنها لا تغرب إذ في تغريبها مضرة أخرى لعدم الولي، أو الرفقة المأمونة أو لضرر الولي بخروجه معها واحترز بالحر من العبد، فإنه لا يغرب لحق السيد ومؤنة خروجه إلى حيث يغرب إليه ونفقته من ماله، وإن لم يكن له مال فمن بيت المال، فإن لم يكن بيت المال أو كان ولم يوجد فعلى المسلمين، انظر فإن زنى حيث غرب إليه، هل يغرب إلى بلد آخر أو لا لأنه غريب.
قوله: (كفدك، وخيبر من المدينة، فيسجن سنة. وإن عاد أخرج ثانية) مثالان لبعد ما يغرب إليه الزاني بينهما وبين المدينة يومان فيسجن هناك سنة كاملة، ولا يقيد إلا إذا خيف هروبه، فإن تمت السنة أخرج من السجن وإن عاد إلى الزنا بعد ذلك غرب ثانية، ويحتمل وإن عاد إلى الموضع الذي أخرج منه قبل تمام السنة أخرج ثانية، وقال الشيخ: أخرج ولم يقل أعيد تنبيها على أنه ليس بشرط أن يعاد إلى الموضع الذي غرب إليه أو لا، بل يجوز أن يغرب إلى غيره.
قوله: (وتؤخر المتزوجة لحيضة) أي وتؤخر المتزوجة التي ثبت عليها الزنى بإقرار أو بينة في الرجم إلى أن تحيض حيضة واحدة للاستبراء لحق الزوج، إذ لعل بها حمل، وهذا احد المسائل التي تستبرأ بها الحرة بحيضة، وثانيها المرتدة وثالثها الملاعنة، وهذا في المتزوجة، وأما غير المتزوجة فلا يؤخر إلا إذا تخلق الولد، فإنها تؤخر لحق الولد متزوجة كانت أو غيرها.
قوله: (وبالجلد اعتدال الهواء) أي يؤخر من حده الجلد بالجلد لاعتدال الهواء أي لا حر مفرط، ولا برد مفرط خشية الهلاك.
قوله: (وأقامه الحاكم والسيد؛ إن لم يتزوج بغير ملكه بغير علمه) أي إنما يقيم الحدود الحاكم على الحر أو العبد، وكذلك السيد يقيم حد الزني والقذف والشرب على عبده أو أمته إذا ثبت عليهما ببينة أو إقرار، إن لم يتزوج الرقيق بملك غير سيده حرا كان أو رقيقا، وأما إن كان متزوجا لملك غير سيده، فلا يقيم عليه الحد إلا الإمام أو قائم مقامه، فلا يقيم السيد الحد على عبده أو أمته بمجرد علمه بسببه، بل
стр. 1612
إذا ثبت بإقرار أو بينة.
قوله: (وإن أنكرت الوطء بعد عشرين سنة، وخالفها الزوج فالحد)، إلى آخره أي ومن أقامت مع زوجها عشرين سنة ثم ثبت عليها الزني، فلما ثبت عليها أنكرت الوطء من الزوج في تلك المدة، وقال الزوج بل وطئتها فلا تصدق في عدم الإحصان بل ترجم، وهذه المسألة في كتاب النكاح الثالث من المدونة.
قوله: (وعنه في الرجل يسقط ما لم يقربه، أو يولد له. وأولا على الخلاف أو لخلاف الزوج في الأولى فقط)، أو بأنه سكت، أو بأن الثانية لم تبلغ عشرين تأويلات) أي وعن الإمام مالك رحمة الله في كتاب الرجم من المدونة فيمن تزوج امرأة وتقدم مكثه معها بعد الدخول بها فثبت عليه الزني، فقال ما جامعتها منذ دخلت بها، فإن لم يعلم وطؤه بولد أو إقرار لم يرجم، وأول القولان الواقعان في المدونة على أنهما خلاف لأنهما متعارضان لقبول قول الرجل دون المرأة أو ليس بخلاف، وإنما اختلفوا في كيفية التوفيق قال بعضهم: إنما يقبل قول الزوج لأن الزوجة لم تدع أنه وطأها ولو ادعته لكانت كالزوج ولم يقبل قول الزوجة لأن الزوج خالفها وادعى أنه وطئها، وقال بعضهم: إنما يقبل قول الزوج دونها لأن الزوج في الغالب إذا عرض له ما يمنعه من الوطء فإنه يخفيه لأنه عيب وقد يسكت عنه بخلاف الزوجة، فإن العادة إظهار ذلك من جهتها وضعف هذا الفرق لأن المرأة ساكتة هنا، وقال بعضهم: أن الطول الذي فيه قول الزوج لم يبلغ عشرين سنة ولو بلغها لم يقبل.
قوله: كالزوجة فيه تأويلات أربع.
قوله: (وإن قالت: زنيت معه، فادعى الوطء والزوجية، أو وجدا ببيت وأقرا به وادعيا النكاح أو ادعاه فصدقته هي ووليها وقالا: لم نشهد حدا) أي وإن قالت امرأة زنيت مع هذا الرجل فادعى الوطء والزوجية حدا معا، وكذلك إن وجدا في بيت أو غيره وادعيا النكاح وهما غير طارين بل بلديين وأقرا بالوطء فإنهما يحدان، لأن الأصل عدم السبب المبيح، وأما الطارين فلا حد عليهما وكذلك إن ادعى النكاح على امرأة فصدقته فيه ووليها وقالا لم نشهد أحدا.
والرجل والمرأة إذا أقرا بالوطء لأن النكاح لا يجوز إلا بعدلين.
وقوله: حدا جواب عن المسائل الثلاث.
فرع ومن تغامز مع أجنبية، أو تضاحك معها، ضرب عشرين.
стр. 1613
يريد: إذا كانت طائعة، فإن قبلها طائعة ضربا خمسين خمسين، وإن لم تكن طائعة في تقبيله ضرب هو خمسين. ومن جس امرأة ضرب أربعين، فإن طاوعته ضربت مثله. انتهى من تبصرة ابن فرحون (١).
стр. 1614
باب [في بيان أحكام القذف]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه حكم مسائل القذف هذه هي الجانية الرابعة. القذف بذال المعجمة وهو الرمي لغة والمراد به هنا قطع النسب.
قوله: (قذف المكلف) وهو مبتدأ وخبره يوجب ثمانين.
وشروط القاذف اثنان: بلوغ وعقل، سواء كان حرا أو عبدا، ذكرا أو أنثى، مسلما كان أو كافرا، والمقذوف به شيئان: نفي نسب، أو زنى.
وشروط المقذوف خمسة: أن يكون حرا، بالغا، مسلما، عاقلا، عفيفا، فإن انخرم شرط من هذه الشروط فلا حد على قاذفه، وكل الشروط ذكرها الشيخ فقال: قذف المكلف والمكلف هو البالغ العاقل (حرا مسلما)، واحترز بالحر من العبد، وبالمسلم من الكافر، فإن قاذفه لا يحد.
قوله: (بنفي نسب، عن أب، أو جد، لا أم، ولا إن نبذ، أو زنا) أي جدا لأب أي قطع نسبه عن أبيه، أو عن جده، كما إذا قال: لست من ولد فلان، ولا يحد إن نفاه عن أمه لظهور كذبه، وكذالك لا يحد إن نفى المنبوذ عن نسبه، لأن نسبه مجهول، هذا إذا نفاه قبل الاستلحقاق، وإنما يحد إذا قال له: يابن الزنا وأما إن قال له: يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية لا يحد، لأنهما مجهولان بل يؤدب. وأجمل الشيخ حيث التفصيل.
قوله: أو زنا أي وقذفه بزنا، وهو معطوف على قوله: بنفي نسب.
قوله: (إن كلف) أي إن كان المقذوف مكلفا فلا يحد قاذف غير المكلف.
قوله: (وعف عن وطء) أي وكف عن وطء يوجب الحد أي ومن شروط المقذوف بالزنى أن يكون عفيفا عن وطء يوجب الحد وإن كان غير عفيف عن الوطء الذي لا يوجب الحد كوطء بهيمة فإنه لا يوجب الحد.
قال ابن الحاجب العفيف من لا يعرف بمواضع الزنى (١) بخلاف ما ذهب إليه المصنف بأنه عفيف حتى يثبت عليه الزنا.
стр. 1615
قوله: (يوجب الحد بآلة) أي قذف المكلف حرا مسلما بالغا عاقلا عفيفا يوجب ثمانين جلدة، إن كان القاذف حرا، وإن كان عبدا فنصفه.
قوله: بآلة أي متلبسا بآلة، وهو في موضع الحال من ضمير كلف، فيكون نصا على الاحتراز من كون المقذوف مجبوبا قبل التكليف.
قوله: (وبلغ) وهو مستغنى عنه وكرره مع قوله: كلف توطية لما بعده، وهو قوله: (كإن بلغت الوطء) أي كما يحد قاذف صبية بلغت أن توطء، وإن لم تبلغ بلوغ التكليف، لأن المعرة تلحقها.
قوله: (أو مجهولا) أي ولا حد على من قذف مجهولا، لأن نسبه لا يعرف ألا ترى أنهم لا يتوارثون.
قال ابن غازي في النسخ محمولا وفسر بأنه معطوف على قوله: إن نبذ أي أو كان محمولا، ولا يخفاك ما فيه، والذي عندي أنه تصحيف، وأن صوابه أو مفعولا، كأنه قال: كإن بلغت الصبية الوطء، أو سمى القاذف الصبي مفعولا، فهو كقوله في التوضيح: الظاهر أنه إنما يشترط البلوغ في اللواط إذا كان فاعلا، وأما إذا كان مفعولا فلا، وهذا أولى من الصبية بذلك، وقاله الشيخ أبو محمد صالح وغيره. انتهى.
وهو مما تلقاه من تقاييد أئمتنا الفاسيين. انتهى من قوله (١).
قوله: (وإن ملاعنة وابنها) أي وإن كان المقذوف ملاعنة ومن قذفها بالزني فإنه يحد، لأن زناها لم يثبت، وكذلك من قذف ابن الملاعنة فقال له: يابن الزانية، فإنه يحد، لأنه قذف أمه.
قوله: (أو عرض غير أب، إن أفهم) قال في الرسالة: وفي التعريض الحد (٢)، وهذا إذا أفهم التعريض القذف بنفي النسب أو الزنى، وأما إن لم يفهم فلا حد، والتعريض في القذف كالتصريح بخلاف المعتدة والمصرف، فإن التعريض يجوز فيهما، وأما تعريض الأب فلا حد فيه لنفي التهمة.
فرع في النوادر قال مالك: إن شتمه جده أو عمه أو خاله فلا شيء عليه، إن كان تأديبا، ولم ير الأخ مثلهم. انتهى من الذخيرة (٣).