الوطء، خص العتق بالذكر إذ يحصل من الزوجين به الإحصان، وأما البلوغ والإسلام قد لا يحصل بهما.
قوله: (وغرب الحر الذكر فقط عاما، وأجره عليه. وإن لم يكن له مال فمن بيت المال) أي وإذا جلد البكر الحر الذكر مائة، فإنه يغرب عن بلده عاما كاملا واحترز بالذكر من الأنثى، فإنها لا تغرب إذ في تغريبها مضرة أخرى لعدم الولي، أو الرفقة المأمونة أو لضرر الولي بخروجه معها واحترز بالحر من العبد، فإنه لا يغرب لحق السيد ومؤنة خروجه إلى حيث يغرب إليه ونفقته من ماله، وإن لم يكن له مال فمن بيت المال، فإن لم يكن بيت المال أو كان ولم يوجد فعلى المسلمين، انظر فإن زنى حيث غرب إليه، هل يغرب إلى بلد آخر أو لا لأنه غريب.
قوله: (كفدك، وخيبر من المدينة، فيسجن سنة. وإن عاد أخرج ثانية) مثالان لبعد ما يغرب إليه الزاني بينهما وبين المدينة يومان فيسجن هناك سنة كاملة، ولا يقيد إلا إذا خيف هروبه، فإن تمت السنة أخرج من السجن وإن عاد إلى الزنا بعد ذلك غرب ثانية، ويحتمل وإن عاد إلى الموضع الذي أخرج منه قبل تمام السنة أخرج ثانية، وقال الشيخ: أخرج ولم يقل أعيد تنبيها على أنه ليس بشرط أن يعاد إلى الموضع الذي غرب إليه أو لا، بل يجوز أن يغرب إلى غيره.
قوله: (وتؤخر المتزوجة لحيضة) أي وتؤخر المتزوجة التي ثبت عليها الزنى بإقرار أو بينة في الرجم إلى أن تحيض حيضة واحدة للاستبراء لحق الزوج، إذ لعل بها حمل، وهذا احد المسائل التي تستبرأ بها الحرة بحيضة، وثانيها المرتدة وثالثها الملاعنة، وهذا في المتزوجة، وأما غير المتزوجة فلا يؤخر إلا إذا تخلق الولد، فإنها تؤخر لحق الولد متزوجة كانت أو غيرها.
قوله: (وبالجلد اعتدال الهواء) أي يؤخر من حده الجلد بالجلد لاعتدال الهواء أي لا حر مفرط، ولا برد مفرط خشية الهلاك.
قوله: (وأقامه الحاكم والسيد؛ إن لم يتزوج بغير ملكه بغير علمه) أي إنما يقيم الحدود الحاكم على الحر أو العبد، وكذلك السيد يقيم حد الزني والقذف والشرب على عبده أو أمته إذا ثبت عليهما ببينة أو إقرار، إن لم يتزوج الرقيق بملك غير سيده حرا كان أو رقيقا، وأما إن كان متزوجا لملك غير سيده، فلا يقيم عليه الحد إلا الإمام أو قائم مقامه، فلا يقيم السيد الحد على عبده أو أمته بمجرد علمه بسببه، بل
стр. 1612
إذا ثبت بإقرار أو بينة.
قوله: (وإن أنكرت الوطء بعد عشرين سنة، وخالفها الزوج فالحد)، إلى آخره أي ومن أقامت مع زوجها عشرين سنة ثم ثبت عليها الزني، فلما ثبت عليها أنكرت الوطء من الزوج في تلك المدة، وقال الزوج بل وطئتها فلا تصدق في عدم الإحصان بل ترجم، وهذه المسألة في كتاب النكاح الثالث من المدونة.
قوله: (وعنه في الرجل يسقط ما لم يقربه، أو يولد له. وأولا على الخلاف أو لخلاف الزوج في الأولى فقط)، أو بأنه سكت، أو بأن الثانية لم تبلغ عشرين تأويلات) أي وعن الإمام مالك رحمة الله في كتاب الرجم من المدونة فيمن تزوج امرأة وتقدم مكثه معها بعد الدخول بها فثبت عليه الزني، فقال ما جامعتها منذ دخلت بها، فإن لم يعلم وطؤه بولد أو إقرار لم يرجم، وأول القولان الواقعان في المدونة على أنهما خلاف لأنهما متعارضان لقبول قول الرجل دون المرأة أو ليس بخلاف، وإنما اختلفوا في كيفية التوفيق قال بعضهم: إنما يقبل قول الزوج لأن الزوجة لم تدع أنه وطأها ولو ادعته لكانت كالزوج ولم يقبل قول الزوجة لأن الزوج خالفها وادعى أنه وطئها، وقال بعضهم: إنما يقبل قول الزوج دونها لأن الزوج في الغالب إذا عرض له ما يمنعه من الوطء فإنه يخفيه لأنه عيب وقد يسكت عنه بخلاف الزوجة، فإن العادة إظهار ذلك من جهتها وضعف هذا الفرق لأن المرأة ساكتة هنا، وقال بعضهم: أن الطول الذي فيه قول الزوج لم يبلغ عشرين سنة ولو بلغها لم يقبل.
قوله: كالزوجة فيه تأويلات أربع.
قوله: (وإن قالت: زنيت معه، فادعى الوطء والزوجية، أو وجدا ببيت وأقرا به وادعيا النكاح أو ادعاه فصدقته هي ووليها وقالا: لم نشهد حدا) أي وإن قالت امرأة زنيت مع هذا الرجل فادعى الوطء والزوجية حدا معا، وكذلك إن وجدا في بيت أو غيره وادعيا النكاح وهما غير طارين بل بلديين وأقرا بالوطء فإنهما يحدان، لأن الأصل عدم السبب المبيح، وأما الطارين فلا حد عليهما وكذلك إن ادعى النكاح على امرأة فصدقته فيه ووليها وقالا لم نشهد أحدا.
والرجل والمرأة إذا أقرا بالوطء لأن النكاح لا يجوز إلا بعدلين.
وقوله: حدا جواب عن المسائل الثلاث.
فرع ومن تغامز مع أجنبية، أو تضاحك معها، ضرب عشرين.
стр. 1613
يريد: إذا كانت طائعة، فإن قبلها طائعة ضربا خمسين خمسين، وإن لم تكن طائعة في تقبيله ضرب هو خمسين. ومن جس امرأة ضرب أربعين، فإن طاوعته ضربت مثله. انتهى من تبصرة ابن فرحون (١).
стр. 1614
باب [في بيان أحكام القذف]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه حكم مسائل القذف هذه هي الجانية الرابعة. القذف بذال المعجمة وهو الرمي لغة والمراد به هنا قطع النسب.
قوله: (قذف المكلف) وهو مبتدأ وخبره يوجب ثمانين.
وشروط القاذف اثنان: بلوغ وعقل، سواء كان حرا أو عبدا، ذكرا أو أنثى، مسلما كان أو كافرا، والمقذوف به شيئان: نفي نسب، أو زنى.
وشروط المقذوف خمسة: أن يكون حرا، بالغا، مسلما، عاقلا، عفيفا، فإن انخرم شرط من هذه الشروط فلا حد على قاذفه، وكل الشروط ذكرها الشيخ فقال: قذف المكلف والمكلف هو البالغ العاقل (حرا مسلما)، واحترز بالحر من العبد، وبالمسلم من الكافر، فإن قاذفه لا يحد.
قوله: (بنفي نسب، عن أب، أو جد، لا أم، ولا إن نبذ، أو زنا) أي جدا لأب أي قطع نسبه عن أبيه، أو عن جده، كما إذا قال: لست من ولد فلان، ولا يحد إن نفاه عن أمه لظهور كذبه، وكذالك لا يحد إن نفى المنبوذ عن نسبه، لأن نسبه مجهول، هذا إذا نفاه قبل الاستلحقاق، وإنما يحد إذا قال له: يابن الزنا وأما إن قال له: يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية لا يحد، لأنهما مجهولان بل يؤدب. وأجمل الشيخ حيث التفصيل.
قوله: أو زنا أي وقذفه بزنا، وهو معطوف على قوله: بنفي نسب.
قوله: (إن كلف) أي إن كان المقذوف مكلفا فلا يحد قاذف غير المكلف.
قوله: (وعف عن وطء) أي وكف عن وطء يوجب الحد أي ومن شروط المقذوف بالزنى أن يكون عفيفا عن وطء يوجب الحد وإن كان غير عفيف عن الوطء الذي لا يوجب الحد كوطء بهيمة فإنه لا يوجب الحد.
قال ابن الحاجب العفيف من لا يعرف بمواضع الزنى (١) بخلاف ما ذهب إليه المصنف بأنه عفيف حتى يثبت عليه الزنا.
стр. 1615
قوله: (يوجب الحد بآلة) أي قذف المكلف حرا مسلما بالغا عاقلا عفيفا يوجب ثمانين جلدة، إن كان القاذف حرا، وإن كان عبدا فنصفه.
قوله: بآلة أي متلبسا بآلة، وهو في موضع الحال من ضمير كلف، فيكون نصا على الاحتراز من كون المقذوف مجبوبا قبل التكليف.
قوله: (وبلغ) وهو مستغنى عنه وكرره مع قوله: كلف توطية لما بعده، وهو قوله: (كإن بلغت الوطء) أي كما يحد قاذف صبية بلغت أن توطء، وإن لم تبلغ بلوغ التكليف، لأن المعرة تلحقها.
قوله: (أو مجهولا) أي ولا حد على من قذف مجهولا، لأن نسبه لا يعرف ألا ترى أنهم لا يتوارثون.
قال ابن غازي في النسخ محمولا وفسر بأنه معطوف على قوله: إن نبذ أي أو كان محمولا، ولا يخفاك ما فيه، والذي عندي أنه تصحيف، وأن صوابه أو مفعولا، كأنه قال: كإن بلغت الصبية الوطء، أو سمى القاذف الصبي مفعولا، فهو كقوله في التوضيح: الظاهر أنه إنما يشترط البلوغ في اللواط إذا كان فاعلا، وأما إذا كان مفعولا فلا، وهذا أولى من الصبية بذلك، وقاله الشيخ أبو محمد صالح وغيره. انتهى.
وهو مما تلقاه من تقاييد أئمتنا الفاسيين. انتهى من قوله (١).
قوله: (وإن ملاعنة وابنها) أي وإن كان المقذوف ملاعنة ومن قذفها بالزني فإنه يحد، لأن زناها لم يثبت، وكذلك من قذف ابن الملاعنة فقال له: يابن الزانية، فإنه يحد، لأنه قذف أمه.
قوله: (أو عرض غير أب، إن أفهم) قال في الرسالة: وفي التعريض الحد (٢)، وهذا إذا أفهم التعريض القذف بنفي النسب أو الزنى، وأما إن لم يفهم فلا حد، والتعريض في القذف كالتصريح بخلاف المعتدة والمصرف، فإن التعريض يجوز فيهما، وأما تعريض الأب فلا حد فيه لنفي التهمة.
فرع في النوادر قال مالك: إن شتمه جده أو عمه أو خاله فلا شيء عليه، إن كان تأديبا، ولم ير الأخ مثلهم. انتهى من الذخيرة (٣).
стр. 1616
قوله: (يوجب ثمانين جلدة، وإن كرر لواحد أو جماعة) وهذا خبر عن قوله: قذف المكلف أي قذف المكلف وهو من باب إضافة المصدر إلى الفاعل أي يوجب قذف المكلف لغيره ثمانين جلدة وإن كرر القذف لشخص واحد وله نظائر كتعدد الأحداث في الطهارة الصغرى والكبرى، وغير ذلك مما هو مبسوط في كتب الفقه، وكذلك إن كرر القذف لجماعة، فإنه يحد لهم ثمانين جلدة لا غير، وهذا هو مذهب المدونة، وقيل: يحد بعدد من قذف، وقيل: إن قاموا عليه دفعة واحدة فحد واحد، وإن قاموا واحدا بعد واحد حد لكل واحد نقله اللخمي عن المغيرة، واختاره ابن رشد.
قوله: (إلا بعده) أي إلا أن يكون التكرار بعد إقامة الحد عليه فإنه يحد.
قوله: (ونصفه على العبد) أي ونصف الثمانين على العبد، وقيل هذا إذا قذف العبد، وأما إن قذف حرا فعليه الثمانين.
قوله: (كلست بزان، أو زنت عينك أو مكرهة، أو عفيف الفرج، أو لعربي ما أنت بحر، أو يا رومي) هذا مثال للتعريض أي وإن قال لمنازعه لست بزان، فإنه يحد كأنه قال: أنت زان وأما أنا فلست بزان، وكذلك إن قاله له: زنت عينك أو يدك أو رجلك فإنه يحد عن ابن القاسم لأنه تعريض، قال أشهب: لا يحد واختاره جماعة واختلف فيمن قال لرجل: يا ابن الزانية، فقال الآخر: أخزى الله ابن الزانية.
فقال ابن القاسم: يحلف بالله ما أراد قذفا، وإن لم يحلف سجن حتى يحلف، وقال أصبغ: تعريض يحدان جميعا. انتهى (١).
وكذلك إن قال لامرأة: زنيت مكرهة، فإنه يحد، لأن الأصل عدم الإكراه، إلا أن يقيم البينة على الإكراه فلا يحد وهو مذهب المدونة، وكذلك إن قال له أنا عفيف الفرج، وأنت عفيف الفرج، فإنه يحد، وإن لم يذكر الفرج فقال: أنا عفيف، وأنت عفيف، حلف القائل أنه لم يرد القذف فيسقط عند الحد، وكذلك إن قال لعربي: ما أنت بحر، لأنه نفاه عن نسبه، لأن العرب أحرار، والعرب أولاد قحطان وعدنان، وكذلك يحد إذا قال لعربي: يا رومي، أو يا فارسي، لأنه نفاه عن نسبه.
قوله: (كأن نسبه لعمه، بخلاف جده) يريد أن من قذف شخصا انت ابن فلان عمه، فإنه يحد، لأنه قذف أمه بخلاف إذا نسبه لجده، فإنه لا يحد، سواء كان الجد
стр. 1617
لأب أو الأم، لأن الجد والد.
قوله: (وكأن قال: أنا نغل، أو ولد زنا أو كيا قحبة، أو قرنان، أو يابن منزلة الركبان، أو ذات الراية، أو فعلت بها في عكنها) أي وإن قال شخص أنا نغل أو قال أنا ولد زني أي فإنه يحد لأنه قذف أمه، والنغل بكسر الغين المعجمة الفاسد النسب، وقيل هو ولد الزانية، وكذلك لو قال لرجل يا نغل فإنه يحد، وكذلك إن قال لامرأة يا قحبة، فإنه يحد إذ كأنه قال لها يا زانية. القحبة هي الزانية، وكذلك إن قال لرجل: يا قرنان، فإنه يحد، لأنه قذف زوجته، لأن القرنان زوج الزانية، عند الناس، وإن قال له يا قران حلف أنه ما أراد به الفاحشة برئ من الحد، وإلا حد، والفرق بينه وبين قرنان، أن قران يستعمل فيما يغلب إقرانه، قال اللخمي: إذا قال يا قرنان ولا زوجة له عوقب الرجل، وإن كانت له زوجة عوقب له وحد للزوجة. انتهى.
وكذلك يحد إن قال: يا ابن منزلة الركبان، أو يا ابن ذات الراية، فإنه يحد لأنه المريدة للفاحشة في الجاهلية، تنزل الركبان، والمعروفة بالزني تنصب لها الراية ببابها، وكذلك يحد إن قال: فعلت بامرأتي في عكنها. انتهى.
ومن قال لابن أمة أو كتابية: يا ابن الزانية فلا حد عليه، ولو قال: يا ابن زانية لحد، والفرق بينهما أن لفظ الثاني نفي له من نسبه وإضافته إلى فعل لا يلحق الولد فيه، والقول الأول قذف لأمه لا نفي لنسبه.
قوله: (لا إن نسب جنسا لغيره ولو أبيض لأسود إن لم يكن من العرب. أو قال مولى لغيره: أنا خير، أو مالك أصل ولا فصل، أو قال لجماعة: أحدكم زان) أي لا يحد إن نسب شخصا غير عربي لجنس غيره، كما إذا قال لروم يا نوبى، أو يا بربري، أو يا مجوسي، فإنه لا يحد، ولو نسب أبيض لأسود، وكذلك لا يحد مولى قال لغيره (١): أنا خير منك، لأن وجوه الأفضلية كثيرة وتكون في الدين أو العلم أو البصر أو الخلق أو غير ذلك.
وفي "البيان": إن قال له أنا خير منك نسبا حد، وإن قال: حسبا أدب (٢).
وقال مطرف وعبد الملك يحد، وكأنه قال له: لست من العرب، وكذلك لا يحد إن قال له: مالك أصل ولا فصل قاله مالك، وكأنه رآ أن المقصود نفي الشرف.
стр. 1618
وقال أصبغ: يحد، وهو ظاهر اللفظ، إذ أصل الشخص أبوه وقد نفاه عنه، وقيل: إن كان من العرب حد وإلا فلا، وكذلك لا يحد من قال لجماعة: أحدكم زان قاله محمد. سواء أقام عليه الجميع أم لا، واستبعده ابن رشد مع قيام الجميع بالعلم بأنه قاله لأحدهم قال: ووجهه على بعده أن المقذوف لم يعرف من هو، لم يحصل لواحد منهم معرة والحد هو إسقاط للمعرة. انتهى.
قوله: (وحد في مأبون) أي وحد قائل لغيره يا مأبون، (إن كان) المقذوف (لا يتأنث)، والتأنث أن يتشبه بالنساء ويتكلفه بالتأنيث، وإن كان يتأنث فلا يحد. المأبون: ضعيف العقل، وقال صاحب الذخيرة: داء في الدبر يبعث صاحبه لطلب ما يحك به ذلك الموضع، وقد اشتهر في اللواط في المفعول به (١)، ولذلك يحد قائله.
قوله: (وفي يا ابن النصراني، أو الأزرق إن لم يكن في آبائه كذلك) أي وكذلك يحد القائل لمنازعه: يا ابن النصراني، أو يا ابن اليهود، أو يا ابن الصابئي، أو يا ابن المجوسي، أو الأزرق، وإن لم يكن في آباء المقذوف من هو كذلك، وأما إن كان في آبائه من هو كذلك فلا يحد، وكذلك يحد إن قال له: يا ابن الأسود، أو الأعور، أو الأعرج، أو الأحمق، وليس في آبائه من هو كذلك، لأنه حمل غير أبيه على أمه، واختلف إذا قال له: يا بن الحجام، أو يا ابن الحائك، وليس من آبائه من يعمل ذلك، فروى ابن القاسم عن مالك في المدونة أنه يحد إن كان المقول له من العرب، وإن كان من الموالي لا يحد.
قوله: (وفي مخنث؛ إن لم يحلف) أي وكذلك يحد من قال لرجل: يا مخنث إلا أن يحلف أنه لم يرد قذفه بذلك فيعاقب، وحيث سقط الحد في الفروع كلها ففيها الأدب ومن آذى مسلما أدب.
ابن فتوح: فإن قال يا لوطي ثم زعم أنه إنما أراد أنه على دين قوم لوط وأنه لم أرد به فاحشة ولا قذفا فإنه يحلف على ذلك ويبرأ لقوله ﷺ : ﴿ادرءوا الحدود بالشبهات﴾ (٢).
стр. 1619
ابن عات: لم يكن هذا في قذف المدونة وهو قول سحنون عن بعض الرواة.
قلت: الصواب حده، لأن هذا اللفظ اشتهر في إثبات الفاحشة وهي إتيان الذكر حتى لا يكاد يعرف غيره. انتهى من البرزلي (١).
وسئل أبو محمد عن قول ابن القاسم: إن على سامع القاذف الذي يأتي إلى المقذوف فيعلمه، أليس هذا من باب النميمة ونحوها؟
فقال: لا، لأنه شاهد وقال ﷺ : «خير الشهود الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها» (٢).
قلت: هل يكون مأجورا في التبليغ مأثوما في الترك؟
فقال: إن أراد بالتبليغ وجه الله فهو مأجور وإن أراد التخلف عنها مأثوما. انتهى من البرزلي (٣).
قوله: (وأدب في يا ابن الفاسقة، أو الفاجرة، أو يا حمار يا ابن الحمار، أو أنا عفيف، أو إنك عنيفة، أويا فاسق، أويا فاجر) أي وأدب في قوله: يا ابن الفاسقة. لما فرغ تحلله مما يحد فيه القاذف، شرع يذكر ما يؤدب فيه أي أدب القائل لغيره يا ابن الفاسقة، أو يا ابن الفاجرة.
والفسق الخروج عن الطاعة. والفجور الميل عن الحق، ومن آذا مسلما أدب وإن لم يقم به، وكذلك يؤبد إن قال له: يا حمار يا ابن الحمار، أو يا ثور ابن ثور، أو يا خنزير ابن الخنزير، وكذلك يؤدب إذا قال لمنازعه أنا عفيف، ولم يذكر الفرج، وأما إن ذكر الفرج فإنه يحد كما تقدم، وكذلك إن قال لامرأة: أنت عفيفة، ولم يذكر الفرج، فإنه يؤدب، وأما إن ذكره فإنه يحد، وكذلك إن قال له يا يهودي أو يا نصراني وكذلك يؤدب إن قال: يا فاسق أو يا فاجر.
قوله: (وإن قالت: «بك»، جوابا لزنيت حدت للزنا والقدف) أي وإن قال رجل لامرأة زنيت، فقالت جوابا له بك زنيت، فإنها تحد للزني لأنها أقرت به، وبالقذف لأنها قذفته.
стр. 1620
قوله: (وله حد أبيه وفسق) أي وللمقذوف حد أبيه إذا قذفه تصريحا لا تعريضا، ولكن إن حده حكم بفسقه، ولا تقبل له شهادة إن حلف أباه، وأحرى إن حده، واعترض في تفسيقه بالفسق، بأن الفسق يدل على المعصية، والمعصية لا يمكن منها، وأجيب بأنه إنما ترك المروءة.
قوله: (والقيام به، وإن علمه من نفسه، كوارثه: وإن بعد موته) أي وللمقذوف القيام بالحد، وإن علم الفعل من نفسه إن كان حيا كما لوارثه القيام به إن مات، وله الترك وإن قذف بعد الموت، وأحرى إن قذف قبل الموت، يريد إلا أن يعفو الميت، فليس للوارث حينئذ القيام به، وإلا فله القيام، وله الترك، إلا أن يوصي الميت بالقيام به فليس للوارث حينئذ الترك. انتهى.
قوله: (من ولد وولده، وأب، وأبيه، ولكل القيام. وإن حصل من هو أقرب) أي وهذا تبيين من له القيام من الورثة، ولكل من الأولياء القيام بالحد، وإن حصل معه من هو أقرب منه إلى المقذوف، فيكون لولد الولد القيام مع حصول أبيه.
قوله: (والعفو قبل الإمام، أو بعده: إن أراد سترا) أي وللمقذوف العفو عن القاذف قبل الوصول إلى الإمام، لأنه حقه، واختلف هل فيه حق الله أم لا، وكذلك له العفو عن قاذفه بعد بلوغ الإمام، إن أراد سترا على نفسه، كما إذا خاف أن يثبت ذلك عليه.
وفيها: إن عفا عنه على أنه متى شاء قام بحده وكتب بذلك كتابا وأشهد به فذلك له متى قام به، فإن مات كان لولده القيام بذلك الكتاب.
قال شيخنا: معناه إن رضي القاذف بالتأخير وإلا فله ألا يقبل.
قلت: لأنه حق وجب له فله ألا يؤخره، كما إذا وجبت عليه يمين، وقد تقدمت، أو أن له حقا في طهارة نفسه، لقوله: «الحدود كفارة لأهلها» (١). انتهى من
стр. 1621
برزلي (١).
قوله: (وإن قذف في الحد ابتدئ لهما، إلا أن يبقى يسير، فيكمل الأول) أي وإذا حد القاذف فقذف في أثناء الحد، ابتدئ الحد للقذفين، إلا إذا لم يبق من الحد إلا يسير كخمسة عشر سوطا، فإنه يكمل ويبتدئ الثاني.
стр. 1622
باب [في أحكام السرقة وما يتعلق بها]
قوله: (باب) هذه الجناية الخامسة أي هذا باب يذكر فيه أحكام السرقة. السرقة أخذ مال خفية من غير أن يؤتمن عليها السارق والسرقة اسم، والسرق بفتح الراء مصدر كسرقا.
قوله: (تقطع اليمنى، وتحسم بالنار، إلا لشلل، أو نقص أكثر الأصابع) أي فإن سرق ما فيه نصاب القطع وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم، فإن يمينه تقطع لأنها الجانية، ظاهره وإن كان أعسر خلافا اللخمي، ثم تحسم بالنار أي تكوى إلا أن يكون باليمنى شلل أو نقصت أكثر من أصبع واحد.
قيل: (١)
يد بخمس مئين من عسجد فديت … ما بالها قطعت في ربع دينار
وأجيب لما كانت أمينة كانت ثمينة، ولما خانت هانت وأنظر حكمة الباري. والإجماع على تبدئة اليمنى.
قوله: (فرجله اليسرى) أي فإن عدمت اليمنى بقطع من قصاص، أو سماوي، أو غيره أو كانت شلاء، أو نقصت أكثر من أصبع واحد، فإنه تقطع رجله اليسرى، وهو المشهور، وهو المرجوع عنه وبه أخذ ابن القاسم.
قوله: (ومحى ليده اليسرى) أي ومحى مالك الله القول بالقطع في الرجل
стр. 1623
اليسرى لأجل قطع اليد اليسرى لاختياره القطع فيها، والمحو الرجوع عن الشيء وإبطال حكمه. انتهى.
وممحوات المدونة أربع: مسألة الأضحية، ومسألة الأيمان إذا حلف أن لا يكسوا زوجته، فافتك لها ثيابها من الرهن ومسألة النكاح، ومسألة هذا الباب.
قوله: (ثم يده، ثم رجله، ثم عذر وحبس) أي فإن سرق بعد أن قطعت رجله اليسرى، انتقل الحكم في القطع إلى اليد اليسرى، فإن سرق أيضا، فرجله اليمنى. فالسارق إن كانت أعضاؤه الأربعة سليمة بدئ باليد اليمنى ثم رجله اليسرى، ثم إن سرق فاليد اليسرى، ثم إن سرق فرجله اليمنى، فإن سرق بعد قطع الأعضاء الأربعة نكل وحبس ظاهره أبدا، وقيل: يقتل وهو قول أبي مصعب.
قوله: (وإن تعمد إمام أو غيره يسراه أولا فالقود، والحد باق) أي وإن تعمد الإمام أو غيره قطع يد السارق اليسرى أولا، فالواجب للسارق على الإمام أو غيره القاطع القصاص في يده، والحد على السارق باق، فتقطع يمناه فكان القطع في يد واحدة وصار في هذا الفرع قطع ثلاث أياد يد الإمام ويدي السارق.
قوله: (وخطأ أجزأ) أي وإن قطع الإمام أو غيره يد السارق اليسرى خطأ أجزء عن الحد، قال فيها ولا شيء على القاطع واستشكل، واعترض لأنه إن كان الابتداء باليمنى هو الواجب، فما الفرق بين العمد فيكون فيه القصاص، والخطأ فتكون فيه الدية، وإن كان البداية بها استحبابا. فما الفرق أيضا.
قوله: (فرجله اليمنى، بسرقة طفل من حرز مثله) أي فإذا قلنا بالإجزاء فسرق مرة أخرى، فإن رجله اليمنى تقطع بعد ذلك.
قوله: بسرقة طفل متعلق بتقطع اليمنى بسبب سرقته يعني طفلا حرا أخذ من حرز مثله، وكذلك إذا كان معه من يحفظه، ونبه بقوله: طفل على أن السرقة لا تختص بالمال، كما قال في المدونة ومن سرق صبيا حرا أو عبدا من حرز مثله قطع (١).
قوله: (أو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم خالصة، أو ما يساويها) أي تقطع اليمنى بسرقة ربع دينار خالصا وإن لم يكن يساوي ثلاثة دراهم، أو سرقة ثلاثة دراهم وإن لم
стр. 1624
تساوي ربع دينار، وتكون الدراهم خلاصة إلا أن يكون غش ربع دينار أو غش الدراهم الثلاثة قليل فإنه لا يعتبر.
قوله: ربع دينار ظاهره وإن سرقه من السارق فإنهما يقطعان، وظاهره وإن كان لمالكين، وظاهره وإن قطع فيه قبل ذلك، فإن سرقه أيضا قطع، وذلك كله نص عليه في المدونة. انتهى.
فسوى الشرع بين سرقة دينار وسرقة ألف دينار، وشارب قطرة من الخمر، وشارب جرة في الحد مع اختلاف مفاسدهما حدا وعقوبة الحر والعبد سواء مع أن حرمة الحر أعظم لجلالة مقداره. بدليل رجم المحصن دون البكر لعظم مقداره. مع أن العبيد إنما ساوت الأحرار في السرفة، والحرابة لتعذر التجزئة بخلاف الجلد، واستوى الجرح اللطيف الساري للنفس، والعظيم في القصاص مع تفاوتهما، وقتل العالم الصالح التقي الشجاع البطل مع الوضيع. انتهى من أنوار البروق للقرافي (١).
وكذلك يقطع إن سرق متاعا مساويا قيمته ثلاثة دراهم، وإن لم تساو ربع دينار، إنما يقوم غير العين بالدراهم، لأنها تقوم بها الأشياء القليلة والكثيرة.
قوله: (بالبلد) أي قيمة ثلاثة دراهم بالبلد المسروق فيه لا غيره، وقول من قال إن لم تكن فيها دراهم فأقرب البلاد إليه خطأ صريح بل تقوم بالدراهم في البلد تقديرا، فيقال: يساوي هذا ثلاثة دراهم فضة لو كانت.
قوله: (شرعا) أي لا يعتبر في المقوم إلا أن يكون الانتفاع به انتفاعا شرعيا، فلو سرق حماما عرف بالسبق، أو طائرا عرف بالإجابة إذا دعي، قوم على أنه ليس ذلك فيه، ويقوم الحمام المراد لحمل الكتاب على ما هو عليه.
قوله: (وإن كماء) أي إذا بلغ المسروق نصابا، فإنه يقطع وإن كان ماء أو حطبا أو كلاء، بل كل مباح إن حيز وكان في حوز مثله، نبه بهذا خلافا لأبي حنيفة رحمه اللاه فإنه قال: لا يقطع من سرق ما كان في أصله مباحا.
قوله: (أو جارح لتعليمه، أو جلده بعد ذبحه) أي وكذلك يقطع سارق جارح لأجل التعليم الذي فيه، أو لأجل جلده بعد ذبحه، والجلد معطوف على قوله: لتعليمه. قوله: (أو جلد ميتة، إن زاد دبغه نصابا) وهو معطوف على جارح نفسه لتعليمه فأعلمه أي ويقطع سارق جلد ميتة بعد دبغه، إن زاد الدبغ نصابا وإلا فلا يقطع.
стр. 1625
قوله: (أو ظنا قلوسا، أو الثوب فارضا) أي وكذلك يقط السارق إذا سرق ذهبا أو فضة ظنا منه أنه فلوس فوجدها ذهبا أو فضة، فلا ينفعه ظنه أنه فلوس لم تبلغ قيمتها نصابا بل يقطع، وكذلك إذا سرق ثوبا مثلا ظنا منه أنه فارغ، فإذا فيه نصاب من العين ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما قيمته ثلاثة دراهم كحرير أو غيره، فإنه يقطع ولا عبرة بظنه، وقيده اللخمي بأن لا يكون الثوب خلقا، فإن كان خلقا وادعى أنه لم يعلم بما فيه فذلك شبهة فيحلف ويدرء عنه الحد أخذه ليلا أو نهارا.
قوله: (أو شركة صبي) أي وكذلك يقطع المكلف إذا شركه صبي في السرقة، إذ لا شبهة للصبي في ذلك، وإنما لم يقطع لأنه غير مكلف. قوله: (لا أب) أي لا يقطع شريك أب في سرقة، لأن للأب الشبهة في المال. قوله: (ولا طير الإجابته) أي ولا يقطع سارق طير متخذ لأجل إجابته، واحترز من هذا بقوله: شرعا.
قوله: (ولا إن تكمل بمرار في ليلة) أي فلا يقطع إذا أخرج النصاب من الحرز إن كان إخراجه ذلك في مرات وهو قول أشهب. وقال سحنون: إن كان في فور واحد قطع وهذه حيلة منه.
قوله: (أو اشتركا في حمل إن استقل كل، ولم يتبه نصاب) أي وكذلك لا قطع على السارقين إذا أشركا في حمل النصاب الذي سرقاه إن استقل أي إن استطاع كل منهما على حمله، مفهومه إن لم يستقل كل منهما على حمله قطعا والمفهوم صحيح، وكذلك يقطع إذا نابه نصاب القطع من المحمول.
قوله: (ملك غير) أي يقطع سارق ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو مساويها ملك غره احترازا مما إذا سرق ملكه كما سيذكره.
قوله: (ولو كذبه ربه) أي يقطه السارق إذا ثبتت السرقة ولو كذهب رب الشيء المسروق لحق الله تعالى، وأما المال المسروق، فإنه يبقى بيد السارق إلا أن يرجع فيدعيه.
قوله: (أو أخذ ليلا وادعى الإرسال، وصدق إن أشبه).
قال في المدونة: ومن سرق متاعا لرجل، وقال رب المتاع: أرسلني، فليقطع وإن صدقه ربه أنه بعثه، كأن معه في البلد أو لم يكن، وإن أخذ في جوف الليل ومعه متاع فقال: فلان أرسلني إلى منزله آخذ منه هذا المتاع، فإن عرف منه إليه
стр. 1626
انقطاع وأشبه ما قال لم يقطع كما إذا دخل مدخل الناس، وخرج مخرجهم في وقت يشبه، أو كان ممن يمكن إرساله، وإن لم يدخل مدخل الناس ولا خرج من مخرجهم ولا أشبه ما قال، قطع (١).
قوله: (لا ملكه من مرتهن ومستأجر) أي لا يقطع إن سرق ملكه، كما إذا أرهن شيئا ثم سرقه، أو أودع متاعا فسرقه، أو استأجر شيئا لرجل ثم سرقه منه. وشروط المال المسروق أن يكون نصابا بعد خروجه مملوكا لغير السارق ملكا محترما تاما لا شبهة له فيه محرزا مخرجا منه إلى ما ليس بحرز له استسرارا. انتهى من الجواهر الحسان (٢).
قوله: (كملكه قبل خروجه) أي كما لا يقطع السارق إذا ملك المسروق قبل الخروج به من الحرز، كما إذا مات رب المسروق، والسارق وورثه قبل الخروج به من الحرز، أو وهبه له أو تصدق به عليه.
قوله: (محترم، لا خمر، وطنبور، إلا أن يساوي بعد كسره نصابا، ولا كلب مطلقا، وأضحية بعد ذبحها) أي يقطع السارق في ملك غيره إذا كان محترما، وأما إن سرق غير المحترم فلا يقطع، كما إذا سرق خمرا وإن لكافر، لأنه غير محترم، وكذلك لا يقطع من سرق طنبورا، أو غيره من آلات اللهو، إلا أن يكون ذلك مساويا بعد كسره نصابا، وكذلك لا يقطع سارق كلب مطلقا أذن له في اتخاذه أم لا، وكذلك لا يقطع سارق أضحية بعد ذبحها لأنها لا تباع، وأما قبل الذبح فإنه يقطع.
قوله: (بخلاف لحمها) أي ومن سرق لحم أضحية (من فقير) أو غيره وفيه وفاء النصاب قطع.
قوله: (تام الملك، لا شبهة له فيه) أي ومن شروط المال المسروق أن يكون ملكا تاما للمسروق منه، لا شبهة للسارق فيه، فإنه يقطع، وأما إذ كان للسارق فيه شبهة فلا يقطع، كالأب والجد ولو كان جدا لأم، وكذلك إذا كان السارق جائعا فلا يقطع، ولا شبهة أقوى من الجوع.
قوله: (وإن من بيت المال، أو الغنيمة أو مال شركة، إن حجب عنه، وسرق فوق حقه نصابا، لا الجد ولو لأم) أي ويقطع سارق النصاب، وإن كان المسروق من بيت المال،
стр. 1627
ولا يقال أنه له فيه حق ألا ترى أنه لو مات لا يورث عنه، وكذلك إذا سرق من الغنيمة قبل أن تقسم فإنه يقطع، وقيل لا يقطع وهو قول عبد الملك. انتهى.
قال شيخنا الظاهر ألا قطع عليه بالشبهة.
قال سحنون: إن سرق ما يزيد على حصته بثلاثة دراهم قطع وإلا فلا.
وقال: أما الوطء فلا حد فيه والإستيلاء ثابت. انتهى.
قوله أو مال شركة وكذلك يقطع شريك إذا سرق من مال الشركة إن حجر عنه أي منع منه، وسرق فوق حقه نصابا فإن توفر هذان الشرطان قطع وإلا فلا، ويكون الحجر على الشريك بما إذا أودعاه لرجل وقالا له: لا يأخذه أحد منا إلا بحضرة صاحبه، ويكون بما إذا كان في يد أحدهما خوفا من الآخر.
قوله: (ولا من جاحد، أو مماطل لحقه) أي وكذلك لا يقطع من سرق قدر حقه من جاحد حقا له فإن قلت: كيف يعرف جحوده.
قلت: إذا أقر بالحق بعد ذلك أو ثبت ببينة، وكذلك لا يقطع من سرق من مماطل لحقه.
قوله: (مخرج من حرز) وهذه من نعوت المسروق أي ومن شروط القطع أن يكون المسروق مخرجا من حرز وإن لم يخرج السارق ظاهره يقطع، وإن تلف قبل خروجه، هو كما إذا أخرجه من الحرز فرمى به فانكسر أو احترق، وأما إن أكل أو شرب في الحرز ما فيه نصاب، فإنه لا يقطع بل يؤدب ويغرم ولو باع المسروق من رجل في الحرز أو قضى به دينا له عليه، أو أودعه إياه، ثم خرج به الرجل من الحرز فلا قطع عليهما، إن لم يعلم الرجل أن السارق لم يخرجه من الحرز، والآخر ظانا أنه ملك السارق، وأما إن علم الرجل أنه ليس ملكا للسارق فإنه يقطع هو دون السارق.
قوله: (بأن لا يعد الواضع فيه مضيعا) وهذا تفسير للحرز أي والحرز موضع إذا وضع فيه المتاع لا يعد الواضع فيه مضيعا لذلك المتاع بالنسبة إلى السارق، ولو كان مضيعا في غيره، كما إذا أودع له دنانير فوضعها في كوة فسرقت، فإنه لا يقطع سارقها ولكن يضمنها المودع لربها، لأنه ضيعها، فرب مكان حرز بالنسبة إلى شخص دون غيره، وبالنسبة إلى متاع دون متاع.
قوله: (وإن لم يخرج هو) من الحرز يريد أن السارق إذا أخرج النصاب من
стр. 1628
الحرز، فإنه يقطع، وإن لم يخرج هو من الحرز، وهذا أحد الموضعين الذي جاء فيه لفظ شك في المدونة، قال فيها ولو أخذ من الحرز بعد أن ألقى المتاع خارجه فقد شك فيه مالك بعد أن قال: يقطع، قال ابن قاسم وأرى أن يقطع.
قوله: (أو ابتلع درا، أو ادهن بما يحصل منه نصاب) لو قال الشيخ: أو ابتلع كدراهم ليشمل الدنانير والدراهم أي ومن ابتلع ما فيه نصاب مما لا يفسد كالدنانير أو الدراهم، فإنه يقطع لأنه أخرجه من حرزه، وكذلك يقطع إذا الدهن في وسط الحرز بما فيه نصاب إذا حصل النصاب بعد إزالته وإلا فلا يقطع بل يؤدب ويغرم.
قوله: (أو أشار إلى شاة بالعلف). الشاة ليس بشرط وكذلك غيرها أي فإذا أشار إلى شاة بالعلف (فخرجت) من الحرز، فإنه يقطع وإن لم يدخل هو.
قوله: (أو اللحد) أي وكذلك يقطع سارق اللحد، والمراد باللحد غشاء القبر إذا سرق بنفسه، وأما ما فيه وهو الكفن فقد ذكره بعد هذا فلا تكرار، ويدل على هذا عطفه عليه الخباء وما فيه، وهم وإن لم يصرحوا بسرقة اللحد نفسه خصوصا فقد قالوا: القبر حرز لما فيه. انتهى من ابن غازي (١).
وأما الشارح حمله تحير فيه
قوله: (أو الخباء، أو ما فيه، أو حانوت، أو فنائهما، أو محمل، أو ظهر دابة) أى وكذلك يقطع سارق الخباء نفسه أوما فيه، لأنه حرز لنفسه ولما فيه، وكذلك يقطع من سرق في حانوة أو سرق من فناء الخباء، أو من فناء الحانوت، وكذلك يقطع من سرق ما في محمل لأنه حرز لما فيه.
المحمل بفتح الميم الأولى وكسر الثانية مركب النساء، وبالعكس محل السيف وبفتحهما مصدر، وكذلك يقطع سارق ما على ظهر الدابة كانت واقفة أم لا في ليل أو نهار.
قوله: (وإن غيب عنهن) تأكيد في الجميع، الخباء، أو الحانوة، أو فناؤهما، أو المحمل، أو ظهر الدابة.
قوله: (أو بجرين، أو ساحة دار لأجنبي إن حجر عليه، كالسفينة) أي وكذلك يقطع السارق في الجرين، وهو موضع يجفف فيه الثمر. الجرين، والمربد، والمسطح، والجرجان، والبيدر، لغات بمعنى واحد وهو الموضع الذي يجفف فيه الزرع أو
стр. 1629
الثمر، وكذلك يقطع سارق نصاب في ساحة دار لأجنبي إن حجر عليه تلك الساحة، وأما إن لم تحجر عليه فلا قطع، كما يقطع سارق ما في السفينة إن حجر عليه، وإلا فلا يقطع بل يؤدبان ويغرمان.
الساحة والعرصة والباحة بمعنى.
قوله: (أو خان للأثقال) أي وكذلك يقطع سارق في خان، لأنه حرز للأثقال، وأما السلع الخفيفة ليس حرزا لها فلا يقطع سارقها فيه.
الخان بيت واسع يجعل فيه أثقال المتاع.
قوله: (أو زوج فيما حجر عنه) أي وكذلك يقطع زوج سرق من زوجه.
الزوج يشمل الذكر والأنثى إذا سرق من موضع حجر عليه، وأما إن لم يحجر عليه فلا يقطع، وخادم الزوج كهو، وخادم الزوجة كهي، فإن سرق خادم أحدهما من متاع الآخر ما حجر عن سيده فإنه يقطع.
قوله: (أو موقف دابة) أي وكذلك يقطع سارق دابة في موقفها (لبيع أو غيره) لأن ذلك الموضع حرز لها مربوطة أم لا، وكذلك إذا سيقت للمرعى أو المبيت.
قوله: (أو قبر، أو بحر لمن رمي به لكفن) أي ويقطع سارق الكفن في القبر لأن القبر حرز لما فيه.
وكذلك يقطع من سرق كفن ميت رومي في البحر، لأجل عدم رجاء البر قبل التغير والرمي شرط، وأما من غرق في البحر وسرق ما عليه فلا يقطع سارقه، لو قال الشيخ: لككفن، ليشمل كل ما يحتاج إليه الميت، ويخرج ما لا يحتاج إليه كالكفن الزائد عن ما حده الشرع أو البسط في القبر.
قوله: (أو سفينة بمرساة) أي ومن سرق السفينة بنفسها في مرساها، فإنه يقطع لأن مرساها حرز لها ظاهره كان فيها أحد أم لا.
قوله: (أو كل شيء بحضرة صاحبه) أي ويقطع سارق كل شيء في حضرة صاحبه، نائما أو يقظانا، كان المسروق تحته أو فوقه، أو في كمه، أو جيبه، أو هو بإزائه يحرسه ليلا أو نهارا.
قوله: (أو من مطمر قرب أو قطار ونحوه) أي ويقطع سارق ما في المطمورة، إذا بلغ قيمته ثلاثة دراهم.
المطمورة حفرة تحفر في الأرض يخزن فيها الطعام، إذا كان في موضع قريب
стр. 1630
من العمارة، وكذلك يقطع سارق قطار أو ما فيه.
القطار إبل مربوطة بعضها إلى بعض، كان معها ربها أم لا، سائرة أو واقفة أو نازلة.
وكذلك الدواب إذا سيقت للمرعى وإليه أشار بقوله: ونحوه.
قوله: (أو أزال باب المسجد، أو سقفه، أو أخرج قناديله، أو حصره، أو بسطه إن تركت به) أي وكذلك يقطع سارق باب المسجد أو سقفه، إذا زال عن موضعه وإن لم يخرج به من المسجد، إذ لا موضع له إلا ذلك وقد أزاله عنه، وهذا مما لا خلاف فيه وكذلك يقطع سارق قناديل، إذا خرج بها عن المسجد، وقال أشهب: لا يقطع نظرا للأذن، ورأى مالك أن الأذن ليس من قبل المالك، وإنما هو شيء أوجبه الشرع فلا يرفع القطع، وكذلك حصر المسجد إذا خرج بها فإنه يقطع ظاهره مربوط بعضها ببعض أم لا، وظاهره سرقها ليلا ونهارا، وكذلك إذا سرق بسط المسجد، فإنه يقطع بشرط أن تكون البسط تترك في المسجد، وهكذا جاءت الرواية عن مالك الله، وظاهر كلام ابن القاسم في العتبية عدم اشتراط ذلك، إلا أنه قيد القطع بأن يكون معها صاحبها. الفرق بين هذه المسائل اختص بعضها بالإزالة وبعضها بالإخراج، لأن الباب والسقف ليس لهما موضع غير موضعها والقناديل والحصر والبسط تنقل من موضع إلى موضع.
قوله: (أو حمام إن دخل للسرقة، أو نقب أو تسور، أو بحارس لم يأذن له في تقليب. وصدق مدعي الخطإ) أي ويقطع السارق لما في الحمام من الثياب وغيرها، إن دخل لأجل السرقة لا للتحمم، وأما إن دخل للتحمم فسرق لا يقطع بل يؤدب ويغرم، لأنه خائن لا سارق، وكذلك يقطع إن نقب الحمام أو تسور من أعلاه فسرق فيهما فإنه لم يؤذن له فيه على هذا الوجه، وكذلك يقطع سارق ما في الحمام وإن كان فيه حارس سواء كان الحارس هو رب الحمام أم لا، وإنما يقطع إذا لم يأذن له الحارس في تقليب الثياب، بطلب ثوبه، وأما إن أذن له فلا يقطع إذا سرق لأنه خائن بل يغرم ويؤدب، وصدق إذا ادعى الخطأ في أخذ الثوب في الحمام، بل كل سارق يصدق إذا ادعى الخطأ، وأشبه ما قال.
قوله: (أو حمل عبدا لم يمين) أي وكذلك يقطع إن حمل عبدا صغيرا لم يميز، وإن كان أعجميا (أو خدعه) كأن يقول له: اشتريتك من سيدك.
стр. 1631
قوله: (أو أخرجه في ذي الإذن العام لمحله) أي وكذلك يقطع إن أخرج المتاع من حرز له وعن محل الإذن العام، وتكون اللام في محله بمعنى عن وهو الموافق للمشهور، وإن قلنا اللام بمعنى إلى أي إلى موضع الإذن العام فالقول الموافق له ضعيف وقد قال حمدالله مبينا لما به الفتوى وهو المتفق عليه أو الأقوى، وذو الإذن العام كدار القاضي والمفتي، والطبيب، لأن في بيوتهم موضعين موضع لإذن عام وموضع لإذن خاص. انتهى.
قوله: (لا إذن خاص كضيف مما حجر عليه، ولو خرج به من جميعه) أي لا يقطع سارق في موضع مأذون فيه لخاص من الناس، وذلك كالضعيف أو نحوه، كما إذا بعثه إلى داره ليأتيه من بعض بيوتها بمتاع، إذا سرق فيما حجر عليه من البيوت فلا يقطع، وإن خرج بالمسروق من جميع الدار لأنه خائن لا سارق، وقيل: يقطع وهو قول سحنون، وإن لم يخرج به إلى الموضع الذي أذن له فيه.
قوله: (ولا إن نقله ولم يخرجه، ولا فيما على صبي أو معه، ولا على داخل تناول منه الخارج) أي ولا يقطع السارق إذا نقل متاعا من موضع إلى موضع غيره من ذلك الحرز، إذا لم يخرجه منه، وكذلك لا يقطع سارق ما على صبي أو ما معه من حلي أو ثياب، إن لم يكن معه من يحفظه أو لم يكن في دار أهله، وإلا قطع، وكذلك لا يقطع سارق دخل الحرز فسرق منه متاعا، وتناله منه من هو خارج عن الحرز، فإنما يقطع المتناول منه إن أدخل يده في الحرز حين تناوله إياه، ولو أدخل الخارج يده وسط الحرز، فإنما يقطع المتناول منه (١) دون الداخل، ولو أخذه السارق من الحرز فتناوله من هو على الحائط، فناوله لمن هو خارج، فيقطع الداخل في الحرز والذي على الحائط، ولا يقطع من في الخارج.
قوله: (ولا إن اختلس، أو كابر) أي ولا يقطع المختلس، وهو الذي يأتي خفية في مجيئه ويرجع ظاهرا.
قال في الرسالة: ولا قطع في الخلسة (٢)، وكذلك لا يقطع إذا كابره أي جاد له، كما إذا قال له: ناولني سيفك أو رمحك مثلا، فناوله إياه فلما أخذه نازعه فيه وادعاه لنفسه لا يقطع لأنه ليس بسارق ولا محارب.
стр. 1632
قوله: (أو هرب بعد أخذه في الحرز، ولو ليأتي بمن يشهد عليه) أي ولا يقطع السارق إن هرب بعد أخذ المسروق بالمسروق في الحرز، ولو ليأتي صاحب الحرز بمن يشهد على السارق سواء فطن به السارق أم لا، لأنه لم يخرج على وجه السرقة بل هرب ظاهرا أشار بلو إلى قول أصبغ أنه يحد.
قوله: (أو أخذ دابة بباب مسجد أو سوق، أو ثوبا بعضه بالطريق) أي وكذلك لا يقطع السارق إذا أخذ دابة في باب مسجد أو باب سوق دابة، ويحتمل أو في سوق، وهذا إذا كانت في السوق لغير البيع، وأما لأجل البيع فإنه يقطع وقد تقدم، وكذلك لا يقطع إن سرق ثوبا بعضه في الحرز وبعضه في الطريق، لأنه اجتمع فيه ما فيه القطع وما لا قطع فيه، وذلك شبهة قال: «ادرءوا الحدود بالشبهات».
قوله: (أو ثمرا معلقا إلا بغلق فقولان) معلق بالثاء المثلثة وهو جمع ثمار الشجر أي ولا يقطع سارق ثمر معلق في الأشجار إلا أن يكون الشجر معلق عليه، فيكون في قطع سارقه وعدم قطعه قولان.
ومن قال بالقطع لأنه سرق من الحرز، ومن قال لا يقطع لأن الثمر جعله الله هنالك.
وفي بعض النسخ ولا كثر أي ولا يقطع سارق كثر والكثر (١) هو جمار النخل.
قوله: (وإلا بعد حصده، فثالثها إن كدس) معطوف على قوله: لا بغلق أي فإن سرق الثمر بعد حصده من الشجر، وقبل أن يصل إلى الجرين ففي قطعه ثلاثة أقوال: قيل يقطع مطلقا جمع لموضع واحد أم لا، وقيل: لا يقطع جمع أم لا، والقول الثالث بالفرق إن كدس أي جمع في موضع واحد، وضم بعضه ببعض، يقطع، وإذا كان ما زال متفرقا تحت الأشجار فلا يقطع.
ذكر ما فيه القطع من الثمار بلا خلاف وهو ما وصل إلى الجرين، وما لا قطع فيه وهو المعلق في أشجاره بغير علق عليها، وما في القطع فيه خلاف وهو إذا كانت الأشجار مغلقا عليها، أو لم يغلق عليها ولكن حصد الثمر ولم يصل إلى
стр. 1633
الجرين.
قوله: (ولا إن نقب) أي ولا قطع على من نقب الحرز (فقط) أي لم يدخل فيه لأنه لم يخرج شيئا من الحرز.
قوله: (وإن التقيا وسط النقب، أو ربطه، فجذبه الخارج) إلى (قطعا) لما ذكر تحملته حكم الداخل في الحرز، وأخرج وحكم الخارج من الحرز المتناول منه. شرع يذكر حكمهما إذا التقيا أيديهما في وسط نقب الحرز، أو ربطه الداخل فجبذه الخارج وأخرجه، فإنهما يقطعان في الصورتين، لأنهما أخرجاه معا في الحرز.
قوله: (وشرطه، التكليف، فيقطع الحر، والعبد، والمعاهد، وإن لمثلهم إلا الرقيق لسيده) لما ذكر القطع وما بسببه يكون القطع، جعل يذكر شروط السارق الذي يقطع فقال: وشرطه التكليف أي لا قطع على الصبي وإن راهق، ولا على مجنون، فبسبب ذلك يقطع الحر المكلف، والعبد، والمعاهد، والذمي أحرى وإن لمثله، والمسلم أحرى، إلا أن يكون السارق رقيقا سرق مال سيده فلا يقطع، لأن القطع إنما شرع حفظا للأموال التي تقوم بها النفوس، وفي قطع رقيقه فساد لماله ذهب المال وعضو العبد، فذلك مصيبة بعد أخرى، سوى الشرع بين سرقة ربع دينار وبين سرقة ألف، وبين حر مع جلالة مقداره بدلالة رجم المحصن وبين العبد.
والله يحكم بما شاء على من شاء لا يسأل عما يفعل وأنتم تسألون.
قوله: (وثبتت بإقرار، إن طاع، وإلا فلا ولو أخرج السرقة) أي كأنك قلت: بماذا تثبت السرقة؟ قال: تثبت بإقرار السارق في حال كونه طائعا به، وأما إن لم يكن إقراره طوعا بل مكرها فلا يقطع ولو عين السرقة، لاحتمال أنه رأى السارق يجعله في ذلك الموضع أو أودعه إياه، وإقرار المكره لا عبرة به قال تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦/ الآية] وقاس عليه العلماء الفروع.
ولابن سحنون: ولو رفع إلى القاضي رجل يعرف بالسرقة والدعارة فادعى عليه بذلك، فحبسه لاختباره، فأقر في السجن بما ادعي عليه لزمه، وهذا الحبس خارج عن الإكراه (١)، لأن فعل القاضي لازم للمسجون، وكذلك من ادعى عليه بغصب على مثل ما تقدم. انتهى من البرزلي.
стр. 1634
وقال قال رسول الله ﷺ : «لا يزال المسروق منه في تهمة من هو حتى يكون
أعظم جرما من السارق» (١). انتهى من البرزلي (٢).
وعن أصبغ فيمن كان معروفا بالسرقة والشرب أنه يسجن أبدا وهو الصواب، وذكر قصة سحنون مع ابن أبي الجواد وضربه وإعادته إلى السجن، وكان عنده أموال الأيتام وادعى هلاكها، فلم يزل يضربه من وقت إلى وقت حتى مات في السجن. انتهى.
وقوله: تحت القهر والسجن ثابت فغير مقبول. انتهى منه.
قوله: (أو عين القتيل) هذا فرع آخر، وعادة الشيوخ يذكرون فرعا ويزيدون فيه، يريد أن من اتهم بقتل رجل، فأكره حتى أخرج القتيل فلا يثبت عليه بذلك.
قوله: (وقبل رجوعه) أي وقبل رجوع السارق عن إقراره بالسرقة، كما إذا كذب نفسه، (ولو كان رجوعه بلاشبهة) خلافا لمن قال: إن رجع بما لا يشبه فلا يقبل رجوعه. وفي بعض النسخ: ولو بلا بينة.
قال ابن غازي: وتصحيف شبهة ببينة فظيع (٣).
قوله: (وإن رد اليمين فحلف الطالب، أو شهد رجل وامرأتان، أو واحد، وحلف أو أقر السيد، فالغرم بلا قطع. وإن أقر العبد فالعكس) إلى آخره أي وإن ادعى عليه السرقة فأمر بالحلف ورد اليمين على المدعي فحلف أو شهد رجل وامرأتان بالسرقة أو شهد عدل واحد بالسرقة وحلف معه الطالب، أو أقر السيد بسرقة عبده، فالغرم واجب بلا قطع في الفروع الاربعة.
قوله: (ووجب رد المال إن لم يقطع مطلقا، أو قطع، إن أيسر إليه من الأخذ) أي وحيث لم يقطع بعد تمام شروط المسروق، فإن السارق يرد المال موسرا كان أو معدما. غفل الشارح هنا غفلة عظيمة.
وكذلك يرد المال إن قطع فيه، بشرط أن يكون موسرا به من حين الأخذ إلى حين القطع، فإن تخلل بينهما عسر لم يتبع به.
стр. 1635
قوله: (وسقط الحد إن سقط العضو بسماوي) أي ويسقط الحد الذي هو القطع بسقوط العضو الذي تعلق به الحكم بسماوي أو غيره بعد ثبوته القطع فيه، وأما إن سقط قبل ثبوت القطع، فإنه يقطع مما يلي ذلك العضو.
قوله: (لا بتوبة، وعدالة، وإن طال زمانهما) أي لا يسقط القطع الثابت بسرقة بتوبة السارق، ولو مشى على الماء، ولا بثبوت عدالته، وإن طال زمن التوبة والعدالة.
قوله: (وتداخلت إن اتحد الموجب، كقدف، وشرب) أي وتداخلت الحدود إن اتحد الموجب، وذلك كحد قذف وشرب، لأن الموجب فيهما ثمانين، فإن قذف وشرب خمرا فإنه يجلد ثمانين.
قوله: (أوتكثرت) أي وإن لم يتحد الموجب كالقذف والزني، فإن الحد يكرر الجلد للزاني مائة، وللقذف ثمانين. انتهى.
مسألة: قال سحنون عيسى بن مسكين: فكل ما أنفق الرجل أو جعله من جعل أو رشوة على ما يظهر له ما سرق منه أو غصب فهو على السارق والغاصب ويلزمه غرمه قل أو كثر مثله إن كان مثليا أو قيمته إن كان مقوما، إذا ثبت قدر ذلك ببينة.
ابن القاسم: الظالم أحق أن يحمل عليه، ولأشهب مثله. وقال علي ابن أبي طالب: لا تسمعوا قول السراق لأنهم خبثاء إذا أحدثوا حديثا، فأحدثوا عليهم حكما، ولا تتبعوا سبيل الظلمة فتهلك أموال المسلمين بغير حق، وتبيحوها لأهل البغي والظلم والعدوان لقوله تعالى: ﴿ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ [التوبة: ٧٣] الآية. انتهى من المجموعة.
والمال المسروق أو ما في أيد اللصوص وجهل ربه كان لقطة وفي الوديعة خلاف، لأن ربها فرط حين لم يشهد.
стр. 1636
باب [في بيان حقيقة المحارب وأحكامه]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل المحارب وما يفعل له.
هذه الجناية السادسة وفيها نزل قوله تعالى: ﴿إنما جزاؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾ [المائدة: ٣٣] الآية، وهو مذهب المحققين.
(المحارب قاطع الطريق لمنع سلوك، أو آخذ مال مسلم أو غيره)
أي هذا باب يذكر فيه المحارب هو قاطع الطريق لمنع سلوكه، سواء منع جميع الناس أو بعضهم وإن لم يأخذ المال، أو قطع الطريق لأجل أخذ مال المسلم أو الذمي أو المعاهد لأن مالهما معصوم، وجهاد المحاربين جهاد بلا خلاف، وإنما الخلاف في أفضليته من جهاد الكفار، المشهور ليس بأفضل منه.
قوله: (على وجه يتعدر معه الغوث) أي المحارب قاطع الطريق من حيث يتعذر معه الغوث لبعده من البلاد، كالفلوات حيث لا مانع، وأما إن كان حيث لا يتعذر منه الغوث، ليس محاربا بل لص، والسلطان الغاصب ليس محاربا إذ لا يتعذر معه الغوث لأن العلماء يكلمونه.
قوله: (وإن انفرد بمدينة، كمسقي السيكران لذلك) أي المحارب قاطع الطريق وإن كان منفردا بمدينة لا فرق بين المحارب الواحد وبين جماعة.
قوله: كمسقي السيكران كما أن مسقي السيكران للناس ليأخذ أموالهم، فإنه يحكم له بحكم المحارب.
السيكران بضم الكاف نبت دائم الخضرة له حب يؤكل.
قال في المدونة والخناقون والذين يسقون الناس السيكران لأخذ المال محاربون (١).
والبنج أشد من السيكران، لأنه يشوش العقل كالسيكران.
قوله: (ومخادع الصبي أو غيره ليأخذ ما معه) أي وكذلك من خادع الصبي أو غيره، ليأخذ ما معه فإنه يحكم بحكم المحارب، إن خدعه إلى موضع يتعذر منه
стр. 1637
الغوث، (و) كذلك الداخل في ليل أو نهار في زقاق أو دار، قاتل ليأخذ المال)، فحكمه حكم المحارب مفهوم قوله: ليأخذ المال أنه إذا أخذ المال ثم قاتل لينجوا، فليس بمحارب بل حكمه حكم السارق، ومن عنده بسلاح وقت هجوع الناس للنوم، أو وقت صلاة الجمعة لأخذ الأموال، فإنه يحكم فيه بحكم الحرابة.
قوله: (فيقاتل) اكتفى الشيخ ﵀ بذكر القاتل عن القتل، المبتدأ به في الآية الكريمة وهو إفراط في الاختصار فقال تعالى: ﴿أن يقتلوا أو يصلبوا﴾ [المائدة: ٣٣] أي فيقاتل ويقتل (بعد المناشدة) وهو أن يقال له: سألناك بالله العافية منك (إن أمكن) المناشدة بأن لم يعجل.
قال في المدونة: ومن عاجلك على الدعوة من لص أو مشرك فقاتله (١)، وظاهر قوله: ليأخذ المال أي يكون ما يأخذ من المال قليلا أو كثيرا، وهو قول سحنون وهو خلاف المدونة قال فيها: وإن طلب السلامة أو طعاما أو ثوبا أرى أن يعطوه. انتهى (٢).
ارتكابا لأخف الضررين، وهذا الخلاف في الرفقة إذا كان أهل الرفقة يقدرون عليهم، وإلا فليعطوهم ما سألوه. انتهى.
وأما الإمام فلا يعطيهم شيئا لأن فيه وهن.
قوله: (ثم يصلب فيقتل) أي ثم يصلب حيا غير منكوس.
والصلب أن يربط مع خشبة ورأسه فوق، فإذا صلب تطلق يده ليستريح. وظاهر القرآن أن الصلب حد قائم مستقل بنفسه، ووقع مثله لمالك فأما ابن القاسم فجمع بين الصلب والقتل ويقدم الصلب وإليه ذهب الشيخ، قال اشهب: يقدم القتل ثم يصلب. انتهى.
فإذا صلب هل ينزل الآن؟ أو يترك إلى ثالثة أيام، أو يترك حتى تأكله الكلاب والطير، وهل يصلى عليه؟ أم لا، وإن قلنا بالصلاة هل ينزل ليصلى عليه؟ أو يصلى عليه وهو مصلوب، وهل يدفن؟ أم لا زجرا لغيره.
قوله: (أو ينفى الحر، كالزنا والقتل) أي وهذا أحد العقوبات الأربعة، وهو أن ينفى الحر من تلك البلاد إلى بلد آخر، كفدك وخيبر من المدينة، فيسجن فيه إلى أن
стр. 1638
تظهر توبته، وإلى النفي أشار بقوله: كالزنى في المسافة، وأما السجن في الزنى فحده سنة، والسجن في الحرابة غير محدود قبل التوبة أو الموت، ومؤنة النفي وفي السجن عليه إن كان له مال، وإن لم يكن له مال فمن بيت المال، واحترز بالحر من الأنثى والعبد، إلا أن تختاره الحرة، أو سيد العبد النفي عن القطع فلهما ذلك، إذ المرأة لا تغرب في الزنى والعبد لحق السيد.
قوله: (أو تقطع يمينه ورجله اليسرى) أي فإن رأى الإمام في المحارب القطع باجتهاده أنه أنفع للزجر للمحارب، تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى (ولاء) أي في فور واحد.
قوله: (وبالقتل يجب قتله، ولو بكافر، أو بإعانة، ولو جاء تائبا، وليس للولي العفو) يريد أن التخيير للإمام إذا لم يقتل حدا، وأما إن قتل حدا في حرابته، فإنه يقتل به، ولو كان المقتول كافرا، لأن قتله ليس بقصاص، بل بفساد في الأرض ولو جاء تائبا، لأن التوبة لا تسقط حق الآدمي، وقيل: إلا أن يتوب طائعا فلا يقتل بالكافر بل عليه ديته على قول، وكذلك يجب قتله إذا أعان على قتل أحد بإمساك أو ممالات، ولا عفو لولي المقتول عن المحارب القاتل، لأن القتل ليس بالقصاص، إنما هو الفساد في الأرض، وهذا إذا ظفر به قبل التوبة، وأما إن جاء تائبا فلولي الدم العفو عنه.
قوله: (وندب لذي التدبير القتل، والبطش القطع، ولغيرهما، ولمن وقعت منه فلتة: النفي والضرب) أي وندب للإمام في المحارب ذي التدبير أن يقتله ليستريح منه الناس.
انظر كلام الشيخ مع ما قال شهاب الدين القرافي: أنه يجب قتله.
قال القرافي في كتابه أنوار البروق: وجب عليه بذل الجهد في ما هو الأصلح للمسلمين، ولا يجوز له العدول عنه، فإن كان المحارب صاحب رأي قتله، وإن ظهر له أنه لا رأي له بل له قوة وبطش قطعه من خلاف فتزول مفسدته عن المسلمين بذلك، وإن كان إنما وقع ذلك منه على وجه الفلتة والموافقة لغيره مع توقع الندم منه على ذلك، فهذا يجب نفيه، ولا يجوز قتله ولا قطعه فهو أبدا ينتقل من واجب إلى واجب، والوجوب دائما عليه في جميع أحواله قبل الاجتهاد يجب عليه الاجتهاد، فهو ساع في أداء الواجب وبعد الاجتهاد يجب عليه فعل ما أدى إليه اجتهاده فلا ينفك عن الوجوب ابتداء وذلك ضد التخيير والإباحة. انتهى (١).
стр. 1639
وكذلك يندب القطع في المحارب ذي البطش أي ذي الأخذ بالقوة، لأن القطع أقطع لبطشه، وأما ذوا الرأي والتدبير لا تقطع مضرته إلا القتل، وكذلك يندب لغير ذي التدبير والبطش النفي والضرب، وكذلك من وقعت منه الحرابة فلتة أي زلة ولم يكن يعمل ذلك قبل، ندب فيه النفي والضرب.
الحاصل: أن الإمام يجتهد بالعلم والتقوى لا بالجهل والهوى بما هو أزجر وأقطع للحرابة بقدر جرم المحارب.
قوله: (والتعيين للإمام، لا لمن قطعت يده ونحوها) أي والتعيين المتقدم من القتل والصلب والقطع والنفي، إنما هو للإمام لا لمن جني عليه فقطعت يده أو رجله.
قوله: (وغرم كل عن الجميع مطلقا) يريد إذا ظفر بأحد من المحاربين، فإنه يغرم ما أخذه مع ما أخذه أصحابه، لأنه إنما تقوى بهم سواء تابوا أو لم يتوبوا، وكذلك الغصاب والسراق إذا قوى بعضهم بعض.
قوله: (واتبع كالسارق) هذا تشبيه بما مضى من قوله في السرقة: أو قطع إن أيسر إليه من الأخذ أي واتبع المحارب بما أتلف إذا كان موسرا من يوم حرابته إلى يوم الظفر منه، فإنه يؤخذ بما جنى من أخذ مال أو صداق امرأة أكرهها أو قيمة عبد وإن كان معسرا وقت الحرابة، أو موسرا فيه ثم أعسر، ولم يصل ملاؤه للقتل أو للقطع، فإنه لا يتبع كالسارق.
قوله: (ودفع ما بأيديهم لمن طلبه بعد الاستيناء واليمين) أي ودفع ما وجد في أيدي المحاربين لمن طلبه، وإن لم يأت ببينة بعد الاستيناء واليمين، هذان الشرطان ذكرهما الشيخ وترك شرطين أحدهما: أن يضمنه الإمام إذا هلك بأمر سماوي. والثاني: أن يصفه وصف اللقطة.
وإن تمت الشروط الأربعة دفع إليه بعد الاستيناء، إذ لعله يأتي من هو أقوى منه، وهذا كله إذا لم يدعه المحاربون لأنفسهم، وأما إن ادعوه لأنفسهم فلا يؤخذ منهم إلا ببينة، ولو أقروا به لغير طالبه من الرفقة الفلانية، فليدفع لأهل تلك الرفقة، ويدفع لكل واحد ما أسلمه له أصحابه، وإن تنازع اثنان في شيء منه تحالفا وقسم بينهما، ومن حلف دفع له دون من نكل، وإن نكلا معا فلا شيء لهما، فإن تنازع اثنان أحدهما من الرفقة، والآخر من غيرها، صدق الذي من الرفقة ويحلف إن ادعى الآخر شبهة.
قوله: (أو بشهادة رجلين من الرفقة، لا لأنفسهما) أي ويدفع ما وجد بأيد
стр. 1640
المحاربين لمن أتى بشاهدين من أهل الرفقة لا يقال أنها شهادة عدو على عدوه، وأجيزت للضرورة لا يدفع لهما ذلك إن شهدا به لأنفسهما.
قوله: (ولو شهد اثنان أنه المشتهر بها: ثبتت، وإن لم يعايناها) أي إن شهد عدلان أن هذا الرجل بعينه هو المشتهر بالحرابة ثبتت الحرابة عليه وإن لم يعاينا الحرابة.
قوله: (وسقط حدها بإثيان الإمام طائعا، أو ترك ما هو عليه) أي وسقط حد الحرابة من القطع والنفي والسجن عن المحارب إذا أتى الإمام طائعا تائبا قبل الظفر به أو تبين ترك ما كان عليه من إفساد وإن لم يأت الإمام، وهو مذهب ابن القاسم ولا يسقط عنه غيرها من حقوق الله وحقوق الآدميين قال تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ [المائدة: ٣٤] وقيس عليه المرتد بجامع الإعلان بخلاف السارق، لقوله تعالى: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه، وأصلح فإن الله يتوب عليه﴾ [المائدة: ٣٩] وقيس عليه الزنديق بجامع الاستسرار، ويفهم من قوله: بإتيان الإمام طائعا، أن تأمين الإمام لا يسقط عنه حد الحرابة وهو المشهور، وقيل: يسقط به.
стр. 1641
باب [في بيان حد شارب الخمر]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الخمر، والحد فيه والضمان، هذه هي الجناية السابعة، وهي آخر الجنايات.
الخمر مسكر لا خفاء في تحريمه في الكتاب والسنة والإجماع بل في كل ملة، فالمسكر هو المغيب للعقل مع نشوة وسرور وقوة نفس غالبا، كالخمر والمزر وهو المعمول من القمح، والبتع وهو المعمول من العسل والسكركة وهو المعمول من الذرة، والمفسد هو المشوش للعقل مع عدم سرور الغالب كالبنج والسيكران الفرق بين المسكر والمرقد والمفسد أن المتناول من هذه الثلاث، إما أن تغيب معه الحواس أو لا، فإن غابت معه الحواس، كالبصر والسمع واللمس والذوق والشم فهو المرقد، وإن لم تغب معه الحواس، لا يخلو إما أن يحدث نشوة وسرور وقوة نفس غالبا فهو المسكر، وإلا فهو المفسد وهو المشوش للعقل. انتهى.
والظاهر جواز ما سقي من المرقدات لقطع عضو ونحوه لأن ضرر المرقد مأمون وضرب العضو غير مأمون.
ابن فرحون في التبصرة: وعن بعض أصحابنا أن مالكا ﵀ استحب حرق بيت المسلم البائع للخمر، قيل له: فالنصراني يبيع للمسلمين؟ قال: نتقدم إليه فإن لم ينته أحرق بيته.
وأخبرنا الليث ﵀ أن عمر أحرق بيت رويشد (١) الثقفي لبيعه الخمر وقال له: أنت فويسق ولست رويشدا. انتهى من البرزلي (٢).
وسوى الشرع بين شارب قطرة من الخمر، وبين شارب جرة في الحد مع اختلاف مفاسدها جدا.
قوله: (بشرب المسلم المكلف) احترز بالشرب من غيره كما إذا طلي به، فإنه لا يحد، واحترز بالمسلم من الكافر، واحترز بالمكلف من الصبي والمجنون.
قوله: (ما يسكر جنسه، طوعا بلا عذر وضرورة، وظنه غيرا وإن قل، أو جهل وجوب الحد، أو الحرمة لقرب عهد، ولو حنفيا يشرب النبيد، وصحح نفيه) أي يجب ثمانون جلدة
стр. 1642
بسبب شرب مسلم مكلف ما يسكر أي شيئا يسكر جنسه قل أو كثر، وإن لم يسكر هو إذا شربه طوعا منه لا كرها، وشربه بلا عذر ولا ضرورة ولاظنه غيره أي ولا ظن الخمر غيره فشربه فإنه في هذه الأعذار لا يحد.
وقوله: بلا عذر يغني عن قوله: طوعا، وعن قوله: وضرورة، وعن قوله: أو ظنه غيره، لأن هذا كله يدخل في العذر، ولكن لما ذكر الشيوخ نصا أتى به، ويحد إن شربه مع دعواه لا إن علم أن في شرب المسكر حدا، فلا يعذر بالجهل في الحدود، وكذلك يحد إذا شربه وقال: جهلت حرمته لأجل قرب عهده بالإسلام فلا يعذر بذلك، فيحد ولو كان حنفيا شرب النبيذ أي مذهبه مذهب أبي حنيفة ﵁، وصحح بعض الشيوخ نفي حده، لأنه مقلد لمجتهده، ومقلد المجتهد كالمجتهد لا سيما إن قلنا أن كل مجتهد مصيب.
قال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله: الظاهر نفي الحد.
الاجتهاد شبهة أدرؤوا الحدود بالشبهات.
قوله: (ثمانون) أي يجب ثمانون جلدة بشرب المسلم المكلف ما يكسر جنسه، ولم يأت فيه نص القرآن، وإنما أتى النص في القذف وقاس عليه بعض العلماء حد الشرب، لأنه إذا سكر هذر، وإذا هذر افترى، إنما يحد الثمانين في فور إذا كان مطيقا عليها، وإلا فرق عليه، ولا يحد إلا بعد صحوه من سكره، إذ به يجد ألم الضرب والمذلات والمهانات في نفسه، وذلك إنما يحصل لبراءة العقل.
قال القرافي في أنوار البروق: القاعدة الأولى أن كل تصرف لا يترتب عليه مقصوده لا يشرع، ولذلك لا يحد المجنون بسبب الجناية في الصحة، ولا السكران لأن مقصود الحد الزجر بما يشاهده المكلف من المؤلمات والمهانات والمذلات في نفسه، وذلك إنما يحصل بمرآت العقل. انتهى (١).
قوله: (بعد صحوه، وتشطر بالرق، وإن قل) أي ويشطر الحد بسبب الرق سواء كان قنا أو غيره، كالمكاتب والمعتق بعضه والمعتق إلى أجل والمدبر وأم المولد، لإمكان التجزئة، وأما حيث لا تمكن التجزئة، فالعبد والحر سواء، كالحرابة والردة والعياذ بالله منهما.
قوله: (إن أقر، أو شهدا بشرب، أو بشم) أي لما ذكر الحد شرع يذكر ما يثبت به،
стр. 1643
وهو أن يقر الشارب بالشرب أو شهد عدلان به، أو شهدا بشم رائحة الخمر في فمه، وأحرى إذا شهدا أنه تقيأه، فإنه يحد (وإن خولفا) أي شاهدا الشم، كما إذا شهد عدلان أن هذه رائحة الخمر، وشهد آخران أنه ليس بخمر، فإن شاهدا الخمر تقدم شهادتهما، لأن من أثبت حكما أولى ممن نفاه وللمسئلة نظائر.
قوله: (وجاز الإكراه، وإساغة) أي وجاز شرب الخمر لأجل إكراه عليه، أو لأجل إساغة غصة، ولو استغنا عن ذكر هذا بقوله: بلا عذر لما ضره، إلا أن تقول أن النص والمفهوم لا تكرار بينهما.
قوله: (لا دواء، ولو طلاء) أي ولا يجوز شرب ما يسكر لأجل الدواء إذ هو داء، ولا يستعمله بأن يطلي به جسده، لأنه نجس، ولا يجوز له شربه بسبب جوع أو عطش لأنه يزيده.
قوله: (والحدود بسوط وضرب معتدلين، قاعدا، بلا ربط، وشديد) أي وصفة الحدود من حيث هي من الزنى والقذف، والشرب، ضرب بسوط معتدلين، وضارب وسط، وزمان معتدل، يحد في حال كونه قاعدا لا قائما بلا ربط، ولا شديد، لأنه يعين بها نفسه، إلا أن يكون لا يثبت للضرب، فإنه يربط إن كان حدا لا رجوع له فيه، كما إذا ثبت ببينة في الزني أو الشرب أو السرقة.
قوله: (بظهره، وكتفيه) أي إنما يضرب المحدود في ظهره وكتفيه خلافا لمن قال يضرب في جميع جسده.
قوله: (وجرد الرجل والمرأة) أي وجرد الرجل من غير ما يستر عورته، والمرأة تجرد (مما يقي الضرب عنها فلا تجرد كالرجل.
(وندب جعلها) وقت الضرب (في قفة) ويجعل فيه تراب ويبل لئلا تبول فيكون ذلك سترا لها.
قوله: (وعزر الإمام لمعصية الله، أو لحق آدمي، حبسا، ولوما، وبالإقامة، ونزع العمامة، وضرب بسوط، أو غيره، وإن زاد على الحد) التعزير، والنكال، والعقوبة، والتأديب بمعنى.
المؤدبون خمسة: الإمام، والسيد في عبده، والزوج في زوجته، والأب في الصغير، والمعلم في الصغير، ويفارق الحد التعزير بفروق منها: أن الحد لا يقيمه إلا الإمام، أو السيد في أمته أو عبده إن لم يتزوج بغير ملكه.
الثاني: أن الحد له حد، والتعزير لا حد له بل الإجتهاد.
стр. 1644
الثالث: لا يكون إلا بالضرب بالسوط، والتعزير يكون بغير ذلك من الحبس، واللوم، والإقامة، ونزع العمامة كما سيذكر، وكذلك الضرب بالسوط وغيره، كالعصى، واليد، وإن زاد التعزير بالضرب على الحد، وقد وجد رجل ضم صبيا على صدره فوق المسجد، فأمر مالك نعم الله بضربه أربع مائة سوط، وانتفخ ومات ولم يستعظم مالك ذلك. انتهى.
والتعزير إنما يجوز منه ما أمنت عاقبته أولا وإلا لم يجز.
قوله: (أو أتى على النفس) أي وعزر الإمام لمعصية الله، أو لحق الآدمي، وإن زاد على الحد أو أتى على النفس مع ظن السلامة منه، وإلا ضمن، وقد ذكر عن مالك رحممة الله أن النكال أحيانا يكون أكثر من الحدود، وذلك في أمور ولم يذكر فيها حد، كمن عهد إلى قوم فحرق عليهم بيوتهم، أو حرق زروعهم، أو عقر دوابهم، أو مثل بها كقطع أذنابها، فهذا وشبهه من الفساد في الأرض، فللسلطان الاجتهاد فيه، ويجعل النكال أكثر من الحد على ما يرى من الجرم، والجرءة مع الغرم لما أفسد، والضرب في التعزير ليس له حد معلوم وقد يختلف، وليس الرجل الذي له القدر كغيره ممن ليس مثله، وذكر أن عمر رحممة الله كتب إلى أبي موسى ألا يزيد في التعزير على ثلاثين جلدة، وفي الحديث: «من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين» (١).
قوله: (وضمن ما سرى، كطبيب جهل، أو قصر، أو بلا إذن معتبر، ولو إذن عبد بفصد، أو حجامة، أو ختان) شرع تحلله في موجبات الضمان أي وضمن الطبيب وشبهه من خاتن ونحوه ما سرى من سببه إن جهل كيفيته، ويؤدب مع الضمان لتعديه.
الواو في وضمن ما سرى للاستيئناف، وكذلك يضمن إن قصر عما أذن له فيه، أو زاد، كما إذا قلع سنا غير المأمور بها، فإنه يضمن ولا يؤدب، وكذلك يضمن ما فعله بغير إذن أو بإذن غير معتبر، ولو كان الإذن إذن عبد بفصد أو حاجمة، أو ختان، وهذا في بلد لا يفعل العبد ذلك إلا بإذن سيده، وأما في البلد الذي جرت العادة أن العبد يفعله بلا إذن فلا ضمان على فاعله.
قوله: (وكتأجيج نار أي كما يضمن ما أتلفت النار إذا أججها (في يوم) ريح (عاصف) أي شديد ما كان يغلب على الظن عند الوقود وصولها إليه، فلو أججها في
стр. 1645
حالة لا يضر به ذلك فعصفت ريح بغتة فلا ضمان عليه.
قوله: (وكسقوط جدار مال، وأنذر صاحبه، وأمكن تداركه) أي كما يضمن صاحب الجدار ما أتلف بسقوطه عليه بثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون مائلا، وإن لم يكن مائلا فلا يضمن.
الشرط الثاني: أن ينذر صاحبه أي يخوفه بسقوطه، وإلا فلا يضمن إن كان ميله خفيفا، وأما إن كان ظاهرا فلا ينذر بل يضمن.
الثالث: أن يمكن تداركه بالنقض أو التدعيم، وإلا فلا يضمن، وهذا كله إذا بناه مستقيما، وأما إذا بناه مائلا فإنه يضمن أنذر أم لا، بحيث ينذر صاحب الجدار المائل، إنما يكون الإنذار به إلى الحاكم أو من إليه الأمر، إن أنكر ميل الجدار، وأما إن أقر به فالإشهاد كاف.
قوله: (أو عضه فسل يده فقلع أسنانه) أي وكذلك يضمن إذا عضه فنزع يده من فمه فقلع أسنانه، لأنه متعمد، وهذا إذا أمكن نزعه يده منه برفق، وإلا فلا شيء عليه. قوله: (أو نظر له من كوة) أي ويضمن إذا نظر من كوة إلى بيته (فقصد) رب البيت (عينه ففقأها)، فإنه يضمن لأن المعصية لا تدفع بالمعصية، وقيل: يقتص منه، وقيل: لا شيء عليه.
قوله: (وإلا فلا) أي وإن لم يقصد العين بل قصد إنذاره فلا ضمان عليه وهو المنقول، إذا ثبت المنقول فلا عبرة بالمعقول، لأن الشرع قاض وإن كان العقل غير راض.
قوله: (كسقوط ميزاب) شرع تعمله فيما لا ضمان عليه أي كما لا يضمن ما أتلف الميزاب بسقوطه عليه بالشروط المذكورة في الجدار ينبغي أن يقيد لعدم الشروط. قوله: (أو بغت ريح لنار، كحرقها قائما لطفيها) البغت بالغين المعجمة الفجأة قال تعالى: ﴿لا تأتيكم إلا بغتة﴾ [الأعراف: ١٨٧] أي فجأة.
المعنى: إذا أجج نارا في وقت لا ريح فيه ثم جاءتها ريح فأحرقت فلا ضمان على موقدها، كما لا ضمان على المتأجج، إذا أحرقت الإنسان قائما لأجل طفيها. قوله: (وجاز دفع صائل بعد الإندار للفاهم، وإن عن مال. وقصد قتله) والصائل هو الواثب أي وجاز للموصول عليه دفع الصائل إنسانا كان أو غيره، مكلفا كان أو غيره، بعد الإنذار للفاهم، وأما غير الفاهم فلا فائدة في إنذاره، وإن كان الدفع عن مال والبضع والأهل أحرى، والنفس أحرى، ويجوز قتله (إن علم أنه لا يندفع إلا به)،
стр. 1646
وأما إن لم يعلم فلا يقصد قتله بل يدفعه وإن آل إلى قتله، ولا يعتبر فيه قصد عضو الجاني.
قوله: (لا جرح، إن قدر على الهرب منه بلا مشقة) أي لا يجوز جرح إن قدر على الهروب بلا مضرة، مفهومه إن لم يقدر على الهروب، أو قدر بمشقة، فإنه يجوز، والمفهوم صحيح.
فرع: من سل سيفا على وجه القتال، ضرب أربعين وكان السيف فيئا، وقيل: يقتل إذا سله على وجه الحرابة. ولو سل سكينا في جماعة على وجه المزاح ضرب عشرة أسواط. انتهى من تبصرة ابن فرحون (١).
قوله: (وما أتلفته البهائم ليلا فعلى ربها، وإن زاد على قيمتها بقيمته على الرجاء والخوف، لا نهارا) وهذا أعم مما قال في الرسالة: وما أتلفته المواشي (٢). البهيمة كل حيوان غير عاقل أي وما أتلفت البهائم ليلا فعوضه على ربها، لأنه هو الجاني إذا لم يحفظها، وإن زاد قيمة ما أتلفت على قيمتها على الرجاء والخوف أن يتم أو لا يتم، وعلى تقدير جواز بيعه ولا يستأنا بالزرع أن ينبت أو لا ينبت. انتهى.
بخلاف ما أتلفه العبد، فإن العبد فيما جنى فقط، لأنه هو الجاني لا السيد، ورب البهائم محمول على التفريط، بل حتى يثبت غيره إذا اتلفت في ليل، وأما ما أتلفت في النهار فربها محمول على غير التفريط حتى يثبت التفريط، وإنما يضمن صاحبها أو راعيها حيث يضمنان، إذا لم يرجع ما أتلفت على حاله قبل الحكم، وأما إن رجع قبل الحكم فلا شيء عليه، وإن رجع بعد الحكم فهل يرد ما أخذ لأن شيئه رجع إلى حاله أو لا يرده لأنه حكم مضى فيه قولان.
قوله: (إن لم يكن معها راع، وسرحت بعد المزارع) أي إنما لا يضمن رب الماشية ما أتلفته نهارا، إذا لم يكن معها راع ولم يكن موضع السرح بعيدا من المزارع، وأما إن كان معها راع والمسرح بعيد من المزارع، فإن الراعي هو الذي يضمن وإليه أشار بقوله: (وإلا فعلى الراعي).
الباجي: هذا الحكم عندي يختص بالموضع الذي يكون فيه الزرع، أو الحوائط
стр. 1647
مع المسارح. فأما لو كان الموضع مختصا بالمزارع خاصة دون المسارح لضمن ربها ما أتلفت، ليلا كان أو نهارا، كما أنه لو كان مختصا بالمسارح دون المزارع، فزرع فيه إنسان على خلاف العادة، لم يضمن أربابها ما أتلفت في ليل أو نهار. انتهى من الجواهر (١).
قال في التهذيب: وإذا كانت المواشي والدواب تعدوا في زروع الناس، فأرى أن تغرب وتباع في بلد لا زرع فيها، إلا أن يحبسها ربها عن الناس. انتهى (٢). يؤخذ منه نفي من يضرب على الخطوط إلى بلد لا يعرف خطوطها.
الوانوغي: أخذ منه أن المعيان يسجن وحده ولا ينفى، لعدم ارتفاع الضرر بالنفي، وما نص عليه عز الدين بن عبد السلام في اللقط إذا خرجت إذايته عن عادة القطط وتكرر ذلك منه فإنه يقتل، ونقل الفقيه ابن عصفور (٣) أن بعض الشيوخ أخذ منه هنا أن من يغتاب الناس ينفى، وأجبته بأنه ضعيف، لأنه يلزم عليه أن ينفى أكثر الناس.
وقال الأشياخ: يخرج من المسجد إن اغتاب فيه، لقوله ﷺ : ﴿من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا يؤذينا بريح الثوم﴾ (٤)، واختار شيخنا أبو مهدى عيسى: أنه لا يخرج، والأدب فيه كاف. انتهى من ابن ناجي.
قال البرزلي مفتي تونس: وقد شاهدت فتوى شيخنا الإمام ﵀ إذا كانت الحيوان ترعى في كروم الناس إذا غارت عليهم الأعراب ويكون الانسان قادرا على استنقاذها منهم فإنه لا يفعل ويتركها يمشي بها أهل الغارة تقليلا للمفسدة وردعا لأمثالهم من أهل الفساد والله هو الموفق للصواب. انتهى من
стр. 1648
مجموع البرزلي (١).
مسألة: الغارية فإن قلت: هل يجوز للراعي أن يطلق غنم الناس ترعى زروع البلد.
قلت: نعم إذا كانت الغنم بين الزروع، وخشي خروج الوقت، فإنه يصلي ويغرم ما رعت الماشية من الزرع إن رعت منه. انتهى من الطرر لابن عات.
стр. 1649
باب [في بيان أحكام الإعتاق ومتعلقاته]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل العتق وأركانه ثلاثة: المعتق، والمعتق، والصيغة.
والعتق من أفضل الأعمال وأعظم القربات نفاذا، ويشهد لنفوذه الكتاب والسنة والإجماع، وصلة الرحم أفضل منه لقوله الا لامرأة أعتقت جارية: «لو أخدمته لأخيك أفضل لك»، أو ما هذا معناه، وأما خواص العتق وهي ستة: السراية، والحصول بالقرابة، والحصول بالمثلة، والامتناع من المرض فيما جاوز الثلث، والقرعة، والولاء.
الخاصية الأولى: السراية ومن أعتق بعض عبده سرى إلى الباقي في عتقه بالسراية أو بالحكم روايتان وبين عتق وأعتق لغتان.
وفي إكمال الإكمال قلت: لم يعرف ابن الحاجب العتق. وعرفه الشيخ بأنه: رفع ملك حقيقي، لا بسب محترم من آدمي حي. فخرج بحقيقي استحقاق الرقبة بحرية وبلا سباء محترم فداء المسلم من حربي سباه أو ممن صار إليه منه. وبآدمي حي رفع الملك عن العبد بموته. ولا يقال: الحد غير مانع لصدقه على بيع العبد وهبته وموت السيد لأن الثلاثة إنما هي نقل ملك لا رفعه، لأن الملك باق (١).
قوله: (إنما يصح إعتاق مكلف) هذا هو الركن الأول أي لا يصح إعتاق غير المكلف كالصبي والمجنون، لأنه محجور عليهما لأجل أنفسهما، ورد أفعالهما رد إبطال.
قوله: (بلا حجر، وإحاطة دين) أي إنما يصح إعتاق مكلف غير محجور عليه، ودخل السكران بخلاف الهبة، لأن الشرع متشوف للعتق، وأما المحجور عليه كالسفيه فلا يصح إعتاقه لأن رد أفعاله رد إبطال، وكذلك لا يصح إعتاق من أحاط الدين بماله، ظاهره كان الدين معروف الأرباب أم لا، وهو كذلك عند بعضهم، وهو الذي مشى عليه الشيخ.
وقال بعضهم: هذا إذا كان أرباب الديون معينين، وأما إن كانوا مجهولين فإن
стр. 1650
العتق ينفذ وولاؤه للمسلمين.
قوله: (ولغريمه رده أو بعضه) أي فإن أعتق من أحاط الدين بماله، فلرب الدين رده أي رد جميعه، إن أحاط به دينه، أورد بعضه إن لم يحط الدين بجميعه، ويباع فيه قدر الدين والباقي منه حر، فإن لم يوجد من يشتريه مبعضا بيع كله والباقي بعد الدين لمعتقه يفعل به ما شاء، وقيل: يعين به في عتق.
قوله: (إلا أن يعلم ويطول) أي ولرب الدين رد عتق مدينه، إلا أن يعلم بالعتق ويطول سكوته، لأن سكوته رضى منه بالعتق، والطول أن يشتهر عتقه، وتجري عليه أحكام الحر من شهادة ووراثة.
وقال بعضهم: الطول ما زاد عن أربع سنين، والرد على ثلاثة أقسام: رد إبطال، كرد فعل مجنون وصبي وسفيه، ورد إيقاف كرد الغريم، وما اختلف فيه هل رد إبطال؟ أو رد إيقاف كالسيد في عبده، والزوج في زوجته.
قوله: (أو يفيد مالا، ولو قبل نفوذ البيع) أي وإن رد الحاكم عتق المديان ثم أفاد السيد مالا قبل أن يبيعه الحاكم بالدين، أو بعد أن باعه وأفاد مالا قبل نفوذ البيع بعدم انقضاء الثلاثة الأيام، لخيار الإمام في بيع سلع المفلس، فإن عتقه ماض، ويغرم الذي عليه من الدين مما أفاد.
قوله: (رقيقا لم يتعلق به حق لازم. به) هذا هو الركن الثاني، وهو المعتق بفتح التاء أي إنما يصح الإعتاق في الرقيق لا غير، لأن عتق غير بني آدم حرام بالكتاب والسنة والإجماع.
المراد بالرقيق القن وغيره ممن فيه شائبة حرية، كالمكاتب والمدبر والمعتق بعضه والمعتق إلى أجل وأم الولد، فيجوز العتق فيهم، واحترز بقولهم لم يتعلق به حق لازم، من العبد الجاني، والمرهون، والمستأجر وأحد المكاتبين، فإن عتق هؤلاء متوقف على إذن من له الحق.
قوله: (وبفك الرقبة) هذا هو الركن الثالث وهي الصيغة، وهي تنقسم إلى قسمين: صريح، وكناية. والكناية كنايتان: ظاهرة، وخفية. وبدأ بالصيغة الصريحة، وذكر منها لفظين: فك الرقبة (والتحرير)، فإذا قال للعبد: فككت رقبتك من الرق أو العبودية، فإن العبد يعتق، وكذلك يعتق إذا قال له: أنت حر.
وفي بعض النسخ: وبه وفك الرقبة أي وبالإعتاق، وفك الرقبة.