وفقنا الله لما يحبه ويرضاه وصرف عنا كل شيء نتوقاه على يد المذنب الخاطئ الضعيف المختار بن احمد بن الحاج المصطفى بن محمد بن احمد بن بايون بن هند أيد احمد بن احمد بن محمد بن محمد غل بن إبراهيم لطف الله بالجميع لطفا يليق بكرمه ومنه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
- النسخة الثالثة وهي التي يحفظ أصلها في مكتبة المرواني بن أهل أحماد في مدينة ولاتة وهي نسخة مبتورة الأطراف في الغالب وناقصة البداية والنهاية إلا أنها مكتوبة بخط واضح وجميل عدد لوحاتها (٣٤٥) ثلاث مائة وخمسة وأربعون لوحة وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة كما هو واضح في الصفحات القليلة الكاملة (٢٥) خمسة وعشرون سطرا وعدد الكلمات في السطر الواحد (٨) ثمانية كلمات في المتوسط.
قال الأستاذ محمد الأمين بن ابهن حفظه الله ورعاه عن هذه المكتبة ما نصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على النبي الكريم
مكتبة شيخنا المرواني ولد أحماد من أهم المكتبات في مدينة ولاتة غنية بالموروث الثقافي المخطوط تحتوي على أكثر من ١١٥ مائة وخمسة عشر مخطوطا من مختلف العلوم في الفقه والأصول وبها فتاوي للشيخ ومصاحف مخطوطة ومؤلفات في علوم القرآن والعقيدة والتصوف والسيرة النبوية والحديث وهذه نماذج من المخطوطات الموجودة في هذه المكتبة:
* موهوب الجليل شرح مختصر خليل تأليف: أبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر الحاجي الوداني وهو الكتاب الذي بين أيدينا وغيره كالشمائل النبوية ودلائل الخيرات وألفية ابن ماك وغيرهم.
كان مولده في مدينة ولاتة سنة: ١٢٩١ هـ وحفظ القرآن في صغره وأتقن علومه من رسم وضبط وتجويد ولازم الفقيه محمد يحيى الولاتي وأخذ عنه المذهبين مذهب مالك وأبي حنيفة كما أخذ عنه الحديث وأجازه في الصحاح.
وكان لشيخنا المرواني تأليف منها: نظم في قواعد الأصول وشرحه.
انتقل إلى جوار ربه ﵀ رحمة واسعة عام: ١٣٦٥ هـ عن عمر يناهز ٧٤ سنة أربعة وسبعين سنة.
стр. 37
- النسخة الرابعة وهي التي يحفظ أصلها في مكتبة امحمد بن احماد بمدينة تشيت رقم: ١٧٩ وعلى الأصح ما بقي منها لأن أغلبها قد ضاع وعدد لوحاتها: ١٤٣ مائة وثلاثة وأربعون لوحة، وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة (٢١) واحد وعشرون سطرا، وعدد الكلمات في السطر الواحد ثمانية في السطر الواحد في المتوسط.
- النسخة الخامسة وهي ثانية النسخ التي تحفظ أصولها في مكتبة الشريف عبد المؤمن بتشيت وتحمل رقم: ١٣٥ وعدد لوحاتها (٢٢٤) مائتان وأربعة وعشرون لوحة، وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة (٣٠) ثلاثين سطرا بالمتوسط.
وكتب في آخرها ما نصه: كمل شرح السفر الأول من المجمع بحمد الله تعالى وحسن عونه على يد عبيد الله المذنب الفقير المحتاج إلى رحمة ربه الغني به عن من سواه ذاك يحيى بن عثمان بن عمر بن أغوجفت البرتلي نسبا الولاتي وطنا المالكي مذهبا كتبه لأخيه في الله أحماد بن احمد بن محمد حماه الله انبوز، اللهم اغفر لكاتبه ولكاسبه ولقارئه ولوالديهم إلى منتهى الإسلام وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والموات.
ووافق الفراغ منه يوم الاثنين أي بعد العصر لسبعة عشر من شهر الله رمضان المعظم سنة ثلاث وثمانون بعد المائة والألف. اللهم أعطنا خيرها وخير ما فيها واكفنا شرها وشر ما فيها آمين.
- النسخة السادسة من السفر الأول التي يحفظ أصلها في مكتبة الفاضلين كما أظن بتشيت، وتحمل الرقم: ٧٣٥. وعدد لوحاتها (٣٠٠) ثلاث مائة لوحة. وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة (٢٥) خمسة وعشرون سطرا في المتوسط، وعدد الكلمات في السطر الواحد (٨) في المتوسط. بها بتر في أولها وآخرها. لا يعرف ناسخها ولا تاريخ النسخ.
- النسخة السابعة وهو المخطوط الثالث الذي يحفظ أصله في مكتبة الشريف عبد المؤمن بتشيت. صفحات هذه النسخة مبتورة البداية في الأغلب بقدر ثلاثة أسطر من كل وجه تقريبا باستثناء صفحات قليلة في وسط هذا الجزء، وعدد لوحات هذه النسخة (٢٣٤) مائتان وأربعة وثلاثون لوحة، وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة (٢٤) أربعة وعشرون سطرا وعدد الكلمات في كل سطر (٧) سبع كلمات
стр. 38
في المتوسط. وورد في آخرها ما نصه: كمل السفر الأول بحمد الله وحسن عونه على يد عبيد الله المذنب الفقير إلى مولاه الغني به عن من سواه ذاك عبد الرحمن بن الطالب محمد بن امحمد اللمتوني التشيتي وطنا الشنجيطي بلدا المالكي مذهبا.
اللهم اغفر لكاتبه ولكاسبه ولوالديهم ولأشياخهم إلى منتهى الإسلام وللمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ووافق الفراغ منه عشية في العام السابع بعد المائتين والألف عرفنا الله خيره ووقانا ضيره.
- النسخة الثامنة وهو المخطوط الرابع الذي يحفظ أصله في مكتبة الشريف عبد المؤمن بتشيت وهذه النسخة مكتوبة بخط مغربي جميل وواضح وعدد اللوحات: (١٩٤) مائة وأربعة وتسعون لوحة وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة (٢٨) ثمانية وعشرون سطرا وعدد الكلمات في السطر الواحد (٥) خمسة في المتوسط.
- النسخة التاسعة وهي بقية نسخة يحفظ ما بقي منها في مكتبة الفاضلين بتشيت عدد لوحاتها (١٣) ثلاثة عشر لوحة وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة (٢٨) في المتوسط. وعدد الكلمات في السطر الواحد (٦) ستة في المتوسط.
- النسخة العاشرة وأصلها محفوظ في مكتبة أهل الطالب ببكر بمدينة ولاتة التاريخية وعدد لوحاتها (١٨٢) مائة واثنين وثمانين لوحة، وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة (٣١) واحد وثلاثين سطرا في المتوسط وعدد الكلمات في السطر الواحد (٧) في المتوسط.
وأما السفر الثاني فقد حصلت على خمس نسخ منه:
- النسخة الأولى من السفر الثاني يحفظ أصلها في مكتبة الشريف عبد المؤمن بمدينة تشيت وعدد لوحاتها (٢٥١) مائتين وواحد وخمسون لوحة وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة (٢٧) في المتوسط.
- النسخة الثانية منه وأصلها محفوظ في الخزانة العامة في الرباط وتحمل الرقم: (٦٩٨ ك) وعدد لوحاتها ٣٠٦ لوحة.
- النسخة الثالثة من السفر الثاني من المخطوط الذي يحفظ أصله في مكتبة الشريف عبد المؤمن بتشيت وتحمل الرقم: (٥٧٨) وعدد لوحاتها: (٢٧٥) لوحة وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة (٢٥) خمسة وعشرون سطرا في المتوسط، وفي السطر الواحد (٦) ست كلمات في المتوسط.
стр. 39
- النسخة الرابعة من السفر الثاني ويحفظ أصلها في مكتبة الفاضلين بتشيت عدد لوحاتها (٢٠٢) لوحة وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة (٢٦) ستة وعشرون سطرا في المتوسط وفي كل سطر ست كلمات أو سبع في المتوسط كتب في آخرها ما نصه: انتهى الجزء الثاني غير باب واحد من الميراث بعون الله وقوته على يد الفقير المذنب أحقر خلق الله الراجي رحمة مولاه ذاك احمد بن احمد بن عج بن احمد ياب بن هند أيد احمد بن هند نض … غفر الله للجميع آمين آمين. تاريخه أواسط شهر الله صفر عام: ١٠٨٤ هـ.
- النسخة الخامسة يحفظ أصلها في مكتبة الشريف عبد المؤمن بتشيت عدد لوحاتها (١٤٢) وهي نسخة بها نقص كبير في بدايتها ونهايتها وأطراف لوحاتها.
* * *
стр. 40
بسم الله الرحمن الرحيم (١)
قال الشيخ الفقيه الجليل النبيل الإمام الصالح الأعلم العدل المحقق أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن شمس الدين بن محمد بن إبراهيم بن الحاج عثمان بن محمد بن البان الواداني، الشهير بالحاجي ﵁:
الحمد لله (٢) الذي لا يستفتح له وجود، الحكيم الذي لا يستفتح منه وجود،
стр. 41
العظيم الذي لم يلده والد فيرثه مولود، الكريم الذي لا يضارعه معبود، القاهر لا بأعوان وأنصار، الفاطر لا بخواطر وأفكار، الدائم لا بزمان ومقدار، الله اسم تفرد به الله تعالى فهو اسم له خاص، الرحمن الرحيم صفتان مشتقتان من الرحمة والرحمن: صفة ممنوعة من الخلق لما فيها من المبالغة والدلالة على عموم الرحمة، ولذلك قال بعض المفسرين (١) معنى الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء (٢).
وقال بعضهم: الرحمن لجميع الخلق خلقه في الدنيا، والرحيم في الآخرة للمؤمنين خاصة (٣) رحم المؤمن بالإيمان ونعائم الجنة، ورحم المنافق بترك القتل فيهم، ورحم الكافر بعدم تعجيل العذاب، ويدفع ما هو أعظم مما هو عذبهم به في النار، وهو قادر على ما هو أعظم والرحيم بالمؤمنين خاصة في الآخرة، وكرر فيها لفظ الرحمة لمعنى التأكيد.
وقيل: ليدل التكرار على أنه لم يتسم أحد بالرحمن الرحيم غير الله، ولما في الرحمن من العموم قدم في كلامنا على الرحيم مع موافقة التنزيل، وهي آية من القرآن العظيم في سورة النمل (٤)، وأما اشتقاقها الباء بهاء الله، والسين سنا الله، والميم ملك الله ومجده، ويبتدئون بها تبركا، ووقع اسم الله الأعظم في القرآن في ألفي موضع وثلاث مائة وثلاثين، وقيل خمسمائة، وقيل يبتدئون بالبسملة اقتداء بالمصحف الكريم، وقيل لقول النبي ﷺ : «كل أمر ذي بال لم يبدأ ببسم الله فهو أجذم» (٥) أي ناقص، وقيل لأنه إذا قرء على شيء وقي وبورك فيه.
стр. 42
واختلف هل هي آية في الفاتحة أم لا. ومعنى « ﷺ »: «اللهم صل على محمد النبي» بمعنى الدعاء.
وقال أبو بكر القشيري (١): الصلاة من الله تعالى لمن دون النبي رحمة، وللنبي ﷺ تشريف وزيادة تكرمة.
وقال أبو العالية (٢): صلاة الله عليه ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. انتهى.
وفي معنى السلام عليه ﷺ ثلاثة أوجه أحدها السلامة لك ومعك، وتكون السلامة مصدرا كاللذاذ واللذاذة. والثاني السلام على حفظك ورعايتك متأول له ويكون هناك السلام اسم الله تعالى والثالث أن السلام بمعنى المسالمة والانقياد كما قال الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ [النساء: ٦٥] انتهى من الشفا (٣).
الحمد لله هو الثناء على المحمود بماله من صفات الكمال. عن خالد بن معدان (٤) قال: إنه ليشكر للعبد إذا قال: الحمد لله على أمر وإن كان على فرش وطيئة وعنده شابة حسناء (٥)، وما من نعمة إلا والحمد لله أعظم منها.
стр. 43
عن أبي جعفر (١) قال: كان رسول الله ﷺ إذا شرب الماء قال: «الحمد لله الذي سقانا عذبا فراتا برحمته ولم يجعله لي ملحا أجاجا بذنوبنا (٢)». انتهى.
فمن حمد الله مستحضرا معنى الحمد امتلأ ميزانه من الحسنات المعنى أنها لو كانت أجساما لملأته وسبحان الله والحمد لله ملء ثوابها مابين السماء والأرض، والمستعين بالله الكريم.
قال الشيخ ﵀ بمنه وفضله: (يقول) العبد (الفقير)، أي المحتاج (المضطر)، والمضطر أخص من الفقير، إذ قد يكون فقيرا، ولا يكون مضطرا.
وقوله: (لرحمة ربه) أي الفقير المضطر إلى رحمة ربه، (المنكسر خاطره لقلة العمل والتقوى)، وهذا أخص مما قبله وانكساره تأسفه وحزنه على ما فاته من العمل والتقوى.
والتقوى لغة: قلة الكلام، والحاجز بين الشيئين، وفي الاصطلاح: امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وقال الشيخ ذلك هضما لنفسه، وعمله وتقواه، ودينه مشهور، وهو من أهل المكاشفة حكي أنه مر بشواء يبيع الميتة، فزجره عن ذلك، فتاب الشواء على يديه حمدالله من رضي بدون قدره رفعه الله فوق قدره. الخاطر: ما يضمر في نفس العبد، والعبد: هو الإنسان حرا كان أو عبدا، (خليل بن إسحاق بن موسى المالكي)، ومن قال ابن يعقوب فقد غلط، المعروف بابن الجندي، توفي عشية يوم الخميس، ثالث عشر من ربيع الأول، ودفن يوم الجمعة، الرابع عشر، وصلى عليه ولي الدين البلوي (٣).
ودفن مع شيخه (٤) المنوفي (٥)، بعد صلاة الجمعة، سنة ست وسبعين وسبع
стр. 44
مائة. وفيها توفي ابن معطي العبدوسي (١).
عرف الشيخ بنفسه ﵀ لأن صاحب التأليف، إنما يكون معروفا أهلا للتأليف ونظر العلماء في تأليفه وطالعوه فوجدوه صحيحا، وأما غير هاذين فلا اعتماد عليه، ونسب ﵀ نفسه لمذهب مالك ﵀ لا للشافعي، ولا للحنبلي، ولا للحنفي ﵏.
قوله: (الحمد لله) أي يقول الفقير المضطر لرحمة الله، الحمد لله، والحمد إنما هو لله حقيقة ولغيره مجازا.
قوله: (حمدا) أي احمده حمدا (يوافي) أي يقابل ويلاقي (ما تزايد من النعم) حمد الله على ما تزايد من النعم، أحرى ما قد حصل.
النعمة كل ما ينتفع به الإنسان مما هو موافق للسنة، وما لم يكن موافقا لها فهو إملاء واستدراج قال تعالى: ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثما﴾ [آل عمران: ١٧٨] وقال: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ [الأعراف: ١٨٢].
وقال بعضهم: كم مغرور بالإمهال وكم مخدوع بالستر.
وقال ﷺ : «إذا رأيت ربك يوالي عليك النعم فاحذره».
وذكر ابن العربي (٢) في القانون عن أنس بن مالك (٣) أن النبي ﷺ قال: «ما من شيء أحب إلى الله من الحمد وأبلغ، الحمد لله على كل حال» (٤).
стр. 45
قال الإمام الفخر (١): لفظ الحمد معرفا لا يقال إلا في حق الله، لأنه يدل على التعظيم (٢)، ولا يجوز أن يقال: الحمد لزيد قاله سيبويه (٣).
قوله: (والشكر له) أي والشكر لله (على ما أولانا) أي ملكنا وخولنا (من الفضل) أي الزيادة، (والكرم) أي العطى من الهداية إلى الإيمان، والتوفيق: وهو خلق القدرة على الطاعة، وغير ذلك من سلامة الحواس والبدن قال بعضهم: النعم إذا شكرت قرت وإذا كفرت فرت. ويقال: لا زوال للنعمة إذا شكرت ولا بقاء لها إذا كفرت. ويقال: النعمة وحشية فاشكلوها بالشكر.
قوله: (لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه) أي لا أطيق ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه وثناؤه على نفسه هو قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] لأنه لما علم عجز الخلق عن الثناء عليه أثنى هو على نفسه ومعنى النصيحة إفراغ الجهد في نصيح الثناء والأقوال والأعمال، والنصح يتبين بضده وهو الغش والتدليس، وستر العورة، وكتمان الحق. انتهى من الشعب لابن غالب.
قوله: (ونسأله اللطف والإعانة) أي أطلب من الله اللطف، وجلب المصالح، ودفع المفاسد.
وقوله: والإعانة هو عطف الخاص على العام، والإنسان يحتاج إلى الإعانة فيما لطف له به أي وأسأله اللطف (في جميع الأحوال).
قوله: (وحال حلول الإنسان في رمسه) هي من باب عطف الخاص على العام والرمس هو القبر وخصه بالذكر للاهتمام به لأنه إذا سلم منه سلم فيما بعده.
قوله: (والصلاة والسلام على) النبي (محمد) ﷺ (سيد العرب والعجم). جمع الشيخ
стр. 46
الصلاة والتسليم على محمد ﷺ خروجا من الخلاف في أن إفراد أحدهما مكروه وسمي محمد لكثرة خصاله المحمودة والسيد هو الذي إذا نابهم أمر ألجأ إليه وهو سيد الأولين والآخرين وسيد الخلق أجمعين والعرب ولد عدنان (١) وقحطان (٢) وإن لم يعرفوا العربية وغيرهم عجم وإن كانوا فصحاء في العربية، وقحطان ابن لعبد الله هود (٣) ﵇.
قوله: (المبعوث) أي المر سول (لسائر الأمم) من بعثه ﷺ إلى يوم القيامة، ويحتمل لسائر الأمم من السؤر أي البقية أي لجميع الأمم من بعثته ﷺ إلى يوم القيامة، ويحتمل لسائر الأمم من السور أي البقية، إلى بقية الأمم الماضية.
قوله: (وعلى آله) فال الرجل خاصته الذين يؤول أمرهم إليه في نسب أو صحبة أو مذهب وآله ﷺ الأدنون بنو هاشم (٤) والمطلب (٥) أخو هاشم ومن عقبه الإمام الشافعي ﵀، وما فوق غالب (٦) ليس بآل (وأصحابه): الصحابي من اجتمع معه وآمن به ومات على ذلك ذكرا أو أنثى حرا أو عبدا صغيرا كان أو كبيرا واختلف في من ارتد ثم رجع إلى الإسلام هل هو صحابي لأنه مات على الإسلام أوليس بصحابي لارتداده قال تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر: ٦٥].
стр. 47
قوله: (وأزواجه وذريته) هو من باب عطف الخاص على العام، لأن أزواجه من أصحابه (وأمته) أي وعلى أمته التي هي (أفضل الأمم) لقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠] ونبي الله عيسي ﵇ من أمته، لأنه ينزل ويصلي الصبح وراء الإمام، ويحكم بالشريعة المحمدية.
قوله: (وبعد) أي وبعد ما تقدم من البسملة، والتصلية على النبي ﷺ وتعريفه نفسه، والتحميد، والصلاة والتسليم، على النبي ﷺ (فقد سألني) أي طلب مني (جماعة) من طلبة العلم، والسؤال يقوم مقام المشاورة، وقال ﷺ : «ما ندم من استشار» (١) ثم دعا ﵀ فقال: (أبان الله لي) أي أظهر الله لي (ولهم)، وأوضح، (معالم) أي دلائل (التحقيق)، والتحقيق: ما لا شك معه وبدء بالدعاء لنفسه ثم للجماعة تبعا لكتاب الله العزيز قال تعالى: ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا﴾ [الحشر: ١٠] وقال تعالى: ﴿رب اغفر لي ولوالدى﴾ [نوح: ٢٧] ثم دعا أيضا فقال: (وسلك بنا وبهم أنفع طريق، وهو التقوى، وقصد بدعائه شمولا، لا تعظيما لأن السؤال ليس موضع التعظيم.
التقوى: هي الوقوف على الحدود، ولا يقصر فيها، ولا يتعداها.
وقال أبو القاسم القشيري (٢): حقيقة التقوى التحرز بطاعة الله عن عقوبته (٣).
وقال ابن عبد الكريم (٤): التقوى مخالفة الهوى قالوا: ليس كل من عمل بطاعة
стр. 48
الله كان حبيبه لا كن من ترك ما نهى الله عنه كان حبيبا لله (١) فإن الطاعات لو اجتهد العبد في تكثيرها غاية الاجتهاد، كان الذي بقي له من طاعة الله أكثر أضعافا مضاعفة، فإنه لا يقدر أن يطيعه بجميع أنواع الطاعات، وإذا اتقى المخالفة لله، فقد أطاعه بترك العصيان كله فافهم، فالشر كله هو العصيان والخير كله هو الطاعة فإذا اتقى العصيان فقد ترك الشر كله، وإذا دخل في الطاعات، لم يأت بها كلها، ولا يقدر على ذلك، قال النبي ﷺ في هذا المعنى: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا» (٢) انتهى من الشعب لابن غالب (٣).
قوله: (مختصرا) أي طلب مني جماعة أن أصنف لهم كتابا، مختصرا والاختصار: التعبير باللفظ القليل عن المعنى الكثير على مذهب الإمام مالك بن أنس بن مالك الأصبحي (رحمه الله تعالى) عالم المدينة وأمير المؤمنين في الحديث.
قال أبو الفضل عياض (٤) في المدارك: اعلموا - وفقكم الله تعالى - أن ترجيح مذهب مالك على غيره، وأنافة منزلته في العلم، وسمو قدره من طريق النقل، والأثر الصحيح لا ينكره إلا معاند أو قاصر لم يبلغه ذلك، مع اشتهاره في كتب المخالف والمساعد، وفي الأثر المشهور الصحيح، من حديث الثقات منهم سفيان ابن عيينة (٥)
стр. 49
عن ابن جريج (١) عن أبي الزبير (٢) عن أبي صالح (٣) عن أبي هريرة (٤) أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم (وفي رواية: «يلتمسون العلم») (٥) فلا يجدون عالما أعلم (وفي رواية: «أفقه» (٦)) من عالم المدينة (٧)»، قال ابن هرمز (٨): شيخه فيه عالم الناس (٩). وقال سفيان بن عيينة لما بلغه وفاة مالك: ما ترك على الأرض مثله، ومالك حجة في زمانه، ومالك سراج الأمة (١٠).
وقال الشافعي: مالك أستاذي وعنه أخذت العلم، وجعلت مالكا حجة بيني
стр. 50
وبين الله، وإذا ذكر العلماء فمالك هو النجم الثاقب، ولم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم، لحفظه وإتقانه (١)، لا خفاء على منصف بمنصب مالك من الإمامة في علوم الشريعة، وعلم الكتاب والسنة، وأعلمهم في وقته بسنة ماضية وباقية، وأمير المومنين في الحديث.
قال البهلول بن راشد (٢): ما رأيت أنزع بآية من كتاب الله من مالك ابن أنس مع معرفته بالصحيح، والسقيم والمعمول به من الحديث والمتروك. انتهى (٣).
قوله: (مبينا لما به الفتوى) أي في حال كوني مبينا لما به الفتوى وهو المتفق عليه، والأقوى، والحكم أحرى من الفتوى، ويقال الفتوى بضم الفاء وفتحها، ويقال الفتيا بالياء، وقيل ما من مفت إلا ويسأل يوم القيامة عن ثلاثة: هل أفتيت بعلم أو جهل هل قصدت به وجه الله أو الرياء، هل قصدت النصح أو الغش. انتهى.
قوله: (فأجبت سؤالهم) أي فأجبت سؤال الجماعة، (بعد الإستخارة) التي كان النبي ﷺ يعلمها لأصحابه، وهو «اللهم إنا نستخيرك بعلمك» (٤) إلى آخره، فإن قلت لما استخار في التأليف وهو طاعة، قلت: لعل بينه وبين الله طاعة أخرى، أوفي وقت يدخل فيه. انتهى.
وفي الكرماني (٥) شرح البخاري: «اللهم إني أستخيرك بعلمك» أي أطلب منك الخيرة ملتبسا بعلمك بخيري وشري، ويحتمل أن يكون الباء للاستعانة أو
стр. 51
القسم (١).
وقوله: «اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي» (٢) فإن قلت كلمة إن للشك في كون الله عالما قلت: الشك في أن علمه متعلق بالخير والشر لا في أصل العلم.
قوله: فاقدره لي - بضم الدال وكسرها - أي اجعله مقدورا لي، أو قدره لي. وقيل معناه يسره لي وأرضني، أو اجعلني راضيا بذلك.
قوله: وأستقدرك بقدرتك أي أطلب القدرة منك أن تجعلني قادرا عليه. انتهى.
قوله: (مشيرا بـ «فيها للمدونة») مطابقة أي فأجبت سؤالهم ووضعته بعد الاستخارة، في حال كوني مشيرا فيه بفيها للمدونة مطابقة كفيها، أو التزاما كظاهر ها، أو حملت أو أقيم منها والمدونة: كتاب سحنون (٣) عن ابن القاسم (٤)، وقيل هي في كتب الفقه كالفاتحة تغني عن غيرها، ولا يغني عنها غيرها، ويأتي بذلك استدلالا بها واستشهادا، وقد يأتي به استشكالا.
قوله: (وب «أول» إلى اختلاف شارحيها) أي وأشير بأول إلى اختلاف شارحي المدونة، أي مادة أول كأولت تأويلان وتأويلات (في فهمها).
قوله: (وبـ «الاختيار» للخمي (٥)) أي وأشير بمادة الاختيار للخمي (لكن إن كان
стр. 52
بصيغة الفعل فذلك لاختياره هو في نفسه، إن لم ينسبه لغيره، كقوله فيما يأتي: (و) اختار الشيخان ثمانين، وإن كان (ب) صغة (الاسم فذلك لاختياره من الخلاف)، وبدء الشيخ باللخمي لأنه أجرؤهم وقيل لأنه أزال من المذهب ثلثه.
قوله: (وبـ «الترجيح» لابن يونس (١) كذلك)) أي وأشير بالترجيح لابن يونس الصقلي، واسمه محمد لكن إن كان بصغة الفعل فذلك لاختياره هو في نفسه، وإن كان بصغة الاسم فذلك لاختياره من الخلاف، وخصه بالترجيح لأن أكثر اجتهاده في الميل مع بعض أقوال من سبقه، وما يختاره لنفسه فقليل.
قوله: (وبـ «الظهور» لابن رشد) أي وأشير بالظهور لابن رشد (٢) (كذلك)، أي إن كان بصغة الفعل فذلك لاستظهاره هو في نفسه، وإن كان بصغة الاسم فذلك لاستظهاره قول غيره، وخص ابن رشد بالظهور لاعتماده كثيرا على ظاهر الروايات، فيقول يأتي على رواية كذا، وظاهر ما في سماع كذا كذا.
قوله: (وبـ «القول» للمازري) أي وأشير بالقول للمازري (٣) (كذلك)، أي إن كان
стр. 53
بصغة الفعل فذلك اختياره هو في نفسه، ما لم يقم دليل على أن القول لغيره، كما يأتي في باب اللعان، في قوله: إلا أنه قال: القول هناك للإمام مالك ﵀ وإن كان بصغة الاسم فذلك لاختياره من الأقوال، وخص الشيخ المازري بالقول لأنه لما قويت عارضته في العلوم وتصرف فيها تصرف المجتهدين، كان صاحب قول يعتمد عليه مع درجة الاجتهاد، ولا يفتي بغير المشهور، وكان مذهب مالك قبله مشكلا لكثرة الروايات، وكثرة أقاويل أصحاب مالك، فلذلك اختار المشارقة مذهب الشافعي ﵀.
قوله: (وحيث قلت) أي وحيث قلت في كتابي هذا «خلاف، فذلك للاختلاف في التشهير»، غير ملتزم الإشارة لكل تشهير، أو ألتزمه ما لم يظهر له قوة أحدهما فلا اعتراض على الشيخ، ويحتمل أن يريد بالتشهير الترجيح.
قوله: (وحيث ذكرت قولين أو أقوالا) أي وحيث ذكرت في كتابي هذا قولين أو أقوالا أو رواية أو روايات، (فذلك لعدم اطلاعي في) هذا (الفرع) الذي ذكرت ذلك فيه (على أرجحية منصوصة) فيه، سواء لم يطلع على الترجيح أصلا أو ترجيح أحد الترجيحين، كقوله: وفي إناء الجوهر قولان، فإن قلت لم قال أولا وحيث قلت: خلاف، فعبر هنا بالقول، ورفع لفظ خلاف وقال ثانيا: وحيث ذكرت قولين أو أقوالا فعبر بالذكر ونصب قولين، أو أقوالا.
قلت: لما كان ذكر الأقوال أعم من أن يتلفظ بها، أو يقول مثلا وهل كذا وكذا ثالثها كذا أو رابعها كذا، لم يصلح الرفع على الحكاية، ولا القول المناسب لذلك. ولو قال: وحيث قلت أقوال لخرج ما لم يتلفظ به، أو يقول بصغة القول، كثالثها ورابعها، بخلاف خلاف فإن حكايته بعد القول، لا يخرج معنى يريد إدخاله، فإن قلت: لا يطرد ذلك إلا في الأقوال، لا القولين.
قلت: بل هو جائز في القولين، أيضا كقوله في باب الرهن: ورجع صاحبه بقيمته، أو بما أدى من ثمنه، نقلت عليهما، ولو لم يوجد له في القولين أيضا.
قلت: لما بين وجه اصطلاحه فيها دفعة، كانت التثنية تبعا للجميع، ويحمل
стр. 54
المستفتي على معين من الأقوال المتساوية، جرى العمل، وقد ذكر اللخمي في ذلك قولين في باب صلاة السفر، فقال: وإن كان في البلد فقهاء كل يرى غير رأي صاحبه، وكلهم أهل للفتوى - جاز للعامي أن يقلد أيهم أحب (١).
وفي الشعب لابن غالب واختلاف أهل السنة في الفتوى، والمذهب إنما هو بمعنى الاتساع، وترك الضيق والحرج، لا بمعنى الاختلاف الذي هو الشتات والفرقة، فإن النبي ﷺ هو إمام الصحابة، وأخذ الكل منهم علمه من رسول الله ﷺ ، ثم افترقوا في الأمصار في حياته، وبعد وفاته، وأخذ الناس منهم في جميع الأقطار، وأخذ الخلف عن السلف، إلى أن انتشرت المذاهب، والفتاوى في الأمصار، فالكل منهم على صواب لأن الإمام واحد، وإليه يرجع الكل. انتهى منه.
ويجب على من تعلم العلم أن يعمل به، فإنه إن لم يعمل به كان حجة عليه يوم القيامة، وحسرة وندامة، وروي عن النبي ﷺ : «أشد الناس عذابا يوم القيامة، عالم لم ينفعه علمه (٢)، صح من مقدمات ابن رشد (٣).
قوله: (وأعتبر من المفاهيم) أي وأعتبر في كتابي هذا من المفاهيم، (مفهوم الشرط فقط)، دون سائر المفاهيم المخالفة، لأن مفهوم الشرط أقواها، إذ يقول به بعض من لا يقول بغيره، إلا مفهوم الغاية، فإنه يقول به بعض من لا يقول بمفهوم الشرط إلا أنه قليل، ولا يتأتى معه اختصار، فلذلك تركه، وأما مفهوم الموافقة فمتفق عليه، وهو معتبر عنده، كقوله في باب الحج وللولي رد تصرف مميز، إذ غير المميز أحرى.
قوله: (وأشير بـ «صحح» أو «استحسن» إلى أن شيخا غير الذين قدمتهم صحح هذا أو استظهره) أي وأشير في كتابي هذا بصحح أو استحسن، إلى أن شيخا غير الذي
стр. 55
قدمت ذكرهم اللخمي، وابن يونس، وابن رشد، والمازري واستحسن أي عده حسنا، نكر شيخا ولم يعرفه.
قوله: (وبـ «التردد») أي وأشير بالتردد في كتابي هذا (لتردد المتأخرين في) فهم (النقل، أو لعدم نص المتقدمين)، وتردد بعض المتأخرين، اختلاف طرقهم في العزو للمذهب، فهو كقول غيره في كذا طرق أو طريقان، وأما ترددهم لعدم النص للمتقدمين فقليل في كتابه هذا، كقوله في السلس: وفي اعتبار الملازمة في وقت الصلاة، أو مطلقا تردد وكقوله في فصل المسح على الخفين: وفي خف غصب تردد.
وكقوله في باب الحج وفي رابغ تردد وكقوله فيه وفي أجزاء ما وقف بالبناء تردد. فالتردد يكون في فهم نص المتقدمين، وقد يكون لعدم النص. وقيل إن الشيخ ابن أبي زيد (١) آخر المتقدمين، وأول المتأخرين.
قوله: (وبـ «لو» إلى خلاف مذهبي) أي وأشير في كتابي هذا بلو إلى خلاف عالم منسوب لمذهب مالك، لا لغيره من المذاهب، ولكن لا أشير بها إلا لخلاف قوي، بخلاف إن مع أنه كثير في كلامه فيشير به إلى خلاف غير قوي، أو إلى خلاف خارج المذهب.
قوله: (والله أسأل أن ينفع به) أي وأسأل الله لا غيره، وتقديم المنصوب على التعظيم يدل على الحصر أي وأسأل الله أن ينفع بكتابي هذا (من كتبه)، وإن لم يقرأه، (أو قرأه) ولم يكتبه، (أو حصله) بشراء، أو هبة ونحوها، أو نسخ أو غير ذلك من وجوه التحصيل، (أو سعى) أي أو عمل (في شيء منه)، كإصلاح الدواة، والقلم وغير ذلك.
السعي العمل، قال الله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩]، ويرجى قبول دعاء الشيخ، لأنه عالم تقي، إذا لم يكن العالم العامل تقيا، لم يكن الله وليا.
стр. 56
قوله: ﴿والله يعصمنا من الزلل﴾. الله مرفوع على الابتداء أي والله هو الحافظ لنا من الزلل أي النقص في القول والعمل ظاهرا وباطنا في القول والعمل.
قوله: ﴿ويوفقنا﴾ أي والله يوفقنا بفضله ومنه ظاهرا وباطنا ﴿في القول والعمل﴾.
التوفيق خلق القدرة على الطاعة.
قوله: ﴿ثم أعتذر لذوي الألباب من التقصير الواقع في هذا الكتاب﴾ أي أظهر عذري لذوي العقول، وهم أهل الذكر، وأهل الذكر من اجتمع فيه وصفان: العلم والتقوى، وأعتذر بمعاذير لا تخفى لاسيما عند قوله: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ [النساء: من الآية ٨٢] أي من التقصير الواقع في هذا الكتاب إن وقع، ولابد من الوقوع.
وقوله: الواقع هو أن الخطبة بعد التأليف، وإن قلنا أنها قبل التأليف، نقول أنه حضر في ذهنه.
قوله: ﴿وأسأل بلسان التضرع والخشوع وخطاب التذلل والخضوع﴾ التذلل والخضوع والتضرع والخشوع بمعنى وقال بعضهم: الخشوع: قيام القلب بين يدي الحق سبحانه بهم مجموع (١).
وقال الجنيد (٢): الخشوع تذلل القلب لعلام الغيوب (٣)، وقال بعضهم: الخشوع تذلل الأعضاء، المتركب من تذلل القلوب والخشوع في الصلاة علامة الفلاح، قال الله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
قوله: ﴿أن ينظر بعين الرضا والصواب﴾ أي وأسأل الله أن ينظر في كتابي هذا بعين الرضا والصواب، لأن عين الرضا بلا صواب ذات جهل وعمى، وعين الصواب بلا رضا ذات هوى.
стр. 57
قوله: ﴿فما كان من نقص كملوه، ومن خطإ أصلحوه﴾ أمر المصنف حمله ذوي الألباب بإكمال ما نقص من الكلام باللفظ، أو في الحاشية لا في المتن، لأن ذلك يؤدي إلى التغيير، وأمرهم بإصلاح الخطأ، فالنص متعلقه الكلام المغير المؤدي للمعنى المقصود، والخطأ متعلقه المعنى فالخطأ ذكر الشيء على غير ما هو عليه، ولم يأذن الشيخ لغير أولي الألباب في ذلك.
قال القاضي عياض في المدارك وجدير لمطالعه أن يحسن الظن، ولا يبادر إلى الطعن حتى يجيد النظر، ويحقق ما أنكر؛ فإن تيقن بعد زلة أصلحها، أو وجد مبهمة أوضحها. انتهى (١).
وقال الإمام مالك رحمة الله: كل كلام فيه مقبول ومردود، إلا كلام صاحب هذا القبر (٢)، يعني به محمد ﷺ .
الإنسان محل النقصان، ﴿فقلما يخلص مصنف من الهفوات، أو ينجو مؤلف من العثرات﴾ الهفوات والعثرات بمعنى، والمصنف هو الذي جمع أصنافا وميز بعضها عن بعض، والمؤلف من جمع كلام غيره.
قال بعضهم: من تصنف تهدف.
فائدة: قالوا: ولا تأخذ العلم ممن كان أخذه من بطون الكتب من غير قراءة على شيخ حاذق أو شيوخ، فمن لم يأخذه إلا من الكتب يقع في التصحيف، ويكثر منه الغلط والتحريف، وينبغي أن ينظر لمعلمه بعين الاحترام ويعتقد أهليته، فهو أقرب إلى انتفاعه به ورسوخ ما يسمعه منه، ومن كلام أهل التصوف ﵃: من لم ير خطأ شيخه خيرا من صواب نفسه لم ينتفع به (٣).
* * *
стр. 58
باب [في أحكام الطهارة وما يناسبها]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الطهارة، وما يتطهر به، وما لا يتطهر به وما اختلف فيه.
الطهارة في الشرع قسمان: عينية وحكميه، فالعينية عبارة عن إزالة النجاسة، والحكمية عبارة عن الطهارة التي هي الوضوء والغسل وليس المقصود بها إزالة شيء وإنما هي ما تعبدنا بها، فكانت حكمية لا عينية والطهارة الحكمية هي صفة توجب لموصوفها استباحة الصلاة به أوفيه أوله والأولان للخبث والأخير للحدث، والحدث عبارة تطلق في اصطلاح الفقهاء على كل ما ينقض الطهارة بنفسه أو غيره، والطهارة في اللغة: النظافة والنزاهة.
بدأ الشيخ حمدلله بالطهارة، لأنها قبل الصلاة.
اعلم - رحمك الله - أنه يجب أن تعتقد أن الله تعالى ما أمر بشيء، إلا وفيه مصلحة عاجلة أو آجلة أو كلاهما، وما نهى عن شيء إلا وفيه مفسدة عاجلة أو آجلة أو كلاهما، وما أباح الله شيئا إلا وفيه مصلحة عاجلة أو آجلة، وأكثر هذه المصالح والمفاسد ظاهر جلي، فيستدل عليها بأدلتها التي نصبها الله تعالى لها، ومنها ما لا تظهر فيه مصلحة ولا مفسدة، سواء جلب الثواب أو دفع العقاب، ويعبر عنه بالتعبد. انتهى من البقوري (١).
قوله: (يرفع الحدث) أي الحدث الأصغر الذي هو ما ينقض الوضوء، والأكبر الذي هو الجنابة، وحكم الخبث.
قال الشيخ: يرفع الحدث، ولم يقل رافع الحدث لأنه مجاز.
قال صاحب التلقين (٢): معنى رفع الحدث استباحة كل فعل كان الحدث مانعا
стр. 59
منه (١).
قوله: (وحكم الخبث بالمطلق) إنما قاله لأن العين يزول بغير المطلق، ورفع حكم الخبث يستلزم رفع العين، ولا ينعكس، فلا يعترض علينا بالإستجمار، لأن الإستجمار رخصة، والمشهور أن التيمم لا يرفع الحدث، إنما يبيح الصلاة ونحوها من مس المصحف وغير ذلك، والمطلق غير المقيد، ويقال: طهور (وهو ما صدق عليه اسم ماء بلا قيد) لغيره.
قال بعضهم: هذا إذا قيد بغير محله كماء ورد أو زعفران مثلا، وأما المقيد بمحله كماء البحر فهو طهور، والمقيد المعنوي فغير طهور، وهو كونه مغلوبا بما يفارقه غالبا، من طاهر أو نجس.
قوله: (وإن جمع من ندى) أي يرفع الحدث وحكم الخبث بالماء المطلق، وإن كان قد جمع من ندى، (أو ذاب بعد جموده) إن كان جامدا، (أو كان سور بهيمة).
البهيمة: الحيوان غير الناطق مأكول اللحم أم لا، (أو) كان المطلق سؤر شرب (حائض أو جنب، أو كان فضلة) ماء (طهارتهما، أو كان كثيرا خلط بنجس)، وأحرى بطاهر (لم يغير) وصفا من أوصافه.
وقوله: أو كثيرا خلط بنجس أحترز به من المجاور الذي لم يخالط، ومفهوم قوله: كثيرا أن القليل يضر وسيأتي حكمه إن شاء الله.
النجس بفتح الجيم وكسرها ويقال بكسر النون وسكون الجيم، وقيل النجس بالفتح النجس نفسه، وبالكسر الشيء المتنجس.
قوله: (أو شك في مغيره) أي أو كان هذا الماء شك في مغيره (هل يضر؟)، فيسلب الطهورية كالطعام، أو ما لا يسلب الطهورية كالتراب، فيستصحب حال الماء.
قال المازري: ولا ينتقل الماء عن أصله حتى يتحقق ما يؤثر فيه. انتهى (٢).
стр. 60
وكذلك الغدير (أو) بئر بصحراء لا يدري سبب نتنه، لاحتمال أنه من طول ركوده، وكذلك إذا (تغير) الماء (ب) سبب (مجاوره وإن) كان المجاور (بدهن لأصق) وأحرى إن لم يلاصق.
ابن عبد السلام (١): الدهن يجاور ولا يلاصق. انتهى.
وقيل: إلا الدهن الذائب فإنه يمازج، (أو) كان تغير المطلق (برائحة قطران وعاء مسافر، أو بمتولد منه). أطلق الشيخ رحمة الله المسافر وقيده بعضهم بسفر الحج، وقيد بالرائحة، وأطلق بعضهم.
وقال بعضهم: وكذلك تغير ماء القربة بالدباغ، لا يسلب الماء طهوريته، وكذلك إن إذا تغير المطلق بما يتولد منه، لطول المكث كالطحلب، أو بشيء يشبه الدهن فوق الماء فلا يضر.
قوله: (أو بقراره) أي وكذلك تغير الماء لأجل قراره، (كملح) أو كبريت ونحو ذلك، وخص الشيخ الملح بالذكر إذ قد يتوهم أنه طعام، فيسلب الطهورية.
قوله: (أو بمطروح ولو قصدا) أي وتغير وصف من أوصاف المطلق بسبب شيء مطروح فيه، (من تراب أو ملح)، فإن ذلك لا يسلب الطهورية، ولو كان الطرح فيه مقصودا، وأحرى غير مقصود، (والأرجح) عند ابن يونس من الأقوال السلب) أي سلب طهوريته (بالملح) إذا طرح فيه قصدا. انتهى.
وقال المواق (٢): فالصواب أنه لا يجوز الوضوء به، لأنه إذا فارق الأرض كان طعاما، ولا يتيمم عليه. انتهى (٣).
стр. 61
المشهور أنه طهور إلحاقا للطارء الأعلى.
قوله: (وفي الاتفاق على السلب به إن صنع تردد) أي وفي الاتفاق وعدمه على سلب طهوريته بالملح المصنوع تردد في فهم النقل.
قال بعضهم: المذهب على ثلاثة أقوال السلب وعدمه، والفرق بين المعدني والمصنوع فيسلب المصنوع دون المعدني.
وقال بعضهم: المذهب كله على قول، ومن قال بالسلب فهو إذا كان مصنوعا، ومن قال لا يسلب فهو إذا كان معدنيا.
وقوله: ولو هو أول اصطلاحاته في كتابه هذا.
قوله: (لا بمتغير لونا، أو طعما، أو ريحا، بما يفارقه غالبا من طاهر أو نجس، كدهن خالط أو بخار مصطكى) أي لا يرفع الحدث وحكم الخبث بماء متغير لونا أو طعما بلا خلاف فيهما، أو بمتغير ريحا على المشهور.
ابن الحاجب (١): ولم يعتبر (٢).
ابن الماجشون (٣): الريح (٤)، والتغير إنما يسلب طهوريته إذا كان بما يفارقه غالبا من طاهر أو نجس، وذلك كدهن خالط، أو تغير برائحة دخان مصطكى أو غيره. قال اللخمي روائح الطيب وغيرها إن كانت عما حل فيه كان مضافا، وإن كان
стр. 62
عن مجاورة لم يضف إلا ما كان من البخور؛ فإن له حكم المضاف، لأن النار تصعد بأجزاء منه، ويوجد طعم ما يبخر به من المصطكى (١) ..
ابن عرفة: هذا صواب. انتهى من المواق (٢).
قوله: (وحكمه كمغيره) أي وحكم المطلق المتغير وصف من أوصافه، حكم ما غيره إن طاهرا فطاهر وإن كان نجسا فنجس، ويستعمل الطاهر في العادات ويراق النجس.
قوله: (ويضر بين تغير بحبل سانية) وهو إضافة الصفة إلى الموصوف، ومفهومه أن التغير إن لم يتبين لا يضر والمفهوم صحيح، وحبل السانية ليس بشرط، وكذلك ماء تغير بمكثه في إناء جديد.
قوله: (كندير بروث ماشية) أي كما يضر تغير المطلق بروث ماشية، وإن لم يتعين تغيره، وبهذا يوافق النقول.
ابن غازي (٣): التشبيه في الحكم فقط، إذ لا يشترط التبيين (٤) هنا.
قال الشارح (٥): التشبيه في الصورة والحكم. انتهى (٦).
وقول ابن غازي: وروى ابن غانم (٧): لا يعجبني الوضوء به ولا أحرمه، ففي
стр. 63
المجموعة: في الغدير ترده الماشية فتبول وتروث فيها حتى يتغير لون الماء وطعمه، لا يعجبني الوضوء به من غير تحريم (١).
قال البرزلي (٢): فعليه فالصلاة بوضوئه مجزية، والإعادة في الوقت استحبابا، ويجمع بينه وبين التيمم. انتهى من نوازل البرزلي (٣).
قوله: (أو بئر بورق شجر أو تبن) أي وكذلك يضر ماء البئر ويسلب طهوريته، بتغير وصف من أوصافه وإن لم يتبين تغيره بسبب ورق شجر أو تبن يسقط فيه، وقيل مكروه، (والأظهر) عند ابن رشد في بئر البادية بهما الجوان.
وقال: سئلت عن آبار الصحاري التي تدعو الضرورة إلى طيها، بالخشب والعشب، لعدم ما تطوى به سوى ذلك، فيتغير لون الماء وطعمه وريحه، هل يجوز الغسل والوضوء به فأجبت بأن ذلك جائز واحتج له، وذكر له في آخر احتجاجه أن قول بعض المتأخرين في الماء المتغير في الأودية والغدر مما يسقط فيه، من أوراق الشجر النابتة عليه، والتي جلبت الرياح إليها، لا يجوز الوضوء به، شاذ خارج عن أصل المذهب، فلا ينبغي أن يلتفت إليه، ولا يعرج عليه. انتهى كلامه. ودل آخر كلامه أن فتياه غير قاصرة على ما يطوى به البئر من ذلك، فإطلاق المؤلف صواب. انتهى من ابن غازي (٤).
قوله: (وفي جعل المخالط الموافق كالمخالف نظر) أي وفي تقدير المخالط للماء،
стр. 64
الموافق لأوصافه، وعدم تقديره، كالمخالف له ليستدل بهما نظر للأشياخ، لو قال الشيخ تردد لعدم النص.
ابن عطاء الله (١): لا نص في هذه المسألة (٢)، ولكن عنده إن وجد غيره تركه، وإلا تطهر به ويتيمم احتياطا.
قوله: (وفي التطهير بماء جعل في الفم قولان)، التطهير به لابن القاسم بناء على الأصل، وعدمه لأشهب، بناء على الغالب، واتفقا إن خرج ولم يتغير على التطهير به، وكذلك اتفقا على عدم التطهير به إن خرج متغيرا، فالخلاف في حال إذا تعارض الأصل والغالب، هل يغلب الأصل أو الغالب خلاف.
قوله: (وكره ماء مستعمل في حدث)، لما فرغ تعلله مما يرفع الحدث وحكم الخبث وما لا يرفع به شرع يذكر المكروه من المياه، فقال: وكره ماء مستعمل في حدث أي حدث أصغر أو أكبر، واختلف في علة الكراهة.
قال بعضهم: لأن السلف لم يفعلوه مع قلة الماء في الحجاز، وقيل لأنه ماء الذنوب، وقيل ماء رفع به مانع ولا يرفع به مانع آخر، وقيل لأنه أديت به عبادة، وقيل مخافة الوسخ، وظاهر كلام المؤلف وجد غيره أم لا.
قوله: (وفي غيره تردد) أي وفي الماء المستعمل في غير الحدث كالغسلة الثانية، أو لتجديد الوضوء تردد في فهم النقل.
قوله: (ويسير كانية وضوء وغسل بنجس لم يغير أي ومما يكره الماء اليسير خولط بنجس قليل لم يغير وصفا من أوصافه، ومثل الشيخ القدر اليسير بآنية وضوء وآنية غسل. انتهى.
قال المواق: انظر لم يذكر الشيخ الحكم إن لم يوجد غيره، والنص لابن القاسم أنه يتيمم ويتركه (٣).
стр. 65
قوله: (أو ولغ فيه كلب) أي ومما يكره ماء يسير ولغ فيه كلب، أذن في اتخاذه أم لا.
المواق: انظر لم يذكر الشيخ الحكم إن لم يجد غيره، والنص لابن القاسم أنه يتوضأ به ولا يتيمم (١)، لأنه يصيره كالقليل، وهو معلل عند ابن القاسم، وأما الإمام مالك ﵀ جعله تعبدا، لأنه قال: هو ماء فاسد (٢).
قوله: (وراكد يغتسل فيه) أي وكره راكد وهو الموافق يغتسل فيه لأنه يصير به كالقليل بخلاف ما فسره الشارح إلا إن كثر جدا.
قوله: (وسور شارب خمر، وما أدخل يده فيه) أي ومما يكره سؤر شارب خمر، من ماء يسير مسلما كان أو كافرا، لأنه كماء يسير خلط بنجس لم يغيره، وكذلك يكره ماء يسير أدخل شارب الخمر يده فيه، والعلة فيه كالعلة في سؤره.
قوله: (وما لا يتوقى نجسا) أي ومما يكره من الماء سؤر ما لا يتوقى نجسا أو ما أدخل يده فيه، يريد إذا كان هناك نجس ولم يربط عنها، وأما إن لم يكن هناك نجس أو ربط عنها فلا يكره، وحيث يكره سؤره، إذا لم تر النجاسة على فيه حين شرب منه، وأما إذا ريئت فإنه يعمل عليها كما يأتي.
قوله: (من ماء) راجع على الثلاثة والله أعلم، واحترز بقوله: من ماء من الطعام إذ لا يكره بسبب ذلك، لأن الطعام لا يترك بالشك لحرمته، بخلاف الماء لخفته.
قوله: (لا إن عسر الاحتراز منه، أو كان طعاما) أي لا يكره سؤر ما يعسر الاحتراز منه، كالهر والفأر، أو كان السؤر طعاما.
قوله: (كمشمس) أي كما لا يكره استعمال ماء مشمس في الطهارة، وقيل يكره للطب.
قال ابن الحاجب المسخن بالنار والمشمس كغيره (٣).
قوله: (وإن رينت على فيه وقت استعماله عمل عليها) أي وإن ريئت النجاسة على فم ما لا يتوقى نجسا أو يده وقت استعماله في الماء، عمل على مقتضاها، بما تقدم
стр. 66
ذكره أي فإن غيرت الماء سلبت الطهورية بلاخلاف، وإن لم تغيره فإن كان الماء كثيرا فلا يضره، وإن كان قليلا كآنية وضوء وغسل كره، وقد تقدم ذكره، وذكر الطعام يأتي حكمه في الفصل الذي بعد هذا.
قوله: ﴿وإذا مات بري ذو نفس﴾ أي دم سائلة براكد ولم يتغير ندب نزح بقدرهما) أي وإذا مات حيوان بري ذو نفس سائلة بكجرح في ماء راكد، ولم يتغير وصف من أوصاف ذلك الماء، ندب نزح ذلك الماء بقدره وقدر الدابة، إن كان الماء كثيرا والدابة صغيرة نزح من الماء قليل، والعكس نزح الكثير منه، فإن استويا نزح الوسط، واعلم - رحمك الله - أن في كل لفظة من هذه الجملة فائدة، فقال: وإذا مات احترز به مما إذا وقع في الماء ميتا، أو وقع فيه وخرج حيا، واحترز بالبري من البحري، فلا ينجس ماء مات فيه، واحترز بذي نفس سائلة من بري لا دم له من نفسه ولا من غيره كالزنبور والعقرب والخنفسا، فإنه لا يضر الماء، واحترز براكد من ماء جار، واحترز بقوله: ولم يتغير مما إذا تغير وصف من أوصافه فإنه يجب نزحه. انتهى.
الحاصل: وإذا انخرم شرط من هذه الشروط إما إن وجب النزح أو لا يستحب فتأملها.
فرع: القلشاني (١): ما لا مادة له، كالماء تموت فيه دجاجة ولم يتغير ماؤها، هل حكمه كالذي قبله في تطهيره؟ بنزع ما يصيبه أو بنزع كله قولان الأول لابن وهب، والثاني للمدونة. انتهى (٢).
فائدة: قال البرزلي مفتي تونس: الخشاش ماله قشر يابس، والهوام ما ليس كذلك (٣).
قوله: (لا إن وقع ميتا) مفهوم قوله: وإذا مات، تارة يكتفي بالمفهوم وتارة لا يكتفي به.
стр. 67
قوله: (وإن زال تغير النجس لا بكثرة مطلق) أي وإن زال تغير الماء النجس، بغير كثرة ماء مطلق، ورد عليه بل زال تغير النجس بنفسه، أو بقليل مطلق، أو بطول المكث، أو بالتراب، (فاستحسن الطهورية) لزوال المانع، لأن الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما، إذا ارتفعت العلة ارتفع معلولها.
قوله: (وعدمها أرجح) أي وعدم الطهورية أرجح لعدم مقتضى الطهارة، إلا أن هذا الترجيح ليس في ابن يونس.
قال صاحب مغني النبيل (١): علة سلب الطهورية غلبة ذلك الأجنبي عليه، بدليل تغيره به والأصل بقاؤها وإن ذهب دليلها، لأنه كثيرا ما يزول العرض ويبقى جوهره، ولا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول. انتهى.
وأما لو زال تغيره بكثرة المطلق، فلا خلاف في طهوريته. انتهى.
وهذ الخلاف في البول نفسه إذا ذهب تغيره، وكذلك بول المريض إذا لم يتغير، لأجل ألا يستقر في بطنه. انتهى.
قال ابن عرفة (٢): الطهورية صفة حكمية توجب الموصوفها جواز استباحة الصلاة به أو فيه أو له فالأوليان من خبث والأخيرة من حدث، والنجاسة توجب له منعها به أو فيه، والحدث يأتي، والطهورية توجب له كونه بحيث يصير المزال به نجاسة طاهرا (٣).
قوله: (وقبل خبر الواحد إن بين وجهها، أو اتفقا مذهبا) أي ويقبل خبر المسلم الواحد البالغ ذكرا كان أو أنثى ضبطه لما أخبر به أرجح من سهوه، في كون الماء طاهرا أو نجسا، إن بين وجه النجاسة، وإن لم يتفق السائل والمسؤول مذهبا، أو اتفقا فيه وإن لم يبين وجهها.
стр. 68
قوله: (وإلا) أي وإن لم يتفقا مذهبا، ولم يبين وجه النجاسة.
(فقال) المازري: (يستحسن تركه). انتهى.
وهذا إن وجد غيره، وعبارة ابن عرفة الاستحباب.
قوله: (وورود الماء على النجاسة كعكسه)، والعكس هو ورود النجاسة على الماء، خلافا لمن قال: وورود النجاسة على الماء أشد.
فصل [في بيان الأعيان الطاهرة من الأعيان النجسة]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه الشيء الطاهر والنجس.
الفصل: الحاجز بين شيئين، ليس مما تقدمه فناسب الفصل، وليس ببعيد فيناسب الباب، بدأ الشيخ بالطهارة فقال: (الطاهر ميت ما لا دم له) من نفس سائلة من نفسه ولا من غيره، كالعقرب ونحوه من خشاش الأرض، لأن علة الدم الإستقذار، والإستقذار علة النجاسة، وخفف بعضهم جلد القملة الميتة.
قوله: (والبحري ولو طالت حياته ببر) أي ومما هو طاهر ميت البحر، ولو كانت حياته تطول في البر، كالتمساح والضفدع خلافا لابن نافع (١)، الضفدع بكسر الضاد أفصح اللغات فيه.
قوله: (وما ذكي وجزؤه) أي ومن الطاهر ما ذكي ذكاة شرعية، من نحر وذبح وعقر، وجزء منه، من كعظم وعصب وجنين ومرارة، خلافا للشافعي أن المرارة ليست بطاهرة. كل حيوان له مرارة إلا الإبل والنعامة. انتهى.
والحكم على الكل بالطهارة لا يستلزم طهارة كل الأجزاء.
قوله: (إلا محرم الأكل) أي فإنه ليس بطاهر وإن ذكي، وأما المكروه فمذكاه طاهر، وهذه من المسائل التي خالف فيها الإمام مالك ﵀ العلماء، وهي الصلاة على جلود السباع المذكاة، وأكل ما أكلت منه الجوارح، وبيع ما عدى الطعام
стр. 69
قبل قبضه.
قوله: (وصوف، ووبر، وزغب ريش، وشعر ولو من خنزير) إلى قوله: (إن جزت) أي والصوف للضأن، والوبر للإبل والأرانب، وزغب ريش طير لا قصبه وشعر آدمي ومعز وخنزير طاهر إن جزت الأربعة وإن بعد الموت، وأما إن نتفت فليست بطاهرة، لأن أجزاء الميتة تعلقت فيه.
قال أصبغ (١): شعر الخنزير غير طاهر مطلقا (٢). الوبر بفتح الباء، وأما بسكون الباء فهو دويبة معروفة.
ابن عرفة: في ريش الميتة طرق (٣) وروى الباجي (٤) ما له سنخ في اللحم مثله، وما لا كالزغب طاهر.
ابن علاق (٥): روى ابن المواز (٦) عن مالك: يجوز بيع ريش الميتة الذي له سنخ
стр. 70
يكون فيه الدم.
السنخ: الأصل، وأسناخ الأسنان أصولها، سنخ في العلم رسخ فيه. انتهى (١). قوله: (والجماد) أي والجماد طاهر اتفاقا، (وهو جسم غير حي، ومنفصل عنه) أي لم تحله الحياة وهو كقول ابن شاس (٢): يعني بالجماد ما ليس بذي روح ولا منفصل عن ذي روح (٣).
قوله: (إلا المسكر) أي والجماد ومنفصل عنه طاهر إلا أن يكون مسكرا، فإنه ينجس وإن كان غير مستقذر، لأن مراد الشرع استبعاده.
قال القرافي (٤) ﵀ فمتى كانت العين غير مستقذرة، فحكم الله تعالى في تلك العنين عدم النجاسة، وأن تكون طاهرة، فعلة الطهارة عدم علة النجاسة، إلا أن يحدث معارض من جهة أخرى يعارضنا عند عدم العلة، كما في الخمر، فإنها ليست بمستقذرة، وإنما قضى بتنجيسها لأنها مطلوبة الإبعاد، وتنجيسها يفضي إلى إبعادها، وما يفضي إلى المطلوب مطلوب، فهذه علة أخرى غير الإستقذار وجدت عند عدمه فقامت مقامه. انتهى من كتابه أنوار البروق في أنواء الفروق (٥).
стр. 71
والمسكر ما غيب العقل دون الحواس، ومعه نشوة فرح الفرق بينه وبين المفسد والمرقد أن الخمر نجس، ويحرم قليله وفيه الحد، والمرقد والمفسد طاهران، ولا حد على شاربهما، فالمرقد يغيب العقل والحواس، حتى لا يدري ما يفعل في بدنه، والمفسد: ما يغيب العقل دون الحواس من غير نشوة فرح، كالبنج والسيكران والبلادوري. انتهى.
قوله: (والحي، ودمعه) أي والحي كله طاهر، وإن كان وزغا أو دود ميتة خنزير، كان الآدمي مسلما أو كافرا، حتى الجنين يخرج وعليه رطوبة الفرج، ولا يدخله الخلاف الذي في رطوبة الفرج. انتهى.
لو قال الشيخ والحي طاهر ولو كان كلبا أو خنزيرا ليشير إلى الخلاف، وسئل عن الشيطان - لعنه الله - هل هو طاهر؟ أو نجس فأجيب بأنه طاهر لأنه حي، وكل حي طاهر، وكذلك دمع كل حي، (وعرقه ولعابه ومخاطه) طاهر، وإن كان المخاط مستقذرا للضرورة.
قال ابن شاس: أما الأجزاء المنفصلة عن باطن الحيوان، فهي قسمان الأول كل مترشح ليس له قرار يستحيل فيه، كالدمع والعرق واللعاب، وما في معنى ذلك فهو طاهر من كل حيوان، وما ذكرناه من طهارة اللعاب، يقتضي طهارة أسار جميع الحيوان، وقد انفرد سؤر الكلب بحكم أثبته له الحديث الصحيح، هو غسل إناء الماء من ولوغه سبعا (١). انتهى (٢).
اللعاب طاهر لكن لا يمحى به القرآن العزيز، وقد اشتد نكير ابن العربي في العارضة على من يلطخ صفحات أوراق المصحف أو غيره، ليسهل قلبها، قائلا إنا لله على غلبة الجهل المؤدي إلى الكفر. انتهى (٣).
وقال ابن الحاج (٤) في المدخل: لا يجوز مسح لوح القرآن أو بعضه بالبصاق،
стр. 72
ويتعين على معلم الصبيان منعهم من ذلك (١). انتهى من التقييد.
الوانوغي (٢) في الروضة قال النووي: الماء الذي يخرج من فم النائم، إن تغير فهو نجس وإلا فهو طاهر، وإذا قلنا بنجاسته، وكان ملازما لشخص، فهو كدم البراغيث (٣)، قال: فانظره على قواعد المذهب.
قوله: (وبيضه ولو أكل نجسا، إلا المدر) أي البيضة الفاسدة، بمعنى صارت دما وأنتنت أي وبيض الحي طاهر ولو أكل نجسا لأنه انقلب من فساد إلى صلاح، بناء على أن انقلاب الأعيان له تأثير في الأحكام، إلا أن يكون البيض مذرا أي المنتن الفاسد، وظاهر كلام الشيخ وإن كان البيض من الحشرات، قال بعضهم: المراد من البيض بيض مأكول اللحم من الطير، وأما بيض الحشرات، أشار ابن بشير إلى أنه ملحق بلحمها.
قوله: (والخارج بعد الموت) راجع إلى البيض وما قبله أي إلا المذر والخارج بعد الموت من عرق ولعاب ومخاط وبيض، وهذا أعم من رجوعه على البيض فقط، حمل اللفظ على فوائد أولى من حمله على فائدة واحدة.
قوله: (ولبن آدمي إلا الميت، ولبن غيره تابع) أي ولبن آدمي إنسان ذكرا أو أنثى مسلما أو كافرا طاهر إلا لبن الميت فإنه نجس، وأما لبن غير اللآدمي تابع للحم مذكاه في الطهارة وعدمها، فلبن محرم الأكل نجس، ولبن المباح والمكروه طاهر. قال محمد بن عبد الكريم ﵀: قلت: قولهم في تفسير التبعية إن كان مباح الأكل
стр. 73
فلبنه طاهر، ومحرم الأكل فلبنه نجس، ومكروه الأكل فلبنه مكروه، وهم منهم لأنه يقتضي أن لبن المكروه ليس بطاهر ولا نجس، وليس كذلك، إذ لا واسطة بين الطاهر والنجس، وقد تقدم أن مذكى المكروه طاهر وإن كره أكله، فكذلك لبنه طاهر وإن كره شربه.
فرع: يجوز شرب لبن المحرم والأجنبية وبيعه، ولا يجوز شراء لبن الكلاب والحمير وإن قلنا أنه طاهر جاز بيعه، وبول الوطواط نجس.
قوله: (وبول وعذرة من مباح)، صوابه وبول وروث، لأن العذرة من الآدمي، والروث من البهائم.
قوله: (إلا المفتذي بنجس) أي وبول وروث من مباح الأكل طاهر، إلا المتغذي بنجس فإن بوله وروثه نجس، لأنه انقلب من فساد إلى فساد، وبول الوطواط وبعره نجس، واختلف في علة نجاسته قيل لغذائه بالنجس، وقيل لأنه ليس من الطير، لأنه يلد ولا يبيض، وفي حياة الحيوان أن الوطواط أبر الحيوان لأبويه، لأنه إذا كبر أحدهما حمله على نفسه حتى يموت (١).
قوله: (وقيء) أي والقيئ طاهر (إلا المتغير) منه (عن) وصف (الطعام)، تغيرا بينا فإنه نجس، وأما القلس فهو ماء حامض، تقذفه المعدة فطاهر. قوله: (وصفراء، وبلغم) أي ومما هو طاهر من الإنسان، صفراء وبلغم، (ومرارة) كذلك (مباح) الأكل طاهر.
قوله: (ودم لم يسفح) أي والدم الذي لم يسفح أي لم يبرز عن محله طاهر، كالباقي في العروق ونحوها. انتهى. قال المواق: وقال عز الدين: يجب غسل محل الذكاة بالماء. انتهى.
وقال بعض شيوخنا: يجب أن يرفع أنف البهيمة ليخرج الدم المسفوح (٢).
قوله: (ومسك وفأرته) أي وعاؤه فأرته والمسك طاهر، وحكى بعضهم الإجماع على طهارته، وفأرته (٣) هو الخارج الذي يجتمع فيه من ذلك الحيوان وهو من غزال
стр. 74
معروف له أنياب كأنياب الفيل. انتهى.
إنما ذكر الشيخ لفظ مسك لئلا يتوهم متوهم أنه منفصل عن حي.
قوله: (وزرع بنجس) أي والزرع المسقى، أي بذره بنجس طاهر، لأنه انقلب من فساد إلى صلاح.
قوله: (وخمر تحجر أو خلل) أي ويطهر الخمر إذا يبس وصار كالحجر، ويقال له حينئذ الطرطر، وكذلك يطهر الخمر إن فعل به ما يصيره خلا، وأحرى إن تخللت بنفسها.
قال الغزالي (١) ﵀: أسباب الطهارة، إزالة كالغسل بالماء، أو إحالة كانقلاب الخمر خلا والدم منيا ثم آدميا وهما كالدباغ. انتهى (٢).
قال البرزلي: إذا وقع ثوب في جرة خمر، ثم تخللت من نفسها والثوب فيها، صارا طاهران، قلت: ويتخرج على عدم طهارة الخل كذلك الثوب. انتهى من نوازله (٣).
قوله: (والنجس ما استثني) لما فرغ ﵀ من الطاهر شرع يذكر النجس، فقال: والنجس أي هو المستثنى مما تقدم ذكره، وهو محرم الأكل، والمسكر ولبن الميتة، وبول المتغذي بنجس وروثه، والقيء المتغير عن وصف الطعام تغيرا بينا.
قوله: (وميت غير ما ذكر ولو قملة) أي وميت غير ما ذكر مما تقدم، وهو ما لا نفس له سائلة، وغير ميت البحر أي وميت غير هذا نجس، ولو كان قملة، وفاقا للأكثر من الأشياخ، وخفف بعضهم جلدته.
قوله: (وآدميا والأظهر طهارته) أي وميت الآدمي غير نبي نجس، وفاقا لابن القاسم، ابن رشد: والأظهر طهارة ميت الآدمي.
الحاصل: وفي ميت الآدمي غير نبي من الأنبياء ثلاثة أقوال: الطهارة وعدمها، والفرق بين المسلم والكافر، وقد قبل رسول الله ﷺ وجه رجل (٤) من أصحابه بعد
стр. 75
موته، ودموعه تجري (١)، ولو كان المسلم نجسا ما قبله ﷺ ، فقالت عائشة ﵂: سبحان الله المؤمن لا ينجس (٢) حيا أو ميتا، ولذلك قال ابن رشد: والأظهر طهارته.
قوله: (وما أبين من حي وميت: من قرن وعظم وظلف وظفر وعاج وقصب ريش) أي وما قطع من كل حي أو ميت غير ما ذكر وإن آدميا نجس، وكذلك ما لم يبن، ولكن وصل إلى حيث لا يعود إلى حاله، وذلك من قرن وإن طرفه الأعلى، خلافا للرسالة، ومن عظم ومن ظلف، الظلف للبقر والغنم أو ظفر، ومن عاج إذا لم يذكى الفيل، وأما إن ذكي فعاجه طاهر، وظفر من إنسان أو إبل أو أنعام أو إوز أو كان من قصب ريش، وإن أعلاه.
قال المواق في التاج والإكليل: فمقتضى نصوص الأئمة أن العاج وأطراف القرون وأطراف الأظلاف الأمر فيها قريب قصارى ما في ذلك الكراهة. انتهى (٣).
قال صاحب الطراز (٤): إذا سقطت السن فهل يجوز له ردها على قولنا إن الإنسان لا ينجس بالموت قال: الظاهر أنه لا يجوز، وهو قول الشافعي، لأن ما أبين عن الحي فهو ميتة، وأجازه أبو حنيفة، وهو مقتضى مذهب ابن وهب، وابن المواز، لأنه ينجس جملته بالموت، وكذلك بعضه بخلاف الأنعام فإن جملتها تنجس بالموت، فينجس جزؤها إذ انفصل منها. انتهى من الذخيرة (٥).