← Фикх малики

Фикх малики · id 30174

موهوب الجليل في شرح مختصر خليل

ابن أبي بكر الواداني

Полный текст (1 727 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

قوله: (وينتقض بقتال، ومنع جزية، وتمرد على الأحكام، وبغصب حرة مسلمة، وغرورها، وتطلعه على عورات المسلمين، وسب نبي بما لم يكفر به، قالوا كليس بنبي، أو لم يرسل، أو لم ينزل عليه قرآن، أو تقوله) أي وينتقض العهد بقتال، المفهوم من السياق بقتال المسلمين، لمنافاته الإيمان والتأمين وهما مقصود العقد، وكذلك ينتقض بمنع جزية، لأنها عوض عن تأمينهم وحقن دمائهم، وكذلك ينتقض بسبب تمرد على الأحكام بأن يظهر عدم المبالاة بترك ما أمر به أو فعل ما نهي عنه، أو استعانة بجاه من يخشى منه الحاكم على نفسه أو ماله أو عرضه، وكذلك ينتقض بسبب غصب حرة مسلمة وزنى بها، واحترز بالغصب من الطوع فليس نقضا عند مالك خلافا لابن وهب نقله اللخمي عنهما، وبالحرة من الأمة، وبمسلمة من ذمية، فإنه لا ينتقض بغصب الأمة المسلمة. قال في الجلاب: وان استكره أمة فالعقوبة الشديدة، وما نقص من ثمنها. انتهى. قال محمد: إلا أن يعاهد على أنه إن أتى شيئا من ذلك انتقض، وكذلك ينتقض عهده بسبب غرور مسلمة بأنه مسلم وتزوجها. وقال مغني النيل: وغرورها بإسلام حتى استمتع بها وإن بزني، وكذلك ينتقض العهد بسبب تطلع على عورات المسلمين، وإن لم يطلع عليها، وبإطلاعه عليها عدوا، وإن لم يطلع عليها، وكذلك ينتقض العهد بسبب سب نبي بالشيء الذي لم يكفروا به إذا ثبتت نبوته عندنا، سواء ثبت عندهم أولا، فسب يهودي سليمان وداوود صلى الله عليهما وسلم نقض، ولا ينفعه قوله ليس بنبي عندي، وأما إن سبه بما كفر به كقوله في نبينا لم يرسل إلينا وإنما بعث للعرب، فإنه لا ينتقض عهده، ومثل المصنف لما ذكره مما ينقض العهد من السب بقوله: قالوا كليس بنبي أو لم يرسل أو لم ينزل عليه قرآن أو تقوله أي اختلقه من تلقاء نفسه. القول يحتمل الصدق والكذب، والتقول لا يحتمل إلا الكذب، قال تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿أو عيسى خلق محمدا، أو﴾ قال (مسكين محمد يخبركم أنه في الجنة ماله لم ينفع نفسه حين أكلته الكلاب). قال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله تعالى: ينبغي أن لا يدخل هذا في التبري لأن فيه استهزاء للنبي ﷺ . سأل ابن القاسم مالكا عن نصراني بمصر قاله وزاد لو قتلوه استراح الناس منه.

стр. 737

فقال: أرى أن تضرب عنقه. قوله: (وقتل إن لم يسلم) أي فإن حصل من الذمي شيء من الأمور التي يكون بها ناقضا للعهد فإنه يقتل لأنا لم نعطه العهد أو الذمة على هذا، إلا أن يسلم فلا يقتل إذ قتله لنقض العهد لا للحد. انتهى. والشفا فيما يتعلق بهذا الباب في الشفا بتعريف حقوق المصطفى. قوله: (وإن خرج لدار الحرب) أي هذا الذمي المعاهد ناقضا للعهد إلى دار الحرب هاربا وقدر عليه بعد ذلك (وأخذ استرق) عند مالك وأصحابه إلا أشهب (إن) لم يظلم، وإلا) أي وإن خرج لظلم لحقه (فلا) يسترق على المشهور وهو مذهب المدونة. قوله: (كمحاربته) تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا يسترق لأجل محاربته بدار الإسلام غير مظهر للخروج عن الذمة، فإن حكمه كالمسلم المحارب، وسيأتي في آخر الكتاب إن شاء الله، ولا معارضة بين هذا وما تقدم من أنه إذا قاتل المسلمين انتقض عهده، كما توهمه بعضهم، لأنه هناك أظهر القتال وها هنا متلصص. وقال ابن مسلمة: يرق. قوله: (وإن ارتد جماعة وحاربوا فكالمرتدين) أي وإن ارتد جماعة بعد إسلامهم، وحاربوا المسلمين وأخذوا، فحكمهم حكم المرتدين الذين لم يحاربوا، فإن تابوا وإلا قتلوا، ولا تسبى العيال وهو فعل عمر ﵁، وعليه جماعة العلماء وأئمة السلف إلا قليلا، وقال أصبغ كالكفار المحاربين فيسترقوا أولادهم وعيالهم وهو فعل الصديق ﵁. قوله: (وللإمام المهادنة) أي وللإمام المسالمة مع الكفار (لمصلحة؛ إن خلا) عقدها (عن) شرط فاسد (كشرط بقاء مسلم) أسيرا في أيديهم، وأن يحكموا بين المسلم والكفار بحكمهم. واستغنى المصنف عن حدها بذكر شروطها وهي أربعة كما في الأخيرة: أولها بقوله: وللإمام فلا يتولى عقدها غيره. وثانيها بقوله: لمصلحة كالعجز عن القتال علي وفق الرأي السديد للمسلمين لقوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ [الأنفال: ٦١]، فإن لم تكن مصلحة بأن ظهر المسلمون عليهم لم يجز.

стр. 738

الشرط الثالث: أن يكون عقدها خال عن شرط فاسد، (وإن) كان الفساد (ب) سبب (مال) يدفعه الإمام لهم، (إلا لخوف) على استئصال المسلمين فيجوز المصالحة على الشرط الفاسد. والشرط الرابع: قوله: (ولا حد) أي ولا حد لمدة الهدنة من طول وقصر بل يجتهد الإمام فيما هو أصلح بقدر الحاجة، ولا يطيل مدتها لما قد يحدث من قوة الإسلام. (وندب أن لا تزيد) مدتها (على أربعة أشهر) مع القدرة. قوله: (وإن استشعر خيانتهم نبذه) أي وإن استشعر الإمام خيانتهم قبل المدة، نبذ العهد ويرده إليهم. قال صاحب فتح الجليل: ظاهره وجوبا. ابن العربي: إن قيل كيف ينقض العهد المتيقن بالخوف وهو ظني، قيل: إذا ظهرت آثار الخيانة ودلائلها، وجب نبذه خوف الوقوع في الهلكة بالتمادي، وسقط اليقين هنا بالظن بالضرورة، وقرره الشارح على أن له ذلك تبعا لقوله في الذخيرة: فله ذلك (١). قوله: (وأنذرهم) أي وحذرهم. قوله: (ووجب الوفاء وإن برد رهائن، ولو أسلموا كمن أسلم، وإن رسولا، إن كان ذكرا) أي وهذا إشارة لحكم عقد الهدنة، وهو وجوب على الإمام الوفاء بما شرطوا في العقد، وإن كان اشترط برد ما عندنا لهم من رهائن فيرودن ولو أسلموا وفاء بالعهد، وكذلك من أسلم منهم ولحق بنا، وشرط رده إليهم فإنهم يوفي لهم بذلك، وإن كان من أسلم رسولا وفاء بالعهد إن كان ذكرا، وأما الأنثى فلا ترد لقوله تعالى: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠] وبالغ عليه لمخالفة ابن الماجشون. قوله: (وفدي بالفيء، ثم بمال المسلمين، ثم بماله، ورجع بمثل المثلي وقيمة غيره) أي وفدي من رد إليهم وغيره من الأسرى بالفيء، وهو بيت المال، فإن عجز بيت المال، أو لم يوصل إليه، فدي بمال المسلمين، لأنه فرض كفاية عليهم على قدر أموالهم، والأسير كأحدهم إن كان له مال، وظاهره ولو بجميع مالهم وقاله

стр. 739

اللخمي (١). وقال: ويلزم على قوله: أن يفتدى بالمال الذي خلفه، فيبعث لافتدائه وإن كره عز ماؤه، وهذا التغليب أحد الضررين فيما يناله من العدو، أو يخشى عليه أن يفتتن. انتهى من التبصرة. ابن عرفة: ما لم يخش استيلاء العدو لذلك، ثم إن ضيع الإمام والمسلمون ذلك فدي بماله، وظاهر كلام المصنف وجوب الفداء وعليه مالك والأكثر. انتهى. وإن فداه غيره بمال نفسه رجع عليه بمثل المثلي وقيمة غيره، واعترض لأن السلف إنما عليه رد مثله. ابن عبد السلام: الأظهر المثل مطلقا لأنه فرض. قوله: (على الملي والمعدم، إن لم يقصد صدقة، ولم يمكن الخلاص بدونه) أي يرجع الفادي على المليء حالا، وعلى المعدم بأن يتبع ذمته، فيأخذ منه عند يسره فلا يسقط بفقره، وظاهره ولو فداه عالما بعدمه حال الفداء، وهو كذلك عند ابن القاسم هنا خلاف في ما له في عدم الرجوع في منفق على صغير معدم، والفرق أن الكبير قادر بخلاف الصغير فهو محتسب، ومحل رجوع الفادي إن لم يقصد بالفداء صدقة عليه، ولم يكن الخلاص بدون الفداء، ليشمل صورتين بأن يخلصه مجانا، أو بدون ما يفدي به، فإن قصد الصدقة أو فداه مجانا فلا رجوع له بشيء، وإن فداه بدون ما يفدي به رجع بقدره فقط. قوله: على المليء متعلق بقوله: ورجع. قوله: (إلا محرما أو زوجا إن عرفه أو عتق عليه، إلا أن يأمره به ويلتزمه)، هذا استثناء من قوله: رجع أي فلا يرجع الفادي على قريب محرم أو زوج، إن عرفه الفادي حين الفداء، أو عتق عليه المحرم، وإن لم يعرفه، إلا أن يأمره المحرم الذي يعتق عليه أو الزوج بالفداء، ويلزمه كأن يشهد قبل الفداء أنه إنما فداه ليرجع به ويرضى المفدي بذلك، فإنه يرجع حينئذ قولا واحدا، لأنه لم يشترط لنفسه، وإنما قصد الفداء ولم يقصد الهبة، لما شرط الرجوع، إلا أن يكون الأب فقيرا فلا يرجع عليه، لأنه مجبور على افتدائه، كما يجبر على النفقة عليه، وهو في الافتداء أكد كذا. قاله الحوفي. وفهم من كلام المصنف الرجوع على الأجنبي، وعلى القريب ذي رحم غير

стр. 740

المحرم، أو محرم لا يعتق عرفه أو لا. قوله: (وقدم على غيره، ولو في غير ما بيده) أي وقدم الفدي على غيره من الديون التي على الأسير، ولو فيما بغير يده غائبا عنه ببلد الإسلام. قوله: (على العدد؛ إن جهلوا قدرهم) أي ومن أفدى جماعة من الأسرى من يد العدو في صفقة واحدة، رجع على كل واحد منهم بما ينوبه بالسواء، إن جهل العدو قدرهم أي قدر الأسارى من غني وفقير، وظاهره مساوات العبد للحر في ذلك وهو كذلك، ويخير سيده بين فدائه وإسلامه، ومفهوم الشرط إن علموا قدرهم أقسم الفداء على تفاوتهم. قوله: (والقول للأسير في الفداء أو بعضه) أي والقول للأسير في إنكار الفداء جملة إذا تنازع مع الفادي، أو في إنكار بعضه أو شيء من صفته، ظاهره أشبه قوله أم لا، وهو خلاف أصولهم. والذي يأتي على أصولهم أن الأسير يصدق إذا أشبه. قوله: وإن أشبه قول الفادي وأما إن لم يشبه قول الأسير يصدق الفادي إن أشبه. قوله: وإن لم يشبه حلفا ورجع إلى فداء المثل. انتهى. هكذا قرره شيخنا محمود بن عمر حفظه الله. قال فتح الجليل وظاهره أشبه قوله أم لا وهو كذلك قاله ابن القاسم. وابن يونس يريد بيمين، وظاهره سواء أخرجه من بلد الحرب أو لا، وهو كذلك، سواء كان بيد الفادي أم لا، أما إن لم يكن بيده فاتفاق وبيده فخلاف (١). قوله: (ولو لم يكن بيده) قال صاحب فتح الجليل: فحق المبالغة في قوله: ولو لم يكن بيده ولو كان بيده (٢). قوله: (وجاز بالأسرى المقاتلة) أي وجاز فداء أسير المسلمين بالأسرى الكفار التي شأنها المقاتلة إن لم يرضوا إلا بهم، لفدائه ﷺ أسيرين بمشرك، لتحقق خلاص المسلم الآن وقتالهم مترقب. وفهم من كلام المصنف جواز الفداء بالصغار من باب أولى. قوله: (والخمر والخنزير) أي ويجوز فداء المسلم بالخمر والخنزير في أحد

стр. 741

قولي ابن القاسم، وبه قال سحنون (على الأحسن) عند ابن عبد السلام، وسبقه إليه اللخمي وعليه فكيف الطريق لذلك. قال سحنون: يأمر الإمام أهل الذمة بدفعه، ويحاسبهم بما عليهم، نقله ابن رشد وابن يونس ونقل عنه الباجي يبتاع للفداء. قوله: (ولا يرجع به على مسلم وفي الخيل وآلة الحرب قولان) أي فإن فدى الأسير بالمذكور من خمر أو خنزير، فلا يرجع به على مسلم، ومفهومه أنه يرجع به على الذمي. قال البساطي: وهو ظاهر إذا كان الفادي ذميا، وظاهر كلامه أيضا أن الذمي لا يرجع على المسلم، ونص سحنون على رجوعه عليه بقيمة الخمر والخنزير حكاه ابن يونس. وكذلك الميتة إن كانت مما يملكون. انتهى. وفي جواز الفداء لأسير من أيدي العدو بالخيل وآلة الحرب ومنعه قولان، الأول لأشهب وعبد الملك وسحنون والثاني لابن القاسم. قال اللخمي: قال أشهب: يفدى بالخيل والسلاح، ولا يفدى بالخمر ولا الخنزير ولا الميتة. وعكسه ابن القاسم في كتاب محمد فقال: لا يصلح فداؤه بالخيل. انتهى (١). قال صاحب مغني النبيل: ولكل شيء وجه فيرتكب أخف الضررين وليس الخبر كالعيان. * * *

стр. 742

باب [في أحكام المسابقة المعينة على الجهاد] قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل المسابقة في الخيل ونحوها، وفي الإبل والسهام ونحوها. قوله: (المسابقة: يجعل في الخيل والإبل، وبينهما، والسهم إن صح بيعه، وعين المبدأ والغاية والمركب والرامي وعدد الإصابة ونوعها، من خرق أو غيره) أي وتجوز المسابقة بجعل، وأخرى بغير جعل في الخيل ونحوها وحدها، وفي الإبل وحدها، وبين الخيل والإبل والسهام وحدها. ويشترط في الجعل في ذلك أنه مما يصح بيعه في الشرع، لا ما لا يصح كالخمر ونحوه، ويشترط في جواز المسابقة تعيين المبدأ والغاية فيها، وتعيين المركب في الركوب، وتعيين الرامي في الرمي، وعدد الإصابة فيها ونوعها من خرق أو خسق. والخرق بالزاي أن يثقبه ولا يثبت في المرمي، والخسق بالسين أن يثقبه ويثبت فيه. قوله: (وأخرجه متبرع، أو أحدهما، فإن سبق غيره أخذه، وإن سبق هو فلمن حضر) أي ويخرج الجعل في ذلك متبرع من وال أو غيره، أو أخرجه أحد المتسابقين لكن إن كان السابق غير المخرج أخذه غيره فإن كان المخرج هو السابق فالجعل لمن حضرهما وهل يحسبه من الحاضرين فيأخذ نسبته أولا يحسب فيه قولان. انتهى. قال القرافي في ذخيرته قاعدة لا يجتمع في الشرع العوضا في باب المعاوضة لشخص واحد، ولذلك منعنا الإجارة على الصلاة ونحوها، لحصولها مع عوضها لفاعلها، وحكمة المعاوضة انتفاع كل واحد من المتعاوضين بما بذل له، والسابق له أجر التسبب إلى الجهاد فلا يأخذه. وقال: المسابقة مستثنات من ثلاثة قواعد القمار وتعذيب الحيوان لغير مأكلة وحصول العوض والمعوض له لشخص واحد على الخلاف المتقدم، واستثنيت هذه القواعد لمصلحة الجهاد (١).

стр. 743

وقال القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق ولهذه الحكمة اشترط العلماء المحلل لأخذ العوض. والقاعدة أنه لا يجوز أن يجتمع العوضان لشخص واحد، فإنه يؤدي إلى أكل المال بالباطل. انتهى (١). قوله: (لا إن أخرجا ليأخذه السابق، ولو محلل يمكن سبقه) أي لا يجوز أن يخرج المتسابقان ذلك على أن يأخذه السابق منهما كما في هذا الزمان قولا واحدا، إنما الخلاف فيما إذا أخرجاه ومعهما محلل والمشهور أنه لا يجوز، وإن أمكن سبق المحلل، وأخرى في عدم الجواز، لما إذا لم يكن سبقه. قوله: (ولا يشترط تعيين السهم والوتر، وله ما شاء. ولا معرفة الجري، والراكب) أي ولا يشترط تعيين السهم المرمي به، ولا تعيين الوتر ولا القوس، بل للرامي أن يرمي بما شاء وعلى ما شاء من الأوتار، وكذلك لا يشترط معرفة قوة الجري بالمركوب ولا تعيين الراكب، ولكن إن علم أحدهما يسبق فرسه فلا يجوز. قوله: (ولم يحمل صبي) أي ولا يحمل صبي على الخيل ونحوها، لأن مالكا كره حمل الصبيان عليها خوف العطب. قوله: (ولا استواء الجعل، أو موضع الإصابة، أو تساويهما) أي ولا يشترط استواء الجعل، بل يجوز أن يكون متفاوتا، وهذا ظاهر، إذا كان الجعل من المتبرع، وكذلك لا يشترط في الرمي موضع الإصابة في الرمي ولا تساوي الإصابة. قال في مغني النبيل: ولا بأس أن يشترط أحدهما قرطاس الهدف خرقا والآخر فيه أو حوله رشقا. قوله: (وإن عرض للسهم عارض، أو للفرس ضرب وجهه، أو نزع سوط لم يكن مسبوقا، بخلاف تضييع السوط، أو حرن الفرس) أي وإن عرض للسهم عارض عرض له أو انكسر، أو عرض للفرس شيء ضرب وجهه، أو نزع سوطه، لم يكن مسبوقا بسبب ذلك، لظهور غدره، بخلاف تضييع السوط وقطع اللجام وسقوطه هو، أو حرن فرسه، فإنه لا يعذر بذلك بل يكون مسبوقا. قوله: (وجاز فيما عداه مجانا) أي وجاز المسابقة فيما عدى المذكور (مجانا) أي

стр. 744

بغير جعل إن كانت فيه منفعة كالصراع أو الجري على الأقدام. قوله: (والافتخار عند الرمي) أي ويجوز الافتخار عند الرمي، (والرجن) بالأشعار عند ذلك (والتسمية)، مثل أن يقول أنا فلان بن فلان، ويجوز الانتماء أي الانتساب للقبيلة، (و) يجوز حينئذ الصياح) تنشيطا لغيره وإغراء، (و) لكن (الأحب) في ذلك ﴿ذكر الله تعالى﴾. قوله: (لا حديث الرامي. ولزم العقد كالإجارة) أي لا يستحب حينئذ حديث الرمي، بأن يمدح الرامي ويذكر مناقبه. هكذا قرره شيخنا محمود بن عمر حفظه الله، وأما ابن غازي ﵀ قال: ولا مرية إن ذكر الله أكبر، وإنما جازت هذه الأشياء مع أن بعضها يتقى في غير هذا الموضع، لأجل الأحاديث الواردة بذلك في الرمي (١). وقال بعد كلام طويل فإذا تقرر هذا فإلى الأحاديث المذكورة أشار المصنف بقوله: (لأحاديث الرمي) فلامه لام الجر والتعليل وهي متعلقة بجاز، والجملة من قوله: والأحب ذكر الله معترضة بينهما، هذا الذي انقدح لي في فهمه بعد أن ظفرت بنسخة هو فيها، هكذا بلام الجر الداخلة على أحاديث جمع حديث، والواقع في سائر ما رأيت من النسخ لا حديث بلا النافية، وكذا نقله في الشامل وهو تصحيف والله أعلم (٢). * * *

стр. 745

باب [في خصائص النبي ﷺ ] قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل النكاح وما يتعلق به وافتتحه بخواص النبي. قال في إكمال الإكمال: قال الشافعي: خص الله رسوله بأن فرض عليه أشياء خففها على غيره زيادة في تقديسه، وأباح له أشياء حرمها على غيره زيادة في تكريمه وترفيعه. انتهى (١). وقد ذكر المؤلف زيادة على الثمانية والعشرين خصلة التي ذكرها ابن العربي وترك منها خصالا منها: أنه يحرم عليه أن يكتب شيئا، وأنه وجب عليه أن يدفع الأشر بالأحسن، وأنه إذا رأى شيئا يعجبه أن يقول: لبيك إن العيش عيش الآخرة، فكان يقولها عند الشدة والرخاء، وهكذا يقول: كل من عرف الآخرة وحقر الدنيا وذمها، وكلف رسول الله لمشاهدة الحق مع معاشرة الخلق، فكان يخرج أوقاتا إلى جبل حراء، وأوجب الله عليه أن يستغفر الله كل يوم سبعين مرة. انتهى من التاج والإكليل (٢). وقال بن غازي في شفاء الغليل في حل مشكل خليل منها: أن نومه لا ينقض الوضوء، وأنه يحكم وهو غضبان، ودليله في صحيح البخاري أنه حكم للزبير على الأنصاري الذي أحفظه أي أغضبه، إذ قال له: أن كان ابن عمتك إلى غير ذلك. انتهى (٣). وهذه الخواص ثلاثة: واجب وحرمة وإباحة، وجلها ظاهر من القرآن والسنة. قال ابن العربي: وفيها متفق عليه، وفيها مختلف فيه، وذكر خصائصه مستحب. قوله: (خص النبي بوجوب الضحى، والأضحى، والتهجد والوتر بحضر) أي بوجوب صلات الضحى ولكن هذا شاذ. وخص أيضا بوجوب الأضحية عليه، وخص أيضا بوجوب التهجد عليه، وهو

стр. 746

قيام الليل، وبوجوب صلاة الوتر عليه في حضر لا في سفر، (و) بوجوب (السواك) عليه. (و) خص أيضا بوجوب (تخيير نسائه فيه) وفي السراح لهن. قوله: (وطلاق مرغوبته) هذا مما يجب علينا لحقه علينا أي ووجب على زوج طلاق مرغوبته لحقه علينا، (و) يجب علينا أيضا لحقه علينا ال إجابة المصلي إذا دعاه في صلاة، والأصل فيه ما في الموطأ وصحيح مسلم أنه ﷺ لما دعى أبيا وهو في الصلاة فلم يجبه، قال له: ألم يقل الله تعالى: ﴿يتأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما تحييكم﴾ [الأنفال: ٢٤] الآية. والخلاف هل تبطل الصلاة بالإجابة له فيها فيه قولان ابن العربي: لا تبطل. قوله: (والمشاورة) أي ومما يجب عليه ﷺ مشاورة الأمة في غير الشرائع. قوله: (وقضاء دين الميت المعس) أي ويجب لنا عليه قضاء دين الميت المعسر من أمته، (و) مما يجب عليه ﷺ (إثبات عمله) أي مداومته، (و) كذلك يجب عليه (مصابرة العدو الكثير. قال ابن العربي: كلف رسول الله ﷺ من الجهاد ما كلف الناس أجمعون لقوله تعالى: ﴿جهد الكفار والمنافقين﴾ [التحريم: ٩] (١). قوله: (وتغيير المنكر) أي ومما يجب عليه ﷺ تغيير المنكر إذ سكوته وإقراره دليل على الجواز. قوله: (وحرمة الصدقتين عليه وعلى آله، وأكله كثوم، أو متكنا) أي وخص ﷺ بأمور أخر منها حرمة الصدقتين الواجب والتطوع عليه وعلى آله. وآله: بنوا هاشم وبنو المطلب، والمطلب أخو هاشم، والإمام الشافعي ﷺ من ذريته. وخص ﷺ أيضا بحرمة أكل الثوم وما يشبهه مما له رائحة كريهة، لمناجاة الملائكة ﵈، وخص ﷺ بحرمة الأكل في حال كونه متكئا. قوله: (وإمساك كارهته) أي ومما خص به ﷺ إمساك امرأة كرهته. قال المواق: أنظر هذا مع قوله: وتخيير نسائه فيه (٢).

стр. 747

صلى الله (و) خص أيضا بحرمة (تبدل أزواجه) عليه، وقيل: نسخ هذا لتكون المنة له ﷺ . (و) خص أيضا بحرمة (نكاح الكتابية)، وقيل لئلا تكون الكافرة من أمهات المؤمنين، (و) كذلك يحرم عليه نكاح (الأمة)، وأما التسري فلا يحرم عليه. قوله: (ومدخولته لغيره) أي ومما يحرم علينا لحقه علينا نكاح امرأة دخل بها لأنها من أمهات المؤمنين. قوله: (ونزع لأمته) أي ومما يحرم عليه الله نزع لامته أي درعه إذا لبسه للقتال (حتى يقاتل). قوله: (والمن ليستكثر) أي ومما يحرم عليه ﵇ أن يعطي شيئا ليستكثر به أي ليأخذ أكثر لأنه سؤال. قوله: (وخائنة الأعين) أي ومن ما يحرم عليه علم خائنة الأعين وهو أن يظهر خلاف ما يضمر، ولا يحرم ذلك على غيره إلا في المحظور. قوله: (والحكم بينه وبين محاربه، ورفع الصوت عليه). قال اللقاني: الظاهر أنه يحرم علينا الحكم بيننا وبين محاربه ومما يحرم علينا رفع أصواتنا فوق صوته الله قال تعالى: ﴿يتأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ [الحجرات: ٢] الآية، وقال مالك: حقه الله حيا وميتا سواء، وقال ابن مهدي (١): ما أدركت أحدا لا يخاف هذا الحديث إلا مالكا وحماد بن زيد (٢) فإنهما كانا يجعلانه من أعمال البر. قوله: (وندائه من وراء الحجرات) أي ويحرم علينا نداوه من وراء الحجرات لحقه علينا توقيرا وتعزيزا له، (و) كذلك يحرم علينا نداؤه (باسمه) توقيرا له، كما

стр. 748

عظمه الله تعالى وقال: ﴿ياأيها الرسول﴾ [سورة المائدة: آية ٦٧]، ﴿ياأيها النبي﴾ [سورة التحريم: آية ٩]. قوله: (وإباحة الوصال) أي ومما خص به ﷺ إباحة وصال الصوم وقال ﷺ : «إني لست كأحدكم أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» (١). قوله: (ودخول مكة بلا إحرام وبقتال) أي ومما خص به ﷺ دخول مكة شرفها الله بلا إحرام، وخص بجواز القتال في مكة. قوله: (وصفي المغنم) أي ومن خواصه ﷺ اختياره من صفى المغنم ما شاء، (و) من (الخمس) ما شاء، ولكن هو شاذ والمشهور من خمس الخمس. ابن غازي: قال الشعبي: الصفي علق بتخييره النبي ﷺ من المغنم، ومنه كانت صفية بنت حيي (٢) (٣). العلق بكسر العين النفيس من كل شيء. قوله: (ويزوج من نفسه ومن شاء) ومن خواصه ﷺ أن يتزوج من شاء من الحرائر بلا إذن ولي وبلا إذنها، ويزوج من شاء لمن شاء، ويجوز ذلك منه بلفظ الهبة. قوله: (وبلفظ الهبة وزائد على أربع حرائر) أي وخص النبي ﷺ بجواز تزويج زيادة على أربع نسوة، وكان له ﷺ تسع نسوة ونعني بالتسع ما اجتمعن في زمن واحد، وإلا فقد كان له غير التسع. والتسع هن: عائشة، وأم سلمة (٤)، وزينب بنت جحش، وأم حبيبة، وحفصة بنت

стр. 749

عمر (١)، وسودة بنت زمعة، وجويرية بنت الحارث (٢)، وصفية بنت حيي، وميمونة (٣).

стр. 750

قال في إكمال الإكمال: أبيحت له ﷺ الزيادة على أربعة نسوة، ليزداد في نفوس العرب إجلالا وفخامة، فإنها كانت تتفاخر بالقدرة على النكاح. وأيضا فإنه كان ﷺ من كمال القوة واعتدال المزاج بالمنزلة التي شهدت بكمالها الآثار، ومن كانت صفاته كذلك كانت دواعي هذا الباب أغلب عليه. وأيضا إنما منع غيره من الزيادة على أربع خوفا من عدم العدل، كما أشارت إليه الآية ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة﴾ [النساء: ٣] وهذه العلة مرتفعة في حقه ﷺ . ويشهد لأن هذه علة المنع في غيره لأن الله سبحانه أباح لغيره من الإماء ما يقدر عليه، لقوله تعالى: ﴿وما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣٦] لما لم يكن للإماء حق في الوطء فيخاف عدم العدل فيه. وأيضا لا يجوز عليه الاستمتاع بما لا يحل له، ولا التطلع إلى ما في أيدي الرجال، وكانت الحال حينئذ لم تتسع لكسب الإماء وسع عليه في الحرائر، واختار له أفضل النوعين. انتهى (١). قوله: (وبلا مهر وولي وشهود. وبإحرام وبلا قسم) أي ومما خص به ﷺ التزوج بلا دفع مهر وبلا ولي وبلا شهود وفي حال الإحرام لعصمته مما يتقى من ذلك، وكذلك خص ﷺ بأن لم يجب عليه القسم بين الزوجات بل له أن يقيم عند من شاء منهن، إنما قسم بينهن تطيبا لأنفسهن وتشريعا للأمة، ولم يكن القسم واجبا عليه لقوله تعالى: ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء﴾ [أحزاب: ٥١]. فائد والقصد بإكثاره ﷺ من الزوجات نشر الأحكام وحفظها، لتخبر كل واحدة بما شاهدته من فعله، ومباشرته ﷺ ليست حرصا على نيل الشهوات بل للتشريع. قوله: (ويحكم لنفسه وولده ويحمي له ولا يورث) أي ومما خصه به ﷺ الحكم لنفسه أو ولده للأمن من ما يخشى من حكم الشخص لنفسه، وربما يترك بعض حقه، وكذلك خص ﵊ بأن يحمي لنفسه من أرض الموات، أو أرض العنوة ما شاء، وخص ﷺ أنه لا يورث، فقيل لأنه حي في قبره ولئلا يتوهم أنه يجمع الدنيا.

стр. 751

فصل [في أحكام النكاح وما يتبعه] قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه أحكام النكاح، ليس مما تقدم فناسب الفصل، وليس ببعيد فيناسب الباب، وباب النكاح باب مهم، فيعتني به لكثرة مسائله. النكاح لغة: الضم. قال الزجاج: ويطلق في كلام العرب على العقد والوطء. قال: وترتيب ن ك ح على هذا الترتيب لزوم شيء لشيء راكبا عليه. قال الفراء: النكاح بضم النون البضع والبضع الفرج، فمعنى نكحها أصاب نحكها أي فرجها (١). قوله: (ندب لمحتاج ذي أهبة) أي ندب لمحتاج إلى النكاح وهو ذو أهبة أي عدة من المال. قال المواق: قال ابن رشد القول بندب النكاح مطلقا لا يصح. المازري: إلا من وقوعه في محرم إن اشتهى النكاح ولم يقطعه عن فعل الخير ندب له، وإن لم يشته وقطعه عن فعل الخير كره له. ابن رشد: إن خاف العنت وجب عليه، وإن لم يخف العنت وهو يضر بالمرأة لعجزه عن الوطء أو عن النفقة، أو الأمن حرام فإن النكاح يحرم عليه. اللخمي: من لا أرب له في النساء، ولا يرجى من نسله، فهو له مباح كالعقيم والشيخ الفاني والخصي (٢) والمجبوب. والمرأة مثل الرجل في أقسام النكاح في حقها، إلا بالتسري لامتناعه عليها. ابن عرفة: ويوجبه عليها عجزها عن قوتها أو سترها إلا به (٣). قوله: (نكاح بكر) وفي بعض النسخ ندب نكاح وبكر تصريحا بأنهما مندوبان وهو المقصود، لأن الأبكار أحسن أخلاقا، وأطيب أفواها، وأنقى أرحاما أي أقبل للولد. وقال في إكمال الإكمال وأستحب نكاح شابة لأنها المصلحة لمقاصد النكاح

стр. 752

أحسن استمتاعا، وأطيب نكهة، وأرغب في الاستمتاع، وأحسن عشرة، وأفكه محادثة، وأجمل منظرا، وألين لمسا، وأقرب تعليما لما يرضي من الأخلاق. قلت: وأخبرت عن بعض شيوخنا أنه قال: كنت أظن أني عجزت عن النساء فلما تزوجت الصغيرة وجدت في نفسي من النشاط ما كنت أعهده في الصغر النووي: تذكر بها ما مضى من قوة شبابك فإن ذلك ينفش البدن. انتهى (١). قال عياض: ويتأكد الندب في حقه إذا كان ممن يرجو النسل، لقوله ﷺ : «تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» (٢) (٣). وفي إكمال الإكمال: قال القرطبي: وما دلت عليه الأحاديث من راجحية النكاح هو أحد القولين، وهذا حين كان في النساء المعونة على الدين والدنيا، وقلة الكلف والشفقة على الأولاد. وأما في هذه الأزمنة فنعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن النسوان، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد حلت العزبة والعزلة بل ويتعين الفرار منهن (٤). قال البرزلي: فائدة النكاح غض البصر، وتحصين الفرج، والإطلاع على لذة من لذات الجنة، وكثرة النسل. وقال الوراق: كل شهوة تقسي القلب إلا الجماع، فإنه يصفي القلب، ولهذا كان الأنبياء يفعلونه. انتهى (٥). وقال صاحب إكمال الإكمال: والحكمة في خلق ذلك العضو وتركيب الشهوة فيه إبقاء للنسل، وعمارة الأرض لبث العباد فيها، لينظر كيف يعملون ويعرفونه. قاله عياض. أنتهى. وفي الذخيرة: تمهيد: أباح الله تعالى الزواج في التوراة غير محصور حفظا لمصالح الرجال دون النساء وحرم في الإنجيل الزيادة على الواحدة حفظا لمصالح

стр. 753

النساء دون الرجال وجمع في هذه الشريعة المعظمة بين مصالح الفريقين (١). قوله: (ونظر وجهها وكفيها فقط بعلم) أي وندب لمن أراد أن يتزوج امرأة بكرا كانت أو ثيبا أن ينظر إلى وجهها وكفيها فقط لا غير ذلك، لأن ذلك أدوم للنكاح، وهذا هو المشهور، وقيل: له أن ينظر إلى جميع البدن سوى السوءتان، إنما ينظر إلى وجهها على المشهور في حال علمها بالنظر إليها لا حين غفلة منها. قوله: (وحل لهما حتى نظر الفرج كالملك، وتمتع بغير دبر) أي وحل للزوجين أو الرجل مع أمته النظر إلى جميع البدن حتى النظر في الفرج ويجوز لهما التمتع بجميع البدن غير الدبر لأنه من عمل قوم لوط. قوله: (وخطبة بخطبة وعقد، وتقليلها) أي وندب قراءة خطبة عند خطبة المرأة للنكاح وعند عقد النكاح، وندب تقليل تلك الخطبة. خطب عروة بن الزبير (٢) عند عقد النكاح: الله حق ومحمد رسول الله خطب فلان فلانة وقد زوجتها إياه على بركة الله تعالى وشرطه إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وقوله: (وإعلاته) أي وندب إعلان النكاح عند العقد بمباح كالدف والغربال. قوله: (وتهنئته) أي وندب تهنئة الزوج، (والدعاء له) بالرفاء والبنين. والتهنئة إنما تكون في الخير، والتعزية في الضر. قوله: (وإشهاد عدلين غير الولي بعقده، وفسخ إن دخلا بلاه) أي وندب إشهاد رجلين عدلين غير الولي عند عقد النكاح، وغير العدول كالعدم، وأما الإشهاد عند الدخول فواجب، وإن وقع ونزل ودخل بلا إشهاد فإن النكاح يفسخ بطلقة بائنة لأن العقد صحيح. عياض اتفقوا على أنها شرط في الدخول. قلت فإن دخل قبلها فسخ بطلقة بائنة، وكل عقد نكاح صحيح، لا ينحل بغير الطلاق.

стр. 754

وأما إنها بائنة فلأنه طلاق أوقعه الحاكم، وكل طلاق يوقعه الحاكم بائن إلا طلاق المولي والمعسر بالنفقة. وأيضا لو كان غير بائن لكن من الرجعة في نكاح لم يثبت، وهل يقع فيه حد؟. إبن عبد السلام والاتفاق على وجوب الحد عند انتفاء الفشو والجهالة، وعلى سقوطه عند وجودهما. واختلف إذا وجد أحدهما أي أحد الوصفين؛ قال: والأقرب أن الحد واجب إلا عند الفشو، أويقام شاهد واحد فيكون ذلك شبهة. انتهى من إكمال الاكمال (١). وإنما شرع الإشهاد لرفع الخلاف المتوقع بين الزوجين، وإثبات حقوقهما، ولنفي المظنة والتهمة، ﴿ولا حد﴾ عليهما ﴿إن فشا﴾ النكاح قبل الدخول، ﴿ولو علم﴾ الحكم بالإشهاد. ظاهره وإن لم يفش فإنهما يحدان وإن كانا جاهلين بالحكم وهو كذلك. قوله: ﴿وحرم خطبة راكنة لغير فاسق ولو لم يقدر صداق. وفسخ إن لم يبن﴾ إي وحرم خطبة أمرأة راكنة لرجل غير فاسق، ولو قبل تقدير الصداق، فإن وقع ونزل وخطبها وتزوجها، فسخ النكاح إن لم يبن بها وإن بنا بها مضى النكاح وبئس ما صنع، وقيل: يفسخ مطلقا، وأما خطبة مراكنة لفاسق فلا يحرم لغير فاسق. والركون ظهور الرضى، وقيل: الركون تسمية الصداق. ووجه قول ابن القاسم في جواز خطبة الصالح على خطبة الفاسق، أن الصالح يعلمها وينهاها، فكأنه أولى من الفاسق، ووجه قول من قال: لا يجوز ظاهر الحديث. قال في إكمال الإكمال واختلف في حد الركون هل هو الرضى بالزوج، أو تسمية الصداق. قلت: قال ابن العربي وكذلك إن كان الخاطب الأول غير مشاكل للمخطوبة فإن للمشاكل أن يخطب على خطبة غير المشاكل. قال: ولا ينبغي أن يختلف في هذا. انتهى (٢). والمراد بالفسق هنا ما يمنع العدالة، ويبنى الخاطب الثاني على علمه بفسق

стр. 755

الأول، أعني في صحة القدوم على الخطبة، ولو خطب غير عالم بفسق الأول ثم بان فسقه، أثم في قدومه على الخطبة، ولا يفسخ النكاح لأنه غرر، وسلم ابن رشد لو اتحد الخاطب فخطب لغيره أولا، ثم لنفسه ثانيا جاز، وفعله عمر، طلبه جرير أن يخطب له امرأة من دوس، ثم طلبه مروان بن الحكم أن يخطبها له، ثم ابنه عبد الله، فدخل عليها عمر فأخبرها بهم الأول فالأول ثم خطبها لنفسه. فقالت: أهازل أم جاد فنكحته وولدت له ولدين، وفي سماع ابن أبي أويس (١): كره مالك لمن بعث خاطبا أن يخطب لنفسه ورآها خيانة، وكان الشيخ يتأول هذه الرواية ويحملها على أن المبعوث خص نفسه بالخطبة لفعل عمر ا. انتهى. مسألة: ابن ناجي قال: وقعت عندنا مسألة بالقيروان في رجل ثبت عليه أنه خلف زوجة على زوجها فطلقها وخرجت من العدة فأراد الرجل تزويجها، فأفتيت بزواج ذلك، وكتب فيه بتونس لشيخنا أبي يوسف الرعيني فأفتى بأنها لا تزوج منه وإن تزوجها فإنه لا يفسخ، وأشار في جوابه إلى أن شيخنا أبا مهدي عيسى الغبريني سبقت فتواه بذلك ومنعها القاضي من التزويج فتزوجها في غير بلدنا ورجع بها إلينا فلم يتعرض له. أنتهى. قوله: (وصريح خطبة معتدة) أي وحرم تصريح بخطبة معتدة من وفات أو من طلاق بائن، لأن الخطبة تؤدي إلى العقد والعقد يؤدي إلى الوطء، والوطء يؤدي إلى اختلاط الأنساب، وذلك يؤدي إلى تضييع الولد. الصريح في كل باب ما يعبر به وضعا، والمكنى ما يحتمله مع غيره، وأما الرجعية فكا المتزوجة. قوله: (ومواعدتها) أي وحرم مواعدة المعتدة بالنكاح، وهذا قول بن حبيب واللخمي، ورواية المدونة الكراهة وبها أخذ ابن رشد. وفي إكمال الإكمال: وأجمعوا على أن المواعدة في العدة حرام. واختلف قول مالك إذا واعد في العدة وعقد بعدها، هل يفسخ أولا؟ وعلى

стр. 756

القول بالفسخ، إذا وطء في هذا العقد؟ فالمشهور أنه لا يتأبد فيه التحريم. والوعد من أحدهما مكروه، ولم يختلف في أنه لا يفسخ. انتهى (١). وقوله: (كوليها) أي كما يحرم مواعدة وليها ظاهره كان مجبرا أم لا كما نقل الباجي عن ابن حبيب، وهو ظاهر المدونة عند أبي الحسن الصغير وابن عرفة، وإن كان أبو حفص العطار حملها على المجبر وبه قطع ابن رشد. وقال: إن واعد وليها بغير علمها، وهي مالكة أمرها فهو وعد لا مواعدة فلا يفسخ به النكاح، ولا يقع به تحريم إجماعا. قوله: (كمستبرأة من زنى) تشبيه لإفادة الحكم، كالمعتدة في ما تقدم. قال مالك ومطرف سبيلها سبيل من تزوج في العدة، وذهب ابن الماجشون إلى أنها تحرم بالوطء. انتهى من الجواهر (٢). قوله: (وتأبد تحريمها بوطء) أي ويتأبد تحريم المعتدة والمستبرءة من زنا بوطء نكاح ولو كان وقوع ذلك الوطء بعد انقضاء العدة والاستبراء وهو خلاف مفهوم الرسالة حيث قال: ويطأها فيها، وخلاف رواية أشهب عن مالك أنها لا تحرم إن وقع الوطء بعد عدة. فمشهور قول مالك: أن التحريم يتأبد وطء في العدة أو بعدها خلافا للشافعي وأبي حنيفية لا يتأبد ويتزوجها إن شاء. وقاله بن نافع من أصحابنا. وقال المغيرة: إن وطئ في العدة تأبد تحريمها، وإن وطئ بعدها لم يتأبد. وأشار إليه مالك مرة. واختلف أئمتنا في القبلة والمباشرة في العدة هل هما بمنزلة الوطئ فيها؟ واختلف قول مالك إذا تزوج في العدة ووطئ فيها عالمين بالتحريم. هل يعاقبان ويلحق به الولد ويتأبد التحريم؟ أو هما زانيان فيحدان ولا يلحق به الولد ولا تحرم عليه للأبد. عياض: وأجمعوا على أنه لا يجوز النكاح في العدة وأنه يفسخ إن وقع. ابن رشد: وإذا فسخ بعد البناء فتكفيها عدة واحدة من الزوجين جميعا.

стр. 757

وقال عمر: تعتد من الأول ثم تعتد من الثاني. انتهى من إكمال الإكمال (١). وفي المفيدة: وقال في الرجل يتزوج الحرة فيصيبها ثم تلد من زنى في ثلاثة أشهر أنه يفرق بينهما ولا يتراجعان أبدا بمنزلة النكاح في العدة. قال ابن رشد: وكذلك لو تزوجها في استبرائها من زنى ودخل بها على هذه الرواية، وهو قول مطرف ورواية عن مالك، ويرجع بالصداق مثل العيوب التي ترد منها وذهب ابن الماجشون إلى أنها لا تحرم عليه بالتزويج في الاستبراء من الزنى ولا من الاغتصاب، وكذلك الحمل منهما على قوله، وهو أحد قولي ابن القاسم في رواية أصبغ عنه، واستحب أصبغ ألا يتزوجها أبدا، فإن تزوجها ودخل بها وهي حامل من زنى أو في استبراء منه، فإن فعل لم يمنع من ذلك بقضاء. انتهى (٢). قوله: وتأبد تحريمها ظاهره وإن كانت رجعية خلافا لمذهب ابن القاسم أن الرجعية كالمتزوجة. قوله: ﴿وإن بشبهة ولو بعدها﴾ أي وإن كان ذلك الوطئ بسبب شبهة كالأنكحة الفاسدة التي تفسخ. وقال الشيخ في توضيحه: يحتمل أن يريد الاستبراء من الأنكحة الفاسدة التي تفسخ ويحتمل أن يريد استبراء أم الولد بموت سيدها. قوله: ﴿وبمقدماته فيها﴾ أي ويتأبد التحريم بمقدمات الجماع في التزويج في العدة، وتحرم بذلك على آبائه وأبنائه، وهو خلاف مفهوم الرسالة إذ قال: ويطأها فيها. قوله: ﴿أو بملك﴾ أي وكذلك يتأبد التحريم بوطء ملك في عدة نكاح، كما إذا طلقت الأمة أو مات عنها زوجها ووطئها سيدها أو مشتريها قبل انقضاء العدة. وقوله (كعكسه) أي كما يتأبد التحريم بعكس ذلك وهو إذا وطئت الأمة في نكاح في استبرائها من وطئ سيدها أو غيره. قوله: ﴿لا بعقد أو بزنا أو بملك عن منك﴾ أي لا يتأبد تحريم المعتدة أو المشتراة بمجرد العقد ولا بوطء ملك في استبراء عن ملك، فلا تحرم على الثاني لذلك. ابن رشد: باتفاق ولكن لا يطأها حتى يستبرئها من مائه الفاسد.

стр. 758

مسألة: وفي الجلاب: إن تزوجها في عدتها جاهلا ودخل بها فعليه ردها وهو بمنزلة العيوب. قال الشارح: يريد في الرجوع بالصداق على الولي. قال الأبهري: لأنه منعه من استدامة الوطء، والصداق مبذول للاستدامة ولو لم يعلم الولي بذلك رجع عليها لأنها غرته، ويترك لها ربع دينار. انتهى من الذخيرة (١). قوله: (أو مبتوتة قبل زوج) يريد أن من تزوج مبتوتة في عدتها منه ووطئها فيها فإنه لا يتأبد عليه تحريمها، لأن تحريمها عليه لأجل أنه يتزوجها قبل زوج لا لأجل العدة. قوله: (كالمحرم) أي كما لا يتأبد تحريمها عليه، إذا تزوجها في حال إحرام بحج أو عمرة، بل له أن يتزوجها بعد الحل في الإحرام، وفي بعض النسخ كالمحرمة أي كوطئ العمة والخالة، وكل وطئ محرم. قوله: (وجاز تعريض كفيك راغب) أي وجاز لمريد معتدة من وفاة أو طلاق ونحوهما تعريض بقول معروف مثل أن يقول لها: أنا فيك راغب أو معجب بك وإذا أنقضت عدتك فأخبريني، (و) يجوز له (الإهداء) إليها بالهدية المعتادة بين الناس، وأما إن كان يهدي إليها هدية كبيرة، أو كان يجري عليها النفقة، فذلك كالتصريح لها في العدة، ويجوز التعريض في الصرف، وفي بيع الطعام قبل قبضه، بخلاف القذف وسب الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام. قوله: (وتفويض الولي العقد لفاضل) أي وجاز للولي توفيض عقد نكاح على وليته إلى رجل صالح رجاء بركته. قوله: (وذكر المساوي) أي وجاز ذكر المساوي في الخاطب والمخطوبة على وجه النصيحة لقوله ﵊ لامرأة ذكرت له الخاطب فقال: «أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو الجهم (٢) فلا يضع عصاه عن عاتقه" (٣). فقال العلماء: تجوز الغيبة في ستة مواضع تظلم، واستعانة على تغيير منكر،

стр. 759

والاستغناء، والتحديد، والتعريف، وتحرير رواة وشهود. قوله: (وكره عدة من أحدهما) أي وكره عدة من الرجل والمرأة بالنكاح في عدة خيفة خلف الوعد لأن خلف الوعد من خصال المنافقين وهو مذموم في الشرع. قوله: (وتزويج زانية) أي وكره تزويج امرأة زانية اشتهرت به. قال البرزلي: قال مالك: لا أحب للرجل أن يتزوج المرأة الزانية المعلنة بالسوء ولا أراه حراما. وفي الحديث دليل على نكاح الزانية لأنه قال لهلال حين رمى زوجته بشريك: «أربعة وإلا فحد في ظهرك» (١)، ولم يقل: لا يحل له البقاء معها لأنه أقر على نفسه أنها زنت. وسئل ابن رشد عن حديث قوله: إن امرأتي لا ترد يد لامس فقال: «طلقها»، فقال: يا رسول الله: إني أحبها، فقال له ﵊: «استمسك بها» (٢)، ما الجمع بينه وبين حديث الأمة في قوله: بعد جلدها: «فبيعوها ولو بضفير» (٣). فأجاب بأنه حديث خرجه أبو داود من طريق ابن عباس، وفيه: إن امرأتي لا ترد يد لامس فقال: «غربها" أي أبعدها فقال: أخاف أن تتبعها نفسي. ورواه أيضا هاشم مولاه. وقيل: هو السائل. واختلف في معناه، فقيل: لا ترد يد سائل يلتمس العطاء فكانت تبذر ماله فلا إشكال على هذا التأويل.

стр. 760

وقيل: عبارة عن كثرة فجورها وهو الأظهر، فعليه أن الأمر بطلاقها مطلوب وليس في إباحة الإمساك بما ذكر في الحديث ما يعارض حديث الأمة، ومعناه أنه يثقفها ويمنعها فيكون مأجورا في ذلك مع حفظ دينه. وقيل: ما أباح له إلا المتعة بغير وطء مخافة اختلاط النسب وهو بعيد. انتهى (١). وحديث الأمة قوله ﵊: «إن زنت الأمة فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير من شعر» (٢). انتهى. وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي (٣) أنه قال: الناكح مغرس فلينظر أين يضع غرسه، فإن عرق السوء لا بد ينزع ولو بعد حين. قال البرزلي: وكره تزويج الزواني والفواجر والحمقاء كما أن الرضاع كذلك لأنه يغير الطباع وكذلك من أصلها غير طيب أو دنية الأمهات لما ورد: «إياكم وخضراء الدمن (٤) وهي المرأة الحسناء في المنبت السوء. قوله: (أو مصرح لها بعدها. وندب فراقها) أي وكره تزويج أمرة مصرح لها في العدة بالنكاح بعدها فإن وقع ونزل وتزوج زانية أو مصرح لها في العدة ندب له فراقها. قوله: (وعرض راكنة لغير عليه) أي وندب لمن تزوج امرأة مراكنة لغير فاسق أن

стр. 761

يعرض لها على الراكن بها أولا وهذا على عدم الفسخ بأن دخل بها أو على القول بعدم الفسخ. قال بن وهب فإن عرضها عليه وحلله رجوت في ذلك مخرجا وإن أبى فليفارقها فإن نكحها الأول وإلا فله أن يأتنف نكاحها ولا يقضى عليه بالفراق. أنتهى. قوله: (وركنه) أي وركن النكاح أربعة ولي وصداق ومحل وصيغة. وقال ابن غازي الأركان خمسة لأن المحل يشمل الزوج والزوجة. وركن الشيء جزؤه وبعضه، وأركانه أجزاؤه وأبعاضه (١). قوله: (ولي) الولي فعيل من ولي الشيء إذا جاوره ولزمه فإذا لازم أحد أحدا بنصره ووده واهتباله فهو وليه هذا عرفه في اللغة. انتهى من ابن عطية (٢). قال القرافي في أنوار البروق في أنواع الفروق وقاعدة الشرع أن الشيء إذا عظم قدره شدد فيه وكثرت شروطه وبالغ في أبعاده إلا بسبب قوي تعظيما لشأنه ورفعا لقدره) (٣)، (لأن شأن كل عظيم القدر لا يحصل بالطرق المسهلة، لما شرف قدر النكاح بكونه سبب الإعفاف ومن أعظم مغايظ الشيطان ووسيلة لتكثير العباد وحسما لمراد الفساد واختلاط الانساب شدد الشرع فيه باشترط الولي والصداق والبينة) (٤). وقال: الفرق بين قاعدة الحجر على النسوان في الإبضاع وبين قاعدة الحجر عليهم في الأموال اعلم أن النساء على الإطلاق لا يجوز لإمرأة أن تزوج نفسها وتتصرف في بضعها كانت ثيبا أو بكرا رشيدة في مالها أم لا دنية أم شريفة عفيفة أم فاجرة وأما الأموال فيفرق فيها بين الرشيدة الثيب وغيرها فيجوز لها التصرف في مالها ولا يجوز للولي الاتعراض عليها وإن كان أبا لها، والفرق من وجوه أحدها: أن الإبضاع أشد خطرا وأعظم قدرا فناسب أن لا تفوض إلا لكامل العقل ينظر في

стр. 762

مصالحها والأموال خسيسة بالنسبة إليها فيجاز تفويضها لمالكها إذ الأصل أن لا يتصرف في المال إلا مالكه. وثانيها: أن الإبضاع يعرض لها تنفيذ الأغراض في تحصيل الشهوات القوية التي يبذل لأجلها عظيم المال، ومثل هذا الهوى يغطي على عقل المرأة وجوه المصالح لضعفه، فتلقي نفسها لأجل هواها فيما يرديها في دنياها وأخراها، فحجر عليها على الإطلاق لاحتمال توقع مثل هذا الهوى المفسد ولا يحصل في المال مثل هذا الهوى والشهوة القاهرة التي ربما حصل الجنون وذهاب العقل بسبب فواتها. وثالثها: أن المفسدة إذا حصلت في الإبضاع بسبب زواج غير الأكفاء، حصل الضرر وتعدى للأولياء بالعار والفضيحة الشنعاء، وإذا حصل الفساد في المال لا يكاد يتعدى المرأة وليس فيه من العار والفضيحة ما في الإبضاع والاستيلاء عليها من الأرذال الأحساء فهذه فروق عظيمة بين القاعدتين. انتهى (١). والولي من له على المرأة نظر بملك أو تعصيب أو إيصاء أو كفالة أو سلطنة أو ذو إسلام أو ولاء. انتهى (٢). وفي البرزولي: أجاب ابن رشد الذي يلزم صاحب المناكح إذا جاءه رجل يريد عقد نكاح امرأة أن يعرف أنها غير ذات زوج، وأن ليست في عدة وأن لا ولي لها، أو لها ولي غائب، وأن الزوج كفؤها، وأن المفروض صداق مثلها إن كانت بكرا بقيمة، فإن فوض إليه القاضي الذي قدمه أثبت ذلك عنده، وإلا فلا يزوجها حتى يثبت ذلك عند القاضي فيعلمه به. قلت: لم يتكلم على الأجرة، وجوابها: إن كان جعل له عقد الأنكحة فلا يجوز له أخذ الأجرة لأنه أخذ على الحكم وهو رشوة، وإن لم يكن ذلك إليه فجائز له أخذ الأجرة ويكون على الزوجين أو أحدهما حسبما مر وترك ذلك أولى. انتهى. (٣). عياض: فإن تزوجت امرأة دون ولي، والزوجان يعتقدان جواز ذلك أو يجهلان الحكم لم يحدا (٤).

стр. 763

قوله: (وصداق) هذا هو الركن الثاني أي ومن أركان النكاح الذي لا يصح إلا به الصداق، لقول ﵊: «لا نكاح إلا بولي وصداق (١)»، والصداق بفتح الصاد وبكسره معا وهو من الصدق لأنه دل على أنهما قصدا نكاحا لا زنا. قوله: (ومحل) أي هذا هو الركن الثالث للنكاح، وهو المحل الذي يقع عليه عقد النكاح وهو يشمل الزوج والزوجة الخلية من الموانع التي تقتضي تحريمها. قوله: (وصيغة بأنكحت وزوجت، وبصداق وهبت، وهل كل لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة كبعت كذلك؟ تردد) هذا هو الركن الرابع، وهو الصيغة، وهي لفظ يدل على النكاح، وتكون تلك الصيغة من ولي المرأة بقوله: أنكحت وزوجت، وإن لم يذكر صداق، وتكون أيضا بقوله: بصداق وهبت أي مع صداق وهبت الباء في بصداق وهبت للمعية فينعقد به واختلف هل ينعقد النكاح بكل لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة، وذلك كقول الولي: بعتكها أو ملكتها لك، حكاه عبد الوهاب في إشرافه، أو لا يكون العقد به بل بالصيغ الثلاثة المذكورة، وهو قول المغيرة، وابن دينار (٢) في ذلك تردد في الفهم. انتهى. وأما لفظ الإجارة والعارية فلا ينعقد به أصلا لاقتضاء التوقيت. قوله: (وكقبلت. وبزوجني فيفعل. ولزم وإن لم يرض) الكاف للشمول أي وتكون الصيغة من الزوج أو نائبه بقوله جوابا لولي المرأة قبلت أو رضيت، أو كل لفظ يدل على القبول، وتكون الصيغة أيضا من الرجل لولي المرأة قبلت لقوله: زوجني وليتك فيفعل الولي ذلك ولزمه النكاح، وإن لم يرض لقوله ﵊: «ثلاث هزلهن جد وجدهن جد النكاح والطلاق والعتاق (٣)»، وزاد بعضهم الرجعة بخلاف البيع، إنما أدخل الكاف على قبلت أو رضيت وكل لفظ يدل على القبول

стр. 764

ولكون الصيغة أيضا من الرجل لولي المرأة قبلت تنبيها على عدم اختصاص هذه اللفظة بذلك، بل كذلك رضيت واخترت. قوله: (وجبر المالك أمة وعبدا بلا إضرار) لما كان الولي على ضربين مجبر وغير مجبر، شرع في بيانه، وولي المرأة من له عليها نظر بملك، أو تعصيب، أو إيصاء، أو كفالة، أو سلطنة، أو ذو إسلام، وبدأ بالمالك لأنه أقوى الأولياء، ذكرا كان أو أنثى، صغيرا كان أو كبيرا. انتهى. وللمالك جبر أمته على النكاح بكرا كانت أو ثيبا، وله جبر عبده رشيدا كان أو غيره، ما لم يقصد الإضرار بالنكاح، كما إذا أراد أن يزوج عبدا تاجرا وخشة أو يزوج أمة رفيعة بوخش. قوله: (لا عكسه) أي لا عكس ذلك، فلا يجبر السيد على نكاح مملوكه وإن أضر عدمه به. قوله: (ولا مالك بعض) أي ولا جبر لمالك بعض الأمة أو العبد على نكاحه (و) لكن له الولاية وله (الرد) إن زوج بغير إذنه وإن قل ملكه فيه. قوله: (والمختار ولا أنثى بشائبة ومكاتب، بخلاف مدبر ومعتق لأجل إن لم يمرض السيد) أي والمختار من الخلاف عن اللخمي لا جبر لمالك بعض ولا مالك أنثى بشائبة عتق كمدبرة وأم ولد ومعتقة لأجل ولا مكاتبة بخلاف مدبر ذكر ومعتق لأجل، فإنه يجبرهما ما لم يمرض سيد المدبر مرضا مخوفا، (ويقرب الأجل) المعتق إليه. قوله: (ثم أب) أي ثم الأحق بولاية المرأة إن لم تكن مملوكة أب. وفي الذخيرة قاعدة إنما يقدم الشرع في كل ولاية من هو أقوم بمصالحها، فللقضاء العارف بالفقه وأحوال الخصوم والبينات، وللحروب من هو أعرف بمكائدها وسياسة جيوشها، ولا يقدم هذا للقضاء ولا الأول للحروب، وكذلك سائر الولايات، ورب كامل في ولاية ناقص في أخرى كالنساء ناقصات في الحروب، كاملات في الحضانة لمزيد شفقتهن وصبرهن، فيقدمن على الرجال فكذلك هاهنا إذا اجتمع الأولياء يقدم من وصفه أقرب لحسن النظر في الولاية. انتهى (١). وحديث تزوجه ﷺ عائشة وهي بنت ست.

стр. 765

عياض: الحديث أصل في تزويج الأب ابنته وإن لم تطق المسيس ولم يختلف فيه وإنما اختلف هل لها الخيار إذا بلغت؟ فقال مالك والشافعي والحجازيون: لا خيار لها وأثبته العراقيون. قولها: «وبنى بي وأنا بنت تسع» (١) عياض والحديث أيضا أصل في جبر بنت تسع على الدخول إذا وقع التشاجر، وهو قول أحمد وأبي عبيد. قال مالك والشافعي: حد ذلك أن تطيق الوطء. قال الشافعي وتقارب البلوغ. قال أبو حنيفة: حده أن تطيق الوطء وإن لم تبلغ التسع. انتهى من إكمال الإكمال (٢). قوله: (وجبر المجنونة) أب (والبكر ولو عائسا إلا لكخصي على الأصح) أي وللأب جبر ابنته المجنونة على النكاح وإن كانت ثيبا، وله جبر البكر ولو كانت عانسا، إلا أن يكون الخاطب خصيا، أو عنينا، فلا يجبرها عليه على القول الأصح، والعانس بنت أربعين سنة. وفي إكمال الإكمال: العانس هي المباشرة لما تحتاج إليه غير المحجوبة حجاب البكر العارفة بالمصالح مع علو السن. واختلف في حد علوه؛ فقال ابن وهب: ثلاثون سنة. ابن القاسم: أربعون سنة. وأما المجذوم والمبروص فلا جبر له عليها قولا واحدا للضرر. انتهى (٣). وفي للتوضيح: وقد كره عمر ﵁ أن يزوج وليته من الرجل القبيح (٤). قوله: (والثيب إن صغرت أو بعارض أو بحرام، وهل إن لم تكرر الزنا تأويلان) أي وكذلك للأب إجبار الثيب، إن كانت صغيرة حين عودها إليه وإن كانت بالغة الآن، وكذلك إن زالت بكارتها بسبب عارض يعرض لها، كعود أو يد أو وثبة أو سقوط أو زالت بكارتها بسبب عارض يعرض لها بوطئ حرام كغصب أو زنا وإذنها صماتها.

стр. 766

وهل هذا الاجبار إذا كانت لم يتكرر الزنا منها وإلا فلا يجبرها، أو يجبرها مطلقا تكرر منها الزنا أم لا. فيه تأويلان على المدونة. قوله: (لا بفاسد وإن سفيهة وبكرا رشدت أو أقامت ببيتها سنة وأنكرت) أي لا جبر للأب في الثيب البالغ بنكاح فاسد، والصحيح أحرى وإن كانت الثيب سفيهة، وكذلك لا جبر له على ابنته البكر الرشيدة، أو أقامت ببيتها سنة وهي تنكر الوطء ويدعيه الزوج، وأحرى إن أقرت بالمسيس، لأن الطول يقوم مقام الوطء. انتهى. قال محمد بن أحمد بن أبي محمد الفقيه وأما لو لم تقم في بيتها سنة فالجبر بشرط أن تنكر المسيس ولو أقرت بزوال البكارة فلا إجبار، ولا خلاف في عدم جبرها بعد السنة إذا أقرت فقوله: وأنكرت نص على عدم الجبر في موضع الخلاف، ويستفاد منه الجبر فيما دون السنة مع القيد المذكور، كما يستفاد منه عدم الجبر في موضع الخلاف، ويستفاد منه الجبر في موضع الاتفاق من باب أحرى، فتأمله وراجع التوضيح. قوله: (وجبر وصي أمره أب به) أي وللوصي جبر بكر أمره أب بالإجبار (أو عين له الزوج) وإن لم يأمره بإجبارها. قوله: (وإلا فخلاف) أي وإن لم يأمره الأب بالإجبار ولا عين له الزوج ففيه خلاف. غفل الشارح هنا تخلله وكم أجاد وأصلح. كفى المرء نبلا أن تعد معايبه … كفى المرء نبلا أن تعد معايبه وفي إكمال الإكمال والولي في من يفتقر في العقد عليه إلى إذنه قسمان: قسم لا يفتقر، وقسم يفتقر. فأهل الولي السيد والوصي في يتيمه الذكر والأب في ابنته البكر، والوصي يجبر يتيمه الذكر ولا يجبر يتيمته إلا أن يوصي له بجبرها. والفرق هو أنه لما كان للذكر أن يحل العصمة عن نفسه جاز له ذلك بخلاف الأنثى. وانتهى (١). قوله: (وهو في الثيب ولي) أي والوصي في الثيب ولي كالأب فيها. قوله: (وصح إن مت فقد زوجت ابنتي بمرض. وهل إن قبل بقرب موته؟ تأويلان) أي وصح قول القائل في مرضه إن مت فقد زوجت أبنتي فلانة من فلان ويصح به

стр. 767

العقد، وهل هذه الصحة مطلقا؟ قبل الزوج قرب موته أم لا أو إنما يصح إذا قبل قرب الموت ففي ذلك تأويلان على المدونة وظاهرها وعبر بهما الشيخ بتأويلان والباء في بمرض بمعنى في. قوله: (ثم لا جبر فالبالغ) أي ثم بعد هؤلاء الثلاثة من الأولياء فلا يزوجون البالغ إلا بإذنها ولو كانت سفيهة. مسألة: قال خ: ط: «ويصح الإجبار بعد البلوغ مع الثيوبة بالنكاح إذا ظهر منها الفساد ولم يقدر وليها على صيانتها، أو لم يكن لها ولي يصونها واستحسن أن يرفع ذلك مع عدم الأب إلى الحاكم، فيجتهد في من يتزوجها منه، فإن زوجها ولي من غير حاكم مضى فعله» (١)، ويرتفع الإجبار مع إذا طال مقام البكر عند الزوج مدة يخلص فيها إليها العلم بحال الرجل مع النساء (٢). انتهى من المفيدة. قوله: (إلا يتيمة خيف فسادها وبلغت عشرا، وشوور القاضي) هذا مستثنى من النفي المستفاد من قوله: (لا جبر فالبالغ إلا يتيمة) أي فالأولياء غير الثلاثة تزويج يتيمة بشروط أن تكون خيف الفساد عليها، وأنها بلغت في السن عشر سنين وأن يشاور القاضي في أمرها، فإن توفرت هذه الشروط زوجت، وهو غير المشهور، وهو تشهير ظنه لما اتفق عليه المتأخرون، فالرواية المشهورة عن مالك المرجوع إليها أنها لا تزوج أصلا. انتهى. وقال المواق في التاج والإكليل: محمد قال مالك في صبية بنت عشر سنين في حاجة تتكفف الناس: لا بأس أن تتزوج برضاها لمكان ما هي فيه من الخصاصة والكشفة، وهذا أحسن لتغليب أخف الضررين (٣). قوله: (وإلا صح إن دخل وطال) أي وإن زوجت بغير الشروط المذكورة صح العقد عليها، بشرط إن دخل بها الزوج ويطول مقامه معها، وليس السنتين والولد الواحد بطول. قوله: (وقدم ابن، فابنه) أي فإن تعدد أولياء امرأة فإن الابن يقدم على العقد

стр. 768

عليها بنكاح، لقوة التعصيب في الميراث والولاء، لأنه جزؤها وهو أقرب إليها، وفضيحتها تنكثه. والقاعدة أنه يقدم في كل ولاية من هو أقوم بمصالحها، فالابن ولي وإن لم يكن من عصبة الأم، وقيل الأب مقدم عليه نظرا إلى العطف والحنان، وابن الابن في عدمه كأبيه. وقوله: (فأب) أي فإن لم يكن ابن ولا ابنه وإن سفل فالأب مقدم على غيره من الأولياء. وقوله: فأخ أي فإن لم يكن أب فأخ أولى بالولاية عليها شقيقا كان أو لأب. وقوله: (فأخ، فابنه) أي فإن لم يكن أخ فابنه أولى من الجد. وفي التقييد: الأخ أولى من الجد في أربع مسائل: أحدهما: النكاح. والثاني: الولاء. والثالث: الصلاة على الميت. والرابع: الحضانة. قوله: (فجد، فعم، فابنه، وقدم الشقيق) أي فإن لم يكن أخ ولا أبنه، فجدها من الأب أولى بها من العم، فإن لم يكن الجد فعمها من العصبة أولى بها، فإن لم يكن فابنه. ويقدم الشقيق من الإخوة، أو بنيهم، أو الأعمام، أو بنيهم (على) القول (الأصح والمختار) عند اللخمي، ومقابلهما التسوية، ولا عبرة بالأم. انتهى. قال القرافي في أنوار البروق في أنواع الفروق: الفرق بين قاعدة ذوي الأرحام لا يلون عقد الأنكحة، وبين قاعدة العصبة أنهم يلونه، أن الولاء شرع لحفظ النسب فلا يدخل فيه إلا من يكون له نسب حتى تحصل الحكمة، لمحافظته على مصلحة نفسه، فذلك يكون أبلغ في اجتهاده في نظره في تحصيل الأكفاء ودرء العار عن النسب (١). قوله: (فمولى، ثم هل الأسفل) أي فإن لم يكن لها ولاء نسب فمولى أعلى ولي، فإن لم يكن مولى أعلى وهناك مولى أسفل هل تنتقل إليه الولاية عليها؟ (وبه فسرت؟) المدونة (أولا؟) تنتقل إليه الولاية (وصحح) هذا القول، غفل الشارح هنا الله.

стр. 769

والذكورية في المولى الأسفل شرط. قوله: (فكافل، وهل إن كفل عشرا أو أربعا أو ما يشفق؟ تردد. وظاهرها شرط الدناءة) أي فإن لم يكن مولى أعلى ولا أسفل على القول به فالكافل للمرأة ولي لها، وهل ذلك بشرط إن كان قد كفلها عشر سنين؟ وهو قول بعض الموثقين، أو كفلها أربعا وهو قول أبي محمد صالح، أو إنما يكون وليا لها إن كفلها قدر ما يشفق عليها فيه تردد للمتأخرين، وظاهر المدونة أن شرط ولاية الكافل أن المكفولة دنية. الدناءة ضد الشرف، واختلف هل للحاضن أن يوكل غيره كغيره من الأولياء، على عقد على وليته فيه قولان انتهى راجع القشاني (١). قوله: (فحاكم، فولاية عامة مسلم) أي فإن لم يكن أحد من الأولياء المتقدم ذكرهم، فالحاكم ولي لها، فإن لم يكن حاكم فولاية عامة المسلمين، ولا يختص بها شخص من المسلمين من رجالهم كيف كان، إلا أن الفاسق يسلب الكمال. قوله: (وصح بها في دنينة مع خاص لم يجبر) أي وصح العقد بولاية عامة مسلم مع وجود الخاص في امرأة دنية أي وصح العقد بولاية عامة مسلم مع وجود الخاص في أمرة دنية كالسوداء والمسكينة، إذا كان الخاص غير مجبر وأما المجبر فلا يصح، والخاص ما تقدم ذكره من الأولياء. قوله: (كشريفة دخل وطال، وإن قرب فللأقرب أو الحاكم إن غاب الرد، وفي تحتمه إن طال قبله تأويلان) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يصح نكاح شريفة بولاية عامة مسلم مع وجود ولاية خاصة، بشرط أن يدخل بها وطال مقامه معها، وأرى السنة طولا، وإن لم يطل فللولي الأقرب والحاكم إن غاب الأقرب الرد، وهو قول ابن القاسم في المدونة، ولا كلام في الأبعد هنا، وفي تحتم الرد وعدم تحتمه إن طال ما بين العقد وبين البناء بها تأويلان. قوله: (وبأبعد مع أقرب إن لم يجبر) أي ويصح عقد النكاح بولاية الأبعد مع وجود الولي الأقرب إن كان القريب غير مجبر، (و) لو لم يجز الإقدام على ذلك ابتداء. قوله: (كأحد المعتقين) أي كما يصح عقد أحد المعتقين بعد الوقوع، ولم يجز ابتداء وكذلك أحد الابنين والأخوين أو العمين لم يجز ابتداء ويصح إن وقع.

стр. 770

قوله: (ورضاء البكر صمت) في النكاح أي ورضا البكر بالنكاح صمت لقوله العا: «وإذنها صماتها» (١) أن تسكت. القرطبي: هو منه مراعاة لتمام صونها وإبقاء لاستحيائها، لأنها لو تكلمت صريحا لظن أنه رغبة منها في الرجل، وذلك لا يليق بالبكر. وأرشدها العا إلى ما هو صون لها فقال: تستأذن والاستئذان طلب الإذن، والإذن أعم من أن يكون بالقول أو أمارة تدل عليه. الفرق بينها وبين الثيب أن الثيب لا يلحقها خجل في التصريح بالقول والبكر يلحقها الخجل لو تكلمت إذ يظن أن ذلك دعية منها من الرجال، أرشدها العلم إلى ما هو أصون لها. انتهى من إكمال الإكمال (٢). قوله: (كتفويضها. وندب إعلامها به، ولا يقبل منها دعوى جهله) لا يختص بالبكر وكذلك الثيب يكفيها الصمت، إذا فوضت لوليها أن يعقد لها. والتفويض للولي في العقد لا بد منه عند ابن القاسم بخلاف غيره، وندب إعلام البكر بأن صماتها إذن، وتستأذن مرة، وقيل: ثلاثا ولا يقبل منها دعوى جهل الصمت ورضى (في تأويل الأكثر) من الشيوخ، وتأويل الأقل يقبل دعوى جهلها بذلك. قوله: (وإن منعت أو نفرت لم تزوج: لا إن ضحكت، أو بكت والثيب تعرب) أي وإن منعت البكر حين الاستئذان بوجه، أو نفرت منه لم تزوج، لا إن ضحكت أو بكت، لأن الضحك دليل على الرضى منها، إلا أن يكون الضحك استهزاء، وكذلك إن بكت لاحتمال أن يكون بكاؤها إذ لو كان أبوها حيا لم أحتج لهذا، وأما الثيب فتعرب عن نفسها بالنطق، إذ لا يلحقها خجل بالتصريح بالرضى بالقول. قوله: (كبكر رشدت، أو عضلت) إلى آخر النظائر أي كما تعرب بكر ذات أب عن نفسها بالنطق إذا رشدت، لأن أباها مقر أنها تعرف مصالح نفسها، وكذلك بكر ذات أب عضلت، واشتكت إلى الحاكم، فإنها تعرب عن نفسها بالنطق. والعضل لغة المنع من النكاح. قوله: (أو زوجت بعرض، أو برق، أو بعيب، أو يتيمة أو افتيت عليها، وصح إن قرب رضاها

стр. 771

بالبلد ولم يقر به حال العقد) يريد أن اليتيمة إذا زوجت وعمل صداقها عرضا فإنها تعرب عن نفسها بالنطق، وكذلك إن زوجت بذي رق أو ذي عيب وكانت محتاجة أو أفتيت عليها فلا بد أن تنطق بالرضى والإفتيات أن يعقد عليها ولي بغير إذن منها فعلمت بالقرب على شروطه فلا بد من النطق بالرضى من الكل وهو سبع، ويصح نكاح من افتيت عليها إن قرب رضاها وهي في البلد ولم يقر العاقد بالافتيات حال العقد، وإلا فلا يصح ويفسخ أبدا. قوله: (وإن أجاز مجبر في ابن وأخ وجد فوض له أموره ببينة جاز) أي وإن أجاز مجبر افتيت عليه في افتيات ابن أو أخ أو جد فوض له بالعادة لا الصيغة وثبت التفويض بالبينة جاز، ولو فوض إليه بالصيغة لم يحتج إلى الشروط. وقوله: في ابن وأخ وجد. قال شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله -: هكذا ذكر في المدونة الثلاثة، وقال بعضهم: هو تمثيل، وكذلك غيرهم من الأقارب، وقال بعضهم: وكذلك أجنبي فلا فرق. انتهى. قوله: وإن أجاز مجبر مفهومه إن لم يجزه فلا يجوز وهو كذلك. قوله: (وهل إن قرب تأويلان) أي وهل جواز الإمضاء في الافتيات إن قرب مابين العقد والإمضاء، أو يجوز مطلقا قرب أم لا فيه تأويلان. قوله: (وفسخ تزويج حاكم أو غيره ابنته في كعشر) أي وفسخ تزويج حاكم ابنة المجبر أو أمته في غيبته عنها مسافة عشر ليال وإن ولدت أولادا عند ابن القاسم. قوله: (وزوج الحاكم في كإفريقية) أي ويزوج الحاكم لا غيره من الأولياء ابنة المجبر في غيبته غيبة بعيدة كبعد إفريقية وطنجة من المدينة (وظهر) ابن رشد أنه إفريقية (من مصر)، لأن السائل هو ابن القاسم، واستبعده ابن عبد السلام، لأن المسألة لمالك. انتهى. ولا كلام هنا للأولياء غير الحاكم لأنه حكم على الغائب. تنبيه: لم يذكر المصنف في مختصره هذا صيغة الفعل ابن رشد إلا هنا. قوله: (وتؤولت أيضا بالاستيطان) لما قال: أيضا علمنا أن الأول تأويل، وهو أن الأب إذا غاب عن ابنته البكر غيبة بعيدة أن للحاكم أن يزوجها، وإن لم يستوطن الأب هناك وهذا تأويل، إنما يكون ذلك للحاكم إذا كان الأب مستوطنا هناك، فلا

стр. 772

يزوج ابنة من تاجرا لا يريد المقام بها، إلا أن يغيب عنها غيبة منقطعة فيزوجها حينئذ. انتهى. قال المواق في التاج أنظر هنا مسألة وهي إذا قطع الأب النفقة عن بنته البكر وخشي عليها الضيعة لا خلاف أنها تزوج وإن كانت قبل البلوغ، والمشهور هنا: أنه لا يزوجها هنا إلا السلطان، وقيل يزوجها وليها لأن أباها كالعدم. انتهى (١). وقال البرزلي وسئل السيوري عن من يغيب عنها أبوها، ويخشى عليها الضيعة والفساد، إن لم تتزوج. فأجاب: تزوج على هذا الإمكان، ولا ينتظر أبوها لما ذكرت. قلت: ظاهره ولو لم تطل غيبته، وهو ظاهر لعلة خوف الفساد (٢). قوله: (كغيبة الأقرب الثلاث) والكاف للتشبيه في الحاكم أي كما يجوز للحاكم في غيبة الولي الأقرب غير المجبر مسافة ثلاثة أيام، ولا كلام هنا للأبعد، لأنه الحكم على الغائب. قوله: (وإن أسر أو فقد؛ فالأبعد) أي وإن أسر الولي الأقرب أو فقد أو سجن سجنا لا يكشف عن حاله، فإن الولاية تنتقل إلى الولي الأبعد، ولا كلام للحاكم هنا، لأن وجوده مع هؤلاء كالعدم. قوله: (كذي رق، وصغر وعته، وأنوثة) أي كما تنتقل الولاية للأبعد إذا كان القريب ذا رق أو ذا صبى أو كان معتوها أو أنثى وإن بإشكال، لأن وجودهم كالعدم والمعتوه ضعيف العقل. قوله: (لا فسق، وسلب الكمال) أي لا تنتقل الولاية عن الأقرب للأبعد بسبب فسق، ولكن الفسق يسلب الكمال منه. ابن عبد السلام: فإن أراد تقديم الأبعد فبعيد وإن أرد تقديم المساوي فقريب. انتهى. قوله: (ووكلت مالكة، ووصية، ومعتقة) يعني أن المرأة الولية إن سقط حقها في تولية عقد النكاح، فلا يسقط حقها في تفويض العقد إلى غيرها من الرجال (وان) كان (أجنبيا)، فيعقد على أمة مالكة، وعلى محجورة الوصية، وعلى معتقتها بفتح التاء.

стр. 773

قوله: (كعبد أوصي، ومكاتب في أمة طلب فضلا وإن كره سيده) أي كما يوكل عبدا أوصى له على امرأة، ولكن إنما يوكل غير سيده، وكذلك المكاتب يوكل في عقد نكاح على أمته، إن أذن له سيده في أنكاحها، هذا إذا لم يطلب في أنكاحها فضلا وأما إن كان مراد بأنكاحها طلب فضل فإنه يوكل من يعقد عليها وإن كره سيدها. قوله: (ومنع إحرام من أحد الثلاثة) أي ويمنع الإحرام بحج أو عمرة عقد نكاح لمن أحرم من أحد الثلاثة الولي والزوجة والزوج غير النبي ﷺ . قوله: (ككفر لمسلمة وعكسه: إلا لأمة ومعتقة) أي كما يمنع الكفر عقدا على وليته المسلمة وعكسه، وهو عقد مسلم على وليته الكافرة فلا يجوز، إلا أن تكون أمته أو معتقته، فإنه يجوز أن يعقد عليهما النكاح، ولا يسقط الكفر حقه من ذلك، لأن معتقته ليست من نساء الجزية، ومن في قوله: (من غير نساء الجزية للتعليل أي أنها من غير نساء الجزية. انتهى. وأما إذا كانت من نساء الجزية فلا يعقد عليها كما إذا أعتقها وهو كافر. قوله: (وزوج الكافر لمسلم) أي ويعقد الكافر نكاح وليته الكافرة لمسلم، (وإن عقد مسلم) نكاح ولتيه الكافرة (لكافر ترك) فلا يفسخ وقد أساء، وأما إن عقد عليها لمسلم فلا يترك. قوله: (وعقد السفيه) أي وللسفيه (ذو الرأي) تولي العقد على وليته (بإذن وليه) وإن كان ضعيف الرأي فلا يعقد عليها. قوله: (وصح توكيل زوج الجميع) أي ويصح توكيل زوج في عقد نكاحه جميع من لا يجوز لهم تولية عقد النكاح من جهة المرأة. قوله: (لا ولي إلا كهو) أي لا يوكل ولي المرأة إلا من يصح أن يكون وليا لها. قوله: (وعليه الإجابة لكفء، وكفؤها أولى فيأمره الحاكم، ثم زوج) أي ويجب على الولي الإجابة لكفء لها دعته إليه وكفؤها أولى إذا تنازعا في الأكفاء، فيأمره الحاكم أن يزوجها لكفؤها الذي دعته إليه، فإن أبى زوجها الحاكم إن لم يأتي الولي بعذر مشبه. قال صاحب إكمال الإكمال الكفاءة هي التقارب في الأوصاف المعتبرة مطلوبة ثم اختلف فقيل هي حق للولي والزوجة وقيل للزوجة الثيب دون الولي فلها إسقاطها وقيل هي حق لله تعالى فيمتنع إسقاطها.

стр. 774

وقال بعض الموثقين: الثيب فيها كالبكر لا تسقط بإسقاطها. عياض: فالكفاءة هي التقارب في الصفاة المعتبرة فيها. انتهى (١). قوله: (ولا يعضل أب بكرا برد متكرر حتى يتحقق) أي ولا يعد الأب عاضلا لابنته بكرا كانت أو ثيبا برد خاطب متكرر حتى يتحقق عضله بوجه فيأمره الحاكم بذلك. قوله: (وإن وكلته ممن أحب عين) أي وإن وكلت امرأة وليها على تزويجها ممن أحب، فإن أراد تزويجها لا بد أن يعين لها من يزوجها منه هذا هو المشهور، وقيل لا يحتاج إلى التعيين وقيل بالفرق إن زوجها من نفسه عين، وإن زوجها للغير فلا تعيين عليه. قوله: (وإلا فلها الإجازة، ولو بعد) أي فإن زوجها ولم يعين لها، فلها الإجازة والفسخ ولو بعد العقد عليها. قوله: (لا العكس) أي لا عكس ذلك هو أن يوكل الرجل من يزوجه، فإنه لا يحتاج إلى التعيين. قوله: (ولابن عم ونحوه تزويجها من نفسه: إن عين بتزوجتك بكذا وترضى وتولى الطرفين) أي وجاز لابن عم امرأة ونحوه من حاكم أو وصي أو معتق أن يزوجها من نفسه بشرط أن يعين لها نفسه بقوله: تزوجتك بكذا وترضى به، ويتولى طرفي العقد جانبه وجانبها، وكذلك من زوج يتيمه بيتيمته يتولى الطرفين. قوله: (وإن أنكرت العقد صدق الوكيل إن ادعاه الزوج) يريد أن المرأة إذا أذنت لوليها أن يعقد عليها، فعقد وأنكرت العقد فقالت: لم تزوجني وقد أقرت بالإذن، فإن الوكيل يصدق إن ادعى الزوج النكاح، لأنها مقرة بالإذن والوكيل قائم مقامهما، ولا يكلف بإقامة البينة على ذلك، ظاهره وإن عزل وهو ظاهر المدونة. قوله: (وإن تنازع الأولياء) أي وإن تنازع الأولياء (المتساوون في الدرجة في تولي (العقد) على الولية، (أو) للتنازع في (الزوج: نظر الحاكم) في أمرهما فيمضي قول الأصوب، فإن تساويا أقرع وهذا كله إذا فوضت إليهم في أشخاص معينين. قوله: (وإن أذنت لوليين) أي وإن أذنت امرأة ذات إذن لوليين في تزويجها رجلين معينين، (فعقدا) عليها (ف) هي (للأول) منهما (إن لم يتللذ) بها (الثاني بلا علم) منه أنه ثان، (ولو تأخر تفويضه) أي الولي الثاني بشرط (إن لم تكن في عدة وفاة) من

стр. 775

أول (ولو تقدم العقد) على موته (على الأظهر) فلو دخل بعد علمه أنه الثاني لم ينفعه الدخول ويفسخ نكاحه بغير طلاق وإن دخل الثاني بها وهي في عدة حرمت عليه. قوله: (وفسخ بلا طلاق إن عقدا بزمن) أي وفسخ النكاحان إن عقدا عليها في زمن واحد. قوله: (أو لبينة بعلمه أنه ثان) أي وكذلك يفسخ نكاح الثاني إذا قامت بينة بعلمه أنه ثان. قوله: (لا إن أقر) أي لا إن أقر أن تلذذه بعد علمه أنه ثان ولم يعلم ذلك إلا من إقراره فإنه يفسخ نكاحه بطلاق ولا ترد للأول لاحتمال كذبه. وقوله: (أو جهل الزمن) فإن نكاحهما يفسخ هذا إذا لم يدخل بها أحدهما وأما إن دخل فهو أحق. قوله: (وإن ماتت وجهل الأحق) أي وإن ماتت تلك المرأة وجهل من من الزوجين الأحق بها لعدم علم السابق ولم يحكم بالفسخ (ففي) ثبوت (الإرث) وقسمه بينهما لأن أحدهما زوج وعدم التعيين غير قادح وعدمه لاحتمال الاتحاد ولا إرث مع الشك فيه (قولان). قوله: (وعلى الإرث فالصداق) أي وعلى القول بالإرث فالصداق لازم لكل منهما بإقراره أنها زوجته. قوله: (وإلا فزائده) أي وإن فرعنا على عدم الإرث فزائد الصداق على إرثه لازم له لاعترافه به فإن نقص عنه أو ساواه فلا شيء عليه. انتهى. قوله: (وإن مات الرجلان) أي وإن مات الرجلان أو أحدهما قبل ثبوت الأحقية لأحدهما (فلا إرث) لهما (ولا صداق) عليهما لأن سببهما الزوجية وهي لم تثبت. انتهى. قال القرافي في أنوار البروق في انواع الفروق الفرق بين قاعدة الوكالة وبين قاعدة الولاية في النكاح أن الرجل إذا وكل وكيلين في بيع سلعة فباعاها من رجلين كان النافذ من البيعين هو الأول، وإذا جعلت المرأة أمرها لوليين فزوجاها من رجلين كفأين فالمعتبر أولهما إن عرف كالبيع إلا أن يدخل بها الآخر فهو أحق بها، وهذه القاعدة فيها سبع مسائل يفيتهن الدخول: مسألة الوليين، وامرأة المفقود تتزوج بعد الأجل المضروب يفيتها الدخول، فإن قدم قبل الدخول فهو أحق بها.
следующие страницы →