← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30175

نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام

شهاب الدين الزنجاني

Полный текст (659 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يسر «مشروع أسفار» أن يقدم للقارئ الكريم الإصدار السادس والثلاثين من إصدارات المشروع: (نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام)، للقاضي شهاب الدين الزنجاني الشافعي (ت ٦٥٦)، الذي يطبع لأول مرة. كتابنا: مختصر في علم الخلاف من تصنيف «علامة وقته» و «شيخ الشافعية»، سلك مؤلفه منهاجه الفريد: في ربط الفروع بأصولها، والأحكام بمقاصدها وعللها، والخلافيات بمناشئها وأسبابها، والأقوال بأدلتها، وليس مستغربا أن يصفه الذهبي: بأنه «من بحور العلم»، فهو أحد فرسان «تخريج الفروع على الأصول». تميز كتابه: بكونه من المصنفات الفقهية المقارنة؛ المشتملة على: جزالة الإيجاز وحسن الترتيب، وقد بين «أسرار الشريعة» وأسباب الخلاف ومستندات المجتهدين، وقصد أن يكون كتابه «حاويا لمآخذ المسائل الخلافية والقواعد المذهبية»، واعتنى ﵀ بتهذيبه؛ ليكون من المختصرات التي «تغني عن حفظ المجلدات الثقيلة والتعاليق الطويلة». فلما تمت الخلافيات عند المتقدمين تدوينا ونضجا فلم يتبق في القرن السابع إلا إعادة عرض مادتها بشكل مقرب متسق نافع للمتدارسين، من خلال مختصر تعليمي يجمع رؤوس المسائل مشفوعا بالمآخذ والدلائل، وهذا ما صنعه الإمام أبو المناقب، فقد استفاد من تراث السابقين قبله؛

стр. 2

وهذب وقرب واستخلص ولخص، وتفوق تنظيما وتقسيما، فكان جديرا بالعناية. وزاد من أهميته: كونه من مصنفات الزنجاني المتأخرة عن بقية كتبه الفقهية؛ فقد أفاد من كتابه «التخريج» إذ جعله: مرتكزا لبناء التفقه، وأساسا لمعرفة مدارك أنظار المجتهدين، وتأصيل الخلاف وتسبيبه، ثم بسط مسائله ووسع عباراته وأبدى حجاجه، فـ «النهاية» و «التخريج» متكاملان من حيث التأصيل والإعمال والتنزيل. ونسأل الله ﵎ المغفرة والرحمة والرضوان لمؤلف الكتاب، وللمحقق الفاضل، وللقائمين على مشروع (أسفار)، وللمتكفل بطباعته، اللهم أسبغ رحماتك وبركاتك على من تحمل تمويل طباعته ونشره، وأسكنه الفردوس الأعلى من جنات النعيم، والحمد لله رب العالمين. اسفار لنشر نفيس الكتب والرسائل دولة الكويت

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله - صلى الله عليه - وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فإن الله قد اصطفى الإسلام ورضيه لنا دينا، وأظهره على جميع الشرائع والأديان، فقال - سبحانه -: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون﴾ [التوبة: ٣٣]، وجعله دينا عاما شاملا فقال ﷺ : ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا﴾ [الفرقان: ١]. ودين الإسلام بكماله وتمامه صالح لكل زمان ومكان قال : ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة: ٣] ترد إلى مصادره أحكام الحوادث والنوازل كلما نزلت واستجدت، فكتاب الله كما وصفه الله ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبينا لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩].

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يسر «مشروع أسفار» أن يقدم للقارئ الكريم الإصدار السادس والثلاثين من إصدارات المشروع: (نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام)، للقاضي شهاب الدين الزنجاني الشافعي (ت ٦٥٦)، الذي يطبع لأول مرة. كتابنا: مختصر في علم الخلاف من تصنيف «علامة وقته» و «شيخ الشافعية»، سلك مؤلفه منهاجه الفريد: في ربط الفروع بأصولها، والأحكام بمقاصدها وعللها، والخلافيات بمناشئها وأسبابها، والأقوال بأدلتها، وليس مستغربا أن يصفه الذهبي: بأنه «من بحور العلم»، فهو أحد فرسان «تخريج الفروع على الأصول». تميز كتابه: بكونه من المصنفات الفقهية المقارنة؛ المشتملة على: جزالة الإيجاز وحسن الترتيب، وقد بين «أسرار الشريعة» وأسباب الخلاف ومستندات المجتهدين، وقصد أن يكون كتابه «حاويا لمآخذ المسائل الخلافية والقواعد المذهبية»، واعتنى ﵀ بتهذيبه؛ ليكون من المختصرات التي «تغني عن حفظ المجلدات الثقيلة والتعاليق الطويلة». فلما تمت الخلافيات عند المتقدمين تدوينا ونضجا فلم يتبق في القرن السابع إلا إعادة عرض مادتها بشكل مقرب متسق نافع للمتدارسين، من خلال مختصر تعليمي يجمع رؤوس المسائل مشفوعا بالمآخذ والدلائل، وهذا ما صنعه الإمام أبو المناقب، فقد استفاد من تراث السابقين قبله؛

стр. 5

أهمية الكتاب المحقق وأسباب اختياره: تبرز أهمية هذا الكتاب في نوعية موضوعه، وهو مآخذ الأحكام الخلافية، وقلة التأليف فيه، ومن جودة مادته وقيمتها العلمية، وأسلوب تأليفه ومنهجه، فهو قائم على المقارنة بين مذهبي أبي حنيفة والشافعي ﵀، كما تظهر أهميته من شخصية مؤلفه العلمية الكبيرة، وكثرة مصنفاته خصوصا في موضوع هذا الكتاب وترتيبه بينها، فقد سبقته ثلاثة كتب في موضوعه منها: تخريج الأصول على الفروع، كما أن عصر تأليفه له أثر في أهميته، حيث كان في القرن السابع الهجري. وأما أسباب اختياره، فتنقسم إلى قسمين: أسباب علمية، وأسباب تنظيمية وأكاديمية. أما الأسباب العلمية فهي: ١ - شموله لأغلب الأبواب الفقهية، وإيرادها مرتبة، ابتداء من كتاب الطهارة، وانتهاء بمسائل العتق والكتابة. ٢ - احتواء المخطوط على أكثر من مائتي مسألة فقهية، مدرجة بحسب ترتيبها تحت أبوابها، مقرونة بأحكامها عند الإمامين أبي حنيفة والشافعي -رحمهما الله-، وبهذا يعد من الفقه المقارن. ٣ - أنه يشتمل على أدلة الأحكام لكل قول، سواء أكانت نقلية أم عقلية. ٤ - أن فيه بيانا لمآخذ أحكام المسائل الخلافية لكل قول، وبيانها

стр. 6

أصل موضوع الكتاب. ٥ - أن فيه تصويرا لبعض المسائل، والإشارة للشروط والضوابط أحيانا. ٦ - أن فيه تحريرا لمحل الخلاف في بعض المسائل بذكر الصور المتفق عليها. ٧ - أن منهج مؤلفه قائم على المناقشة والاعتراض والافتراض، والنقض والإبطال، وأحيانا الاختيار. ٨ - أنه يحوي في مادته العلمية عدة علوم، فقد جمع بين مسائل الفروع وأحكامها، وبين مآخذ تلك الأحكام الخلافية، مع المقارنة في ذلك بين مذهبي أبي حنيفة والشافعي - رحمهما الله - ومثل هذا النوع من المؤلفات قليل. ٩ - أن في هذا الكتاب ربطا تطبيقيا بين أصول الفقه وفروعه، وهذا قليل، فغالب المؤلفات مقصور على أصول الفقه، أو على فروعه، أو على التنظير دون التطبيق. ١٠ - أن مؤلفه كبير الشافعية في عصره، ومن بحور العلم، ومن البارعين في المذهب والأصول والخلاف. ١١ - أن في تحقيقه إسهاما في إخراج كتاب لعالم بارع، وبحر من بحور العلم. ١٢ - أن في تحقيق وإخراج هذا الكتاب إثراء لهذا النوع من العلوم التي قل التأليف فيها.

стр. 7

١٣ - أن في معرفة مآخذ الأحكام التي هي أصل موضوع الكتاب فوائد علمية متعددة، منها على سبيل الإجمال: أ - أن معرفة مآخذ الأحكام سبب لمعرفة أحكام الفروع، لذا كان من شروط المجتهد كونه عالما بمآخذ الأحكام؛ لأنه لن يحيط بجميع أحكام الفروع، بينما المأخذ عقد يجمع له أحكامها. ب - أن العلم بها سبب لمعرفة أسباب الخلاف بين العلماء. ج - أنه بمعرفة المآخذ يمكن الترجيح بين أقوال العلماء في المسائل الخلافية. د - أنه تعلم أحكام المستجدات والنوازل من خلال القياس والتخريج. (٥) - تكوين الملكة الفقهية وتنميتها. منهج التحقيق: لقد بذلت وسعي في إخراج نص الكتاب في أقرب صورة وضعه عليها المؤلف، وذلك وفقا للخطوات الآتية: ١ - الاعتماد على نسخة المخطوط في إخراج نص الكتاب دون التصرف في النص. ٢ - المحافظة على نصه، إلا إذا تبين أن هناك خطأ واضحا لا يستقيم معه الكلام، فأجتهد في تصويبه، وأجعله بين قوسين معقوفتين هكذا [] مع الإشارة إلى ذلك في الهامش، مع إثبات عبارة الأصل في الهامش.

стр. 8

٣ - إثبات ما قد يسقط من الحروف أو الكلمات من الأصل، في المتن بين قوسين معقوفين هكذا []، ويوجه ذلك في الهامش مع الإشارة إلى ما يعزز ذلك. ٤ - رسم الكتاب بالرسم الحديث بدون إشارة إلى ذلك في الهامش. ٥ - إعجام ما أهمله المؤلف من الكلمات مع عدم الإشارة إلى ذلك في الهامش إلا إذا اختلف المعنى بذلك الإعجام. ٦ - ضبط ما يحتاج إلى ضبط من ألفاظ الكتاب. ٧ - وضع علامات الترقيم للنص. ٨ - إثبات الآيات بخط واضح بالرسم العثماني بين علامتي الآيات. ٩ - أجعل الأحاديث والآثار والنقول بين قوسين. ١٠ - أذكر ما أمكن من مصادر المؤلف، وأربط الكتاب بمصادره التي أفاد منها إفادة مباشرة. ١١ - توثيق الآراء والأقوال التي ذكرها المؤلف وتحقيقها، وذلك بإرجاعها إلى مصادرها الأصلية. ١٢ - عزو الروايات التي ينقلها المؤلف عن إمامه من مصادرها المعتبرة. ١٣ - التنبيه على الأخطاء العلمية إن وردت في الكتاب. ١٤ - بيان مواضع الآيات من السور مع الإشارة إلى تفسير الآية عند

стр. 9

الحاجة لذلك. ١٥ - تخريج الأحاديث الواردة في الكتاب، والحكم عليها من كلام المحدثين، ما لم تكن في الصحيحين أو أحدهما. ١٦ - تخريج الآثار الواردة في الكتاب، من كتب السنة والمسانيد والمصنفات، أو من كتب الفقه إن لم توجد فيما سبق، والحكم عليها من كلام المحدثين، ما وجدت إلى ذلك سبيلا. ١٧ - عزو الأبيات الشعرية إلى قائليها. ١٨ - شرح المفردات اللغوية الغريبة. ١٩ - شرح المصطلحات الفقهية، والأصولية، والحديثية الغريبة. ٢٠ - التعريف بالأعلام غير المشهورين، وذلك بإيراد ترجمة مختصرة تتضمن اسم العلم، وولادته، ومذهبه، وبعض كتبه، ووفاته، عند أول ذكر له. ٢١ - التعريف بالطوائف والفرق والمذاهب والقبائل غير المشهورة. ٢٢ - التعريف بالمدن والبلدان والمواضع غير المشهورة الواردة في الكتاب. ٢٣ - التنبيه على الأخطاء اللغوية والنحوية إن وجدت. ٢٤ - توثيق الإجماع إذا نقله المؤلف، ونقده إن لم يكن واقعا. ٢٥ - توثيق إحالات المؤلف وتوضيحها. ٢٦ - وضع الفهارس العامة.

стр. 10

شكر وتقدير أما بعد، فإني أحمد الله الكريم على تعدد نعمه وترادف إحسانه، فله الحمد والشكر، حمدا وثناء يليقان بجلاله وعظيم سلطانه، فقد خلقني وعلمني وهداني، ومن كل خير حباني، فله الفضل والمنة، لا أحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه. ثم الشكر لوالدي الكريمين - حفظهما الله ـ، فلهما الفضل بعد الله في التربية والرعاية، والإعانة على طلب العلم وتحصيله، ولا أملك إلا أن أقول: ﴿رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ [الإسراء: ٢٤]. ولزوجتي - وفقها الله - الشكر على ما بذلت وهيأت وتحملت في سبيل هذا البحث، فجزاها الله خير الجزاء. ويمتد الشكر لفضيلة المرشد الأكاديمي الأستاذ الدكتور/ محمد جبر الألفي على حرصه وعنايته وحسن إرشاده وتوجيهه حتى تم تسجيل الموضوع وقبوله. وأخص بالشكر والتقدير والعرفان مشرفي الأستاذ الدكتور/ خالد بن عبد الله السليمان على ما أفادني به من توجيهات قيمة وآراء سديدة في تواضع وخلق فاضل رفيع، فجزاه الله خيرا، وبارك في علمه وعمره وعمله.

стр. 11

كما أتقدم بالشكر الجزيل لفضيلة الأستاذ الدكتور/ ياسين بن ناصر الخطيب وفضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن عبد العزيز آل الشيخ على تفضلهما بمناقشة هذه الرسالة وتقييمها، كما أشكر فضيلة الشيخ الدكتور/ نايف بن أحمد الحمد على تفضله بقراءة الرسالة ومراجعتها، و أسأل الله أن يجزيهم عني خير الجزاء. والشكر موصول لهذا الصرح العلمي الشامخ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية والمعهد العالي للقضاء على تيسير طرق البحث والدراسة. ولا يفوتني أن أشكر كل من أعانني وأفادني في هذا البحث، لا حرم الله كل مجتهد ثوابه وأجره. وأسأل الله أن يبارك في هذا البحث، وأن ينفع به، وأن يغفر الزلل، ويصلح العمل، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، إنه سميع مجيب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين الباحث

стр. 12

المبحث الأول حياة المؤلف وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: اسمه ونسبه ومولده. المطلب الثاني: نشأته وطلبه للعلم. المطلب الثالث: أهم أعماله. المطلب الرابع: عقيدته ومذهبه. المطلب الخامس: وفاته.

стр. 13

المطلب الأول اسمه ونسبه و مولده أبو المناقب، أو أبو الثناء، شهاب الدين محمود بن أحمد بن محمود بن بختيار الزنجاني، نسبة إلى بلده زنجان (١)، وبها ولد سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة للهجرة، ثم استوطن بغداد (٢). قال ابن نقطة: «والقاضي محمود بن أحمد الزنجاني يلقب بابن عرس» (٣). _________ (١) زنجان بلد كبير مشهور من نواحي الجبال بين أذربيجان وبينها، وهي قريبة من أبهر وقزوين، والعجم يقولون: زنكان بالكاف. وقد خرج منها جماعة من أهل العلم والأدب والحديث. ينظر: معجم البلدان (٣/ ١٥٢). (٢) سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٤٥)، والطبقات الكبرى للسبكي (٨/ ٣٦٨)، وطبقات الشافعيين (٨٧٨) وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٢٦)، وطبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٣١٠). (٣) توضيح المشتبه (٦/ ٢٣٨).

стр. 14

المطلب الثاني نشأته وطلبه للعلم لم تفصل مصادر ترجمة الزنجاني في نشأته وطلبه العلم، بل ذكرت ذلك على سبيل الإجمال؛ بأنه تفقه وبرع في مذهب الشافعية، وفي الأصول والخلاف، وصنف في التفسير، وحدث عن جماعة، منهم: الإمام الناصر لدين الله بالإجازة (١)، وعبيد الله بن محمد الساوي (٢)، وروى عنه الدمياطي (٣). _________ (١) هو أحمد بن الحسن أمير المؤمنين الإمام الناصر لدين الله، أبو العباس ﵄ بن الإمام المستضيء ابن الإمام المستنجد، ولد سنة (٥٥٣ هـ) وبويع له في أول ذي القعدة سنة (٥٧٥ هـ)، أجاز له أبو الحسين عبد الحق اليوسفي وأبو الحسن علي بن عساكر والبطائحي وشهدة وجماعة، وأجاز هو لجماعة من الكبار فكانوا يحدثون عنه في حياته، وكان الناصر شابا مرحا عنده ميعة الشباب، يشق الدروب والأسواق أكثر الليل، وكان شديد الاهتمام بالملك ومصالحه لا يكاد يخفى عليه شيء من أمور رعيته كبارهم وصغارهم، مات سنة (٦٢٢ هـ)، وكانت خلافته سبعا وأربعين سنة، ثم بويع ولده أبي نصر ولقب الظاهر بأمر الله. سير أعلام النبلاء: (٢٢/ ١٩٢ وما بعدها)، والوافي بالوفيات: (٦/ ١٩٢ - ١٩٥). (٢) هو عبيد الله بن محمد بن عبد الجليل ابن الشيخ أبي الفتح الساوي، أبو محمد البغدادي الحنفي، ولد سنة (٥١٣ هـ) وناب في الحكم ببغداد، وكان حميد السيرة، حدث عن ابن الحصين وهبة الله بن الطبر وجماعة، وعنه ابن الدبيثي وابن خليل والبغداديون، مات سنة (٥٩٦ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء: (٢١/ ٣٠٥، ٣٠٦)، والجواهر المضيئة: (١/ ٣٤١). (٣) سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٤٥)، وتاريخ الاسلام (٤٨/ ٢٩٨)، والطبقات للسبكي (٨/ ٣٦٨)، وطبقات الشافعيين (٨٧٨)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٢٦). والدمياطي هو عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن بن شرف بن الخضر بن موسى، الحافظ =

стр. 15

وقد بلغ الزنجاني مرتبة كبيرة في العلم والفقه كما وصفه العلماء، فقال عنه الذهبي: «تفقه وبرع في المذهب والأصول والخلاف، وبعد صيته … وعظم شأنه» (١)، ووصفه بقوله: «عالم الوقت» (٢). كما قال يصفه: «كان من بحور العلم، له تصانيف»، وقال عنه: «كبير الشافعية» (٣). وقال الإسنوي: «كان بحرا من بحار العلم، صنف تفسيرا للقرآن … سمع الحديث من جماعة» (٤). _________ = الكبير، شرف الدين أبو محمد وأبو أحمد الدمياطي، ولد بدمياط سنة (٦١٣ هـ)، تفقه وقرأ بالسبع، ودرس بالمنصورية وبالظاهرية، ورحل إليه الطلاب وحدث قديما، روى عنه المزي والذهبي والسبكي وغيرهم، له تصانيف في الحديث والعوالي والفقه واللغة وغير ذلك، منها: السيرة النبوية، وكتاب في الصلاة الوسطى، وكتاب الخيل، وكتاب التسلي والاغتباط بثواب من تقدم من الإفراط وغير ذلك، توفي فجأة سنة (٧٠٥ هـ). الطبقات الكبرى للسبكي: (١٠/ ١٠٢ - ١٢٣)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: (٢/ ٢٢٠ - ٢٢٢). (١) سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٤٥). (٢) سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٢٣). (٣) تاريخ الاسلام (٣٦/¬٤٨، ٢٩٨). (٤) الطبقات للإسنوي (١/ ٣٠٧).

стр. 16

المطلب الثالث أهم أعماله بعد أن استوطن الزنجاني بغداد، اشتغل بالعلوم، وأفتى، وولي الإعادة بالثقتية (١) بباب الأزج (٢)، كما ولي نظر الوقف العام، وناب في الحكم، ثم تولى القضاء بمدينة السلام سنة (٦٢٣ هـ)، ثم قضاء القضاة بالجانبين وبحريم دار الخلافة، وعزل منه بعد ستة أشهر، ودرس بالمدرسة النظامية (٣) سنة (٦٢٥ هـ)، وعزل منها بعد سنة ونصف، وسجن مدة ثم أطلق، ورتب مشرفا في أعمال السواد، بعد ذلك درس بالمدرسة المستنصرية (٤) سنة (٦٣٣ هـ)، وقد نفذ رسولا غير مرة إلى شيراز (٥). _________ (١) الثقتية: مدرسة للشافعية ببغداد، بناها علي بن محمد بن يحيى الدريني، المعروف بثقة الدولة، وكان من المقربين الى الخليفة المقتفي. ينظر: تاريخ إربل (٢/ ١٢١). (٢) باب الأزج: محلة كبيرة ذات أسواق كثيرة، ومحال كبار في شرقي بغداد، ينسب إليها الأزجي، ونسب إليها كثير من أهل العلم وغيرهم. ينظر: معجم البلدان (١/ ١٦٨). (٣) تقدم التعريف بها قريبا. (٤) تقدم التعريف بها قريبا. (٥) سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٤٥، ٣٤٦)، والطبقات للسبكي (٨/ ٣٦٨). وشيراز: بلد عظم مشهور معروف، في بلاد فارس. معجم البلدان (٢/ ٣٨٠).

стр. 17

المطلب الرابع عقيدته ومذهبه من خلال البحث لم أقف على شيء عن عقيدته، وأما مذهبه فشافعي، بل هو شيخ الشافعية وكبيرهم في زمانه، قال الذهبي: «العلامة شيخ الشافعية أبو المناقب محمود بن أحمد بن محمود بن بختيار الزنجاني» (١)، كما قال عنه الذهبي في موضع آخر: «كبير الشافعية» (٢). وقد ألف كتاب السحر الحلال في غرائب المقال في فروع الفقه الشافعي، كما أن كتابه هذا - محل التحقيق - وكذلك كتابه تخريج الفروع على الأصول (٣) مقارن بين مذهبي أبي حنيفة والشافعي، ومادتهما تدل على أن الزنجاني شافعي (٤). _________ (١) سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٤٥، ٣٤٦). (٢) تاريخ الاسلام (٣٦/¬٤٨). (٣) أحد كتب المؤلف، نشرته مكتبة العبيكان أكثر من مرة بتحقيق الدكتور محمد أديب الصالح، وموضوعه تخريج الفروع الفقهية على قواعدها، وربط الجزئيات بالكليات. ينظر: مقدمة محقق تخريج الفروع (ص ١٦). (٤) معجم المؤلفين (١٢/ ١٤٨، ١٤٩).

стр. 18

المطلب الخامس وفاته قتل الإمام الزنجاني ﵀ بسيف التتار في كائنة بغداد سنة (٦٥٦ هـ) وله ثلاث وثمانون سنة، وعده الذهبي ممن قتل صبرا في صفر من ذاك العام (١). _________ (١) الطبقات للسبكي (٨/ ٣٦٨)، والنجوم الزاهرة (٧/ ٦٨)، وسير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٤٦).

стр. 19

المبحث الثاني مكانته العلمية ومؤلفاته المطلب الأول: الجوانب العلمية فيه، ووصفه من حيث التقليد والاجتهاد. المطلب الثاني: مؤلفاته.

стр. 20

المطلب الأول الجوانب العلمية فيه ووصفه من حيث التقليد والاجتهاد برع الزنجاني وتبحر في علوم عديدة، فقد كان مفسرا ومحدثا، وأصوليا وفقيها ولغويا، وله باع كبير في علم الجدل والخلاف. ولهذا تنوعت مؤلفاته في فنون شتى كما سيأتي، مما يدل على سعة علمه ورسوخ قدمه، حتى وصفه الإسنوي بقوله: «كان بحرا من بحار العلم» (١)، وقال عنه الذهبي: «عالم الوقت» (٢). ومع هذا التميز والوفور العلمي لدى الزنجاني، إلا أن المصادر لم تصرح ببلوغه رتبة الاجتهاد، كما أن مؤلفاته التي بين يدينا لا تكشف عن هذا الجانب، ولا تسعف للحكم بذلك؛ لأنها في علم الخلاف، وعدم الدليل ليس دليلا على أنه لم يكن مجتهدا، لا سيما وأن أغلب مصادر ترجمته لا تزال مخطوطة (٣). _________ (١) الطبقات للإسنوي (١/ ٣٠٧). (٢) سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٢٣). (٣) تعليق محققي طبقات السبكي (٨/ ٣٦٨).

стр. 21

المطلب الثاني مؤلفاته الزنجاني له - كما ذكر الذهبي وغيره - تصانيف كثيرة في علوم متنوعة؛ في التفسير، والأصول والخلاف، والفقه والفروع، واللغة وغير ذلك، وبعض مؤلفاته وتصانيفه لا يزال مفقودا حتى الآن، وربما يكون فقدها بسبب نكبة بغداد التي قتل الزنجاني فيها. وأما مؤلفاته التي عثر عليها، أو ظهرت عناوينها ولم يعثر عليها، فهي: ١ - السحر الحلال في غرائب المقال في الفقه، ولا يزال مفقودا. ٢ - تخريج الفروع على الأصول، وقد طبع بتحقيق الدكتور محمد أديب الصالح. ٣ - ترويح الأرواح في تهذيب الصحاح، اختصر فيه كتاب الصحاح للجوهري، ولا يزال مفقودا. ٤ - تفسير الوصول إلى علم الجدل والأصول، ولا يزال مفقودا. ٥ - تهذيب الصحاح، اختصر فيه كتابه ترويح الأرواح، وطبع بتحقيق عبد السلام محمد هارون وأحمد عبد الغفور عطار. ٦ - درر الغرر ونتائج الفكر، ولا يزال مفقودا. ٧ - روضة المستبصر الخزانة المستنصر في التفسير، ولا يزال مفقودا.

стр. 22

٨ - كشف المستور لخزانة الخليفة المستنصر المنصور في التفسير، ولا يزال مفقودا. ٩ - نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام، مخطوط، وهو محل التحقيق والدراسة (١). وقد روى القزويني (٢) جميع مصنفات الزنجاني فقال: «وجميع مؤلفات القاضي شهاب الدين أبي المناقب محمود بن أحمد الزنجاني الشافعي، كـ (روضة المستبصر لخزانة المستنصر) في التفسير، (وكشف المستور لخزانة الخليفة المستنصر المنصور) في التفسير و (مختصر الصحاح)، وغير ذلك في الأصول والجدل والخلاف، الموافق لمذهب أهل السنة والجماعة، مع جميع مروياته أرويها عن جماعة» (٣). _________ (١) تخريج الفروع على الأصول للزنجاني مؤلف هذا الكتاب (١٣٧، ٢٩٩)، ومشيخة القزويني (٣٨٧، ٥٥٥)، وكشف الظنون (٢/ ٩٨١، ١٠٧٣)، والأعلام للزركلي (٧/ ١٦١)، وهدية العارفين (٢/ ٤٠٥)، ومعجم المؤلفين (١٢/ ١٤٨، ١٤٩)، ومعجم تاريخ التراث الإسلامي في مكتبات العالم (٤/ ٣٥٦٤)، ورقم المؤلف (٩٦٨٤). (٢) هو عمر بن علي بن عمر القزويني، سراج الدين، الحافظ الكبير محدث العراق، ولد سنة (٦٨٣ هـ) وعني بالحديث وسمع من الرشيد بن أبي القاسم ومحمد بن عبد المحسن الدواليبي وخلائق، روى عنه المجد الشيرازي صاحب القاموس، صنف التصانيف وعمل الفهرست وأجاد فيه، مات سنة (٧٥٠ هـ). الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: (٤/ ٢١١)، طبقات الحفاظ للسيوطي: (٥٣٠). (٣) مشيخة القزويني (٥٥٥).

стр. 23

المبحث الثالث الكتاب المحقق وفيه ستة مطالب: المبحث الثالث الكتاب المحقق المطلب الأول: إثبات نسبة الكتاب إلى المؤلف. المطلب الثاني: وصف نسخة المخطوط. المطلب الثالث: تعريف موجز بالكتاب. المطلب الرابع: منهج المؤلف في الكتاب. المطلب الخامس: موضوعات الكتاب. المطلب السادس: محاسن الكتاب ومزاياه.

стр. 24

المطلب الأول إثبات نسبة الكتاب إلى المؤلف الزنجاني - كما سبق - ممن امتدت إليهم يد التتار، فقد كان حيا عند دخولهم بغداد، وقتل مع الخليفة وعلماء بغداد وأعيانها وأهلها عام ٦٥٦ (٥)، وقد ذكر بعض المؤرخين أن عدد القتلى بلغ مليون وثمانمائة ألف قتيل، ووصفت هذه الحادثة بـ (نكبة بغداد)، ولا شك أنها مجزرة رهيبة، ونكبة عظيمة؛ قوضت الخلافة العباسية في دارها، وغيبت حاضرة العلم والعلماء بأكملها، ولم يكن أثرها مقتصرا على بغداد، بل امتد إلى المسلمين عموما وإلى هذا اليوم (١). وقد فقدت الأمة بهذه النكبة إرثا علميا كبيرا، وكتب الزنجاني - الذي استوطن بغداد وكان في قلب الحدث عند وقوعه - لم تكن بمعزل عن هذا الاعتداء، يؤكد ذلك أن كتب التراجم المتقدمة تشير إلى أن له مصنفات كثيرة، في التفسير، وفي الفقه وأصوله، وعلم الخلاف، وفي اللغة، دون ذكر عناوينها، ثم أصبحت كتب التراجم المتأخرة تسمي ما ظهر منها بعد العثور عليه (٢). ومن الكتب التي كتب الله - - لها البقاء فخرجت مع تقلب الأيام، _________ (١) البداية والنهاية (١٧/ ٣٥٦، ٣٦٤). (٢) المغول [التتار] بين الانتشار والانكسار (٢٠١).

стр. 25

لوجود نسخ لها لم تصل إليها أيدي المعتدين، وعرف مؤلفوها، هذا الكتاب - محل التحقيق - (نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام)، ويؤكد نسبته إلى أبي المناقب محمود بن أحمد الزنجاني عدة أمور: أولا: أن مؤلف هذا الكتاب (نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام) نسب لنفسه كتاب (تخريج الفروع على الأصول) في سبعة مواضع منه، وهي كما يلي: الموضع الأول: في مقدمة الكتاب، حيث قال فيها: «فألفت فيها كتبا حاوية لقواعده، جامعة الشوارده، ككتاب تخريج الفروع على الأصول» (١). الموضع الثاني: في المسألة الأولى من كتاب الزكاة قال: «إن الأمر المطلق مقتضاه البدار والفور، على ما قررناه في كتاب تخريج الفروع على الأصول» (٢). الموضع الثالث: في المسألة الأولى من مسائل الحج حيث قال: «وهذا أصل قد أبطلناه في كتاب تخريج الفروع على الأصول» (٣). الموضع الرابع: في المسألة الرابعة من كتاب البيوع قال: «وقد استقصينا تقرير المأخذين، وإبطال مأخذ الخصم، في تخريج الفروع على الأصول» (٤). الموضع الخامس: في المسألة التاسعة من مسائل الربا قال: «ودلالة _________ (١) صفحة (٥٨) من هذا البحث. (٢) صفحة (٨٦) من هذا البحث. (٣) صفحة (١١١) من هذا البحث. (٤) صفحة (١٢٤) من هذا البحث.

стр. 26

النهي على الفساد قررناه في كتاب تخريج الفروع على الأصول» (١). الموضع السادس: في المسألة الرابعة من مسائل الهبة قال: «والدلالة على فساد المأخذين المذكورين قد استقصيناه في كتاب تخريج الفروع على الأصول» (٢). الموضع السابع: في المسألة السابعة من مسائل الشهادات قال: «والاستثناء إذا تعقب جملا عاد إلى جميعها؛ لوجوه بيناها في كتاب تخريج الفروع على الأصول» (٣). ففي هذه المواضع من (نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام) نسب الزنجاني كتاب (تخريج الفروع على الأصول) لنفسه، وهذا الكتاب لأبي المناقب محمود بن أحمد الزنجاني، وقد طبع بتحقيق الدكتور/ محمد أديب الصالح (٤). وجميع المسائل التي ذكر في (نهاية الإقدام) أنه بحثها في (تخريج الفروع) وجدت كما ذكر (٥). وعليه فإن مؤلف (نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام) هو مؤلف (تخريج _________ (١) صفحة (١٣٨) من هذا البحث. (٢) صفحة (٢٣٨) من هذا البحث. (٣) صفحة (٦٢٤) من هذا البحث. (٤) تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (١١) - (١٥)، والأعلام للزركلي (٧/ ١٦١)، ومعجم تاريخ التراث الإسلامي في مكتبات العالم (٤/ ٣٥٦٤ ورقم المؤلف فيه: ٩٦٨٤). (٥) تخريج الفروع على الأصول (١٠٥، ١٣١، ١٣٨، ١٥٣، ١٥٣، ١٢١ - ١٢٤، ٢٢٥، ٢٢٦)

стр. 27

الفروع على الأصول) قطعا، وهو محمود بن أحمد الزنجاني. * ثانيا: اشتراك الكتابين (تخريج الفروع) و (نهاية الإقدام) في الإحالة على تعليق نسبة مؤلفهما لنفسه، وهذا التعليق هو: (درر الغرر ونتائج الفكر)، ففي (تخريج الفروع) نسبه لنفسه في موضعين هما: الموضع الأول: في نهاية المسألة الثانية من كتاب البيوع، حيث قال: «فإنه من الأعمال المنصوبة على كمال الرضى بالعقد المباشر، على ما قررناه في تعليقنا الموسوم بـ (درر الغرر ونتائج الفكر)» (١). الموضع الثاني: في بداية المسألة الأولى من مسائل السرقة، حيث قال: «والخصم يدعي في كل مسألة منها قيام شبهة مخصصة لا تقوى على دفع العموم، على ما بيناه في تعليقنا المسمى بـ (درر الغرر)» (٢). وفي كتابه (نهاية الإقدام) نسب لنفسه هذا التعليق في موضعين، هما: الموضع الأول: في مقدمة الكتاب حيث قال فيها: «فألفت فيه كتبا حاوية لقواعده، جامعة لشوارده، ككتاب تخريج الفروع على الأصول … وتعليقي الموسوم بدرر الغرر ونتائج الفكر، منبها فيه على مآخذ المسائل» (٣). الموضع الثاني: في نهاية المسألة الثانية من مسائل الحدود قال: «أما طريق القياس في المسألة فقد استقصيناه في التعليق الموسوم بدرر الغرر فليطلب» (٤). _________ (١) تخريج الفروع على الأصول (١٣٧). (٢) تخريج الفروع على الأصول (٢٩٩). (٣) صفحة (٥٨) من هذا البحث. (٤) صفحة (٥٠٠) من هذا البحث.

стр. 28

فنسبة هذا التعليق (درر الغرر ونتائج الفكر) في الكتابين (تخريج الفروع على الأصول) و (نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام) لمؤلفهما، تدل على أنهما معه لمؤلف واحد، وهو الزنجاني، وأنه ألف (درر الغرر ونتائج الفكر)، وبعده (تخريج الفروع على الأصول)، ثم (نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام). ثالثا: التوافق بين الكتابين (نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام) و (تخريج الفروع على الأصول) في عدة أمور منها: ١ - الفن، فكلاهما في فن واحد وهو علم الخلاف، وذلك من واقع مادتهما العلمية، وهذا يتفق مع ما ورد في مقدمة (نهاية الإقدام) من أنه ألف كتبا في هذا العلم وعد منها (تخريج الفروع)، وهذا يدل على أن مؤلفهما واحد. ٢ - أسلوب المؤلف واحد في الكتابين. ٣ - المنهج، فكلاهما قائم على المقارنة بين مذهبي أبي حنيفة والشافعي، وفي كل منهما يقدم ذكر مذهب الشافعي. ٤ - المادة العلمية، فمادة الكتابين تؤكد أنهما لمؤلف واحد، فغالب المسائل التي ذكرها فروعا لأصول في كتاب (تخريج الفروع) أوردها فروعا في كتاب (نهاية الإقدام) لبيان المآخذ منها. ٥ - مذهب مؤلف الكتابين شافعي، والزنجاني شافعي، وهو مؤلف كتاب التخريج. ٦ - التوافق بين الكتابين في التبويب، وذلك في أمرين:

стр. 29

أ - طريقة تسمية الأبواب في الكتابين واحدة، فأحيانا - وهو الغالب - يدرج الفروع تحت مسمى (مسائل)، وأحيانا - وهذا قليل - يذكرها تحت مسم (كتاب). ب - ترتيب الأبواب فيهما متفق إلى حد كبير، وما حصل من اختلاف بين ترتيب الأبواب في الكتابين راجع إلى ذكر عناوين لأبواب في أحدهما دون الآخر. رابعا: أن هذا المخطوط (نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام) في علم الخلاف حسب مادته وكما جاء في مقدمته، والزنجاني قد برع فيه (١)، وكتابه تخريج الفروع على الأصول في هذا العلم. خامسا: على نسخة المخطوط بعض المطالعات والتملكات والتقييدات، وفيها تاريخ مطالعة لها سنة (٦٦٢ هـ)، وتاريخ الميلاد في سنة (٨٩٢ هـ)، وهذا يدل على أن تأليفه متقدم على هذه التواريخ وليس بعدها، ووفاة الزنجاني سنة (٦٥٦ هـ). فهذه كلها تؤكد أن مؤلف المخطوط هو محمود بن أحمد الزنجاني، وليس هناك ما يؤثر عليها، فلم ينسب لغيره أصلا. _________ (١) تقدم كلام الذهبي والقزويني في هذا.

стр. 30

المطلب الثاني وصف نسخة المخطوط نسخة مخطوط (نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام) التي بين يدي نسخة - والله الحمد - كاملة، لا نقص فيها، سالمة من الخرم والسقط، ومن الطمس المؤثر، والتآكل والرطوبة، وهي بخط واضح مقروء، وقد كتبت بمدادين: الأحمر حيث ميزت به العناوين وبدايتها، والمآخذ والإجابات عليها، وما سوى ذلك فمكتوب بالمداد الأسود. وهذه النسخة وصلتني من خزانة خاصة، ثم تبين أن أصلها محفوظ في مكتبة أيا صوفيا برقم: (١٤٩٨)، وعليها بعض المطالعات والتملكات والتقييدات، ومن ذلك مطالعة عمر الحنفي لهذه النسخة سنة (٦٦٢ هـ)، وتملك محمد الحداد لها، وبعده يوسف الشامي، ثم وقف السلطان بن السلطان الغازي محمود خان هذه النسخة لمن تعلم واستفاد. وعدد ألواح نسخة المخطوط (٣٠٨) ألواح مع صفحة العنوان، وكل لوح من وجهين، والوجه الواحد فيه (١٥) سطرا، بمعدل (١١) كلمة في السطر الواحد تقريبا. وتقع نسخة هذا المخطوط في ثلاثة أجزاء: الجزء الأول: عدد ألواحه (١٠٢)، ابتداء من المقدمة إلى ما قبل نهاية

стр. 31

المسألة الثامنة من كتاب النكاح بسطرين. الجزء الثاني: عدد ألواحه (١٠٨)، ويبدأ من آخر سطرين في المسألة الثامنة من كتاب النكاح، وينتهي في المسألة الأولى من كتاب الديات. الجزء الثالث: عدد ألواحه (٩٧)، وفيه باقي الكتاب، ويبدأ من باقي المسألة الأولى من كتاب الديات، وحتى آخر الكتاب الذي ينتهي بنهاية المسألة الرابعة من مسائل الكتابة.

стр. 32

المطلب الثالث تعريف موجز بالكتاب عنوانه كما وسمه مؤلفه: (نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام)، حيث ورد في مقدمته قوله: ووسمته بنهاية الإقدام في مآخذ الأحكام، وهذا الاسم هو المذكور على غلافه. وقد بين الزنجاني في مقدمته أن موضوعه مآخذ المسائل الخلافية والقواعد المذهبية، وبين أنه من علم النظر المكتسب بالخلاف. كما ذكر في المقدمة سبب تأليفه في هذا العلم بشكل عام، ولهذا الكتاب على وجه الخصوص فقال: «ولما رأيت جماعة من أهل خراسان وما وراء النهر في زماننا هذا عدلوا فيه عن المنهج، واعتمدوا على الطريق الأعوج، واشتغلوا بالتحريرات المرجوحة، والأقيسة المجهولة المنمقة، من غير أن يقفوا على مآخذ المسائل وحقائقها، وغوامض أسرار الشريعة ودقائقها، وقصدوا لدراستها، وحثوا المتفقهة على حفظها وحراستها، وتركوا الاشتغال بمعاني كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والتفقه في دينه، فأحالوا حقيقة هذا العلم بإدخالهم فيه ما ليس منه، فسلخوه بل فسخوه، فهم كما قال الشعبي: «أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فضلوا وأضلوا». فرأيت حينئذ الحمية للدين أصل كل منقبة، وأم كل فضيلة، فاستخرت الله في إحياء علم خمدت ناره، وطمست مناره، فألفت فيه كتبا حاوية

стр. 33

لقواعده، جامعة لشوارده ككتاب: (تخريج الفروع على الأصول) الذي أودعته أسرار الشريعة وجوامعها، وطوائف الحكم، وتعليقي الموسوم بـ (درر الغرر ونتائج الفكر)، منبها فيه على مآخذ المسائل، ومتون الدلائل، وكان من قبل قد أوضحت في كتابي الموسوم بـ (تفسير الوصول إلى علم الجدل والأصول) مصطلح أئمة الهدى، ومصابيح الدجى في قواعد هذا العلم، ثم التمس مني جماعة في هذه الأيام من المشغوفين بتحقيق هذا العلم، تحرير كتاب حاو لمآخذ المسائل الخلافية، والقواعد المذهبية، فألفت هذا الكتاب، متحريا فيه للصواب» (١). وبهذا يتضح سبب تأليف الزنجاني لكتابه نهاية الإقدام خصوصا، وفي هذا النوع من العلم عموما. _________ (١) صفحة (٥٩) من هذا البحث.

стр. 34

المطلب الرابع منهج المؤلف في الكتاب الإمام الزنجاني سلك - بشكل عام - منهجا واحدا في تأليفه لهذا الكتاب، فقد أورد فيه أكثر من مائتي مسألة فقهية، أدرجها تحت أبوابها بحسب موضوعها، ابتداء بكتاب الطهارة وانتهاء بذكر مسائل الكتابة. وقد درج على ذكر مسائل كل باب فقهي مستقلة، بعد أن يعنون لها باسم الباب، مضافة إليه كلمة (مسائل)، هذا هو الغالب في منهجه في التبويب والترتيب، وقد يذكر مسائل من أبواب مختلفة متعاقبة تحت عنوان واحد؛ لقلة مسائل كل باب منها، فلا تستحق الإفراد بباب، كما أنه في عناوين مسائل الطهارة والزكاة والبيوع والنكاح والجراح خالف منهجه، فجعل كلمة (كتاب) بدل كلمة (مسائل)، وكان ترتيبه لها حسب ترتيب الأبواب الفقهية عند الشافعية. هذا ما يتعلق بمنهجه في الترتيب والتبويب، وأما منهجه في بحث المسائل، فقد كان يورد المسألة الفقهية مقرونة بحكمها عند الإمام الشافعي ثم يذكر حكمها عند الإمام أبي حنيفة، وبعد ذلك يبين مأخذ أو مآخذ النظر عند الشافعي، ثم مأخذها أو مأخذها عند أبي حنيفة، ثم يجيب على مآخذ أبي حنيفة.

стр. 35

فهذا منهجه بشكل عام، وقد يخرج عن هذا المنهج بذكر صورة المسألة، أو ضابطها، أو شروطها، أو يحرر محل الخلاف فيها، أو يذكر أكثر من قول في حكمها عند الحنفية أو الشافعية، كما أنه أورد قول مالك في بعض المسائل، وهذا نادر جدا. المطلب الخامس موضوعات الكتاب ذكر المؤلف ﵀ في هذا الكتاب سبعا ومائتي مسألة في أغلب الأبواب الفقهية، فقد بدأه بمسائل الطهارة، وأعقبها بمسائل التيمم والصلاة والزكاة والصوم والحج، ثم البيوع والربا والسلم والرهن والوكالة والشفعة والمأذون والإجارة والهبة، وبعد ذلك النكاح والصداق والرجعة والظهار، ثم الجراح والديات والحدود والسرقة، وبعد السرقة السير ومسائل الصيد والذبائح ومسائل الأيمان، ثم الأقضية والشهادات، ثم العتق، وختم الكتاب بمسائل الكتابة.

стр. 36

المطلب السادس محاسن الكتاب ومزاياه تقدم الكلام على أهمية هذا الكتاب وأسباب اختياره، وبرزت من خلال ذلك محاسنه ومزاياه، وليس غريبا على قامة علمية كبيرة - كأبي المناقب الزنجاني - التميز في التصنيف وجودة التأليف. ومن أبرز تلك المحاسن والمزايا في هذا الكتاب ما يلي: ١ - شمول مسائله لأغلب الأبواب الفقهية، وورودها مرتبة، ابتداء بكتاب الطهارة، وانتهاء بمسائل العتق والكتابة. ٢ - أنه قائم على المقارنة في الأحكام بين مذهبي أبي حنيفة والشافعي، فهو من الفقه المقارن. ٣ - ذكره لأدلة الأقوال، نقلية كانت أو عقلية. ٤ - بيان مآخذ أحكام المسائل الخلافية - وهو موضوع الكتاب ـ، والتأليف فيها قليل، ومعرفتها سبب للعلم بأحكام الفروع مهما كثرت، وتخريج أحكام النوازل والمستجدات، ومعرفة أسباب الخلاف بين العلماء والترجيح بين أقوالهم، وتكوين الملكة الفقهية وتنميتها. ٥ - تصوير بعض المسائل، والإشارة للشروط والضوابط أحيانا. ٦ - تحرير محل الخلاف في بعض المسائل بذكر الصور المتفق عليها.

стр. 37

٧ - مناقشة الأدلة والاعتراض والافتراض، والنقض والإبطال، وأحيانا الاختيار. ٨ - الجمع بين عدة علوم، فقد قرن بين الفروع وأحكامها، وبين مآخذ تلك الأحكام، ومثل هذا النوع من المؤلفات قليل. ٩ - الربط التطبيقي بين أصول الفقه وفروعه، على خلاف كثير من المؤلفات؛ إذ هي مقصورة على أصول الفقه، أو على فروعه، وعلى التنظير دون التطبيق. ١٠ - أن مؤلفه كبير الشافعية في عصره، ومن بحور العلم، ومن البارعين في المذهب والأصول والخلاف.

стр. 38

صور المخطوط

стр. 39

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد، وآله أجمعين. وبعد: فإن خير ما استغل المرء أيامه، وناط به خواطره وأفهامه؛ نشر علم درجت رعاته، وماتت رواته، كعلم النظر المكتسب بالخلاف، فإن موضوعه تقرير الدلائل الفروعية، والقواعد المذهبية المستندة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قال الله : ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩]، يعني إلى كتاب الله وسنة رسوله، ولما رأيت جماعة من أهل خراسان وما وراء النهر في زماننا هذا عدلوا فيه عن المنهج، واعتمدوا على الطريق الأعوج، واشتغلوا بالتحريرات المرجوحة، والأقيسة المجهولة المنمقة، من غير أن يقفوا على مآخذ المسائل وحقائقها، وغوامض أسرار الشريعة ودقائقها، وقصدوا لدراستها، وحثوا المتفقه على حفظها وحراستها، وتركوا الاشتغال بمعاني كلام الله وسنة رسوله ﷺ ، والتفقه في دينه وراء ظهورهم، فأحالوا حقيقة هذا العلم بإدخالهم فيه ما ليس منه، فسلخوه بل فسخوه، فهم كما قال الشعبي (١): «أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فضلوا

стр. 40

وأضلوا» (١)، فرأيت حينئذ الحمية للدين أصل كل منقبة، وأم كل فضيلة، فاستخرت الله [في] (٢) إحياء علم خمدت ناره، وطمس مناره، فألفت فيه كتبا حاوية [لقواعده] (٣)، جامعة لشوارده، ككتاب تخريج الفروع على الأصول، الذي أودعته أسرار الشريعة وجوامعها، وطوائف الحكم ولوامعها (٤)، وتعليقي الموسوم بدرر الغرر ونتائج الفكر (٥)، منبها فيه على مآخذ المسائل، ومتون الدلائل، وكان من قبل قد أوضحت في كتابي الموسوم بتفسير الوصول إلى علم الجدل والأصول (٦) مصطلح أئمة الهدى ومصابيح
следующие страницы →