← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30175

نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام

شهاب الدين الزنجاني

Полный текст (659 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المطلب السادس محاسن الكتاب ومزاياه تقدم الكلام على أهمية هذا الكتاب وأسباب اختياره، وبرزت من خلال ذلك محاسنه ومزاياه، وليس غريبا على قامة علمية كبيرة - كأبي المناقب الزنجاني - التميز في التصنيف وجودة التأليف. ومن أبرز تلك المحاسن والمزايا في هذا الكتاب ما يلي: ١ - شمول مسائله لأغلب الأبواب الفقهية، وورودها مرتبة، ابتداء بكتاب الطهارة، وانتهاء بمسائل العتق والكتابة. ٢ - أنه قائم على المقارنة في الأحكام بين مذهبي أبي حنيفة والشافعي، فهو من الفقه المقارن. ٣ - ذكره لأدلة الأقوال، نقلية كانت أو عقلية. ٤ - بيان مآخذ أحكام المسائل الخلافية - وهو موضوع الكتاب ـ، والتأليف فيها قليل، ومعرفتها سبب للعلم بأحكام الفروع مهما كثرت، وتخريج أحكام النوازل والمستجدات، ومعرفة أسباب الخلاف بين العلماء والترجيح بين أقوالهم، وتكوين الملكة الفقهية وتنميتها. ٥ - تصوير بعض المسائل، والإشارة للشروط والضوابط أحيانا. ٦ - تحرير محل الخلاف في بعض المسائل بذكر الصور المتفق عليها.

стр. 37

٧ - مناقشة الأدلة والاعتراض والافتراض، والنقض والإبطال، وأحيانا الاختيار. ٨ - الجمع بين عدة علوم، فقد قرن بين الفروع وأحكامها، وبين مآخذ تلك الأحكام، ومثل هذا النوع من المؤلفات قليل. ٩ - الربط التطبيقي بين أصول الفقه وفروعه، على خلاف كثير من المؤلفات؛ إذ هي مقصورة على أصول الفقه، أو على فروعه، وعلى التنظير دون التطبيق. ١٠ - أن مؤلفه كبير الشافعية في عصره، ومن بحور العلم، ومن البارعين في المذهب والأصول والخلاف.

стр. 38

صور المخطوط

стр. 39

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد، وآله أجمعين. وبعد: فإن خير ما استغل المرء أيامه، وناط به خواطره وأفهامه؛ نشر علم درجت رعاته، وماتت رواته، كعلم النظر المكتسب بالخلاف، فإن موضوعه تقرير الدلائل الفروعية، والقواعد المذهبية المستندة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قال الله : ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩]، يعني إلى كتاب الله وسنة رسوله، ولما رأيت جماعة من أهل خراسان وما وراء النهر في زماننا هذا عدلوا فيه عن المنهج، واعتمدوا على الطريق الأعوج، واشتغلوا بالتحريرات المرجوحة، والأقيسة المجهولة المنمقة، من غير أن يقفوا على مآخذ المسائل وحقائقها، وغوامض أسرار الشريعة ودقائقها، وقصدوا لدراستها، وحثوا المتفقه على حفظها وحراستها، وتركوا الاشتغال بمعاني كلام الله وسنة رسوله ﷺ ، والتفقه في دينه وراء ظهورهم، فأحالوا حقيقة هذا العلم بإدخالهم فيه ما ليس منه، فسلخوه بل فسخوه، فهم كما قال الشعبي (١): «أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فضلوا

стр. 40

وأضلوا» (١)، فرأيت حينئذ الحمية للدين أصل كل منقبة، وأم كل فضيلة، فاستخرت الله [في] (٢) إحياء علم خمدت ناره، وطمس مناره، فألفت فيه كتبا حاوية [لقواعده] (٣)، جامعة لشوارده، ككتاب تخريج الفروع على الأصول، الذي أودعته أسرار الشريعة وجوامعها، وطوائف الحكم ولوامعها (٤)، وتعليقي الموسوم بدرر الغرر ونتائج الفكر (٥)، منبها فيه على مآخذ المسائل، ومتون الدلائل، وكان من قبل قد أوضحت في كتابي الموسوم بتفسير الوصول إلى علم الجدل والأصول (٦) مصطلح أئمة الهدى ومصابيح

стр. 41

الدجى في قواعد هذا العلم، ثم التمس مني جماعة في [هذه] (١) الأيام من المشعوفين بتحقيق هذا العلم تحرير كتاب حاو لمآخذ المسائل الخلافية، والقواعد المذهبية، فألفت هذا الكتاب؛ متحريا فيه للصواب، وقررت فيه مآخذ كل فريق بما هو غاية كلامهم، ومنتهى مرامهم، ثم ثبت رجحان نظر الشارع في كل مسألة، وشرحت وأوضحت، ولم آل جهدا فيما رجوت أن أقرب إلى الأفهام، واعتقدت أنه أذهب للإيهام، ووسمته بـ (نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام)، وجعلته ذخيرة لولد ينشأ في الصغر عليه، ويرجع في الكبر إليه، فمن تدبر ما استودعته هذا الكتاب، وتفهم ما استرعيته؛ تمكن من نظم الأدلة المبنية من الجانبين، والاعتراضات الرائقة المكينة من الطرفين، أغناه عن حفظ المجلدات الثقيلة، والتعاليق [] (٢) الطويلة، كل ذلك على سبيل الإيجاز والاختصار، دون الإملال والإكثار. وأقول - وبالله التوفيق.

стр. 42

[١] كتاب الطهارة [١] مسألة: موارد النجاسات لا تطهر إلا بالماء المطلق (١) عند الشافعي ﵀ (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: تطهر بكل مائع طاهر مزيل للعين قلاع للأثر (٣). وللمسألة ثلاثة مآخذ: أحدها: أن الأحكام عندنا ليست أوصافا للمحال، وأن معناها تعلق خطاب الشرع بأفعال المكلفين، ولا حكم قبل الشرع، ولا حسن ولا قبح، وليس للعقل مجال في ذلك، والطهارة والنجاسة ليست من صفات الأعيان المنسوبة إليها؛ حتى لا تتغير ولا تتبدل، بل نقول: إن النجس إذا لاقي محلا طاهرا، صار المحل الطاهر نجسا حكما (٤). والخصم يدعي أن الطاهر لا يصير نجسا أصلا؛ فإن الأعيان لا تنقلب، [وإنما] (٥) إذا جاور النجس الطاهر؛ اجتنبت الجميع بطريق المجاورة، كما

стр. 43

لو اختلطت أخته بأجنبيات، أو ميتة بمذكاة، والخل مزيل للمجاور كالماء، قالوا: والذي يدل على أن الماء عينه لا يتنجس؛ أنه يعود بالمكاثرة طاهرا، ويزول التعيين عن مبلغ القلتين (١)، ولو تنجس عينه لاستحال عوده طهورا (٢). واعلم أن بناء الحكم على هذا المأخذ باطل من وجهين: أحدهما: قوله ﵇: «خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه» (٣)، فإنه نص صريح في أن ورود النجاسة على الطاهر تنجسه، ودعوى المجاز لا وجه له؛ فإن الكلام لحقيقته إلى أن يقوم دليل المجاز (٤). الثاني: اتفاقنا على أن الجنب إذا انغمس في ماء قليل فيه نجاسة لا ترتفع جنابته، وقد جرى على بدنه ماء طاهر طهور بزعمكم، فما معنى قولنا: إن الماء النجس لا يرفع الجنابة؛ إذ الماء النجس قط لا يتصور على

стр. 44

هذا التقدير، وإنما يتصور ماء طاهر طهور في جواره جزء من النجاسة، وهذا الجزء عنه. * المأخذ الثاني: أن طهورية الماء عند الشافعي ثبتت رخصة، من حيث إن الماء القليل ينجس بملاقاة النجاسة وفاقا (١)، وإنما الشرع جعله طهورا ضرورة دفع العسر والحرج، ويدل على ذلك نجاسة المنفصل، مع كونه جزءا من المتصل، وهم يزعمون أنها ثبتت عزيمة؛ فإن معنى الطهارة عندهم الإزالة، والخل شريك الماء في ذلك، وقد دللنا على بطلانه. * المأخذ الثالث: مراعاة الشافعي لمعنى التعبد في إزالة النجاسة، وإعراض أبي حنيفة عن القيود التعبدية فيها، وإلحاقه غير الماء بالماء، لكن لا بطريق القياس، بل لفوات محل الأمر على ما سيأتي، وإنما ينكشف ذلك بتقسيم جامع، وذلك أن القضايا الشرعية ثلاثة أقسام: قسم: ظهر فيه وجه المصلحة، إما على قرب أو على بعد، كشرع [المعاملات] (٢) والمناكحات، فإنها لو لم تشرع أدى إلى فساد أمر المعيشة وقطع النسل، وكشرع القصاص الذي لو لم يشرع أدى إلى فناء جنس الإنس. وقسم تعبدي: ابتلاء لا يلوح منه معنى أصلا، وإن كان في ظنه مصالح

стр. 45

خفيت عنا، كالتعبدات المحضة، نحو: تقدير نصب الزكوات، وعدد الركعات، ولا نقول في هذا القسم: إنه لو لم يشرع أدى إلى فساد أمور العباد. وقسم ثالث: فهم منه خيال مصلحة كلية، شرع لإحياء مراسم العبادة، والحث على مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، مع انطوائه على شروط شرعية، وضوابط تعبدية؛ لا بد من مراعاتها، كشرع الغسل والوضوء، فإنه فهم منه فهما كليا قصد الوضاءة والنظافة، مع اقترانه بتعبد الشرع بإمرار ماء طاهر على محل طاهر، فإنه جعل للماء صفة الطهورية تعلق (١)، وجعله رافعا لصفة الحدث، ولا صفة الحدث تعلق، ولا صفة الطهورية تعلق، [فألحق] (٢) الشافعي إزالة النجاسة بهذا القبيل، وقال: قد فهمنا على الجملة من الأمر بإزالة الأنجاس رفع القذارة وإزالة الوسخ، لكن لا بد من مراعاة معنى التعبد فيها، كما فهمنا قصد سد الخلات، ودفع الحاجات من باب التعبدات والزكوات، ثم مع هذا راعينا ضابط الشرع، حتى لو ضحى مكان الشاة بخمسين خروفا لا يجزئ، وإن كنا نعلم أنها أكثر من الشاة (٣). وأبو حنيفة ﵀ جرد النظر إلى المعنى، وادعى أنه بعد استعمال الخل فات الأمر بالطهارة؛ لفوات محله، ضرورة أن الأمر لا بد وأن يتعلق بمأمور، فإذا زال محل الأمر بالخل، لم يبق ما يتناوله الأمر، وصار بمثابة قوله: اغسل يدك، فإنها إذا قطعت أو سقطت زال الأمر بغسلها، كذلك هاهنا، أو تقول: الحكم إذا ثبت لعلة، زال بزوالها.

стр. 46

ونحن نقول: نسلم زوال أجزاء النجاسة بالخل، لكن بقي نجاسة الخل الذي لاقى النجاسة في المحل، فبقي الحكم؛ لبقاء الخلف لها، والحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها ما لم يخلفها علة أخرى، ولا يلزم على هذا الماء؛ لما ذكرناه من الرخصة الداعية إلى مخالفة القياس فيه، والله أعلم. [٢] مسألة: إذا تغير الماء بشيء من [الطاهرات] (١) التي يمكن صونه عنها، كالزعفران والأشنان والحبر والصبغ وما شاكله، حتى سلبه إطلاق اسم الماء؛ لا يصح الوضوء به عند الشافعي - ﵀ (٢) وقال أبو حنيفة ﵀: متى كانت رقته باقية تجري على الأعضاء ويقال ماء، فإنه يصح الوضوء به وإن أضيف إلى غيره. (٣) ومأخذ نظر الشافعي: أن طهارة الحدث تعبد محض على ما سبق، فيجب الاقتصار فيها على مورد النص، والتعبد ورد بالماء، فلا يجوز أن يتعدى إلى غيره، وهذا أمر كلي يجب مراعاته، وهو أن التعبد يجب أن يراعى فيه المحل الذي ورد به التعبد، ولا يجوز أن يتعدى إلى غيره، ولا يحتاج إلى الاستشهاد بأصل. وإن شئت دللت عليه؛ بأن ماء الباقلي (٤) لا يجوز الوضوء به، فلا

стр. 47

يخلو، إما أن يكون للإغلاء، فإن الماء القراح (١) إذا أغلي لا يمنع الوضوء به، فتعين أن يكون لزوال اسم الماء المطلق، وهو ما يقوله، وفي مسألتنا مثله. وقال أبو حنيفة-﵀: محل التعبد قائم؛ فإنه يسمى ماء وإن أضيف إلى غيره، كالمتغير بالتراب (٢) وهذا ينتقض بماء الباقلي، ولا يلزم المتغير بالتراب؛ فإن عندنا كل مخالط أزال الاسم المطلق يمنع الوضوء، ترابا كان أو غيره. [٣] مسألة: لا يجوز التوضؤ بالنبيذ عند الشافعي بكل حال (٣). وقال أبو حنيفة: يجوز التوضؤ بنبيذ التمر المطبوخ الخائر الذي قذف بزبده (٤). وروى العامري (٥) بإسناده عن نوح بن [أبي] (٦) مريم (٧) أن أبا حنيفة

стр. 48

في مرض موته رجع عن مسألة التوضؤ بنبيذ التمر (١). ومأخذ النظر من جانبنا: ما أسلفناه في المسألة السالفة، من كون [الطهارة] (٢) تعبدا لا يعقل معناها، وموضع التعبد يختص بما ورد به الشرع؛ إذ المعنى غير معقول، ولهذا لم يلحق ماء الورد بالماء القراح، وإن كان يضاهي الماء في الرقة واللطافة. ومأخذ أبي حنيفة-﵀: التمسك بالحديث، وهو ما رواه [أبو يعلى والترمذي] (٣) عن أبي زيد (٤) مولى عمرو بن حريث المخزومي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «صحبت رسول الله ﷺ ليلة الجن، فخط خطا وقال: لا تخرج منه؛ إنك إن خرجت منه لا تلتقي إلى يوم القيامة، فلما

стр. 49

أصبحنا جاء رسول الله ﷺ ، وقال: هل في إداوتك ماء؟، قلت: لا إلا نبيذ، فأخذه وتوضأ به، وقال: تمرة طيبة، وماء طهور» (١)، وهذا الحديث مؤول عند الشافعي، محمول على ماء نبذ فيه تميرات لتجتذب ملوحته؛ فإن مياه أهل الحجاز مالحة، فكانوا يحتاجون إلى تحليتها ليقدروا على شربها، ويدل عليه قول الرسول ﷺ : «تمرة طيبة، وماء طهور»، سماه تمرا وماء، ولو كان نبيذا مطبوخا يقذف بزبده لما سماه بذلك. [٤] مسألة: طهارة الأحداث تفتقر إلى النية عند الشافعي ﵀ وهي: الوضوء، والغسل، والتيمم (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: الطهارة بالماء لا تفتقر إلى النية، أما التيمم

стр. 50

ويفتقر إلى النية (١). ومأخذ النظر فيها: أن الطهارات المشروعة في الأحداث عبادات عند الشافعي؛ لأنها مجرد امتحانات وتكليفات لا يتعلق بفعلها غرض عاجل، ولا مقصود ناجز (٢). وتحقيق هذا الكلام: أن المتطهر عن الحدث ممتثل ما أمر به، ومن امتثل ما أمر به فهو مطيع، والطائع الله متعبد له، غير أن المأمورات على قسمين: قسم يتعلق بأغراض ناجزة ومقاصد عاجلة؛ تعود إلينا، وتتعلق بمصالحنا ومعايشنا، وذلك مثل ما أمرنا به في أبواب المعاملات، والمناكحات، وما يتعلق بالمآكل والمشارب وغير ذلك، فهذا لا يفتقر إلى نية؛ لأنه يقال: المقصود به قد حصل. وقسم لا يتعلق به غرض عاجل، ولا مقصود ناجز، بل هو امتحان النفس وابتلاؤها للصبر على طاعة الله تعالى؛ ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ [الملك: ٢]، وليس القصد به إلا ابتغاء الثواب كالصلاة والصيام، فمثل هذا يفتقر إلى نية التقرب لله - تعالى -؛ ليخلص لوجهه، وطهارات الأحداث من هذا القبيل. وأبو حنيفة ﵀ يراعي ما فهم من مقصود الوضاءة والنظافة، وأعرض عن معنى التعبد، وزعم أن الماء طهور بطبعه، وما يعمل بطبعه لا يفتقر إلى

стр. 51

قصد قاصد؛ ككون الماء مرويا، والسيف قاطعا، بخلاف التراب، فإنه لا يطهر بطبعه، بل يطهر عند عدم الماء؛ فافتقر إلى قصد ونية (١)، وهذا مما نبهنا على فساده في مسألة الإزالة (٢). [٥] مسألة: جلد الكلب لا يطهر بالدباغ عندنا (٣). وقال أبو حنيفة ﵀: يطهر (٤). ومأخذ النظر فيها: اعتقاد الشافعي نجاسة الكلب في حال الحياة؛ بقاء على اعتقاده أن مفهوم الخطاب حجة في قوله ﵇: «الهرة ليست بنجسة» (٥) في معرض التعليل؛ فإنه يدل على نجاسة الكلب (٦). وأبو حنيفة أنكر نجاسته، حيث لم ير المفهوم حجة (٧).

стр. 52

[٦] مسألة: ما لا يؤكل لحمه تذكيته كموته، لا تطهر شيئا منه بحال (١). وقال أبو حنيفة ﵀: يطهر جميعه، غير أن لحمه لا يؤكل (٢). ومأخذ النظر فيها: أن طهارة المذكاة المأكولة عندنا ثبت رخصة، من حيث إن كل ذكي ميتة، ويتطرق إلى المذكاة ما يتطرق إلى الميتات كلها، غير أن الشرع جوز الذكاة وذبح الحيوان؛ لمسيس حاجات الخلق إلى أكل اللحمان؛ فإن اللحم هو المغذي المقيم للأبدان، وبه يتقوى على الجهاد والطاعات، وهذا المعنى معدوم في ذبح غير المأكول، فيبقى على الأصل. وأبو حنيفة ألحق الزكاة بالحياة في إفادة الطهارة؛ لما فيها من درء الفضلات والعفونات المعفنة للحم والجلد، فقال: الذكاة إنما كانت مطهرة لأنها سبب سفح الدم من أعماق الأوراد، واستخراج النجاسة من جميع البدن، ولهذا خصها الشرع بالحلق واللبة؛ لأنها مجامع العروق النباضة، ومنها يخرج جميع دم البدن (٣). قال: وإلى هذا أشار صاحب الشرع بقوله: «الذكاة ما أنهر الدم، وأفرى الأوداج» (٤)، ولهذا قلنا: إن الجنين لا يتذكى بذكاة أمه؛ لأنه لم ينهر دمه،

стр. 53

وبالاتفاق ما ليس له دم [مسفوح] (١) يستوي ذكاته وموته، وهو السمك والجراد (٢)، والميتة كانت نجسة لاحتباس الدم فيها، وفي مسألتنا قد وجدت الذكاة التي تنهر الدم، فيجب أن يحكم بالطهارة. والجواب عن مأخذهم أن نقول: قولكم: وجدت الذكاة هاهنا فيطهر، ما تعنون وجدت الذكاة صورة أو شرعا؟، الأول مسلم، وهو باطل بذكاة المجوسي، والثاني ممنوع، فدلوا عليه. فإن قالوا: المجوسي ليس أهلا للذكاة. قلنا: والحمار ليس أهلا للذكاة. [٧] مسألة: مس الذكر بباطن الكف ينقض الطهر عندنا (٣).

стр. 54

وقال أبو حنيفة: لا ينقض (١). والمسألة خبرية من جانبنا، ولا مجال للقياس فيها؛ فإن الأحداث مواقيت الطهارات، ولا يهتدي القياس إلى نفي ميقات ولا إثباته، وإنما بنى الشافعي مذهبه بناء على حديث بسرة بنت صفوان، فإنها روت عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضؤون، قالت: قلت: يا رسول الله، أهذا للرجال؟، قال: إذا أفضت إحداكن بيدها إلى فرجها فلتتوضأ وضوءها للصلاة»، خرجه البخاري ومسلم في صحيحهما (٢)، وأجمع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين (٣) …

стр. 55

ويحيى بن سعيد القطان (١) إمام أئمة الحديث وأبو زرعة (٢) وأبو حاتم (٣) في مسجد الخيف بمنى على صحته (٤).

стр. 56

وأبو حنيفة: يرى أن خبر الواحد إذا كان مما تعم به البلوى لا يقبل، والبلوى تعم بمس الذكر (١)، وسيأتي بطلان هذا المستند فيما بعد. [٨] مسألة: الخارج من غير السبيلين لا ينقض الطهر بحال عند الشافعي (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: ينتقض بكل خارج نجس، من قيء، ورعاف،

стр. 57

وفصد، وحجامة، إذا سال ولم يكن قليلا (١). ومأخذ نظر الشافعي ﵀: أن الحكم في محل النص يثبت بالنص لا بالعلة، فلا يتعدى مورده؛ وهذا لأن الأحداث مواقيت للطهارات، وليست معللة بمعان معقولة؛ إذ لا يعقل غسل أعضاء طاهرة، والخارج خرج من محل آخر، فثبت أنه تعبد محض، فيجب أن يعتبر في ذلك مورد النص (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: ثبت بمعنى النص، وهو خروج الخارج النجس، فيتعدى إلى غير المخرج، واستدل على ذلك: بأن الواجب الطهارة، والطهارة لا تجب إلا عن نجاسة، والاقتصار على الأعضاء ثبت تيسيرا (٣)، والدليل على النجاسة قوله - تعالى -: ﴿ولكن يريد ليطهركم﴾ [المائدة: ٦]. ونحن نقول: هذا فاسد؛ لأن الوضوء لو وجب عن نجاسة، لاختص بمحلها، ولما اكتفي فيه بالأحجار، ودليل اختصاصه بالخارج بالمخرج المعتاد: وجوب الوضوء بالطاهر والنجس، والقليل والكثير، والعين والأثر.

стр. 58

[٢] مسائل التيمم [٩] مسألة: مذهب الشافعي ﵀ أنه لا يصلى بتيمم واحد فرضين، بل فريضة واحدة وما شاء من النوافل (١). وقال أبو حنيفة ﵀: يجوز أن يصلي بالتيمم من الحدث إلى الحدث (٢). ومأخذ النظر فيها: أن التيمم هل يرفع الحدث أم لا؟. فعندنا: لا يرفع الحدث، وإنما تستباح به الصلاة، كطهارة المستحاضة، ويدل عليه: أن المتيمم إذا رأى الماء عاد إلى ما كان عليه قبل التيمم، إن كان جنبا فجنبا، وإن كان محدثا فمحدثا، وإن كان المانع قائما، كانت الاستباحة بالتيمم لأجل الضرورة، ولا ضرورة إلى التيمم قبل دخول المكتوبة، وإذا صلى المكتوبة فقد ارتفعت الحاجة، وإنما يصلي النوافل بطريق التبعية للفرض (٣).

стр. 59

[١٠] مسألة: مذهب الشافعي-﵀: أن المتيمم إذا رأى الماء في أثناء صلاته؛ لا تبطل صلاته، ولا يعيدها (١). وقال أبو حنيفة ﵀: إذا رأى الماء مع القدرة على استعماله بطلت صلاته (٢). وهو قول مخرج للشافعي في المستحاضة إذا انقطع دمها في الصلاة (٣). ومأخذ النظر في جانبنا عجزه عن استعمال الماء شرعا؛ وهذا لأن العجز ينقسم إلى شرعي وحسي: فالحسي: مثل أن يخاف التلف من استعمال الماء، أو يحتاج إليه لأجل العطش، أو يحول بينه وبين الماء عدو أو سبع. والشرعي: مثل أن يكون عنده وديعة، فإنه لا يجوز أن يستعمله، أو يباع بزيادة على ثمن المثل، فإنه لا يجب شراؤه، وإذا ثبت هذا، فقد سلك الأصحاب في بيان العجز الشرعي طريقين: عدم بطلانها، فلا يجوز الانصراف عنها، قال - ﷺ : «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (٤)، وإذا لم يوجب عليه الشراء لإفضائه إلى خسارة

стр. 60

حبه احتراما لماله، فلأن يحافظ على حرمة صلاته لئلا تبطل عبادته أولى، وهذا على أصلهم ألزم، من حيث إن الشروع في التطوع يلزم. الثاني: أن التيمم لا يبطل بصورة رؤية الماء، فإنه لو رآه، وكان عاجزا عن استعماله، لا تبطل إجماعا (١)، وإنما تبطل بالقدرة على استعماله، وإذا كان البطلان يقف على القدرة على استعمال الماء، والقدرة لا تتحقق إلا بإبطال الصلاة، فيؤدي إلى إيقاف الشيء على نفسه، وذلك دور لا يتحقق فيه الإبطال في شيء. ومأخذ الخصم: أن الصلاة موقوفة ليست كالمفروغ منها، فإن رأى الماء بطلت، وإن لم يره استمر؛ وهذا لأن التيمم طهارة ضرورة، وقد زالت الضرورة، فصار كما لو انقطع دم المستحاضة، وانقضت مدة المسح، أو تخرق الخف (٢). وهذا فاسد؛ فإن الأمة مجمعة على الجزم بصحة الصلاة، ورؤية الماء في حكم المبطل عند قوم (٣)

стр. 61

[٣] مسائل الصلاة [١١] مسألة: تجب في أول الوقت وجوبا موسعا من أول الوقت إلى آخره (١). وعندهم: تجب بآخر الوقت (٢). والمسألة أصولية؛ فإنها تنبني على إمكان الوجوب الموسع، وهو عندنا معقول ومشروع. أما كونه معقولا، فلأن الأفعال ثلاثة: فعل لا عقاب على تركه مطلقا وهو: الندب. وفعل يعاقب عليه بالإضافة إلى مجموع الوقت، لكن لا يعاقب بالإضافة إلى بعض أجزاء الوقت، وهذا قسم ثالث فيحتاج إلى اسم ثالث، وتسميته واجبا أولى؛ لأنه كذا ينوى، وكذا يقع، وأشبه شيء بمسألتنا الحج، فإنه يتأخر ولا يترك، وأي وقت فعل كان [أداء] (٣)، ولو فات وقته كان قضاء كالصلاة، ويدل على كونه مشروعا - أيضا - للقضاء والنذور المطلقة والكفارات (٤).

стр. 62

والخصم يدعي أن مقتضى الوجوب الموسع التخيير بين الفعل والترك، وذلك من علامات النقل. وهذا مدفوع بما ذكرناه. [١٢] مسألة: مسألة تتفرع على الوجوب الموسع: وهي: أن الصبي إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخره، أو بلغ في أثناء الصلاة بالسن؛ لا تلزمه الإعادة عندنا (١). خلافا لهم (٢). ومأخذ النظر فيها استواء أجزاء الوقت في وجوب الأداء. وحصول الإجزاء عندنا، واختصاصه بآخر الوقت عندهم، وقد صار فيه أهلا للوجوب على ما سبق. [١٣]- مسألة: إذا اجتهد في أول الوقت وصلى، ثم تبين له أنه أخطأ جهة الكعبة قطعا؛ يلزمه الإعادة عندنا، على القول الذي ننصره في الخلاف (٣). وقال أبو حنيفة: لا يلزمه (٤).

стр. 63

والمسألة أصولية؛ فإن الخصم يدعي أن التكليف الإجابة، والحالة هذه تفضي إلى تكليف المحال؛ لتعارض الجهات في ظنه، وتقاوم الاحتمالات في حقه (١). ونحن نمنع ذلك، بناء على أن مدرك الشروط والأسباب غير مدرك التكاليف، فإن التكاليف تتلقى من الأمر والنهي، والشروط والأسباب تتلقى وضعا من الشارع وإخبارا، بأن يقول: جعلت البيع سببا للملك، والمماثلة شرط، والنكاح سببا للحل، والشهادة شرط. والحاصل أن [خطاب] (٢) الشرع على ضربين: خطاب تكليف، وذلك يقتضي فهما وعقلا، حتى إذا اختل هذا الشرط اختل الخطاب. والثاني: خطاب إخبار - على ما ذكرناه - ولا يستدعي هذا القسم دراية وعقلا، بل كل من اجتمع له [السبب] (٣) بشرطه؛ حصل له الحكم، ومن لا، فلا، وما نحن فيه من قبيل الثاني، لا من قبيل الأول. [١٤] مسألة: إذا فاتته صلوات ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام؛ يلزمه قضاء الصلوات

стр. 64

عندنا (١)، خلافا لأبي حنيفة ﵀ (٢). والمسألة أصولية؛ فإنها تنبني على خطاب الكفار بفروع الإسلام، وذلك جائز عندنا. والخصم يمنع ذلك؛ بناء على أن الكافر ليس من أهل العبادة، فلا يجب عليه القضاء بتركها كالكافر الأصلي، وهذا عندنا ممنوع؛ فإن الإسلام يجب ما قبله، وإنما لا يصح الفعل فيه؛ لأنه ما قدم شرط الأهلية للأداء (٣). واعلم أن هذا الخلاف ينبني على أصل آخر، وهو أن الفعل المأمور به هل من شرطه أن يكون شرطه حاصلا حالة الأمر أم لا؟. فعندنا لا يشترط، بل قد يتوجه الأمر بالمشروط والشرط على أن يكون مأمورا بتقديم الشرط، كالمحدث يخاطب بالصلاة بشرط إزالة الحدث، وهم يمنعون ذلك (٤). [١٥] مسألة: تارك الصلاة متعمدا يقتل حدا، ضربا بالسيف (٥).

стр. 65

وقال أبو حنيفة ﵀: لا يقتل، بل يضرب على تركها ويحبس (١). ومأخذ النظر فيها: أن المغلب في الصلاة عندنا مشابهة الإيمان، من حيث إنها تتكرر بتكرر الأوقات، بخلاف الحج والصوم والزكاة، ولا تدخلها النيابة، ولا تفتدى، ولا يسقط وجوبها بحال (٢). وأبو حنيفة ألحقها بسائر الأركان (٣). وقد تأيد ما ذهب إليه الشافعي بقوله ﵇: «من ترك صلاة متعمدا فقد كفر» (٤)، وهذا وإن كان مجازا في تسميته كافرا، لكنه دليل واضح في مشابهته للإيمان. [١٦] مسألة: العاصي بسفره لا يترخص برخص المسافرين عندنا (٥).

стр. 66

وقال أبو حنيفة ﵀: يترخص (١). والمسألة أصولية، فإن معتقد الخصم أنها من قبيل الجهتين كالصلاة في الدار المغصوبة. ومعتقد الشافعي أنه إذا أنشأ السفر على هذا الوجه كان محظورا من كل وجه، وأقل درجات ما يعان عليه أن يكون مباحا. [١٧] مسألة: يجوز للزوج غسل زوجته إذا ماتت عندنا (٢)، خلافا لهم (٣)، واتفقنا على أن الزوجة تغسل زوجها (٤). والمسألة من جانبنا توقيفية، والاعتماد فيها على حديث عائشة ﵂، وهو ما روي أنه ﷺ دخل عليها وهي تشكو من رأسها، وهي تقول: و ارأساه، فقال: «يا عائشة! ما يضرك لو مت قبلي فغسلتك، وكفنتك، وصليت عليك، ودفنتك، فقالت: كنت إذا تعرس في موضعي هذا، ثم قال رسول الله ﷺ : بل أنا وا رأساه، فأخذه المرض في الحال، وتوفي فيه» (٥).

стр. 67

ومأخذ الخصم فيها: انقطاع الوصلة الجامعة بطريق انتهاء النكاح بينها وبينه. وهذا يبطل بالمبتوتة في مرض الموت، وكونها ترث، فإنه يدل على أن النكاح يجوز أن يبقى أثره في حكم دون حكم، وعندنا في حق الرجعية.

стр. 68

[٤] كتاب الزكاة [١٨] مسألة: إذا تلف نصاب الزكاة بعد حولان الحول وإمكان الأداء؛ لا تسقط الزكاة عندنا (١)، خلافا له (٢). ولا خلاف أنه إذا تلف مال الزكاة ضمنه بإتلافه. والمسألة أصولية، ولها ثلاثة مآخذ: أحدها: أن الزكاة عند الشافعي تجب على الفور (٣)؛ تفريعا على أن الأمر المطلق مقتضاه البدار والفور، على ما قررناه في كتاب تخريج الفروع على الأصول (٤).

стр. 69

وعندهم تجب على التراخي (١)؛ تفريعا على أن الأمر المطلق على التراخي (٢). * المأخذ الثاني: أن الحكم في دوام وجوده لا يفتقر إلى بقاء السبب عندنا، وعندهم يفتقر إليه، وقد فات. ونحن نقول: هذا باطل؛ فإن بقاء صور الأسباب حيا لا يعتبر إجماعا، كصورة البيع والنكاح، بل يقدر بقاؤها شرعا، فليكن كذلك في النصاب. * المأخذ الثالث: أن الزكاة عندنا تتعلق بالذمة (٣). وعندهم تجب في العين (٤)، وهو باطل؛ بدليل جواز الأداء في غير النصاب مع القدرة على النصاب، ووجوبها في صورة الاستهلاك (٥). [١٩] مسألة: المستفاد من جنس النصاب في أثناء الحول لا يزكى بحول الأصل، بل إذا تم حول الأصل زكاه، وإذا تم حول المستفاد زكاه (٦).

стр. 70

وقال أبو حنيفة: يزكى المستفاد لحول الأصل كما تزكى السخال (١) لحول الأمهات (٢)، إلا أن يكون المستفاد ببدل مزكى فلا يزكى. وصورته: أن يكون عنده نصاب من الدراهم مثلا وزكاها، ثم ابتاع بها إبلا، فإنها لا [تضم] (٣) إلى ما عنده من الإبل، بل تفرد بحولها، وزعموا أن ذلك يؤدي إلى تثنية الزكاة؛ لأن البدل والمبدل كشيء واحد (٤). ومأخذ النظر فيها: اختلاف الإمامين في تخريج مناط الحكم: مذهب الشافعي ﵀: أن اعتبار الحول في الأصل كان لمعنى الإرفاق، واستنماء المال واستخراج فوائده؛ علما منه بأن استنماء الفوائد لا يحصل إلا في مدة مديدة، فضرب الحول أمدا لذلك (٥). ومعتقد أبي حنيفة ﵀: أن اعتبار الحول في الأصل كان إعلاما لتأدية الزكاة وتوقيتا لها بوقت واحد؛ حتى [تبعث السعاة] (٦) في أقطار الأرض لجباية الصدقات في وقت واحد (٧). ونحن نقول: ما ذكرناه معنى معقول لا يمكن إنكاره، وما ذكرتموه فلا

стр. 71

يصلح للتعليل؛ إذ كيف يكون للإعلام، والناس يختلفون في أحوالهم لاختلاف أحوالهم؟! فهذا يتم حوله اليوم، وذلك يتم حوله بعد شهر، إلى غير ذلك، وما كان مختلفا غير منضبط، كيف يقال: اجعلوه في شهر واحد؟، والمراد بقوله: أعلموا في السنة شهرا، أي: تعجيل ما لم يجب، وإخراج ما وجب، لا أن شهرا واحدا يعم جميع الخلق. [٢٠]- مسألة: تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون عندنا (١)، خلافا له (٢). ومعنى الوجوب هاهنا استحقاق الأخذ من ماله، على وزان قولنا: الديون واجبة عليه. ومأخذ النظر فيها ترجيح معنى على معنى، مع اتفاق الإمامين على اشتمال الزكاة على المعنيين، أعني معنى العبادة ومعنى المواساة؛ فإن الخصم يقول: الزكاة عبادة محضة؛ فإنها ابتلاء وامتحان للشخص بنقص ملكه، وذلك أمر شاق على النفوس، قال: وإذا كانت الزكاة ابتلاء، فالصبي ليس أهلا للابتلاء، ولا محلا له (٣). والشافعي يقول: الزكاة جارية مجرى النفقات؛ فإن المقصود الأظهر، والغرض الأبين الأشهر منها سد الخلات؛ فإن الفقراء عالة (٤) الأغنياء،

стр. 72

فأحال قوما على قوم؛ حتى لا يضيع شطر الخلق ومعظمهم، وشبه المواساة بقرابة الإسلام بالمواساة لحقيقة القرابة، والصبي أهل للإنفاق على قريبه، وما فيها من معنى الابتلاء، وهو: ما قرن بالزكاة من عظيم الثواب، وبتركها من عظيم العقاب، إنما كان حثا لأرباب الأموال على إخراج الزكاة؛ فإن النفوس مجبولة على الشح والضنة، والتهالك إلى الفلس والحبة، فكان ما في الزكاة من الابتلاء تحقيقا لهذا الغرض (١). وما ذكره أبو حنيفة من معنى الابتلاء فهو حاصل في العبادات كلها، وإنما خصيصة الزكاة ما ذكرناه، والابتلاء فيه تابع للغرض الذي ذكرناه. [٢١] مسألة: إذا مات من وجبت عليه الزكاة قبل أدائها؛ أخذت من تركته (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: تسقط بموته (٣). وهذه المسألة فرع المسألة المتقدمة، فإنها مبنية عند الشافعي على كون الزكاة وجبت مواساة للفقراء، فهي حق ثبت لهم في ذمة هذا الشخص، فلا تسقط بموته، كسائر ديون الآدميين.

стр. 73

وأبو حنيفة يرى أن الزكاة وجبت ابتلاء وامتحانا للشخص بنقص ملكه، وقد بطل معنى التعبد والابتلاء بالموت. [٢٢]- مسألة: إخراج غير المنصوص عليه في باب الزكوات لا يجوز عندنا (١)، خلافا لأبي حنيفة ﵀ (٢). وهكذا الخلاف في النذور والكفارات. واعلم أن هذه المسألة قد ترجمت بما يلتبس على المتفقهة حقيقتها، فقيل: إخراج البدل في الزكاة عند الشافعي لا يجوز، ويجوز عند أبي حنيفة، وليس الأمر كذلك؛ فإن أبا حنيفة لم يقل إن الزكاة لها بدل يصار إليه، بل المخرج عنده هو الأصل، فإنه يقول: صاحب الشرع حيث نص على الشاة، فنصه إنما كان بيانا لمقدار مالية الشاة في كل مال لا على صورة الشاة، وهو كنصه على ربع دينار في القطع في السرقة، فإنه لا يقال: إن ذلك يختص بالمنصوص عليه، حتى لا يقطع إلا في سرقة ربع دينار من الذهب، بل قيل: إنما نص على مالية ربع دينار من كل مال، كذلك النص على الشاة نص على ماليتها، فإذا ما أخرج عنده إلا ما هو الأصل، والبدل هو الذي يعدل إليه من أصل كان قبله (٣).

стр. 74

ومأخذ النظر فيها: تعذر إلحاق غير المنصوص بالمنصوص عندنا؛ مراعاة للتعبد بالتشريك بين الفقراء والأغنياء في جنس المال، ودليل اعتبار التعبد تنصيصه في الجبرانات على ما يوجب قطع النظر عن القيمة بكل حال، فإنه قدره، وبين حده، وقرره، فأوجب شاتين أو عشرين درهما، مع علمنا بأن الأحوال تختلف في المجبور باختلاف الأعصار وتفاوت الأسعار، فربما كان أزيد أو أنقص منه، فأما أن يكون مثله أبدا، فلا يكاد يطرد، وأيضا فإنه جعل العشرين درهما بقدر الشاتين مع علمنا بأنه قد تزيد قيمة الشاتين على العشرين، وقد تنقص، وكل هذا يتبين لمن تأمل أنه ما أراد القيمة، ولا التفت إليها، بل أعرض عنها بالكلية، وكذلك تخصيصه الواجب بالإناث دون الذكور، فإنه أوجب بنت مخاض، ثم بنت لبون، ثم حقة، ثم جذعة، ثم عدل إلى العدد، فأوجب بنتي لبون وحقتين، إلى أن قال: فإذا زادت على مائة وعشرين استقرت الفريضة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ولم يتعرض للقيمة بحال، هذا مع إنفاذ سعاته إلى البلدان التي لا تعز عندهم النقود، كاليمن والبحرين وعمان (١). وأبو حنيفة ﵀ يقول: صاحب الشريعة حيث نص على الشاة فنصه إنما كان بيانا لمقدار مالية الشاة في كل مال، لا على صورة الشاة، وهذا كما نص على ربع دينار في القطع في السرقة، فإنه لا يقال: إن ذلك يختص بالمنصوص عليه، حتى لا يقطع إلا في سرقة ربع دينار من الذهب، بل قيل: إنه نص على مالية ربع دينار (٢).

стр. 75

وتحقيق هذا الكلام: أن الزكاة دار وجوبها بين المواساة والابتلاء، ولا ثالث لهما، وأيهما كان؛ فالقياس واضح فيه، إن كان المواساة هو المغلب، والمقصود منها سد الخلة ودفع الحاجة، فهذا المعنى يستوي فيه إخراج الشاة والقيمة، وإن كان الابتلاء هو المغلب لهذا النوع من الابتلاء؛ لا يتفاوت الأمر فيه، فإن تنقيص المال يحصل بالقيمة والعين [عليهما] (١) بسواء، فليخرج ما شاء، وهذا مدفوع بما ذكرناه، فلا حاجة إلى إعادته. [٢٣] مسألة: إذا ملك نصابا وعليه مثله دينا مستغرقا، بأن ملك عشرين دينارا وعليه عشرون دينارا؛ فالقول المنصور في الخلاف: أن ذلك لا يمنع وجوب الزكاة (٢). والقول الثاني: أن ذلك يمنع الوجوب (٣)، وهو مذهب أبي حنيفة (٤)، غير أن أبا حنيفة ﵀ لا فرق عنده بين المستغرق وغير المستغرق، حتى لو كان عشرين دينارا وعليه دين ينقص النصاب، كدينار أو نصف دينار؛ فإنه لا زكاة عليه (٥). ومأخذ النظر فيها: أن ملكه في هذا النصاب تام عندنا، بدليل تمكنه
следующие страницы →