← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30175

نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام

شهاب الدين الزنجاني

Полный текст (659 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يصلح للتعليل؛ إذ كيف يكون للإعلام، والناس يختلفون في أحوالهم لاختلاف أحوالهم؟! فهذا يتم حوله اليوم، وذلك يتم حوله بعد شهر، إلى غير ذلك، وما كان مختلفا غير منضبط، كيف يقال: اجعلوه في شهر واحد؟، والمراد بقوله: أعلموا في السنة شهرا، أي: تعجيل ما لم يجب، وإخراج ما وجب، لا أن شهرا واحدا يعم جميع الخلق. [٢٠]- مسألة: تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون عندنا (١)، خلافا له (٢). ومعنى الوجوب هاهنا استحقاق الأخذ من ماله، على وزان قولنا: الديون واجبة عليه. ومأخذ النظر فيها ترجيح معنى على معنى، مع اتفاق الإمامين على اشتمال الزكاة على المعنيين، أعني معنى العبادة ومعنى المواساة؛ فإن الخصم يقول: الزكاة عبادة محضة؛ فإنها ابتلاء وامتحان للشخص بنقص ملكه، وذلك أمر شاق على النفوس، قال: وإذا كانت الزكاة ابتلاء، فالصبي ليس أهلا للابتلاء، ولا محلا له (٣). والشافعي يقول: الزكاة جارية مجرى النفقات؛ فإن المقصود الأظهر، والغرض الأبين الأشهر منها سد الخلات؛ فإن الفقراء عالة (٤) الأغنياء،

стр. 72

فأحال قوما على قوم؛ حتى لا يضيع شطر الخلق ومعظمهم، وشبه المواساة بقرابة الإسلام بالمواساة لحقيقة القرابة، والصبي أهل للإنفاق على قريبه، وما فيها من معنى الابتلاء، وهو: ما قرن بالزكاة من عظيم الثواب، وبتركها من عظيم العقاب، إنما كان حثا لأرباب الأموال على إخراج الزكاة؛ فإن النفوس مجبولة على الشح والضنة، والتهالك إلى الفلس والحبة، فكان ما في الزكاة من الابتلاء تحقيقا لهذا الغرض (١). وما ذكره أبو حنيفة من معنى الابتلاء فهو حاصل في العبادات كلها، وإنما خصيصة الزكاة ما ذكرناه، والابتلاء فيه تابع للغرض الذي ذكرناه. [٢١] مسألة: إذا مات من وجبت عليه الزكاة قبل أدائها؛ أخذت من تركته (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: تسقط بموته (٣). وهذه المسألة فرع المسألة المتقدمة، فإنها مبنية عند الشافعي على كون الزكاة وجبت مواساة للفقراء، فهي حق ثبت لهم في ذمة هذا الشخص، فلا تسقط بموته، كسائر ديون الآدميين.

стр. 73

وأبو حنيفة يرى أن الزكاة وجبت ابتلاء وامتحانا للشخص بنقص ملكه، وقد بطل معنى التعبد والابتلاء بالموت. [٢٢]- مسألة: إخراج غير المنصوص عليه في باب الزكوات لا يجوز عندنا (١)، خلافا لأبي حنيفة ﵀ (٢). وهكذا الخلاف في النذور والكفارات. واعلم أن هذه المسألة قد ترجمت بما يلتبس على المتفقهة حقيقتها، فقيل: إخراج البدل في الزكاة عند الشافعي لا يجوز، ويجوز عند أبي حنيفة، وليس الأمر كذلك؛ فإن أبا حنيفة لم يقل إن الزكاة لها بدل يصار إليه، بل المخرج عنده هو الأصل، فإنه يقول: صاحب الشرع حيث نص على الشاة، فنصه إنما كان بيانا لمقدار مالية الشاة في كل مال لا على صورة الشاة، وهو كنصه على ربع دينار في القطع في السرقة، فإنه لا يقال: إن ذلك يختص بالمنصوص عليه، حتى لا يقطع إلا في سرقة ربع دينار من الذهب، بل قيل: إنما نص على مالية ربع دينار من كل مال، كذلك النص على الشاة نص على ماليتها، فإذا ما أخرج عنده إلا ما هو الأصل، والبدل هو الذي يعدل إليه من أصل كان قبله (٣).

стр. 74

ومأخذ النظر فيها: تعذر إلحاق غير المنصوص بالمنصوص عندنا؛ مراعاة للتعبد بالتشريك بين الفقراء والأغنياء في جنس المال، ودليل اعتبار التعبد تنصيصه في الجبرانات على ما يوجب قطع النظر عن القيمة بكل حال، فإنه قدره، وبين حده، وقرره، فأوجب شاتين أو عشرين درهما، مع علمنا بأن الأحوال تختلف في المجبور باختلاف الأعصار وتفاوت الأسعار، فربما كان أزيد أو أنقص منه، فأما أن يكون مثله أبدا، فلا يكاد يطرد، وأيضا فإنه جعل العشرين درهما بقدر الشاتين مع علمنا بأنه قد تزيد قيمة الشاتين على العشرين، وقد تنقص، وكل هذا يتبين لمن تأمل أنه ما أراد القيمة، ولا التفت إليها، بل أعرض عنها بالكلية، وكذلك تخصيصه الواجب بالإناث دون الذكور، فإنه أوجب بنت مخاض، ثم بنت لبون، ثم حقة، ثم جذعة، ثم عدل إلى العدد، فأوجب بنتي لبون وحقتين، إلى أن قال: فإذا زادت على مائة وعشرين استقرت الفريضة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ولم يتعرض للقيمة بحال، هذا مع إنفاذ سعاته إلى البلدان التي لا تعز عندهم النقود، كاليمن والبحرين وعمان (١). وأبو حنيفة ﵀ يقول: صاحب الشريعة حيث نص على الشاة فنصه إنما كان بيانا لمقدار مالية الشاة في كل مال، لا على صورة الشاة، وهذا كما نص على ربع دينار في القطع في السرقة، فإنه لا يقال: إن ذلك يختص بالمنصوص عليه، حتى لا يقطع إلا في سرقة ربع دينار من الذهب، بل قيل: إنه نص على مالية ربع دينار (٢).

стр. 75

وتحقيق هذا الكلام: أن الزكاة دار وجوبها بين المواساة والابتلاء، ولا ثالث لهما، وأيهما كان؛ فالقياس واضح فيه، إن كان المواساة هو المغلب، والمقصود منها سد الخلة ودفع الحاجة، فهذا المعنى يستوي فيه إخراج الشاة والقيمة، وإن كان الابتلاء هو المغلب لهذا النوع من الابتلاء؛ لا يتفاوت الأمر فيه، فإن تنقيص المال يحصل بالقيمة والعين [عليهما] (١) بسواء، فليخرج ما شاء، وهذا مدفوع بما ذكرناه، فلا حاجة إلى إعادته. [٢٣] مسألة: إذا ملك نصابا وعليه مثله دينا مستغرقا، بأن ملك عشرين دينارا وعليه عشرون دينارا؛ فالقول المنصور في الخلاف: أن ذلك لا يمنع وجوب الزكاة (٢). والقول الثاني: أن ذلك يمنع الوجوب (٣)، وهو مذهب أبي حنيفة (٤)، غير أن أبا حنيفة ﵀ لا فرق عنده بين المستغرق وغير المستغرق، حتى لو كان عشرين دينارا وعليه دين ينقص النصاب، كدينار أو نصف دينار؛ فإنه لا زكاة عليه (٥). ومأخذ النظر فيها: أن ملكه في هذا النصاب تام عندنا، بدليل تمكنه

стр. 76

من التصرف بعوض وغير عوض (١). وعندهم: هو ناقص، كمال المكاتب، من حيث إنه ينزع منه قهرا، ويسلمه القاضي إلى غريمه، فهو ملك مزلزل مقلقل (٢). ونحن نقول: دليل كمال الملك ما ذكرناه من تمكنه من التصرف والتبرع، حتى لو تبرع بهبة هذا النصاب على مجوسي أو ذمي لا يكتسب به محمدة في الدنيا، ولا مثوبة في العقبى، ولا مانع يمنعه من ذلك، فهذا يبطل تعلق حق الغير بعين ماله. فإن قالوا: هو معد لقضاء الدين. قلنا: لا، بل الدين في ذمته، وهي كاملة تامة، فهي محل الدين، ولا تعلق للدين بالعين بحال، فهذا المال الذي في يده وسائر أموال الدنيا بالإضافة إلى ذمته على حد سواء. فإن قالوا: يتصور فيما إذا ضاقت عليه المذاهب، وانسدت عليه المطالب والمآرب، ولم يكن له وجه سوى ما في يديه، أليس منه يقضيه؟، قلنا: بحكم الحال، لا بحكم الأصل؛ لما تقرر في الأصل من ثبوت الدين في الذمة.

стр. 77

[٢٤] مسألة: الحلي المباح لا تجب فيه الزكاة عندنا، على القول المنصور في الخلاف (١). وعندهم تجب (٢). ولا خلاف في وجوبها في الحلي المحظور، كالرجل إذا اتخذ حلي النساء لنفسه (٣). ومأخذ النظر فيها: اختلاف المذهبين في مستند وجوبها في التقدير والوجوب. عندنا كان باعتبار معنى مودع فيها، وهو [كونها مهيأة] (٤) للتجارة والنماء (٥). وعندهم كان باعتبار [عينها وذاتها] (٤)، فيدور مع العين كالربا (٦). وهذا باطل؛ لأنها لو وجبت لعينها لما افترق الحال بين القليل والكثير، كما في الربا.

стр. 78

[٥] مسائل الصوم [٢٥]- مسألة: لا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام الواجب إلا بنية من الليل (١). وقال أبو حنيفة-﵀: يصح بنية تنشأ نهارا قبل الزوال (٢). وساعد في صوم القضاء والنذر المطلق والكفارة أنه لا يصح إلا بنية مبيتة (٣). ونحن قد ساعدناهم في صوم التطوع أنه يصح بنية من النهار (٤) إلا على وجه للمزني (٥).

стр. 79

ومأخذ النظر فيها: أن صوم كل يوم من رمضان عبادة مقصودة من أوله إلى آخره عندنا بنص قوله - تعالى -: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]، وأن الشهر عبارة عن الزمن الواقع بين الهلالين، غير أن الليالي خصت بدليل، فبقي صيام ما عداها واجبا بحكم الدليل. وعندهم: أن الإمساك قبل الزوال ليس بعبادة مقصودة؛ لأن العبادة ما شرعت [إلا] (١) للابتلاء والامتحان؛ ليتميز المطيع عن العاصي، ولا يتحقق ذلك إلا بمفارقة المألوف المشتهى، ونهي النفس عما تحب وتهوى، من تقديم الآجل على العاجل، والإمساك عن الأكل في صدر النهار غير شاق على النفس؛ لانتفاء الداعية، وهذا باطل بحكمين قاطعين: أحدهما: وجوب الكفارة بالإفطار فيه (٢). والثاني: وجوب قضاء جميع اليوم، والقضاء تلو الأداء وخلف عنه. وقولهم: لا مشقة. قلنا: المشقة لا تعتبر في كل جزء من أجزاء العبادة، بل في مجموعها؛ فإن من شرع في الصلاة والحج إنما تلحقه المشقة بالتمام والنهاية، لا بكل جزء منها.

стр. 80

[٢٦] مسألة: لا يصح صوم رمضان عندنا إلا بتعيين النية، وهو أن يقول: أنا صائم غدا من رمضان (١). وقال أبو حنيفة ﵀: لا يفتقر إلى تعيين النية، بل إذا نوى مطلقا؛ انصرف إلى رمضان (٢). ومأخذ النظر فيها: البحث عن حقيقة النية، ووجه الافتقار إليها. والنية على ضربين: تقرب وتمييز. أما التقرب: ففي العبادات بإخلاص العمل الله - تعالى -. وأما التمييز كما في الديون، فإن دفع المال يحتمل التمليك هبة وقضاء للدين، وفي محل النزاع لا خلاف أن النية للتقرب، غير أنها بقيت دائرة بين كونه فرضا أو نفلا وقضاء، فتثبيته بالتعيين والفرض له خصيصة ومزية، فلا تحصل إلا بقصد ونية، وأبو حنيفة استغنى بالوقت المتعين عن التعيين، وزعم أن الشرف والمزية مستفادة من هذا المحل والزمان الخاص، فلا يحتاج أن يقصده وينويه، بل هو حاصل عند وقوعه فيه، وقرر أبو زيد (٣) هذا بأن قال:

стр. 81

الواحد في الزمان كالواحد في المكان، ثم لو كان في الدار رجل واحد اسمه زيد، فإنه لا فرق بين أن يناديه باسم الجنس، فيقول: يا رجل، أو يناديه باسم العلم، فيقول: يا زيد، فإنه على الوجهين جميعا يقال: إنه أصابه بدراية (١). ونحن نقول: هذا فاسد؛ فإن تعيين الزمان لو كان يغني عن تعيين النية لكان يغني عن أصل النية، كما قال زفر (٢)، وما ذكروه من المثال فلا يناظر ما نحن فيه؛ فإن الرجل هناك موجود في الدار، وأنت تخاطبه، وفي مسألتنا الصوم ليس موجودا حاصلا، بل هو في ذمته لا يقع إلا بإيقاعه، ولا يحصل إلا بإيداعه، وهو في موضع الشرع أنواع مختلفة، فلا بد من قصد إلى خصيصته؛ ليفصله عن فصيلته، ولا يلزم على هذا الوضوء والحج؛ فإنهما يتأديان بنية مطلقة؛ لأنا نقول: أما الوضوء فهو رفع الحدث، أو استباحة الصلاة، وكل ذلك لا ينقسم إلى فرض ونفل. وأما الحج فلا يلزم - أيضا -؛ لأن المخرج إلى التعيين دوران الفعل، بل ذات المأمور مستحقة الحضور بالمناسك.

стр. 82

[٢٧] مسألة: الإفطار بغير الجماع لا يوجب الكفارة عندنا (١)، ويعم جميع المفطرات عند مالك (٢)، ويختص بمقصود الجنس عند أبي حنيفة، فيجب بكل ما فيه غذاء أو دواء (٣). ومأخذ النظر فيها: تنقيح المناط في محل الإجماع في قصة الأعرابي، فإنها تشتمل على أوصاف كثيرة، واختلافنا في وصف واحد، وهو كونه وقاعا. فنحن نعتبره من حيث إن الكفارة في مقابلة الفعل، إما جزاء عليه، أو محوا لأثره، حتى يصير كأن لم يكن، وهذه المناسبة في خصوص الوقاع أكثر، فإن الوقاع باعتبار أصله حرام، والحل عارض، والأكل باعتبار أصله مباح، والحرمة [لعارض] (٤)، ولهذا نقضي بتحريم كل امرأة لم يعرف حلها، وبحل حرام لغيره. وأبو حنيفة يعتبر عموم وصف الفساد، من حيث إن الصائم مأمور بالكف عن الشهوتين، والجناية [بارتكابهما] (٥): واحد، وقد سوى الشرع بينهما تحريما وتحليلا، والكفارة صالحة للزجر عن الإفطار، سيما وشهوة

стр. 83

البطن أكثر وقوعا، فاقتضت الزجر (١) عنها. ونحن نقول: هذا فاسد؛ فإن توقان النفس إلى الجماع عند هيجان الشهوة وثورانها على قدر اللذة وتوفرها، ونحن نعلم من حيث الحس أن لذة الجماع تزيد على لذة الأكل والشرب أضعافا مضاعفة، فإنا نرى في المجامع في تلك الحال ما يعتريه من السهو والذهول، والقلق والاضطراب، وتغير الحال واللون، ما نعلم به توفر لذته، ولا يعتريه عند تناول ألذ الطعام مثل هذه الأمور بحال. * * * [٢٨] * مسألة: المطاوعة في نهار رمضان لا يلزمها الكفارة على القول المنصور (٢). وقال أبو حنيفة: يلزمها (٣). ومأخذ النظر فيها: أن المرأة سبق فطرها جماعها عندنا، فصار كما لو ابتلعت حصاة، ثم جومعت.

стр. 84

وبيان هذا: أن الجماع هو تغييب الحشفة في الفرج، فعند ذلك يلتقي الختانان كما صوره العلماء، فيتعلق عليه أحكام الجماع، أما الفطر فيحصل بوصول أول جزء من الحشفة في باطنها (١)، ثم بعد ذلك تحقق الجماع، والجماع بعد الإفطار لا يوجب الكفارة، والكفارة كفارة وقاع، وهذه مواقعة لا مواقعة؛ لأن الوطء من الرجل، وهي ممكنة، والتمكين من الفعل دون الفعل، ويتأيد ذلك بالعاقلة إذا مكنت مجنونا، فإن الحد ساقط عنها عندكم، فإن ناقضونا بحد الزنا وكونه يعمهما. • قلنا: [الحقائق] (٢) لا تنتقض بالأحكام، وإنما الشرع لقب تمكينها زنا، وربط به الحد، وذلك إليه. * فإن قالوا: إذا لحقت به هناك فتلحق به هاهنا، قلنا: هذا قياس في الأسباب، ولا مجال للقياس في الأسباب، سيما على أصلكم. والخصم يدعي استواءهما في السبب، وأن إفطارها كإفطاره، بدليل الوقاع في حالة الإحرام بالحج، فإنه يجب على كل واحد منهما كفارة (٣). وهذا باطل بما ذكرناه في الفرق بينهما. * * * [٢٩] * مسألة: المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر لا يلزم قضاء ما فات من أيام الشهر (٤).

стр. 85

وعندهم يلزمه (١). ولا خلاف أن الجنون لو طبق جميع الشهر لا يلزمه (٢) قضاء شيء بحال (٣). ومأخذ النظر فيها: أن الوجوب عندنا يتلقى من خطاب الشرع، ولا خطاب في حق المجنون، وعندهم يتلقى من الأسباب، والأداء هو المفتقر إلى الخطاب، وزعموا أن خطاب الأداء هو التماس الفعل من المكلف، والمجنون ليس أهلا له، وخطاب الوجوب للإثبات في الذمة، وذمة المجنون صحيحة قابلة للحقوق، بدليل لزوم غرامة المتلفات وأرش الجنايات، وعند الشافعي يلزمه الزكاة، وخطاب الأداء يكون بعد ذلك بأمر جديد، فإن أفاق خوطب به. * قالوا: والدليل على أن خطاب الوجوب غير خطاب الأداء أن من باع شيئا بثمن مؤجل؛ فالعقد يوجب الثمن في الذمة، والأداء يجب عند تصرم الأجل لا بنفس العقد، بل بأمر آخر (٤). ونحن نقول: هذا التقسيم مقبول، ولكن في [المعاملات] (٥)، فإن

стр. 86

الواجب مثلا مال مقدر في الذمة، والعبادات ليس فيها إلا خطاب واحد، وهو طلب الفعل، والفرق بينهما: أن المال المؤدى غير فعل الأداء، وهاهنا الفعل المؤدى غير فعل الأداء، وقد وقع الاشتراك في اللفظ، فإنه يقال: أدى المال وأدى الصلاة، فنظر أن المؤدى في الصلاة غير الأداء، والعذر عن النائم: أن الشرع أدار الخطاب مع العقل، والنائم عاقل، بدليل أنه لو روع منبه فزال عقله؛ وجب عليه الضمان، فنسبة النائم إلى المجنون نسبة المقيد إلى الزمن. * * * [٣٠] * مسألة: إذا جامع في رمضان واحد يومين فصاعدا؛ لا يجزيه كفارة واحدة عندنا (١)، خلافا لهم (٢). وهذه العبارة أولى من قول بعض الأصحاب: الكفارتان لا تتداخلان؛ لأنها دافعة للقول بالموجب، من حيث إنهم اختلفوا في هذه المسألة اختلافا لا يعود إلى الحكم، فإن منهم من قال: الكفارة في اليوم الثاني لا تجب أصلا؛ لتقاصر السبب، ومنهم من قال: تجب كما في اليوم الأول، غير أنهما لا تتداخلان، ومعنى التداخل: تنزيل الفعلين منزلة الفعل الواحد. والمأخذ المشهور فيها: أن المغلب في الكفارات عند الشافعي معنى العبادة (٣).

стр. 87

وعند أبي حنيفة معنى العقوبة، فتتداخلان، كالحدود (١). والصحيح أن الكفارة ليست من قبيل العبادات، فإن العبادات مطلوبة، والكفارة تجب بسبب يأباه الشرع، وليست عقوبة - أيضا ـ؛ لأن العقوبات تزجر عن الفعل، والفعل إنما يزجر عنه إذا اتصف بالحرمة ونهي عنه، والكفارة تجب بأسباب لا يتعلق بها النهي، ولا توصف بالحرمة كالقتل الخطأ، وليست غرامة - أيضا -؛ فإن الغرامات شرعت [لجبر] (٢) المحال، والكفارة تجب في مقابلة الفعل إجماعا، ولهذا تتعدد في الجماعة إذا قتلوا واحدا مع اتحاد الدية، فهي إذا جنس بنفسها، شرعت لمحو أثر الفعل، ودعواهم هتك حرمة الشهر خيال فاسد فإنه جنى على نفسه ودينه، واليوم الثاني فيه كاليوم الأول، فصار كما لو ظاهر، ثم ظاهر. * * * [٣١] * مسألة: المنفرد برؤية الهلال إذا [رد] (٣) القاضي شهادته يلزمه الصوم فيما بينه وبين الله وفاقا (٤).

стр. 88

فإذا جامع في هذا اليوم؛ يلزمه الكفارة عندنا (١)، خلافا لأبي حنيفة ﵀ (٢). ومأخذ النظر من جانبنا طرد القياس فيها، بناء على أن فطره في هذا اليوم لا شبهة فيه. ومأخذهم: اعتقاد شبهة دارئة للكفارة، وهي قضاء القاضي بالرد، وتفرده بالرؤية مع احتمال الغلط (٣). وهذا باطل بوجوب الصوم عليه، ودعوى الاحتياط باطل بصوم يوم الشك؛ فإنه لا يجب بل يحرم (٤). * * * [٣٢] * مسألة: إذا شرع في صوم التطوع أو صلاة التطوع جاز له التحلل منه، وإذا تحلل منه فلا قضاء عليه (٥). وقال أبو حنيفة: يلزمه بالشروع، وإذا تحلل؛ لزم القضاء (٦). ومأخذ النظر: أن [الشروع] (٧) عندنا لا يصلح أن يكون ملزما، من

стр. 89

حيث إن التطوع هو ما يخير فيه بين فعله وتركه، فإن شاء أقدم عليه، وإن شاء أحجم عنه، والشروع في الشيء يكون على وفق ذلك الشيء، فإن كان واجبا [فيجب] (١)، أما أن ينقلب النفل واجبا فلا، وهذا لأن الشروع ليس أمرا زائدا على العبادة، بل هو تلبس بالعبادة وخوض فيها، وإذا كان الشروع في العبادة هو نفس العبادة؛ فلا ينبغي أن يزيد حكمه عليها، بل يكون الدوام فيها على جنسها. فإن ناقضونا بالحج، قلنا: الحج منقطع عن قياس العبادات، متفق على أنه مستثنى، فإن الإحرام إذا تلبس به تشبث بصاحبه، حتى يجب المضي في [فاسده] (٢)، ويكفر ثانيا وثالثا مع فساده، وإذا دخل في الحج المظنون لا يجوز له الخروج بحال، وهذه الأمور لا عهد لنا بشيء منها في العبادات (٣). ومأخذ الحنفية وعمدتهم قولهم: إنما لزمه إتمام ما شرع فيه وإن كان في الأصل مخيرا، نظرا إلى ما مضى من العبادة، لا نظرا إلى ما بقي، بل حفظا لما مضى وصيانة له عن الإحباط والإسقاط؛ فإنه لو قطعه بطل عمله، قالوا: وخرج على هذا الصلاة، فإن من شرع في صلاة رباعية جاز له الخروج من اثنتين وفاقا؛ لأنه تعلق لما مضى بما بقي؛ لأن ما أتى به صلاة مستقلة كاملة، حتى يقول (٤): لا يجوز فيه أن يخرج عن ركعة واحدة؛ لأن الركعة الواحدة ليست صلاة، وقرروا هذا بأن العبادة محترمة، فقطعها تهاون

стр. 90

واستخفاف، وإخلال بإجلال المعبود كالواحد المعظم منا إذا تشاغل بعض خدمه بخدمته بأن تأبط بغاشيته بين يديه، أو وقف تجاه وجهه مكبا على خدمته، ثم في خلال ذلك أعرض عنه، واشتغل بخدمة غيره، فإنه يعد ذلك في العرف والعادة تهاونا وإزراء (١). ونحن نقول: هذا فاسد من وجهين: أحدهما: لا نسلم أنه أتى بعبادة؛ لأن العبادة البدنية لا بعض لها، وهكذا سائر الأسباب، فإن من أتى بأحد سببي العقد لا يقال: أتى ببعض السبب؛ لأن بعض السبب عدم في اقتضاء الحكم. * فإن قالوا: فلماذا وجبت عليه الكفارة بالوطء والإفساد؟. • قلنا: لأنا لا نعتبر في وجوب الكفارة بالوطء وجود العبادة، بل نوجب الكفارة على من لم تنعقد له العبادة، بأن يطلع عليه الفجر وهو مجامع، فاستدام، فهذا قد منع حصول العبادة، وعليه الكفارة، فلا فرق عندنا بين القطع وبين المنع. الوجه الثاني: نسلم لهم وجود العبادة، ولكن لم لا يجوز قطع العبادة وإبطالها؟، فإن المراد بقوله - تعالى -: ﴿ولا تبطلوا أعملكم﴾ [محمد: ٣٣] الإيمان، أي: لا تحبطوه بالردة؛ فإن الردة هي التي تحبط الأعمال. * وقولهم: إن قطع العبادة تهاون واستخفاف.

стр. 91

• قلنا: باطل بثلاث مسائل: إحداها: المسافر إذا شرع في الصوم ثم أفطر، فإن له ذلك وإن كان يعد في العرف تهاونا (١). الثانية: مسألة الضيافة، وهي إذا دعا صديقه، واقترح عليه أن يأكل من طعامه، فأفطر، فإن له ذلك مع وجود ما ذكرتموه (٢). الثالثة: ما إذا ظن أنه واجب عليه، ثم بان أنه لم يكن واجبا عليه (٣). * * *

стр. 92

[٦] مسائل الحج [٣٣] * مسألة: الحج تدخله النيابة عندنا، لكن عند العجز لا عند القدرة (١). وقال أبو حنيفة ﵀: لا تدخله النيابة إلا إذا مات ووصى أن يحج عنه (٢). وتفصيل المذهب عندنا: أن الحج إن كان فرضا فلا تجوز النيابة فيه إلا في موضعين: في حق الميت. وفي حق من لا يثبت على الراحلة لزمانة (٣) أو كبر (٤).

стр. 93

وإن كان تطوعا ففيه قولان، أصحهما: أنه لا تجوز النيابة فيه، وحيث تجوز الاستنابة، فالحج عندنا يقع عن المستنيب لا عن النائب (١). وقال أبو حنيفة ﵀: يقع الحج عن المباشر، وإنما يحصل للمستأجر ثواب النفقة التي أخرجها فحسب (٢). ومأخذ النظر فيها: أن فعل العبادة عندنا علم على حصول الثواب منحة وتفضيلا من الله - تعالى -، والمعصية علم على العقاب تفريعا على بطلان قاعدة الصلاح والأصلح، وإذا كانت الأفعال الاختيارية أعلاما وأمارات على الأحكام جاز أن يجعل فعل زيد علما وأمارة على حصول الثواب لعمرو، كما كان فعل الجاني علما لوجوب الدية على العاقلة. وعندهم: أن الثواب معلول الطاعة وحكمها، والعقاب معلول المعصية وموجبها، فلا يتعدى ما عليها؛ استمدادا من وجوب رعاية الأصلح، وهذا أصل قد أبطلناه في كتاب تخريج الفروع على الأصول (٣).

стр. 94

[٣٤] * مسألة: ومما يتفرع: أن من وجب عليه الحج وتمكن من أدائه وأخره حتى مات فإنه يحج عنه من ماله وارثه ووليه (١). وهل يجوز ذلك لغير الوارث؟، اختلف أصحابنا فيه. وقال أبو حنيفة: إذا مات سقط الحج عنه، وهو قياس مذهبه، فإن عنده العبادات المالية - أيضا - تسقط بالموت، كالزكوات، والكفارات، ثم استثنى الوصية، فقال: إن وصى بالحج فإنه يحج عنه من ثلثه إن خرج منه، وإلا سقط كسائر التبرعات (٢). * * * [٣٥] * مسألة: الحج يجب عندنا وجوبا موسعا في جميع العمر (٣). وقال أبو حنيفة ﵀: يجب مضيقا على الفور (٤). والمسألة أصولية، فإنها مبنية على أن الأمر المطلق لا يقتضي أكثر من الامتثال على الاسترسال، إما في الحال وإما في المال (٥)، فإن الوجوب متلقى

стр. 95

من الصيغة، وقوله - تعالى -: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه﴾ [آل عمران: ٩٧] لم يدل بفحواه ومبناه على أكثر من إيجاد الفعل. وقال أبو حنيفة: الحج على الفور (١). ونقلوا عن أبي حنيفة أنه قال: كل ما لم تجدوا لي فيه نصا، فمذهبي فيه مذهب أبي يوسف. وقد تأيد مذهب الشافعي بالتوقيف؛ إذ قد صح أن فريضة الحج نزلت سنة خمس من الهجرة (٢)، ثم أخره ﷺ إلى سنة عشر، وكان مقيما بالمدينة لا مجاهدا، ولا مصدودا، ولا مشغولا بشيء يشغله عن الحج. * * * [٣٦] * مسألة: الصرور وهو: الذي لم يحج عن نفسه (٣)، إذا نوى الحج عن غيره، أو نوى النفل أو النذر؛ فإنه ينصرف إلى حجة الإسلام التي عليه (٤). وقال أبو حنيفة ﵀: يصح كل حج يؤديه على ما نواه، إلا أن يطلق

стр. 96

النية، فإنه ينصرف إلى حجة الإسلام عنه (١). والمسألة من جانبنا خبرية، والاعتماد فيها على الحديث الصحيح والنص الصريح الذي لا تأويل فيه، وهو ما رواه الحسن بن ذكوان (٢)، عن عمرو بن دينار (٣)، عن عطاء (٤)، عن طاووس (٥) عن ابن عباس، عن

стр. 97

النبي ﷺ أنه سمع رجلا يلبي عن شبرمة، فقال: «ويحك من شبرمة؟»، فذكر صديقا له، فقال: «أو حججت عن نفسك؟»، فقال: لا، فقال: «هذه عن نفسك، ثم حج [عن] (١) شبرمة» (٢). والقياس مع أبي حنيفة، فإنه يقول: الحج عندي (٣) لم يجب على التراخي، فإنه لم يتعين له زمان، وعندي وإن كان على الفور غير أن الزمان لم يتعين له، فإن هذه العبادة مقدرة بالفعل لا بالزمان، فجاز أن يوقع في ذلك الزمان غيرها كالصلاة، فإنه يصح أن يوقع في وقت الفرض النفل (٤). * * *

стр. 98

[٧] كتاب البيوع [٣٧] * مسألة: شراء الأعيان الغائبة لا يصح عندنا على القول المنصور في الخلاف (١). والقول الثاني وهو مذهب الخصم: أنه يصح، ويثبت للمشتري الخيار إذا رآه (٢). وفي بيع الأعيان الغائبة طريقان: إن قلنا: إن الشراء باطل، فالبيع أولى. وإن قلنا: يصح، ففي البيع (٣) قولان (٤). والفرق بين البيع والشراء: أن البائع مفرط؛ لأنه غير معذور في ترك الرؤية؛ إذ المبيع إما في يده أو يد نائبه، والمشتري معذور في ترك الرؤية؛ لكون المال ليس في يده، والمسألة متصورة فيما إذا ذكر جنس المبيع ونوعه مقتصرا، كقولك: بعتك عبدا تركيا أو ثوبا [هرويا] (٥).

стр. 99

ومأخذ النظر فيها: أن الجهل بوصف المبيع عندنا كالجهل بأصله، وأبو حنيفة فرق بينهما. وسبيل كشف الغطاء عن المأخذين أن نقول: لا خلاف أن الجهالات بأسرها مما لا يحتمل في عقد البيع، حتى لو قال: بعتك شيئا، أو بعتك ثوبا، أو بعتك بزنة هذه الصنجة، أو بما باع به فلان عبده، فإنه لا يصح العقد. ولا خلاف -أيضا- أن حقيقة العلم بالمبيع والاطلاع على خفاياه وزواياه مما لا يشترط، حتى يصح أن يشتري الجوهرة ممن لا يعلم حقيقتها، والثوب ممن لا يعرفه، فلا بد إذا من ضابط، ولا ضابط إلا الرؤية والعيان؛ لأنه أوفى مدارك العلم والإحاطة، وهو سبب حصول العلم، فاشترط الشافعي وجود سبب العلم لا حقيقة العلم؛ فإن في اشتراط حقيقة العلم مشقة يلزم من مشاقها أن لا يصح شراء الجوهرة إلا من جوهري، وشراء الثوب إلا من بزاز، والعبد إلا [من] (١) نخاس، وهلم جرا، وذلك يجر حرجا عظيما تفسد به أبواب المعاملات على الناس، وصار هذا كما قلنا في رخص السفر، فإنها في الأصل شرعت للمشقة، ثم لما كان ذلك يختلف ضبطناه بسببها، وهو السفر، وقلنا: الترخص يتعلق بالسفر وأعرضنا عن عين العلة، ثم الرؤية عند الشافعي ليست شرطا لعينها، بل لأن عدمها يؤدي إلى غرر وجهل بصفات المبيع المقصودة، وإذا ثبت أن الجهالات كلها لا تحتمل في العقد، والعلم حقيقة لا يشترط، حتى يعفى عن بعض الجهالات؛ فلا بد للجهالة من

стр. 100

ضابط، فنقول: الضابط في الجهالات المانعة: أن كل غرر مجتنب في مطرد الاعتياد؛ ليسهل تكلف إزالته إذا قارن العقد منع صحته، نظيره ما ذكرناه من المسائل. أما أبو حنيفة ﵀ فإنه يقول: الذي يقتضيه القياس الكلي والمعنى الواضح الجلي في البياعات؛ أن يعتمد على تراضيهما ومشيئتهما فيما يعقدان عليه، فإن الرضا هو الركن، قال الله - تعالى -: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء: ٢٩]، إلا أن الشرع قيد بعض التجارات بشروط وقيود، فاتبعنا موارده، وبقينا فيما لم يقيده على الاسترسال، واتباع قياس الرضا، وأقصى ما يؤثر فيه عدم الرؤية؛ الجهل [بالصفات] (١)، والجهل بالصفات لا يجوز أن يقدح في أصل العقد؛ لأن صفة العين تابعة للعين، وهي في حكم الفرع لها، وما كان في حكم الفرع لا يجوز أن يسلب لفواته أصل العقد، بل يجب أن يكون الحكم على وفق السبب لا يزيد عليه، فإذا جهل وصف المعقود عليه سلبنا العقد وصفه، وهو اللزوم، وإذا جهل أصل المعقود عليه أعدمنا أصل الصحة، وشبهوا هذا بما لو اشترى عبدين فتلف أحدهما قبل القبض، فإنه يسقط بقسطه من الثمن، ولو اشترى عبدا فسقطت يده قبل القبض لا يسقط شيء من الثمن لإمكان الوصف، والتابع لا يسقط لأجله ما يسقط بفوات ما هو أصل. وهذا الذي ذكروه باطل حكما ومعنى. أما حكما فبالسلم، فإنه لو أسلم إليه فيما لم تذكر صفته لا يصح، وكان

стр. 101

الجهل بالصفات مؤثرا في إبطال أصل العقد لا في صفته، ولا يقال بأن المعقود عليه الصفة؛ لأن الصفة قول الواصف، وقوله ليس معقودا عليه، بل المعقود عليه عين موصوفة تتعين في المحل، وفي مسألتنا المعقود عليه ما يتعين في الحال. وأما معنى فلأن الجهل بالصفة يتطرق الجهل بأصل المعقود عليه، ويورث النقصان فيه، وذاك أن المالية هي المعقود عليه، فإن ما لا مالية له لا يصح العقد عليه، وقوام المالية بالصفات، من حيث إن المالية تزيد بزيادتها، وتنقص بنقصانها، ففواتها يسقط جزءا شائعا من المالية كالثلث والربع، وليس هذا بتابع، بل هو أصل؛ إذ ليس جعل بعض المالية تابعا لباقيه بأولى من العكس، فدل أن جهالة الصفات تورث جهلا بالمعقود عليه (١). * * * [٣٨] * مسألة: خيار المجلس يثبت عندنا في عقود المعاوضات المحضة (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: لا أصل لخيار المجلس (٣). والمسألة من جانبنا خبرية، ومعتمد الشافعي فيها: الأخبار الصحيحة والنصوص الصحيحة (٤).

стр. 102

ومعتمد أبي حنيفة فيها: التمسك بوضع البيع ومبناه؛ فإنه على اللزوم دون الجواز، وقرروا هذا بأن للعوض تأثيرا في لزوم العقود، بدليل أن الهبة قبل القبض غير لازمة، وتلزم بالقبض، وكذلك الطلاق، قالوا: وفي مسألتنا أولى؛ لأن العوض في المسألتين دخيل، وهاهنا أصيل (١). ونحن نقول: هذا باطل؛ لأن قول القائل: بعتك أو ملكتك، وقول المشتري: اشتريت أو تملكت، ليس دالا على اللزوم قطعا، ولا تنبئ عنه الصيغة وضعا، بل البيع في نفسه قابل للجواز واللزوم جميعا، فهما صفتان له، ويدل على ذلك: جواز أن يوصل به الخيار باشتراطهما، ولولا أنه يفيد الجواز بأول وضعه لما قبل ذلك باشتراطهما، وإذا ثبت أنه قابل للجواز وجب انعقاده جائزا، إلا أن البيع سبب زوال المال، وقد يتعقبه الندم، والشرع ناظر للعباد، وللندم تأثير في اقتضائه، بدليل الإقالة المحثوث عليها وخيار الشرط. * * * [٣٩] * مسألة: خيار الشرط موروث (٢). وقال أبو حنيفة: لا يورث (٣). وصورته: أن يشتري شيئا بشرط الخيار ثم يموت قبل تصرم المدة

стр. 103

وانقضائها، فإن وارثه يقوم مقامه في الفسخ والإمضاء عندنا. وقال أبو حنيفة: الخيار باطل، والعقد لازم (١). ومأخذ النظر فيها: إلحاق الشافعي هذا الخيار بخيار الرد بالعيب بطريق الشبه (٢)، وذلك أن الأشباه المرعية من القضايا الشرعية تنقسم ثلاثة أقسام: شبه من حيث الخلقة، كـ[جزاء] (٣) الصيد، فإنه يشبه بمثله في الصورة. وشبه من حيث الحكم، كقول الشافعي: طهارتان فكيف تفترقان؟ (٤). وشبه من حيث المقصود (٥)، وهذا الشبه هو أقوى الأشباه وأعدلها وأحراها بالاعتبار وأولاها، وهاهنا قد [استوى] (٦) الحكمان في المقصود؛ فإن المقصود من كل واحد من الخيارين دفع الظلامة، واستدراك الغبينة، والـ[ثابت] (٧) بكل واحد منهما حق الفسخ والإمضاء. وأبو حنيفة يقول: الخيار ليس حقا ثابتا، بل حقيقة رأي وروية، واختيار ومشيئة، ورأيه صفة قائمة، وقد فاتت بفواته، بخلاف خيار العيب، فإنه متعلق بالعين من حيث إنه لا يثبت إلا لنقصان جزء من العين، أو نقصان

стр. 104

قيمة العين؛ لفوات صفة ترجع إلى العين، بخلاف خيار الشرط، فإنه لا يثبت لأمر يرجع إلى العين، ولا يتعلق بها، بل يفسخ لا لغرض أصلا (١). ونحن نقول: هذا عدول عن أوضاع الشرع وحقائقه، وذلك أن العقد صفة شرعية قدر بقاؤها شرعا، بدليل أن [المسلمين مجمعون] (٢) على أن العقد يفسخ ويقدر باقيا حتى يرد الفسخ عليه (٣)، وإلا فما كان يعقل فسخه، فهذا الحكم يدل [على] (٤) بقائه شرعا، والصفات الشرعية تتلقى من الآثار الشرعية، لا من القضايا العقلية؛ لأنا لو فتحنا باب العقليات، وبنينا عليها الشرعيات، لزمنا ما لا قبل لنا به، فإن الفقهاء يقولون: الحق في الذمة. * ولو قال قائل: ما الذمة؟، أهي شيء معقول طرفه يحله الحق ويودع فيه الدين؟. • قلنا: لا نتشاغل بهذا، بل يرجع فيه إلى الشرع. وأما الذمة عبارة عن التزام شرعي، فهي صفة شرعية أطلقناها (٥)، وكذلك صفة الحرية وصفة الرق، ليس هو شيء معقول يحل الشخص، إنما هذه الصفات عبارة عن أحكام شرعية، وكذلك القول في المنافع، لو فتش عنها لم يتخيل لها حقيقة، ثم هي مقدرة باقية، يرد العقد عليها وينتقل، وأسعد الناس بهذا أبو حنيفة؛ فإنه يقول: العقد يسري إلى الولد، حتى إن

стр. 105

الزوائد المنفصلة تمنع الرد بالعيب، والرهن يسري إلى الولد، حتى يكون الولد مرهونا (١)، فإن قدره باقيا وشراه فلم يقدر بقاؤه في حق الخيار حتى ينتقل إلى الوارث. * * * [٤٠] * مسألة: الملك في زمن الخيار ينتقل إلى المشتري بنفس العقد على القول المنصور في الخلاف. والقول الثاني: أنه لا ينتقل. ولنا قول ثالث: أنه يكون موقوفا، فإن تم العقد بينهما تبينا أنه انتقل، وإن لم يتم تبينا أنه لم ينتقل (٢). وقال أبو حنيفة: إن كان الخيار لهما أو للبائع لا ينتقل، وإن كان للمشتري وحده؛ خرج البيع من ملك البائع، ولا يدخل في ملك المشتري (٣). ومأخذ النظر فيها: أن حقيقة الخيار عندنا: ملك الفسخ، والبيع سبب منصوب لنقل الملك، بدليل ما لو خلا عن شرط الخيار، والشرط إذا دخل على السبب لا يخرجه عن كونه سببا عندنا، والإيجاب والقبول سبب ناقل يخرجه عن كونه سببا عندنا، والإيجاب والقبول سبب ناقل للملك، وحقيقة الخيار عندنا: ملك الفسخ، فلا يمنع إعمال السبب.

стр. 106

وقال أبو حنيفة: الشرط إذا دخل على السبب أخرجه عن كونه سببا، كما إذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فإن الطلاق لا يصير سببا للبينونة إلا مع شرطه، والخيار استبقاء ما كان له بالخيرة الأصلية، فإذا عقد استبقاء الملك لنفسه في الأيام الثلاثة، فيتخير في هذا الحكم بين أن يثبت وبين ألا يثبت في الابتداء بين أن يوجد العقد وبين ألا يثبت، كما يخير في الابتداء بين أن يوجد العقد وبين ألا يوجد (١)، وقد استقصينا تقرير المأخذين وإبطال مأخذ الخصم في تخريج الفروع على الأصول (٢). * * *

стр. 107

[٨] مسائل الربا [٤١] * مسألة: علة تحريم الربا في الأشياء الأربعة المنصوص عليها: [الطعم] (١) مع اتحاد الجنس عندنا، فالجنسية محل [تحريم] (٢) ربا الفضل، وليست أحد وصفي العلة (٣). وقال أبو حنيفة ﵀: العلة مركبة من وصفين، وهما الكيل والجنسية (٤). ومأخذ النظر فيها: اختلاف العلماء في حكم النص الوارد في باب الربا، و [هو] (٥) ما رواه عبادة [بن] (٦) الصامت [﵁] عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تبيعوا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين» (٧). إلى أن يوجد المخلص وهو التساوي

стр. 108

في المعيار الشرعي، والتعليل [بالطعم] (١) صالح؛ لأنه ينبئ عن مزية من حيث إن به بقاء الحيوان، فصار كالبطيخ، ولا يلزم على هذا إذا اختلفا جنسا؛ لأنه جاز للحاجة، وفي الجيد مع الرديء وإن وجد نوع حاجة، لكن الحاجة تندفع بهما، والمطعومات على اختلاف أجناسها أربعة: أقوات، وإدام، وفواكه، وأدوية، وفي الماء وجهان: وجه كونه مطعوما قوله - تعالى -: ﴿فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وقال أبو حنيفة: حكم النص إيجاب التماثل في الأموال الربوية كيلا أو وزنا، وعللوا ذلك بأن الكيل يحقق المماثلة صورة، والجنس يحققها معنى، فيظهر التفاوت بنفس التقابل، من حيث إن الأموال المنصوص عليها متساوية قطعا، ولهذا يضمن بالمثل جيدها ورديئها سواء بالنص، فإذا تحققت التسوية كانت العلة الجنس مع الكيل (٢). ونحن نقول: التعليل بالكيل متناقض؛ فإن أبا حنيفة قال: العلة في التحريم هي الكيل، والعلة في الخلاص من التحريم هي الكيل، فكيف يكون الشيء الواحد علة للتحريم وعلة الإباحة؟، وعلة الطعم غير متناقضة، فكانت أولى (٣). ثم يتفرع من فهم حكم النص أصلان من كل واحد من الجانبين: أحدهما: أن الأصل عند الشافعي تحريم بيع أموال الربا بعضها ببعض،

стр. 109

والإباحة عارضة عند وجود التساوي في المعيار الشرعي، والأصل عند أبي حنيفة إباحة البيع في [الأموال] (١) الربوية كما في سائر الأموال، والتحريم عارض عند وجود الفضل في الكيل أو الوزن (٢). والأصل الثاني: أن الأصل عند الشافعي تحريم كل فضل في أموال الربا؛ لأن الربا هو الزيادة، ومنه الربوة، وعندهم لا يحرم الفضل إلا في المعيار الشرعي (٣). * * * [٤٢] * مسألة: لا يصح بيع الحفنة من الطعام بالحفنتين، ولا بالحفنة عندنا (٤). وقال أبو حنيفة ﵀: يصح ذلك متفاضلا ومتساويا (٥). ومأخذ النظر فيها: اعتقاد الخصم أن العلة في جريان الربا في البر كونه مكيلا، فما لا يكال لا ربا فيه، والحفنة مما لا يجري فيها الكيل عادة، فلا ربا فيه (٦). واعتقاد الشافعي أن العلة هي الطعم، وهذا مطعوم (٧)، وهكذا الخلاف

стр. 110

في بيع جوزة بجوزتين، وبطيخة ببطيختين، إلى نظائره. * * * [٤٣] * مسألة: [علة الربا] (١) في النقدين جوهرية الأثمان عندنا، ولا نقول: الثمنية كما قال الجمهور؛ فإن الربا يجري في الحلي، وكل موضوع من الذهب والفضة، وليس ذلك بثمن، وهذه علة قاصرة على النقدين (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: العلة فيهما الوزن مع الجنس، فيتعدى التحريم إلى كل موزون بيع بجنسه متفاضلا، أو نسيئا متساويا، كالحديد والرصاص والنحاس (٣). ومأخذ النظر فيها: أن الحكم في محل النص يثبت عند الشافعي بالنص، لا بالعلة المستنبطة من النص، فجاز أن تكون العلة مقصورة على محل النص (٤). وعند أبي حنيفة ﵀ يثبت بالعلة لا بالنص (٥). وهذه مسألة أصولية: وهو الكلام في إثبات أصل العلة القاصرة وصحتها (٦)، فنحن جعلنا المقصود علما، وقلنا: المقصود من هذين
следующие страницы →