* فإن قالوا: فما ذي بعلل تحرم النكاح.
• قلنا: الصحيح أنه غير معلل، وإن عللنا فيما أشار إليه صاحب الشرع، قال ﷺ : «اغتربوا ولا [تضووا]» (١)(٢)، معناه أن في القرابة ألفة واستدامة عشرة وخلطة دائمة لغير الشهوة، و [تقل] (٣) الدواعي، فيظهر الله الولد نضوا (٤) ضئيلا، فأمر بالاغتراب لهذا المعنى، وهو تقوية الولد، لا لما ذكروه من الابتذال (٥).
* * *
[٢٠٢] * مسألة:
إذا قال لعبده الذي هو أكبر سنا منه: أنت ولدي، أو لعبده الذي هو أصغر سنا منه: هذا أبي، لم يعتق (٦).
стр. 632
وقال أبو حنيفة: يعتق، ولا يثبت بسته (١).
ومأخذ النظر فيها: أن المجاز عندنا خلف عن الحقيقة في الحكم، [فلا يدعى] (٢) تصور الحقيقة في نفسها.
وعند أبي حنيفة ﵀ المجاز خلف عن الحقيقة في التكلم والنطق، لا في الحكم، بل المجاز أصل بنفسه، وزعم أن اللفظ إذا وجد وتعذر العمل بحقيقته، وله مجاز متعين؛ صار [مستعارا] (٣) بحكمه بغير نية، كما قال في النكاح بلفظ الهبة.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه أن نقول: الأصل بناء الأحكام على الحقائق اللغوية دون الألفاظ، غير أن المجاز أقيم مقام الحقيقة؛ لقربه منها اتساعا في النطق، وشرط ثبوت الحكم في الخلف إمكان ثبوته في الأصل.
واحتج الخصم بأن صحة التكلم والنطق لا يتوقف على احتمال الحكم، بدليل ما لو قال لزوجته: أنت طالق ألفا إلا تسعمائة وتسعة وتسعين، فإنه يقع عليها طلقة، وإن كنا نعلم أن إيقاع ما زاد على الثلاث من طريق الحكم غير ممكن، لكن لما كان من حيث التكلم صحيحا صح، إذا ثبت هذا قالوا: [البنوة] (٤) سبب للعتق، والتعبير بالسبب عن المسبب إحدى جهات المجاز، فكان قوله: أنت أبي، كقوله: عتقت علي حين ملكتك، نعم كون
стр. 633
[البنوة] (١) سببا [للعتق] (٢) متلقى من الشرع، كما أن كون السحاب سببا للمطر متلقى من دليل العقل، وكون المسيس سببا للوطء مأخوذ من العرف، لكن بعد أن ثبتت السببية بين سببين تلقينا من إطلاق اللسان التعبير بالسبب عن المسبب، قالوا: ولا ننكر أن البنوة لم تثبت حقيقة ثبتت حكما للبنوة؛ إذ لو كان كذلك لكان حقيقة لا مجازا، لكنا جعلناه بذكر السبب ذاكرا للمسبب، فيحصل العتق بلفظه؛ لأن من استعار لفظا في غير موضعه، فالمذكور حكما هو المستعار دون اللفظ، فيتعين المصير إليه؛ صونا لكلام العاقل المكلف عن الإلغاء، فإنه واجب بقدر الإمكان.
* والجواب:
قولهم: إنا نعتبر اللفظ بطريق المجاز، كلام لا حاصل له؛ لأن العتق حكم البنوة شرعا لا لغة، والمعاني اللغوية لا تعرف بالأحكام الشرعية؛ لأن اللغة سابقة، والشرعية لاحقة، ويستحيل تلقي اللغة السابقة من غير الشريعة اللاحقة.
* فإن قالوا: هو جائز أن يعني به في الجملة، ويعبر عنه.
قلنا: مسلم، ولكن أين دليل القصد والغاية؟، وهذا لا يسلم أن الرجل إذا قال لعبده: أنت ابني، وقصد به العتق كان كناية صحيحة، ولو فسر كلامه هاهنا قبل، وإنما النزاع فيما إذا أطلق، ولم ينو، أو نوى الحقيقة.
وأما مسألة الطلاق فلم يصح استثناء الطلقة من الألف، وإنما صح
стр. 634
استثناء الطلقة من ثلاثة، وقوله فيما زاد على الثلاث هذيان ولغو.
* فلئن قالوا: يلزمكم ما إذا قال لمعروف النسب: هو ابني، فإنه يعتق عليه، وإن لم يثبت نسبه منه.
• قلنا: يمنع على أحد الوجهين، ونقول: لا يصلح العتق - أيضا ـ، وعلى التسليم نقول: الفرق بينهما: أن هاهنا أقر بما هو ممكن؛ لأن الإنسان يقع فيها الأشياء (١)، فرب مولود يشتهر بالنسبة إلى شخص، وفي علم الله من آخر، فإذا قال: هذا ابني، يمكن أن يكون منه، فما أقر بما يقطع [ببطلانه] (٢)، بخلاف ما نحن فيه، فإنه أقر بما يقطع ببطلانه قطعا (٣).
* * *
[٢٠٣] * مسألة:
إذا أعتق شقصا له في مملوك، فإن كان مؤسرا سرى إلى نصيب شريكه، وغرم له القيمة، وإن كان معسرا نفذ العتق في نصيبه، ولا يسري إلى نصيب شريكه، بل يبقى على حكم الرق، لا يختلف القول فيه.
ومتى يحكم بسرايته في صورة الموسر، فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يسري بنفس اللفظ.
والثاني: يسري بدفع القيمة.
стр. 635
والثالث: أنه يكون موقوفا، فإن دفع القيمة تبينا أنه عتق من حين اللفظ، وإن لم يدفع تبينا أنه لم يعتق (١).
وقال أبو حنيفة ﵀: العتق لا يسري بحال، موسرا كان المعتق أو معسرا، وإنما يستحق إعتاق النصيب الآخر.
فإن كان المعتق معسرا كان شريكه بالخيار من أن يعتق نصيب نفسه، ويكون الولاء بينهما، وبين أن يستسعيه في قيمة نصيبه، فيجب عليه أن يسعى ويكتسب ليخلص نفسه، فإذا أداها إليه عتق.
وإن كان موسرا، كان شريكه مخيرا بين ما ذكرناه، وبين أن يغرم شريكه المعتق قيمة نصيبه، فيكون جميع ولائه لشريكه، ويرجع شريكه بما غرمه في سعاية العبد، فيستسعيه، وهكذا إذا أعتق شقصا من عبد نفسه، فإن السيد يستسعي العبد في أداء قيمته عنده (٢).
وجملة الأمر: أن النزاع بيننا وبينهم في ثلاثة فصول:
أحدها: إثبات أصل السراية.
الثاني: إبطال أصل السعاية.
الثالث: التفرقة بين الموسر والمعسر في السراية.
ومأخذ النظر في الفصول الثلاثة: أن العتق هل يقبل التجزؤ أم لا؟.
فعندنا يتجزأ، وعندهم لا يتجزأ، ولا يتصور نفوذ العتق في البعض
стр. 636
دون البعض.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه: النص، والمعنى.
أما النص فما خرجه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحهما عن النبي ﷺ أنه قال: «من أعتق شركا في عبد، فإن كان موسرا فعليه خلاصه، وإلا فقد عتق منه ما عتق، ورق منه [ما] رق» (١)، وفي لفظ آخر: «فإن كان معه وفاء [لقيمته] (٢) قوم عليه، وإلا فقد عتق منه ما عتق، ورق منه [ما] رق» (٣)، فالحديث نص في تجزئة العتق، والتفرقة بين الموسر والمعسر، وسياقه دليل على نفي الاستسعاء، وليس لهم على الحديث كلام سوى أنهم عارضوا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من أعتق شركا في عبد؛ استسعي العبد غير مشقوق عليه» (٤).
стр. 637
* والجواب من وجهين:
أحدهما: أن [لفظ] (١) السعاية لم يصح، بل تفرد به سعيد بن أبي [عروبة] (٢) عن قتادة (٣)، والحفاظ من أصحاب قتادة كهشام الدستوائي (٤) وشعبة (٥) وغيرهما لم يرووه.
стр. 638
الثاني: أنا نحمله على السعاية برضاه، ودليل هذا التأويل: قوله: (غير مشقوق عليه)، وعندكم يستسعى، شق عليه أو لم يشق.
وأما الدليل على كون العتق قابلا للتجزؤ [فهو] (١) أن العتق عبارة عن إزالة الملك، والملك قابل للتجزؤ، بدليل: ما لو باع بعض العبد، فإنه يصح، وإذا كان قابلا للتجزؤ في الثبوت كان قابلا للتجزؤ في الإزالة، بدليل شهادة الطرد والعكس.
* فإن قالوا: الدليل على أن الرق لا يتجزأ ثبوتا هو: لو أن الإمام أراد ضرب الرق على بعضه فإنه لا يصح، وإذا لم يتجزأ ثبوتا فلا يتجزأ زوالا.
الثاني: أن تبعيض الرق يؤدي إلى فساد الأحكام وتناقضها؛ فإن الحرية تقتضي أن يكون شاهدا، والرق يقتضي ألا يكون، وكذلك الولايات وسائر الأحكام.
الثالث: أن الرق ضعف، والعتق قوة، والضعف والقوة لا يجتمعان.
стр. 639
* والجواب:
* قولهم: إن الإمام لو أراد ضرب الرق على بعضه فلا يصح.
• قلنا: لا نسلم، بل يتجزأ إذا رأى الإمام ذلك.
وأما إفضاؤه إلى تناقض الأحكام، فممنوع - أيضا ـ؛ فإن الأحكام المختصة بكمال الحرية لا تثبت عندنا ما لم تكمل كالشهادة، والولاية، وإنما يثبت ما لا يفتقر إلى كمال الحرية، كالبيع والشراء والتصرفات المالية، ولا يملك ذلك عندنا؛ لكونه جزءا، بل لكونه آدميا، وإنما امتنع أن يملك ذلك إذا كان رقيقا محافظة على حق السيد، ولو أذن له المالك، وكذا لو كاتبه.
وأما الدليل على إبطال السعاية من حيث المعنى [فهو] (١) أن إجبار العبد على تحصيل مال العتاقة مما لا نظير له في الأصول، ولا يدل عليه معنى معقول، فإن هذا العبد لم يباشر العتق، ولم يتسبب إليه، والأصل في الضمانات كلها العتق والإتلاف وغيره أن يجب الضمان على من باشر أو تسبب، [والمباشر] (٢) والمتسبب هو المعتق، فينبغي أن يجب الضمان على العبد؛ لأنه احتبس حق الغير عنده، وصار بمنزلة ما لو أطارت الريح ثوبا لإجانة (٣) صباغ، فانصبغ الثوب، فإنه يجب ضمان الصبغ على صاحب
стр. 640
الثوب، ولم يباشر، ولم يتسبب؛ لاحتباس حق الغير عنده، كذلك العبد المعتق.
• قلنا عنه جوابان:
أحدهما: منع الاحتباس، فإنه متمكن من البيع والهبة وغيرهما من التصرفات، ويمكنه الانتفاع بالبعض الشائع بطريق المهايأة كما قبل العتق.
الثاني: أن هذا الاحتباس أمر شرعي، لا صنع للعبد فيه، فما وجه مؤاخذته به وإيجاب الضمان عليه؟.
وأما مسألة الصباغ فممنوعة، قال الشافعي: إذا ترك الثوب في موضعه من غير تقصير ولا تفريط، فهبت به الريح إلى إجانة صباغ، قلنا للصباغ: ضائع خلفك (١)، وإن سلمناها فنقول هناك: جعلناهما شريكين، فإذا بيع الثوب كان قيمة الثوب لصاحبه، وزيادة الصبغ (٢) للصباغ [لا أن] (٣) نوجب على صاحب الثوب شيئا (٤).
* فإن قالوا: أنتم بين أمرين: إما أن تقولوا: العتق يتبعض أو لا يتبعض، فإن لم يتبعض، ويقع في [المحل] (٥) جملة واحدة، فينبغي ألا يفرق في
стр. 641
ذلك بين الموسر والمعسر.
• قلنا: هذا الذي ذكرتموه هو القياس، وطالما تردد القول في القياس يقتضي ألا يسري العتق من محل إلى محل، ولا يتعدى تصرف الإنسان محل ملكه، غير أنا سرينا العتق [حكما] (١) من جهة الشرع للحديث الذي رويناه (٢).
* * *
[٢٠٤] * مسألة:
بيع المدبر جائز عندنا بكل حال، مطلقا كان التدبير أو مقيدا (٣).
وقال أبو حنيفة ﵀: التدبير المطلق يمنع البيع، وهو أن يقول: إن مت من مرضي هذا فأنت حر، وأما التدبير المقيد فلا يمنع البيع، وهو أن يقول: إن مت من مرضي هذا فأنت حر أصيل (٤).
ولا خلاف في أن المعلق عتقه بصفة لا يمنع بيعه، وأن الدين إذا كان يستغرق جميع التركة يباع المدبر في قضائه.
ولا خلاف - أيضا - في أنه يعتبر خروجه من الثلث حتى لو دبر في حال الصحة، ومرض ومات لا يعتق، إلا أن يخرج من الثلث (٥).
стр. 642
واعلم أن المسألة لنا فيها [نص] (١) ومعنى لا متعلق للخصم فيهما.
أما [المعنى] (٢) فلأن المدبر لا يخلو إما أن يكون قد استحق العتق في الحال، فهو تعليق عتق بصفة؛ لأنه إسقاط مضاف إلى ما بعد الموت؛ إذ لا فرق بين قوله: أنت حر بعد موتي، وبين قوله: أنت حر بعد طلوع الشمس، وذلك غير مانع من البيع وفاقا، سواء كانت الصفة متحققة الوجود كطلوع الشمس، أو متوقعة الوجود، كقدوم زيد، ونزول غيث.
* وإن قالوا: قد استحق العتق في الحال فهو محال؛ بدليل أنه لا يعتق حتى يخرج من الثلث، ويتخلص من الدين، ولو كان قد استحق العتق في الحال لعتق بكل حال، كأم الولد.
وحاصل الأمر أن التدبير لا يعدو قياسين، إما أن يكون بمنزلة التعليق بصفة، أو بمنزلة الوصية بالعتق، فكلاهما غير مانع من البيع، فإنه لو قال: وصيت بعتقه، فأعتقوه بعد موتي لا يمتنع بيعه في الحال.
* فإن قالوا - وهو مأخذهم: التدبير عندنا وصية، غير أن الوصية إيجاب خلاصه بعد الموت، فكأنه أقامه مقامه في الحرية والإيجاب على قدر الموجب، فإن كان الموجب مما يقبل الفسخ كان الإيجاب - أيضا - كذلك لا يقبل الفسخ، وما نحن فيه عقد عتاقة، وكذلك لا يقبل الفسخ، فكان الإيجاب على قدره لا يقبل الفسخ، ونظيره الاستيلاد.
стр. 643
* والجواب:
• قلنا: دليل قبوله للفسخ: اعتبار خروجه من الثلث، وخلاصه من الدين.
* فإن قالوا: التدبير عقد عتاقة مطلق، يستحق به العتق بموت السيد على الإطلاق، فأشبه الاستيلاد.
• قلنا: لا يسلم الإطلاق، بل هو موقوف على خروجه من الثلث، وخلاصه من الدين ثبت بذلك أن لا متعلق للخصم في هذه المسألة من حيث المعنى.
وأما بيان أن لا متعلق له من حيث النص فما رواه أبو عيسى الترمذي عن أبي (١) عن سفيان (٢)، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله [﵄] أن رجلا من الأنصار يقال له: أبو مذكور، كان له قبطي، فدبره، فمات، فبلغ
стр. 644
النبي ﷺ ، فباعه، فاشتراه نعيم بن النحام (١)، وقال ﵇: «إذا كان أحدكم فقيرا، فليبدأ بنفسه، فإن كان معه فضل فبعياله، فإن كان له فضل فليتصدق على غيرهم» (٢)، قال الترمذي: هذا حديث صحيح (٣)(٤).
* * *
стр. 645
[٣٢] مسائل الكتابة (١)
قال الشافعي ﵁: صارت هذه الصيغة لاحقة بالعقد؛ أخذا من: كتبت الكتاب له بالتنجيم، يقال: عقد كتابة، وإنما سمى نجوم الكتابة نجوما لأن العرب في جاهليتها ما كانت تعرف الحساب، وكانوا يؤجلون ما يؤجلونه بنجوم الأنواء، فيقول: محله طلوع الثريا مثلا (٢).
وهي مستحبة غير واجبة؛ لأن الله أمر بها بعد حظرها، فأفاد الإباحة دون الوجوب (٣).
وذهب داود (٤) وأهل الظاهر إلى أنها واجبة إذا دعا العبد سيده إلى
стр. 646
كتابته على قيمته، فأما على أقل منها فلا تجب (١).
وحقيقتها: عقد مشتمل على معاوضة وتعليق، حتى لو قال: كاتبتك على كذا، ولم يقل: إذا أديت فأنت حر لا تصح عند الشافعي، غير أن المغلب في الصحيحة حكم المعاوضة بدلالة أن المعاوضة لا بد من ذكرها، وبيان قدر العوض فيها، وأما الصفة فلو لم يكن بد من ذكرها كالمعوض والمغلب في الفاسدة [فـ] حكم التعليق على ما سيأتي (٢).
* * *
[٢٠٥] * مسألة:
من شروط الكتابة الصحيحة: أن تكون منجمة، فلا تصح الكتابة الحالة عند الشافعي ﵀ (٣).
وقال أبو حنفية ﵀: [تصح حالة] (٤).
ومأخذ النظر من جانبنا الصحابة [رضوان الله عليهم أجمعين - ومن بعدهم من علماء الأعصار] (٥) وفقهاء الأمصار، وذلك [أنهم] (٦) كاتبوا عبيدهم، وحرضوا (٧) عليه، ونقل عنهم ذلك نقلا مستفيضا، ولم ينقل عن
стр. 647
أحد منهم أنه كانت كتابته حالة، ولو كان كذلك مما [له] (١) وجه جواز لما خلت الأعصار عن نقل واحد، مع توفر عددهم، وكثرة كتابتهم، حتى إنه لكثرة ما وردت عنهم الكتابة، اعتقد بعض العلماء أنها واجبة، وهو مالك، حتى قال: إذا لم يكاتب عبده مع توسم الخير فيه؛ كاتبه الحاكم (٢).
ثم لا يكفي التأجيل عندنا، بل لا بد من التنجيم، وأقله نجمان فصاعدا؛ لأن أقل من كاتب على نجمين هكذا [رواه عثمان] (٣) بن عفان ﵁ أنه قال لعبده لما ألح عليه في طلب الكتابة: «والله لأضيقن عليك، ولأكاتبنك على نجمين» (٤)، ولو كانت الكتابة على نجم أو أقل لذكره عثمان عند غضبه وقصد عقوبة عبده.
وإذا ثبت ورودها عن الأولين كذلك، قالوا: وجب علينا أن نتبع ولا نبتدع (٥).
* فإن قالوا: فنحن نلحق الحالة بها، ونقيسها عليها.
стр. 648
• قلنا: هذا باطل؛ فإن الكتابة عقد شرع على خلاف القياس المقتبس من المعاوضات، فإنه عقد على ملكه بملكه، وعاوض ماله بماله، فإن الرقبة له والاكتساب له، ومعلوم أن معاملة الإنسان مع ماله مما لا يقتضيه القياس، وإذا وردت على خلاف القياس على وجه معين وهو التنجيم، فاطراح ذلك الوجه كاطراح الأصل، والسر فيه هو أن الأصل فيها شرع رخصة وإرفاقا من حيث إنه عقد معاوضة قارنه العجز عن تسليم المعقود عليه؛ لأنه عبد مملوك لا يقدر على شيء، ولا يملك شيئا، فهو عاجز في الحال، وفي شرعها حالة اطراح لهذا المعنى بالكلية.
* فإن قالوا: فالأجل في السلم يقصد منه الرفق والاسترخاص، وقد جوزتموه حالا، فقد أسقطتم المعنى المقصود؟.
• قلنا: عندكم لا يجوز حالا، وعندنا السلم بيع، قال الشافعي: السلم صنف من البيع، والإجارة صنف من البيع، فهو معاوضة على الحقيقة، والأصل في المعاوضة المقابلة هناك، وإنما جوز مؤجلا رفقا، فالمعاوضة هناك هي المقصودة، والرفق دخل تبعا، وفي الكتابة الرفق هو المقصود، والمعاوضة تبع، فافترقا.
* فإن قالوا: إذا كنتم تتبعون ما ورد به الشرع فحسب، فكيف ألحقتم الكتابة الفاسدة بالصحيحة.
• قلنا: معاذ الله، نحن ما قسنا [الفاسد] (١) على الصحيح، وإنما وقع
стр. 649
الإجماع على أن الحكم الفاسد حكم [الصحيح] (١) في حصول العتق.
ووقع الخلاف في كيفية العتق، وبماذا يحصل، فمنهم من قال: يعتق بحكم الصفة، ومنهم من قال: يعتق بحكم المعاوضة، فأما أن يكون ذلك بطريق القياس فكلا.
* فإن قالوا: العجز الذي ذكرتموه إنما عجز عن الثمن، والثمن تابع، وليس بأصل في العقد، وإنما ركن العقد هو الثمن، والعجز عن التابع لا يوجب قدحا في العقد، بدليل المفلس، فإنه يجوز أن يشتري في ذمته بما شاء كيف شاء، وهو عاجز عن فلس واحد، وعلى هذا بنى أبو حنيفة أن المشتري إذا أفلس بالثمن لا يفسخ العقد (٢).
* والجواب:
نقول: هذا غير صحيح، بل الثمن والمثمن كلاهما ركنان مقصودان بالعقد، وتعذر كل واحد منهما يوجب فسخ العقد، على ما بيناه في مسألة إفلاس المشتري، والذي نزيده هاهنا، وهو أقرب نظير لما نحن فيه: المكاتب إذا عجز عن أداء النجوم، فإنه يفسخ الكتابة، وذلك ثمن، وتابع على ما تدعون، ثبت بذلك بطلان التعليل بما ذكروه.
* فإن قالوا -وهو مأخذهم-: المقصود من الكتابة ملك اليد، وفك الحجر؛ ليتمكن من الاكتساب والاستقلال بالتصرفات والمعاملات، وهذا
стр. 650
قدر وتعجل، فينبغي أن نتعجل العوض، ولا تسوية بين المتعاقدين، وإنما جوزنا تأجيله رفقا وتسهيلا.
• قلنا: لا نسلم، بل المقصود من الكتابة عتق الرقبة على ما سيأتي، وعتق الرقبة غير مستحق في الحال، بل عند أداء النجوم (١).
* * *
[٢٠٦] * مسألة:
إذا مات المكاتب انفسخت الكتابة عندنا، ومات رقيقا بكل حال، سواء خلف وفاء أو لم يخلف، ويرق أولاده، ويسلم ما كان في يده من المال لمولاه (٢).
وقال أبو حنيفة ﵀: إن خلف وفاء لم تنفسخ، بل تؤدى عنه نجومه، ويحكم أنه عتق من آخر جزء من أجزاء حياته، ويكون ماله لورثته إن كان له مناسب، وإن لم يكن له مناسب كان لمولاه، وإن لم يخلف وفاء وله ولد، وإن لم يكن له مناسب كان لمولاه، وإن لم يخلف وفاء ولا ولد انفسخت الكتابة، ومات رقيقا (٣).
ولا خلاف أن السيد المكاتب إذا مات لا تنفسخ الكتابة بموته (٤).
وللمسألة مأخذان:
* أحدهما: أن عقد الكتابة عندنا ليس بلازم من جهة العبد، بل له أن
стр. 651
يمتنع من الأداء متى شاء، وهل له أن يفسخ الكتابة؟، فيه وجهان.
وعند أبي حنيفة هو لازم من جهة العبد، كما هو لازم من جهة السيد، فإذا كان معه مال يفي بما عليه أجبر على أدائه، وليس له الامتناع، ولا يجوز للمولى فسخه إلا عند إفلاسه.
* المأخذ الثاني: أن المعقود عليه في عقد الكتابة عندنا رقبة العبد المكاتب، وقد مات [قبل] (١) أن تخلص له، وعندهم: ملك اليد وفك الحجر عنه ليتمكن من الاكتساب.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه أمور:
منها: إضافة العقد إلى ذاته، فإنه يقول: كاتبتك، ومحل العقد ومورده ما يضاف العقد إليه.
الثاني: زوال الملك عن الرقبة بأداء النجوم.
الثالث: الرجوع إلى قيمتها عند فساد العقد؛ وهذا لأن المعقود عليه في كل عقد ما يصار إليه عند فساده، ومن المعلوم أن في الكتابة الفاسدة إذا حصل العتق رجع إلى قيمة رقبته لا إلى قيمة اكتسابه.
وإذا ثبت أن المعقود عليه هو الرقبة، فإذا فاتت قبل حصول المقصود بطل العقد، وارتفع، كهلاك المبيع قبل القبض.
* فإن قالوا: وهو مأخذهم: الدليل على أن المعقود عليه ملك
стр. 652
اليد، [وفك] (١) الحجر ليحصل الاكتساب أمران:
أحدهما: أن المقصود من كل عقد ما يتحصل ذلك العقد، والذي يتعقب عقد الكتابة هو ملك اليد، فدل أنه المقصود بالعقد.
الثاني: تمكن السيد من المطالبة بالنجوم في الحال؛ لأن العوض إنما يستحق على من يسلم له العوض، والمكاتب لم يسلم له نفسه في الحال، وحيث استحق عليه العوض، وطولب به، دل أن المعقود عليه ملك اليد، وفك الحجر عنه؛ لأنه الذي سلم له، فكان العوض في مقابلته.
* والجواب:
نقول: المعلوم من وضع الشرع وقصد المتكاتبين أن المقصود من الكتابة هو العتق، وما يراد قط إلا لهذا الغرض، فأما ملك اليد، والاكتساب [فـ] إنما ثبت ذريعة ووسيلة لتحصيل هذا المقصود؛ لأنه مراد لنفسه، وأي فائدة في ذلك؟، فمن عذيرنا ممن يجعل الذريعة مقصودا، والمقصود تابعا؟.
* وقولهم: إن حكم العقد ما يعقبه ملك اليد دون العتق.
• قلنا: لأجل هذا خالفت الكتابة سائر العقود والمعاوضات؛ لأن مقصودها تراخى عنها، وهو العتق، وتعقبها ما ليس بمقصود، رخصة من الشرع؛ ليحصل مقصود العتق.
* فإذا قالوا: فلا نسلم أن المقصود قد فات بموت المكاتب؛ إذ يمكننا أن نقول: يعتق بعد الموت، ونضيفه إلى آخر جزء من آخر حياته، كما لو
стр. 653
حفر بئرا في محل عدوان حال حياته، [و] كما لو نصب شبكة في حال حياته فتعلقت بها ظبية بعد موته، فإنها تدخل في ملكه بعد الممات مستند إلى حال الحياة، بدليل أنه يقضى منها ديونه، وتنفذ وصاياه.
• قلنا: إن نفوذ العتق في الميت محال؛ لأن أثره إما في زوال الملك [أو الرق] (١)، فإن كان مؤثرا في زوال الملك فالميت ليس محلا للملك، فإنه جيفة مستحيلة، لا مالية لها، ولا انتفاع بها، وإن كان مؤثرا في زوال الرق، فالرق عبارة عن ضعف شرعي، فهي المحل لقبول الملك، ويقدر وجوده فيه لحلول الملك، وقد دللنا على استحالة قبوله للملك، فيمتنع تقديره؛ لعدم الحاجة إليه.
* وقولهم: تحصل مستندا إلى آخر جزء من أجزاء حياته.
• قلنا: باطل؛ لأنه يلزمه من ذلك تقديم الحكم على سببه، أو تقديم المشروط على شروطه؛ لأن أداء النجوم إما سبب لحصول العتق، أو شرطه، وكل واحد منهما ممتنع.
* فلئن قالوا: نثبته في الحال، ونسنده إلى زمان الحياة.
• قلنا: لو كان محلا للحرية بالحياة المقدرة لاستقرار العتق فيه، ولم يستند إلى ما تقدم؛ لأن ما صلح للإثبات صلح للإبقاء؛ إذ الإبقاء أسهل من الإنشاء، فحيث لم يحكم باستقرار العتق وبقائه، دل أنه لا يصير محلا بتقدير الحياة فيه.
стр. 654
وأما مسألة حفر البئر فغير لازمة؛ لأنا لا نقول باستناد الحكم إلى حال الحياة، بل نقول: يجب الضمان بعد الموت ابتداء، فإن المضمون قد يكون ممن لم يلحق في تلك الحال.
* فإن قالوا: كيف يجوز إيجاب الضمان ابتداء بعد الموت؟.
• قلنا: يجوز؛ لأن سببه قد وجد كاملا في حال الحياة، فلا يمكن إضافة الحكم إلى تلك الحال.
وأما مسألة الطبية عندنا [فـ] تحصل على ملك الوارث ابتداء، وقضاء ديونه، وتنفيذ وصاياه منها لا ينافي ذلك، فإن الصحيح من مذهبنا أن الدين لا يمنع انتقال التركة إلى الورثة، بل ينتقل إليهم، ثم يقضون الدين عنه مما كان له.
ثم جميع ما قرروه في دعوى الاستناد يبطل بحكمين لازمين:
أحدهما: لو قتله قاتل وجب عليه القيمة دون الدية، ولو مات حرا [لضمن بالدية لا بالقيمة.
الثاني: لو أوصى بشيء لغيره ومات لا تصح وصيته، ولو مات حرا] (١) لصحت وصيته.
* فإن قالوا: مبنى عقود المعاوضات على التسوية بين المتعاقدين، ومعلوم أن بموت السيد لا تنفسخ الكتابة، فكذلك بموت العبد، ويقدر العتق بعد الموت كما هو موجود في جانب العبد موجودا في جانب السيد، فإنه
стр. 655
قال: إذا أديت إلي فأنت حر، ضاق الأداء إليه، وقد تعذر ذلك بموته، ولم يمتنع ثبوت المشروط بالإجماع.
• قلنا: أهلية السيد لم تبطل بموته؛ لأن الأهلية تعتبر حالة انعقاد السبب، لا حالة ثبوت الحكم، بدليل أنه لو علق عتق عبده على دخول الدار، ثم جن، ودخل الدار حصل العتق، مع أن السيد ليس أهلا حال ثبوت الحكم، إذا ثبت ذلك فالسيد قد كان أهلا [حالة] (١) انعقاد السبب، وما بعده لا عبرة به، فقلنا: لا تنفسخ الكتابة، أما المكاتب إذا مات فقد خرج عن كونه محلا للحكم، وهو الحرية، والحياة معتبرة حالة ثبوت الحكم، وقد فاتت بالموت، فانفسخ العقد لفوات محله.
وأما التعليق وإضافة الأداء إليه فغير مقصود في نفسه، وإنما المقصود إسقاط النجوم عن ذمته، بدليل أنه لو أبرأه عن النجوم عتق، وإن لم يرد إليه شيئا (٢).
* * *
[٢٠٧] * مسألة:
إذا استولد أمة الغير بنكاح، فالولد رقيق بلا خلاف (٣).
فإن اشترى الأم والولد يوما من الدهر، فعند الشافعي لا تصير أم ولد له (٤)
стр. 656
وقال أبو حنيفة: تصير أم ولد له (١).
أما الولد فيعتق عليه؛ لأن الابن يعتق على أبيه (٢).
أما إذا وطئ أمة الغير بشبهة، فأتت بولد، فالولد حر وفاقا (٣).
فإذا اشترى الأمة هل تصير أم ولد أم لا؟.
فيه قولان للشافعي ﵁، ولو وطئ أمة زنا، فأتت بولد، فالولد رقيق، ولو اشتراه الزاني بعد ذلك لا يعتق عليه عندنا (٤).
وقال أبو حنيفة ﵀: يعتق عليه (٥).
أما [الأم] (٦) المزني بها إذا اشتراها لم تصر أم ولد إجماعا (٧).
واعلم بأن الصحيح من مذهبنا أن حرمة الاستيلاد في الملك، وهو موضع الإجماع غير معلل؛ لأن هذا الإنسان انتفع بملكه واستنماه، وأخذ ريعه وفوائده، فالقياس يقتضي أن يتقرر ملكه، لا أن يزول أو يتشعب، ولهذا يحل وطؤها، والوطء لا يحل في ملك متشعب، وإنما صرنا إلى ذلك للنص والإجماع.
стр. 657
أما النص فقوله ﷺ في مارية حين ولدت إبراهيم: «أعتقها ولدها» (١).
وأما الإجماع فما روي أن عليا - كرم الله وجهه -قال على المنبر: «كان رأيي ورأي أبي بكر وعمر في أمهات الأولاد ألا يبعن، وأرى الآن أن يبعن، فقام إليه عبيدة السلماني (٢)، فقال: أمير المؤمنين رأيك مع الجماعة [أحب إلينا] (٣) من رأيك وحدك، فقال: إن الأعور السلماني لفقيه» (٤) إشارة
стр. 658
إلى رده إلى الإجماع (١).
وإذا لم يكن معللا وجب الاقتصار على محل الإجماع، وهو الاستيلاد في الملك، ومن تشوف إلى التعليل من أصحابنا علل ذلك بحرية الولد دل عليه، إنما قوله ﷺ : «أعتقها ولدها» (٢) فإنه دل على أن عتق الأم تابع لعتق الولد، وإذا لم يكن الولد حرا لم تكن هي حرة (٣).
* فإن قالوا - وهو مأخذهم: حرمة الاستيلاد في ذلك الملك إنما ثبتت لأنه صار بين الواطئ والموطوءة اتحاد ونسبة؛ لأنهما عند الوطء بمنزلة الشيء الواحد، والولد بعض لكل واحد منهما، [فإنها] (٤) بعضه، وهو بعضها، إلا أن البعضية بين الواطئ والموطوءة دون البعضية التي بين الوالد والولد، فرتبنا على كل ذي علة ما تقتضيه ترتيبا على حقيقة البعضية التي بين الوالد والولد حقيقة العتق، حتى إذا ملكه عتق عليه، ورتبنا على البعضية التي بين الواطئ والموطوءة ما يليق بها، وهو ثبوت استحقاق العتق، وحرمة الاستيلاد (٥).
* والجواب:
• قلنا: هذا تعليل باطل من وجوه:
стр. 659
أحدها: لو صار بين الواطئ والموطوءة اتحاد بعضية حتى لو صار [أبا] (١) أولادها وهي أم أولاده، لما جاز لابنه أن يتزوج بنتها؛ لأنه يكون متزوجا بأخته، وذلك باطل.
الثاني: أنه إذا اشترى الموطوءة يلزم أن تصير أم ولد له؛ لأن بينهما [اتحادا] (٢) وبعضية على ما قررتموه.
الثالث: أن ذلك تعليل يصادم [ما] (٣) نص عليه رسول الله ﷺ ، حيث أشار ﷺ إلى أن حريتها نجم به الولد، حيث قال: «أعتقها ولدها» (٤)، وفي التعليل بالبعضية إبطال الولد (٥).
والله أعلم.
تم الكتاب، تكاملت نعم السرور لصاحبه، وعفا الإله بلطفه وبجوده عن كاتبه، وله الحمد، والمنة.