← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30175

نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام

شهاب الدين الزنجاني

Полный текст (659 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

[٣٠] مسائل الشهادات [١٩٦] * مسألة: بينة [ذي] (١) اليد مسموعة مقضي بها عندنا (٢)، خلافا لأبي حنيفة ﵀، فإنه قال: لا تسمع، وإنما تسمع بينة الخارج (٣). وصورة المسألة: ما [إذا] (٤) ادعى عينا في يد إنسان، فأنكر ذو اليد، وأقام الخارج بينة، فعارضها ذو اليد ببينة. فعندنا تسمع بينة [ذي] (٥) اليد كما تسمع بينة الخارج. غير أن أصحابنا اختلفوا في حكم البينتين، مع الاتفاق على أن المدعى يقر في يده. فمنهم من قال: تتعارض البينتان، وتتساقطان، ويبقى المدعى في يد من هو في يده، كأن لم تكن بينة. ومنهم من قال: ترجح بينة ذي اليد باليد، ويبقى المدعى به في يد من

стр. 597

هو في يده، كأن لم تكن بينة. ومنهم من قال: ترجح بينة ذي اليد باليد، ويبقى المدعى في يد من هو في يده؛ عملا بالبينة الراجحة. ثم الصحيح عندنا أن بينة الداخل لا تسمع ابتداء؛ لاستغنائه عنها، وإنما تسمع معارضة بعد دعوى الخارج وإقامته البينة (١). وقال ابن سريج (٢): تسمع بينته ابتداء، أعني بعد دعوى الخارج، وقبل إقامته البينة لفائدة إسقاطه اليمين، كالمودع إذا ادعى رد الوديعة، فإنه مستغن بيمينه عن إقامة البينة (٣). ثم لو أقام بينة سمعت. أما إذا ابتدأ إقامة بينة من غير منازع عند الحاكم ليستحل ملكه، فالمذهب أنها لا تسمع - أيضا ـ، وفيه وجه أنها تسمع.

стр. 598

ثم حيث سمعت بينة الداخل، هل يحلف معها أم لا؟ فيه قولان. ومأخذ النظر: أن الداخل عندنا مدع من وجه، ومدعى عليه من وجه. وعندهم المدعي هو الخارج، وذو اليد منكر فحسب. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه: أن المدعى عليه عند قيام بينة المدعي صار مدعيا، بدليل أنه تنزع من يده، ويمينه لا تسمع، كالمدعي ابتداء لا [يفترقان] (١)، إلا أن الداخل له [يد] (٢) كانت تعتد، وحيث أقام الخارج بينة بطلت فائدتها ببينة الخارج، فصار محتاجا إلى الإثبات احتياج الخارج من غير فرق. والدليل القاطع على ذلك: أن يمينه لا تسمع، كما لا تسمع من المدعي ابتداء، فمن هذا الوجه هو مدع، ومن حيث إنه أنكر ما ادعاه الخارج منكر (٣). وقد سلم أبو حنيفة ﵀ أن الشخص الواحد يجوز أن يكون مدعيا ومدعى عليه، كما إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة، فيقول البائع: بعتك بألفين، والمشتري منكر، والمشتري يقول: اشتريت بألف، فيدعي، والبائع يقول: ما بعت، فينكر. * فإن قالوا -وهو مأخذهم: الدليل على أن ذا اليد ليس بمدع أمران: أحدهما: أن المدعي في الشرع عبارة عمن ادعى شيئا يخالف الظاهر،

стр. 599

بأن يدعي شيئا في يد غيره، أو حقا في ذمته، والخارج هاهنا هو الذي ادعى ما يخالف الظاهر؛ لكون المدعى في يد غيره، والخارج منكر، أو يقول: حقيقة المدعي من إذا سكت ترك وسكوته، والمنكر من إذا ترك الخصومة لا يترك، بدلالة الطرد والعكس، والداخل المدعى عليه هاهنا لو سكت لم يترك، وسكوته دل أنه منكر. الثاني: أن بينة الخارج تسمع ابتداء، وبينة الداخل لا تسمع ابتداء، بل معارضة، ولو كان مدعيا لسمعت بينته ابتداء كما سمعت بينة الخارج (١). * والجواب عن الأول: ما ذكره من حد المدعي أولا باطل بما ذكرناه من صورة اختلاف المتبايعين، فإن المشتري ادعى الشراء بألف، والبائع ادعى البيع بألفين، فما ادعاه للمشتري أمر حاصل لا يخالف الظاهر؛ إذ الأصل براءة ذمته عن الألف الزائدة، ومع ذلك [وهو] (٢) منكر، ثم هو معارض بحد آخر، وهو أن المدعي عبارة عمن يخبر عن أمر ينفعه، وذو اليد كذلك، وأما الحد الثاني فباطل بالمودع إذا ادعى رد الوديعة، فإنه لو سكت لا يترك وسكوته، وهو مدع، ثم نقول: هذا حد المدعي من كل وجه، والداخل ليس مدعيا من كل وجه، بل هو مدع من وجه، فمن حيث هو مدع قلنا: تسمع بينته، ومن حيث هو منكر قلنا: لو سكت لا يترك وسكوته. * قولهم في الوجه الثاني: إن الداخل لا تسمع بينته ابتداء.

стр. 600

• قلنا: يمنع على قول، ونقول: تسمع بينته مهما توجهت الدعوى عليه، وطولب باليمين، وتكون فائدة سماعها إسقاط يمينه، ثم نقول: جميع ما ذكرتموه ينقض نقضا صريحا بما إذا [كانت] (١) الدعوى في ساج، أو في الثوب الذي لا ينسج إلا مرة واحدة، فإنه صاحب يد، وهو مدعى عليه، ثم تسمع بينته إجماعا (٢)، قالوا: هناك البينة سمعت لأنها أفادت ما لم تفده ظاهر اليد؛ فإنها شهدت بأولية الملك، فقالت: هذا ملكه نتجته شاته، وهذا نسج في ملكه، أما في مسألتنا فما شهدت البينة إلا بما شهد به ظاهر اليد. قلنا: هذا باطل بما إذا أسند الملك من حق صاحب اليد إلى الإجبار و (٣) []، فإنكم قلتم: لا تقدم، مع أنها أفادت ما لم تفده، وشهدت بأولية الملك. * فإن قالوا: أليس لو اختلف تاريخ البينتين قدم أسبقهما؟، وبينة الخارج تشهد بالملك السابق، فينبغي أن تكون مقدمة. * قلنا: لنا قولان في هذه المسألة، أحدهما: مثل مذهبكم. والثاني: أنهما سواء، لا مزية لإحداهما على الأخرى. فاندفع الإلزام (٤).

стр. 601

[١٩٧] * مسألة: المحدود في القذف إذا تاب قبلت شهادته عندنا (١). وقال أبو حنيفة ﵀: لا تقبل شهادته أبدا (٢). وساعدنا على قبول شهادته فيما إذا تاب قبل إقامة الحد عليه (٣). ومأخذ النظر فيها: أن رد الشهادة عندنا معلل بالفسق، فيدور معه وجودا وعدما. وعندهم: شرع عقوبة، كالحد، فلا يسقط بالتوبة كالحد. ويدل على صحة ما ذهبنا إليه: أن رد الشهادة إنما ثبت موجبا للقذف، والقذف فسق، وقد ارتفع بالتوبة. أما كونه موجبا للرد فدليله: انعقاد الإجماع على الرد بعد القذف وقبل التوبة وإقامة الحد (٤)، ولا حادث سوى القذف دل أنه موجب له؛ إذ لو كان موجبا لغيره لتوقف على وجود ذلك الغير، فثبوته عقيبه يدل ظاهرا على كونه موجبا. وأما كون القذف فسقا فدليله: أنه يجب به الحد، والحد إنما يجب

стр. 602

بالفسق والعصيان. وأما كون التوبة رافعة للفسق فدليله النص، والإجماع. أما النص: [فقوله] (١) ﷺ : «التوبة تمحو الحوبة» (٢)، وقوله ﵇: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (٣). وأما الإجماع: [فهو] (٤) أنا وإن اختلفنا في أن الاستثناء في النص هل يعود إلى جميع الجمل، أم يختلف في عوده إلى الجملة الأخيرة؟ [في] (٥) قوله: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: ٤]، وإذا ثبت ارتفاع المانع وجب أن يعود ما كان إلى ما كان (٦). أما الحنفية فإنهم زعموا أن رد الشهادة عقيب القذف شرع عقوبة وحدا

стр. 603

كالجلد، ثم أجمعنا على [أن] (١) الجلد لا يرتفع بالتوبة (٢)، فكذلك رد الشهادة، واستدلوا على ذلك بثلاثة أمور: أحدها: أن الله - تعالى - عطف رد الشهادة على الجلد، فقال: ﴿فاجلدوهم ثمنين جلدة ولا تقبلوا لهم شهدة أبدا﴾ [النور: ٤]، والعطف يقتضي التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه في المعنى، وإذا كان الجلد عقوبة وحدا، كان الرد - أيضا - حدا. الثاني: أن رد الشهادة مؤلم لقلبه كما أن الجلد مؤلم لجسده، فصلح حدا. الثالث: أن الحد شرع ردعا وزجرا، ورد الشهادة يحصل به الردع والزجر؛ لما فيه من قطع لسانه، وإبطال كلامه، فصلح حدا، بل أولى؛ لأن الجلد في غير آلة الجناية، ورد الشهادة يختص بآلة الجناية وهو اللسان (٣). * والجواب هو: أنا لا نسلم أن رد الشهادة عقوبة، بل هو موجب فسقه على ما سبق. قولهم: إن العطف يقتضي التشريك من وجه، ولا يعتبر التشريك من كل وجه، ودليله قول الشاعر:

стр. 604

ولقد أتيتك في الورى … متقلدا سيفا ورمحا (١) والرمح لا يتقلد وإنما يتأبط، إلا أنهما لما اشتركا من وجه، وهو أن كل واحد منهما آلة للحرب عطف أحدهما على الآخر. وما ذكروه من الوجهين الأخيرين معارض بوجهين آخرين: أحدهما: أن حقيقة العقوبة ما كان فيه إيلام وإيجاع وتنكيل، وليس في رد الشهادة شيء من ذلك، ولا فيه تعريف أمر يعود إلى دنياه؛ إذ قد لا يكون له غرض في شهادته عند الحكام أصلا، فكيف يقال: هو عقوبة؟. * فلئن قالوا: قصد تنفيذ قوله فرد. • قلنا: ولم يقصد ذلك، بل قصد الإخبار؛ لأن حقيقة الشهادة خبر عما مضى، وخبره مقبول في الرواية بالإجماع، فبطل كونه عقوبة. الثاني: أن الحد ما شرع ردعا للعامة، وزجرا للكافة، وهذا معدوم في رد الشهادة؛ لأن من الناس من يشهد، ومنهم من لا يشهد، ومن يشهد قد يبقى برهة من الدهر لا يشهد، ثم منهم من يتأثر برد الشهادة ويتغير، ومنهم من لا يتأثر ولا يتغير، [فلما] (٢) لم يصح [كون] (٢) رد الشهادة حدا؛ ثبت بذلك أن الموجب لرد الشهادة هو الفسق، وقد زال بالتوبة وارتفع بارتفاعها.

стр. 605

* فإن قالوا: العلل الشرعية أمارات ودلالات على الأحكام، والعلامة إنما يعتبر وجودها في الابتداء، أما في الدوام فقد تنتفي ويبقى الحكم، كما في البيع والنكاح وسائر الأسباب الشرعية، وكذا كثير من أفعال الحج كالسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، وغيرها، فإنها شرعت [لمعان] (١)، ثم استمرت الأحكام بعد زوال تلك المعاني. • قلنا: الأمثلة المذكورة لا تناظر ما ادعيناه؛ لأن البيع والنكاح وسائر الأسباب الشرعية يستحيل بقاء أحكامها بعد ارتفاعها في الدوام عند من يقول بأن الحكم في الدوام لا يفتقر إلى بقاء السبب، وفرق بين الانعدام والارتفاع، بل نظير ما ادعيناه: بقاء الملك والزوجية مثلا بعد فسخ البيع والنكاح، فإنه ممتنع قطعا، فنسبة التوبة إلى الفسق كنسبة الفسخ إلى البيع، والنص دل عليه، وأما أفعال الحج فلا نسلم تعليلها بالمعاني، بل نقول: إنا أمرنا بها تعبدا وتأسيا بالأنبياء الماضين، فإن مبنى الحج على التعبدات. * فإن قالوا: هذا قياس مصادم لحكم النص القاطع وهو قوله - تعالى -: ﴿والذين يرمون المحصنت ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمنين جلدة ولا تقبلوا لهم شهدة أبدا وأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: ٤]، نص على ردها بلفظ التأبيد، فيجب ألا تقبل شهادة بحال، تاب أو لم يتب. * والجواب من وجوه ثلاثة: أحدها: أنا لا نسلم أنها تقتضي رد الشهادة على الإطلاق، بل المراد

стр. 606

بقوله - تعالى -: ﴿ولا تقبلوا لهم شهدة أبدا﴾ [النور: ٤]، أي ما داموا مصرين على القذف والرمي، ومعنى الإصرار على القذف: ترك التوبة وإكذاب النفس، فإنه باق حكما وتقديرا إلى أن يتوب، فإذا تاب زالت أحكام القذف، فقد زال القذف، وارتفع من كل وجه، وهذا كقوله - تعالى -: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ [التوبة: ٨٤]، أي مات مصرا على ضلاله وكفره، وعليه حمل أبو حنيفة ﵀ قوله ﵇: «لا يجتمع المتلاعنان أبدا» (١)، قال: معناه: ما داما متلاعنين، فإذا أكذب نفسه خرجا أن يكونا متلاعنين، وزالت أحكام اللعان. الثاني: أن الله - تعالى - استثنى التائبين من القاذفين، فقال: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [النور: ٥]، والاستثناء إذا تعقب جملا عاد إلى جميعها؛ لوجوه بيناها في كتاب تخريج الفروع على الأصول (٢)، والذي يكتفى به هاهنا مسألة قطعية، وهي أن الإجماع ينعقد على أن الإنسان إذا قال: لفلان علي خمسة وخمسة إلا سبعة أنه يكون مقرا بثلاثة (٣)، ولو كان الاستثناء يختص بالجملة الأخيرة لكان مقرا بعشرة؛ لأن الاستثناء حينئذ يختص بالخمسة الثانية، ويكون استثناء مستغرقا، بل زائدا عليه، والاستثناء المستغرق باطل قطعا، وحيث اتفقنا على أنه يكون إقرارا بثلاثة، دل العطف على جميع الجمل.

стр. 607

* فإن قالوا: لا خلاف أن الحد لا يسقط بالتوبة، ولو عاد الاستثناء إلى جميع الجمل لسقط. • قلنا: إنما لم يسقط الحد بالتوبة؛ لأن المغلب فيه حق الآدمي، فلا يسقط إلا باستيفائه، لا للخلل في اقتضاء الصيغة، أو نقول: مقتضى النص سقوط الجميع بالتوبة، غير أنه ترك العمل فيما عداه، كالعام إذا دخله التخصيص، فإنه يبقى حجة في الباقي. الثالث: أنا نعارضه بالحديث الصحيح عن الزهري (١) عن سعيد بن المسيب (٢) عن عمر -[﵁]- عن النبي ﷺ أنه قال: «توبة القاذف إكذابه نفسه» (٣)، فإذا تاب قبلت شهادته، وهذا وإن كان آحادا غير أنه مؤيد بقياس الأصول؛ فإن سائر الجنايات كالزنا والسرقة توجب الحد ورد الشهادة، ثم يرتفع بالتوبة، وما ذكروه مخالف لقياس الأصول فيبقى [] (٤)، وفي صرفه إلى ما ذكرناه من التأويل جمع بين النصين، فيتعين المصير إليه (٥).

стр. 608

[١٩٨] * مسألة: شهادة الكفار مردودة على الإطلاق عندنا (١). وقال أبو حنيفة ﵀: تقبل شهادة بعضهم على بعض مع تباين أديانهم، وتنافر مذاهبهم، فتقبل شهادة اليهود على النصارى، والنصارى على اليهود والمجوس (٢). [و] لا خلاف في أن شهادة الكفار غير مقبولة على المسلمين (٣). ومأخذ النظر فيها اختلاف الإمامين في المعنى الموجب لرد شهادتهم على المسلمين. فمستند الرد عند الشافعي هو فسقهم، دون العداوة (٤) الدينية؛ إذ لو كان المانع العداوة لما قبلت (٥) شهادة المسلمين عليهم كما لم تقبل شهادتهم على المسلمين؛ إذ العداوة بالطرفين، فلم تختص إحداهما بالرد دون الأخرى؟، وإنما لما حكم الله - تعالى - على هؤلاء الكفار بالتكذيب والفسق ردت شهادتهم، قال الله - تعالى -: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾ [البقرة: ١٤٦]،

стр. 609

وقال - تعالى -: ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ [النساء: ٤٦، المائدة: ١٣]، وقال - تعالى -: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾ [البقرة: ٨٩]، فأخبر الله - تعالى - بكذبهم وتحريفهم، وأنهم كتموا اسم النبي ﷺ ، واشتروا به ثمنا قليلا، وأخفوا أعلام نبوته ودلائل بعثته مع معرفتهم [وعلمهم] (١) بذلك، قال الشافعي ﵀: ومعلوم أن من كتم نقيرا أو فتيلا لم تقبل شهادته، فهذا الذي كتم البعثة وبشائر النبوة [وهذا] (٢) الأمر العظيم أولى أن ترد شهادته، كيف وأن الكذب حرام في كل شرع! فمن كذب مع علمه بذلك كان فاسقا قطعا، فكان مردود الشهادة (٣). * فإن قالوا: فالذين حرفوا فريق منهم لا كلهم، فكيف ترد شهادة الجميع؟. • قلنا: لأنهم اختلطوا، فلا نعلم الملبس من غيره، فرددنا الجميع احتياطا. وإذا ثبت أن الموجب لرد شهادتهم على المسلمين هو الفسق، فهذا المعنى يمنع - أيضا - قبول شهادة بعضهم لبعض، وعلى بعض، وإن لم تكن هناك عداوة. وزعمت الحنفية أن الموجب لرد الشهادة على المسلمين كون

стр. 610

الشهادة من قبيل الولايات، والكافر لا ولاية له على المسلم، وله ولاية على أهل دينه، أما بعضهم على بعض فهم كالشيء الواحد، فإن بعضهم أولياء بعض. * قالوا: والدليل على أن الشهادة ولاية: المعنى والحكم. أما المعنى [فهو] (١) أن حقيقة الولاية تنفيذ قوله على الغير، وهذا موجود في الشهادة. وأما الحكم [فهو] (٢) أن كل ما في هذه الولاية ناف الولاية الأخرى، كالرق والكفر، وما قدح في إحداهما قدح في الأخرى كالأنوثة. * والجواب من وجهين: أحدهما: أنا لا نسلم أن الشهادة ولاية، بل حقيقة الشهادة خبر عما مضى. * وقولهم: إنها تنفيذ قوله على الغير. • قلنا: ليس قوله منفذا، إنما هو مظهر، والتنفيذ حكم الشرع، ويدل على صحة ذلك: أن الولاية تفتقر إلى نظر، وهذا تعد من الشاهد على الإمام المعظم، فأين الولاية من هذا؟، بل حقيقة الولاية إنشاء في الحال، والشهادة خبر عما مضى، فلا يلتقيان. الثاني: أن المسلم تقبل شهادته على الكافر، ولا ولاية للمسلم على

стр. 611

الكافر، فإن المسلم لا يلي ابنته الكافرة، بل الكفر ركن في ولاية بعضهم على بعض. * فإن قالوا: الفسق كما ينافي الشهادة ينافي الولاية عندكم، وقد قال الشافعي ﵁: ولي الكافرة كافر (١). • قلنا: هذا مؤول، ومعناه: ترك التعرض لهم، والإضراب عما يفعلونه صفحا، كما قال - تعالى -: ﴿نوله ما تولى ونصله جهنم﴾ [النساء: ١١٥]، أي نضرب عنه، فيصلى جهنم، كذلك نولي الكفار، أي: نتركهم فلا نتعرض لهم، لا أن لهم ولاية. * فإن قالوا: فيلزم على هذا أن تكون أنكحتهم باطلة، وقد قال - ﷺ -: «ولدت من نكاح لا من سفاح» (٢). • قلنا: أما فيما بينهم فلا يتعرض لهم لا بنفي ولا بإثبات، وليست الولاية شرطا في حقهم ولا الشهادة، إنما الذمي إذا زوج ابنته من مسلم فنقول: لا ولاية له في تزويج ابنته. * فإن قالوا: كيف تقبلون شهادة أهل البدع والأهواء كالخوارج وغيرهم

стр. 612

مع كونهم مخالفين لما هو معلوم في الشرع، وقد قال الشافعي ﵁: وأقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية (١) من الرافضة؛ [فإنهم] (٢) يتدينون بالكذب، ويشهد بعضهم لبعض بالزور (٣). • قلنا: كل من حكمنا بكفره فلا تقبل شهادته، ومن لا يحكم بكفرهم ما تقولون أنتم؟ هل شهادتهم تقبل على أهل السنة أم لا؟. إن قلتم: تقبل قلنا: فهذا هو الفرق؛ فإن الكفار لا تقبل شهادتهم على المسلمين. وإن قلتم: لا تقبل قلنا: فهم كالمسلمين مع الكفار، تقبل شهادتهم على الكفار، ولا تقبل شهادة الكفار على المسلمين، فقد ظهر الفرق، واندفع الإلزام (٤). * * * [١٩٩] * مسألة: القضاء بالشهادة ويمين المدعي جائز عندنا في الأموال، وما يقصد منه المال (٥).

стр. 613

أما المال فكالقرض، والدين، وقضاء الدين، والغصب، وأداء مال الكتابة، وما أشبه ذلك. وأما المقصود منه المال: كالبيع، والصلح، والرهن، والإجارة، وجناية الخطأ والعمد الموجب للمال، والآجال، والخيار، ونحو ذلك. فكل هذا الحكم فيه بشاهد ويمين، وما عدا ذلك من النكاح، والطلاق، والخلع، والرجعة، وجناية العمد الموجبة للقود، والوصية، والوكالة، وغيره، وغير ذلك، فلا يحكم في شيء منها بشاهد ويمين. وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز القضاء بالشاهد واليمين أصلا (١). والمسألة من جانبنا خبرية لا مطمع للقياس فيها، ومستند الشافعي فيها الأحاديث المستفيضة البالغة رتبة التواتر في الوضوح، منها: ما رواه إمام دار الهجرة مالك في موطئه عن سهيل بن أبي صالح (٢) عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ «أنه قضى بشاهد واحد ويمين الطالب» (٣)،

стр. 614

وروى علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - أنه «قضى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر بشاهد ويمين» (١)، وروي «أن الزبير ادعى على رجل حقا، فأنكر، فقال له النبي ﷺ : شاهداك أو يمينه، فقال: يشهد لي سمرة بن جندب (٢) وفلان، فشهد فلان، ولم يشهد سمرة، فقال له النبي ﷺ : تحلف مع شاهدك؟ فقال: نعم، فحلف، فقضى له» (٣)، وروي عن عمرو بن

стр. 615

دينار عن عكرمة عن ابن عباس -[﵄]- «أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد» (١)، قال عمرو (٢): ذلك في الأموال (٣)، فهذه الأخبار كلها متطابقة متناطقة، دالة على العمل بما قلناه، ويرويها بضعة عشر نفسا من الصحابة، منهم: الخلفاء [الراشدون] (٤) - رضوان الله عليهم أجمعين - ومنهم ابن عباس، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وجابر بن عبد الله، والزبير، وأبو هريرة، وعبادة بن الصامت، والبراء بن عازب (٥) -[﵃]-، وفقهاء المدينة السبعة (٦)،

стр. 616

وهم: سعيد بن المسيب (١)، وسليمان بن يسار (٢)، وخارجة ابن زيد (٣)، وعروة بن الزبير (٤)، وأبو سلمة بن عبد الرحمن (٥)،

стр. 617

وأبان بن عثمان (١)، وقبيصة بن ذؤيب (٢)، وهذا دليل اشتهار هذه الأخبار واستفاضتها، وإجماع الصحابة على العمل بها، ثم كل هذه أخبار عن فعلة واحدة، وقضية واحدة لا يمكن ادعاء العموم فيها، وإنما تحمل على موضع واحد، فكان أولى المواضع بالحمل عليه ما فسره الراوي، وهو أنه روي في حديث عمرو بن دينار (٣)، عن ابن عباس -[﵄]- «أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد» (٤)، قال عمرو: ذلك في الأموال، ولأن الأموال تتسع

стр. 618

وتكثر، وأمرها أخف من غيرها؛ لأنه يحكم فيها بشاهدين، وشاهد وامرأتين، واليد - أيضا ـ، فخفف أمرها، فجاز أن يحكم فيها بشاهد ويمين دون غيرها (١). وللحنفية على الحديث ستة أسئلة: أولها: قالوا: لو كان هذا الحديث صحيحا لخرجه مسلم والبخاري في صحيحهما، فلما لم يخرجه الشيخان دل على ضعفه. الثاني: قال يحيى بن معين (٢): لم يصح في الشاهد واليمين حديث. الثالث: رواه سهيل بن أبي صالح (٣)، وهو ضعيف؛ لأنه كان يقول: حدثني ربيعة عن أبي حدثته. الرابع: قالوا: هذا خبر واحد فيما تعم به البلوى، فلا يقبل. الخامس: أنه معارض بحديث مجمع على صحته، وهو قوله - ﷺ -: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (٤)، وأنتم تجعلونه على من يدعي. السادس: أن الله - تعالى - ذكر مراتب البينات: أعلاها وأدناها، وبين

стр. 619

أن رجلا وامرأتين أدنى مراتب الشهادة، وإذا شرعتم الشاهد واليمين، فقد [نسخ] (١) الكتاب بخبر الواحد، وذلك لا يجوز (٢). * والجواب: عن الأول: أن الشيخين لم يخرجا جميع الصحاح، وإنما خرجا ما وقع إليهما، وقد خرج بعدهما جماعة على شرطهما، كسنن [النسائي] (٣)، وسنن الترمذي، وسنن أبي داود، وغيرها، وأيضا فإن كان الشيخان ما ذكراه فقد ذكره مالك في موطئه، وهو أقدم وأول من دون الأخبار، وسمي الموطأ لأنه تواطأ على صحته أهل المدينة وعلماؤها (٤). * وعن الثاني: أن الطعن المذكور لم يصح عن يحيى بن معين (٥)، ولو صح لم يكن فيه حجة؛ لأنه إن لم يصح عنده فقد صح عند غيره، وليس هذا مما يمكن أن يطعن فيه يحيى؛ لأنه يرويه جلة الصحابة. وعن الثالث: أنه لا يوجب قدحا؛ لأن سهيلا ساء حفظه في آخر عمره، فنسي ما رواه، فكان يرجع إلى نفسه من تلامذته، فيروي عنهم، والنسيان متطرق إلى الإنسان، على أنه قد روي عن أبي هريرة- ﵁ - من غير هذا الطريق، فقد رواه أبو الزناد (٦)

стр. 620

عن الأعرج (١) عن أبي هريرة ﵁، فاندفع السؤال. وعن الرابع قلنا: ليس هذا خبر واحد، بل هو في استفاضته واشتهاره يجري مجرى التواتر، الثاني: أنا لا نسلم أن ذلك تعم به البلوى، بل قد تنقضي عصور ودهور فلا يقع ذلك، ولا يقضى به، الثالث: أنكم ناقضتم في ذلك، فعملتم بخبر الواحد فيما تعم به البلوى في الوتر والأضحية، وتثنية الإقامة، ولا شيء أظهر من هذا ولا أشهر. وعن الخامس: أن المراد بالحديث: أن هذا القدر هو الذي يقتصر عليه في حق كل واحد، ولا يقنع عنه بدون ذلك، فإما ألا يقبل شيء آخر مع عدم البيئة فليس فيه ما يدل على ذلك، ويدل عليه أن القضاء بالنكول، والشاهد والمرأتين ما ذكره، والقضاء به جائز، وأما قوله: اليمين على من أنكر، أراد به يمين النفي، أما يمين الإثبات فهي للمدعي، فإن زعموا العموم منعنا، وقلنا: الألف واللام للمعهود السابق هاهنا، والمعهود السابق هو اليمين

стр. 621

المعتادة في الأعم الأغلب للنفي، قلنا: فلم تقم عليه البينة. وعن السادس: أن مراد الله - تعالى - ذكر البينات التي تستقل بأنفسها، فأما ما لا يكون حجة إلا بمضافة غيرها، فلم يذكر، ولم يقصد بيان المزدوجات والمركبة من جنسين. أو نقول: ذلك بيان حجة هي شهادة، وما نحن فيه حجة هي شهادة ويمين، وهذه الحجة عين تلك، فالحديث إذا غير ناسخ للآية. * فإن قالوا: فلم لم تقضوا به في الحدود والقصاص؟. • قلنا: لأن الحديث ورد في الأموال، فاتبعنا مورد النص؛ لتكون المسألة ليست قياسية (١). * * * [٢٠٠] * مسألة: شهود الطلاق إذا رجعوا وجب عليهم الضمان عندنا. وصورة المسألة ما إذا شهدوا عليه بطلاق زوجته، ففرق الحاكم بينهما، ثم رجعوا، فإن كان ذلك بعد الدخول غرموا مهر المثل للزوج، وإن كان قبل الدخول ففيه قولان: أحدهما: أنه يرجع عليهم بنصف المهر، وهو القدر الذي غرم للزوجة. والثاني -- وهو الأصح -: أنه يرجع عليهم بكمال المهر؛ لأن ملك

стр. 622

الزوج على البضع قبل الدخول بمنزلة ملكه عليه بعد الدخول، بدليل ما لو خالع زوجته على عوض فاسد قبل الدخول، فإنه يستحق عليها كمال مهر المثل، كما لو فعل ذلك بعد الدخول (١). وقال أبو حنيفة ﵀: لا غرم عليهم بعد الدخول أصلا، ويلزمهم نصف المسمى قبل الدخول (٢). ومأخذ النظر فيها: أن منافع البضع لها مالية متقومة عندنا، وعندهم غير متقومة بالنظر إلى ذاتها، ولا مالية لها، فلا يمكن أن يغرموا المال في مقابلة ما ليس بمال. فنقول: دليل ماليتها أحكام خمسة: أحدها: [تضمن المرضعة المفسدة] (٣) للنكاح. الثاني: أخذ العوض عنها في الخلع. الثالث: وجوب المهر في النكاح، ووطء الشبهة، والطلاق قبل الدخول. * فإن قالوا: الدليل على أنها ليست بمال، وصاحب الأزواج [لا] (٤) يعد صاحب مال في العادة، ومن تزوج لا يقال: حصل مالا، وإنما قابلها الشرع بالمال في المسائل المذكورة احتراما وتشريفا وتعظيما لشأن البضع، كما قابل الحر بالمال، وإن كان الدم ليس بمال، لكن أوجب المال صيانة

стр. 623

عن الإهدار، وإذا بطل كونه مالا بطل إيجاب الضمان في مقابلته، كما في إتلاف الخمور، وجلود الميتات، وغيرها، فإن حقه ثابت فيها، ومع ذلك لم تضمن بالحيلولة والإتلاف. • قلنا: إن نازعتم في تسميتها مالا فلا نناقشكم فيه، ولا غرض في هذا الاسم، لكنا نقول: هي متقومة مقصودة مطلوبة، وهذا هو مناط الرغبات ومتعلق الحاجات، ولا يمكن تحصيلها إلا بمال، فكانت متقومة، والضمان في الأصل إنما وجب دفعا للضرر، وقد تحقق هاهنا، ومهر المثل طريق إلى دفعه فليجب. * فإن قالوا: ما هو في مقابلة المال قد استوفاه الزوج، وهي الوطأة الواحدة، وما بقي من الوطات ليس مقابلا بالمال، فكيف يقال قد أحالوا بينه وبين ما هو مقابل بالمال؟، والفقه فيه هو أن الملك بالنكاح ملك ضروري، ولهذا لا يقبل النقل والاعتياض، وإنما يظهر أثره في الاستيفاء، فيملك الزوج قدر ما استوفاه من المنفعة، أما غير المستوفى فلا يدخل في ملكه، ولا يظهر أثر الملك فيه، بل يبقى على ملك الزوجية، والذي يدل عليه: أنها لو وطئت بشبهة في نكاحه، فإن المهر يصرف إليها، ولو كانت المنافع حقا له مطلقا لوجب الضمان له لا لها. • قلنا: كان القياس يقتضي ألا يقابل وطأة واحدة بالمهر جميعه، غير أنه عسر توزيعه على الوطآت، ولم يمكن تعطيل الوطآت عن المهر، قلنا: عسر التوزيع وتعذر التعطيل جعلناه في مقابلة الواحدة على خلاف القياس، فقد صار القياس أن المهر في مقابلة جميع الوطآت، فقد فرقوا عليه متقوما

стр. 624

مقصودا يستوفيه في مستقبل الزمان. * فإن قالوا - وهو مأخذهم -: ضمان العدوان يعتمد المماثلة، ولا مماثلة بين منافع البضع وما توجبونه من الدراهم والدنانير. قلنا: المماثلة معتبرة صورة أم معنى؟. الأول: ممنوع، وهو غير معتبر إجماعا، فإنا نضمن الإبل بالدراهم مع انتفاء المماثلة من حيث الصورة (١). والثاني: مسلم، وقد وجدناهما [متساويين] (٢) في التقويم والملك، ثم هو باطل بنفس الحر، فإنه مضمون بالمال، مع أنه ليس مثلا للمال. * فإن قالوا: ما ذكرتموه من تفويت البضع على الزوج يبطل بأحكام ثلاثة: أحدها: المرأة إذا ارتدت بعد المسيس، فإنها فوتت البضع، ثم لا تضمن إجماعا (٣). الثاني: ما إذا قتلها أجنبي، فلا يضمن المهر مع وجود الحيلولة بالقتل. الثالث: أنه لو وطئها واطئ بالشبهة، فإنه لا يضمن حق الزوج، مع كونه مفوتا للبضع، والمعنى إذا ظهر إلغاؤه امتنع بناء الحكم عليه.

стр. 625

• قلنا: أما المرأة إذا ارتدت فإنما لم تضمن لأن بالردة ارتفع السبب المفيد للاستحقاق، فحصلت البينونة بعد ارتفاع السبب، أما فيما نحن فيه فقد [حصلت] (١) الحيلولة بينه وبين المنافع مع قيام السبب وبقائه. * فإن قالوا: في مسألتنا - أيضا - إذا شهدوا بالطلاق وحكم الحاكم، فقد حصل ارتفاع للسبب؛ لأن عندنا وإن كانوا شهود زور، فحكم الحاكم ينفذ ظاهرا وباطنا. • قلنا: لا نسلم،، بل العقد عندنا ما ارتفع، وهي في الباطن زوجته، والمسألة مبنية على هذا الأصل، وقد دللنا عليه في تلك المسألة، [فرجع] (٢) مأخذ المسألة [وسرها] (٣) إلى هذا الأصل، وهو أن القضاء بشهادة الزور هل ينفذ باطنا حتى يرتفع السبب، وتلتحق مسألتنا بمسألة الردة والقتل، أو لا ينفذ باطنا حتى تكون [الحيلولة] (٤) الحاصلة بشهادة الشهود مع قيام السبب المبيح في حق الزوج؟، فافهم ذلك. ثم الفرق المعنوي بين مسألتنا والمسائل المذكورة: أن القتل والردة لا يقصد بهما رفع الطلاق، بل يقصد بالقتل إزهاق الروح، وبالردة أمر آخر يجعل فوات منافع البضع تبعا فلم يضمن، كالمحرم إذا قطع يده فإنه لا يجب عليه ضمان الشعر وإن كان قد فوته لما حصل الفوات ضمنا لا مقصودا، أما بالشبهة فقد سبق الجواب عنه، والله أعلم (٥).

стр. 626

[٣١] مسائل العتق [٢٠١] * مسألة: لا يعتق بالقرابة غير الوالدين والمولودين عندنا، وهم: الآباء، والأمهات، والأجداد، والجدات، والأولاد، وأولاد الأولاد، قريبا كان أو بعيدا، وارثا أو غير وارث، يقع عليه اسم الولد حقيقة أو مجازا، فإنه إذا ملكه عتق عليه (١). وقال أبو حنيفة ﵀: كل من كان [ذا] (٢) رحم محرم بالنسب فإنه يعتق بالملك، فيدخل في هذا الإخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، ويخرج منه: أولاد الأخوال، وأولاد الخالات، وأولاد الأعمام، وأولاد العمات (٣). ومأخذ النظر فيها: الفرق والجمع، وذلك أن الذي يقتضيه القياس الكلي والأصل الجلي: ألا يعتق شخص على شخص بحال؛ لأن المقصود من الملك الاستمرار والدوام، واستثمار الفوائد واستنتاج المقاصد، والعتق يقطع ذلك، غير أن الشرع استثنى من هذا الأصل عتق الوالدين والمولودين،

стр. 627

أما [الوالدين] (١) فبقوله ﷺ : «لن يجزي ولد والده، إلا أن يجده مملوكا، فيشتريه فيعتقه» (٢)، وأما [المولودون] (٣) فبقوله - تعالى -: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقوله: ﴿وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا * إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا﴾ [مريم: ٩٢ - ٩٣]، فنفى -تعالى- الولادة عن نفسه، وأثبت العبودية، فثبت أن الولادة والعبودية لا تجتمعان، ولأن الولد جزء من أبيه؛ فإنه مخلوق من ماء الرجل والمرأة، فهو يجري مجرى نفسه، فقد ثبت أن من ملك نفسه بأن كان عبدا، فاشترى نفسه من سيده، عتق، كذلك إذا ملك من يجري مجرى نفسه وهو حرمته. إذا ثبت هذا فنقول: الشيء إنما يلحق بالشيء إذا شاركه في المعنى وساواه، فلا يفارقه إلا فيما لا أثر له، وقد رأينا الشرع خصص قرابة البعضية بأحكام ومزايا وخصائص وقضايا لا تلقى في غيرها، منها: * أن المكاتب لو اشترى أخاه لا يكاتب عليه، ولو اشترى أباه يكاتب عليه. * ومنها: رد شهادة بعضهم لبعض، بخلاف قرابة الرحم. * ومنها: تحريم صرف الزكاة. * ووجوب النفقة مع اختلاف الدين.

стр. 628

* وتحريم حليلة أحدهما على الآخر بنص القرآن. * فإن ذلك كله يختص به الأصول دون الفروع، وبعد ظهور هذه الفوارق لا نتجاسر على إلحاق غيرهم بهم إلا بدليل (١). * فإن قالوا: فالنص قد ورد في الأب وفيهم، قال ﷺ : «من ملك ذا رحم عتق عليه» (٢). • قلنا: لو صح الحديث لكنا أول قائل به، لكن يرويه الحسن بن عمارة (٣) عن سمرة (٤)، ولم يسمع الحسن من سمرة إلا ثلاثة أحاديث، ليس هذا واحدا منها، وقيل: إنه لم يسمع (٥) منه إلا حديث العقيقة، وهو قوله ﷺ : «كل [غلام] مرتهن بعقيقته، تذبح [عنه] يوم سابعه، ويحلق، ويسمى» (٦).

стр. 629

* فإن قالوا: فالشرع ورد بإعتاق الوالد، ومعلوم أن الوالد اختص بأحكام غير موجودة في حق الابن، من الولاية عليه، وانتفاء القصاص عنه بسبب ولده، وبالرجوع في الهبة، وغير ذلك الولدية. وقلتم شراء الوالد ولده كشراء الولد والده. • قلنا: نحن لم نلحق الابن بالأب قياسا، بل استفدنا عتق الولد من النص والإجماع. أما النص فما بيناه. وأما الإجماع فقد اتفقت الأمة على أن قرابة البعضية تعم الأصول والفروع في اقتضاء العتق (١)، والإجماع حجة قاطعة يرجع إليها سواء عقل المعنى الذي استند إليه الإجماع أو لم يعقل، ومعلوم أنا نقطع القياس بخبر الواحد والمظنون، فبالإجماع أولى. * فإن قالوا: أليس الشرع ورد بسراية العتق في العبد المشترك؟، ثم ألحقتم به الأمة، وإن كان بسراية العتق على خلاف القياس. • قلنا: لأن العبد والأمة لا يفترقان إلا في الذكورة والأنوثة، وهذا مما لا أثر له في الحكم؛ إذ لا يسبق إلى فهم ذي فهم فرق بين الأمة والعبد في السراية، أما هاهنا [فبين] (٢) قرابة البعضية وقرابة غير البعضية بون.

стр. 630

واختصاص بأحكام كثيرة، يدل على قطع إحداهما عن الأخرى على ما بيناه، فلا يمكن إلحاقها بها. * فإن قالوا: كلام أبي زيد (١): الشرع قصد أن [يصون] (٢) هذه القرابة عن الابتذال بأهون الملكين وأدونها، فإنه حرم [المناكحة] (٣) بسببها؛ لما في ذلك من الابتذال والافتراش، وكونه رقا مشبها بالرق الحقيقي، وإذا صينت عن الابتذال بأهون الملكين وأضعفهما فلأن تصان بأعلى الملكين أولى (٤). * والجواب من وجهين: أحدهما: منع المعنى الذي ادعاه؛ فإن النكاح على الحقيقة وصلة وصلة، وفيه صيانتها، وستر عورتها، والتكفل بمؤنتها، ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ثم هو باطل من أصل أبي حنيفة، فإن عنده يجوز الاحتكام على الصغيرة اليتيمة، وإرفاقها بالنكاح، ونقول: النكاح من المصالح، وفيه جلب منفعة لها، وتحصيل للكفء الراغب، وغير ذلك. الثاني: أن ذلك ينتقض بالرضاع، فإنه يحرم النكاح، ولا يمنع من الابتذال بملك اليمين، وقد منع الأدنى، وما منع الأعلى، وكذلك عنده يجوز شراء الكافر العبد المسلم، ولا يتزوج الكافر مسلمة.

стр. 631

* فإن قالوا: فما ذي بعلل تحرم النكاح. • قلنا: الصحيح أنه غير معلل، وإن عللنا فيما أشار إليه صاحب الشرع، قال ﷺ : «اغتربوا ولا [تضووا]» (١) (٢)، معناه أن في القرابة ألفة واستدامة عشرة وخلطة دائمة لغير الشهوة، و [تقل] (٣) الدواعي، فيظهر الله الولد نضوا (٤) ضئيلا، فأمر بالاغتراب لهذا المعنى، وهو تقوية الولد، لا لما ذكروه من الابتذال (٥). * * * [٢٠٢] * مسألة: إذا قال لعبده الذي هو أكبر سنا منه: أنت ولدي، أو لعبده الذي هو أصغر سنا منه: هذا أبي، لم يعتق (٦).

стр. 632

وقال أبو حنيفة: يعتق، ولا يثبت بسته (١). ومأخذ النظر فيها: أن المجاز عندنا خلف عن الحقيقة في الحكم، [فلا يدعى] (٢) تصور الحقيقة في نفسها. وعند أبي حنيفة ﵀ المجاز خلف عن الحقيقة في التكلم والنطق، لا في الحكم، بل المجاز أصل بنفسه، وزعم أن اللفظ إذا وجد وتعذر العمل بحقيقته، وله مجاز متعين؛ صار [مستعارا] (٣) بحكمه بغير نية، كما قال في النكاح بلفظ الهبة. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه أن نقول: الأصل بناء الأحكام على الحقائق اللغوية دون الألفاظ، غير أن المجاز أقيم مقام الحقيقة؛ لقربه منها اتساعا في النطق، وشرط ثبوت الحكم في الخلف إمكان ثبوته في الأصل. واحتج الخصم بأن صحة التكلم والنطق لا يتوقف على احتمال الحكم، بدليل ما لو قال لزوجته: أنت طالق ألفا إلا تسعمائة وتسعة وتسعين، فإنه يقع عليها طلقة، وإن كنا نعلم أن إيقاع ما زاد على الثلاث من طريق الحكم غير ممكن، لكن لما كان من حيث التكلم صحيحا صح، إذا ثبت هذا قالوا: [البنوة] (٤) سبب للعتق، والتعبير بالسبب عن المسبب إحدى جهات المجاز، فكان قوله: أنت أبي، كقوله: عتقت علي حين ملكتك، نعم كون

стр. 633

[البنوة] (١) سببا [للعتق] (٢) متلقى من الشرع، كما أن كون السحاب سببا للمطر متلقى من دليل العقل، وكون المسيس سببا للوطء مأخوذ من العرف، لكن بعد أن ثبتت السببية بين سببين تلقينا من إطلاق اللسان التعبير بالسبب عن المسبب، قالوا: ولا ننكر أن البنوة لم تثبت حقيقة ثبتت حكما للبنوة؛ إذ لو كان كذلك لكان حقيقة لا مجازا، لكنا جعلناه بذكر السبب ذاكرا للمسبب، فيحصل العتق بلفظه؛ لأن من استعار لفظا في غير موضعه، فالمذكور حكما هو المستعار دون اللفظ، فيتعين المصير إليه؛ صونا لكلام العاقل المكلف عن الإلغاء، فإنه واجب بقدر الإمكان. * والجواب: قولهم: إنا نعتبر اللفظ بطريق المجاز، كلام لا حاصل له؛ لأن العتق حكم البنوة شرعا لا لغة، والمعاني اللغوية لا تعرف بالأحكام الشرعية؛ لأن اللغة سابقة، والشرعية لاحقة، ويستحيل تلقي اللغة السابقة من غير الشريعة اللاحقة. * فإن قالوا: هو جائز أن يعني به في الجملة، ويعبر عنه. قلنا: مسلم، ولكن أين دليل القصد والغاية؟، وهذا لا يسلم أن الرجل إذا قال لعبده: أنت ابني، وقصد به العتق كان كناية صحيحة، ولو فسر كلامه هاهنا قبل، وإنما النزاع فيما إذا أطلق، ولم ينو، أو نوى الحقيقة. وأما مسألة الطلاق فلم يصح استثناء الطلقة من الألف، وإنما صح

стр. 634

استثناء الطلقة من ثلاثة، وقوله فيما زاد على الثلاث هذيان ولغو. * فلئن قالوا: يلزمكم ما إذا قال لمعروف النسب: هو ابني، فإنه يعتق عليه، وإن لم يثبت نسبه منه. • قلنا: يمنع على أحد الوجهين، ونقول: لا يصلح العتق - أيضا ـ، وعلى التسليم نقول: الفرق بينهما: أن هاهنا أقر بما هو ممكن؛ لأن الإنسان يقع فيها الأشياء (١)، فرب مولود يشتهر بالنسبة إلى شخص، وفي علم الله من آخر، فإذا قال: هذا ابني، يمكن أن يكون منه، فما أقر بما يقطع [ببطلانه] (٢)، بخلاف ما نحن فيه، فإنه أقر بما يقطع ببطلانه قطعا (٣). * * * [٢٠٣] * مسألة: إذا أعتق شقصا له في مملوك، فإن كان مؤسرا سرى إلى نصيب شريكه، وغرم له القيمة، وإن كان معسرا نفذ العتق في نصيبه، ولا يسري إلى نصيب شريكه، بل يبقى على حكم الرق، لا يختلف القول فيه. ومتى يحكم بسرايته في صورة الموسر، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن يسري بنفس اللفظ. والثاني: يسري بدفع القيمة.

стр. 635

والثالث: أنه يكون موقوفا، فإن دفع القيمة تبينا أنه عتق من حين اللفظ، وإن لم يدفع تبينا أنه لم يعتق (١). وقال أبو حنيفة ﵀: العتق لا يسري بحال، موسرا كان المعتق أو معسرا، وإنما يستحق إعتاق النصيب الآخر. فإن كان المعتق معسرا كان شريكه بالخيار من أن يعتق نصيب نفسه، ويكون الولاء بينهما، وبين أن يستسعيه في قيمة نصيبه، فيجب عليه أن يسعى ويكتسب ليخلص نفسه، فإذا أداها إليه عتق. وإن كان موسرا، كان شريكه مخيرا بين ما ذكرناه، وبين أن يغرم شريكه المعتق قيمة نصيبه، فيكون جميع ولائه لشريكه، ويرجع شريكه بما غرمه في سعاية العبد، فيستسعيه، وهكذا إذا أعتق شقصا من عبد نفسه، فإن السيد يستسعي العبد في أداء قيمته عنده (٢). وجملة الأمر: أن النزاع بيننا وبينهم في ثلاثة فصول: أحدها: إثبات أصل السراية. الثاني: إبطال أصل السعاية. الثالث: التفرقة بين الموسر والمعسر في السراية. ومأخذ النظر في الفصول الثلاثة: أن العتق هل يقبل التجزؤ أم لا؟. فعندنا يتجزأ، وعندهم لا يتجزأ، ولا يتصور نفوذ العتق في البعض
следующие страницы →