Полный текст (3 443 стр.). Показаны 3431–3443 · переход к 3436.
стр. 3431
أَحَدُها: أَنَّ مَكَّةَ مِنْ تِهَامَةَ، وَتِهامَةُ مِنْ أَرْضِ اليَمَنِ؛ وَلِهَذَا يُسَمَّى ما والَى مَكَّةَ مِنْ أَرْضِ اليَمَنِ: التَّهائِمُ، (فَعَلَى هَذَا مَكَّةُ يَمَانِيَةٌ.
وَالوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ (١) إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ بِتَبُوكٍ ناحِيَةِ الشَّامِ) (٢)، وَكانَتِ المَدِينَةُ وَمَكَّةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اليَمَنِ يَوْمَئِذٍ، فَأَشَارَ إِلَى تِلْكَ الجِهَةِ إِذْ ذاكَ وَهُوَ يُرِيدُ مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ، أَي: الإِيمَانُ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُونا مِنَ اليَمَنِ، كَما يُقالُ: الرُّكْنُ اليَمَانِيُّ؛ لأَنَّهُ يَلِي جَانِبَ اليَمَنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ اليَمَنِ، وَيُقالُ لِنَجْمٍ فِي السَّمَاءِ: سُهَيْلٌ اليَمَانِي؛ لأَنَّه يُرَى مِنْ ناحِيَةِ اليَمَنِ. وَقِيلَ: أَرادَ بِذَلِكَ الأَنْصارَ وَهُمْ يَمَانِيَةٌ؛ لأَنَّهُمْ نَصَرُوا الإِيمَانَ، فَنَسَبَ الإِيمَانَ إِلَيْهِمْ. قالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهُوَ أَعْجَبُ الأَقْوالِ إِلَيَّ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ لَمّا قَدِم أَهْلُ اليَمَنِ: «أَتاكُمْ أَهْلُ اليَمَنِ هُمْ أَلْيَنُ قُلُوبًا، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الإيمانُ يَمَانٍ، وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ» (٣).
قُلْتُ: وَالأَبْعَدُ مِنْ هَذا التَّكَلُّفِ أَنْ يُقالَ: إِنَّما قَالَ ﵇ ذَلِكَ لَمّا أَتاهُ وُفُودُ أَهْلِ اليَمَنِ طَائِعِينَ، وَدَخَلُوا فِي الإِسْلامِ مِنْ غَيْرِ إِكْرَاهٍ وَلَا شِدَّةِ قِتالٍ، تَأَلَّفَهُمْ ﷺ بِهَذِهِ الكَلِماتِ؛ تَوْقِيرًا لِرَغَبَاتِهِمْ، وَتَعَطُّفًا لَهُمْ، وَأَضَافَ الإِيمَانَ إِلَيْهِمْ لأَنَّ أَكْثَرَ قُوَّةِ الإِيمَانِ إِنَّمَا جَاءَ مِنْ جِهَتِهِمْ، لا أَنَّ غَيْرَهُمْ خَارِجُونَ مِنْ هَذَا الحُكْمِ، فَقَدْ يُضافُ جَمِيعُ الشَّيْءِ إِلَى شَيْءٍ إِذا كانَ حُصُولُ أَكْثَرِهِ مِنْهُ، وَلَيْسَ هَذَا بِبَعِيدٍ فِي إِطْلاقاتِهِمْ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ стр. 3432
ﷺ عَلَى ذَلِكَ، كَما قالَ ﷺ : «إِنِّي أَجِدُ نَفَسَ رَبِّكُمْ مِنْ قِبَلِ اليَمَنِ» (١) لَمَّا اسْتَنْشَقَ مِنْهُمْ رَائِحَةَ الإِسْلامِ وَالدُّخُولَ فِي الإِيمَانِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ حِينَ قَصَّ قِصَّةً مِنَ ابْتِدَاءِ حالِهِ: «قالَ: كُنْتُ أَنا وَأُخْتًا لِي نَرْعَى عَلَى أَبَوَيْنا نَاضِحًا .. وَذَكَرَ كَلامًا طَوِيلًا، إِلَى أَنْ قالَ: وَزَوَّدَتْنا أُمُّنا يُمَيْنَتَيْها مِنَ الهَبِيدِ» (٢).
الوَجْهُ أَنْ يُقالَ: «يُمَيِّنَيْها» - بِالتَّشْدِيدِ - تَثْنِيَةُ يُمَيِّنٍ، وَهُوَ تَصْغِيرُ يَمِينٍ - بِلا هاءٍ -، وَأَرادَ أَنَّها أَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُما كَفًّا بِيَمِينِها، فَهاتانِ [يُمَيِّنَانِ] (٣). وَإِنَّما قالَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ كَفَّيْها أَوْ يَدَيْها؛ لأَنَّها ما أَعْطَتْهُما بِجَمِيعِ الكَفَّيْنِ، وَلَكِنْ أَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدٍ كَفًّا وَاحِدَةً بِيَمِينِها فَهُما يَمِينانِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا هِيَ: «يَمْنَتَيْها»، وَاليَمْنَةُ: فَعْلَةٌ مِنْهُ، يُقالُ: أَعْطَى يَمْنَةً وَيَسْرَةً: إِذا أَهْوَى بِيَمِينِهِ مَبْسُوطَةً إِلَى طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَعْطَى بِها مَقْبُوضَةً قِيلَ: أَعْطاهُ قَبْضَةً. قَالَ الأَزْهَرِيُّ: الصَّوابُ عِنْدِي ما رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ: «يُمَيْنَتَيْها»؛ لأَنَّها أَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُما بِيَمِينِها يَمْنَةً، فَتَصْغِيرُ اليَمْنَةِ يُمَيْنَةٌ، وَالتَّثْنِيَةُ: يُمَيْنَتَيْنِ (٤).
وَفِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: «أَنَّهُ قالَ فِي دُعَائِهِ: لَيَمْنُكَ لَئِنِ стр. 3433
ابْتَلَيْتَ فَلَقَدْ عَافَيْتَ، وَلَئِنْ أَخَذْتَ فَلَقَدْ أَبْقَيْتَ» (١).
قالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ يَمِينٌ حَلَفَ بِها، وَهِيَ كَقَوْلِهِمْ: يَمِينُ اللهِ، ثُمَّ تُجْمَعُ اليَمِينُ أَيْمُنًا، ثُمَّ يَحْلِفُونَ فَيَقُولُونَ: وَأَيْمُنُ اللهِ وَأَيْمُنُكَ (٢) يا رَبُّ، ثُمَّ حَذَفُوا النُّونَ لِكَثْرَةِ الاِسْتِعْمالِ، فَقَالُوا: أَيْمُ اللهِ، كَما قالُوا: لَمْ يَكُ، وَمَجازُهُ فِي ارْتِفاعِهِ مَجازُ قَوْلِهِمْ: لَعَمْرُكَ عَلَى تَقْدِيرِ إِضْمَارِ خَبَرِ الابْتِدَاءِ، فَكَأَنَّهُ قالَ: أَيْمُنُكَ فَلأَيْمُنُكَ عَظِيمٌ، أَوْ قَسَمٌ عَظِيمٌ وَعَمْرُكَ فَلَعَمْرُكَ يَمِينٌ عَظِيمَةٌ، هَذا وَجْهُ الكَلامِ. ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: سُمِّيَ الحَلِفُ يَمِينًا بِاسْمِ يَمِينِ اليَدِ؛ لأَنَّهُمْ كَانُوا يَبْسُطُونَ أَيْمَانَهُمْ إِذا تَحالَفُوا.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ يَمِينَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ - تعالى -» (٣).
فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ الحَلِفُ بِاللهِ - تعالى -. ثُمَّ لِلعَرَبِ فِيهِ وُجُوهٌ يُطْلِقُونَها، يَقُولُونَ: مِ اللهِ وَ مُ اللهِ - بِمِيمٍ واحِدَةٍ -، وَمَنُ اللهِ وَمِنُ اللهِ وَأَيْمُنْ اللهِ وَايْمُ اللهِ وَلَيْمُنُ اللهِ وَاِيمُ اللهِ - بِكَسْرِ الأَلِفِ -، كُلُّ ذَلِكَ قَدْ قِيلَ.
وَفِي قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ: «أَمَرَهُمْ ﷺ أَنْ يَتَيَامَنُوا عَنِ الغَمِيمِ» (٤).
أَيْ: يَأْخُذُوا يَمِينًا، وَكَانَ يَعْقُوبُ يَقُولُ (٥): يامِنْ بِأَصْحَابِكَ، стр. 3434
وَشائِمْ بِهِمْ، أَيْ: خُذْ بِهِمْ يَمِينًا وَشِمالًا. قالَ: وَلا يُقَالُ: تَيَامَنْ بِهِمْ. وَقالَ غَيْرُهُ: تَيَامَنَ القَوْمُ وَتَشاءَمُوا: إِذا أَخَذُوا نَحْوَ اليَمَنِ وَالشَّامِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ» (١).
أَيْ: يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَحْلِفَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ إِذا حَلَفْتَ لا عَلَى ما تَنْوِيهِ أَنْتَ (٢) فِي نَفْسِكَ. стр. 3435
فصل الياء مع النون
• (ينع) فِي حَدِيثِ طَهْفَةَ: «بِيانِعِ الثَّمَرِ» (١).
وَهُوَ المُدْرِكُ مِنْهُ البالِغُ النُّضْجِ (٢)، يُقالُ: يَنَعَ وَأَيْنَعَ. قالَ الفَرَّاءُ: وَأَيْنَعَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا مِنْ يَنَعَ.
وَمِنْهُ فِي خُطْبَةِ الحَجّاجِ: «أَرَى رُؤُوسًا قَدْ أَيْنَعَتْ وَحانَ قِطافُها» (٣).
أَرادَ: أَنَّ رُؤُوسَهُمُ اسْتَحَقَّتِ القَتْلَ إِنْ لَمْ تُطِعْ، وَحَانَ أَنْ تُجْتَنَى، أَيْ: تُقْطَعَ.
وَفِي حَدِيثِ المُلاعَنَةِ: «أَنَّهُ قالَ لِعاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ (٤): إِنْ وَلَدَتْهُ أُحَيْمِرَ مِثْلَ اليَنَعَةِ فَهُوَ لأَبِيهِ الَّذِي انْتَفَى مِنْهُ» (٥).
وَهِيَ خَرَزَةٌ حَمْراءُ، وَاليَنَعُ: ضَرْبٌ مِنَ العَقِيقِ مَعْرُوفٌ.
وَفِي بَعْضِ الرِّواياتِ: «إِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ» (٦).
وَهِيَ الوَزَغَةُ. стр. 3436
فصل الياء مع الواو
• (يوم) فِي حَدِيثِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: «أَنَّهُ قَالَ لِلحَجَّاجِ: سِرْ إِلَى العِراقِ غِرارَ النَّوْمِ، طَوِيلَ اليَوْمِ» (١).
يُقالُ ذَلِكَ لِمَنْ جَدَّ فِي العَمَلِ يَوْمَهُ، وَهَجَرَ بِاللَّيْلِ نَوْمَهُ، لَا يَشْتَغِلُ بِلَهْوٍ وَلا لَعِبٍ، فَكَأَنَّهُ إِذا سَهِرَ لَيْلَهُ وَصَلَ بِهِ يَوْمَهُ فَطَالَ بِذَلِكَ يَوْمُهُ؛ وَلِهَذَا قِيلَ لِلمُتَهَجِّدِ: هُوَ طَوِيلُ اليَوْمِ، وَلا يَحْمَدُ أَهْلُ الجِدِّ فِي الأُمُورِ مِنَ النَّوْمِ إِلا مِقْدارَ ما تَسْتَرِيحُ الحَواسُّ؛ فَإِنَّ النَّوْمَ أَخُو المَوْتِ، فَمَنْ أَكْثَرَ النَّوْمَ كَأَنَّهُ رَضِيَ بِأَنْ يَكُونَ فِي حَيَاتِهِ مَيِّتًا، أَيْ: فِي حُكْمِ الأَمْواتِ.
وَفِي حَدِيثِ ذِي المِشْعارِ: «خارِفٌ وَيامٌ» (٢).
وَهُما قَبِيلَتَانِ، يُقالُ: فُلانٌ الخَارِفِيُّ، وَزُبَيْدٌ اليَامِيُّ. стр. 3437
فصل الياء مع الهاء
• (يهم) فِي الحَدِيثِ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الأَيْهَمَيْنِ» (١).
وَهُمَا السَّيْلُ وَالحَرِيقُ، وَيُقَالُ فِي أَحَدِهمَا: إِنَّهُ الجَمَلُ الصَّائِلُ؛ لأَنَّهُ مِمَّا (٢) لا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ وَلا يَنْطِقُ فَيُكَلَّمُ وَيُسْتَعْتَبُ، وَلا يُهْتَدَى فِيهِما عِنْدَ هَيْجِهِما كَيْفَ النَّجَاةُ وَالفِرَارُ مِنْهُمَا؟. كَما لا يُهْتَدَى فِي اليَهْماءِ، وَهِيَ الفَلاةُ الَّتِي لا يُعْرَفُ طُرُقُهَا وَلا مَا فِيهَا. وَالأَيْهَمُ: البَلَدُ الَّذِي لا عَلَمَ بِهِ.
تَمَّ الكِتَابُ بِحَمْدِ اللهِ - تعالى - وَعَوْنِهِ
وَهُوَ آخِرُ مَجْمَعِ الغَرَائِبِ وَمَنْبَعِ الرَّغَائِبِ.
قالَ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ تعالى أَبُو الحَسَنِ عَبْدُ الغَافِرِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الغَافِرِ الفَارِسِيُّ - غَفَرَ اللهُ لَهُ وَلِوالِدَيْهِ، وَعَفَا عَنْ ذُنُوبِ قَدَّمَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ -: قَدْ يَسَّرَ اللهُ إِتْمَامَ هَذَا الكِتابِ المُشْتَمِلِ عَلَى تَفْسِيرِ غَرائِبِ الأَحادِيثِ (٣) مُرَتَّبًا عَلَى حُرُوفِ المُعْجَمِ فِي ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ بابًا، كُلُّ بابٍ يَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ، يَبْدَأُ فِي الفَصْلِ الأَوَّلِ بِالهَمْزَةِ (٤) مَعَ سَائِرِ الحُرُوفِ، ثُمَّ فِي الثَّانِي بِالبَاءِ مَعَ سَائِرِ الحُرُوفِ، стр. 3438
وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ فَصْلٍ عَلَى التَّرْتِيبِ إِلَى فَصْلِ اليَاءِ مَعَ سَائِرِ الحُرُوفِ إِلَّا ما هُوَ مِنَ المُهْمَلِ، أَوْ غَيْرَ مَوْجُودٍ وَلا مَنْقُولٍ فِي الأَحادِيثِ. وَلَمْ يَكُنِ الغَرَضُ مِنْ هَذا التَّرْتِيبِ إِلَّا التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ - تعالى - بِتَسْهِيلِ الطَّرِيقِ عَلَى الطَّالِبِينَ مِمَّنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَهُمُّهُ فِي حَدِيثٍ مِنْ أَحادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَحادِيثِ الصَّحابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنَ السَّلَفِ ﵃ أَجْمَعِينَ -؛ لِئَلَّا يَحْتاجَ إِلَى تَصَفُّحِ المُصَنَّفاتِ الَّتِي لَا تَرْتِيبَ
فِيهَا مِنْ هَذا الفَنِّ، بَلْ يَصِلُ إِلَى مَقْصُودِهِ عَلَى يُسْرٍ فِي أَوْجَزِ مُدَّةٍ بِلا كُلْفَةٍ، وَرُبَّما يَعْثُرُ مِنَ المَعانِي الزَّائِدَةِ عَلَى مَا فِي الكُتُبِ عَلَى نُتْفَةٍ وَطُرْفَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَدُورُ فِي الخَلَدِ مُدَّةَ الاشْتِغَالِ بِتَحْرِيرِ هَذا التَّرْتِيبِ فِي هَذا المَجْمُوعِ أُمْنِيَّةٌ، وَلا خَطَرَ بِالبالِ هَمٌّ وَلا نِيَّةٌ، إِلَّا المُهْلَةُ مِنَ اللهِ - تعالى - فِي الأَجَلِ، وَالفُسْحَةُ فِي المَهَلِ، إِلَى الفَراغِ مِنْهُ، فَإِنَّ الزَّمانَ قَلَّما يَسْمَحُ بِإِتْمامِ الذَّخائِرِ، وَظَنِّي أَنَّ مَا تَيَسَّرَ مِنْ أَهَمِّ مَا يُعْنَى بِهِ مِنْ فُنُونِ الأَحابِرِ، لِشِدَّةِ الاحْتِياجِ إِلَيْهِ إِنْ أَنْصَفَ النَّاظِرُ؛ وَإِذا وَافَقَ القَضاءُ القَدَرَ، وَما انْقَطَعَ سِلْكُ المَأْمُولِ وَلا انْبَتَرَ، فَلَيْسَ إِلَّا الإِمْعانُ فِي الشُّكْرِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَإِعْلانًا وَإِسْرَارًا، لِواهِبِ التَّوْفِيقِ وَالتَّيْسِيرِ، فَلَيْسَ مِنَ العَبْدِ الضَّعِيفِ سِوَى العَجْزِ وَالتَّقْصِيرِ، وَالحَقُّ - تعالى - هُوَ المُجْرِئُ وَالمُنْشِئُ، مِنْهُ المَبْدَأُ وَإِلَيْهِ المَصِيرُ، وَهُوَ المُسْتَعانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلانُ، وَالمَرْجُوُّ مِنْهُ أَنْ يَمُنَّ بِحُسْنِ الخَاتِمَةِ، وَيُبَارِكَ فِي الانْتِفاعِ بما يَسَّرَهُ، وَيُحَقِّقَ المَأْمُولَ مِنَ الثَّوابِ عَلَى ما عاناهُ العَبْدُ
стр. 3439
وَحَرَّرَهُ، وَيَجْعَلَهُ وَسَبِيلَهُ إِلَى التُّرْبَةِ الزَّكِيَّةِ الطَّاهِرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَالرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ الأَبْطَحِيَّةِ، وَذَرِيعَةً إِلَى شَفَاعَتِهِ بَعْدَما حَكَمَ لَهُ بِالانْخِرَاطِ فِي سِلْكِ أُمَّتِهِ، وَالنَّاشِرِينَ لِمَعالِمِ شَرِيعَتِهِ، وَالشَّارِحِينَ لأَخْبَارِهِ وَآثَارِهِ وَسُنَّتِهِ، وَيَحْشُرَهُ فِي زُمْرَةِ المُهْتَدِينَ بِهَدْيِهِ، المُتَّبِعِينَ لِطَرِيقَتِهِ، المُقِرِّينَ بِفَضْلِ خُلَفَائِهِ الرّاشِدِينَ، الهادِينَ المَهْدِيِّينَ خُصُوصًا وَعُمُومًا بِحُسْنِ الوَلاءِ لِجَمِيعِ صَحابَتِهِ، وَأَوْلَادِهِ وَأَزْواجِهِ وَعَشِيرَتِهِ بِفَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ.
ولَقَدِ اتَّفَقَ تَخْرِيجُ الأَحادِيثِ مِنَ المُصَنَّفِ فِي الغَرِيبِ لأَبِي عُبَيْدٍ القاسِمِ ابْنِ سَلّامٍ، فاتِقِ هَذا الشَّأْنِ، وَفاتِحِ هَذا البَيانِ، الَّذِي لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ فِي سالِفِ الأَيّامِ، وَهُوَ أَحَدُ مَنْ مَنَّ اللهُ - تعالى - بِعِلْمِهِ عَلَى أَهْلِ الإِسْلامِ، وَكِتابُهُ مَسْمُوعٌ لِي عَالِيًا مِنَ الشَّيْخِ أَبِي سَعْدٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ رامِشِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (١) ﵀، بِرِوايَتِهِ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي القاسِمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّرّاجِ الكَوْشَكِيِّ (٢)، عَنْ أَبِي стр. 3440
الحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الكارِزِيِّ (١) عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (٢)، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ﵃ أَجْمَعِينَ -. فَما فِيهِ مِنْ كِتَابِهِ فَإِسْنَادُهُ مَا ذَكَرْتُهُ. وَمَا فِيهِ مِنْ غَرِيبِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ القُتَيْبِيِّ فَهُوَ مَسْمُوعٌ لِي عَنْ وَالِدِي الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللهِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الغَافِرِ (٣) - تَغَمَّدَهُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ - قِراءَةً عَلَيْهِ، وَأَجازَهُ لِي مِنْ شَيْخِهِ أَبِي الوَلِيدِ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرْبَنْدِي ثُمَّ البَلْخِيِّ (٤) رِوايَتَهُ (٥) عَنْ أَبِي القَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ الحَسَنِ الخُزاعِيِّ المَراغِيِّ (٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الهَيْثَمِ ابْنِ كُلَيْبِ بْنِ سُرَيْجِ بْنِ مَعْقِلِ الشَّاشِيِّ (٧) عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ وَهُوَ المُصَنِّفُ. стр. 3441
ومَا فِيهِ مِنْ غَرِيبِ أَبِي سُلَيْمَانَ الخَطَّابِيِّ فَهُوَ مَسْمُوعٌ لِي عَنْ وَالِدِي عَنْ جَدِّي الشَّيْخِ أَبِي الحُسَيْنِ (١) رِوايَتَهُ الكِتَابَ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ ﵀.
ومَا فِيهِ مِنْ كِتابِ الغَرِيبِ لإِبْرَاهِيمَ الحَرْبِيِّ فَهُوَ رِوايَتِي عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الجَوْهَرِيِّ البَغْدَادِيِّ (٢) (بِالإِجازَةِ الصَّحِيحَةِ بِاسْتِجازَةِ والِدِي لِي (٣) رِوايَتَهُ) (٤).
وَما فِيهِ مِنْ كِتابِ الغَرِيبَيْنِ لأَبِي عُبَيْدٍ الهَرَوِيِّ فَهُوَ سَمَاعِي مِنَ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيِّ (٥) الحافِظِ عَنِ الإِمامِ شَيْخِ الإِسْلامِ أَبِي عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّابُونِيِّ (٦) عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ المُصَنِّفِ.
وَلَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَنْ هَذِهِ الكُتُبِ المَنْسُوبَةِ إِلَى هَؤُلاءِ الأَئِمَّةِ إِلَّا زَوائِدُ يَسِيرَةٌ، وَفَوائِدُ قَلِيلَةٌ سَمَحَ بِها الخاطِرُ، أَوْ تَصَرُّفٌ فِي стр. 3442
اسْتِتْمامُ كَلامٍ لَمْ يَشْفِ الغَلِيلَ مُنْتَهاهُ فِي كُتُبِهِمْ، جَرْيًا عَلَى مِنْهاجِهِمْ، وَنَسْجًا عَلَى مِنْوالِهِمْ.
وَأَنَا أُوصِي إِلَى كُلِّ مَنْ يُطَالِعُهُ عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ أَنْ يُصْلِحَ مَا يَعْثُرُ عَلَيْهِ مِنْ خَلَلٍ وَاقِعٍ فِيهِ، بَعْدَ تَمْهِيدِ العُذْرِ، فَإِنَّ الإِنْسَانَ مَظِنَّةُ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ، وَأَنْ لا يَضِنَّ بِصالِحِ دُعاءٍ عَلَى مَنْ لا اعْتِمَادَ لَهُ إِلَّا عَلَى عَفْوِ اللهِ - تعالى - عَنْهُ بِفَضْلِهِ، أَوْ بِشَفاعَةِ نَبِيِّهِ ﷺ ، أَوْ بِدَعْوَةٍ صَالِحَةٍ مِنْ أَخٍ صَالِحٍ فِي الدِّينِ لَعَلَّ اللهَ - تعالى - يَخْتِمُ بِالسَّعادَةِ عُمُرَهُ، وَيَقْرِنُ بِالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ ذِكْرَهُ، وَلَا يَجْعَلُ سَعْيَهُ وَبالًا عَلَيْهِ، إِنَّهُ المَرْغُوبُ فِيمَا لَدَيْهِ.
وَاتَّفَقَ إِتْمَامُهُ لِمُصَنِّفِهِ فِي شَعْبَانَ سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ (١).
وَالحَمْدُ للهِ وَصَلَواتُهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلامٍ
شَاهَدْتُ فِي نُسْخَةٍ بِهَذا الكِتابِ فِي سِفْرٍ وَاحِدٍ، وَهِيَ بِخَطِّ الإِمَامِ الحافِظِ أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ المُرَادِيِّ الأَنْدَلُسِيِّ (٢) ﵀ ما صُورَتُهُ بِخَطِّ المُصَنِّفِ.
قَرَأَ هَذا الكِتابَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ أَبُو الحَسَنِ عَبْدُ الغَافِرِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الغَافِرِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الغَافِرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ стр. 3443
سَعِيدٍ الفَارِسِيُّ النِّيسابُورِيُّ، وَهُوَ حاضِرُ الإِمامَيْنِ؛ أَبِي عَلِيٍّ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (١)، وَأَبِي القَاسِمِ عَبْدِ الكَرِيمِ ابْنِ هَوازِنَ القُشَيْرِيِّ (٢) ﵄. فَسَمِعَ مِنْ قِرَاءَةِ صَاحِبِ هَذِهِ النُّسْخَةِ وَكَاتِبِها الشَّيخُ الإِمامُ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ المُرادِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ - مَتَّعَهُ اللهُ بِهِ وَبِأَمْثالِهِ -. وَعارَضَها وَقْتَ القِراءَةِ بِنُسْخَةِ الأَصْلِ، وَسَمِعَ مَعَهُ الشَّيْخُ الرَّئِيسُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ العارِفُ (٣). وَكَانَتِ القِراءَةُ فِي مَجالِسَ، آخِرُها وَقَعَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ الخامِسِ مِنْ جُمادَى الآخِرَةِ سَنَةَ ثَمانٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. وَهَذا خَطُّ أَبِي الحَسَنِ كَتَبَهُ حُجَّةً لَهُ بِذَلِكَ، وَللهِ الحَمْدُ وَالمِنَّةُ. نَقَلَهُ خَالِدُ بْنُ يُوسُفَ النَّابُلْسِيُّ (٤) مِنَ الأَصْلِ، وَهُوَ وَقْفٌ بِدُوَيْرَةِ السُّمَيْساطِيِّ (٥) ﵀ وَالحَمْدُ للهِ.