Полный текст (3 443 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
أصل هذا الكتاب
رسائل علميّة تقدّم بها المحقّقون
إلى قسم الدّراسات العليا العربيّة
في كلّية اللّغة العربيّة بجامعة أمّ القرى
стр. 2
المُقَدِّمَة
الحمد لله على نعمة التّوفيق، وفّقنا للإسلام، وجعلنا من أمّة محمّد ﵊، أرسل رسوله بجوامع الكلم للخلق كافّة تَفَضُّلًا منه ومِنَّةً، ونصلِّي ونسلّم على رسولنا محمّد، أرسله الله للناس رحمة، وأنطقه بالهدى والحكمة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين حفظوا هداه، وبلّغوه، ورأوا نوره فاتّبعوه، وعلى أتباعهم من أئمّة الحديث المميّزين صحيحه من غيره، والمبيّنين لمعانيه، وعلى كلّ من تبعهم بالعناية بهذه السّنة بالضّبط والتّحقيق، الحائزين قصب السبق في مضمار الإيجاز والتدقيق.
أما بعد .. فإن طبيعة الكلام أنه على أقسام ثلاثة:
الأوّل: الغريب الحوشي، الغريب في ذاته، البعيد من صفة البلاغة والفصاحة.
الثاني: الواضح الذي يفهمه كل سامع أو قارئ.
الثالث: المشكل الذي لا يفهمه إلّا العرب الخلّص والعلماء المدقّقون.
• فأما النّوع الأوّل فلا مكان له في القرآن، ولا وجود له في الحديث، ولا استعمله الصحابة ولا العلماء الحاذقون؛ لأنّه مستكره في النّفس،
стр. 3
غريب عن السّمع، كريه على الذّوق، ولذلك خلت منه الدّواوين اللّغوية المتداولة بين علماء اللغة.
• وأمّا النّوع الثّاني: فأمره واضح بيّن يكون في الكلام المتداول بين النّاس في أحاديثهم، ويكون في القرآن الكريم والسّنة المطهرة، وآثار الصحابة والتّابعين، وكلام الفصحاء والبلغاء من العلماء، ولا يعني قربُ فهمه وسرعةُ معرفته أنه ركيك مبتذل. بل قد يكون مع ذلك في قمّة الفصاحة والبلاغة كما هو الحال في القرآن الكريم والحديث الشريف وغيرهما.
• وأما النوع الثّالث: فهو ما تكون غرابته بسبب واضح جَلِيٍّ كأنْ تكون بسبب جهل السامع بلغة القوم لقلّة بضاعته من لسانهم، أو تكون من الألفاظ التي جاء بها الدين ولا عهد للعرب بها من قبل، أو تكون من قبيل هجر اللفظ والبعد عن استعماله أو حتى يلحق بالغريب عن الفهم، وهذا القسم هو ما يطلق عليه العلماء «غريب القرآن الكريم، وغريب الحديث الشريف»، وقد انتدب العلماء لخدمة الكتاب الكريم والحديث الشّريف واللّغة العربيّة لغة القرآن والحديث فألّفوا في غريب القرآن وغريب الحديث وغريب اللغة وعظموا شأن هذا العلم، وأعلوا مكانه.
ونقتصر في هذه المقدمة على الكلام عن غريب الحديث الشّريف؛ إذ عظّم العلماء أمره، فأحجم كثير منهم عن ركوبه، وما أقحموا أنفسهم فيه. يقول الإمام أحمد ﵀ ورضي عنه - عندما سئل عن حرف من غريب الحديث: سلو أصحاب الغريب فإنّي أكره أن أتكلّم في قول رسول الله ﷺ بالظَنّ فأخطيء.
стр. 4
وروى أبو موسى الأصْفَهَانِيُّ بسنده عن الأصْمَعِيّ أنَّهُ قال: «يُتَّقَى من حديث رسول الله ﷺ كما يُتَّقَى من تفسير القرآن».
لذلك ما جسر العلماء على هذا العلم بالظّنّ والتّخرّص صونًا لحديث رسول الله ﷺ أن يتكلموا فيه بغير بيّنة ولا حجّة. ولم يركب هذا البحر إلّا أهل الرّسوخ في العلم وأهل البَصَر بكلام العرب.
وظهر الاهتمام بغريب الحديث في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث - تقريبًا - ذلك عندما أدرك العلماء الأجلاء أنّ الحاجة ملحّة إلى تتبّع هذا الغريب في موطنه، وتفسيره وتوضيح المراد منه خدمة للعقيدة، وإظهارًا للدّين بعد أن أتمّ الله - تعالى - نوره وجاوز الإسلام حدود جزيرة العرب. ودخل الناس في دين الله أفواجًا واختلط العرب بغيرهم من الأعاجم، واستحال اللسان العربيّ أعجميًّا أو كاد في كثير من أقطار الإسلام، واستعجم أبناء العرب واغترب اللسان العربي بين أبناء المسلمين.
ولمّا أدرك العلماء ذلك، وتحرّكت عندهم الغيرة على حديث رسول الله ﷺ نشطوا منذ بدء التّدوين إلى التّصنيف في غريب الحديث طوال القرن الثالث والرابع والخامس حيث لم يخل زمان وعصر مِمّن جمع في هذا الفنّ شيئًا، وانفرد فيه بتأليف، واستبد فيه بتصنيف. واستمرت الحال إلى عهد الإمام الحافظ أبي الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي ﵀ وكان بعد الخمسمائة وقبلها، وانتهى إليه أكثر ما ألف في هذا الفنّ، فنظر فيه فوجد أنّ فيه ثَغْرة يمكن أن يسدّها، وثلمة يمكن
стр. 5
أن يبنيها فبادر إلى ذلك، واتّخذ منهج أبي عبيد الهروي صاحب الغريبين مسلكًا؛ غير أنّه جرّد غريب الحديث من غريب القرآن، وجمع جُلّ المصنّفات التي أُلّفت قبله مضيفًا كلّ كلمةٍ إلى أختها في بابها، فسهل البحث عن الكلمات فيه، ولطف مأخذ المعاني منه دون عسر أو مشقة، وجاء كتابه سهل المتناول قريب المأخذ فكان بالغ الأهميّة في تاريخ هذا العلم، ومؤلفه مقدم عند العلماء. وقد ضمّ الكتاب مادة غزيرة من هذا العلم في حسن ترتيب وتبويب.
• هذا وقد كُنا نتمنَّى منذ أن اتجهنا إلى دراسة اللّغة العربيّة أن يوفّقنا الله لإنجاز عمل يجمع بين خدمة الحديث الشريف وعلوم العربيّة، ويصل اللّغة بالشّريعة تقرُّبًا إلى الله، وأملًا في رضاه؛ إذ اللّغة ما هي إلا وسيلة لفهم الشّرع تبيّن وتعرب وتفسّر وتوضّح، وتكشف الأستار، وترفع الحجب عن المعاني الشّرعية ليتمكّن النّاس من العمل على أساس متين من الفهم والوضوح.
ولما يسّر الله لنا الالتحاق بهذه الجامعة المباركة واطلعنا على مجموعة من الكتب التي حُقِّقَت في غريب الحديث وقع في أنفسنا أنّ هذا السبيل فيه شيءٌ كثير من تحقيق ما نرغب فيه، ولاسيما أن كليّة اللّغة العربيّة بهذه الجامعة ضمّت مجموعة ممتازة من الأساتذة الكرام الذين لهم قصب سبق في هذا الميدان، وخبرة واسعة في معاناة هذا الفنّ.
стр. 6
ولمّا اطّلعنا على ما خرج من كتب غريب الحديث مِمّا أخرجه أساتذتنا الأجِلّاء وغيرهم مِمّن أسهم في إبراز هذه الكنوز العظيمة إلى حيز الوجود زادت الرغبة في سلوك هذا الطريق ورأينا أن الفرصة قد آن أوانها، فاستعنا بالله وأخذنا نفتش في مراجع الكتب والمصنفات والتراجم، مستشيرين أساتذتنا الأجلاء فوفق الله إلي هذا الكتاب جليل القدر، عظيم الفائدة.
стр. 7
عملنا في التحقيق
١ - اجتهدنا - ما وسعنا الجهد - في إخراج النّص سليمًا من التّحريف والتّصحيف ليكون أقرب إلى مراد المؤلف - إن شاء الله - واعتمدنا في ذلك على أربع نسخ خطّيّة، أثبتنا الفروق التي رأينا الحاجة داعية إلى بيانها. وتركنا ما لا نرى الحاجة ماسّة إلى بيانه مثل، الترضي على الصحابة من عدمه، وكقوله في بعض النّسخ عن عليّ ﵇ وفي بعض النّسخ ﵁ ونحو ذلك.
٢ - لم نقتصر في إخراج النّص على النسخ الخطِّية بل رجعنا إلى كتب الغريب للتَثبّت من صحّة النّصِّ وسلامته.
٣ - ضبطنا النّصّ بالشّكل معتمدين على المعاجم المصنّفة، ومستأنسين بما ورد من الضّبط في النّسخ لاسيّما نسختي (الاسكوريال) و (أيا صوفيا).
٤ - عزونا الأحاديث إلى مصادرها ومظانّها الأصليّة في الصّحيحين والسّنن والمسانيد والمعاجم والمصنّفات والتّراجم والتّاريخ. وعزونا الآيات إلى سورها.
٥ - عزونا الأقوال المنسوبة إلى علماء الغريب والمعاجم إلى مصادرها ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.
٦ - ترجمنا لبعض علماء اللّغة الذين قد تشتبه أسماؤهم بغيرهم، أو كانت شهرتهم بغير ما ورد في النصّ، كابن الأنباريّ، وابن عرفة.
стр. 8
٧ - وقدّمنا للنصّ المحقَّق بدراسة تضمّنت مقدّمة وتمهيدًا وفصلين.
أ - المقدّمة: بيّنا فيها أهميّة علم الغريب وأثر المؤلف في هذا العلم، وسبب اختياري للموضوع، وعملنا في التّحقيق.
ب - التّمهيد: بيّنا فيه معنى الغريب ونشأة التّصنيف فيه، وتطوّر ذلك التّصنيف إلى القرن السابع تقريبًا.
جـ - الفصل الأوّل: ترجمنا فيه للمؤلّف مبينين اسمه ونسبه ولقبه وكنيته ومذهبه، ومولده ونشأته، ورحلاته وطلبه للعلم، وتحدثت عن أسرته وشيوخه وتلاميذه، ونقلنا ما وقفنا عليه من ثناء العلماء عليه، ثم نقلنا ما رُوى عنه من شعر لنفسه، وأتبعنا ذلك ذكرَ مصنّفاته ووفاته.
د - الفصل الثاني: درسنا فيه الكتاب وتضمّنت الدّراسة ما يلي:
١ - توثيق نسبة الكتاب وتسميته.
٢ - منهجه في التأليف.
٣ - موارده في الكتاب.
٤ - رأيه وعلمه من خلال كتابه. وقد حوى هذا العنصر ما يلي:
أ - عرضه لآراء العلماء وموقفه منها.
ب - المسائل الصّرفية واللّغوية.
جـ - مسائل فقهية في الكتاب.
د - حديثه عن الرّوايات وتصحيفات المحدثين.
٥ - من مصطلحات الكتاب.
٦ - مقارنة بين مجموع غرائب الأحاديث ومجمع الغرائب.
٧ - مقارنة بين مجمع الغرائب والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير.
стр. 9
٨ - وصف النّسخ الخطيّة التي اعتمدنا عليها في التحقيق.
ثم ذيّلنا الدّراسة والنّصّ المحقّق بالفهارس الفنّيّة اللّازمة.
هذا وما كان في عملنا من جهد وإتقان، فبفضل الله ومنّته، وما كان فيه من نقص أو خلل فحسبنا أننا بذلنا الجهد وحرصنا على الإتقان والله وليّ الفضل والإحسان.
стр. 10
تمهيد
стр. 11
تمهيد
للحديثُ النبويُّ مكانته التي لا تُنكَر؛ إذ يحظى باهتمامٍ بالغٍ لدى علماء المسلمين وذلك لأنّه المصدر الثاني من مصادر التشريع، فعلومه من أشرف العلوم، ومباحثه من أجلِّ المباحث.
ومن الْمُسَلَّمِ به عند أهل الإسلام أنَّ الرَّسول ﷺ أفصحُ العرب قاطبةً، وأنَّ حديثه الشريف لا يساميه أو يدانيه كلام أحدٍ من الفصحاء والبلغاء مهما بلغ من فصاحةٍ وبلاغةٍ، وصف الجاحظ فصاحته ﵊ فقال: «استعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السُّوقيّ، فلم ينطق إلَّا عن ميراثِ حكمةٍ، ولم يتكلَّم إلَّا بكلامٍ قد حُفَّ بالعصمة، وشُيِّدَ بالتأييد، ويُسِّرَ بالتَّوفيق» ووصف حديثه فقال: «هو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة، وغَشَّاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام وقلّة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته وقلة حاجة السامع إلى معاودته .... لم يسمع النّاس بكلام قط أعم نفعًا، ولا أقصد لفظًا، ولا أعدل وزنًا، ولا أجمل مذهبًا، ولا أكرم مطلبًا، ولا أحسن موقعًا، ولا أسهل مخرجًا، ولا أفصح معنى، ولا أبين فحوى من كلامه ﷺ كثيرًا» (١).
ومع كل ذلك نرى إطلاق الغرابة على بعض ألفاظ الحديث النّبويّ
_________
(١) البيان والتبيين ٢/ ١٧، ١٨.
стр. 12
الشّريف ونرى العلماء يؤلِّفون المؤلَّفات الضّخمة لشرح غريب الحديث، فما هو المقصود بالغريب الواقع منه؟ مع الجزم بأن حديث النّبي ﷺ في قمة فصاحة البشر، بل لا يبلغ مداها ولا يقرب منها عمالقة الفصحاء والبلغاء. يقول الإمام الخطَّابِيُّ ﵀: «الغريب من الكلام إنَّما هو الغامض البعيد من الفهم، كالغريب من الناس إنَّمَا هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل. ومنه قولك للرجل إذا نحّيته وأقصيته: اغْرُبْ عَنِّي أي: ابعد. ومن هذا قولهم: نوىً غَرِبَةٌ أي: بعيدة، وشَأْوٌ مُغَرِّبٌ، وعَنْقَاءُ مُغْرِبٌ أي: جائية من بعد. وكل هذا مأخوذ بعضه من بعض، وإنما يختلف في المصادر، فيقال: غَرَبَ الرَّجُل يَغْرُبُ غَرْبًا إذا تَنَحَّى وذهب، وغَرُبَ غُرْبَةً إذا انقطع عن أهله، وغَرُبَت الكلمة غَرَابةً وغَرَبَتِ الشمس غروبًا» (١).
فنخلص من هذا الكلام كله إلى أنّ الغرابة هي البعد سواء كان بعدًا حسيًا كما في الغريب عن بلده، والشمس بعد غيابها، أو الرجل يتنحَّى ويذهب، أم بعدًا معنويًا كما في الكلام البعيد عن الفهم.
حقيقة الغرابة في الحديث:
إذا كان معنى الغرابة في الكلام هو بعده عن الفهم، فكيف يقع ذلك في الحديث؟ بعد أن قَرَّرنا أنّه في غاية الفصاحة وقِمّة البلاغة؟
لإدراك ذلك لا بُدَّ من معرفة حقيقة الغرابة. إنّ الغرابة عند إطلاقها
_________
(١) غريب الحديث للخطابي ١/ ٧٠، ٧١.
стр. 13
تصدق على المعنى العام للكلام، وتصدق على اللفظة الواحدة، فغرابة المعنى أن يكون ما «يراد به بعيد المعنى غامضه لا يتناوله الفهم إلَّا عن بعدٍ ومعاناةِ فكرٍ» (١).
• وأما غرابة اللفظة الواحدة فمرجع ذلك إلى أحد ثلاثة أمور:
١ - أن تكون اللفظة من الغريب الحوشي، الغريب في ذاته، وهذا هو الذي قال عنه الجاحظ بعد أن أورد بعض الأمثلة لمثل هذه الألفاظ، منها قول يحيى بن يَعْمَر: «أأنْ سألتك ثمن شَكْرِها، وشَبْرك أنشأت تطلُّها وتَضْهَلُها» قال الجاحظ بعد تفسير هذه الألفاظ: «فإن كانوا إنَّما رووا هذا الكلام لأنَّه يدلّ على فصاحة فقد باعده الله من صفة البلاغة والفصاحة، وإن كانوا إنّما دوَّنوه في الكتب وتذاكروه في المجالس لأنّه غريب فأبيات من شعر العجاج وشعر الطّرماح وأشعار هذيل تأتي لهم مع حسن الرّصف على أكثر من ذلك، ولو خاطب بقوله: «أأن سألتك ثمن شكرها … » الأصْمَعِيَّ لظننت أنّه سيجهل بعض ذلك. وهذا ليس من أخلاق الكتاب ولا من آدابهم» (٢).
فهذا النوع مستكره، غريب على السمع، كريه على الذوق، وتخلو منه الدواوين اللغوية المتداولة بين علماء اللغة.
_________
(١) المصدر السابق.
(٢) البيان والتبيين ١/ ٣٧٨، ٣٧٩.
стр. 14
٢ - أن تكون الألفاظ غير شائعة الاستعمال في بعض العصور أو البيئات بمعنى أنه كان في وقت من الأوقات متداولًا على ألسنة الفصحاء، ثم قلّ استعماله مع مرور الزمن.
٣ - «أن يراد به كلام من بعدت به الدار ونأى به المحل من شواذّ قبائل العرب فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم استغربناها وإنّما هِيَ كَلَامُ الْقَوْمِ وبيانُهم، وعلى هذا ما جاء عن بعضهم وقال له قائل: أسألك عن حرف من الغريب. فقال: هو كلام القوم، إنَّما الغريب أنت وأمثالك من الدّخلاء فيه» (١).
• إذن ما الغريب الذي وقع في الحديث من هذه الأنواع؟
يقول ابن الصّلاح عن ذلك: «هو عبارة عما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة البعيدة من الفهم لقلة استعمالها، وهذا علم مهم يقبح جهلة بأهل الحديث خاصّةً ثمّ بأهل العلم عامّة، والخوض فيه ليس بالهيِّن، والخائض فيه حقيق بالتحريّ، جدير بالتوقّي، وقد روي عن أحمد بن حنبل أنه سئل عن حرف منه فقال: سلوا أصحاب الغريب فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله ﷺ بالظّنّ فأخطئ» (٢).
وفي هذا المعنى وفي أسبابه يقول ابن الأثير ﵀: «واستمر
_________
(١) غريب الحديث للخطابي ١/ ٧١.
(٢) علوم الحديث لابن الصلاح ٢٤٥.
стр. 15
عصره ﷺ إلى حين وفاته على هذا السَّنن المستقيم وجاء العصر الثاني - وهو عصر الصحابة - جاريًا على هذا النّمط، سالكًا هذا المنهج. فكان اللسان العربي عندهم صحيحًا محروسًا لا يتداخله الخلل، ولا يتطرق إليه الزّلل، إلى أن فُتِحت الأمصار، وخالط العرب غير جنسهم من الرّوم والفرس والحبش والنّبط وغيرهم من أنواع الأمم الذين فتح الله على المسلمين بلادهم، وأفاء عليهم أموالهم ورقابهم، فاختلطت الفرق، وامتزجت الألسن، وتداخلت اللغات، ونشأ بينهم الأولاد فتعلموا من اللسان العربي ما لا بدّ لهم في الخطاب منه وحفظوا من اللّغة ما لا غنى لهم في المحاورة عنه، وتركوا ما عداه لعدم الحاجة إليه وأهملوه لقلّة الرّغبة في الباعث عليه، فصار بعد كونه من أهمّ المعارف مطّرحًا مهجورًا، وبعد فرضيته اللازمة كأن لم يكن شيئًا مذكورًا، وتمادت الأيّام - والحالة هذه - على ما فيها من التماسك والثبات، واستمرت على سنن من الاستقامة والصلاح، إلى أن انقرض عصر الصحابة، والشأن قريب، والقائم بواجب هذا الأمر لقلّته غريب. وجاء التابعون لهم بإحسان فسلكوا سبيلهم لكنهم قلّوا في الإتقان عددًا، واقتفوا هديهم وإن كانوا مدّوا في البيان يدًا. فما انقضى زمانهم على إحسانهم إلَّا واللسان العربيُّ قد استحال أعجميًا أو كاد، فلا ترى المستقلّ به والمحافظ عليه إلّا الآحاد.
هذا والعصر ذلك العصر القديم، والعهد ذلك العهد الكريم، فجهل الناس من هذا المهم ما كان يلزمهم معرفته، وأخّروا ما كان يجب
стр. 16
عليهم تقدمته، واتخذوه وراءهم ظهريًّا، فصار نسيًا منسيًّا، والمشتغل به عندهم بعيدًا قصِيًّا. فلمّا أعضل الداء، وعزَّ الدّواء، ألهم الله جماعةً من أولي المعارف والنهى وذوي البصائر والحجى، أن صرفوا إلى هذا الشأن طرفًا من عنايتهم، وجانبًا من رعايتهم، فشرعوا فيه للناس موارد، ومهدوا فيه لهم معاهد، حراسة لهذا العلم الشريف من الضياع، وحفظًا لهذا المهم العزيز من الاختلال» (١).
فيرجع ابن الأثير السبب في غرابة بعض ألفاظ الحديث إلى اختلاط العرب بغيرهم، وتَعَلُّم غير العرب العربِيّة، واقتصارهم على تَعَلُّم بعض الألفاظ دون بعض مما أدى إلى هجر ألفاظ عربيّة فصيحة حتى أصبحت فيما بعد غريبة بعيدة الفهم، احتاجت إلى التفسير والبيان. وهذا ما قام به علماء غريب الحديث الشريف.
ولا شك أن معرفة ألفاظ الحديث مقدمةٌ في الرتبة على معرفة معانيه؛ لأنها الأصل في الخطاب وبها يحصل التفاهم، فإذا عُرِفَتْ ترتّبت المعاني عليها، فكان الاهتمام ببيانها أولى.
ولما أدرك العلماء الأجلاء هذا المعنى انتدبوا أنفسهم لخدمة هذا الفن، ففسّروا ما استغلق من معاني كلماته، لورعهم وخوفهم من القول في حديث رسول الله بغير علم. فلقد رُوِيَ عن الإمام أحمد أنّه قال عندما سُئِل عن حرف من الحديث: «سلوا أصحاب الغريب فإني أكره
_________
(١) مقدمة ابن الأثير في النهاية ١/ ٥.
стр. 17
أن أتكلم في قول رسول الله ﷺ بالظن فأخطئ» (١).
وقال أبو موسى: «وجدت بخطّ والدي ﵀ وهو إجازة لي عنه - حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي إملاءً نا أبو القاسم بن إبراهيم بن محمد الجلاب نا أبو يعقوب نا محمد بن الربيعي بن نافع نا المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: «كانوا يكرهون أن يفسِّروا حديث رسول الله ﷺ برأيهم كما كانوا يكرهون أن يفسّروا القرآن برأيهم» (٢) وساق بسنده إلى نصر بن علي قال: سمعت الأصْمَعِيَّ يقول: «يُتَّقَى من حديث رسول الله ﷺ كما يُتَّقَى من تفسير القرآن» (٣) ففي هذه الأخبار دليل واضح على حرص العلماء الأجلّاء على فهم معاني الحديث فهمًا صحيحًا، وعلى خشيتهم من وقوع التخرص والظنون في تفسير الحديث لذلك قاموا بالبحث في غريبه، وجمع ما يرون فيه غرابة في اللفظ والمعنى وصرفوا إليه عنايتهم ورعايتهم.
• وتنسب بداية التأليف في هذا الفن إلى أبي عبيدة معمر بن المثنى (ت سنة ٢٠٩ هـ) (٤).
يقول ابن الأثير: «فقيل إنّ أوّل من جمع في هذا الفنّ شيئًا وألّف أبو عبيدة معمر بن المثنَّى التّيميّ فجمع من ألفاظ غريب الحديث والأثر كتابًا صغيرًا ذا أوراقٍ معدودات، ولم تكن قلته لجهله بغيره من
_________
(١) علوم الحديث لابن الصلاح ٢٤٥.
(٢) مقدمة المجموع المغيث ١/ ٦.
(٣) المصدر السابق.
(٤) معجم الأدباء للحموي ١١/ ١٥٥، وبغية الوعاة للسيوطي ٢/ ٢٩٤.
стр. 18
غريب الحديث، وإنّما كان ذلك لأمرين:
أحدهما: أن كل مبتدئٍ لشيءٍ لم يسبق إليه، ومبتدعٍ لأمرٍ لم يُتَقَدَّم فيه عليه فإنّه يكون قليلًا ثمّ يكثر، وصغيرًا ثم يكبر.
والثاني: أن الناس يومئذ كان فيهم أثارة من علم وعندهم معرفة فلم يكن الجهل قد عمّ ولا الخطب قد طمّ» (١).
وعاصر أبا عبيدة أبو عدنان عبد الرحمن بن عبد الأعلى السّلميّ، وهو راوية لأبي البيداء الرياحيّ. ومعاصر ليونس بن حبيب أستاذ أبي عبيدة، وعمل كتابًا في غريب الحديث ذكر فيه الأسانيد وصنفه على أبواب السنن والفقه إلا أنّه ليس بالكبير (٢).
ثم جمع أبو الحسن النضر بن شميل المازني المتوفى (سنة ٢٠٤) (٣) كتابًا في غريب الحديث أكبر من كتاب أبي عبيدة، وشرح فيه وبسط على صغر حجمه ولطفه، ثم تتابعت تآليف علماء اللغة في هذا الشأن فألف أبو علي محمد بن المستنير المعروف بقطرب (ت سنة ٢٠٦ هـ) (٤) كتابًا في ذلك وكذلك أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني (ت سنة ٢٠٦ هـ) (٥)، وأبو الحسن سعيد بن سعدة المجاشعيّ
_________
(١) مقدمة النهاية في غريب الحديث ١/ ٥.
(٢) تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٥.
(٣) الفهرست ١٢٩، ومعجم الأدباء ١٩/ ٢٤٣.
(٤) الفهرست ١٢٩، ومعجم الأدباء ١٩/ ٥٣، وشذرات الذهب ٢/ ١٦.
(٥) الفهرست (١٠٢)، ومعجم الأدباء ٦/ ٨٢، إنباه الرواة ١/ ٢٢٧.
стр. 19
الأخفش الأوسط المتوفى (سنة ٢١١ هـ) (١)، وأبو سعيد أحمد بن خالد الضرير (ت سنة ٢١٤ هـ) (٢) وأبو زيد سعيد بن أوس الأنصاريّ (ت ٢١٥ هـ) (٣) وأبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي (ت سنة ٢١٦ هـ) (٤) فقد ألف كتابًا (يقع في ورقات معدودة) (٥) وقد أحسن فيه الصنع وأجاد ونيّف على كتاب أبي عبيدة وزاد وكان في عصره وتأخر عنه (٦).
منهج جديد في التأليف في هذا الفن.
يرجع علماء غريب الحديث الفضل في شقّ هذا الطّريق، وسلوك هذا السّبيل إلى أبي عبيد القاسم بن سلّام (ت سنة ٢٢٤ هـ) مصنّف غريب الحديث وذلك لمنهجه المتميز في ذلك، حيث جمع عامّة ما في كتب الذين تقدّموه وفسّره، وذكر الأسانيد، وصنّف المسند على حدته وأحاديث كلّ رجل من الصحابة والتابعين على حدته، وأجاد تصنيفه فرغب فيه أهل الحديث والفقه واللغة لاجتماع ما يحتاجون إليه فيه «فإنه قد انتظم بتصنيفه عامّة ما يُحْتَاج إلى تفسيره من مشاهير غريب
_________
(١) تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٥، والمجموع المغيث ١/ ٨، ٩.
(٢) معجم الأدباء ٣/ ١٧، وإنباه الرواة ١/ ٧٦، بغية الوعاة ١/ ٣٠٥.
(٣) الفهرست ١٢٩.
(٤) الفهرست ٨٢، ١٢٩، وإنباه الرواة ٢/ ٢٠٣، ووفيات الأعيان ٢/ ٣٤٩.
(٥) غريب الحديث للخطابي ١/ ٤٩.
(٦) النهاية في غريب الحديث بتصرف ١/ ٦.
стр. 20
الحديث، فصار كتابه إمامًا لأهل الحديث به يتذاكرون، وإليه يتحاكمون» (١).
ولقد ذكرت كتب التراجم وفهارس المخطوطات كتبًا بعد هذا العهد ولكنّها لم توجد حتّى يعرف ما إذا كانت سلكت المنهج المتميِّز الذي سار عليه أبو عبيد أم هي سائرة على المنهج المتقدم. فممن ألف في هذه الفترة أبو الحسن علي بن المغيرة الأثرم (٢) (ت سنة ٢٣٠ هـ) وأبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابيّ (٣) (المتوفى سنة ٢٣٠ هـ)، وعمرو بن أبي عمرو الشيبانيّ (٤) (ت سنة ٢٣١ هـ) وعبد الملك بن حبيب (٥) (ت سنة ٢٣٨ هـ)، ومحمد بن حبيب (٦) (ت سنة ٢٤٥ هـ) وأبو جعفر محمد بن عبد الله ابن قادم الكوفيّ (٧) (ت سنة ٢٥١ هـ) وشمر بن حمدويه الهروي (٨) (ت سنة ٢٥٥ هـ) وأحمد بن الحسن الكندي (٩). إلّا أنّ الخطابيّ يَضُمُّ هذه المصنفات إلى منهج ما قبل أبي عبيد إذ
_________
(١) غريب الحديث للخطابي ١/ ٤٧، ٤٨.
(٢) الفهرست ٨٤/ ١٢٩، ومعجم الأدباء ١٥/ ٧٧، وكشف الظنون ٢/ ١٤٦.
(٣) الفهرست ١٢٩.
(٤) الفهرست ١٠١.
(٥) إنباه الرواة ٢/ ٢٠٦، وبغية الوعاة ٢/ ١٠٩.
(٦) الفهرست ١٢٩، ١٥٥، ومعجم الأدباء ١٨/ ١١٦.
(٧) الفهرست ١٢٩، ومعجم الأدباء ١٨/ ٢٠٩، وإنباه الرواة ٣/ ١٥٨.
(٨) معجم الأدباء ١١/ ٢٧٥، وبغية الوعاة ٢/ ٥.
(٩) الفهرست ٨٨، النهاية في غريب الحديث ١/ ٧، كشف الظنون ١٢٠٥.
стр. 21
يقول بعد ذكر كتاب أبي عبيد وابن قتيبة: «وقد بقي في هذا الباب كتب غير ما ذكرناه، منها كتاب أبي عبيدة معمر بن المثنى، وكتاب ينسب إلى الأصمعي في ورقات معدودة، وكتاب محمد بن المستنير الذي يعرف «بقطرب»، وكتاب النضر بن شميل، وكتاب إبراهيم بن إسحاق الحربي، وكتاب أبي معاذ المروزي صاحب القراءات، وكتاب شمر بن حمدويه، وكتاب البَاجُدَّائِي، وكتاب آخر ينسب إلى رجل يعرف بأحمد ابن الحسن الكندي. إلَّا أن هذه الكتب على كثرتها عددًا إذا حُصِّلَت كانت كالكتاب الواحد إذ كان مصنَّفوها لم يقصدوا بها مذهب التعاقب كصنيع القتبيّ في كتابه، إنّما سبيلهم فيها أن يتوالوا على الحديث الواحد فيعتوروه فيما بينهم، ثم يتباروا في تفسيره، ويدخل بعضهم على بعض، ولم يكن من شرط المسبوق أن يفرج للسابق عما أحرزه، وأن يقتضب الكلام في شيء لم يفسر قبله … ثم إنه ليس لواحد من هذه الكتب التي ذكرناها أن يكون شيءٌ منها على منهاج كتاب أبي عبيد في بيان اللفظ وصحة المعنى، وجودة الاستنباط، وكثرة الفقه، ولا أن يكون مثل كتاب ابن قتيبة في إشباع التفسير، وإيراد الحجّة وذكر النظائر، وتخليص المعاني، إنما هي أو عامّتها إذا انقسمت وقعت بين مقصر لا يورد في كتابه إلّا أطرافًا وسواقط من الحديث، ثم لا يوفيها حقّها من إشباع التفسير وإيضاح المعنى، وبين مطيل يسرد الأحاديث المشهورة التي لا يكاد يشكل منها شيء، ثم يتكلف تفسيرها ويطنب، وفي بعض هذه الكتب خلل من
стр. 22
جهة التفسير، وفي بعضها أحاديث منكرة لا تدخل في شرط ما أُنْشِئت له هذه الكتب، وكتاب (شَمِر) أشقّها وأوفاها» (١).
فمناهج المتقدّمين من الذين صنفوا في غريب الحديث غير منضبطة بضوابط واضحة، ولعل من أهمّ الأسباب في ذلك - إضافة إلى ما ذكره الخطابي - ما ذكره ابن الأثير في سبب صغر كتاب أبي عبيدة واختصاره (٢).
ومع كل هذه التآليف في هذا الفنّ فإنّ العلماء قد أنزلوا كتاب أبي عبيد منزلة عظيمة وقدروه حقّ قدره، فعظموا شأنه وأعلوا مكانه. ساق الأصفهاني بسنده إلى عبد الله بن العباس الطيالسي قال: سمعت الهلال بن العلاء الرّقِّي يقول: «منَّ الله على هذه الأمّة بأربعة في زمانهم. بالشّافعيّ تفقّه بحديث رسول الله ﷺ ، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة، ولولا ذلك لكفر الناس، وبيحيى بن معين نفى الكذب عن رسول الله ﷺ ، وبأبي عبيد القاسم بن سلّام فسّر الغريب من حديث رسول الله ﷺ ، ولولا ذلك لاقتحم الناس في الخطأ» (٣) وقال ابن الأثير: « … فجمع كتابه المشهور في غريب الحديث والآثار الذي صار - وإن كان أخيرًا - أوّلًا لِمَا حواه من الأحاديث والآثار الكثيرة، والمعاني اللطيفة، والفوائد الجمة، فصار هو القدوة في هذا
_________
(١) غريب الحديث للخطابي ١/ ٤٩، ٥٠.
(٢) انظر ص ١٣ من هذا البحث.
(٣) المجموع المغيث ١/ ٧.
стр. 23
الشأن فإنّه أفنى فيه عمره، وأطاب به ذكره» (١).
غريب الحديث لابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ).
بقي النّاس يرجعون إلى كتاب أبي عبيد في غريب الحديث، ويعتمدون عليه إلى أن جاء أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المروزي الأصل، وأقام بالدينور مدة عمل فيها قاضيًا فنسب إليها. وألّف كتابًا في غريب الحديث انتهج فيه نهج أبي عبيد «تتبَّع فيه ما أغفله أبو عبيد من ذلك .. لم يأل أن يبلغ به شأو الْمُبَرّز السّابق» (٢) «حذا فيه حذو أبي عبيد، ولم يودعه شيئًا من الأحاديث المودعة في كتاب أبي عبيد؛ إلّا ما دعت إليه حاجة من زيادة شرح، وبيان أو استدراك أو اعتراض، فجاء كتابه مثل كتاب أبي عبيد وأكبر منه» (٣) وقد ظنّ ابن قتيبة ﵀ أنّه لم يبق بعده مقال لقائل، وأنّه أتى على جميع الغريب. وما علم - كما قال ابن الأثير - أن الشّوط بطين، والمنهل معين. وقد افتتح ابن قتيبة «كتابه بشرح الألفاظ الدائرة بين الناس في الفقه وأبوابه والفرائض وأحكامها كالوضوء والصلاة والزكاة والأذان وغيرها، ثم أتبع ذلك تفسير ما جاء في الحديث والكتاب من ذكر الكافرين والفاسقين والمنافقين والفاجرين والملحدين، وأخيرًا ما جاء في الحديث من ذكر أهل الأهواءِ: الرافضة والمرجئة والقدرية
_________
(١) النهاية في غريب الحديث ١/ ٦.
(٢) غريب الحديث للخطابي ١/ ٤٨.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٦.
стр. 24
والخوارج، وهذا ما لم يفعله أبو عبيد في كتابه» (١).
وعاصر ابنَ قتيبة الحربيُّ إبراهيمُ بنُ إسحاقَ ﵀ (ت سنة ٢٨٥ هـ) «وجمع كتابه المشهور في غريب الحديث وهو كتاب كبير ذو مجلدات عدّة، جمع فيه وبسط القول، وشرح واستقصى الأحاديث بطرق أسانيدها، وأطاله بذكر متونها وألفاظها وإن لم يكن فيها إلّا كلمة واحدة غريبة، فطال لذلك كتابه، وبسبب طوله تُرِك وهُجِرَ، وإن كان كثير الفوائد، جمّ المنافع، فإنّ الرجل كان إمامًا حافظًا متقنًا عارفًا بالفقه، والحديث واللغة والأدب، رحمة الله عليه» (٢).
وقد حاول الحربيُّ في كتابه أن يجمع بين طريقة من طرق المحدثين في التأليف وطريقة من طرق اللغويين في التصنيف، أو طريقتين من طرائق أهل اللغة إذا نظرنا إلى ما أورده من موضوعات وأسماء للمعاني» (٣) «ولم يكن في كتب غريب الحديث كتابٌ صُنِّفَ مرتبًا ومقفّى يرجع الإنسان عند طلب الحديث إليه إلّا كتاب الحربيّ، وهو على طوله وعسر ترتيبه لا يوجد الحديث فيه إلا بعد تعب وعناء» (٤).
وألف في هذا الشأن أيضًا أبو العباس محمد بن يزيد المبرد (٥) (ت
_________
(١) غريب الحديث حتى نهاية القرن السادس الهجري دراسة لغوية تحليلية لإبراهيم يوسف السيد ٩٢.
(٢) النهاية ١/ ٦.
(٣) مقدمة محقق المجلدة الخامسة من غريب الحديث للحربي ١/ ٩٢.
(٤) النهاية في غريب الحديث ١/ ٨.
(٥) النهاية في غريب الحديث ١/ ٧.
стр. 25
سنة ٢٨٥ هـ) ومحمد ابن عبد السلام الخُشَنِيُّ (١) (ت سنة ٢٨٦ هـ) وأبو العباس محمد بن علي بن الفضل المعروف (بفستقه) (٢) (ت سنة ٢٨٩ هـ) وأبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب (٣) (ت سنة ٢٩١ هـ) وأبو الحسن محمد بن أحمد بن كيسان (٤) (ت سنة ٢٩٩ هـ) وجميع هذه المؤلفات لم يعثر عليها حتى الآن وإنما ذكرتها كتب التراجم، ولا نعلم شيئًا عن مناهجهم فيها. إلّا أنّ الخطّابيَّ ذكر أنّ جميع المؤلفات التي تقدمت عصره إذا حصلت كان مآلها كالكتاب الواحد … وفي هذه الفترة ألف قاسم بن ثابت السرقسطي (ت سنة ٣٠٢ هـ) كتابًا سماه الدلائل «احتل منزلة عالية بين كتب غريب الحديث في الأندلس، إلّا أنّه كان مجهولًا في المشرق عند أصحاب غريب الحديث، فلم نقع له على إشارة في الكتب المؤلفة في غريب الحديث في المشرق حتى نهاية القرن السادس الهجري» (٥).
وكذلك أبو محمد القاسم بن محمد بن بشار الأنباريّ (٦) (ت سنة ٣٠٤ هـ)، وأبو موسى سليمان بن محمد بن أحمد المعروف
_________
(١) طبقات الزبيدي ٢٦٨، هدية العارفين ٢/ ٢١، فهرسة ما رواه عن شيوخه ١٩٥.
(٢) الفهرست لابن النديم ١٢٩.
(٣) النهاية في غريب الحديث ١/ ٧.
(٤) الفهرست لابن النديم ١٢٩، معجم الأدباء ١٧/ ١٣٩، وإنباه الرواة ٣/ ٥٨.
(٥) غريب الحديث حتى نهاية القرن السادس الهجري لإبراهيم يوسف السيد ١٠٦.
(٦) الفهرست ١١٢، ومعجم الأدباء ١٧/ ٣١٧، وإنباه الرواة ٣/ ٢٨.
стр. 26
بالحامض (١) (ت سنة ٣٠٥ هـ)، وسلمة بن عاصم (٢) (ت سنة ٣١٠ هـ)، وأبو بكر محمد بن الحسن بن دريد (٣) (ت سنة ٣٢١ هـ) وأبو بكر محمد بن عثمان الجعد (٤) (ت سنة نيف وعشرين وثلاثمائة) وأبو بكر محمد بن القاسم الأنباري (٥) (ت سنة ٣٢٨ هـ) قال عنه الخطابي: «ولابن الأنباريّ من وراء هذا مذهب حسن في تخريج الحديث وتفسيره، وقد تكلّم على أحاديث معدودة وقع إليَّ بعضها، وعامّتها مفسّرة قبل؛ إلّا أنّه قد زاد عليها وأفاد، وله استدراكات على ابن قتيبة في مواضع من الحديث» (٦) وألّف كذلك محمد بن عبد الواحد (٧) الزاهد المطرز (ت سنة ٣٤٥ هـ) كتابًا في غريب الحديث صنّفه على مسند أحمد بن حنبل، وكذلك أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه (٨) (ت سنة ٣٤٧ هـ)، وأبو بابويه القمى (٩) (ت سنة ٣٨ هـ) وأبو الحسن علي ابن عمر الدارقطني (١٠) (ت سنة ٣٨٥ هـ).
_________
(١) الفهرست ١٢٩، تاريخ بغداد ٩/ ٦١.
(٢) الفهرست ١٠١، ١٢٩، ومعجم الأدباء ١١/ ٢٤٣، وبغية الوعاة ١/ ٥٩٦.
(٣) الفهرست ١٢٩.
(٤) المصدر السابق.
(٥) المصدر السابق، وتاريخ بغداد ٣/ ١٨١، إنباه الرواة ٣/ ٢٠١.
(٦) غريب الحديث ١/ ٥١.
(٧) معجم الأدباء ١٨/ ٢٣٢، وإنباه الرواة ٣/ ١٧٧.
(٨) الفهرست ١٢٩، وإنباه الرواة ٢/ ١١٣، ووفيات الأعيان ٢/ ٢٤٨.
(٩) الفهرست ٢٧٧، تارخ بغداد ٣/ ٨٩، وكشف الظنون ٢/ ١٨٦، وهدية العارفين ٢/ ٥٢، معجم المؤلفين ١١/ ٣.
(١٠) وفيات الأعيان ٢/ ٤٥٩، ٤٦٠، ومعجم المؤلفين ٧/ ١٥٧، وتاريخ بروكلمان ٣/ ٢١٢.
стр. 27
ونصيب هذه المؤلفات التي تلت غريب ابن قتيبة والحربي من الحفظ والعناية ليس بالكبير إذ لم يذكر لكثير منها نسخ خطية فيما اطلعت عليه من فهارس المخطوطات.
ثم ألّف في هذا الفنّ أبو سليمان حمد بن محمد الخطّابيّ (ت سنة ٣٨٨ هـ)، كتابه في غريب الحديث سلك فيه مسلك أبي عبيد وابن قتيبة واقتفى هديهما.
يقول في مقدمة كتابه بعد ذكر الكتابين والثّناء عليهما: «وبقيت بعدهما صُبَابة للقول فيهما مُتَبَرّضُ، توليت جمعها وتفسيرها مستعينًا بالله ومسترسلًا إلى ذلك بحسن هدايتهما، وفضل إرشادهما، وبما نحوته من التيمم لقصدهما، والتقيل لآثارهما، وكان ذلك منِّي بعد أن مضى عَلَيَّ زمان وأنا أحسب أنّه لم يبق في هذا الباب لأحد مُتَكَلّم، وأنّ الأوّل لم يترك للآخر شيئًا، وأتَّكِل على قول ابن قتيبة حين يقول في آخر الخطبة من كتابه: «وأرجو ألا يكون بقي بعد هذين الكتابين من غريب الحديث ما يكون لأحدٍ فيه مَقَالٌ» (١). وقد عدّ العلماء كتاب الخطّابيّ هذا ثالثَ كتبِ غريبِ الحديث من حيث المكانة، يقول ابن الأثير: «كانت هذه الكتب الثلاثة في غريب الحديث والأثر أمهات الكتب، وهي الدائرة في أيدي الناس، والتي يعول عليها علماء الأمصار» (٢) وقد كان في زمن أبي سليمان وبعده وفي طبقته أبو عبيد
_________
(١) غريب الحديث ١/ ٤٨.
(٢) النهاية في غريب الحديث ١/ ٨.
стр. 28
أحمد بن محمد بن محمد الهروي (ت سنة ٤٠١ هـ) صاحب أبي منصور الأزهريّ اللّغويّ فنحى منحى جديدًا في التأليف حيث رتب الكلمات، وسهل طريقة البحث، وجمع بين غريبي القرآن والحديث. يقول ابن الأثير في وصفه: «صنّف كتابه المشهور السائر في الجمع بين غريبي القرآن العزيز والحديث، ورتّبه مقفّى على حروف المعجم على وضع لم يسبق في غريب القرآن والحديث إليه، فاستخرج الكلمات اللغويّة الغريبة من أماكنها، وأثبتها في حروفها، وذكر معانيها، إذ كان الغرض والمقصد من هذا التصنيف معرفة الكلمة الغريبة لغة وإعرابًا ومعنى، لا معرفة متون الأحاديث والآثار وطرق أسانيدها وأسماء رواتها، فإنّ ذلك علم مستقلٌّ بنفسه مشهور بين أهله، ثم إنّه جمع فيه من غريب الحديث ما في كتاب أبي عبيد وابن قتيبة وغيرهما ممن تقدّم عصره من مصنّفي الغريب، مع ما أضاف إليه مما تتبعه من كلمات لم تكن في واحد من الكتب المصنّفة قبله، فجاء كتابه جامعًا في الحسن بين الإحاطة والوضع. فإذا أراد الإنسان كلمة غريبة وجدها في حرفها بغير تعب؛ إلّا أنّه جاء الحديثُ مفرّقًا في حروف كلماته؛ حيث كان هو المقصود والغرض فانتشر كتابه بهذا التسهيل والتيسير في البلاد والأمصار، وصار هو العمدة في غريب الحديث والآثار، وما زال الناس بعده يقتفون هديه، ويتبعون أثره، ويشكرون له سعيه، ويستدركون ما فاته من غريب الحديث والآثار» (١).
_________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٨، ٩.
стр. 29
وألّف أبو القاسم إسماعيل بن الحسن بن الغازي البيهقيّ (١) (ت سنة ٤٠٢ هـ)، كتابًا في غريب الحديث. ونسب إلى أبي بكر محمد بن الحسن بن فورك (٤٠٦ هـ) (٢) كتاب في غريب الحديث، وأن له نسخة في راغب باشا باستانبول برقم (٣١٢) (٣) والصحيح أنها نسخة من كتابه تأويل مشكل الحديث المطبوع.
وألف في الغريب أيضًا أبو الوليد هشام بن عبد الرحمن بن عبد الله المعروف بابن الصابوني (٤) (ت سنة ٤٢٣ هـ)، وأبو الفتح سليم بن أيوب الرّازي (٥) (ت سنة ٤٤٢ هـ)، وأبو منصور محمد بن عبد الجبار السمعانيّ (ت سنة ٤٥٠ هـ) فقد ألف كتابًا سماه «مجموع غرائب الأحاديث» رتبه على حروف الهجاء، وحاول أن يجدد في طريقة التأليف، فجعل ذات الأحرف الأصلية في الأبواب، وأخر المزيد فجمعه في باب مستقل في آخر الكتاب. يقول في مقدمته: «صنّفت هذا الكتاب جامعًا فيه ما تفرق في غيره من غرائب أحاديث رسول الله ﷺ .. ورتّبته على حروف التّهجّي معتمدًا فيه أوّل الحرف، فإن زاد على ذلك أوردته في باب مفرد له في آخر الكتاب سميته «باب الأحاديث
_________
(١) معجم الأدباء ٦/ ١٤١، ومعجم المؤلفين ٢/ ٢٦٤، وإيضاح المكنون ٢/ ٢٧.
(٢) انظر ترجمته في وفيات الأعيان ٣/ ٤٠٢، والأعلام ٦/ ٣١٣.
(٣) تاريخ الأدب العربي ٣/ ٢١٨، وانظر غريب الحديث حتى نهاية القرن السادس الإبراهيم السيد ١١٥، وتاريخ التراث لسزكين ٢/ ٣٨٨.
(٤) الصلة في تاريخ أئمة الأندلس لابن بشكوال ٢/ ٦١٥.
(٥) إنباه الرواة ٢/ ٦٦، ووفيات الأعيان ٢/ ١٣٣.
стр. 30
الطوال»، وسميته مجموع غرائب الأحاديث .. » (١). ثم صَنّف أبو محمد عبد العزيز بن عبد الله الأندلسيّ الشاطبيّ (٢) (ت سنة ٤٦٥ هـ) غريب أبي عبيد القاسم بن سلّام على حروف المعجم، وجعله أبوابًا.
وممن ألّف في هذا الشأن أبو عبد الله محمد بن فتوح الأندلسيّ (٣) (ت سنة ٤٨٨ هـ) ألف كتابًا سماه: «تفسير غريب ما في الصحيحين»، شرح فيه غريب الكلمات الواردة في أحاديث الصحيحين (البخاري ومسلم) وكذلك إبراهيم بن محمد النّسويّ (٤) (ت ٥١٩ هـ) وعبد الغافر بن إسماعيل الفارسي الذي ألف كتابين في هذا الفنّ. أحدهما: «المفهم لشرح صحيح مسلم» والآخر «مجمع الغرائب ومنبع الرغائب» وسيأتي الحديث عنه مفصلًا بعد هذا التمهيد، ثم جاء أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (ت سنة ٥٣٨ هـ) فألف كتاب «الفائق في غريب الحديث» وصف ابن الأثير منهجه فقال: «رتبه على وضع اختاره مقفّى على حروف المعجم، ولكن في العثور على طلب الحديث منه كلفة ومشقة، وإن كانت دون غيره من متقدّم الكتب؛ لأنّه جمع في التقفية بين إيراد الحديث مسرودًا جميعه أو أكثره أو أقله، ثم
_________
(١) هديّة العارفين ٢/ ١٢٥، وتاريخ الأدب العربي ٦/ ١٧٥ و ١٧٦، ومعجم المؤلفين ١٠/ ١٢٥، وفهرس مكتبة كوبريلي.
(٢) إنباه الرواة ٢/ ١٨٣، ومعجم المؤلفين ٥/ ٢٥١.
(٣) معجم الأدباء ١٨/ ٢٨٤، ومرآة الجنان ٣/ ١٤٩.
(٤) معجم الأدباء ٢/ ١٤، بغية الوعاة ١/ ٢٨٦، ومعجم المؤلفين ١/ ٨٣.
стр. 31
شرح ما فيه من غريب فيجيء شرح كلّ كلمة غريبة يشتمل عليها ذلك الحديث في حرف واحد من حروف المعجم، فترد الكلمة في غير حروفها، وإذا تطلّبها الإنسان تعب حتى يجدها، فكان كتاب الهرويّ أقرب متناولًا وأسهل مأخذًا، وإن كانت كلماته متفرّقة في حروفها، وكان النّفع به أتمّ، والفائدة منه أعمّ» (١).
وألّف في الغريب كذلك أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي خيثمة (٢) (ت سنة ٥٤٠ هـ) وأبو الحسن علي بن عبد الله العقيلي (٣) (ت سنة ٥٤٦ هـ) حيث تعرض إلى غريب الحديث للقاسم بن سلّام ﵀ وقفّاه على حروف. كذا قال القفطي. فلما كان زمن الحافظ أبي موسى محمد بن عمر بن أحمد الأصفهانيّ (ت سنة ٥٨١ هـ) «صنف كتابًا جمع فيه ما فات الهرويّ من غريب القرآن والحديث يناسبه قدرًا وفائدة ويماثله حجمًا وعائدة، وسلك في وضعه مسلكه، وذهب فيه مذهبه، ورتبه كما رتبه … ولم يذكر فيه كتابه مما ذكره الهرويّ إلّا كلمة اضطرّ إلى ذكرها إمّا لخلل فيها أو زيادة في شرحها أو وجه آخر في معناها، ومع ذلك فإنّ كتابه يُضَاهِي كتابَ الهرويّ .... ولما وقفت على كتابه الذي جعله مكمّلًا لكتاب الهرويّ ومتمّمًا وجدته في غاية الحسن والكمال» (٤)،
_________
(١) النهاية في غريب الحديث ١/ ٩.
(٢) بغية الوعاة ١٧١، ومعجم المؤلفين ٩/ ٥.
(٣) إنباه الرواة ٢/ ٢٨٥، ٢٨٦.
(٤) النهاية في غريب الحديث ١/ ٩، ١٠.
стр. 32
وممن ألف في هذا العصر أيضًا أبو الشجاع محمد بن عليّ بن شعيب المعروف بابن الدهان (١) (ت سنة ٥٩٠ هـ) ولمّا كان زمن أبي الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن محمد بن الجوزيّ البغداديّ (٢) (ت سنة ٥٩٧ هـ) ألّف كتابًا في غريب الحديث، نهج فيه منهج الهرويّ في ترتيب الكلمات ولكنّه كان يختصر في الشرح، ولا يوغل في التصريف والاشتقاق؛ لأنّه يرى أن محلّ ذلك كتب اللغة. يقول في مقدمته - بعد ذكر من تقدمه في التأليف في الغريب: «فرأيت أن أبذل الوسع في جمع جميع غريب حديث رسول الله ﷺ وأصحابه وتابعيهم، وأرجو أن لا يشذّ عنّي مهم في ذلك، وأن يغني كتابي عن جميع ما صنف في ذلك، وقد رتبته على حروف المعجم، وإنّما آتي بالمقصود من شرح الكلمة من غير إيغال في التصريف والاشتقاق، إذ كتب اللغة أولى بذكر ذلك، وإنّما آثرت هذا الاختصار تلطّفًا للحافظ والله الموفق» (٣). وقد أخذ عليه ابن الأثير تكرار ما جاء في كتاب الهرويّ فقال: «ولقد تتبعت كتابه فرأيته مختصرًا من كتاب الهرويّ، منتزعًا من أبوابه شيئًا فشيئًا، ووضعًا فوضعًا، ولم يزد عليه إلّا الكلمة الشّاذّة، واللفظة الفاذّة، ولقد قايست ما زاد في كتابه على ما أخذه من كتاب الهرويّ فلم يكن إلّا جزءً يسيرًا من أجزاء كثيرة» (٤).
_________
(١) وفيات الأعيان ٤/ ١٠٥، بغية الوعاة ٧٦، وشذرات الذهب ٤/ ٣٠٤.
(٢) وفيات الأعيان ٢/ ٣٢١.
(٣) غريب الحديث لابن الجوزي ١/ ٤.
(٤) النهاية في غريب الحديث ١/ ١٠.
стр. 33
ولعل أبا الفرج ﵀ كان يعيد كثيرًا مما في كتاب الغريبين، ليختصرها ويخلصها من كثرة الاشتقاق والتصاريف والشواهد؛ لتتمشى مع منهجه الذي سلكه من الاختصار والبعد عن الإيغال.
ثم جاء زمن أبي السعادات المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير (١) (ت سنة ٦٠٦ هـ) فاطلع على ما سبقه من تأليف، ونظر في الكتب المتقدّمة، فرأى أن ثغرة قد تركت يمكن أن يقوم بسدها، ألَا وهي وجود كتابين واحد منهما مكمل للآخر، فيحتاج الباحث إلى عناء حتى يجد بغيته في أحد الكتابين، فقام يجمعهما وجعلهما كالكتاب الواحد وهما كتابا (الغريبين للهرويّ)، و (المجموع المغيث) لأبي موسى الأصفهانيّ، يقول في مقدمة كتابه: « … وكان الإنسان إذا أراد كلمة غريبة يحتاج إلى أن يتطلبها في أحد الكتابين، فإن وجدها فيه وإلا طلبها في الآخر، وهما كتابان كبيران ذوا مجلدات عدة، ولا خفاء بما في ذلك من الكلفة، فرأيت أن أجمع ما فيهما من غريب الحديث مجردًا من غريب القرآن، وأضيف كل كلمة إلى أختها في بابها تسهيلًا لكلفة الطّلب» (٢) وحينما رأى أنّ الكتابين لم يأتيا على كلّ ألفاظ الغريب في الحديث أضاف إليهما ما فاتهما، وجعل كل كلمة مع ما يناظرها في بابها.
ثمّ لمّا رأى ابن الأثير أنّ الأحاديث في النهاية لم تستتمّ فيه، بل
_________
(١) معجم الأدباء ١٧/ ٧١ - ٧٧، إنباه الرواة ٣/ ٢٥٧ - ٢٦٠.
(٢) النهاية في غريب الحديث ١/ ١٠.
стр. 34
هي مجزئة مفرقة في الأبواب بحسب الكلمات الغريبة، أراد أن يجمع كتابًا يذكر فيه الحديث كاملًا فصنف «منال الطالب في شرح طوال الغرائب» يقول في مقدمته: «وفرغت من تأليفه وجمعه (أي النهاية) وترتيبه في أحسن وضعه، وكان الغريب الوارد فيه، المدرج في أثنائه ومطاويه مفرقًا في أنواع صنوفه، مقسمًا في أبواب حروفه، حيث التزمنا في وضعه التقفية على حروف المعجم … فلا تكاد تجد فيه حديثًا تامًّا وإن قلّ كلمه، ولا أثرًا متّسقًا وإن استقلّ منتظمه؛ فأحببت أن أستأنف كتابًا مختصرًا أجمع فيه من الأحاديث والآثار الطوال والأوساط، ما أكثر ألفاظه غريب لا يفهمه أكثر الناس، ويعز إدراك بعضه على كثير من الخواصّ، أوردها كاملة متناسقة الألفاظ تامّة الإيراد والاقتصاص، وأتبع كلّ حديث منها وأثر شرح غريبه، وتفسير معانيه، وإيضاح المقاصد المودعة فيه (١).
وجاء بعد ابن الأثير شيخ الحنابلة موفق الدين ابن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠ هـ) فألف كتابًا في غريب الحديث سماه «قنعة الأريب في تفسير الغريب» شرح فيه غريب حديث رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين وهو شرح مجرد من الشواهد، وقد طبع بتحقيق د/ علي حسين البواب ثم جاء بعده اللغوي النحوي الفقيه الموفق أبو محمد عبد اللطيف بن يوسف البغداديّ (٢) (ت سنة ٦٢٩ هـ) فألف كتابًا في
_________
(١) منال الطالب في شرح طول الغرائب ١/ ٣.
(٢) إنباه الرواة ٢/ ١٩٣، ١٩٦، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ٣٢٠ - ٣٢٣، بغية الوعاة ٣١١.
стр. 35
غريب الحديث، ثم جرّد منه كتابًا آخر سماه «المجرد للغة الحديث» أتى فيه بالألفاظ الغريبة دون ذكر أحاديثها، وإنما شرح الألفاظ وحدها. وصف منهجه في الكتابين فقال: « .. فإنّي لما أنهيت كتابي في تفسير غريب الحديث، وكان كتابًا في غاية الإيجاز في مثله؛ لأني جمعت فيه بين استيعاب الغريب وسرد الحديث برمته وبين وجازة الشرح وحذف الأسانيد، وكنت وضعته على ترتيب حروف المعجم، وبدأت بحديث النبي ﷺ ، فإذا تمّ تلوته بأحاديث أصحابه والتابعين .. على طبقاتهم .. وزدت مع ذلك نحو الحديث إن كان فيه نحو، وهذا أمر أهمله أكثرهم، رغب إليّ بعض الإخوان أن أجرّد كلماته اللغوية في كتاب مفرد على ترتيبها، منتزعة من الأحاديث، معفاة من البسط والنحو والتعليل، بل أذكر الكلمة اللغوية وتفسيرها بأقل ما لا بدّ منه؛ ليسهل لفظه، ويقرب تناوله … فرأيت أن أسعفه بما طلب» (١).
ثم صنف أبو عمر عثمان بن عمر بن يونس بن الحاجب (٢) (ت ٦٤٦ هـ) في غريب الحديث، ثم انحصرت الجهود بعد ذلك في التذييل على الكتب المتقدمة أو الاختصار كما فعل صفي الدين محمد بن أبي بكر الأُرْمُونِيّ (ت سنة ٧٢٣ هـ) حيث ذيل على كتاب النهاية لابن الأثير، ثم نظمه شعرًا عمادُ الدين أبو الفداء إسماعيل بن محمد
_________
(١) مقدمة المجرد ص ٩٤.
(٢) سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٦٤، بغية الوعاة ٢/ ٣٥، كشف الظنون ص ١٢٠٧.
стр. 36
البعليّ (ت سنة ٧٨٥ هـ) وذكر بروكلمان (١) أن نسخة من نسخه ببرلين تحت رقم (١٦٥٩) باسم «الكفاية في نظم النهاية».
وكذلك فعل السيوطي حيث لخصه وسماه «الدر النثير» وذيل عليه أيضًا بعنوان «التذييل والتذنيب على نهاية الغريب» (٢).
وكذلك فعل عيسى بن محمد الصفوي (ت سنة ٩٥٣ هـ) (٣) والشيخ علي بن حسام الدين الهندي الشهير بالمتقي (ت سنة ٩٧٥ هـ).
وذكر العلماء في جملة من صنف في هذا الفن أبا القاسم محمود بن أبي الحسن ابن الحسين النيسابوري الغزنوي الملقب ببيان الحق (٤)، واسم كتابه: «جمل الغرائب في تفسير الحديث» ولم أعثر له على سنة وفاة.
أما أثر هذه الحصيلة المباركة في المعاجم العربية فإنّه لا يخفى على كل من يطالعها ويرجع إليها «فقد كان لكتب الغريب عامّة أثر واضح في كتب اللغة، زادت في مادتها، وأثرت اشتقاقها، وشرحت غامضها، واستشهدت بالحديث في اللغة والنحو» (٥).
_________
(١) تاريخ الأدب العربي ٦/ ١٩٧.
(٢) تاريخ الأدب العربي ٦/ ١٩٧.
(٣) كشف الظنون ص ١٩٨٩.
(٤) معجم الأدباء ١٩/ ١٢٤، بغية الوعاة ٢/ ٢٧٧، كشف الظنون ٢٠٥، ٦٠١، ١٢٠٥.
(٥) من مقدمة التحقيق (غريب الحربي) ١/ ٩١.
стр. 37
مدخل التحقيق
стр. 38
الفصل الأول
ترجمة المؤلف
اسمه ونسبه وكنيته ولقبه ومذهبه.
مولده ونشأته.
طلبه للعلم ورحلاته.
أسرته.
شيوخه.
تلاميذه.
ثناء العلماء عليه.
شعره.
مؤلفاته.
وفاته.
стр. 39
ترجمة المؤلف
اسمه ونسبه وكنيته ومذهبه:
هو الشيخ الإمام الحافظ مجد الدين أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر (١) بن محمّد بن عبد الغافر بن أحمد بن محمّد بن سعيد الفارسيّ ثمّ النّيسابوريّ الشافعيّ.
مولده ونشأته:
ولد الإمام الحافظ أبو الحسن في الثامن من (٢) شهر ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين وأربعمائة من الهجرة المباركة، في نيسابور، ونشأ في أسرة مشهورة بالعلم والمعرفة فأبوه (أبو عبد الله إسماعيل صاحب الرحلة إلى العراق وفارس، والبصرة، وكور والأهواز وأصبهان، وجمع ما لم يجمع كبير أحد (٣). وجدُّه أبو الحسين عبد الغافر كانت الرّحلة إليه من أقطار الأرض؛ لسماع صحيح مسلم. واعتنى به أخواله أبناء أبي القاسم القشيريّ فأقبل على حلقات العلم منذ حداثة سنّه، فقرأ القرآن ولُقِّن الاعتقاد بالفارسية وهو ابن خمس سنين، وسمع من
_________
(١) ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أنه إسماعيل بن عبد القادر ولعله تحرف وأسقط ابن قاضي شهبة من نسبه محمد بن عبد الغافر.
(٢) التحبير للسمعاني ١/ ٥٠٩.
(٣) معجم الشيوخ للسمعاني ترجمة أحمد بن عبد الغافر بن إسماعيل رقم (٤٨) لوحة (١٧).
стр. 40
مشاهير علماء عصره منذ الصغر، وبعد أن عاد والده من رحلته كان أبو الحسن قد بلغ الثانية عشرة من عمره، فسمَّعَه والده تصانيف زين الإسلام، وأخذ (١) له الإجازة عن مشاهير علماء عصره.
طلبه للعلم ورحلاته:
• كان أبو الحسن قد التحق بالمكتب وهو صغير فحفظ القرآن وهو ابن خمس سنين، ثم بعد أن شب أخذ يطوف على المشايخ الباقين من أصحاب المخلدي، والسراج والخفاف حتى سمع منهم، ثم عن أصحاب السيد أبي الحسن، وأصحاب الحاكم أبي عبد الله والزيادي وابن يوسف وطبقتهم (٢)، ثم سمع من جدته وأخواله وعدد كثير من مشايخ عصره، وقد سمع من خاليه واستفاد منهما الأصول والتفسير، وعلق
_________
(١) المنتخب من السياق ٧٥٥.
مصادر الترجمة: المنتخب من السياق ٧٥٤ - ٧٥٦، معجم الشيوخ للسمعاني (ضمن ترجمة ابنه أحمد رقم (٤٨) لوحة ١٧، التحبير للسمعاني ١/ ٥٠٧ - ٥٠٩، وفيات الأعيان لابن خلكان ٣/ ٢٢٥، سير أعلام النبلاء للذهبي ٢/ ١٦، ١٧، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٧٥، العبر ٢/ ٤٣٥، ٤٣٦، البداية والنهاية لابن كثير ١٢/ ٢٥٣، طبقات السبكي ٧/ ١٧١ - ١٧٣، طبقات الإسنوي ٢/ ٢٧٥، ٢٧٦، مرآة الجنان لليافعي ٣/ ٢٥٩، طبقات النحاة لابن قاضي شهبة لوحة ١٩٢/ أ، طبقات الحفاظ للسيوطي ١٥/ ١٤، شذرات الذهبي لابن العماد ٤/ ٩٣، كشف الظنون لحاجي خليفة ٣٠٥، ١٦٠٢، هدية العارفين للبغدادي ١/ ٥٨٧، تاريخ بروكلمان (الترجمة العربية) ٦/ ٢٤٥ - ٢٤٦، الأعلام للزركلي ٤/ ٣١، معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة ٥/ ٢٦٧.
(٢) المنتخب من السياق ٧٥٥.
следующие страницы →