Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
المقدمة
الحمد لله الحكيم العليم الذي خلق الخلق في أحسن تقويم، وهداهم إلى الصراط المستقيم، وقسَّمهم إلى مؤمن، وكافر أثيم ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠)﴾ [الحج: ٥٠]. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [البقرة: ١٠٤] و [المجادلة: ٤].
اصطفى من شاء من خلقه لنيل قليل من علمه، ومنَّ عليهم بتيسير حفظه وفهمه، وفتح عليهم كنوزاً من خزائن حكمه.
وألبسهم من العلم كل ثوب محبور، وجعلهم هداةً للناس كالبدور، فكم أزال بهم من الشرور، وأصلح بهم ما فسد من الأمور.
إن نزلت بالمسلمين معضلة كشفوا نقابها، وإن أقبلت عليهم فتنة أغلقوا أبوابها، وإن انتشرت فيهم شبة تولوا جوابها.
أسهروا ليلهم في التنقيب عن خفايا المسائل، وقضوا نهارهم في التأليف والتدريس أو إجابة سائل، قد سارت أرواحهم مع السلف الأوائل، وعاشوا مع الناس بأجساد وبينهم وبين الناس ألف حائل وحائل.
نهمتهم في العلم أعظم نهمة، وخيرهم في الكون قد شاع وعمَّه، بموت أحدهم تموت أمة، وتحصل في الإسلام أعظم ثلمة.
стр. 2
هم ورثة الأنبياء، ونجوم السماء، وبدور التمام في الليالي الظلماء، ولا يعدل مدادهم إلَّا دم الشهداء. قد سطعت من وجوههم الأنوار، وجرت بأقلامهم البحار، وتفجرت من كلماتهم الأنهار.
أمَّا بعد/
فقد وفقني الله تعالى لتدريس كتاب "عمدة الأحكام" للعلامة الحافظ محيي السنة وقامع البدعة، الصادع بالحق الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم، الزاهد العابد الورع عبد الغني بن عبد الواحد بن علي المقدسي رحمه الله تعالى وجعل الجنة مأوانا ومأواه، وفي أثناء تدريسي للكتاب عزمت على شرحه لعل الله أن ينفع به من وقف عليه.
وكتاب عمدة الأحكام من أحسن كتب متون الفقه المختصرة، وذلك أنَّ مؤلفه اقتصر فيه على أحاديث الأحكام المتفق عليها بين البخاري، ومسلم، وهذا من أرفع مراتب الصحة عند أهل الحديث.
وهذا الكتاب مع صغر حجمه لكنه قد اشتمل على جل مسائل الفقه التي يحتاج إلى معرفتها المسلم.
ومن أجل هذه المزايا وغيرها اهتم العلماء بشرحه اهتماماً بالغاً، وقد ألفوا الكتب الكثيرة في شرحه ما بين مختصر، ومتوسط، ومبسوط.
وقد أحببت أن أشارك في خدمة هذا الكتاب كما خدمه غيري، ولا أزعم أنَّي أتيت في شرحي ما لم يأت به أحد ممن شرح هذا الكتاب، ولكنَّ الكتب يكمل بعضها بعضاً.
стр. 3
واقتصرت في شرحي هذا على المسائل المستفادة من الحديث، وقد أعرِّج في النادر على غير ذلك من ذكر معنىً لغوي، أو فائدة، أو تنبيه على وهم وقع فيه المؤلف ﵀، وسميته: "تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل".
فأسأل الله أن ينفع به كاتبه وقارئه إنَّه جواد كريم، والحمد لله أولاً، وآخراً، وظاهراً وباطناً.
стр. 4
كتاب الطهارة
١ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ - وَفِي رِوَايَةٍ: بِالنِّيَّةِ - وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ»
اتَّفقَ العلماء على صحَّة هذا الحديث وتلقِّيهِ بالقَبول، وبه صدر البخاري كتابه "الصَّحيح"، وأقامه مقام الخطبة له، إشارةً منه إلى أنَّ كلَّ عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل، لا ثمرة له في الدُّنيا ولا في الآخرة، ولهذا الحديث المكانة العالية عند العلماء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في [مجموع الفتاوى] (١٨/ ٢٤٩ - ٢٥١):
«فصل: والمعنى الذي دل عليه هذا الحديث أصل عظيم من أصول الدين بل هو أصل كل عمل، ولهذا قالوا مدار الإسلام على ثلاثة أحاديث فذكروه منها، كقول أحمد: حديث "إنَّما الأعمال بالنيات"، و"من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، و"الحلال بين والحرام بين" ووجه هذا الحديث أنَّ الدين فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، فحديث الحلال بيِّن فيه بيان ما نهى عنه، والذي أمر الله به نوعان:
أحدهما: العمل الظاهر، وهو ما كان واجباً، أو مستحباً.
стр. 5
والثاني: العمل الباطن وهو إخلاص الدين لله، فقوله: "من عمل عملاً" إلخ، ينفي التقرب إلى الله بغير ما أمر الله به أمر إيجاب، أو أمر استحباب.
وقوله: "إنَّما الأعمال بالنيات" إلخ يبين العمل الباطن، وأنّ التقرب إلى الله إنَّما يكون بالإخلاص في الدين لله، كما قال الفضيل في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال: أخلصه، وأصوبه قال: فإنَّ العمل إذا كان خالصاً، ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة.
وعلى هذا دل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ فالعمل الصالح: هو ما أمر الله به، ورسوله أمر إيجاب أو أمر استحباب، وأن لا يشرك العبد بعبادة ربه أحداً وهو إخلاص الدين لله.
وكذلك قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا (١٢٥)﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾، فإنَّ إسلام الوجه لله يتضمن إخلاص العمل لله، والإحسان: هو إحسان العمل لله، وهو: فعل ما أمر به فيه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾، فإنَّ الإساءة في العمل الصالح تتضمن الاستهانة بالأمر به، والاستهانة بنفس العمل والاستهانة
стр. 6
بما وعده الله من الثواب، فإذا أخلص العبد دينه لله، وأحسن العمل له كان ممن أسلم وجهه لله وهو محسن، فكان من الذين لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» اهـ.
قلت: قال عبد الرَّحمن بن مهدي: لو صنَّفت الأبواب، لجعلت حديث عمر في الأعمال بالنية في كلِّ باب، وعنه أنَّه قال: من أَراد أن يصنِّف كتاباً، فليبدأ بحديث "الأعمال بالنيات".
وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدِّين عليها، فروي عن الشافعي أنَّه قال: هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين باباً من الفقه.
وقوله في الحديث: "إنَّما الأعمال بالنيات" كلمة "إنَّمَا" للحصر على ما تقرر في الأصول ومعنى الحصر فيها إثبات الحكم في المذكور ونفيه عمَّا عداه، وهي تارةً تقتضي الحصر المطلق، وهو الأغلب الأكثر وتارةً تقتضي حصرًا مخصوصًا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾، فالمراد حصره في النذارة لمن لا يؤمن ونفي قدرته على ما طلبوا من الآيات وأراد بالآية الثانية الحصر بالنسبة إلى من آثرها، أو هو من باب تغليب الغالب على النادر.
واختلف العلماء هل في ذلك إضمار، أو لا؟ على قولين:
الأول: أنَّ فيه إضماراً خاصًا، وقد تنازع القائلون في الإضمار في هذا الحديث على أقوال، منها: الأعمال صحيحة، أو معتبرة، أو مقبولة بالنيات.
والآخر: أنَّه باق على ظاهره وعمومه.
стр. 7
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١٨/ ٢٥٢ - ٢٥٤): «وقد تنازع الناس في قوله: "إنَّما الأعمال بالنيات" هل فيه إضمار أو تخصيص أو هو على ظاهرة وعمومه فذهب طائفة من المتأخرين إلى الأول قالوا: لأن المراد "بالنيات" الأعمال الشرعية التي تجب أو تستحب والأعمال كلها لا تشترط في صحتها هذه النيات، فإنَّ قضاء الحقوق الواجبة من الغصوب والعواري والودائع والديون تبرأ ذمة الدافع وإن لم يكن له في ذلك نية شرعية بل تبرأ ذمته منها من غير فعل منه كما لو تسلم المستحق عين ماله أو أطارت الريح الثوب المودع أو المغصوب فأوقعته في يد صاحبه ونحو ذلك.
ثم قال بعض هؤلاء تقديره: إنَّما ثواب الأعمال المترتبة عليها بالنيات أو إنَّما تقبل بالنيات، وقال بعضهم تقديره إنَّما الأعمال الشرعية، أو إنَّما صحتها، أو إنَّما إجزاؤها ونحو ذلك.
وقال الجمهور: بل الحديث على ظاهره وعمومه فإنَّه لم يرد بالنيات فيه الأعمال الصالحة وحدها بل أراد النية المحمودة والمذمومة والعمل المحمود والمذموم ولهذا قال في تمامه: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله" إلخ فذكر النية المحمودة بالهجرة إلى الله ورسوله فقط والنية المذمومة وهى الهجرة إلى امرأة أو مال وهذا ذكره تفصيلاً بعد إجمال فقال: "إنَّما الأعمال بالنيات وإنَّما لكل امرئ ما نوى" ثم فصل ذلك بقوله: "فمن كانت هجرته" إلخ».
إلى أن قال ﵀: «وإذا كان النبي ذكر هذا السفر وهذا السفر علم أنَّ مقصوده ذكر جنس الأعمال مطلقاً لا نفس العمل الذي هو قربة بنفسه كالصلاة
стр. 8
والصيام ومقصوده ذكر جنس النية وحينئذ يتبين أنَّ قوله: "إنَّما الأعمال بالنيات" مما خصه الله تعالى به من جوامع الكلم كما قال: "بعثت بجوامع الكلم" وهذا الحديث من أجمع الكلم الجوامع التي بعث بها فإنَّ كل عمل يعمله عامل من خير وشر هو بحسب ما نواه، فإن قصد بعمله مقصوداً حسناً كان له ذلك المقصود الحسن، وإن قصد به مقصوداً سيئاً كان له ما نواه».
قلت: والنية تابعة للعلم والإرادة، فمن علم العمل وأراد فعله فالنية تابعة لذلك ولا بد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٢٢٠):
«والنية تتبع العلم والاعتقاد إتباعاً ضرورياً إذا كان يعلم ما يريد أن يفعله فلا بد أن ينويه. فإذا كان يعلم أنَّه يريد أن يصلي الظهر وقد علم أنَّ تلك الصلاة صلاة الظهر امتنع أن يقصد غيرها» اهـ.
قلت: والنية محلها القلب ولا يشرع التلفظ بها لا سراً ولا جهراً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (ج ٢٢/ ٢١٨ - ٢١٩):
«والجهر بالنية لا يجب ولا يستحب باتفاق المسلمين؛ بل الجاهر بالنية مبتدع مخالف للشريعة إذا فعل ذلك معتقداً أنَّه من الشرع: فهو جاهل ضال يستحق التعزير، وإلاَّ العقوبة على ذلك إذا أصر على ذلك بعد تعريفه والبيان له لا سيما إذا آذى من إلى جانبه برفع صوته أو كرر ذلك مرة بعد مرة فإنَّه يستحق التعزير البليغ على ذلك ولم يقل أحد من المسلمين إنَّ صلاة الجاهر بالنية أفضل من صلاة الخافت بها سواء كان إماماً أو مأموماً أو منفرداً.
стр. 9
وأمَّا التلفظ بها سراً فلا يجب أيضاً عند الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين ولم يقل أحد من الأئمة إنَّ التلفظ بالنية واجب لا في طهارة ولا في صلاة ولا صيام ولا حج. ولا يجب على المصلي أن يقول بلسانه: أصلي الصبح ولا أصلي الظهر ولا العصر ولا إماماً ولا مأموماً ولا يقول بلسانه: فرضاً ولا نفلاً ولا غير ذلك؛ بل يكفي في أن تكون نيته في قلبه والله يعلم ما في القلوب» اهـ.
وقال أيضاً ﵀ (٢٢/ ٢٣١ - ٢٣٢):
«بل التلفظ بالنية نقص في العقل والدين. أمَّا في الدين فلأنه بدعة. وأمَّا في العقل فلأنه بمنزلة من يريد أن يأكل طعاماً فيقول: نويت بوضع يدي في هذا الإناء أني أريد أن آخذ منه لقمة فأضعها في فمي فأمضغها ثم أبلعها لأشبع. مثل القائل الذي يقول: نويت أصلي فريضة هذه الصلاة المفروضة علي حاضر الوقت أربع ركعات في جماعة أداء لله تعالى. فهذا كله حمق وجهل وذلك أنَّ النية بلاغ العلم فمتى علم العبد ما يفعله كان قد نواه ضرورة فلا يتصور مع وجود العلم بالعقل أن يفعل بلا نية؛ ولا يمكن مع عدم العلم أن تحصل نية. وقد اتفق الأئمة على أن الجهر بالنية وتكريرها ليس بمشروع بل من اعتاد ذلك فإنه ينبغي له أن يؤدب تأديبا يمنعه عن ذلك التعبد بالبدع وإيذاء الناس برفع صوته» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ١٩٤): «كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر ولم يقل شيئاً قبلها ولا تلفظ بالنية البتة ولا قال: أصلي لله صلاة كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إماماً أو مأموماً ولا قال: أداءً ولا قضاءً ولا فرض الوقت وهذه عشر بدع لم ينقل عنه أحد قط بإسناد
стр. 10
صحيح ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظة واحدة منها البتة ولا عن أحد من أصحابه ولا استحسنه أحد من التابعين ولا الأئمة الأربعة وإنَّما غرَّ بعض المتأخرين قول الشافعي ﵁ في الصلاة: إنَّها ليست كالصيام ولا يدخل فيها أحد إلاَّ بذكر فظن أنَّ الذكر تلفظ المصلي بالنية، وإنَّما أراد الشافعي ﵀ بالذكر: تكبيرة الإحرام ليس إلاَّ، وكيف يستحب الشافعي أمراً لم يفعله النَّبي ﷺ في صلاة واحدة ولا أحد من خلفائه وأصحابه وهذا هديهم وسيرتهم فإن أوجدنا أحد حرفاً واحداً عنهم في ذلك قبلناه وقابلناه بالتسليم والقبول ولا هدي أكمل من هديهم ولا سنة إلاَّ ما تلقوه عن صاحب الشرع ﷺ » اهـ.
وقوله في الحديث: «وإنَّما لكل امرئ ما نوى». أي ليس للعامل من عمله إلَّا ما نواه.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٣/ ١١١ - ١١٢):
«قوله: "إنَّما الأعمال بالنيات وإنَّما لكل امرئ ما نوى" فبين في الجملة الأولى أنَّ العمل لا يقع إلاَّ بالنية ولهذا لا يكون عمل إلاَّ بنية، ثم بين في الجملة الثانية أنَّ العامل ليس له من عمله إلاَّ ما نواه وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال وهذا دليل على أنَّ من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا ولا يعصمه من ذلك صورة البيع، وأنَّ من نوى بعقد النكاح التحليل كان محللاً ولا يخرجه من ذلك صورة عقد النكاح؛ لأنَّه قد نوى ذلك وإنَّما لامرئ ما نوى فالمقدمة الأولى معلومة بالوجدان، والثانية معلومة بالنص وعلى هذا فإذا نوى بالعصر حصول الخمر كان له ما نواه ولذلك استحق اللعنة
стр. 11
وإذا نوى بالفعل التحيل على ما حرمه الله ورسوله كان له ما نواه فإنَّه قصد المحرم وفعل مقدوره في تحصيله ولا فرق في التحيل على المحرم بين الفعل الموضوع له وبين الفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعة له لا في عقل ولا في شرع ولهذا لو نهى الطبيب المريض عما يؤذيه وحماه منه فتحيل على تناوله عد متناولاً لنفس ما نهى عنه، ولهذا مسخ الله اليهود قردة لما تحيلوا على فعل ما حرمه الله ولم يعصمهم من عقوبته إظهار الفعل المباح لما توسلوا به إلى ارتكاب محارمه» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١٨/ ٢٥٤):
«وهذا الحديث من أجمع الكلم الجوامع التي بعث بها فإنَّ كل عمل يعمله عامل من خير وشر هو بحسب ما نواه فإن قصد بعمله مقصوداً حسناً كان له ذلك المقصود الحسن وإن قصد به مقصوداً سيئاً كان له ما نواه» اهـ.
وقوله في الحديث: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله». إلى آخر الحديث هذا مثال للنية المحمودة والنية المذمومة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١٨/ ٢٥٣):
«فذكر النية المحمودة بالهجرة إلى الله ورسوله فقط، والنية المذمومة وهي الهجرة إلى امرأة أو مال وهذا ذكره تفصيلاً بعد إجمال».
وقال ﵀ (١٨/ ٢٧٩ - ٢٨٠): «قوله ﷺ "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" ليس هو تحصيل للحاصل لكنَّه
стр. 12
إخبار بأنَّ من نوى بعمله شيئاً فقد حصل له ما نواه أي: من قصد بهجرته الله ورسوله حصل له ما قصده ومن كان قصده الهجرة إلى دنيا أو امرأة فليس له إلاَّ ذلك فهذا تفصيل لقوله: "إنَّما الأعمال بالنيات" ولما أخبر أنَّ لكل امرئ ما نوى ذكر أنَّ لهذا ما نواه ولهذا ما نواه».
قلت: ويذكر كثير من العلماء في سبب ورود هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس.
وقد رواها الطبراني في [المعجم الكبير] (٨٥٤٠) حدثنا محمد بن علي الصائغ ثنا سعيد بن منصور ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله: «من هاجر يبتغي شيئاً فهو له قال: هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس وكان يسمى مهاجر أم قيس».
قلت: قال الحافظ الذهبي في [سير أعلام النبلاء] (١٠/ ٥٩٠):
«إسناده صحيح».
قلت: وهو كما قال ﵀.
وقال الحافظ العراقي ﵀ في [تخريج أحاديث الإحياء] (٩/ ٢٠٦):
«أخرجه الطبراني بإسناد جيد».
قلت: ورواه أبو نعيم في [معرفة الصحابة] (٧٣٧٢) من طريق سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: «كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أم قيس، فأبت أن تزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم قيس».
قلت: لكنه ليس هناك ما يدل على أنَّها هي سبب ورود الحديث.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [جامع العلوم والحكم] ص (١٤):
стр. 13
«وقد اشتهر أنَّ قصة مهاجر أم قيس هي كانت سبب قول النبي ﷺ : "من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها". وذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم ولم نر لذلك أصلاً يصح والله أعلم».
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ١٠) - بعد ذكره لحديث الطبراني -:
«وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، لكن ليس فيه أنَّ حديث الأعمال سيق بسبب ذلك ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك».
قلت: وقد أخذ العلماء من هذا الحديث الأحكام الكثيرة التي يعسر جمعها فإنَّه ما من باب من أبواب الفقه إلاَّ وله حظ وافر من هذا الحديث، وقد كنت أردت أن أذكر ما احتج به العلماء في هذا الحديث من المسائل في أبواب الفقه ثم رأيت أنَّ المقام سوف يتسع إلى الغاية بحيث أنَّه لا يتناسب مع هذا الشَّرْحُ فإنَّ الكلام على هذا الحديث يحتاج إلى مصنف مستقل. والله أعلم.
* * *
стр. 14
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ».
قلت: وفي هذا الحديث عدة مسائل:
١ - أنّ الوضوء شرط من شروط الصلاة، إذا وجد الماء وقدر على استعماله، وإلاَّ فإنَّ فرضه التيمم.
٢ - المراد بالصلاة التي الوضوء شرط فيها هي العبادة الشرعية المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، فأمَّا سجود التلاوة، وسجود الشكر، فليسا بصلاة، فلا يشترط فيهما الوضوء على الصحيح من أقوال العلماء.
٣ - أنّ الحدث مبطل للصلاة، وهو عدة أنواع يجمعه: كل ما خرج من السبيلين من حدث معتاد، وغير معتاد، وزوال العقل بنوم، أو إغماء، أو جنون، أو سكر، وأكل لحم الإبل، وهناك أشياء أخرى يذكرها العلماء، والأصل عدم النقض.
٤ - في معنى هذا الحديث ما رواه مسلم (٢٢٤) عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ».
وقد استدل بهذا الحديث القائلون بأنَّ من لم يجد ماءً ولا تراباً لا تقبل صلاته بلا طهورين.
стр. 15
قال الحافظ ابن رجب في [شرح البخاري] (٣/ ١٢ - ١٣): «واختلف العلماء في حكم من لم يجد ماءً ولا تراباً على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّه يصلي بحسب حاله، ولا قضاء عليه، وهو قول مالك وأحمد في رواية عنهما، وأبي ثور، والمزني وغيرهم، وحكي قولاً قديماً للشافعي. وعليه بوب البخاري، واستدل بحديث عائشة الذي خرجه هاهنا؛ فإنهم شكوا ذَلكَ إلى النَّبيّ ﷺ ، ولم يذكر أنه أمرهم بقضاء صلاتهم؛ ولأن الطهارة شرط، فإذا عجز عنها سقطت عنه، كاستقبال القبلة وستر العورة.
والثاني: يصلي ويعيد، وهو قول مالك في رواية، والشافعي، وأحمد في رواية عنه نقلها عنه أكثر أصحابه.
والثالث: لا يصلي ويقضي الصلاة، وهو قول الثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وهو قول قديم للشافعي.
واستدلوا: بقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة بغير طهور".
ويجاب عنه: بأنَّ ذلك مع القدرة، كما في قوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، ولا خلاف أنَّه لو عدم الماء وصلى بالتيمم قبلت صلاته.
والرابع: أنَّه لا يصلى ولا إعادة عليه، وهو رواية عن مالك، وقول بعض الظاهرية، وحكاه بعضهم رواية عن أبي ثور.
стр. 16
وهو أردأ الأقوال وأضعفها، ويرده قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقول النَّبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"» اهـ.
قلت: والصحيح في هذه المسألة هو المذهب الأول لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولقول النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، ولحديث عائشة الذي احتج به الإمام البخاري ﵀ ولفظه:
«عن عائشة ﵂، أنَّها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فبعث رسول الله ﷺ رجلاً فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى آية التيمم. فقال أسيد بن حضير لعائشة: جزاك الله خيراً، فو الله ما نزل بك أمر تكرهينه إلاَّ جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيراً».
أخرجه البخاري (٣٣٦)، ومسلم (٨١٤).
ووجه الشاهد من الحديث ما نقله الحافظ ابن حجر في [فتح الباري] (١/ ٥١٧) عن ابن رشيد أنَّه قال: «كَأَنَّ المصنف نَزَّلَ فقد شرعيَّة التَّيَمُّم منزلة فَقد التُّرَاب بَعْد شرعيَّة التَّيَمُّم، فَكَأَنَّهُ يقول: حكمهم في عدم الْمُطَهِّر - الَّذِي هو الماء خَاصَّة - كحكمنا في عدم المطهرين الماء والتراب. وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة؛ لأنَّ الحديث ليس فيه أنَّهم فقدوا التراب، وإنَّما فيه أنَّهم فقدوا الماء فقط، ففيه
стр. 17
دليل على وجوب الصلاة لفاقد الطهورين. ووجهه أنَّهم صلوا معتقدين وجوب ذلك، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النَّبي ﷺ ».
٥ - واحتج العلماء بهذا الحديث على أنَّ من أحدث في صلاته بطلت صلاته، ولا يجزئه إذا ذهب للوضوء أن يبني على ما مضى من صلاته، بل يستأنفها من أولها، وهذا هو الصحيح. والله أعلم.
قال الحافظ ابن رجب في [شرح البخاري] (٤/ ٢٧٢): «فأمَّا إن ذكر في أثناء صلاته فخرج، فتطهر ثم عاد، فإنَّ الإمام لا يبني على ما مضى من صلاته بغير طهارة بغير خلاف، فإنَّ من صلى بغير طهارة ناسياً فإنَّ عليه الإعادة بالإجماع؛ لقول النَّبي ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، وقوله: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور".
وحكى ابن عبد البر عن قوم أنَّهم جوزوا البناء على ما مضى من صلاته محدثاً ناسياً، وأشار إلى أنَّه قول مخالف للإجماع، فلا يعتد به.
وليس في الحديث أنَّ النبي ﷺ بنى على ما مضى من تكبيرة الإحرام وهو ناس لجنابته، فإن قدر أنَّ ذلك وقع فهو منسوخ؛ لإجماع الأمة على خلافه، كما ذكره ابن عبد البر وغيره، فلم يبق إلَّا أحد وجهين:
أحدهما: أن يكون ﷺ لما رجع كبر للإحرام، وكبر الناس معه.
وعلى هذا التقدير، فلا يبقى في الحديث دلالة على صحة الصلاة خلف إمام صلى بالناس محدثاً ناسياً لحدثه.
стр. 18
والثاني: أن يكون النَّبي ﷺ استأنف تكبيرة الإحرام، وبنى الناس خلفه على تكبيرهم الماضي» اهـ.
قلت: الحديث الذي أشار إليه الحافظ ابن رجب هو ما أخرجه البخاري (٢٧٥، ٦٣٩، ٦٤٠)، ومسلم (٦٠٥) أبي هريرة: «أنَّ رسول الله ﷺ خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف، حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف قال: "على مكانكم". فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماءً وقد اغتسل».
قال ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٨/ ٣١٢): «معنى هذا الباب الرد على أبي حنيفة في قوله: أنَّ المحدث في صلاته يتوضأ ويبنى على ما تقدم من صلاته. وهو قول ابن أبي ليلى.
وقال مالك والشافعي: يستأنف الوضوء والصلاة ولا يبني، وحجتهما قوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ". وقوله: "لا صلاة إلاَّ بطهور".
قال ابن القصار: ولا يخلو في حال انصرافه من الصلاة وقد أحدث أن يكون مصليًا أو غير مصل، فبطل أن يكون مصليًا؛ لقوله: "لا صلاة إلاَّ بطهور". وهذا غير متوضئ فلا يجوز له البناء، وكل حدث منع من ابتداء الصلاة منع من البناء عليها، يدل على ذلك أنَّه لو سبقه المني في الصلاة لا يستأنف، كذلك غيره من الأحداث» اهـ.
وقال ابن حزم في [المحلى] (٤/ ١٥٥): «وأمَّا الحنفيون فإنَّهم تناقضوا فقاسوا على ما ذكر في هذين الخبرين جميع الأحداث التي لم تذكر فيهما، ولم يقيسوا
стр. 19
الاحتلام على ذلك، وهذا تناقض! وما جاء قط أثر - صحيح ولا سقيم - في البناء من الأحداث، كالبول، والرجيع، والريح، والمذي، وأمَّا أصحابنا فاحتجوا بأنَّه قد صح ما صلى فلا يجوز إبطاله إلاَّ بنص.
قال علي: وهذا احتجاج صحيح، ولولا النص الوارد بإبطال ما مضى منها ما أبطلناه.
ولكن البرهان على بطلان ما صلى. أنَّ عبد الله بن ربيع حدثنا قال: ثنا محمد بن إسحاق ابن السليم: ثنا ابن الأعرابي: ثنا أبو داود: ثنا أحمد بن محمد بن حنبل: ثنا عبد الرزاق: أنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ".
قال علي: وروينا من طرق، فإذ صح أنَّ الصلاة ممن أحدث لا يقبلها الله حتى يتوضأ، وقد صح بلا خلاف وبالنص أنَّ الصلاة لا تجزئ إلاَّ متصلة، ولا يجوز أن يفرق بين أجزائها بما ليس صلاة: فنحن نسأل من يرى البناء للمحدث فنقول: أخبرونا عن المحدث الذي أمرتموه بالبناء، مذ يحدث فيخرج فيمشي فيأخذ الماء فيغسل حدثه، أو يستنجي فيتوضأ فينصرف إلى أن يأخذ في عمل الصلاة، أهو عندكم في صلاة؟ أم هو في غير صلاة، ولا سبيل لهم إلى قسم ثالث، فإن قالوا: هو في صلاة أكذبهم قول رسول الله ﷺ : "إنَّ الله لا يقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ". ومن المحال الباطل أن يعتد له بصلاة قد أيقنا أنَّ الله تعالى لا يقبلها، فصح أنَّ عمل صلاته الذي كان قبل قد انقطع، وأمَّا أجره فباق له
стр. 20
بلا شك، إلَّا أنَّه الآن في غير صلاة بلا شك، إذ هو في حال لا يقبل الله تعالى معها صلاة وإن قالوا: بل هو في غير صلاة.
قلنا: صدقتم، فإذا هو في غير صلاة فعليه أن يأتي بالصلاة متصلة، لا يحول بين أجزائها - وهو ذاكر قاصداً بما ليس من الصلاة، وبوقت ليس هو فيه في صلاة، وهذا برهان لا مخلص منه» اهـ.
٦ - واستدل بهذا الحديث على أن انتفاء القبول دليلاً على انتفاء الصحة.
قلت: وليس هذا بلازم فقد ينتفي القبول لانتفاء الصحة، وذلك يكون إذا فات شرط من شروط العبادة أو ركن من أركانها، وقد ينتفي لانتفاء الثواب، وذلك يكون إذا قارن العمل ذنب من الذنوب.
قال في [طرح التثريب] (٢/ ٣٢٦): «وقال القاضي أبو بكر بن العربي: القبول في ألسنة السلف الرضا قبلت الشيء رضيته وأردته والتزمت العوض عنه فقبول اللَّه للعمل هو رضاه بِه، وثوابه عليه، وكذا فسر صاحبا المشارق والنهاية القبول بأنَّه المحبة والرضا، وفي الصحاح يقال: على فلان قبول إذا قبلته النفس والذي ينبغي أن يقال في اختلاف الأحاديث التي ذكرها وكونها مستوية في نفي القبول فانتفت الصحة معه في بعضها دون بعض أنَّه لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة لكنا ننظر في المواضع التي نفي فيها القبول فإن كان ذلك العمل قد اقترنت بِه معصية علمنا أن عدم قبول ذلك العمل إنَّما هو لوجد تلك المعصية فمن هذا الوجه كان ذلك العمل غير مرضي لكنه صحيح في نفسه لاجتماع الشروط والأركان فيه، وهذا كصلاة العبد الآبق وشارب الخمر وآتي العراف فهؤلاء إنَّما لم تقبل صلاتهم للمعصية التي ارتكبوها مع صحة صلاتهم».
стр. 21
وقال ابن القيم ﵀ في [تهذيب السنن] (١/ ٦٠): «أنَّ نفي القبول قد يكون لفوات الشرط وعدمه، وقد يكون لمقارنة محرم يمنع من القبول، كالإباق، وتصديق العراف، وشرب الخمر، وتطيب المرأة إذا خرجت للصلاة ونحوه» اهـ.
إلى أن قال ﵀: «وأمَّا عدم القبول فمعناه عدم الاعتداد بها، وأنَّه لم يرتب عليها أثرها المطلوب منها بل هي مردودة عليه، وهذا قد يحصل لعدم ثوابه عليها، ورضا الرب عنه بها، وإن كان لا يعاقبه عليها عقوبة تاركها جملة بل عقوبة ترك ثوابه، وفوات الرضا لها بعد دخوله فيها».
وقال ﵀ في كتابه [حكم تارك الصلاة] ص (١١٨) - عند ذكره لحجج من قال إنَّ الجماعة شرط في صحة الصلاة -: «ونفي القبول إمَّا أن يكون لفوات ركن، أو شرط، ولا ينتقض هذا بنفي القبول عن صلاة العبد الآبق، وشارب الخمر أربعين يوماً لأنَّ امتناع القبول هناك لارتكاب أمر محرم قارن الصلاة فأبطل أجرها».
٧ - واحتج العلماء بهذا الحديث على أنَّه لا يلزم الوضوء لكل صلاة.
قال ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] ص (١٤): «اُسْتُدِلَّ بهذا الحديث على أَنَّ الوضوء لا يجب لكل صلاة. ووجه الاستدلالِ بِهِ: أنَّه ﷺ نفى القبول ممتداً إلى غاية الوضوء. وما بعد الغاية مخالف لما قبلها. فيقتضي ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقاً. وتدخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانياً» اهـ.
стр. 22
وقال في [طرح التثريب] (٢/ ٣٤١): «وَيُحْتَمَل أَنْ يقال في الاستدلال وجه آخر، وهو أَنَّهُ قيد عدم القبول بشرط الحدث، ومفهومه حجة عند الأكثرين، ومفهومه هنا أنَّه إذا لم يحدث تقبل صلاته، وإن لم يجدد وضوءاً» اهـ.
قلت: وهذا قول عامة السلف، والخلف، والخلاف في ذلك شاذ يحكى عن عكرمة، وابن سيرين.
٨ - يدخل في هذا النفي من ترك الوضوء ناسياً، فلا تقبل صلاته حتى يتوضأ.
٩ - ويحتج بهذا الحديث لمن ذهب إلى أنَّ غسل الحدث الأكبر، لا يكفي في رفع الحدث الأصغر، وذلك لأنَّ النَّبي ﷺ علق قبول الصلاة لمن أحدث حدثاً أصغراً بالوضوء، ولم يعلق ذلك بالوضوء، أو الغسل.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ٦): «فإن اغتسل ولم يتوضأ، فهل يرتفع حدثاه بذلك، أم لا يرتفع إلَّا حدثه الأكبر خاصة، ويبقى حدثه الأصغر، فلا يستبيح الصلاة بدون تجديد الوضوء؟ هذا فيهِ قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد.
أشهرهما: أنَّه يرتفع حدثاه بذلك، إذا نوى بغسله رفع الحدثين جميعاً.
والثانية: لا يرتفع حدثه الأصغر بدون الوضوء. وحكي عن مالك وأبي ثور وداود.
فإذا اغتسل، ولم يتوضأ ارتفع حدثه الأكبر، ولم يرتفع الأصغر حتى يتوضأ.
ومن حكى عن أبي ثور، وداود: أنَّ الحدث الأكبر لا يرتفع بدون الوضوء مع الغسل، فالظاهر: أنَّه غالط عليهما.
стр. 23
وقد حكى ابن جرير، وابن عبد البر، وغيرهما الإجماع على خلاف ذلك. ومذهب الشافعي: أنَّه يرتفع حدثاه بنية رفع الحدث الأكبر خاصة، ولا يحتاج إلى نية رفع الحدث الأصغر.
وذهب إسحاق، وطائفة من أصحابنا، كأبي بكر عبد العزيز بن جعفر: إلى أنَّه لا يرتفع الحدث الأصغر بالغسل وحده، حتى يأتي فيهِ بخصائص الوضوء، من الترتيب، والمولاة» اهـ.
قلت: وأحسن من رأيت تكلم في هذه المسألة هو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقد قال كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٣٩٦ - ٣٩٧): «فصل: وهو سبحانه أمرنا بالطهارتين الصغرى، والكبرى، وبالتيمم عن كل منهما فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ فأمر بالوضوء، ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ فأمر بالتطهر من الجنابة كما قال في المحيض: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ وقال في سورة النساء: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ وهذا يبين أنَّ التطهر هو الاغتسال.
والقرآن يدل على أنَّه لا يجب على الجنب إلاّ الاغتسال، وأنَّه إذا اغتسل جاز له أن يقرب الصلاة. والمغتسل من الجنابة ليس عليه نيّة رفع الحدث الأصغر كما قال جمهور العلماء، والمشهور في مذهب أحمد أنَّ عليه نية رفع الحدث الأصغر، وكذلك ليس عليه فعل الوضوء ولا ترتيب ولا موالاة عند الجمهور وهو ظاهر مذهب أحمد.
وقيل: لا يرتفع الحدث الأصغر إلاَّ بهما.
стр. 24
وقيل: لا يرتفع حتى يتوضأ روي ذلك عن أحمد، والقرآن يقتضي أنَّ الاغتسال كاف، وأنَّه ليس عليه بعد الغسل من الجنابة حدث آخر، بل صار الأصغر جزءاً من الأكبر كما أنَّ الواجب في الأصغر جزء من الواجب في الأكبر، فإن الأكبر يتضمن غسل الأعضاء الأربعة.
ويدل على ذلك قول النبي لأم عطية، واللواتي غسلن ابنته "اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها".
فجعل غسل مواضع الوضوء جزءاً من الغسل لكنه يقدم كما تقدم الميامن.
وكذلك الذين نقلوا صفة غسله، كعائشة ﵂ ذكرت أنَّه كان يتوضأ ثم يفيض الماء على شعره، ثم على سائر بدنه، ولا يقصد غسل مواضع الوضوء مرتين وكان لا يتوضأ بعد الغسل.
فقد دلَّ الكتاب والسنة على أنَّ الجنب والحائض لا يغسلان أعضاء الوضوء، ولا ينويان وضوءاً، بل يتطهران ويغتسلان كما أمر الله تعالى».
قلت: وهذا هو القول الصحيح الموافق للأدلة. والله أعلم.
* * *
стр. 25
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ ﵃ قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».
قوله: "ويل" قال ابن عباس: الويل المشقة من العذاب، وقال الخليل بن أحمد: الويل شدة الشر، وقال سيبويه: ويل لمن وقع في الهلكة، وويح لمن أشرف عليها، وقال الأصمعي: الويل تفجع والويح ترحم، وقال غيره: الويل: الحزن، وقيل: أصله الهلكة وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومنه قوله تعالى:
﴿يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ وهي الويل، والويلة، وهما الهلكة والجمع الويلات، وقد قيل إنَّ أصل ويل "وي" وهي: كلمة تأوه، فلما كثر قولهم وي لفلان وصلوها باللام وقدروها أنَّها منها، فأعربوها، وقيل: إنَّ "ويل" جبل في جهنم، وقيل وادٍ في جهنم، وقد جاء فيهما حديثان إلاَّ أنَّهما لا يصحان.
وقوله: "للأعقاب" العقب هو مؤخر الرجل تحت العرقوب ومنه رجع على عقبيه.
تنبيه: حديث عائشة انفرد به مسلم (٢٤٠).
في هذا الحديث عدة مسائل منها:
١ - وجوب تعميم الأعضاء بالماء، وأنَّ ترك البعض منها غير مجزئ.
٢ - أنَّ فرض القدم الغسل وليس المسح، وذلك لأنَّ المسح لا يكون على العقبين، وإنَّما على ظهر القدم، فهذا الحديث يفسر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 26
آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾،
بأنَّ المراد بمسح الرجلين في الآية هو الغسل، خلافاً للشيعة، والمعتزلة.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٢٢): «قوله ﷺ : "وَيْل لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّار أَسْبِغُوا الْوُضُوء" مراد مسلم - رحمه اللَّه تعالى - بإيراده هنا الاستدلال بِه على وجوب غسل الرِّجلين، وأَنَّ المسح لا يجزئ، وهذه مسألة اختلف النَّاس فيها على مذاهب، فذهب جمع من الفقهاء من أهل الفتوى في الأعصار والأمصار إلى أَنَّ الواجب غسل القدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحهما ولا يجب المسح مع الغسل، ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتد بِه في الإجماع، وقالت الشِّيعة: الواجب مسحهما، وقال محمَّد بن جرير، والجبَّائِي رأس المعتزلة: يتخيَّر بين المسح والغسل، وقال بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بين المسح والغسل. وتعلق هؤلاء المخالفون للجماهير بما لا تظهر فيه دلالة تظهر فيه دلالة» اهـ.
قلت: ولا يصح عزو هذا المذهب لابن جرير الطبري كما بين ذلك العلامة ابن القيم ﵀ في [تهذيب السنن] (١/ ٩٨) حيث قال ﵀:
«وأمَّا حكايته عن ابن جرير فغلط بيِّن، وهذه كتبه وتفسيره كله يكذب هذا النقل عليه، وإنَّما دخلت الشبهة لأنَّ ابن جرير القائل بهذه المقالة رجل آخر من الشيعة، يوافقه في اسمه واسم أبيه، وقد رأيت له مؤلفات في أصول مذهب الشيعة وفروعهم» اهـ.
стр. 27
قلت: وأحسن من رأيت تكلم على هذه المسألة هو شيخ الإسلام ابن تيمية فقد قال ﵀ في [منهاج السنة] (٤/ ١٧١ - ١٧٩): «فيقال الذين نقلوا عن النبي ﷺ الوضوء قولاً وفعلاً، والذين تعلموا الوضوء منه، وتوضؤوا على عهده وهو يراهم ويقرهم عليه، ونقلوه إلى من بعدهم أكثر عدداً من الذين نقلوا لفظ هذه الآية، فإنَّ جميع المسلمين كانوا يتوضؤون على عهده ولم يتعلموا الوضوء إلَّا منه ﷺ ، فإنَّ هذا العمل لم يكن معهوداً عندهم في الجاهلية وهم قد رأوه يتوضأ ما لا يحصى عدده إلَّا الله تعالى، ونقلوا عنه ذكر غسل الرجلين فيما شاء الله من الحديث، حتى نقلوا عنه من غير وجه في الصحاح، وغيرها أنَّه قال: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار" مع أنَّ الفرض إذا كان مسح ظهر القدم كان غسل الجميع كلفة لا تدعو إليها الطباع، كما تدعوا الطباع إلى طلب الرئاسة والمال، فإن جاز أن يقال: أنهم كذبوا، وأخطؤوا فيما نقلوه عنه من ذلك، كان الكذب والخطأ فيما نقل من لفظ الآية أقرب إلى الجواز.
وإن قيل: بل لفظ الآية ثبت بالتواتر الذي لا يمكن الخطأ فيه، فثبوت التواتر في نقل الوضوء عنه أولى وأكمل، ولفظ الآية لا يخالف ما تواتر من السنة، فإنَّ المسح جنس تحته نوعان: الإسالة، وغير الإسالة، كما تقول العرب: تمسحت للصلاة، فما كان بالإسالة فهو الغسل، وإذا خصّ أحد النوعين باسم الغسل، فقد يخصّ النوع الآخر باسم المسح، فالمسح يقال على المسح العام الذي يندرج فيه الغسل، ويقال على الخاص الذي لا يندرج فيه الغسل، ولهذا نظائر كثيرة، مثل
стр. 28
لفظ ذوي الأرحام، فإنَّه يعم العصبة كلهم، وأهل الفروض وغيرهم، ثم لما كان للعصبة، وأصحاب الفروض اسم يخصهما بقى لفظ ذوي الأرحام مختصاً في العرف بمن لا يرث بفرض ولا تعصيب.
وكذلك لفظ الجائز والمباح يعم ما ليس بحرام، ثم قد يختص بأحد الأقسام الخمسة، وكذلك لفظ الممكن يقال على ما ليس بممتنع، ثم يخص بما ليس بواجب ولا ممتنع، فيفرق بين الواجب، والجائز، والممكن العام والخاص، وكذلك لفظ الحيوان ونحوه يتناول الإنسان وغيره ثم قد يختص بغير الإنسان.
ومثل هذا كثير إذا كان لأحد النوعين اسم يخصه بقي الاسم العام مختصاً بالنوع الآخر، ولفظ المسح من هذا الباب، وفي القران ما يدل على أنه لم يرد بمسح الرجلين المسح الذي هو قسيم الغسل، بل المسح الذي الغسل قسم منه، فإنّه قال: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، ولم يقل: إلى الكعاب: كما قال:
﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فدل على أنَّه ليس في كل رجل كعب واحد، كما في كل يد مرفق واحد، بل في كل رجل كعبان، فيكون تعالى قد أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين، وهذا هو الغسل، فإنَّ من يمسح المسح الخاص يجعل المسح لظهور القدمين، وفي ذكره الغسل في العضوين الأولين، والمسح في الآخرين التنبيه على أنَّ هذين العضوين يجب فيهما المسح العام، فتارة يجزئ المسح الخاص كما في مسح الرأس، والعمامة، والمسح على الخفين، وتارة لا بد من المسح الكامل الذي هو غسل، كما في الرجلين المكشوفتين.
стр. 29
وقد تواترت السنة عن النَّبي ﷺ بالمسح على الخفين، وبغسل الرجلين. والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة، كما يخالف الخوارج نحو ذلك مما يتوهمون أنَّه مخالف لظاهر القران، بل تواتر غسل الرجلين، والمسح على الخفين عن النبي ﷺ أعظم من تواتر قطع اليد في ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو عشرة دراهم أو نحو ذلك.
وقد ذكر المسح على الرجلين تنبيه على قلة الصب في الرجل، فإنَّ السرف يعتاد فيهما كثيراً وفيه اختصار للكلام، فإنَّ المعطوف، والمعطوف عليه إذا كان فعلاهما من جنس واحد اكتفى بذكر أحد النوعين كقوله:
علفتها تبناً وماءً بارداً … حتى غدت همالة عيناها
والماء يسقى لا يقال: علفت الماء، لكن العلف، والسقي يجمعهما معنى الإطعام، وكذلك
قوله:
ورأيت زوجك في الوغى … متقلداً سيفاً ورمحاً
وكذلك قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾، والحور العين لا يطاف بهن، ولكن المعنى يؤتى بهذا، وبهذا. وهم قد يحذفون ما يجل الظاهر على جنسه، لا على نفسه كما في قوله تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ والمعنى يعذب الظالمين.
стр. 30
وهذه الآية فيها قراءتان مشهورتان: الخفض: والنصب، فالذين قرؤوا بالنصب قال غير واحد منهم: أعاد الأمر إلى الغسل. أي: وامسحوا برؤوسكم، واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، والقراءتان كالآيتين، ومن قال: إنَّه عطف على محل الجار والمجرور، يكون المعنى: وامسحوا برؤوسكم، وامسحوا أرجلكم إلى الكعبين، وقولهم: مسحت الرجل ليس مرادفاً لقوله: مسحت بالرجل، فإنَّه إذا عدى بالباء أريد به معنى الإلصاق، أي: ألصقت به شيئاً وإذا قيل: مسحته لم يقتضي ذلك أن يكون ألصقت به شيئاً، وإنَّما يقتضي مجرد المسح، وهو لم يرد مجرد المسح باليد بالإجماع، فتعين أنَّه إذا مسحه بالماء وهو مجمل فسرته السنة كما في قراءة الجر.
وفي الجملة، فالقران ليس فيه نفي إيجاب الغسل، بل فيه إيجاب المسح، فلو قدِّر أنَّ السنة أوجبت قدراً زائداً على ما أوجبه القران، لم يكن في هذا رفعاً لموجب القران، فكيف إذا فسرته وبينت معناه وهذا مبسوط في موضعه.
وفي الجملة، فيعلم أنَّ سنة النَّبي ﷺ هي التي تفسر القران وتبينه، وتدل عليه وتعبِّر عنه، فالسنة المتواترة تقضي على ما يفهمه بعض الناس من ظاهر القران، فإنَّ الرسول ﷺ بيَّن للناس لفظ القران، ومعناه، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرؤون القران عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا معناها.
وما تقوله الإمامية من أنَّ الفرض مسح الرجلين إلى الكعبين اللذين هما مجتمع الساق، والقدم عند معقد الشراك أمر لا يدل عليه القران بوجه من الوجوه ولا
стр. 31
فيه عن النَّبي ﷺ حديث يعرف، ولا هو معروف عن سلف الأمة، بل هم مخالفون للقران والسنة المتواترة ولإجماع السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان.
فإنّ لفظ القران يوجب المسح بالرؤوس وبالأرجل إلى الكعبين مع إيجابه لغسل الوجوه والأيدي إلى المرافق، فكان في ظاهره ما يبيِّن أن في كل يد مرفقاً وفي كل رجل كعبين، فهذا على قراءة الخفض، وأمَّا قراءة النصب، فالعطف إنما يكون على المحل إذا كان المعنى واحداً كقول الشاعر:
معاوي إننا بشر فأسجح … فلسنا بالجبال ولا الحديدا
فلو كان معنى قوله: مسحت برأسي، ورجلي هو معنى مسحت رأسي ورجلي لأمكن كون العطف على المحل، والمعنى مختلف، فعلم أنَّ قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عطف على ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ كما قاله الذين قرؤوه كذلك. وحينئذ فهذه القراءة نصٌ في وجوب الغسل، وليس في واحدة من القراءتين ما يدل ظاهرها على قولهم، فعلم أنَّ القوم لم يتمسكوا بظاهر القران، وهذا حال سائر أهل الأقوال الضعيفة الذين يحتجون بظاهر القران على ما يخالف السنة إذا خفى الأمر عليهم، مع أنه لم يوجد في ظاهر القران ما يخالف السنة».
٣ - والحديث حجة ظاهرة على أَنَّ "العقب" محل للتَّطهير، فيبطل قول من يكتفي بالتَّطهير فيما دون ذلك. قاله ابن دقيق العيد في "شرح العمدة".
* * *
стр. 32
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الإِنَاءِ ثَلاثاً، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ».
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمِنْخَرَيْهِ مِنَ الْمَاءِ»
وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ».
قلت: لفظ الحديث عند البخاري (١٦٢) عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال:
«إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ».
وأمَّا مسلم فلم يروه بهذا السياق، فقد رواه (٢٧٨) بلفظ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». وبلفظ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْرِغْ عَلَى يَدِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي إِنَائِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِيمَ بَاتَتْ يَدُهُ».
стр. 33
ورواه (٢٣٧) بلفظ: «إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ وِتْرًا وَإِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلِيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ». وبلفظ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنْ الْمَاءِ ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ».
ولفظ الرواية الأخيرة عند مسلم (٢٣٧): «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْشِقْ».
وأمَّا اللفظ الذي ذكره المصنف فلم يرد في شيء من كتب الحديث فيما أعلم.
قوله: «إذا توضأ أحدكم» أي: إذا شرع في الوضوء، والوضوء إذا ورد في الشرع فالمراد به هو الوضوء الشرعي في الأعضاء الأربعة.
قوله: «في أنفه» قال ثعلب: الأَنْف جميع المَنْخَر سمي بذلك لتقدمه، عليه، ومنه قيل للمُحَدَّد مُؤَنَّف وقالوا أَنْف القَصْعة يعني أعْلى الثَّريد
قوله: «ثم ليستنثر». يقال نثر الرجل وانتثر واستنثر إذا حرك النثرة في الطهارة وهي طرف الأنف، وقيل: الأنف نفسه، وقال القاضي عياض: هو من النثر وهو الطرح وهو هنا طرح الماء الذي تنشق قبل ليخرج ما تعلق به من قذر الأنف.
قلت: وعلى المعنيين الأولين للاستنثار يدخل في ذلك الاستنشاق.
لكن قال ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] (١٦): «ومن النَّاس من جعل الاستنثار لفظاً يدل على الاستنشاق الَّذي هو الجذب وأخذه من النَّثرة، وهي طرف الأنف. والاستفعال منها يدخل تحته الجذب والدفع معاً. والصحيح: هو الأول؛ لأنَّه قد جمع بينهما في حديث واحد وذلك يقتضي التغاير».
стр. 34
وقال في [طرح التثريب] (١/ ٤٧٧): «والانتثار مأخوذ من النَّثرة، وهي طرف الأنف عند جمهور أهل اللُّغة، وقال الخطَّابي هي الأنف واختلف في حقيقة الانتثار.
فقال جمهور أهل اللغة: هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، وهو قول الفقهاء وأهل الحديث وقال ابن الأعرابيِّ وابن قتيبة: إنَّ الاستنثار هو الاستنشاق، والصَّواب الأوَّل الَّذي يدل عليه هذا الحديث بقوله، ثم لينتثر بعد قوله: "فليستنشق"».
وقوله: «ومن استجمر» الاستجمار: هو المسح بالجمار، وهي الأحجار الصغار، ومنه سميت جمار الرمي.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١١٩): «أمَّا الاستجمار: فهو مسح محل البول والغائط بالجمار، وهي الأحجار الصغار، قال العلماء: يقال الاستطابة، والاستجمار، والاستنجاء لتطهير محل البول والغائط، فأما الاستجمار فمختص بالمسح بالأحجار، وأمَّا الاستطابة، والاستنجاء فيكونان بالماء، ويكونان بالأحجار، هذا الذي ذكرناه من معنى الاستجمار هو الصحيح المشهور الذي قاله الجماهير من طوائف العلماء من اللغويين، والمحدثين، والفقهاء، وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: اختلف قول مالك وغيره في معنى الاستجمار المذكور في هذا الحديث فقيل هذا، وقيل المراد به في البخور أن يأخذ منه ثلاث قطع، أو يأخذ منه ثلاث مرات يستعمل واحدة بعد أخري، قال: والأول أظهر والله أعلم. والصحيح المعروف ما قدمناه».
стр. 35
وقوله: «قبل أن يدخلهما في الإناء»، المراد به إناء الوضوء والغسل، لا ما كان فارغاً من الآنية. وقد جاء في رواية مسلم (٦٤١): «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». والغمس لا يكون إلَّا في الشيء السائل.
وقوله: «فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده». البيتوتة دخولك في الليل وكونك فيه بنوم وبغير نوم، تقول: بت أراعي النجم، معناه: بت أنظر إلى النجم. والبيت سمي بيتاً لأنه يُبَات فيه، وبيَّتهم العدوُّ إذا جاءهم ليلاً.
قال الحريري ﵀ في [درة الغواص] ص (٢٦٧): «ومن ذلك توهمهم أنَّ معنى بات فلان أي نام، وليس كذلك، بل معنى بات: أظله المبيت وأجنه الليل، سواء نام أم لم ينم، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾».
وقال ابن حزم ﵀ فقال في [المحلى] (١/ ٢٠٧ - ٢٠٨): «وادعى قوم أنَّ هذا في نوم الليل خاصة، لقوله: "أين باتت يده" وادعوا أنَّ المبيت لا يكون إلَّا بالليل. قال أبو محمد: وهذا خطأ، بل يقال: بات القوم يدبرون أمر كذا، وإن كان نهاراً».
هكذا قال ﵀ والمشهور عن أهل اللغة هو ما سبق.
قال العلامة الشوكاني ﵀ في [نيل الأوطار] (١/ ١٦٩): «قوله: "لا يدري أين باتت يده" ليس تشكيكاً في العلة، بل تعليلاً بالشك، وأنَّه يستلزم ما ذكر» اهـ.
стр. 36
وقد تنازع العلماء في علة الأمر بغسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم قبل إدخالهما في الإناء على ثلاثة أقوال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٤): «وأمَّا الحكمة في غسل اليد، ففيها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّه خوف نجاسة تكون على اليد مثل مرور يده موضع الاستجمار مع العرق، أو على زبلة، ونحو ذلك.
والثاني: أنَّه تعبد ولا يعقل معناه.
والثالث: أنَّه من مبيت يده ملامسة للشيطان، كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنشق بمنخريه من الماء فإنَّ الشيطان يبيت على خيشومه"، فأمر بالغسل معللاً بمبيت الشيطان على خيشومه، فعلم أنَّ ذلك سبب للغسل عن النجاسة والحديث معروف وقوله: "فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده". يمكن أن يراد به ذلك فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار والله أعلم».
قوله: «فليستنشق». الاستنشاق: جذب الماء إلى الأنف.
قوله: «بمنخريه» الْمَنْخِرُ: خرق الأنف وحقيقته موضع النَّخير وهو مَدُّ النَّفس في الخياشيم.
وقوله: «من توضأ فليستنشق»، هذه اللفظ لا وجود له في صحيح البخاري، ولا في صحيح مسلم كما سبق التنبيه على ذلك.
وفي هذا الحديث عدة مسائل:
١ - وجوب الاستنشاق للأمر به في الحديث، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء فذهب الإمام أحمد، وإسحاق إلى الوجوب في الوضوء والغسل، وأوجبه أبو
стр. 37
حنيفة في الغسل دون الوضوء، واستحبه مالك والشافعي في الوضوء والغسل، والراجح هو الوجوب لظاهر الأمر والله أعلم.
٢ - احتج بعض العلماء بقول النبي ﷺ في هذا الحديث: «وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». على الفرق بين ورود الماء على النجاسة وبين ورودها عليه، فإذا وردت النجاسة على الماء القليل أفسدته، ومنعت من الطهارة به وإن لم تغيره، وإن ورود الماء على النجاسة لا تضره، وأنَّه بوروده عليها مطهر لها وهي غير مفسدة له.
قال أبو عمر ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١٨/ ٢٣٤ - ٢٣٧): «احتج بعض أصحاب الشافعي لمذهبهم في الفرق بين ورود الماء على النجاسة، وبين ورودها عليه بهذا الحديث، وقالوا: ألا ترى أنَّ رسول الله ﷺ لما خاف على النائم المستيقظ من نومه القائم منه إلى وضوئه أن تكون في يده نجاسة أمره بطرح الماء من الإناء على يده ليغسلها، ولم يأمره بإدخال يده في الإناء ليغسلها فيه بل نهاه عن ذلك قال: فدلنا ذلك على أنَّ النجاسة إذا وردت على الماء القليل أفسدته ومنعت من الطهارة به وإن لم تغيره. قال: ودلنا ذلك أيضاً على أنَّ ورود الماء على النجاسة لا تضره وأنَّه بوروده عليها مطهر لها، وهي غير مفسدة له لأنَّها لو أفسدته مع وروده عليها لم تصح طهارة أبداً في شيء من الأشياء. واحتجوا أيضاً بنهيه ﷺ عن البول في الماء الدائم. وبحديث
стр. 38
ولوغ الكلب في الإناء. وبنحو ذلك من الآثار، مع أمره بالصب على بول الأعرابي.
قال أبو عمر: أمَّا لو لم يأت عن النَّبي ﷺ في الماء غير هذا الحديث لساغ في الماء بعض هذا التأويل ولكن قد جاء عن النبي ﷺ في الماء أنَّه لا ينجسه شيء، يريد إلَّا ما غلب عليه بدليل الإجماع على ذلك، وهذا الحديث موافق لما وصف الله به الماء في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ يعني: لا ينجسه شيء إلَّا أن يغلب عليه، وقد أجمعوا معنا على أنَّ ورود الماء على النجاسة لا يضره، وأنَّه مطهر لها، وطاهر في ذاته إن لم يتغير بها طعمه، أو لونه، أو ريحه، فبان بذلك صحة قولنا، وعلمنا بكتاب الله وسنة رسوله أنَّ أمره ﷺ القائم من نومه أن لا يغمس يده في وضوئه إنَّما ذلك ندب، وأدب، وسنة قائمة لمن كانت يده طاهرة، وغير طاهرة، لأنَّه لو أراد بذلك النجاسة لأمر بغسل المخرجين أولاً، ولقال: إذا قام أحدكم من نومه فلينظر يده، فإن لم يكن فيها نجاسة أدخلها في وضوئه، وإن كانت في يده نجاسة غسلها قبل أن يدخلها، هذا على مذهب من جعل قوله ﷺ : "فإنَّه لا يدري أين باتت يده". علة احتياط خوف إصابته بها نجاسة، وذلك أنَّهم كانوا يستنجون بالأحجار من غير ماء، فالأحجار لا بد أن يبقى فيها أثر، فربما حكه، أو مسه بيده، فأمروا بالاحتياط في ذلك، ومن جعل ذلك ندباً وسنة مسنونة، قال: اليد على طهارتها، وليس الشك بعامل فيها، والماء لا ينجسه شيء، والله أعلم، وقد أجمع جمهور العلماء على أنَّ الذي يبيت في سراويله وينام فيها ثم يقوم من نومه
стр. 39
ذلك أنَّه مندوب إلى غسل يده قبل أن يدخلها في إناء وضوئه، ومنهم من أوجب عليه مع حاله هذه غسل يده فرضاً على ما نذكره في هذا الباب إن شاء الله، ومعلوم أنَّ من بات في سراويله لا يخاف عليه أن يمس بيده نجاسة في الأغلب من أمره، فعلمنا بهذا كله أنَّ المراد بهذا الحديث ليس كما ظنه أصحاب الشافعي والله أعلم، وقد نقضوا قولهم في ورود الماء على النجاسة، لأنَّهم يقولون: إذا ورد الماء على نجاسة في إناء، أو موضع وكان الماء دون القلتين أنَّ النجاسة تفسده، وأنَّه غير مطهر لها، فلم يفرقوا هاهنا بين ورود الماء على النجاسة، وبين ورودها عليه وشرطهم أن يكون ورود الماء صباً مهراقاً تحكم لا دليل عليه والله أعلم».
وقال الأمير الصنعاني ﵀ في [سبل السلام] (١/ ٤): «وحاصله: أنَّهم حكموا: أنَّه إذا وردت النجاسة على الماء القليل نجسته، وإذا ورد عليها الماء القليل لم ينجس، فجعلوا علة عدم تنجس الماء الورود على النجاسة، وليس كذلك بل التحقيق: أنَّه حين يرد الماء على النجاسة يرد عليها شيئاً فشيئاً حتى يفني عينها، وتذهب قبل فنائه، فلا يأتي آخر من الماء الوارد على النجاسة إلاَّ وقد طهر المحل الذي اتصلت به، أو بقي فيه جزء منها يفنى ويتلاشى عند ملاقاة آخر جزء منها يرد عليه الماء، كما تفنى النجاسة وتتلاشى إذا وردت على الماء الكثير بالإجماع، فلا فرق بين هذا وبين الكثير في إفناء الكل للنجاسة، فإنَّ الجزء الأخير الوارد على النجاسة يحيل عينها لكثرته بالنسبة إلى ما بقي من النجاسة فالعلَّة في عدم تنجسه بوروده عليها: هي كثرته بالنسبة إليها لا الورود فإنّه لا يعقل التفرقة بين الورودين: بأنَّ أحدهما ينجسه دون الآخر».
стр. 40
قلت: الصحيح أنَّ الماء لا ينجس إلَّا إذا تغير بالنجاسة.
٣ - احتج الحافظ ابن عبد البر ﵀ بهذا الحديث على وجوب الوضوء من النوم، حيث قال ﵀ في [التمهيد] (١٨/ ٢٣٨): «وفي هذا الحديث من الفقه إيجاب الوضوء من النوم وهو أمر مجتمع عليه في النائم المضطجع الذي قد استثقل نوماً».
قلت: الحديث ليس بظاهر في ذلك، لكنه يشعر بما ذكره ﵀، فإنَّ حاجة الإنسان غالباً إلى غمس يده في الإناء إذا استيقظ من النوم إنَّما هو من أجل الوضوء. وقد استبعد ما ذكره ابن عبد البر الحافظ ابن حجر في "الفتح".
قلت: ويدخل في ذلك أيضاً إناء الغسل، وسائر الآنية.
٤ - واحتج الإمام أحمد ﵀ بقول النَّبي ﷺ في هذا الحديث: «فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده» على أنَّ غسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم مختص بنوم الليل دون نوم النهار، لأنَّ البيتوتة لا تكون إلَّا في الليل.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣١٧): «وفي رواية لأبي داود ساق مسلم إسنادها: "إذا قام أحدكم من الليل"، وكذا للترمذي من وجه آخر صحيح، ولأبي عوانة في رواية ساق مسلم إسنادها أيضاً: "إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح"».
٥ - ألحق بذلك جمهور العلماء نوم النهار بنوم الليل، واحتجوا بعموم قول النبي ﷺ :
следующие страницы →