← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقد تنازع العلماء في علة الأمر بغسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم قبل إدخالهما في الإناء على ثلاثة أقوال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٤): «وأمَّا الحكمة في غسل اليد، ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّه خوف نجاسة تكون على اليد مثل مرور يده موضع الاستجمار مع العرق، أو على زبلة، ونحو ذلك. والثاني: أنَّه تعبد ولا يعقل معناه. والثالث: أنَّه من مبيت يده ملامسة للشيطان، كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنشق بمنخريه من الماء فإنَّ الشيطان يبيت على خيشومه"، فأمر بالغسل معللاً بمبيت الشيطان على خيشومه، فعلم أنَّ ذلك سبب للغسل عن النجاسة والحديث معروف وقوله: "فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده". يمكن أن يراد به ذلك فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار والله أعلم». قوله: «فليستنشق». الاستنشاق: جذب الماء إلى الأنف. قوله: «بمنخريه» الْمَنْخِرُ: خرق الأنف وحقيقته موضع النَّخير وهو مَدُّ النَّفس في الخياشيم. وقوله: «من توضأ فليستنشق»، هذه اللفظ لا وجود له في صحيح البخاري، ولا في صحيح مسلم كما سبق التنبيه على ذلك. وفي هذا الحديث عدة مسائل: ١ - وجوب الاستنشاق للأمر به في الحديث، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء فذهب الإمام أحمد، وإسحاق إلى الوجوب في الوضوء والغسل، وأوجبه أبو

стр. 37

حنيفة في الغسل دون الوضوء، واستحبه مالك والشافعي في الوضوء والغسل، والراجح هو الوجوب لظاهر الأمر والله أعلم. ٢ - احتج بعض العلماء بقول النبي ﷺ في هذا الحديث: «وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». على الفرق بين ورود الماء على النجاسة وبين ورودها عليه، فإذا وردت النجاسة على الماء القليل أفسدته، ومنعت من الطهارة به وإن لم تغيره، وإن ورود الماء على النجاسة لا تضره، وأنَّه بوروده عليها مطهر لها وهي غير مفسدة له. قال أبو عمر ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١٨/ ٢٣٤ - ٢٣٧): «احتج بعض أصحاب الشافعي لمذهبهم في الفرق بين ورود الماء على النجاسة، وبين ورودها عليه بهذا الحديث، وقالوا: ألا ترى أنَّ رسول الله ﷺ لما خاف على النائم المستيقظ من نومه القائم منه إلى وضوئه أن تكون في يده نجاسة أمره بطرح الماء من الإناء على يده ليغسلها، ولم يأمره بإدخال يده في الإناء ليغسلها فيه بل نهاه عن ذلك قال: فدلنا ذلك على أنَّ النجاسة إذا وردت على الماء القليل أفسدته ومنعت من الطهارة به وإن لم تغيره. قال: ودلنا ذلك أيضاً على أنَّ ورود الماء على النجاسة لا تضره وأنَّه بوروده عليها مطهر لها، وهي غير مفسدة له لأنَّها لو أفسدته مع وروده عليها لم تصح طهارة أبداً في شيء من الأشياء. واحتجوا أيضاً بنهيه ﷺ عن البول في الماء الدائم. وبحديث

стр. 38

ولوغ الكلب في الإناء. وبنحو ذلك من الآثار، مع أمره بالصب على بول الأعرابي. قال أبو عمر: أمَّا لو لم يأت عن النَّبي ﷺ في الماء غير هذا الحديث لساغ في الماء بعض هذا التأويل ولكن قد جاء عن النبي ﷺ في الماء أنَّه لا ينجسه شيء، يريد إلَّا ما غلب عليه بدليل الإجماع على ذلك، وهذا الحديث موافق لما وصف الله به الماء في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ يعني: لا ينجسه شيء إلَّا أن يغلب عليه، وقد أجمعوا معنا على أنَّ ورود الماء على النجاسة لا يضره، وأنَّه مطهر لها، وطاهر في ذاته إن لم يتغير بها طعمه، أو لونه، أو ريحه، فبان بذلك صحة قولنا، وعلمنا بكتاب الله وسنة رسوله أنَّ أمره ﷺ القائم من نومه أن لا يغمس يده في وضوئه إنَّما ذلك ندب، وأدب، وسنة قائمة لمن كانت يده طاهرة، وغير طاهرة، لأنَّه لو أراد بذلك النجاسة لأمر بغسل المخرجين أولاً، ولقال: إذا قام أحدكم من نومه فلينظر يده، فإن لم يكن فيها نجاسة أدخلها في وضوئه، وإن كانت في يده نجاسة غسلها قبل أن يدخلها، هذا على مذهب من جعل قوله ﷺ : "فإنَّه لا يدري أين باتت يده". علة احتياط خوف إصابته بها نجاسة، وذلك أنَّهم كانوا يستنجون بالأحجار من غير ماء، فالأحجار لا بد أن يبقى فيها أثر، فربما حكه، أو مسه بيده، فأمروا بالاحتياط في ذلك، ومن جعل ذلك ندباً وسنة مسنونة، قال: اليد على طهارتها، وليس الشك بعامل فيها، والماء لا ينجسه شيء، والله أعلم، وقد أجمع جمهور العلماء على أنَّ الذي يبيت في سراويله وينام فيها ثم يقوم من نومه

стр. 39

ذلك أنَّه مندوب إلى غسل يده قبل أن يدخلها في إناء وضوئه، ومنهم من أوجب عليه مع حاله هذه غسل يده فرضاً على ما نذكره في هذا الباب إن شاء الله، ومعلوم أنَّ من بات في سراويله لا يخاف عليه أن يمس بيده نجاسة في الأغلب من أمره، فعلمنا بهذا كله أنَّ المراد بهذا الحديث ليس كما ظنه أصحاب الشافعي والله أعلم، وقد نقضوا قولهم في ورود الماء على النجاسة، لأنَّهم يقولون: إذا ورد الماء على نجاسة في إناء، أو موضع وكان الماء دون القلتين أنَّ النجاسة تفسده، وأنَّه غير مطهر لها، فلم يفرقوا هاهنا بين ورود الماء على النجاسة، وبين ورودها عليه وشرطهم أن يكون ورود الماء صباً مهراقاً تحكم لا دليل عليه والله أعلم». وقال الأمير الصنعاني ﵀ في [سبل السلام] (١/ ٤): «وحاصله: أنَّهم حكموا: أنَّه إذا وردت النجاسة على الماء القليل نجسته، وإذا ورد عليها الماء القليل لم ينجس، فجعلوا علة عدم تنجس الماء الورود على النجاسة، وليس كذلك بل التحقيق: أنَّه حين يرد الماء على النجاسة يرد عليها شيئاً فشيئاً حتى يفني عينها، وتذهب قبل فنائه، فلا يأتي آخر من الماء الوارد على النجاسة إلاَّ وقد طهر المحل الذي اتصلت به، أو بقي فيه جزء منها يفنى ويتلاشى عند ملاقاة آخر جزء منها يرد عليه الماء، كما تفنى النجاسة وتتلاشى إذا وردت على الماء الكثير بالإجماع، فلا فرق بين هذا وبين الكثير في إفناء الكل للنجاسة، فإنَّ الجزء الأخير الوارد على النجاسة يحيل عينها لكثرته بالنسبة إلى ما بقي من النجاسة فالعلَّة في عدم تنجسه بوروده عليها: هي كثرته بالنسبة إليها لا الورود فإنّه لا يعقل التفرقة بين الورودين: بأنَّ أحدهما ينجسه دون الآخر».

стр. 40

قلت: الصحيح أنَّ الماء لا ينجس إلَّا إذا تغير بالنجاسة. ٣ - احتج الحافظ ابن عبد البر ﵀ بهذا الحديث على وجوب الوضوء من النوم، حيث قال ﵀ في [التمهيد] (١٨/ ٢٣٨): «وفي هذا الحديث من الفقه إيجاب الوضوء من النوم وهو أمر مجتمع عليه في النائم المضطجع الذي قد استثقل نوماً». قلت: الحديث ليس بظاهر في ذلك، لكنه يشعر بما ذكره ﵀، فإنَّ حاجة الإنسان غالباً إلى غمس يده في الإناء إذا استيقظ من النوم إنَّما هو من أجل الوضوء. وقد استبعد ما ذكره ابن عبد البر الحافظ ابن حجر في "الفتح". قلت: ويدخل في ذلك أيضاً إناء الغسل، وسائر الآنية. ٤ - واحتج الإمام أحمد ﵀ بقول النَّبي ﷺ في هذا الحديث: «فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده» على أنَّ غسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم مختص بنوم الليل دون نوم النهار، لأنَّ البيتوتة لا تكون إلَّا في الليل. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣١٧): «وفي رواية لأبي داود ساق مسلم إسنادها: "إذا قام أحدكم من الليل"، وكذا للترمذي من وجه آخر صحيح، ولأبي عوانة في رواية ساق مسلم إسنادها أيضاً: "إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح"». ٥ - ألحق بذلك جمهور العلماء نوم النهار بنوم الليل، واحتجوا بعموم قول النبي ﷺ :

стр. 41

«من نومه» وبالقياس على نوم الليل، والتعليل يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنَّما خص نوم الليل بالذكر للغلبة. قال إسحاق بن راهويه: لا ينبغي لأحد استيقظ ليلاً، أو نهاراً إلاَّ أن يغسل يده قبل أن يدخلها الوضوء، قال: والقياس في نوم النهار أنَّه مثل نوم الليل، قال: فإذا كان النائم ليلاً يجب عليه أن يغسل يده قبل أن يدخلها الإناء لما ورد من ذلك في الحديث، فنوم النهار مثل نوم الليل في القياس. ثم الأمر عند الجمهور على الندب، وحمله أحمد على الوجوب في نوم الليل دون النهار، وعنه في رواية استحبابه في نوم النهار، واتفقوا على أنَّه لو غمس يده لم يضر الماء، وقال إسحاق وداود والطبري: ينجس. قلت: القول بالوجوب هو الأظهر لظاهر الأمر، وإلحاق نوم النهار بنوم الليل هو الأظهر أيضاً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ١٧٤): «ومقتضى الأمر الإيجاب لا سيما وغسل اليد مستحب مطلقاً فلما خص به هذه الحال دل على وجوبه». ويستحب لليقظان وإن لم يقم من نوم، أن يغسل يديه قبل إدخالهما في الإناء لحديث عثمان، وعبد الله بن زيد كما سيأتي بيان ذلك بمشيئة الله تعالى عند ذكر حديثهما. ٦ - واحتج بقوله: «في الإناء» على خروج البرك، والحياض، وسائر المياه الكثيرة من هذا الحكم.

стр. 42

٧ - واحتج بعض العلماء بقوله: «فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده». بأنَّ مفهومه أن من درى أين باتت يده، كمن لفَّ عليها خرقة مثلاً، فاستيقظ وهي على حالها، أن لا كراهة، وأن كان غسلها مستحباً كما في المستيقظ، ومن قال بأنَّ الأمر في ذلك للتعبد كمالك لا يفرق بين شاك، ومتيقن. والراجح عدم الفرق. ٨ - وأخذ بعض العلماء من هذا الحديث استحباب غسل النجاسة ثلاثاً، وذلك لأنَّ الشرع أمرنا بالتثليث عند توهمها فعند تيقنها من باب أولى. وهي رواية للإمام أحمد ﵀. قلت: وهذا مبني على أنّ غسل اليدين من أجل ملاقاتهما لنجاسة الفرج الناتجة من الاستجمار بالأحجار، وليس في الحديث الدلالة على ذلك، ولو كان من أجل ذلك، لأمر قبل ذلك بغسل الدبر، وثوب النائم لجواز ذلك فيهما. ٩ - وقوله: «ومن استجمر فليوتر». احتج به من أوجب الإيتار في الاستجمار وهو مذهب الإمام الشافعي، وأحمد، وأقله ثلاثة أحجار كما في حديث سلمان قيل له: «قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ قَالَ فَقَالَ أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ» أخرجه مسلم في [صحيحه] (٦٠٥). وأمَّا ما رواه أبو داود (٣٥) أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ مَنْ

стр. 43

فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ وَمَنْ أَكَلَ فَمَا تَخَلَّلَ فَلْيَلْفِظْ وَمَا لَاكَ بِلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ وَمَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِى آدَمَ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ». فإنَّه من طريق الحصن الحبراني عن أبي سعيد عن أبي هريرة به. والحصين هذا مجهول لا يعرف. وقد احتج بهذا الحديث الإمام مالك وأبو حنيفة في عدم وجوب الإيتار في الاستجمار. واحتجوا على عدم وجوب الإيتار بما رواه البخاري (١٥٦) عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أنَّه سمع عبد الله يقول: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: "هَذَا رِكْسٌ"». قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٢/ ٣١٣): «تحصيل مذهب مالك عند أصحابه أن الاستنجاء بثلاثة أحجار حسن والوتر فيها حسن لما روى عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من أوتر يعني في ذلك فقد أحسن ومن لا فلا حرج". وجائز عندهم الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار لأنَّ رسول الله ﷺ أتي بحجرين وروثه فأخذ الحجرين ورمى الروثة ولم يدع بالبدل منها».

стр. 44

قلت: وأجاب عن ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ فقال في [فتح الباري] (١/ ٢٥٧): «قوله: "وألقى الروثة" استدل به الطحاوي على عدم اشتراط الثلاثة قال: لأنَّه لو كان مشترطاً لطلب ثالثاً. كذا قال وغفل ﵀ عمَّا أخرجه أحمد في مسنده من طريق معمر عن أبي إسحاق عن علقمة عن ابن مسعود في هذا الحديث فإنَّ فيه: "فألقى الروثة، وقال: "أنَّها ركس ائتني بحجر". ورجاله ثقات أثبات وقد تابع عليه معمر أبو شعبة الواسطي وهو ضعيف أخرجه الدارقطني، وتابعهما عمار بن رزيق أحد الثقات عن أبي إسحاق. وقد قيل أنَّ أبا إسحاق لم يسمع من علقمة لكن أثبت سماعه لهذا الحديث منه الكرابيسي. وعلى تقدير أن يكون أرسله عنه فالمرسل حجة عند المخالفين وعندنا أيضاً إذا اعتضد، واستدلال الطحاوي فيه نظر بعد ذلك لاحتمال أن يكون اكتفى بالأمر الأول في طلب الثلاثة فلم يجدد الأمر بطلب الثالث أو اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث، لأنَّ المقصود بالثلاثة أن يمسح بها ثلاث مسحات وذلك حاصل ولو بواحد، والدليل على صحته أنَّه لو مسح بطرف واحد ورماه ثم جاء شخص آخر فمسح بطرفه الآخر لأجزأهما بلا خلاف» قلت: الحديث الذي ذكره الحافظ رواه أحمد (٤٢٩٩)، والدارقطني في [سننه] (١٤٨) من طريق عبد الرزاق ثنا معمر عن أبي إسحاق عن علقمة بن قيس عن بن مسعود: «أنَّ النبي ﷺ ذهب لحاجته فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار فجاءه بحجرين وبروثه فألقى الروثة وقال: "إنَّها ركس ائتني بحجر"».

стр. 45

قال الحافظ البيهقي ﵀ في [معرفة السنن والآثار] (١/ ٣٤٨): «وهذا هو المعقول من الأمر الأول، وإن لم يأت به خبر». قلت: والذي يظهر لي في هذا الحديث هو الانقطاع، لتصريح أبي إسحاق نفسه بعدم سماعه من علقمة. قال العلامة ابن الملقن ﵀ في [البدر المنير] (٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤): «سكت عنها الدارقطني والبيهقي في هذا الباب، وهي منقطعة فيما بين أبي إسحاق وعلقمة؛ فإنَّه لم يسمع منه شيئاً بإقراره على نفسه بذلك. قال ابن أبي حاتم في "مراسيله": قال أبي وأبو زرعة: لم يسمع من علقمة شيئاً. قال: وثنا أبي، نا محمد بن بشار، نا أمية بن خالد، نا شعبة: قال رجل لأبي إسحاق الهمذاني: شعبة يقول: إنك لم تسمع من علقمة قال: صدق. وقال البيهقي في باب الدية أخماس: أبو إسحاق عن علقمة منقطع؛ لأنَّه رآه ولم يسمع منه. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: لم يسمع أبو إسحاق من علقمة شيئاً. قلت: لكن قال الكرابيسي في كتاب "المدلسين": أبو إسحاق يقول في هذا الحديث: حدثني علقمة عن عبد الله. فهذا تصريح بسماع أبي إسحاق من علقمة، وعلى تقدير تسليم عدم السماع فلا حجة للخصم في الرواية الأولى؛ إذ يجوز أن يكون أحد الحجرين له أحرف؛ فاستوفى بها العدد، يدل على ذلك حديث سلمان الثاني في النهي عن الاكتفاء بدون ثلاثة أحجار، وقد ذكر ذلك الإمام الخطابي ﵀» اهـ.

стр. 46

قلت: كلام أبي إسحاق في نفيه لسماعه من علقمة مقدم على ما نقله الكرابيسي لاحتمال الوهم من بعض الرواة في نقلهم لذلك. والله أعلم. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [التلخيص] (١/ ٣٢٠): «وقد روى أحمد فيه هذه الزيادة بإسناد رجاله ثقات قال في آخره: فألقى الروثة وقال: "إنَّها ركس ائتني بحجر". مع أنَّه ليس في ما ذكر استدلال لأنَّه مجرد احتمال وحديث سلمان نص في عدم الاقتصار على ما دونها ثم حديث سلمان قول وحديث ابن مسعود فعل وإذا تعارضا قدم القول والله أعلم» اهـ. قلت: وبهذا يظهر أنَّه لا حجة في حديث ابن مسعود على عدم وجوب الإيتار في الاستنجاء. والله أعلم. قلت: والحجر الكبير الذي له ثلاث شعب يقوم مقام ثلاثة أحجار، على الصحيح من أقوال العلماء. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٢٠١ - ٢٠٢): «وبهذا قال الشافعي، و إسحاق، وأبو ثور، وعن أحمد رواية أخرى: لا يجزئ أقل من ثلاثة أحجار، وهو قول أبي بكر، وابن المنذر لقوله ﵇: "لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار، ولا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار". ولأنَّه إذا استجمر بحجر تنجس، فلا يجوز الاستجمار به ثانياً كالصغير. ولنا: أنَّه استجمر ثلاثاً منقية بما وجدت فيه شروط الاستجمار، فأجزأه كما لو فصله ثلاثة صغاراً، واستجمر بها، إذ لا فرق بين الأصل، والفرع إلَّا فصله، ولا أثر لذلك في التطهير، والحديث يقتضي ثلاث مسحات بحجر دون عين الأحجار، كما يقال ضربته ثلاثة أسواط، أي: ثلاث ضربات بسوط، وذلك لأنَّ

стр. 47

معناه معقول، ومراده معلوم، ولذلك لم نقتصر على لفظه في غير الأحجار، بل أجزنا الخشب، والخرق، والمدر، والمعنى من ثلاثة حاصل من ثلاث شعب، أو مسحه ذكره في صخرة عظيمة بثلاثة مواضع منها، أو في حائط، أو أرض، فلا معنى للجمود على اللفظ مع وجود ما يساويه من كل وجه، وقولهم: ينجس، قلنا: إنَّما ينجس ما أصاب النجاسة، والاستجمار حاصل بغيره، فأشبه ما لو تنجس جانبه بغير الاستجمار، ولأنَّه لو استجمر به ثلاثة لحصل لكل واحد منهم مسحة، وقام مقام ثلاثة أحجار، فكذلك إذا استجمر به الواحد، ولو استجمر ثلاثة بثلاثة أحجار لكل حجر منها ثلاث شعب، فاستجمر كل واحد منهم من كل حجر بشعبة أجزأهم، ويحتمل على قول أبي بكر أن لا يجزئهم» اهـ. قلت: والمشهور من مذهب الموجبين للوتر في الاستجمار، أنَّه يكون في المخرجين، لكل مخرج ثلاثة أحجار، وذهب آخرون من أهل العلم إلى الاكتفاء بالثلاثة الأحجار للمخرجين. واحتجوا بما رواه البخاري (١٥٦) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: "هَذَا رِكْسٌ"». قلت: وليس الحديث بصريح فيما ذهبوا إليه، بل يحتمل أنَّ النَّبي ﷺ استعمله في المخرجين، فيكون حجة لما ذهبوا إليه، ويحتمل أن يكون

стр. 48

استعمله في مخرج واحد، فلا حجة فيه حينئذ فيما ذهبوا إليه، وإذا تساوى فيه الاحتمال بطل الاستدلال به للفريقين. والله وأعلم. والذي يظهر لي في هذه المسألة أنَّ الثلاثة الأحجار إن استوعبت المخرجين بحيث يمكن فيها أن يمسح الدبر بها ثلاث مسحات، والقبل كذلك فتجزؤه الثلاثة، وإلاَّ فلا تجزؤه. والله أعلم. * * *

стр. 49

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» وَلِمُسْلِمٍ: «لا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ». قلت: لفظ الحديث عند البخاري (٢٣٩): «لَاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ». وعند مسلم (٢٨٢): «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ». وجاء عنده أيضاً بلفظ: «لَا تَبُلْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ تَغْتَسِلُ مِنْهُ». قوله: «الدائم» الدائم يطلق على الساكن الراكد من قولهم دام بالمكان أي أقام به، و يطلق على الدائر، يقال: أصاب الرأس دوام، أي: دوار. قلت: والمراد بـ"الدائم" في هذا الحديث: "الساكن"، فقد جاء في صحيح مسلم (٦٥٣) عن جابر عن رسول الله ﷺ : «أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ». وقوله: «الذي لا يجري». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٤١١ - ٤١٢): «قيل: هو تفسير للدائم، وإيضاح لمعناه، وقيل: احترز به عن راكد يجري بعضه كالبرك، وقيل: احترز به عن الماء الدائر لأنَّه جار من حيث الصورة ساكن من حيث المعنى، ولهذا لم يذكر هذا القيد في رواية أبي عثمان عن

стр. 50

أبي هريرة التي تقدمت الإشارة إليها حيث جاء فيها بلفظ الراكد بدل الدائم، وكذا أخرجه مسلم من حديث جابر». قلت: ولا يدخل في هذا النهي الماء الكثير المستبحر اتفاقاً. قوله: «ثم يغتسل منه» هذه رواية مسلم، ورواية البخاري: «ثم يغتسل فيه». قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٧٨): «الرواية يغتسل مرفوع أي: لا تبل، ثم أنت تغتسل منه، وذكر شيخنا أبو عبد الله بن مالك ﵁ أنه يجوز أيضاً جزمه عطفاً على موضع يبولنَّ، ونصبه بإضمار أن، وإعطاء ثم حكم واو الجمع، فأمَّا الجزم فظاهر، وأمَّا النصب فلا يجوز لأنَّه يقتضى أنَّ المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقله أحد، بل البول فيه منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه، أو منه، أم لا والله أعلم». قلت: الرواية بالرفع هي الأشهر. و معنى الحديث على هذه الرواية: لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم هو يغتسل منه، أي مآلك أن تحتاج إليه، فكيف تبول فيه؟!! وفي هذا الحديث عدة مسائل: ١ - اللفظ الأول يدل على تحريم البول في الماء الدائم الذي لا يجري، ومفهوم الصفة فيه، جواز ذلك في الماء الجاري. لكن إذا كان الماء الجاري قليلاً، فلا يجوز البول فيه، لأنَّ البول يقذره، وقد ينجسه، والله أعلم. قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٧٨ - ١٧٩): «فإن كان الماء كثيراً جارياً، لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث، ولكن الأولى اجتنابه، وإن كان قليلاً جارياً، فقد قال جماعة من أصحابنا: يكره، والمختار أنَّه يحرم لأنَّه

стр. 51

يقذره، وينجسه على المشهور من مذهب الشافعي، وغيره، ويغر غيره فيستعمله مع أنَّه نجس». ومن عجيب الأقوال ما ذكره في [طرح التثريب] (١/ ٤٣٥) حيث قال ﵀: «فرَّق قوم من الشَّافعية في البول، والاغتسال في الماء الراكد بين اللَّيل، والنَّهار وجعلوا الكراهة في اللَّيل أشد، وذلك لما قيل أنَّ الماء باللَّيل للجن فلا ينبغي أن يبال فيه ولا يغتسل خوفاً من آفة تصيبه من جهتهم هكذا جزم به الرافعي وجزم ابن الرفعة في "الكفاية" بكراهة البول في الماء الكثير الجاري في اللَّيل لما قيل: إنَّ الماء باللَّيل للجن، وهو يخالف ما ذكره النَّووي من إطلاق كونه خلاف الأولى فقط واللَّه أعلم.» اهـ. قلت: وظاهر هذا النهي هو التحريم، وبه قال أكثر العلماء، وهو الصحيح، وخالف في ذلك الإمام مالك ﵀ فذهب إلى كراهة ذلك. ٢ - ذهب أصحاب أبي حنيفة على تنجيس الماء الراكد بالاغتسال فيه من الحدث وإن كان أكثر من قلتين، وذلك لأنَّ النبي صلى الله وسلم قرَّن بين البول فيه، والاغتسال منه فيما رواه أحمد (٩٥٩٤)، وأبو داود (٧٠) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِى الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ». وهو حديث حسن. قالوا: والبول ينجسه فكذلك الاغتسال. قلت: وهذا احتجاج بدلالة الاقتران، وهي ضعيفة في هذا الموطن.

стр. 52

قال الحافظ ابن دقيق العيد في [شرح العمدة] (١٢٥): «وإنَّما تضعف دلالة الاقتران ضعفاً إذا استقلت الجمل في الكلام ولم يلزم منه استعمال اللفظ الواحد في معنيين كما جاء في الحديث "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة" حيث استدل به بعض الفقهاء على أن اغتسال الجنب في الماء يفسده، لكونه مقروناً بالنهي عن البول فيه والله أعلم» اهـ. قلت: ولا يلزم من الاقتران في اللفظ، الاقتران في الحكم. قال : ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾ [الأنعام: ١٤١] فلا يلزم من اقتران الأكل بإيتاء الزَّكاة وجوب الأكل. وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٩٨٩ - ٩٩٠): «دلالة الاقتران تظهر قوتها في موطن، وضعفها في موطن، وتساوى الأمرين في موطن، فإذا جمع المقترنين لفظ اشتركا في إطلاقه، وافترقا في تفصيله قويت الدلالة، كقوله: "الفطرة خمس"، ثم فصلها، فإذا جعلت الفطرة بمعنى: السنة، والسنة هي المقابلة للواجب ضعف الاستدلال بالحديث على وجوب الختان، لكن تلك المقدمتان ممنوعتان، فليست الفطرة بمرادفة للسنة، ولا السنة في لفظ النبي هي المقابلة للواجب، بل ذلك اصطلاح وضعي لا يحمل عليه كلام الشارع. ومن ذلك قوله: "على كل مسلم أن يغتسل يوم الجمعة، ويستاك ويمس من طيب بيته"، فقد اشترك الثلاثة في إطلاق لفظ الحق عليه إذا كان حقاً مستحباً في اثنين منها، كان في الثالث مستحباً، وأبين من هذا قوله: "وبالغ في الاستنشاق"،

стр. 53

فإنَّ اللفظ تضمن الاستنشاق، والمبالغة، فإذا كان أحدها مستحباً، فالآخر كذلك. ولقائل أن يقول: اشتراك المستحب، والمفروض في لفظ عام، لا يقتضي تساويها، لا لغة، ولا عرفاً، فإنَّهما إذا اشتركا في شيء، لم يمتنع افتراقهما في شيء، فإن المختلفات تشترك في لازم واحد، فيشتركان في أمر عام، ويفترقان بخواصهما، فالاقتران: كما لا يثبت لأحدهما خاصية لا ينفيها عنه، فتأمله، وإنَّما يثبت لهما الاشتراك في أمر عام فقط. وأمَّا الموضع الذي يظهر ضعف دلالة الاقتران فيه، فعند تعدد الجمل واستقلال كل واحدة منهما بنفسها كقوله: "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من جنابة"، وقوله: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده"، فالتعرض لدلالة الاقتران هاهنا في غاية الضعف، والفساد، فإنَّ كل جملة مفيدة لمعناها، وحكمها، وسببها، وغايتها منفردة به عن الجملة الأخرى، واشتراكهما في مجرد العطف لا يوجب اشتراكهما فيما وراءه، وإنَّما يشترك حرف العطف في المعنى إذا عطف مفرداً على مفرد، فإنَّه يشترك بينهما في العامل، كقام زيد وعمرو، وأمَّا نحو: اقتل زيداً، وأكرم بكراً، فلا اشتراك في معنى، وأبعد من ذلك ظن من ظن أنَّ تقييد الجملة السابقة بظرف، أو حال، أو مجرور يستلزم تقييد الثانية، وهذا دعوى مجردة بل فاسدة قطعاً، ومن تأمل تراكيب الكلام العربي جزم ببطلانها.

стр. 54

وأمَّا موطن التساوي فحيث كان العطف ظاهراً في التسوية، وقصد المتكلم ظاهراً في الفرق، فيتعارض ظاهر اللفظ، وظاهر القصد، فإن غلب ظهور أحدهما اعتبر، وإلاَّ طلب الترجيح والله أعلم». وقال العلامة الشوكاني ﵀ في [إرشاد الفحول] ص (٣٦٠): «دلالة الاقتران: وقد قال بها جماعة من أهل العلم، فمن الحنفية أبو يوسف، ومن الشافعية المزني، وابن أبي هريرة، وحكى ذلك الباجي عن بعض المالكية، قال: ورأيت ابن نصر يستعملها كثيراً، ومن ذلك استدلال مالك على سقوط الزكاة في الخيل بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ قال: فقرن بين الخيل، والبغال، والحمير لا زكاة فيها إجماعاً، فكذلك الخيل. وأنكر دلالة الاقتران الجمهور، فقالوا: إنَّ الاقتران في النظم، لا يستلزم الاقتران في الحكم. واحتج المثبتون، إمَّا بأنَّ العطف يقتضي المشاركة، وأجاب الجمهور: بأنَّ الشركة إنَّما تكون في المتعاطفات الناقصة المحتاجة إلى ما تتم به، فإذا تمت بنفسها فلا مشاركة، كما في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ فإنَّ الجملة الثانية معطوفة على الأولى، ولا تشاركها في الرسالة، ونحو ذلك كثير في الكتاب، والسنة، والأصل في كل كلام تام أن ينفرد بحكمه، ولا يشاركه غيره، فمن ادعى خلاف هذا في بعض المواضع فلدليل خارجي، ولا نزاع فيما كان كذلك، ولكن الدلالة فيه ليست للاقتران، بل للدليل الخارجي، أمَّا إذا كان المعطوف ناقصاً، بأن لا يذكر خبره، كقول القائل: فلانة طالق، وفلانة، فلا خلاف في المشاركة، ومثله عطف المفردات، وإذا كان بينهما مشاركة في العلة

стр. 55

فالتشارك في الحكم إنَّما كان لأجلها لأجل الاقتران، وقد احتج الشافعي على وجوب العمرة بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ والأمر يقتضي الوجوب، فكان احتجاجه بالأمر دون الاقتران». وقد أجاد في الرد عليهم العلامة ابن قدامة في [المغني] (١/ ٤٤ - ٤٥) حيث قال ﵀: «ولنا: على طهارته أنَّ النبي ﷺ كان إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه رواه البخاري، ولأنَّه ﷺ صب على جابر من وضوئه إذ كان مريضاً، ولو كان نجساً لم يجز فعل ذلك. ولأنَّ النَّبي ﷺ ، وأصحابه، ونسائه كانوا يتوضؤون في الأقداح، والأتوار، ويغتسلون في الجفان، ومثل هذا لا يسلم من رشاش يقع في الماء من المستعمل، ولهذا قال إبراهيم النخعي: ولا بد من ذلك، فلو كان المستعمل نجساً لنجس الماء الذي يقع فيه، وقد روي عن النَّبي ﷺ أنَّه قدمت إليه امرأة من نسائه قصعة ليتوضأ منها فقالت امرأة: أني غمست يدي فيها وأنا جنب فقال: "الماء لا يجنب"، ورواه الإمام أبو عبد الله في "المسند" "الماء لا ينجس"، وعندهم الحدث يرتفع من غير نية، ولأنَّه ماء طاهر لاقى محلاً طاهراً فكان طاهراً، كالذي غسل به الطاهر، والدليل على أنَّ المحدث طاهر ما روى أبو هريرة ﵁ قال: لقيني رسول الله ﷺ ، وأنا جنب فانخنست منه، فاغتسلت، ثم جئت فقال: "أين كنت يا أبا هريرة"؟ قلت: يا رسول الله: كنت جنباً فكرهت أن أجالسك، فذهبت فاغتسلت ثم جئت، فقال: "سبحان الله

стр. 56

المسلم لا ينجس" متفق عليه، ولأنَّه لو غمس يده في الماء لم ينجسه ولو مس شيئاً رطباً لم ينجسه ولو حمله مصل لم تبطل صلاته». ٣ - واحتج به الشافعية وغيرهم- ممن يقول بالقلتين- على نجاسة الماء الذي وقعت فيه نجاسة وهو دون القلتين، وإن لم يتغير. قلت: هذه المسألة، - وهي مسألة حكم الماء إذا وقعت فيه نجاسة، هل ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة له مطلقاً؟، أم يفرق بين الكثير، والقليل؟ وما هو ضابط الفرق بين القليل والكثير؟ أم لا ينجس إلَّا إذا تغير بالنجاسة مطلقاً، فيستوي في ذلك القليل والكثير؟ - وقع فيها نزاع كبير بين العلماء. ومن أحسن من رأيت تكلم فيها، هو شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى، ولنفاسة ما ذكروه سوف أنقل ما سطروه بلفظه مع طوله، فإنَّ المقام يستدعي ذلك. فأقول: قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٣٠ - ٣٥): «وأما الماء إذا تغير بالنجاسات فإنَّه ينجس بالاتفاق، وأمّا ما لم يتغير ففيه أقوال معروفة أحدها: لا ينجس، وهو قول أهل المدينة، ورواية المدنيين عن مالك، وكثير من أهل الحديث، وإحدى الروايات عن أحمد، اختارها طائفة من أصحابه، ونصرها ابن عقيل في المفردات، وابن البناء وغيرهما. والثاني: ينجس قليل الماء بقليل النجاسة، وهى رواية البصريين عن مالك.

стр. 57

والثالث: وهو مذهب الشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى اختارها طائفة من أصحابه: الفرق بين القلتين، وغيرهما، فمالك لا يحد الكثير بالقلتين، والشافعي، وأحمد يحدان الكثير بالقلتين. والرابع: الفرق بين البول، والعذرة المائعة، وغيرهما، فالأول ينجس منه ما أمكن نزحه دون ما لم يمكن نزحه، بخلاف الثاني فإنِّه لا ينجس القلتين فصاعداً، وهذا أشهر الروايات عن أحمد، واختيار أكثر أصحابه. والخامس: أن الماء ينجس بملاقاة النجاسة، سواء كان قليلاً، أو كثيراً، وهذا قول أبي حنيفة، وأصحابه، لكن ما لم يصل إليه لا ينجسه، ثم حدوا ما لا يصل إليه بما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر، ثم تنازعوا هل يحد بحركة المتوضئ، أو المغتسل، وقدّر ذلك محمد بن الحسن بمسجده فوجدوه عشرة أذرع في عشرة أذرع، وتنازعوا في الآبار إذا وقعت فيها نجاسة هل يمكن تطهيرها، فزعم المزني أنَّه لا يمكن، وقال أبو حنيفة، وأصحابه يمكن تطهيرها بالنزح، ولهم في تقدير الدلاء أقوال معروفة. والسادس: قول أهل الظاهر الذين ينجسون ما بال فيه البائل دون ما ألقى فيه البول، ولا ينجسون ما سوى ذلك إلَّا بالتغير. وأصل هذه المسألة من جهة المعنى أنَّ اختلاط الخبيث، وهو النجاسة بالماء، هل يوجب تحريم الجميع، أم يقال بل قد استحال في الماء فلم يبق له حكم، فالمنجسون ذهبوا إلى القول الأول، ثم من استثنى الكثير قال هذا يشق الاحتراز من وقوع النجاسة فيه، فجعلوا ذلك موضع استحسان، كما ذهب إلى ذلك طائفة

стр. 58

من أصحاب الشافعي، وأحمد، وأمَّا أصحاب أبى حنيفة فبنوا الأمر على وصول النجاسة وعدم وصولها، وقدروه بالحركة، أو بالمساحة في الطول والعرض دون العمق. والصواب هو القول الأول، وأنه متى علم أنَّ النجاسة قد استحالت، فالماء طاهر سواء كان قليلاً، أو كثيراً، وكذلك في المائعات كلها، وذلك لأنَّ الله تعالى أباح الطيبات، وحرّم الخبائث، والخبيث متميز عن الطيب بصفاته، فإذا كانت صفات الماء، وغيره صفات الطيب، دون الخبيث، وجب دخوله في الحلال، دون الحرام. وأيضاً فقد ثبت من حديث أبى سعيد أن النبي ﷺ قيل له: أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلق فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن، فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء". قال أحمد: حديث بئر بضاعة صحيح، وهو في المسند أيضاً عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الماء طهور لا ينجسه شيء". وهذا اللفظ عام في القليل، والكثير، وهو عام في جميع النجاسات، وأمَّا إذا تغير بالنجاسة، فإنَّما حرم استعماله لأنَّ جرم النجاسة باق، ففي استعماله استعمالها، بخلاف ما إذا استحالت النجاسة، فإنَّ الماء طهور، وليس هناك نجاسة قائمة، ومما يبين ذلك أنَّه لو وقع خمر في ماء، واستحالت، ثم شربها شارب لم يكن شارباً للخمر، ولم يجب عليه حد الخمر إذ لم يبق شيء من طعمها، ولونها، وريحها، ولو صب لبن امرأة في ماء، واستحال حتى لم يبق له أثر، وشرب طفل ذلك الماء، لم يصر ابنها من الرضاعة بذلك. وأيضاً فإنَّ هذا باق على أوصاف خلقته، فيدخل

стр. 59

في عموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، فإنَّ الكلام إنمَّا هو فيما لم يتغير بالنجاسة، لا طعمة، ولا لونه، ولا ريحه. فإن قيل: فإنَّ النبي ﷺ قد نهى عن البول في الماء الدائم، وعن الاغتسال فيه. قيل: نهيه عن البول في الماء الدائم، لا يدل على أنَّه ينجس بمجرد البول، إذ ليس في اللفظ ما يدل على ذلك، بل قد يكون نهيه سداً للذريعة، لأنَّ البول ذريعة إلى تنجيسه، فإنَّه إذا بال هذا، ثم بال هذا تغير الماء بالبول، فكان نهيه سداً للذريعة، أو يقال: إنَّه مكروه بمجرد الطبع لا لأجل أنَّه ينجسه، وأيضاً فيدل نهيه عن البول في الماء الدائم، أنَّه يعم القليل، والكثير، فيقال لصاحب القلتين أتجوز بوله فيما فوق القلتين؟ إن جوَّزته فقد خالفت ظاهر النص، وإن حرمته فقد نقضت دليلك، وكذلك يقال لمن فرق بين ما يمكن نزحه، وما لا يمكن: أتسوغ للحجاج أن يبولوا في المصانع المبنية بطريق مكة؟ إن جوزته خالفت ظاهر النص، فإن هذا ماء دائم، والحديث لم يفرق بين القليل، والكثير، وإلاَّ نقضت قولك، وكذلك يقال للمقدر بعشرة أذرع إذا كان لأهل القرية غدير مستطيل أكثر من عشرة أذرع رقيق أتسوغ لأهل القرية البول فيه؟ فإن سوغته خالفت ظاهر النص، وإلاَّ نقضت قولك، فإذا كان النص، بل والإجماع دل على أنَّه نهى عن البول فيما ينجسه البول، بل تقدير الماء، وغير ذلك فيما يشترك فيه القليل، والكثير، كان هذا الوصف المشترك بين القليل، والكثير مستقلاً بالنهى، فلم يجز تعليل النهى بالنجاسة، ولا يجوز أن يقال: إنَّه إنَّما نهى عن البول فيه لأنَّ البول ينجسه، فإنَّ هذا خلاف النص، والإجماع وأمَّا من فرق بين البول فيه، وبين

стр. 60

صب البول، فقوله ظاهر الفساد، فإنَّ صب البول أبلغ من أن ينهى عنه من مجرد البول، إذ الإنسان قد يحتاج إلى أن يبول وأمَّا صب الأبوال في المياه فلا حاجة إليه. فإن قيل: ففي حديث القلتين، أنَّه سئل عن الماء يكون بأرض الفلاة، وما ينوبه من السباع، والدواب، فقال: "إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث"، وفى لفظ: "لم ينجسه شيء"، قيل: حديث القلتين فيه كلام قد بسط في غير هذا الموضع، وبيِّن أنه من كلام ابن عمر، لا من كلام النبي ﷺ ». وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [تهذيب السنن] (١/ ٧٥ - ٨٨): «والاحتجاج بحديث القلتين مبني على ثبوت عدة مقامات: الأول: صحة سنده. الثاني: ثبوت وصله وأنَّ إرساله غير قادح فيه. الثالث: ثبوت رفعه وأنَّ وقف من وقفه ليس بعلة. الرابع: أنَّ الاضطراب الذي وقع في سنده لا يوهنه. الخامس: أنَّ القلتين مقدرتان بقلال هجر. السادس: أنَّ قلال هجر متساوية المقدار ليس فيها كبار وصغار. السابع: أنَّ القلة مقدرة بقربتين حجازيتين وأنَّ قرب الحجاز لا تتفاوت. الثامن: أنَّ المفهوم حجة. التاسع: أنَّه مقدم على العموم. العاشر: أنَّه مقدم على القياس الجلي. الحادي عشر: أنَّ المفهوم عام في سائر صور السكوت عنه. الثاني عشر: أنَّ ذكر العدد خرج مخرج التحديد والتقييد.

стр. 61

الثالث عشر: الجواب عن المعارض. ومن جعلهما خمسمائة رطل احتاج إلى مقام رابع عشر: وهو أنَّه يجعل الشيء نصفاً احتياطاً. ومقام خامس عشر: أنَّ ما وجب به الاحتياط صار فرضاً. قال المحددون: الجواب عمَّا ذكرتم: أما صحة سنده فقد وجدت، لأنَّ رواته ثقات ليس فيهم مجروح ولامتهم، وقد سمع بعضهم من بعض، ولهذا صححه ابن خزيمة والحاكم والطحاوي وغيرهم. وأمَّا وصله فالذين وصلوه ثقات وهم أكثر من الذين أرسلوه، فهي زيادة من ثقة ومعها الترجيح. وأما رفعه فكذلك. وإنمَّا وقفه مجاهد على ابن عمر، فإذا كان مجاهد قد سمعه منه موقوفاً، لم يمنع ذلك سماع عبيد الله، وعبد الله له من ابن عمر مرفوعاً. فإن قلنا: الرفع زيادة وقد أتى بها ثقة فلا كلام، وإن قلنا: هي اختلاف وتعارض، فعبيد الله أولى في أبيه من مجاهد، لملازمته له، وعلمه بحديثه، ومتابعة أخيه عبد الله له. وأما قولكم إنَّه مضطرب، فمثل هذا الاضطراب لا يقدح فيه، إذ لا مانع من سماع الوليد بن كثير له من محمد بن عباد، ومحمد بن جعفر، كما قال الدارقطني: قد صح أن الوليد بن كثير رواه عنهما جميعاً، فحدث به أبو أسامة عن الوليد على الوجهين، وكذلك لا مانع من رواية عبيد الله، وعبد الله له جميعاً عن أبيهما، فرواه المحمدان عن هذا تارة وعن هذا تارة.

стр. 62

وأما تقدير القلتين بقلال هجر، فقد قال الشافعي: حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره أن رسول الله قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثاً"، وقال في الحديث: "بقلال هجر"، وقال ابن جريج: أخبرني محمد، أنَّ يحيى بن عقيل أخبره، أنَّ يحيى بن يعمر أخبره، أنَّ رسول الله قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجساً، ولا بأساً"، قال: فقلت ليحيى بن عقيل: قلال هجر؟، قال: قلال هجر، قال: فأظن أن كل قلة تأخذ قربتين. قال ابن عدي: محمد هذا هو: محمد بن يحيى، يحدث عن يحيى بن أبي كثير، ويحيى بن عقيل. قالوا: وإنَّ رسول الله ذكرها لهم في حديث المعراج، وقال في سدرة المنتهى: "فإذا نبقها مثل قلال هجر"، فدل على أنَّها معلومة عندهم. وقد قال يحيى بن آدم، و وكيع، وابن إسحاق: القلة الجرة. وكذلك قال مجاهد: القلتان الجرتان. وأما كونها متساوية المقدار، فقد قال الخطابي في "معالمه": قلال هجر مشهورة الصنعة، معلومة المقدار لا تختلف، كما لا تختلف المكاييل والصيعان. وهو حجة في اللغة. وأما تقديرها بقرب الحجاز، فقد قال ابن جريج: رأيت القلة تسع قربتين. وابن جريج حجازي، إنَّما أخبر عن قرب الحجاز، لا العراق، ولا الشام، ولا غيرهما. وأمَّا كونها لا تتفاوت، فقال الخطابي: القرب المنسوبة إلى البلدان المحذُّوة على مثال واحد.

стр. 63

يريد أنَّ قرب كل بلد على قدر واحد لا تختلف. قال: والحد لا يقع بالمجهول. وأمَّا كون المفهوم حجة، فله طريقان: أحدهما: التخصيص، والثاني: التعليل. أما التخصيص: فهو أن يقال: تخصيص الحكم بهذا الوصف، والعدد لا بد له من فائدة، وهي: نفي الحكم عما عدا المنطوق. وأما التعليل: فيختص التعليل بمفهوم الصفة وهو أن تعليق الحكم بهذا الوصف المناسب يدل على أنَّه علة له فينتفي الحكم بانتفائها، فإن كان المفهوم مفهوم شرط، فهو قوى، لأنَّ المشروط عدم عند عدم شرطه، وإلاَّ لم يكن شرطاً له. وأما تقديمه على العموم: فلأنَّ دلالته خاصة، فلو قدم العموم عليه بطلت دلالته جملة، وإذا خصَّ به العموم عمل بالعموم فيما عدا المفهوم، والعمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما، كيف وقد تأيد المفهوم بحديث الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب، وإراقته، وبحديث النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها عند القيام من نوم الليل. وأما تقديمه على القياس الجلي: فواضح، لأنَّ القياس عموم معنوي، فإذا ثبت تقديمه على العموم اللفظي فتقديمه على المعنوي بطريق الأولى، ويكون خروج صور المفهوم من مقتضى القياس كخروجها من مقتضى لفظ العموم. وأما كون المفهوم عاماً: فلأنَّه إنَّما دل على نفي الحكم عما عدا المنطوق بطريق سكوته عنه، ومعلوم أنَّ نسبة المسكوت إلى جميع الصور واحدة، فلا يجوز نفي

стр. 64

الحكم عن بعضها دون بعض للتحكم، ولا إثبات حكم المنطوق لها لإبطال فائدة التخصيص، فتعين بقيد عن جميعها. وأما قولكم: إنَّ العدد خرج مخرج التحديد فلأنَّه عدد صدر من الشارع، فكان تحديداً، وتقييداً، كالخمسة الأوسق، والأربعين من الغنم، والخمس من الإبل، والثلاثين من البقر، وغير ذلك، إذ لا بد للعدد من فائدة، ولا فائدة له إلاَّ التحديد. وأمَّا الجواب عن بعض المعارض: فليس معكم إلاَّ عموم لفظي، أو عموم معنوي، وهو القياس، وقد بيَّنا تقديم المفهوم عليهما. وأما جعل الشيء نصفاً: فلأنَّه قد شك فيه، فجعلناه نصفاً احتياطاً، والظاهر أنَّه لا يكون أكثر منه، ويحتمل النصف فما دون فتقديره بالنصف أولى. وأما كون ما أوجب به الاحتياط يصير فرضاً: فلأنَّ هذا حقيقة الاحتياط، كإمساك جزء من الليل مع النهار، وغسل جزء من الرأس مع الوجه. فهذا تمام تقرير هذا الحديث سندًا ومتناً ووجه الاحتجاج به. قال المانعون من التحديد بالقلتين: أمَّا قولكم إنَّه قد صح سنده، فلا يفيد الحكم بصحته، لأنَّ صحة السند شرط، أو جزء سبب للعلم بالصحة لا موجب تام، فلا يلزم من مجرد صحة السند صحة الحديث ما لم ينتف عنه الشذوذ، والعلة ولم ينتفيا عن هذا الحديث. أما الشذوذ: فإنَّ هذا حديث فاصل بين الحلال، والحرام، والطاهر، والنجس، وهو في المياه كالأوسق في الزكاة، والنصب في الزكاة، فكيف لا يكون مشهوراً شائعاً بين الصحابة ينقله خلف عن سلف لشدة حاجة الأمة إليه أعظم من

стр. 65

حاجتهم إلى نصب الزكاة، فإنَّ أكثر الناس لا تجب عليهم زكاة، والوضوء بالماء الطاهر فرض على كل مسلم، فيكون الواجب نقل هذا الحديث، كنقل نجاسة البول، ووجوب غسله ونقل عدد الركعات ونظائر ذلك. ومن المعلوم أنَّ هذا لم يروه غير ابن عمر، ولا عن ابن عمر غير عبيد الله، وعبد الله، فأين نافع، وسالم، وأيوب، وسعيد بن جبير، وأين أهل المدينة، وعلماؤهم عن هذه السنة التي مخرجها من عندهم، وهم إليها أحوج الخلق لعزة الماء عندهم، ومن البعيد جداً أن تكون هذه السنة عند ابن عمر، وتخفى على علماء أصحابه، وأهل بلدته، ولا يذهب إليها أحد منهم، ولا يروونها ويديرونها بينهم. ومن أنصف لم يخف عليه امتناع هذا، فلو كانت هذه للسنة العظيمة المقدار عند ابن عمر لكان أصحابه، وأهل المدينة أقوَّل الناس بها، وأرواهم لها. فأي شذوذ أبلغ من هذا؟! وحيث لم يقل بهذا التحديد أحد من أصحاب ابن عمر، علم أنَّه لم يكن فيه عنده سنة من النبي ﷺ فهذا وجه شذوذه. وأمَّا عليه فمن ثلاثة أوجه: أحدها: وقف مجاهد له على ابن عمر، واختلف فيه عليه، واختلف فيه على عبيد الله أيضاً رفعاً ووقفاً، ورجح شيخا الإسلام أبو الحجاج المزي، وأبو العباس بن تيمية وقفه، ورجح البيهقي في سننه وقفه من طريق مجاهد، وجعله هو الصواب.

стр. 66

قال شيخنا أبو العباس: وهذا كله يدل على أنَّ ابن عمر لم يكن يحدث به عن النبي ﷺ ، ولكن سئل عن ذلك فأجاب بحضرة ابنه فنقل ابنه ذلك عنه. قلت: ويدل على وقفه أيضاً أنَّ مجاهداً وهو العلم المشهور الثبت إنَّما رواه عنه موقوفاً. واختلف فيه على عبيد الله وقفاً ورفعاً. العلة الثانية: اضطراب سنده كما تقدم. العلة الثالثة: اضطراب منه، فإنَّ في بعض ألفاظه "إذا كان الماء قلتين"، وفي بعضها "إذا بلغ الماء قدر قلتين، أو ثلاث"، والذين زادوا هذه اللفظة ليسوا بدون من سكت عنها كما تقدم. قالوا: وأما تصحيح من صححه من الحفاظ، فمعارض بتضعيف من ضعفه، وممن ضعفه حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر وغيره، ولهذا أعرض عنه أصحاب الصحيح جملة. قالوا: وأمَّا تقدير القلتين بقلال هجر، فلم يصح عن رسول الله ﷺ فيه شيء أصلاً. وأمَّا ما ذكره الشافعي فمنقطع، وليس قوله: "بقلال هجر" فيه من كلام النبي ﷺ ، ولا أضافه الراوي إليه، وقد صرح في الحديث أنَّ التفسير بها من كلام يحيى بن عقيل، فكيف يكون بيان هذا الحكم العظيم، والحد الفاصل بين الحلال، والحرام الذي تحتاج إليه جميع الأمة، لا يوجد إلاَّ بلفظ شاذ بإسناد منقطع، وذلك اللفظ ليس من كلام رسول الله ﷺ .

стр. 67

قالوا: وأما ذكرها في حديث المعراج فمن العجب أن يحال هذا الحد الفاصل على تمثيل النبي ﷺ نبق السدرة بها، وما الرابط بين الحكمين، وأي ملازمة بينهما لكونها معلومة عندهم معروفة لهم مثل لهم بها، وهذا من عجيب حمل المطلق على المقيد. والتقييد بها في حديث المعراج لبيان الواقع فكيف يحمل حمل المطلق على المقيد. والتقييد بها في حديث المعراج لبيان الواقع فكيف يحمل إطلاق حديث القلتين عليه، وكونها معلومة لهم لا يوجب أن ينصرف الإطلاق إليها حيث أطلقت العلة، فإنَّهم كانوا يعرفونها ويعرفون غيرها. والظاهر أنَّ الإطلاق في حديث القلتين إنَّما ينصرف إلى قلال البلد التي هي أعرف عندهم، وهم لها أعظم ملابسة من غيرها، فالإطلاق إنَّما ينصرف إليها، كما ينصرف إطلاق النقد إلى نقد بلد دون غيره، هذا هو الظاهر، وإنَّما مثلَّ النبي ﷺ بقلال هجر لأنَّه هو الواقع في نفس الأمر، كما مثل بعض أشجار الجنة بشجرة بالشام تدعي الجوزة دون النخل وغيره من أشجارهم، لأنَّه هو الواقع لا لكون الجوز أعرف الأشجار عندهم. وهكذا التمثيل بقلال هجر لأنَّه هو الواقع لا لكونها أعرف القلال عندهم. هذا بحمد الله واضح. وأمَّا قولكم: إنَّها متساوية المقدار فهذا إنَّما قاله الخطابي بناه على أنَّ ذكرهما تحديد، والتحديد إنَّما يقع بالمقادير المتساوية.

стр. 68

وهذا دور باطل، وهو لم ينقله عن أهل اللغة، وهو الثقة في نقله ولا أخبر به عيان. ثم إنَّ الواقع بخلافه، فإنَّ القلال فيها الكبار، والصغار في العرف العام، أو الغالب، ولا تعمل بقالب واحد ولهذا قال أكثر السلف القلة الجرة. وقال عاصم بن المنذر أحد رواة الحديث: القلال الخوابي العظام. وأمَّا تقديرها بقرب الحجاز فلا ننازعكم فيه، ولكن الواقع أنَّه قدر قلة من القلال بقربتين من القرب فرآها تسعهما، فهل يلزم من هذا أنَّ كل قلة من قلال هجر تأخذ قربتين من قرب الحجاز، وأنَّ قرب الحجاز كلها على قدر واحد ليس فيها صغار، وكبار، ومن جعلها متساوية، فإنَّما مستنده أن قال: التحديد لا يقع بالمجهول، فيا سبحان الله إنَّما يتم هذا أن لو كان التحديد مستنداً إلى صاحب الشرع، فأمَّا والتقدير بقلال هجر، وقرب الحجاز تحديد يحيى بن عقيل، وابن جريج، فكان ماذا؟! وأمَّا تقرير كون المفهوم حجة فلا تنفعكم مساعدتنا عليه إذ المساعدة على مقدمة من مقدمات الدليل لا تستلزم المساعدة على الدليل. وأمَّا تقديمكم له على العموم فممنوع، وهي مسألة نزاع بين الأصوليين، والفقهاء، وفيها قولان معروفان.

стр. 69

ومنشأ النزاع: تعارض خصوص المفهوم، وعموم المنطوق، فالخصوص يقتضي التقديم، والمنطوق يقتضي الترجيح، فإن رجحتم المفهوم بخصوصه، رجح منازعوكم العموم بمنطوقه. ثم الترجيح معهم ههنا للعموم من وجوه: أحدها: أنَّ حديثه أصح. الثاني: أنَّه موافق للقياس الصحيح. الثالث: أنَّه موافق لعمل أهل المدينة قديماً، وحديثاً، فإنَّه لا يعرف عن أحد منهم أنَّه حدد الماء بقلتين، وعملهم بترك التحديد في المياه عمل نقلي خلفاً عن سلف، فجرى مجرى نقلهم الصاع، والمد، والأجناس، وترك أخذ الزكاة من الخضروات، وهذا هو الصحيح المحتج به من إجماعهم دون ما طريقه الاجتهاد، والاستدلال، فإنَّهم وغيرهم فيه سواء، وربما يرجح غيرهم عليهم، ويرجحوا هم على غيرهم، فتأمل هذا الموضع. فإن قيل: ما ذكرتم من الترجيح فمعنا من الترجيح ما يقابله، وهو أنَّ المفهوم هنا قد تأيد بحديث النهي عن البول في الماء الراكد، والأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب، والأمر بغسل اليد من نوم الليل، فإنَّ هذه الأحاديث تدل على أنَّ الماء يتأثر بهذه الأشياء وإن لم يتغير، ولا سبيل إلى تأثر كل ماء بها، بل لا بد من تقديره فتقديره بالقلتين أولى من تقديره بغيرهما، لأنَّ التقدير بالحركة، والأذرع المعينة، وما يمكن نزحه، وما لا يمكن تقديرات باطلة لا أصل لها، وهي غير منضبطة في

стр. 70

نفسها، فرب حركة تحرك غديراً عظيماً من الماء، وأخرى تحرك مقداراً يسيراً منه بحسب المحرك والمتحرك. وهذا التقدير بالأذرع تحكم محض، لا بسنة، ولا قياس، وكذا التقدير بالنزح الممكن مع عدم انضباطه، فإنَّ عشرة آلاف مثلاً يمكنهم نزح ما لا ينزحه غيرهم، فلا ضابط له. وإذا بطلت هذه التقديرات، ولا بد من تقدير، فالتقدير بالقلتين أولى لثبوته، إمَّا عن النبي ﷺ ، وإمَّا عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قيل: هذا السؤال مبني على مقامات: أحدهما: أنَّ النهي في هذه الأحاديث مستلزم لنجاسة الماء المنهي عنه. والثاني: أنَّ هذا التنجيس لا يعم كل ماء، بل يختص ببعض المياه دون بعض. والثالث: أنَّه إذا تعين التقدير كان تقديره بالقلتين هو المتعين. فأمَّا المقام الأول فنقول: ليس في شيء من هذه الأحاديث أنَّ الماء ينجس بمجرد ملاقاة البول، والولوغ، وغمس اليد فيه. أمَّا النهي عن البول فيه فليس فيه دلالة على أنَّ الماء كله ينجس بمجرد ملاقاة البول لبعضه، بل قد يكون ذلك لأنَّ البول سبب لتنجيسه، فإنَّ الأبوال متى كثرت في المياه الدائمة أفسدتها ولو كانت قلالاً عظيمة، فلا يجوز أن يخص نهيه بما دون القلتين فيجوز للناس أن يبولوا في القلتين فصاعداً، وحاشى لرسول الله ﷺ أن يكون نهيه خرج على ما دون القلتين، ويكون قد جوَّز للناس البول في كل ماء بلغ القلتين أو زاد عليهما، وهل هذا إلاَّ إلغاز في الخطاب أن يقول: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا

стр. 71

يجري". ومراده من هذا اللفظ العام: أربعمائة رطل بالعراقي، أو خمسمائة، مع ما يتضمنه التجويز من الفساد العام، وإفساد موارد الناس، ومياههم عليهم، وكذلك حمله على ما لا يمكن نزحه، أو ما لا يتحرك أحد طرفيه بحركة طرفه الآخر، وكل هذا خلاف مدلول الحديث، وخلاف ما عليه الناس، وأهل العلم قاطبة، فإنَّهم ينهون عن البول في هذه المياه، وإن كان مجرد البول لا ينجسها سداً للذريعة. فإنَّه إذا مكن الناس من البول في هذه المياه، وإن كانت كبيرة عظيمة لم تلبث أن تتغير وتفسد على الناس، كما رأينا من تغير الأنهار الجارية بكثرة الأبوال. وهذا كما نهى عن إفساد ظلالهم عليهم بالتخلي فيها، وإفساد طرقاتهم بذلك. فالتعليل بهذا أقرب إلى ظاهر لفظه، ومقصوده، وحكمته بنهيه، ومراعاته مصالح العباد، وحمايتهم مما يفسد عليهم ما يحتاجون إليه من مواردهم، وطرقاتهم، وظلالهم، كما نهى عن إفساد ما يحتاج إليه الجن من طعامهم، وعلف دوابهم. فهذه علة معقولة تشهد لها العقول والفطر، ويدل عليها تصرف الشرع في موارده، ومصادره، ويقبلها كل عقل سليم ويشهد لها بالصحة. وأمَّا تعليل ذلك بمائة وثمانية أرطال بالدمشقي، أو بما يتحرك، أو لا يتحرك، أو بعشرين ذراعاً مكسرة، أو بما لا يمكن نزحه، فأقوال كل منها بكل معارض، وكل بكل مناقض، لا يشم منها رائحة الحكمة، ولا يشام منها بوارق المصلحة، ولا تعطل بها المفسدة المخوفة.

стр. 72

فإنَّ الرجل إذا علم أنَّ النهي إنَّما تناول هذا المقدار من الماء لم يبق عنده وازع، ولا زاجر عن البول فيما هو أكثر منه، وهذا يرجع على مقصود صاحب الشرع بالإبطال. وكل شرط، أو علة، أو ضابط يرجع على مقصود الشارع بالإبطال كان هو الباطل المحال. ومما يدل على هذا أنَّ النبي ﷺ ذكر في النهي وصفاً يدل على أنَّه هو المعتبر في النهي، وهو كون الماء دائماً لا يجري، ولم يقتصر على قوله: "الدائم"، حتى نبَّه على العلة بقوله: "لا يجري" فتقف النجاسة فيه فلا يذهب بها. ومعلوم أنَّ هذه العلة موجودة في القلتين وفيما زاد عليهما. والعجب من مناقضة المحددين بالقلتين لهذا المعنى، حيث اعتبروا القلتين حتى في الجاري، وقالوا: إن كانت الجرية قلتين فصاعداً لم يتأثر بالنجاسة، وإن كانت دون القلتين تأثرت، وألغوا كون الماء جارياً، أو واقفاً، وهو الوصف الذي اعتبره الشارع، واعتبروا في الجاري والواقف القلتين، والشارع لم يعتبره، بل اعتبر الوقوف والجريان. فإن قيل: فإذا لم تخصصوا الحديث، ولم تقيدوه بماء دون ماء لزمكم المحال، وهو أن ينهى عن البول في البحر لأنَّه دائم لا يجري. قيل: ذكره الماء الدائم الذي لا يجري تنبيه على أنَّ حكمة النهي إنَّما هي ما يخشى من إفساد مياه الناس عليهم، وأنَّ النهي إنَّما تعلق بالمياه الدائمة التي من شأنها أن تفسدها الأبوال، فأمَّا الأنهار العظام، والبحار، فلم يدل نهي النبي عليها بوجه، بل لما دل كلامه بمفهومه على جواز البول في الأنهار العظام كالنيل،

стр. 73

والفرات، فجواز البول في البحار أولى، وأحرى، ولو قدر أنَّ هذا تخصيص لعموم كلامه فلا يستريب عاقل أنَّه أولى من تخصيصه بالقلتين، أو ما لا يمكن نزحه، أو ما لا يمكن تبلغ الحركة طرفيه، لأنَّ المفسدة المنهي عن البول لأجلها لا تزول في هذه المياه بخلاف ماء البحر فإنَّه لا مفسدة في البول فيه، وصار هذا بمنزلة نهيه عن التخلي في الظل، وبوله في ظل الشجرتين، واستتاره بجذم الحائط، فإنَّه نهى عن التخلي في الظل النافع، وتخلى مستتراً بالشجرتين، والحائط حيث لم ينتفع أحد بظلهما، فلم يفسد ذلك الظل على أحد. وبهذا الطريق يعلم: أنَّه إذا كان قد نهى عن البول في الماء الدائم مع أنَّه قد يحتاج إليه، فلأن ينهي عن البول في إناء ثم يصبه فيه بطريق الأولى، ولا يستريب في هذا من علم حكمة الشريعة، وما اشتملت عليه من مصالح العباد ونصائحهم، ودع الظاهرية البحتة، فإنَّها تقسي القلوب، وتحجبها عن رؤية محاسن الشريعة، وبهجتها، وما أودعته من الحكم، والمصالح، والعدل، والرحمة. وهذه الطريق التي جاءتك عفواً تنظر إليها نظر متكئ على أريكته قد تقطعت في مفاوزها أعناق المطي، لا يسلكها في العالم إلاَّ الفرد بعد الفرد، ولا يعرف مقدارها من أفرحت قلبه الأقوال المختلفة، والاحتمالات المتعددة، والتقديرات المستبعدة. فإن علت همته جعل مذهبه عرضة للأحاديث النبوية، وخدمه بها، وجعله أصلاً محكماً يرد إليه متشابهها، فما وافقه منها قبله، وما خالفه تكلف له وجوها بالرد غير الجميل، فما أتعبه من شقي، وما أقل فائدته. ومما يفسد قول المحددين

стр. 74

بقلتين: أنَّ النبي ﷺ نهي عن البول في الماء الدائم، ثم يغتسل البائل فيه بعد البول. هكذا لفظ الصحيحين: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه"، وأنتم تجوزون أن يغتسل في ماء دائم قدر القلتين بعد ما بال فيه، وهذا خلاف صريح للحديث، فإن منعتم الغسل فيه نقضتم أصلكم، وإن جوزتموه خالفتم الحديث. فإن جوَّزتم البول، والغسل خالفتم الحديث من الوجهين جميعاً. ولا يقال فهذا بعينه وارد عليكم، لأنَّه إذا بال في الماء اليسير، ولم يتغير جوَّزتم له الغسل فيه، لأنَّا لم نعلل النهي بالتنجيس، وإنَّما عللناه بإفضائه إلى التنجيس كما تقدم، فلا يرد علينا هذا. وأمَّا إذا كان الماء كثيراً فبال في ناحية، ثم اغتسل في ناحية أخرى لم يصل إليها البول، فلا يدخل في الحديث، لأنَّه لم يغتسل في الماء الذي بال فيه، وإلاَّ لزم إذا بال في ناحية من البحر أن لا يغتسل فيه أبداً، وهو فاسد. وأيضاً فالنبي ﷺ نهى عن الغسل فيه بعد البول لما يفضي إليه من إصابة البول له. قلت: ونظير هذا نهيه أن يبول الرجل في مستحمه، وذلك لما يفضي إليه من تطاير رشاش الماء الذي يصيب البول، فيقع في الوسواس، كما في الحديث: "فإنَّ عامة الوسواس منه"، حتى لو كان المكان مبلطاً لا يستقر فيه البول، بل يذهب مع الماء لم يكره ذلك عند جمهور الفقهاء.

стр. 75

ونظير هذا: منع البائل أن يستجمر، أو يستنجي في موضع بوله، لما يفضي إليه من التلوث بالبول. ولم يرد النبي ﷺ بنهيه الإخبار عن نجاسة الماء الدائم بالبول، فلا يجوز تعليل كلامه بعلة عامة تتناول ما لم ينه عنه. والذي يدل على ذلك أنَّه قيل له في بئر بضاعة: أنتوضأ منها، وهي بئر يطرح فيها الحيض، ولحوم الكلاب، وعذر الناس، فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء". فهذا نص صحيح صريح على أنَّ الماء لا ينجس بملاقاة النجاسة، مع كونه واقفاً، فإنَّ بئر بضاعة كانت واقفة، ولم يكن على عهده بالمدينة ماء جار أصلاً، فلا يجوز تحريم ما أباحه، وفعله قياساً على ما نهى عنه، ويعارض أحدهما بالآخر، بل يستعمل هذا، وهذا في موضعه، وهذا في موضعه، ولا تضرب سنة رسول الله ﷺ بعضها ببعض. فوضوؤه من بئر بضاعة وحالها ما ذكروه له دليل على أنَّ الماء لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير، ونهيه عن الغسل في الماء الدائم بعد البول فيه لما ذكرنا من إفضائه إلى تلوثه بالبول، كما ذكرنا عنه التعليل بنظيره فاستعملنا السنن على وجوهها. وهذا أولى من حمل حديث بئر بضاعة على أنَّه كان أكثر من قلتين لأنَّ النبي ﷺ لم يعلل بذلك، ولا أشار إليه ولا دل كلامه عليه بوجه، وإنَّما علل بطهورية الماء، وهذه علة مطردة في كل ماء قل، أو كثر، ولا يرد المتغير، لأنَّ
следующие страницы →