Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
ومن ذلك ما رواه ابن شَبَّةَ في [تاريخ المدينة] (١٦٤٩)، والبيهقي في [الكبرى] (١٨٣٤) من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قَالَ حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَذَكَرَ قِصَّةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَرُؤُيَاهُ إِلَى أَنْ قَالَ: «ثُمَّ زَادَ بِلَالٌ فِي التَّأْذِينِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، وَذَلِكَ أَنَّ بِلَالاً أَتَى بَعْدَ مَا أَذَّنَ التَّأْذِينَةَ الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِيُؤْذِنَ النَّبِىَّ ﷺ بِالصَّلَاةِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّبِي ﷺ نَائِمٌ. فَأَذَّنَ بِلَالٌ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. فَأُقِرَّتْ فِي التَّأْذِينِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ».
قلت: وهذا مرسل من أصح المراسيل فإنَّ مراسيل ابن المسيب هي أجود المراسيل، وسيأتي ما يشهد له.
وأصله عند ابن ماجه (٧١٦) من طريق معمر عن الزهري عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ بِلَالٍ: «أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يُؤْذِنُهُ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَقِيلَ: هُوَ نَائِمٌ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأُقِرَّتْ فِي تَأْذِينِ الْفَجْرِ، فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ».
قلت: هذا إسناد منقطع بين سعيد وبلال.
ومحل الشاهد من الحديث أنَّ بلالاً بعد أن أذن التأذينة الأولى لصلاة الصبح جاء إلى النبي ﷺ ليؤذنه لإقامة الصلاة، فدل ذلك على أنَّ الأذان
стр. 1227
الأول الذي أذنه بلال هو الأذان الثاني في عرفنا فإنَّه هو الذي تعقبه الإقامة، ولأنَّ المؤذن لطلوع الفجر هو الذي يقيم الصلاة دون غيره.
وقوله: «فَأُقِرَّتْ فِي تَأْذِينِ الْفَجْرِ» يدل على أنَّ المراد به الأذان لطلوع الفجر، فإنَّه هو تأذين الفجر، وما قبل ذلك فهو تأذين ليل.
لكن رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (١٨٢٠) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَمَنْ أَرَادَ الصَّوْمَ، فَلَا يَمْنَعُهُ أَذَانُ بِلَالٍ حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» قَالَ: وَكَانَ أَعْمَى فَكَانَ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ جَاءَ يُؤَذِّنُ النَّبِيَّ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ نَائِمٌ، فَنَادَى بِلَالٌ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأُقِرَّتْ فِي الصُّبْحِ.
وهذه الرواية تدل أنَّ بلالاً نادى بالصلاة خير من النوم في الأذان الأول لقوله:
«فلما كان ذات ليلة أذن بلال» لكن الصحيح رواية شعيب بن أبي حمزة فإنَّه من أوثق الناس في الزهري فروايته مقدمة على رواية معمر.
وروى الطحاوي في [شرح مشكل الآثار] (٦٠٨٥) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ كَامِلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ الْمُؤَذِّنُ: «أَنَّ سَعْدًا كَانَ يُؤَذِّنُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِأَهْلِ قُبَاءَ، حَتَّى انْتَقَلَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ، فَأَذَّنَ لَهُ بِالْمَدِينَةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 1228
وَسَلَّمَ، فَزَعَمَ حَفْصٌ، أَنَّهُ سَمِعَ مِنَ أَهْلِهِ أَنَّ بِلَالًا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يُؤَذِّنُهُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ بَعْدَمَا أَذَّنَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَائِمًا، فَنَادَى بِلَالٌ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأُقِرَّتْ فِي تَأْذِينِ الْفَجْرِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ».
قلت: عبد الله بن صالح كاتب الليث ضعيف الحديث، وحفص بن عمر لم يوثقه معتبر، وأهله لايعرف من هم لكن يقويه مرسل ابن المسيب الماضي.
وهذه الرواية فيها: «أَنَّ بِلَالًا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يُؤَذِّنُهُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ بَعْدَمَا أَذَّنَ». وهذا يدل على أنَّ أذانه كان بعد طلوع الفجر فإنَّه الأذان الذي تعقبه الإقامة.
وروى أحمد (٢٤٤٠٩)، والترمذي (١٩٨) من طريق أَبي إِسْرَائِيلَ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ بِلَالٍ، قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ لَا أُثَوِّبَ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ».
قلت: فيه أبو إسرائيل وهو إسماعيل بن خليفة ضعيف الحديث، والحكم هو ابن عتيبة، وهو منقطع أيضاً بين ابن أبي ليلى وعمر.
стр. 1229
وروى أحمد (٢٤٤١٠) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ بِلَالٍ، قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ لَا أُثَوِّبَ إِلَّا فِي الْفَجْرِ».
قلت: فيه عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ وهو التيمي ضعيف، وعطاء مختلط، وهو منقطع أيضاً بين ابن أبي ليلى وعمر.
والشاهد قوله: «إِلاَّ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ» والمعنى إلَّا في أذان صلاة الفجر، وأذان صلاة الفجر هو الكائن عند طلوع الفجر.
وهكذا قوله: «إِلاَّ فِي الْفَجْرِ» يدل على الأذان عند طلوع الفجر.
قلت: وقد ثبت التثويب في الأذان بعد طلوع الفجر عن ابن عمر.
وهو ما رواه ابن وهب في [جامعه] (٤٨١) قال عبد الله وأسامة قال نافع:
«وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا رَأَى الْفَجْرَ أَذَّنَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ بِالنِّدَاءِ الْأُولَى، وَيَقُولُ فِي آذَانِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ».
قلت: هذا أثر حسن لغيره، فعبد الله هو ابن عمر العمري، وأسامة قد يكون الليثي أو ابن زيد بن أسلم فكلاهما رويا عن نافع، وروى عنهما عبد الله بن وهب وحديثهما يقوي بعضه بعضاً.
стр. 1230
وجاء أيضاً عن أبي محذورة، وهو ما رواه الدارقطني (٩١٠)، والطبراني في [الكبير] (٦٥٩٩)، وأبو نعيم في [الحلية] (٨/ ٣١٠)، وابن أبي خيثمة في [تاريخه] (٩٤٦) من طرق عن أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مَحْذُورَةَ قَالَ: «كُنْتُ غُلَامًا صَيِّتًا فَأَذَّنْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ الْفَجْرَ فَلَمَّا بَلَغْتُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْحَقْ فِيهَا الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ"».
قلت: إسناده صحيح. وفي إسناد أكثرهم يحيى الحماني، وقد اتهم بسرقة الحديث لكن تابعه عبد الحميد بن صالح بن عجلان، وسليمان بن داود الشاذكوني، وسعيد بن داود عند أبي نعيم.
والشاهد منه قوله: «فَأَذَّنْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ الْفَجْرَ» وذلك أنَّ أذان الفجر هو الثاني، وكون الأذان حصل يوم حنين فهو يدل على أنَّه كان بعد طلوع الفجر، وذلك أنَّ اليوم يبدأ من طلوع الفجر.
وبهذا يتبيَّن أنَّ قول النبي ﷺ لأبي محذورة: «وَإِذَا أَذَّنْتَ بِالأَوَّلِ مِنَ الصُّبْحِ فَقُلْ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَقُلْهَا مَرَّتَيْنِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ».
стр. 1231
رواه أحمد (١٥٤٥٠)، وروى نحوه أبو داود (٥٠١)، والنسائي (٦٣٣). أنَّ المراد بالأول من الصبح ما نسميه الأذان الثاني.
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري (٦٢٦) عن عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الْفَجْرُ ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ».
فالمراد بقولها: «بِالأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْر» هو الأذان الثاني في عرفنا قطعاً فإنَّ صلاة النبي ﷺ للركعتين الخفيفتين تكون بعد الأذان الثاني في عرفنا، وقولها: «بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الْفَجْرُ» ظاهر في هذا، وهكذا قولها: «حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ» ظاهر في هذا المعنى أيضاً.
ومن ذلك ما رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (١٨٩٧) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ: كَمْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُؤَذِّنُ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ:
«أَذَانَيْنِ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ أَذَّنَ بِالْأُولَى فَأَمَّا سَائِرُ الصَّلَوَاتِ فَإِقَامَةٌ، إِقَامَةٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ، كَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا التَّأَذِينُ لِجَيْشٍ أَوْ رَكْبٍ سَفَرٍ عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ، فَيُنَادِي بِالصَّلَاةِ لِيَجْتَمِعُوا لَهَا فَأَمَّا رَكْبٌ هَكَذَا، فَإِنَّمَا هِيَ الْإِقَامَةُ».
стр. 1232
قلت: هذا أثر صحيح.
وسبق ما رواه ابن وهب في [جامعه] (٤٨١) قال عبد الله وأسامة قال نافع:
«وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا رَأَى الْفَجْرَ أَذَّنَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ بِالنِّدَاءِ الْأُولَى، وَيَقُولُ فِي آذَانِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ».
وسبق ما رواه ابن شَبَّةَ في [تاريخ المدينة] (١٦٤٩)، والبيهقي في [الكبرى] (١٨٣٤) من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قَالَ حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَذَكَرَ قِصَّةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَرُؤُيَاهُ إِلَى أَنْ قَالَ: «ثُمَّ زَادَ بِلَالٌ فِي التَّأْذِينِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، وَذَلِكَ أَنَّ بِلَالاً أَتَى بَعْدَ مَا أَذَّنَ التَّأْذِينَةَ الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِيُؤْذِنَ النَّبِىَّ ﷺ بِالصَّلَاةِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّبِي ﷺ نَائِمٌ. فَأَذَّنَ بِلَالٌ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. فَأُقِرَّتْ فِي التَّأْذِينِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ».
وأصله عند ابن ماجه (٧١٦).
وبهذا يتبيَّن أنَّ "الأولى من الصبح" في عرف الصحابة والتابعين هو ما يسميه من جاء بعدهم بالأذان الثاني، والذي ينبغي أن تحمل الأدلة على العرف السابق لا على العرف الحادث.
стр. 1233
وبهذا يتبيَّن أنَّ الصحيح من أقوال العلماء هو أن التثويب يقال في أذان الفجر وهو ما نسميه الأذان الثاني دون الأذان الذي يكون بليل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ١٠٩) -عند كلامه على التثويب في أذان الفجر -:
«ولا يعرف عن صحابي خلاف ذلك وهذا لأنَّ الصبح مظنة نوم الناس في وقتها فاستحب زيادة ذلك فيها بخلاف سائر الصلوات وسواء أذن مغلساً أو مسفراً لأنَّه مظنة في الجملة» اهـ.
قلت: قوله: «وسواء أذن مغلساً أو مسفراً» يدل على أنَّ التثويب يقال في الأذان الثاني، وذلك أنَّ التغليس والإسفار يكونان بعد طلوع الفجر.
وقال العلامة الحجاوي الحنبلي ﵀ في [الإقناع] (١/ ٧٧):
«ويسن أن يقول في آذان الصبح الصلاة خير من النوم مرتين بعد الحيعلة سواء أذن مغلساً أو مسفراً وهو التثويب».
* * *
стр. 1234
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٦٥ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ».
الحديث رواه البخاري (٦١١)، ومسلم (٣٨٣) بلفظ: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ».
وأمَّا اللفظ الذي ذكره المؤلف فهو وارد خارج الصحيحين.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - احتج به من قال بوجوب إجابة المؤذن وهم الحنفية والظاهرية، وابن وهب، وخالفهم في ذلك جمهور العلماء فذهبوا إلى استحباب الإجابة وصرفوا الأمر في هذا الحديث من الوجوب إلى الاستحباب لما رواه مسلم (٣٨٢) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَكَانَ يَسْتَمِعُ الْأَذَانَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَى الْفِطْرَةِ". ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَرَجْتَ مِنْ النَّارِ". فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعْزًى».
والشاهد منه أنَّ النبي ﷺ لم يجب أذان الراعي ولو كان واجباً لأجابه.
٢ - احتج به من قال: يقال في الحيعلتين مثل ما يقول المؤذن.
стр. 1235
وهذا القول ضعيف فإنَّ حديث أبي سعيد مخصوص بما رواه مسلم (٣٨٥) عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمْ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ».
وبما رواه البخاري (٦١٢) حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَوْمًا فَقَالَ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى نَحْوَهُ.
قَالَ يَحْيَى وَحَدَّثَنِي بَعْضُ إِخْوَانِنَا أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ: لَاَ حَوْلَ، وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْنَا نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٢٠٧ - ٢٠٨):
«واختلف العلماء: هل يجيب المؤذن، فيقول كقوله في جميع ما يقول، أم لا؟
فقالت طائفة: يقول مثل ما يقول سواء في جميع أذانه؛ لظاهر حديث أبي سعيد.
وفي "صحيح مسلم" من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول".
стр. 1236
وقد روي عن طائفة من السلف، أنَّهم قالوا: يقول مثل قول المؤذن، ولم يستثنوا، منهم: النخعي:
وروي عن أبي عمر، أنَّه كان يقول مثل ما يقول المؤذن.
وهو ظاهر قول الخرقي من أصحابنا.
وقالت طائفة: يقول كقوله، إلَّا في قوله: "حي على الصلاة، حي على الفلاح "، فإنَّه يقول: "لا حول ولا قوة إلاَّ بالله".
وهذا مروي عن الحسن، وهو منصوص عن أحمد، والشافعي، وهو قول طائفة من الحنفية والمالكية.
وهؤلاء؛ جعلوا حديث أبي سعيد وما في معناه عاماً، وحديث عمر ومعاوية وما في معناهما خاصة، فتقضي على النصوص العامة.
ومن الحنفية من قال: يقول عند قوله: "حي على الصلاة": "لا حول ولا قوة إلَّا بالله". وعند: "حي على الفلاح": "ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن".
وقالت طائفة: هو مخير بين أن يقول مثل قول المؤذن في الحيعلة، وبين أن يقول: "لا حول ولا قوة إلاَّ بالله"، وجمعوا بين الأحاديث بذلك، وهذا قول أبي بكر الأثرم ومحمد بن جرير الطبري.
وقالت طائفة: بل يجمع بين أن يقول مثل قول المؤذن، وبين قوله: "لا حول ولا قوة إلَّا بالله".
وهذا قول بعض أصحابنا، وهو ضعيف؛ لأنَّ الجمع لم يرد.
стр. 1237
وكان بعض شيوخنا يقول: يجمع بين الأحاديث في هذا بأنَّ من سمع المؤذن وهو في المسجد قال مثل قوله، فإن سمعه خارج المسجد قال: "لا حول ولا قوة إلَّا بالله"؛ لأنَّه يحتاج إلى سعي فيستعين بالله عليه.
وقالت طائفة: يجيب المؤذن إلى آخر الشهادتين، ولا يجيبه فيما زاد على ذلك، وهو رواية عن مالك.
وفي "تهذيب المدونة": أنَّه يجيبه إلى قوله: "اشهد أنَّ محمداً رسول الله"، وإن أتم الأذان معه فلا بأس.
وظاهره: أنَّه يتمه معه بلفظ الأذان.
وهؤلاء؛ قد يحتجون ببعض روايات حديث معاوية التي فيها الإجابة إلى الشهادتين، ولكن قد روي عنه عن وجوه: إجابته في تمام الأذان.
وروي من حديث الحكم بن ظهير، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، أنَّ النبي ﷺ أجاب المؤذن إلى الشهادتين، ثم سكت.
ذكره أبو بكر الأثرم، وقال: هو حديث واه.
يشير إلى أنَّ الحكم بن ظهير ضعيف جداً.
وروى أبو نعيم في "كتاب الصلاة": ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن أبي جعفر، قال: كان النبي ﷺ إذا سمع المنادي يقول: "أشهد أن لا إله إلَّا الله" قال: "وأنا". وإذا قال: "أشهد أن محمداً رسول الله" قال: "وأنا"، ثم سكت.
وهذا مرسل.
стр. 1238
وحكى ابن عبد البر عن قوم، أنَّهم رأوا إجابة المؤذن الحيعلتين خاصة. وعن قوم. أنَّهم رأوا إجابته في الشهادتين خاصة، دون ما قبلهما وبعدهما.
وروى ابن أبي شيبة بإسناده، عن قتادة، أنَّ عثمان كان إذا سمع المؤذن يؤذن يقول كما يقول، في التشهد والتكبير كله، فإذا قال: "حي على الصلاة" قال: ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلَّا بالله. فإذا قال: "قد قامت الصلاة" قال: مرحباً بالقائلين عدلاً، وبالصلاة مرحباً وأهلاَّ. ثم ينهض إلى الصلاة.
وبإسناده عن مجاهد، أنَّه كان إذا قال المؤذن: "حي على الصلاة" قال: المستعان الله. فإذا قال: "حي على الفلاح" قال: لا حول ولا قوة إلَّا بالله.
وفي "مسند الإمام أحمد" عن علي بن أبي طالب، انه كان إذا سمع المؤذن يؤذن قال كما يقول، فإذا قال: "أشهد أن لا الله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمداً رسول الله" قال علي: أشهد أن لا اله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمداً رسول الله.
وخرج ابن السني بإسناد لا يصح، عن معاوية، قال: كان رسول الله ﷺ إذا سمع المؤذن قال: "حي على الفلاح" قال: "اللهم اجعلنا مفلحين".
وذكر ابن جرير بإسناده، عن سعيد بن جبير، أنَّه كان إذا سمع المؤذن يقول: "حي على الصلاة" يقول: سمعنا واطعنا» اهـ.
قلت: أثر عثمان رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٣٦٦)، والطبراني في [الدعاء] (٤٦١) من طريق سَعِيدٍ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ عُثْمَانَ، كَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ كَمَا يَقُولُ فِي التَّشَهُّدِ وَالتَّكْبِيرِ كُلِّهِ، فَإِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ،
стр. 1239
قَالَ: «مَا شَاءَ اللَّهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»، وَإِذَا قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَائِلِينَ عَدْلًا، وَبِالصَّلَاةِ مَرْحَبًا وَأَهْلًا»، ثُمَّ يَنْهَضُ إِلَى الصَّلَاةِ.
قلت: إسناده منقطع فقتادة لم يدرك عثمان.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٩٧٧٣) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَائِلِينَ عَدْلًا وَبِالصَّلَاةِ مَرْحَبًا وَأَهْلًا، ثُمَّ يَنْهَضُ إِلَى الصَّلَاةِ».
ورواه ابن شبة في [تاريخ المدينة] (٣/ ٩٦١) حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، يَقُولُ: رَأَيْتُ الْمُؤَذِّنَ يَأْتِي عُثْمَانَ ﵁ فَيَقُولُ: الصَّلَاةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ، فَيَقُولُ عُثْمَانُ: «مَرْحَبًا بِالْقَائِلِينَ عَدْلًا، وَبِالصَّلَاةِ مَرْحَبًا وَأَهْلًا».
قلت: الواقدي متروك وفي الإسناد بعض المجاهيل.
ورواه الطبراني في [الدعاء] (٤٥٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا أَبِي، ثنا جَرِيرٌ، عَنْ حُنَيْفِ الْمُؤَذِّنِ، قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ ﵁ إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَائِلِينَ عَدْلًا، وَبِالصَّلَاةِ مَرْحَبًا وَأَهْلًا».
قلت: محمد بن عثمان بن أبي شيبة مختلف فيه منهم من وثقه ومنهم من كذبه وعلى كل لا يحتج به، وحنيف قال فيه ابن معين شيخ.
ورواه الطبراني في [الدعاء] (٤٦٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ، عَنْ
стр. 1240
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ، عَنْ عُثْمَانَ، ﵁ «أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: مَرْحَبًا بِالْقَائِلِينَ عَدْلًا، وَبِالصَّلَاةِ مَرْحَبًا وَأَهْلًا».
قلت: عبد الرحمن بن إسحاق ضعيف، والقرشي لم أعرفه.
وهو في [المطالب العالية] (٢٤٠، ٣٩٠٨) بإسقاط القرشي.
والذي يظهر عدم ثبوت الأثر عن عثمان ﵁، وقد وقع فيه الإختلاف متى كان يقول: «مَرْحَبًا بِالْقَائِلِينَ عَدْلًا، وَبِالصَّلَاةِ مَرْحَبًا وَأَهْلًا».
قلت: الصحيح في ذلك أنَّ المردد خلف المؤذن يقول مثل ما يقول المؤذن إلَّا في الحيعلتين فيقول: لا حول ولا قوة إلَّا بالله كما جاءت بذلك السنة وحديث أبي سعيد هذا من العام المخصوص. والله أعلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٣/ ١٢٩):
«و لهذا كان المسنون أن يقول كما يقول المؤذن إلَّا في الحيعلة فإنَّه يقول: "لا حول ولا قوة إلَّا بالله" كما جاء مفسراً في رواية عمر و غيره نص عليه.
واستحب بعض أصحابنا أن يجمع بين ذلك و بين الحيعلة أخذاً بظاهر القول: "فقولوا مثل ما يقول". مع أمره بالحوقلة والصحيح الأول لأنَّ الروايات المفسرة من أمره وقوله تبين الرواية المطلقة، ولأنَّ كلمات الأذان كلها ذكر لله سبحانه فاستحب ذكر الله سبحانه عند ذلك أمَّا الحيعلة فإنَّها دعاء للناس إلى الصلاة وسامع المؤذن لا يدعو أحداً فلم يستحب أن يتكلم بما لا فائدة فيه لكن لما كان هو من جملة المدعوين شرع له أن يقول ما يستعين به على أداء ما دعي إليه و هو لا حول و لا قوة إلَّا بالله» اهـ.
стр. 1241
قلت: وأمَّا إذا قال المؤذن الصلاة خير من النوم فقد ذهب جمع من العلماء إلى استحباب قول المجيب صدقت وبررت. قالوا: لأنَّ إعادة ذلك تشبه المحاكاة والاستهزاء، وليس هو بذكر حتى يأتي به بلفظه.
قلت: ولا أصل لذلك في السنة كما صرح بذلك جمع من العلماء.
قال الأمير الصنعاني ﵀ في [سبل السلام] (١/ ١٢٧):
«وهل يجيب عند الترجيع أو لا يجيب وعند التثويب فيه خلاف. وقيل يقول في جواب التثويب صدقت وبررت. وهذا استحسان من قائله وإلَّا فليس فيه سنة تعتمد» اهـ.
قلت: وقد ذهب إلى ذلك كثير من علماء الحنفية والشافعية والحنابلة وبعض المالكية والمشهور عن المالكية أنَّه لا يقال شيء عندها. واختار العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والعلامة ابن عثيمين أنَّه يقال عندها مثل ما يقول المؤذن عملاً بعموم هذا الحديث ونحوه.
والأظهر السكوت لأنَّه ليس بذكر، ولأنَّ المؤذن يخاطب غيره بذلك، والسامع لا يخاطب أحداً.
ومثل ذلك إذا قال المؤذن: صلوا في رحالكم، أو صلوا في بيوتكم، ولا أعلم من قال بالترديد وراء المؤذن في ذلك.
فائدة: قول المؤذن عند نزوال الأمطار ونحوها: صلوا في بيوتكم أوفي رحالكم جاء على ثلاث صور:
الصورة الأولى: بدل الحيعلة.
стр. 1242
فقد روى البخاري (٩٠١)، ومسلم (٦٩٩) أَنَّ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ: «إِذَا قُلْتَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا قَالَ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُخْرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ».
وفيه احتمالان:
الأول: أن يقول ذلك بدلاً عن الحيعلتين وهو الظاهر من قوله: «فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ».
والآخر: أن لا يبادر إلى قوله حيَّ على الصلاة ويقدم عليه قوله: «صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ».
قال في [طرح التثريب] (٢/ ٣٢٠):
«وَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ أَذَانٌ كَامِلٌ زَادَ فِيهِ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ فَيَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إذَا قُلْت أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ أَيْ لَا تَقُلْهَا بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ بَلْ قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ أَوَّلًا وَأَتِمَّ الْأَذَانَ بَعْدَ ذَلِكَ وَفِيهِ نَظَرٌ» اهـ.
وقال العلامة زكريا الأنصاري الشافعي ﵀ في [أسنى المطالب] (١/ ١٣٣):
«قَالَ فِي "الْمُهِمَّاتِ" وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُهُ عِوَضًا عَنْ الْحَيْعَلَةِ وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلَهُ يَعْنِي النَّوَوِيَّ مِنْ كَوْنِهِ يَقُولُهُ بَعْدَهَا انْتَهَى وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمَعْنَى فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ» اهـ.
قلت: حمل الحديث على قولها بعد الحيعلتين تأويل فيه بعد وتكلف.
стр. 1243
وهناك من أهل العلم من فهم أنَّ الحذف يكون لجملة حيَّ على الصلاة دون حيَّ على الفلاح.
ومنهم الحافظ ابن خزيمة ﵀ في [صحيحه] (٣/ ١٨٠):
«بَابُ أَمْرِ الْإِمَامِ الْمُؤَذِّنَ بِحَذْفِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ بَدَلَهُ» اهـ.
وقال العلامة الشوكاني ﵀ في [نيل الأوطار] (٣/ ١٨٦)
«وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُؤَذِّنَ فِي يَوْمِ الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ لَا يَقُولُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، بَلْ يَجْعَلُ مَكَانَهَا: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ. وَبَوَّبَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حِبَّانَ ثُمَّ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بَابُ حَذْفِ حَيَّ عَادَ إلَى الصَّلَاةِ» اهـ.
قلت: ومنهم من فهم أنَّه يقولها بدلاً من الحيعلتين.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٣٠٣ - ٣٠٤):
«في هذه الرواية: ان ابن عباس نهى المؤذن أن يقول: "حي على الصلاة"، وأمره أن يبدلها في قوله: "صلوا في بيوتكم".
وقد خرجهما مسلم - أيضاً - كذلك.
وعلى هذه الرواية، فلا يدخل هذا الحديث في هذا الباب، بل هو دليل على أن المؤذن يوم المطر مخير بين أن يقول: "حي على الصلاة حي على الفلاح"، وبين أن يبدل ذلك بقوله: "صلوا في رحالكم أو بيوتكم"، ويكون ذلك من جملة كلمات الأذان الأصلية في وقت المطر.
стр. 1244
وهذا غريب جداً، اللهم إلَّا أن يحمل على أنَّه أمره بتقديم هذه الكلمات على الحيعلتين، وهو بعيد مخالف لقوله: لا تقل: "حي على الصلاة"، بل "صلوا في بيوتكم".
والذي فهمه البخاري: أنَّ هذه الكلمة قالها بعد الحيعلتين أو قبلهما، فتكون زيادة كلام في الأذان لمصلحة، وذلك غير مكروه كما سبق ذكره؛ فإن من كره الكلام في أثناء الأذان إنَّما كره ما هو أجنبي منه، ولا مصلحة للأذان فيه.
وكذا فهمه الشافعي؛ فإنَّه قال في كتابه: إذا كانت ليلة مطيرة، أو ذات ريح وظلمة يستحب أن يقول المؤذن إذا فرغ من أذانه: "ألا صلوا في رحالكم" فإن قاله في أثناء الأذان بعد الحيعلة فلا بأس.
وكذا قال عامة أصحابه، سوى أبي المعالي؛ فإنَّه استبعد ذلك أثناء الأذان.
وأمَّا إبدال الحيعلتين بقوله: "ألا صلوا في الرحال"، فانَّه أغرب وأغرب» اهـ.
وقال العلامة ابن القاسم العبادي الشافعي ﵀ في [حاشيته على تحفة المحتاج] (١/ ٤٨١ - ٤٨٢):
«قَالَ الشَّارِحِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَمَعْنَى لَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ أَيْ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ لَا أَنَّهُ يَقُولُهُ عِوَضَهُ فَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرُوهُ أَنَّهُ يَقُولُهُ بَعْدَهُ الصَّرِيحُ فِي أَنَّهُ إذَا أَتَى بِهِ عِوَضًا عَنْ الْحَيْعَلَتَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا لَا يَصِحُّ وَمَالَ جَمْعٌ إلَى الْأَخْذِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ عِوَضًا عَنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ فَكَيْفَ يَحْسِبُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ، ثُمَّ يَقُولَ أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ وَيُرَدُّ بِأَنَّهُمَا هُنَا لَيْسَا لِلدُّعَاءِ إلَى مَحَلِّ الْأَذَانِ بَلْ لِلدُّعَاءِ
стр. 1245
إلَى الصَّلَاةِ فِي مَحَلِّ السَّامِعِينَ إلَى أَنْ قَالَ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ "كَأَنْ يَأْمُرَ الْمُنَادِيَ فَيُنَادِي بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ يُنَادِي أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ".
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَيْعَلَتَيْنِ ثَبَتَ اشْتِرَاطُهُمَا بِالنَّصِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى إسْقَاطِهِمَا فِي هَذَا الْفَرْدِ الْخَاصِّ مُحْتَمَلٌ فَلَمْ يَقْوَ عَلَى دَفْعِ الثَّابِتِ مِنْ غَيْرِ احْتِمَالٍ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا فِي الْخَادِمِ تَبَعًا لِلْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ اهـ وَلَك أَنْ تَقُولَ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقُ ظَاهِرٌ فِي سُقُوطِهِمَا فِي هَذَا الْفَرْدِ الْخَاصِّ وَهَذَا كَافٍ فِي تَخْصِيصِ نَصِّ اشْتِرَاطِهِمَا؛ لِأَنَّ تَنَاوُلَهُ لِهَذَا الْفَرْدِ ظَاهِرٌ فَقَطْ، وَأَمَّا حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ الثَّانِي فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَسْلِيمِ ظُهُورِهِ فِي الْمَطْلُوبِ فَهُوَ فِي بَعْضِ الْمَرَّاتِ وَغَايَةُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوَازُ الْجَمْعِ لَا تَعَيُّنُهُ فِي أَدَاءِ هَذِهِ السُّنَّةِ فَلْيُتَأَمَّلْ» اهـ.
الصورة الثانية: أن تقال بعد الأذان.
ويدل عليه ما رواه البخاري (٦٣٢)، ومسلم (٦٩٧) عَنْ نَافِعٍ قَالَ: «أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ، أَوِ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَر».
الصورة الثالثة: أن تقال بعد الحيعلتين.
ويدل عليه ما رواه أحمد (٢٣١٦٧)، والنسائي في [الصغرى] (٦٥٣)، و [الكبرى] (١٦٢٩) مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ يَقُولُ: أَنْبَأَنَا رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُنَادِيَ النَّبِيِّ ﷺ يَعْنِي فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ فِي السَّفَرِ - يَقُولُ: «حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ».
قلت: هذا حديث صحيح.
стр. 1246
فائدة: قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٩١):
«وظاهر هَذَا: يدل عَلَى أنَّ ابن عَبَّاس يرى أنَّ الإمام إذا دعا النَّاس إلى الجمعة فِي الطين والمطر لزمتهم الإجابة، وإنِّما يباح لأحدهم التخلف إذا نادى: "الصلاة فِي الرحال". والله أعلم.
وقد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإمام أحمد، فيما رواه البيهقي فِي "مناقب أحمد" بإسناده، عَنْ مُحَمَّد بْن رافع، قَالَ: سَمِعْت أحمد بْن حنبل يَقُول: إن قَالَ المؤذن فِي أذانه: "الصلاة فِي الرحال"، فلك أن تتخلف، وإن لَمْ يقل: فَقَدْ وجب عَلَيْك، إذا قَالَ: "حي عَلَى الصلاة، حي عَلَى الفلاح"» اهـ.
وقال (٨/ ١٥٥): «ولم يفرق بين جمعةٍ وغيرها» اهـ.
٣ - احتج بالحديث من قال بترديد المؤذن لأذانه فإنَّه سامع لأذان نفسه، واحتج به أيضاً من قال بعدم الترديد فإنَّ الخطاب موجه لمن يسمع الأذان لا للمؤذن نفسه.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٢٠٩ - ٢١٠):
«وهل يشرع للمؤذن نفسه أن يجيب نفسه بين كلمات الأذان؟
ذكر أصحابنا أنَّه يشرع له ذلك. وروي عن الإمام أحمد أنَّه كان إذا أذن يفعل ذلك.
واستدلوا بعموم قوله: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا كما يقول". والمؤذن يسمع نفسه، فيكون مأمور بالإجابة. وقاسوه على تأمين الإمام على قراءة الفاتحة مع المأمومين.
стр. 1247
وفي هذا نظر؛ فإنَّ تامين الإمام وردت به نصوص.
وقوله ﷺ : "إذا سمعتم المؤذن"، ظاهره: يدل على التفريق بين السامع والمؤذن، فلا يدخل المؤذن، كما قال أصحابنا في النهي عن الكلام لمن يسمع الإمام وهو يخطب، أنَّه لا يشمل الإمام، بل له الكلام.
وكذا قال في الإيمان ونحوها، لو قال: من دخل داري. أو خاطب غيره، فقال: من دخل دارك، وعلق على ذلك طلاقاً أو غيره: لم يدخل هو في عموم اليمين في الصورة الأولى، ولا المخاطب في الصورة الثانية.
وللمسألة نظائر كثيرة، في بعضها اختلاف، قد ذكرناها في كتاب "القواعد في الفقه"» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي أنَّ هذا هو الصحيح، ولم ينقل هذا الفعل عن مؤذني النبي ﷺ بل غاية ما نقل عن أبي محذورة هو الترجيع في الشهادتين وليس هذا من قبيل الترديد للأذان كما هو ظاهر فلو كان الترديد من السنن المستحبة في الأذان لنقل ذلك عن مؤذني النبي ﷺ ذلك. والله أعلم.
ولأنَّ المقصود مشاركة السَّامع للمؤذِّن في أصل الثواب.
٤ - واحتج به من ذهب إلى الترديد خلف المقيم لأنَّ النبي ﷺ قال في الحديث:
«إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ». ولم يقيد ذلك بسماع الأذان دون الإقامة وكلاهما صادران من المؤذن فيدخلان في هذا الحديث.
стр. 1248
ولأنَّ الإقامة داخلة في مسمى الأذان كما رواه البخاري (٦٢٤)، ومسلم (٨٣٨) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ - ثَلَاثًا - لِمَنْ شَاءَ».
قلت: وأمَّا ما رواه أبو داود (٥٢٨) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ حَدَّثَنِى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَوْ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّ بِلَالاً أَخَذَ فِى الإِقَامَةِ فَلَمَّا أَنْ قَالَ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا». وَقَالَ فِى سَائِرِ الإِقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ فِى الأَذَانِ.
قلت: هذا حديث ضعيف لا يصح لضعف محمد بن ثابت وهو العبدي، وللرجل المبهم الذي في السند، ولضعف شهر بن حوشب.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٢٥٨ - ٢٥٩):
«وقد اختلف العلماء: هل يشرع الإجابة في الاقامة؟ على قولين:
أحدهما: أنَّه يشرع ذلك، وهو قول القاضي أبي يعلى وأكثر أصحابنا، وهو ظاهر مذهب الشافعي.
وفي "سنن أبي داود" من رواية محمد بن ثابت العبدي: ثنا رجل من أهل الشام، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة - أو عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، إنَّ بلالاً أخذ في الإقامة، فلما أن قال: "قد قامت الصلاة" قال النبي ﷺ : "أقامها الله وأدامها"، وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان.
وفي هذا الإسناد ضعف.
стр. 1249
والقول الثاني: أنَّه لايشرع الإجابة فيها، إلَّا في كلمة الإقامة خاصة، وهو وجه للشافعية.
وقد نقل المروذي عن الإمام أحمد، أنَّه كان إذا أخذ المؤذن في الإقامة رفع يديه ودعا.
وروي عنه، أنَّه كان يدعو، فإذا قال المؤذن: "لا إله إلَّا الله" قال: لا إله إلَّا الله الحق المبين.
وظاهر هذا: أنَّ الدعاء حينئذ أفضل من الإجابة.
وتأوله القاضي على أنَّه إنَّما كان يدعو إذا فرغ من الإقامة.
وهذا مخالف لقوله: إذا أخذ المؤذن في الإقامة» اهـ.
وجاء في [الدر المختار وحاشية ابن عابدين] (١/ ٤٠٠):
«"وَيُجِيبُ الْإِقَامَةَ" نَدْبًا إجْمَاعًا "كَالْأَذَانِ" وَيَقُولُ عِنْدَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ: أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا "وَقِيلَ لَا" يُجِيبُهَا، وَبِهِ جَزَمَ الشُّمُنِّيُّ» اهـ.
قلت: الأظهر عدم الإجابة لعدم الدليل، وتسمية الإقامة أذاناً من باب التغليب كالعمرين لأبي بكر وعمر، والقمرين للشمس والقمر، والأسودين للتمر والماء، ولا تدخل الإقامة في الأذان عند الإفراد.
٥ - واحتج به من قال بإجابة المؤذن لمن كان في صلاة، وذلك أنَّ النبي ﷺ لم يستثني في إجابة المؤذن وقتاً دون وقت.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٢١٠ - ٢١١):
«وقد اختلف العلماء في إجابة المؤذن في الصلاة على ثلاثة أقوال:
стр. 1250
أحدها: أنَّه لا يستحب إجابته في الصلاة بحال؛ لقول النبي ﷺ : "إنَّ في الصلاة لشغلاً".
وهذا ظاهر مذهب الشافعي. وهو قول أصحابنا، قالوا: وقد نص أحمد على أنَّ من دخل المسجد فأذن المؤذن، فإنَّه لا يصلي تحية المسجد حتى يجيب المؤذن. وهذا يدل على أنَّه لا يجيبه في الصلاة.
وهو- أيضاً- قول الحنفية وسحنون من المالكية.
الثاني: أنَّه يستحب أن يجيبه في الفريضة والنافلة، وهو قول ابن وهب من أصحاب مالك.
والثالث: يستحب أن يجيبه في النفل دون الفرض، وهو المنصوص عن مالك.
نقله عنه ابن القاسم، وقال: يقع في نفسي أنَّه أريد بالحديث: وقال: "يقول مثل ما يقول": التكبير والتشهد.
وكذا قال الليث، إلَّا أنَّه قال: ويقول: "لا حول ولا قوة إلَّا بالله" إذا قال "حي على الصلاة، حي على الفلاح".
وفي "تهذيب المدونة" للبرداعي المالكي: ومن سمع المؤذن فليقل كقوله، وإن كان في نافلة، إلى قوله: "أشهد أن لا اله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمداً رسول الله"، وإن أتم الأذان معه فلا بأس.
ولعل إتمامه مختص بغير المصلي، أو بما إذا أجابه في الحيعلة بالحوقلة، كما قال الليث. أنَّه إذا أجابه بذلك لم تبطل صلاته. فريضة كانت أو نافلة عند جمهور العلماء. وهو قول مالك والشافعي وأصحابنا» اهـ.
стр. 1251
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ (٤/ ٢١٢):
«وإذا قلنا: لا يجيب المؤذن في الصلاة: فهل يتابع إذا فرغ منها؟
قال طائفة من الشافعية: يجيبه إذا سلم، فإن طال الفصل، فهو كترك سجود السهو.
وكذلك قال طائفة منهم في المتخلي والمجامع إذا سمع الأذان: أنَّه إذا فرغ تابعه.
وقال بعضهم: وإذا لم يتابعه حتى فرغ عمداً، فالظاهر أنَّه يتدارك على القرب، ولا يتدارك بعد طول الفصل.
والأفضل أن يتابعه على كل جملة عقب فراغ المؤذن منها من غير تأخير، كما دل عليه حديث معاوية.
ومن زعم من المتأخرين: أنَّه يجوز الإجابة حتى يفرغ ثم يجيبه، وزعم أنَّه لا يسمى مؤذناً حتى يفرغ من أذانه-: فقد أبطل، وقال ما خالف به الأولين والآخرين. وفي تسميته مؤذناً بعد فراغ أذانه- حقيقة اختلاف - أيضاً- فأنَّه ينقضي الفعل الذي اشتق منه الاسم» اهـ.
٦ - يدل الحديث أنَّ المردد خلف المؤذن يقول مثل ما يقول المؤذن وقد جاء ما يدل على خلاف ذلك.
فروى مسلم (٣٨٦) من طريق لَيْثٌ، عَنِ الْحُكَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ
стр. 1252
وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ».
ورواه ابن خزيمة في [صحيحه] (٤٢٢) من طريق عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الْحَكِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَتَشَهَّدُ فَالْتَفَتَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
قلت: هذه الرواية صريحة في أنَّ هذا الذكر يقال عند تشهد المؤذن لكن لا يظهر لي ثبوتها، والمحفوظ حديث الليث بن سعد، وعبيد الله بن المغيرة صدوق.
والذي يظهر لي والله أعلم أنَّ هذا الذكر من الأذكار التي تقال بعد الانتهاء من الأذان لا أنَّه يقال عند سماع الشهادتين في أول الأذان. ومثله في ذلك حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
رواه البخاري (٦١٤).
ومما يدل على أنَّ هذا يقال بعد الانتهاء من ترديد الأذان أنَّ سؤال الوسيلة إنَّما يكون بعد الأذان كما روى مسلم (٣٨٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ
سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي
стр. 1253
الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ».
قلت: وبوَّب الحافظ البيهقي ﵀ على حديث سعد بن أبي وقاص وحديث جابر بن عبد الله في [السنن الكبرى] (١/ ٦٠٣) فقال: «بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ».
قال العلامة ملا علي القاري ﵀ في [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح] (٣/ ١١٥):
«وعن سعد بن أبي وقاص قال، قال رسول الله: "من قال حين يسمع المؤذن" أي صوته أو أذانه أو قوله وهو الأظهر وهو يحتمل أن يكون المراد به حين يسمع تشهده الأول أو الأخير وهو قوله آخر الأذان لا إله إلا الله وهو أنسب ويمكن أن يكون معنى يسمع يجيب فيكون صريحاً في المقصود وأنَّ الظاهر أنَّ الثواب المذكور مترتب على الإجابة بكمالها مع هذه الزيادة ولأنَّ قوله بهذه الشهادة في أثناء الأذان ربما يفوته الإجابة في بعض الكلمات الآتية» اهـ.
وقال العلامة السندي ﵀ في [حاشيته على ابن ماجه] (٢/ ١٢٩):
«قوله: "من قال حين يسمع المؤذن"
الظاهر حين يفرغ من سماع أذانه وإلَّا فالجمع بينه وبين مثل ما يقول المؤذن حالة الأذان مشكل ومثله حديث: "من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة" الخ» اهـ.
стр. 1254
ومن ذلك أيضاً ما رواه أبو داود (٥٢٦) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِىٍّ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَتَشَهَّدُ قَالَ: «وَأَنَا وَأَنَا».
قلت: وقد تابع عليَ بنَ مسهر حفصُ بنُ غياث كما عند ابن حبان (١٦٨٣)، والطبراني في [الأوسط] (٤٧٣٥)، وفي [الدعاء] (٤٣٨).
وخالفهما أبو معاوية الضرير محمد بن خازم، ووكيع فرويا عن هشام بن عروة عن أبيه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ، قَالَ: " وَأَنَا وَأَنَا "». هكذا مرسلاً رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٣٦٢)
قلت: وتابعهما أيضاً سفيان الثوري.
قال الحافظ الطبراني ﵀ في [الدعاء] (٤٣٩): «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مِثْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ عَائِشَةَ».
وتابعهم عبد الله بن داود الخريبي.
وسئل الحافظ الدارقطني ﵀ كما في [العلل] (١٣/ ٢٨٦): «عن حديث عروة، عن عائشة، كان النبي ﷺ إذا سمع المؤذن، قال: "وأنا، وأنا".
فقال: يرويه هشام بن عروة، واختلف عنه؛ فرواه علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.
стр. 1255
ورواه عبد الله بن داود الخريبي، عن هشام، عن أبيه، مرسلاً، وهو الصحيح» اهـ.
قلت: الصحيح في هذا الحديث الإرسال كما رواه الثقات عن هشام بن عروة.
لكن يغني عنه ما رواه البخاري (٩١٤) من طريق أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ مُعَاوِيَةُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ وَأَنَا فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ وَأَنَا فَلَمَّا أَنْ قَضَى التَّأْذِينَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى هَذَا الْمَجْلِسِ حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ مِنِّي مِنْ مَقَالَتِي».
ورواه الطبراني في [الكبير] (١٦٠٨٥) حَدَّثَنَا مُعَاذُ بن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بن عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، قَالَ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ، قَالَ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ يَقُولُ».
قلت: وفي هذه الرواية أنَّ معاوية لم يقتصر على قوله: «وَأَنَا». لكن في إسنادها عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي مستور.
стр. 1256
والذي يظهر لي هو العمل بظاهر حديث أبي سعيد فيردد السامع للأذان كما هو بلفظه، ويشرع الاقتصار على قوله: «وَأَنَا». عند نداء المؤذن بالشهادتين. والله أعلم.
فائدة: قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (١/ ٣٧٣):
«وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ فِي التَّكْبِيرِ وَالتَّشَهُّدِ وَرَوَوْا بِذَلِكَ أَثَرًا تَأَوَّلُوهُ
وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ فِي التَّشَهُّدِ خَاصَّةً وَإِنْ شَاءَ قَالَ وَأَنَا أَشْهَدُ بِمَا تَشْهَدُ بِهِ وَنَحْوَ هَذَا.
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا - غُفِرَ لَهُ".
وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ قَالَ: "وَأَنَا أَشْهَدُ وَأَنَا أَشْهَدُ".
وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ فِيهِمَا الْإِتْيَانُ بِمَعْنَى الْأَذَانِ وَبِمَعْنَى الذِّكْرِ وَالْإِخْلَاصِ وَالتَّشَهُّدِ دُونَ لَفْظِهِ» اهـ.
* * *
стр. 1257
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب استقبال القبلة
٦٦ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ». ولـ "لِمُسْلِمٍ": «غَيْرَ أَنَّهُ لا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ». وَلِلْبُخَارِيِّ: «إلَّا الْفَرَائِضَ».
القبلة: هي الْوَجْهَةُ.
قال العلامة الرحيباني الحنبلي ﵀ في [مطالب أولي النهى] (١/ ٣٧٦):
«قَالَ الْوَاحِدِيُّ: الْقِبْلَةُ: الْوَجْهَةُ، وَهِيَ: الْفَعْلَةُ مِنْ الْمُقَابَلَةِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: مَا لَهُ قِبْلَةٌ، وَلَا دَبْرَةٌ، إذَا لَمْ يَهْتَدِ لِجِهَةِ أَمْرِهِ. وَأَصْلُ الْقِبْلَةِ فِي اللُّغَةِ: الْحَالَةُ الَّتِي يُقَابِلُ الشَّيْءُ غَيْرَهُ عَلَيْهَا، كَالْجِلْسَةِ لِلْحَالَةِ الَّتِي يَجْلِسُ عَلَيْهَا، إلَّا أَنَّهَا صَارَتْ كَالْعِلْمِ لِلْجِهَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُهَا. وَسُمِّيَتْ قِبْلَةً لِإِقْبَالِ النَّاسِ عَلَيْهَا، أَوْ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَابِلُهَا، وَهِيَ تُقَابِلُهُ» اهـ.
قلت: واستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة ويخرج من ذلك العاجز عن استقبالها لمرض أو خوف، وهكذا المتنفل على الراحلة في السفر كما سيأتي.
стр. 1258
ويدل على هذا الشرط ما رواه البخاري (٣٩١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ».
قلت: والحديث يدل على أنَّ استقبال القبلة شرط في الإسلام، وأن من استقبل غير قبلة المسلمين فليس بمسلم.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧):
«وذكر استقبال القبلة إشارة إلى أنَّه لا بد من الإتيان بصلاة المسلمين المشروعة في كتابهم المنزل على نبيهم وهي الصلاة إلى الكعبة، وإلَّا فمن صلى إلى بيت المقدس بعد نسخه كاليهود أو إلى المشرق كالنصارى فليس بمسلم، ولو شهد بشهادة التوحيد.
وفي هذا دليل على عظم موقع استقبال القبلة من الصلاة؛ فإنَّه لم يذكر من شرائط الصلاة غيرها، كالطهارة وغيرها.
وذكره أكل ذبيحة المسلمين، فيه إشارة إلى أنَّه لا بد من التزام جميع شرائع الإسلام الظاهرة، ومن أعظمها أكل ذبيحة المسلمين، وموافقتهم في ذبيحتهم، فمن امتنع من ذلك فليس بمسلم.
стр. 1259
وقد كان النبي ﷺ يمتحن أحياناً من يدخل في الإسلام، وقد كان يرى في دينه الأول الامتناع من أكل بعض ذبيحة المسلمين، بإطعامه مما كان يمتنع من أكله؛ ليتحقق بذلك إسلامه.
فروي أنَّه عرض على قوم - كانوا يمتنعون في جاهليتهم من أكل القلب، ثم دخلوا في الإسلام - أكل القلب، وقال لهم: "إنَّ إسلامكم لا يتم إلَّا بأكله".
فلو أسلم يهودي، وأقام ممتنعاً من أكل ذبائح المسلمين، كان ذلك دليلاً على عدم دخول الإسلام في قلبه، وهذا الحديث يدل على أنَّه لا يصير بذلك مسلماً» اهـ.
قلت: وكان النبي ﷺ في أول الأمر يستقبل بيت المقدس ومكث على ذلك في المدينة ستة عشر شهراً ثم أمر باستقبال البيت.
فروى البخاري (٤٠)، ومسلم (٥٢٥) عَنِ الْبَرَاءِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ - مِنَ الأَنْصَارِ وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلاَّهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ».
стр. 1260
وكان النبي ﷺ في مكة يستقبل بيت المقدس والكعبة بين يديه.
فروى أحمد (٢٩٩٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَالْكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَعْدَ مَا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صُرِفَ إِلَى الْكَعْبَةِ».
قلت: هذا حديث صحيح.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٩٤):
«وكان صرف القبلة إلى الكعبة في السنة الثانية» اهـ.
قلت: وقوله: «كَانَ يُسَبِّحُ».
قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١٣٠):
«التسبيح يطلق على صلاة النافلة وهذا الحديث منه فقوله: "يسبح" أي يصلي النافلة وربما أطلق على مطلق الصلاة وقد فسر قوله سبحانه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ بصلاة الصبح وصلاة العصر.
والتسبيح: حقيقة في قول القائل: سبحان الله، فإذا أطلق على الصلاة فإمَّا من باب إطلاق اسم البعض على الكل كما قالوا في الصلاة: إنَّ أصلها الدعاء ثم سميت العبادة كلها بذلك لاشتمالها على الدعاء وإمَّا لأن المصلي منزه لله بإخلاص العبادة له وحده والتسبيح التنزيه فيكون ذلك من مجاز الملازمة لأنَّ التنزيه يلزم من الصلاة المخلصة وحده» اهـ.
стр. 1261
فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [الاختيارات] (٤٧ - ٤٩):
«وذكر طائفة من الأصحاب أنَّ الواجب في استقبال القبلة هواؤها دون بنيانها بدليل المصلي على جبل أبي قبيس وغيره من الجبال العالية بمكة، فإنَّه إنما يستقبل الهواء لا البنيان، وبدليل ما لو انتقضت الكعبة والعياذ بالله فإنَّه يكفيه استقبال العرصة، قال أبو العباس: الواجب استقبال البنيان، وأمَّا العرصة والهواء فليس بكعبة ولا بناء وأمَّا ما ذكروه من الصلاة على أبي قبيس ونحوه فإنَّما ذلك لأنَّ بين يدي المصلي قبله شاخصة مرتفعة وإن لم تكن مسامته فإنَّ المسامتة لا تشترط كما لم تكن مشروطة في الائتمام بالإمام، وأمَّا إذ زال بناء الكعبة والعياذ بالله فنقول بموجبه وأنَّه لا تصح الصلاة حتى ينصب شيئاً يصلي إليه، لأنَّ أحمد جعل المصلي على ظهر الكعبة لا قبلة له، فعلم أنَّه جعل القبلة البناء الشاخص.
وكذلك قال الآمدي: إن صلى بإزاء الباب وكان مفتوحاً لا تصح صلاته وإن كان مردوداً صحت، وإن كان مفتوحاً وبين يديه شيء منصوب كالسترة صحت، لأنَّه يصلي إلى جزء من البيت. فإن زال بنيان البيت والعياذ بالله وصلى وبين يديه شيء صحت الصلاة، وإن لم يكن بين يديه شيء لم تصح، وهذا من كلام الآمدي يدل على أنَّ البناء لو زال لم تصح الصلاة إلَّا أن يكون بين يديه شيء، وإنَّما يعني به -والله أعلم- ما كان شاخصاً كما قيده فيما لو صلى إلى الباب، ولأنَّه علل ذلك بأنَّه إذا صلى إلى سترة فقد صلى إلى جزء من البيت. فعلم أنَّ مجرد العرصة غير كاف، ويدل على هذا ما ذكره الأزرقي في أخبار مكة أنَّ ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير، لا تدع الناس بغير قبلة، انصب لهم حول الكعبة الخشب، واجعل الستور عليها حتى يطوف الناس من ورائها ويصلون إليها ففعل ذلك ابن الزبير، وهذا
стр. 1262
من ابن عباس وابن الزبير دليل على أنَّ الكعبة التي يطاف بها ويصلى إليها لا بد أن تكون شيئاً منصوباً شاخصاً، وأنَّ العرصة ليست قبلة، ولم ينقل أنَّ أحداً من السلف خالف في ذلك ولا أنكره، نعم لو فرض أنَّه قد تعذر نصب شيء من الأشياء موضعها بأن يقع ذلك إذا هدمها ذو السويقتين من الحبشة في آخر الزمان فهنا ينبغي أن يكتفي حينئذ باستقبال العرصة، كما يكتفي المصلي أن يخط خطاً إذا لم يجد سترة فإنَّ قواعد إبراهيم كالخط، وذكر ابن عقيل وغيره من أصحابنا: أنَّ البناء إذا زال صحت الصلاة إلى هواء البيت مع قولهم إنَّه لا يصلي: على ظهر الكعبة، ومن قال هذا يفرق بأنَّه إذا زال البناء لم يبق هناك شيء شاخص يستقبل بخلاف ما إذا كان هناك قبلة تستقبل، ولا يلزم من سقوط الشيء الشاخص إذا كان معدوماً سقوط استقباله إذا كان موجوداً، كما فرقنا بين حال إمكان نصب شيء وحال تعذره، وكما يفرق في سائر الشروط بين حال الوجود والعدم والقدرة والعجز.
وإذا قلنا لا بد من الصلاة إلى شيء شاخص فإنَّه يكفي شخوصه ولو أنَّه شيء يسير كالعتبة التي للباب قاله ابن عقيل، وقال أبو الحسن الآمدي: لا يجوز أن يصلي إلى الباب إذا كان مفتوحا، لكن إذا كان بين يديه شيء منصوب كالسترة صحت، فعلى هذا لا يكفي ارتفاع العتبة ونحوها، بل لا بد أن يكون مثل آخرة الرحل؛ لأنَّها السترة التي قدر بها الشارع السترة المستحبة فلأن يكون تقديرها في الواجب أولى، ثم إن كانت السترة التي فوق السطح ونحوه بناء أو خشبة مسمرة ونحو ذلك مما يتبع في مطلق البيع لو كان في موضع مملوك
стр. 1263
جازت الصلاة إليه لأنَّه جزء من البيت، وإن كان هناك لبن وآجر بعضه فوق بعض أو خشبة معروضة غير مسمرة ونحو ذلك لم يكن قبلة فيما ذكره أصحابنا لأنَّه ليس من البيت، ويتوجه أن يكتفى في ذلك بما يكون سترة في الصلاة، لأنَّه شيء شاخص ولأنَّ حديث ابن عباس وابن الزبير دليل على الاكتفاء بكل ما يكون قبلة وسترة، فإنَّ الخشب والستور المعدة عليها لا يتبع في مطلق البيع.
وقال ابن حامد وابن عقيل في "الواضح" وأبو المعالي: لو صلى إلى الحجر من فرضه المعاينة لم تصح صلاته، لأنَّه في المشاهدة والعيان ليس من الكعبة البيت الحرام، وإنَّما وردت الأحاديث بأنَّه كان من البيت فعمل بتلك الأحاديث في وجوب الطواف دون الاكتفاء به للصلاة احتياطًا للعبادتين، وقال القاضي في التعليق: يجوز التوجه إليه في الصلاة وتصح صلاته كما لو توجه إلى حائط الكعبة، قال أبو العباس: وهذا قياس المذهب لأنَّه من البيت بالسنة الثابتة، وبعيان من شاهده من الخلق الكثير لما نقضه ابن الزبير، ونص أحمد أنَّه لا يصلي الفرض في الحجر، فقال: لا يصلي في الحجر، والحجر من البيت، قال أبو العباس: والحجر جميعه ليس من البيت، وإنَّما الداخل في حدود البيت ستة أذرع وشيء فمن استقبل ما زاد على ذلك لم تصح صلاته ألبتة» اهـ.
قلت: جعل ابن الزبير لأعمدة فيها ستور عند نقضه للكعبة رواه مسلم (١٣٣٣) عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: «لَمَّا احْتَرَقَ الْبَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ تَرَكَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ حَتَّى قَدِمَ النَّاسُ الْمَوْسِمَ يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ أَوْ يُحَرِّبَهُمْ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْكَعْبَةِ أَنْقُضُهَا ثُمَّ أَبْنِي بِنَاءَهَا أَوْ أُصْلِحُ مَا وَهَى مِنْهَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنِّي قَدْ
стр. 1264
فُرِقَ لِي رَأْيٌ فِيهَا أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا وَتَدَعَ بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا وَبُعِثَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ .
فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَوْ كَانَ أَحَدُكُمْ احْتَرَقَ بَيْتُهُ مَا رَضِيَ حَتَّى يُجِدَّهُ فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ إِنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثًا. ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِي فَلَمَّا مَضَى الثَّلَاثُ أَجْمَعَ رَأْيَهُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا فَتَحَامَاهُ النَّاسُ أَنْ يَنْزِلَ بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فِيهِ أَمْرٌ مِنْ السَّمَاءِ حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَةً فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَتَابَعُوا فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْأَرْضَ فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً فَسَتَّرَ عَلَيْهَا السُّتُورَ حَتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَوْلَا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ وَلَيْسَ عِنْدِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّي عَلَى بِنَائِهِ لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنْ الْحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُعٍ وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ".
قَالَ: فَأَنَا الْيَوْمَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ. قَالَ: فَزَادَ فِيهِ خَمْسَ أَذْرُعٍ مِنْ الْحِجْرِ حَتَّى أَبْدَى أُسًّا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَبَنَى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا فَلَمَّا زَادَ فِيهِ اسْتَقْصَرَهُ فَزَادَ فِي طُولِهِ عَشْرَ أَذْرُعٍ وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنِ أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ وَالْآخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسٍّ نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَيْءٍ أَمَّا مَا زَادَ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنْ الْحِجْرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ وَسُدَّ الْبَابَ الَّذِي فَتَحَهُ فَنَقَضَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِهِ».
стр. 1265
وروى بعد ذلك بإسناده إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: «وَفَدَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي خِلَافَتِهِ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهَا قَالَ الْحَارِثُ بَلَى أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْهَا
قَالَ سَمِعْتَهَا تَقُولُ مَاذَا قَالَ: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ وَلَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ أَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهُ فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمِّي لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ". فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ.
هَذَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ وَزَادَ عَلَيْهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَطَاءٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ فِي الْأَرْضِ شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا وَهَلْ تَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا" قَالَتْ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: "تَعَزُّزًا أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إِلَّا مَنْ أَرَادُوا فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا يَدَعُونَهُ يَرْتَقِي حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَفَعُوهُ فَسَقَطَ" قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِلْحَارِثِ: أَنْتَ سَمِعْتَهَا تَقُولُ هَذَا. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَنَكَتَ سَاعَةً بِعَصَاهُ ثُمَّ قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي تَرَكْتُهُ وَمَا تَحَمَّلَ».
وجاء في بيان ما يدخل من الحجر في الكعبة ما رواه البخاري (١٥٨٦) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: "يَا عَائِشَةُ لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ"».
فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، ﵄ عَلَى هَدْمِهِ.
следующие страницы →