Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٣٢٤)، ومن طريقه ابن المنذر في [الأوسط] (١١٧٤) نا أَبُو خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ، هَلْ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ، فَغَضِبَ، قَالَ: «أَنَا أُنْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ».
قلت: هذا أثر حسن.
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٣١٧)، ومن طريقه ابن المنذر في [الأوسط] (١٢٢١) قَالَ: نا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا نَسْأَلُ أَنَسًا، هَلْ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ؟ قَالَ: «لَا، وَإِنْ فَعَلْنَ فَهُوَ ذِكْرٌ».
قلت: هذا أثر صحيح.
والأظهر ما دلت عليه هذه الآثار عن الصحابة الكرام ﵃، وهو أنَّ المرأة ليس عليها أذان ولا إقامة فإن فعلنَّ ذلك لأنفسهنَّ أو لجماعة النساء فلا ينهينَّ عنهما.
* * *
стр. 1192
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٦٣ - عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِيِّ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ - قَالَ: فَخَرَجَ بِلالٌ بِوَضُوءٍ، فَمِنْ نَاضِحٍ وَنَائِلٍ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ، قَالَ: فَتَوَضَّأَ وَأَذَّنَ بِلالٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا، يَقُولُ يَمِيناً وَشِمَالاً: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ; حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ وَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَزَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ».
قوله: «فِي قُبَّةٍ» القُبَّة من الخِيام بيتٌ صغير مستدير وهو من بيوت العرب.
قوله: «حُلَّةٌ حَمْرَاءُ» الحلة إزار ورداء، لا يسمى حلة حتى تكون من ثوبين.
قوله: «مِنْ أَدَمٍ» الأديم الجلد ما كان، وقيل الأحمر، وقيل هو المدبوغ، وقيل هو بعد الأفيق وذلك إذا تم واحمر والأفيق هو الجلد الذي لم يتم دباغه وقيل هو ما دبغ بغير القرظ.
قال الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١٢٦):
«وقوله: "فمن ناضح ونائل" النضح: الرش قيل معناه أنَّ بعضهم كان ينال منه ما لا يفضل منه شيء وبعضهم كان ينال منه ما ينضحه على غيره وتشهد له الرواية الأخرى في الحديث الصحيح: "فرأيت بلالاً أخرج وضوءاً فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء فمن أصاب منه شيئاً تمسح به ومن لم يصب منه أخذ من بلل يد صاحبه"» اهـ.
وقوله: «حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ; حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ».
стр. 1193
قال العلامة المرداوي ﵀ في [الحاوي] (٢/ ٤٤ - ٤٥):
«فَأَمَّا قَوْلُهُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَاهُ يَا أَهْلَ الْحَيِّ هَلُمُّوا وَأَقْبِلُوا إِلَى الصَّلَاةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهُ بَادِرُوا وَأَسْرِعُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "إِذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ فَحَيَّ هَلَّا بِعُمَرَ " أَيْ: فَبَادِرْ بِذِكْرِهِ فِي أَوَّلِهِمْ. وَقَالَ لَبِيدٌ:
يَتَمَارَى فِي الَّذِي قُلْتُ لَهُ … وَلَقَدْ يَسْمَعُ قَوْلَ حَيَّ هَلْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَفِي الْفَلَاحِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِدْرَاكُ الطِّلْبَةِ وَالظَّفَرُ بِالْحَاجَةِ قَالَ لَبِيدٌ:
فَاعْقِلِي إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلِي … وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْبَقَاءُ - يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ قَالَ الْأَعْشَى:
وَلَئِنْ كُنَّا كَقَوْمٍ هَلَكُوا … مَا لِحَيٍّ يَا لَقَوْمِي مِنْ فلاح» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٨١ - ٨٢):
«قَوْلُهُ: "حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ" مَعْنَاهُ تَعَالَوْا إِلَى الصَّلَاةِ وَأَقْبِلُوا إِلَيْهَا قَالُوا وَفُتِحَتِ الْيَاءُ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ الْيَاءِ السَّابِقَةِ الْمُدْغَمَةِ وَمَعْنَى: "حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ" هَلُمَّ إِلَى الْفَوْزِ وَالنَّجَاةِ وَقِيلَ إِلَى الْبَقَاءِ أَيْ أقْبِلُوا عَلَى سَبَبِ الْبَقَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَالْفَلَحُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَاللَّامِ لُغَةٌ فِي الْفَلَاحِ حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُقَالُ لِحَيَّ عَلَى كَذَا الْحَيْعَلَةُ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْأَزْهَرِيُّ قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى الْحَاءُ وَالْعَيْنُ لَا يَأْتَلِفَانِ فِي كَلِمَةٍ أَصْلِيَّةِ الْحُرُوفِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِمَا إِلَّا أَنْ يُؤَلَّفَ فِعْلٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ مِثْلَ حَيَّ عَلَى فَيُقَالُ مِنْهُ حَيْعَلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
стр. 1194
١ - التفات المؤذن في الحيعلتين من أجل انتشار الأذان في أكثر الجهات، وهذا الالتفات يكون بالوجه، ولا يكون بلي العنق ولا بالاستدارة في مذهب الجمهور.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٢٥٠):
«والذين رأوا الالتفات قال أكثرهم: يلتفت بوجهه، ولا يلوي عنقه، ولا يزيل قدميه، وهو قول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وأبي ثور، وحكاه ابن المنذر عن أبي حنيفة وأصحابه.
وحكي- أيضاً- عن الحسن والنخعي والليث بن سعد» اهـ.
قلت: روى عبد الرزاق (١٨٠٦) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رَأَيْتُ بِلَالًا يُؤَذِّنُ وَيَدُورُ، فَأَتَتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، وَإِصْبَعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءُ». قَالَ: «فَخَرَجَ بِلَالٌ بَيْنَ يَدَيْهِ بَالْعَنْزَةِ فَرَكَّزَهَا بِالْأَبْطَحِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَرِيقِ سَاقَيْهِ». قَالَ سُفْيَانُ: «نَرَى الْقُبَّةَ مِنْ أَدَمٍ، وَالْحُلَّةَ حِبَرَةً».
قلت: ومن طريقه رواه أحمد (١٨٧٨١)، والترمذي (١٩٧).
قلت: فزاد في الحديث ذكر الاستدارة، ووضع الأصبعين في الأذنين.
وقد تابع عبد الرزاق في ذلك مؤمل عند البزار كما في [البحر الزخار] (٤٢١٧)، وأبي عوانة (٧٤٣) من طريق مُؤَمَّلٍ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَوْنٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ فَخَرَجَ إِلَيْنَا بِلَالٌ بِفَضْلٍ
стр. 1195
وُضُوئِهِ، فَمِنْ بَيْنِ نَائِلٍ وَمُصِيبٍ، فَأَذَّنَ بِلَالٌ فَجَعَلَ يَتْبَعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، وَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِنَا إِلَى عَنَزَةٍ».
قلت: لكن ليس في حديثه الإدارة.
وخالفهما وكيع ولم يذكر في حديثه الاستدارة ولا وضع الأصبعين في الأذنين أخرج حديثه مسلم (١١١٩) وغيره.
وتابع وكيعاً في ذلك إسحاق الأزرق وحديثه عند النسائي في [المجتبى] (٥٣٩٣)، و [الكبرى] (٩٨٢٧).
ومحمد بن يوسف وحديثه في البخاري (٦٣٤).
وعبد الرحمن بن مهدي وحديثه في [مستخرج أبي عوانة] (٧٤٢)، وهو عند النسائي (٧٧١) من غير ذكر الالتفات.
ويحيى بن آدم وحديثه عند الطبراني في [الكبير] (٢٦١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَضْرَمِيُّ، ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ، ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رَأَيْتُ بِلَالًا أَذَّنَ فَأَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا وَالْتَفَتَ سُفْيَانُ يَمِينًا وَشِمَالًا» قَالَ يَحْيَى: قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ حَجَّاجُ يَذْكُرُهُ عَنْ عَوْنٍ أَنَّهُ قَالَ: وَاسْتَدَارَ فِي أَذَانِهِ فَلَمَّا لَقِينَا عَوْنًا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ اسْتَدَارَ.
والحسين بن حفص وحديثه عند البيهقي في [الكبرى] (١٩٢٤)
ووردت الاستدارة عند ابن ماجه في حديث أبي جحيفة.
قال ابن ماجه ﵀ (٧١١) حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
стр. 1196
قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْأَبْطَحِ، وَهُوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ، فَخَرَجَ بِلَالٌ فَأَذَّنَ، فَاسْتَدَارَ فِي أَذَانِهِ، وَجَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ».
قلت: الحجاج ضعيف الحديث.
وقد تابع حجاجاً في ذلك عبد الله عن إدريس الأودي عند الطبراني في [المعجم الكبير] (٢٤٧) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْعَبَّاسِ الدُّورِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ الرَّازِيُّ، ثنا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ إِدْرِيسَ الْأَوْدِيِّ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَامَ بِلَالٌ فَأَذَّنَ فَجَعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَجَعَلَ يَسْتَدِيرُ، وَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَفَضَلَ مِنَ الْمَاءِ فَضْلَةٌ، فَجَعَلْنَا نَبْتَدِرُ فَضْلَهُ، ثُمَّ أخْرَجَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى إِلَيْهَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ»، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَأْتُونِي وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ لَنَا شَيْئًا يُعْطِيَنَا فَسَلَّمَهُ لَنَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ».
قلت: زياد بن عبد الله هو ابن الطفيل العامري البكائي لا بأس به في المغازي وفي ما سوى ذلك في حديثه ضعف.
قلت: ورواه أبو داود (٥٢٠)، ومن طريقه البيهقي في [الكبرى] (١٩٢٦)، قَيْسٌ بْنَ الرَّبِيعِ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ بِلَالًا خَرَجَ إِلَى الْأَبْطَحِ فَأَذَّنَ فَلَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، لَوَى عُنُقَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَمْ يَسْتَدِرْ».
قلت: وبها يتبين أنَّ سفيان في صحيح حديثه وقيس بن الربيع لم يذكرا في حديثيهما الاستدارة ولا وضع الأصبعين في الأذنين وحديثهما أصح من حديث
стр. 1197
حجاج ابن أرطأة وإدريس الأودي، فالذي يظهر لي أنَّه لا يصح في حديث أبي جحيفة ذكر الاستدارة ولا وضع الأصبعين في الأذنين.
قلت: وقد جاء وضع الأصبعين في الأذنين عند ابن ماجه (٧١٠) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ، مُؤَذِّنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَجْعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَقَالَ: «إِنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِكَ».
قلت: عبد الرحمن بن سعد ضعيف الحديث قال فيه الإمام البخاري فيه نظر، وهذا جرح شديد، وأبوه مجهول، وجده عمار سيأتي ما يدل على تضعيفه في كلام ابن معين.
وروى الطبراني في [معجمه الكبير] (١٠٧٢)، والبيهقي في [السنن الكبرى] (١٧٢٣) من طريق يَعْقُوبَ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعُمَرَ، وَعَمَّارٍ، ابْنَيْ حَفْصٍ، عَنْ آبَائِهِمْ، عَنْ أَجْدَادِهِمْ، عَنْ بِلَالٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَهُ: «إِذَا أَذَّنْتَ فَاجْعَلْ أُصْبَعَيْكَ فِي أُذُنَيْكَ فَإِنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِكَ».
قلت: هذا إسناد ضعيف، يعقوب بن حميد بن كاسب ضعيف الحديث، ومثله عبد الرحمن بن سعد، وحفص هو ابن عمر بن سعد القرظ، وهو مجهول جهالة عين، وأبوه عمر لا يعرف حاله.
وقال ابن أبي حاتم ﵀ في [الجرح والتعديل] (٥/ ١٥٧):
«أنا يعقوب بن إسحاق الهروي فيما كتب إلى نا عثمان بن سعيد قال قلت ليحيى بن معين: عبد الله بن محمد بن عمار بن سعد عن أبيه عن أجداده قال: ليس بشيء» اهـ.
стр. 1198
قلت: وقد خالف يعقوب بن حميد بن كاسب هشاماً بن عمار في الإسناد وحديث هشام أصح.
وروى الحارث في مسنده كما في [بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث] (١١٨) حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، ثنا أَبُو حَيْوَةَ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ أَذَّنَ فِي السَّمَاءِ جِبْرِيلُ»، فَسَمِعَهُ عُمَرُ وَبِلَالٌ فَأَقْبَلَ عُمَرُ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِمَا سَمِعَ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِلَالٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِمَا سَمِعَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَبَقَكَ عُمَرُ يَا بِلَالُ، أَذِّنْ كَمَا سَمِعْتَ»، قَالَ: ثُمَّ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَضَعَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ اسْتِعَانَةً بِهِمَا عَلَى الصَّوْتِ ".
قلت: هذا مرسل صحيح الإسناد.
وروى الطبراني في [مسند الشاميين] (١٣٣٤، ١٣٤٨) من طريق سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نَسِيٍّ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ بِلَالٍ، «أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَذَّنَ جَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَكَانَ يَجْعَلُ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ سَوَاءً مَثْنَى مَثْنَى».
قلت: هذا إسناد شديد الضعف من أجل عبد العزيز بن عبيد الله فإنَّه شيد الضعف.
وروى ابن وهب في [موطئه] (٤٦٥)، ومن طريقه البيهقي في [الكبرى] (١٧٢٤) وفيه قُرِئَ عَلَى ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَكَ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ حَارِثَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
стр. 1199
بِلَالًا أَنْ يُؤَذِّنَ فَجَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ فَمَضَتِ السُّنَّةُ مِنْ يَوْمَئِذٍ».
قلت: هذا من مراسيل ابن المسيب وعيسى بن حارثه، صوابه ابن جارية بالجيم المعجمة وهو ضعيف الحديث، سعيد بن محمد الأنصاري لم أقف له على ترجمة، وابن لهيعة مختلط لكن روى عنه ابن وهب وقد قبل حديثه عنه جمع من العلماء، وردها آخرون مطلقاً.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [تغليق التعليق] (١/ ٢٠٦):
«أمَّا حديث بلال فقال سعيد بن منصور في "السنن" حدثنا إسماعيل ابن عياش عن عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن بلال مؤذن رسول الله - صلى الله عليه و سلم - "أنه كان لا يؤذن بصلاة الفجر حتى يرى الفجر وأنَّه كان يدخل إصبعيه في أذنيه" وبه عن عبد العزيز عن محمد بن المنكدر عن أبي سلمة عن بلال مثل ذلك. وهذا الحديث الموقوف ضعيف من وجهين: الأول: الانقطاع فإنَّ أبا بكر وأبا سلمة لم يلقيا بلالاً، والثاني: كونه من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين وهي ضعيفة ومعنعنة أيضاً» اهـ.
قلت: عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب شديد الضعف لا يستشهد بحديثه.
وروى أبو داود في [المراسيل] (٢٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الْمُعْتَمِرِ - شَيْخٍ كَانَ يَكُونُ بِالْحِيرَةِ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنِ ابْنِ
стр. 1200
سِيرِينَ «أَنَّ بِلَالًا جَعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ فِي بَعْضِ أَذَانِهِ أَوْ فِي إِقَامَتِهِ بِصَوْتٍ لَيْسَ بِالرَّفِيعِ وَلَا بِالْوَضِيعِ».
قلت: هذا إسناد معضل.
ويستأنس في هذه المسألة بما رواه البزار (١٣٨٢)، وابن حبان (٦٣٥١)، والطبراني في [الكبير] (١١١٩)، و [الأوسط] (٤٦٦)، وفي [مسند الشاميين] (٢٨٦٩)، والبيهقي في [الكبرى] (١١٢١٧)، وفي [دلائل النبوة]، والحافظ ابن عساكر في [تاريخ دمشق] (٤/ ٣١٥ - ٣١٦) من طريق الطبراني.
كلهم من طريق مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الْهَوْزَنِيُّ، قَالَ: لَقِيتُ بِلَالًا - وذكر حديثاً طويلاً وفيه-:
«حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَرَجْتُ إِلَى الْبَقِيعِ فَجَعَلْتُ أُصْبُعِي فِي أُذُنِي، وَقُلْتُ: مَنْ كَانَ يَطْلُبُ دَيْنًا فَلْيَحْضُرْ».
قلت: هذا حديث صحيح. وهو عند أبي داود (٣٠٥٧)، وليس في حديثه ذكر وضع الأصبعين في الأذنين.
وهذا وإن لم يكن في شأن الأذان لكنه يدل أنَّ وضع الأصبعين في الأذنين مما يعين على قوة الصوت، وهذا أمر مطلوب في الأذان كما لا يخفى. وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وقد جاء عن بعض الصحابة ترك وضع الأصبعين في الأذنين.
стр. 1201
فروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢١٨٥) نا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ بُسْرٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ، يُؤَذِّنُ عَلَى بَعِيرٍ». قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ لَهُ: رَأَيْتُهُ يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ؟ قَالَ: «لَا».
قلت: هكذا وقع عند ابن شيبة "بسر" بالموحدة التحتية، وهو تصحيف، ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (١٨١٦) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ نُسَيْرِ بْنِ ذُعْلُوقٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ «يُؤَذِّنُ وَهُوَ رَاكِبٌ» قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَوَاضِعٌ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ؟ قَالَ: «لَا».
قلت: إسناده صحيح.
ومع وجود مكبرات الصوت في هذه الأزمان فلا معنى لوضع المؤذن أصبعيه في أذنيه، وذلك أنَّ المؤذن لا يبالغ في رفع صوته عبر مكبرات الصوت، ووضع الأصبعين في الأذنين من أجل المبالغة في ذلك. والله أعلم.
لكن قد يقال: لا يزال لهذا الوضع فائدة وهي معرفة من به صمم أذان المؤذن فيعرف بذلك دخول الوقت.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ١٠٨):
«السُّنَّةُ أَنْ يَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَنَقَلَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَفِيهِ فَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهُ رُبَّمَا لَمْ يَسْمَعْ إنْسَانٌ صَوْتَهُ لِصَمَمٍ أَوْ بُعْدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَيُسْتَدَلُّ بِأُصْبُعَيْهِ عَلَى أَذَانِهِ فَإِنْ كَانَ فِي إحْدَى يَدَيْهِ عِلَّةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ جَعَلَ الْأُصْبُعَ الْأُخْرَى فِي صِمَاخِهِ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَضْعُ الْأُصْبُعِ فِي الْأُذُنِ فِي الْإِقَامَةِ صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَغَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
стр. 1202
قلت: يمكن أن يجاب عن ذلك بأنَّ المقصود الأول لذلك هو رفع الصوت كما جاءت بذلك الأحاديث الماضية، وأمَّا العلة الأخرى فلا أساس لها من حيث الأحاديث، ولأنَّ الأصم يعرف أذان المؤذن بوقوفه مستقبلاً لمكبر الصوت.
قال الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١٢٦):
«وَقَوْلُهُ "يَقُولُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ" يُبَيِّنُ وَقْتَ الِاسْتِدَارَةِ. وَأَنَّهُ وَقْتُ الْحَيْعَلَتَيْنِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ هَلْ تَكُونُ قَدَمَاهُ قَارَّتَيْنِ مُسْتَقْبِلَتَيْ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَّا بِوَجْهِهِ دُونَ بَدَنِهِ، أَوْ يَسْتَدِيرُ كُلُّهُ؟
الثَّانِي: هَلْ يَسْتَدِيرُ مَرَّتَيْنِ. إحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ: "حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ" وَالْأُخْرَى عِنْدَ قَوْلِهِ "حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ" أَوْ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَيَقُولُ: "حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ" مَرَّةً، ثُمَّ يَلْتَفِتُ شِمَالًا فَيَقُولُ "حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ" أُخْرَى. ثُمَّ يَتَلَفَّتُ يَمِينًا وَيَقُولُ: "حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ" مَرَّةً، ثُمَّ يَلْتَفِتُ شِمَالًا فَيَقُولُ: "حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ" أُخْرَى؟ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مَنْقُولَانِ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَدْ رُجِّحَ هَذَا الثَّانِي بِأَنَّهُ يَكُونُ لِكُلِّ جِهَةٍ نَصِيبٌ مِنْ كَلِمَةٍ وَقِيلَ: إنَّهُ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ. وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي إلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ: هُوَ الْأَوَّلُ» اهـ.
قلت: ما ذكره العلامة ابن دقيق العيد هو الصحيح وذلك أنَّ أبا جحيفة قال في حديثه: «فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا، يَقُولُ يَمِيناً وَشِمَالاً: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ; حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ». فقوله: «هَهُنَا وَهَهُنَا» تقتضي التفاتتين، وتحتمل أكثر من ذلك
стр. 1203
احتمالاً مرجوحاً والأصل عدم الزيادة، وهكذا قوله: «يَمِيناً وَشِمَالاً» تقتضي التفاتة إلى اليمين، والتفاتة إلى الشمال، والأصل عدم الزيادة على ذلك. والله أعلم، وهذا هو المصحح عند الشافعية والحنابلة والحنفية.
وهل إذا التفت إلى اليمين عند قوله: حي على الصلاة يعيد وجهه إلى القبلة ثم يلتفت مرة أخرى إلى اليمين، وهكذا يفعل عند قوله حي على الفلاح.
أو يلتفت إلى اليمين التفاتة واحدة يكرر فيها حي على الصلاة مرتين ثم يلتفت التفاتة واحدة إلى الشمال يكرر فيها حي على الفلاح مرتين فيه احتمال، والأول أقرب.
قال العلامة المرداوي الحنبلي ﵀ في [الإنصاف] (١/ ٤١٦):
«يَقُولُ "حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ" فِي الْمَرَّتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ. وَيَقُولُ "حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ" كَذَلِكَ عَنْ يَسَارِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقِيلَ يَقُولُ "حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ" يَمِينًا، ثُمَّ يُعِيدُهُ يَسَارًا، ثُمَّ يَقُولُ: "حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ" يَمِينًا، ثُمَّ يُعِيدُهُ يَسَارًا، وَقِيلَ: يَقُولُ "حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ" مَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَنْ يَسَارِهِ "حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ" مَرَّةً. ثُمَّ كَذَلِكَ ثَانِيَةً قَالَ فِي "الْفُرُوعِ": وَهُوَ سَهْوٌ، وَهُوَ كَمَا قَالَ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ خِلَافُ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ» اهـ.
وقال العلامة ابن أبي الخير الشافعي ﵀ في [البيان] (٢/ ٧٤ - ٧٥):
«وفي كيفية الالتواء وجهان:
أحدهما - وهو قول البغداديين من أصحابنا -: أنه يلوي عنقه ورأسه إلى الجانب الأيمن، فيقول: حي على الصلاة، حي على الصلاة. ويلوي عنقه ورأسه إلى الجانب الأيسر، فيقول: حي على الفلاح، حي على الفلاح.
стр. 1204
وفي كيفية التوائه على هذا أيضًا وجهان:
أحدهما: أنَّه يلوي عنقه ورأسه إلى الجانب الأيمن، ويقول: حي على الصلاة، حي على الصلاة، ثم يرد وجهه إلى القبلة، ثم يلوي عنقه إلى الجانب الأيسر، ويقول: حي على الفلاح، حي على الفلاح.
والثاني: أنَّه يلوي عنقه إلى الجانب الأيمن، فيقول: حي على الصلاة، ثم يرد
وجهه إلى القبلة، ثم يلوي إلى الجانب الأيمن، فيقول: حي على الصلاة، ثم يرد وجهه إلى القبلة، ثم يلوي إلى الجانب الأيسر، ويقول: حي على الفلاح، ثم يرد وجهه إلى القبلة، ثم يلوي إلى الجانب الأيسر، ويقول: حي على الفلاح، ثم يرد وجهه إلى القبلة، ويتم أذانه.
والوجه الثاني - في أصل المسألة، وهو قول القفال -: أنَّه يكون عنقه إلى القبلة، ثم يلوي إلى الجانب الأيمن، فيقول: حي على الصلاة، ثم يرد وجهه إلى القبلة، ثم يلوي عنقه ورأسه إلى الجانب الأيسر، فيقول: حي على الصلاة، ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم يلوي عنقه إلى الجانب الأيمن، فيقول: حي على الفلاح، ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم يلوي إلى الجانب الأيسر، فيقول: حي على الفلاح.
وإنَّما خصت الحيعلة بالالتواء دون سائر ألفاظ الأذان؛ لأنَّ سائر ألفاظ الأذان ذكر لله ولرسوله، فكان الاستقبال بها أولى. والحيعلة: تراد للإعلام بدخول الوقت، فكان الالتواء بهما أشبه.
وهل يلتوي في حال الإقامة بالحيعلة؟ فيه وجهان، خرجهما القفال:
أحدهما: يلتوي، كالأذان.
стр. 1205
والثاني: لا يلتوي؛ لأنَّ الإقامة للحاضرين، فلا يحتاج إلى الالتواء. بخلاف الأذان، فإنَّه للغائبين، فاستحب الالتواء فيه؛ ليحصل الإعلام لجميع أهل الجهات» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ١٠٦ - ١٠٧):
«وَفِي كَيْفِيَّةِ الِالْتِفَاتِ الْمُسْتَحَبِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّهُ يَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْ يَسَارِهِ فَيَقُولُ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْقِبْلَةِ ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْ يَسَارِهِ فَيَقُولُ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْقِبْلَةِ ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْ يَسَارِهِ فَيَقُولُ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ وَالثَّالِثُ وَهُوَ قَوْلُ الْقَفَّالِ يَقُولُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ وَمَرَّةً عَنْ يَسَارِهِ ثُمَّ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ وَمَرَّةً عَنْ يَسَارِهِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ: فَإِنْ قِيلَ اسْتَحْبَبْتُمْ الْتِفَاتَ الْمُؤَذِّنِ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ وَكَرِهْتُمْ التفات الخطيب في شيء من الخطبة فما الفرق قلنا الخطب وَاعِظٌ لِلْحَاضِرِينَ فَالْأَدَبُ أَنْ لَا يَعْرِضَ عَنْهُمْ بِخِلَافِ الْمُؤَذِّنِ فَإِنَّهُ دَاعٍ لِلْغَائِبِينَ فَإِذَا الْتَفَتَ كَانَ أَبْلَغَ فِي دُعَائِهِمْ وَإِعْلَامِهِمْ وَلَيْسَ فِيهِ تَرْكُ أَدَبٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْمُرَادُ بِالِالْتِفَاتِ أَنْ يَلْوِيَ رَأْسَهُ وَعُنُقَهُ وَلَا يُحَوِّلَ صَدْرَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ وَلَا يُزِيلَ قَدَمَهُ عَنْ مَكَانِهَا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَسْتَدِيرُ وَدَلِيلُهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَسْتَدِيرُ فِي الْمَنَارَةِ وَغَيْرِهَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَقَالَ صَاحِبُ
стр. 1206
الْحَاوِي إنْ كَانَ بَلَدًا صَغِيرًا وَعَدَدًا قَلِيلًا لَمْ يَسْتَدِرْ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فَفِي جَوَازِ الِاسْتِدَارَةِ وَجْهَانِ وَهُمَا فِي مَوْضِعِ الْحَيْعَلَتَيْنِ وَلَا يَسْتَدِيرُ فِي غَيْرِهِ وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ وَالسُّنَّةُ فِي إقَامَةِ الصَّلَاةِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَقَائِمًا كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْأَذَانِ فَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ وَالْقِيَامَ فِيهَا فَهُوَ كَتَرْكِهِ فِي الْأَذَانِ وَهَلْ يُسْتَحَبُّ الِالْتِفَاتُ فِي الْإِقَامَةِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا يُسْتَحَبُّ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ قَالَ وَحَكَى بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ يَعْنِي الْفُورَانِيَّ صَاحِبَ الْإِبَانَةِ عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّهُ قَالَ مَرَّةً لَا يُسْتَحَبُّ قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يُسْتَحَبُّ وَرَجَّحَهُ
الْبَغَوِيّ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لِلْحَاضِرِينَ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِالْتِفَاتِ وَالثَّالِثُ لَا يَلْتَفِتُ إلَّا أَنْ يَكْبُرَ الْمَسْجِدُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا شَرَعَ فِي الْإِقَامَةِ فِي مَوْضِعٍ تَمَّمَهَا فِيهِ وَلَا يَمْشِي فِي أَثْنَائِهَا
(فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الِالْتِفَاتَاتِ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ وَالِاسْتِدَارَةِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الِالْتِفَاتُ فِي الْحَيْعَلَةِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَا يَدُورُ وَلَا يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ عَلَى مَنَارَةٍ وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ يُكْرَهُ الِالْتِفَاتُ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَدُورُ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَّا أن يريد إسْمَاعَ النَّاسِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ يَلْتَفِتُ وَلَا يَدُورُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مَنَارَةٍ فَيَدُورُ» اهـ.
وقال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٢/ ١٣ - ١٤):
«وَيَجْعَلُ سَبَّابَتَهُ فِي أُذُنَيْهِ "و" وَعَنْهُ يَجْعَلُ يَدَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ مَضْمُومَةً سِوَى الْإِبْهَامِ، وَعَنْهُ مَعَ قَبْضِهِمَا عَلَى كَفَّيْهِ، وَيَرْفَعُ وَجْهَهُ إلَى السَّمَاءِ، نَقَلَهُ حَنْبَلٌ. وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ
стр. 1207
عِنْدَ كلمة الإخلاص، وقيل والشهادتين، ويجزمهما فَلَا يُعْرِبُهُمَا، وَيَلْتَفِت يَمْنَةً وَيَسْرَةً "و" فِي الْحَيْعَلَةِ "هـ" وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مذهبه، كقولنا.
وَقِيلَ: يَقُولُ يَمِينًا: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ يَسَارًا، ثُمَّ كَذَلِكَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، وَقِيلَ: يَقُولُ يَمِينًا: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَسَارًا حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، ثُمَّ كَذَلِكَ ثَانِيَةً، وَهُوَ سَهْوٌ. وَفِي الْتِفَاتِهِ فِيهَا فِي الْإِقَامَة وَجْهَانِ "م ٤"، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَجَزَمَ الْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهُ بِعَدَمِهِ فِيهَا» اهـ.
قلت: الصحيح أنَّه لا يلتفت في الإقامة لعدم ورود السنة بذلك.
وهكذا لا يلتفت عند قوله: الصلاة خير من النوم لعدم ورود السنة بذلك.
قال العلامة زكريا الأنصاري ﵀ في [أسنى المطالب] (١/ ١٢٧):
«وَلَا يَلْتَفِتُ فِي قَوْلِهِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ عُجَيْلٍ الْيَمَنِيُّ» اهـ.
قلت: ومع وجود مكبرات الصوت في المساجد فلا يظهر وجود معنى لهذا الالتفات، وذلك أنَّ المكبرات تنشر الصوت في جميع الجهات، والتفات المؤذن يبعده عن مكبر الصوت فيسبب ذلك انخفاض صوت المؤذن وهذا خلاف مقصود الأذان.
قال العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٢/ ٦٠):
«تنبيه: الحكمة من الالتفات يميناً وشمالاً إبلاغ المدعوين من على اليمين وعلى الشمال، وبناءً على ذلك: لا يلتفت من أذَّن بمكبر الصَّوت؛ لأنَّ الإسماع يكون من "السَّمَّاعات" التي في المنارة؛ ولو التفت لَضَعُف الصَّوت؛ لأنه ينحرف عن "الآخذة"» اهـ.
стр. 1208
وجاء في [فتاوى اللجنة الدائمة - ١] (٦/ ٦٠):
«يشرع للمؤذن الذي يؤذن في غير مكرفون أن يلتفت يمينا وشمالا عند الحيعلة مع ثبوت قدميه، لأن ذلك ثبت من فعل مؤذن رسول الله ﷺ بحضرته ﷺ ، ولأنه أبلغ في إسماع النداء للصلاة لمن بعد عن المسجد.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس
عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
٢ - وفيه جواز لبس الثوب الأحمر والصلاة فيه. وسيأتي بمشيئة الله تعالى الكلام على حكم لبس الأحمر في كتاب اللباس.
٣ - وفيه مشروعية التبرك بآثار النبي ﷺ ، وهذا من خصائصه ﵊ ولا يشرع هذا لغيره ولهذا لم يثبت عن أحد من الصحابة أنَّه فعل ذلك مع غير النبي ﷺ ، ولو كان ذلك مشروعاً في حق غير النبي ﷺ لفعلوه ﵃ أجمعين.
وقد ذهب جماعة من العلماء إلى مشروعية التبرك بآثار الصالحين مطلقاً كالعلامة النووي، وابن حجر، والشوكاني، والسيوطي، والقاري، وصاحب عون المعبود وغيرهم.
стр. 1209
٤ - وفيه أنَّ الأذان يفعل في السفر.
٥ - وفيه اتخاذ السترة في الصلاة.
٦ - وفيه استحباب القصر في السفر.
٧ - وفيه طهارة الماء المستعمل.
٨ - وقوله: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ». يدل على تشمير الثوب في الصلاة.
٩ - ويدل على أنَّ الكفت المنهي عنه ما كان في الصلاة أو ما فعل قبل الصلاة من أجل الصلاة، وأمَّا ما سوى ذلك فلا يدخل في النهي.
* * *
стр. 1210
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٦٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ بِلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ».
قوله: «إنَّ بِلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ». لم يكن هذا على سبيل الدوام فقد ثبت عن بلال أنَّه كان يؤذن عند طلوع الفجر.
فمن ذلك:
ما رواه البخاري (٤٥٦٩)، ومسلم (٧٦٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ فَلَمَّا كَانَ ثلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ثمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ».
وما رواه مسلم (٦٨١) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ وَتَأْتُونَ الْمَاءَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا". فَانْطَلَقَ النَّاسُ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ قَالَ فَنَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ
стр. 1211
أُوقِظَهُ حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ قَالَ ثُمَّ سَارَ حَتَّى تَهَوَّرَ اللَّيْلُ مَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ قَالَ فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ قَالَ ثُمَّ سَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ مَالَ مَيْلَةً هِيَ أَشَدُّ مِنْ الْمَيْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ حَتَّى كَادَ يَنْجَفِلُ فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "مَنْ هَذَا" قُلْتُ: أَبُو قَتَادَةَ. قَالَ: "مَتَى كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ مِنِّي" قُلْتُ: مَا زَالَ هَذَا مَسِيرِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ. قَالَ: "حَفِظَكَ اللَّهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ" ثُمَّ قَالَ: "هَلْ تَرَانَا نَخْفَى عَلَى النَّاسِ" ثُمَّ قَالَ: "هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ" قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ. ثُمَّ قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ آخَرُ حَتَّى اجْتَمَعْنَا فَكُنَّا سَبْعَةَ رَكْبٍ قَالَ فَمَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الطَّرِيقِ فَوَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: "احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا" فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ قَالَ فَقُمْنَا فَزِعِينَ ثُمَّ قَالَ: "ارْكَبُوا" فَرَكِبْنَا فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ نَزَلَ ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مَنْ مَاءٍ قَالَ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ قَالَ وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ قَالَ لِأَبِي قَتَادَةَ: "احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ" ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَكِبْنَا مَعَهُ قَالَ فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا فِي صَلَاتِنَا ثُمَّ قَالَ: "أَمَا لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ" ثُمَّ قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا" ثُمَّ قَالَ: "مَا تَرَوْنَ النَّاسَ صَنَعُوا" قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَصْبَحَ النَّاسُ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَكُمْ لَمْ يَكُنْ لِيُخَلِّفَكُمْ وَقَالَ النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَإِنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا قَالَ: فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ وَحَمِيَ كُلُّ
стр. 1212
شَيْءٍ وَهُمْ يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْنَا عَطِشْنَا فَقَالَ: "لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ" ثُمَّ قَالَ أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي قَالَ وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُبُّ وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَحْسِنُوا الْمَلَأَ كُلُّكُمْ سَيَرْوَى" قَالَ فَفَعَلُوا فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ ثُمَّ صَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي: "اشْرَبْ" فَقُلْتُ: لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا" قَالَ فَشَرِبْتُ وَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً».
ومن ذلك ما رواه أبو داود (٥١٩) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِى النَّجَّارِ قَالَتْ: «كَانَ بَيْتِي مِنْ أَطْوَلِ بَيْتٍ حَوْلَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ الْفَجْرَ فَيَأْتِي بِسَحَرٍ فَيَجْلِسُ عَلَى الْبَيْتِ يَنْظُرُ إِلَى الْفَجْرِ، فَإِذَا رَآهُ تَمَطَّى، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْمَدُكَ وَأَسْتَعِينُكَ عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ يُقِيمُوا دِينَكَ قَالَتْ: ثُمَّ يُؤَذِّنُ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُهُ كَانَ تَرَكَهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً تَعْنِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ».
قلت: إسناده حسن، وابن إسحاق قد صرح بالتحديث كما في [السيرة لابن هشام] (٣/ ٤٢).
ومن ذلك ما رواه أحمد (١٢٢٤٤)، والنسائي (٦٣٨) من طريق يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ: عَنْ
стр. 1213
وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَأَمَرَ بِلَالاً فَأَذَّنَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَخَّرَ حَتَّى أَسْفَرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ فَصَلَّى، ثُمَّ دَعَا الرَّجُلَ، فَقَالَ: «مَا بَيْنَ هَذَا وَهَذَا وَقْتٌ».
قلت: هذا حديث صحيح.
وما رواه مسلم (٦١٣) عن بُرَيْدَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: "لَهُ صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ" يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ فَلَمَّا زَالَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ فَأَبْرَدَ بِالظُّهْرِ فَأَبْرَدَ بِهَا فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا ثُمَّ قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ" فَقَالَ الرَّجُلُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ"».
وفي لفظ لمسلم: «فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ بِغَلَسٍ فَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - التأذين للفجر قبل دخول الوقت، وذهب إليه جمهور العلماء وخالف في ذلك أبو حنيفة فلم ير الأذان قبل طلوع الفجر، وحمل حديث بلال على النداء بغير ألفاظ الأذان.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٢٣٧ - ٢٣٨): «فإن هذه الأحاديث كلها صحيحة، وقد دلت على أنَّ بلالاً كان يؤذن بليل.
стр. 1214
ودلَّ ذلك على جواز الأذان قبل طلوع الفجر، وهو قول مالك، والأوزاعي، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، وأبي ثور، وداود، وأبي خيثمة، وسليمان بن داود الهاشمي، وأبي بكر بن أبي شيبة وغيرهم من فقهاء أهل الحديث.
وعليه عمل أهل الحرمين، ينقلونه خلفاً عن سلف، حتى قال مالك في "الموطأ": لم يزل الصبح ينادى لها قبل الفجر.
وذكر الشافعي، أنَّه فعل أهل الحرمين، وأنَّه من الأمور الظاهرة عندهم، ولم ينكره منكر.
وقال الإمام أحمد: أهل الحجاز يقولون: هو السنة- يعني: الأذان بليل. وكذا قال إسحاق: هو سنة.
وكذا قال أحمد في رواية حنبل.
قال القاضي في "جامعه الكبير" والآمدي: وظاهر هذا أنَّه أفضل من الأذان بعد الفجر، وهو قول الجوزجاني وغيره من فقهاء أهل الحديث؛ لأنَّه أبلغ في إيقاظ النوام للتأهب لهذه الصلاة، فيكون التقديم سنة، كما كان التثويب في هذا الأذان سنة- أيضاً-؛ لهذا المعنى.
وقالت طائفة: هو رخصة، وهو قول ابن أبي شيبة، وأومأ إليه أحمد في روايات أخر.
فالأفضل عند هؤلاء: الأذان بعد طلوع الفجر، ويجوز تقديمه.
стр. 1215
واختلف القائلون: بأنَّ الفجر يؤذن لها بليلٍ في الوقت الذي يجوز الأذان فيه من الليل:
فالمشهور عند أصحاب الشافعي: أنَّه يجوز الأذان لها في نصف الليل الثاني؛ لأنه يخرج به وقت صلاة العشاء المختار.
ومنهم من قال: ينبني على الاختلاف في آخر وقت العشاء المختار، فإن قلنا: ثلث الليل أذن للفجر بعد الثلث.
ومنهم من قال: يؤذن للفجر في الشتاء لسبع ونصف بقي من الليل، وفي الصيف لنصف سبع.
وروى الشافعي في القديم بإسناد ضعيف، عن سعد القرظ، قال: أذنا في زمن النبي ﷺ بقباء، وفي زمن عمر بالمدينة، فكان أذاننا في الصبح في الشتاء لسبع ونصف بقي من الليل، وفي الصيف لسبع يبقى منه.
ومن الشافعية من قال: يؤذن لها قبيل طلوع الفجر في السحر. وصححه جماعة، وهو ظاهر المنقول عن بلال وابن أم مكتوم.
وأمَّا أصحابنا، فقالوا: يؤذن بعد نصف الليل، ولم يذكروا ذلك عن أحمد.
ولو قيل: إنَّه لا يؤذن حتى يطلع الفجر الأول استدلالاً بحديث أبي ذر المتقدم لتوجه.
وقد مرَّ بي أنَّ أحمد أومأ إلى ذلك، أو نص عليه، ولم أتحققه إلى الآن.
وروى الشافعي بإسناده، عن عروة بن الزبير، قال: إنَّ بعد النداء بالصبح لحزباً حسناً، إنَّ الرجل ليقرأ سورة البقرة.
وهذا- أيضاً- يدل على قرب الأذان من طلوع الفجر.
стр. 1216
وأمَّا أصحاب مالك، فحكى ابن عبد البر عن ابن وهب، أنَّه قال: لا يؤذن لها إلَّا في السحر. فقيل له: وما السحر؟ قال: السدس الآخر. قال: وقال ابن حبيب: يؤذن لها من بعد خروج وقت العشاء، وذلك نصف الليل.
ومع جواز الأذان لصلاة الصبح قبل طلوع الفجر، فيستحب إعادة الأذان لها بعد الفجر مرة ثانية.
قال أحمد- في رواية حنبل-: الأذان الذي عليه أهل المدينة الأذان قبل طلوع الفجر، هو الأذان الأول، والأذان الثاني بعد طلوع الفجر.
وكره أحمد الأذان للفجر قبل طلوع الفجر في رمضان خاصة؛ لما فيه منع الناس من السحور في وقت يباح فيه الأكل.
وقد يستدل له بحديث شداد مولى عياض، عن بلال المتقدم ذكره، في نهي النبي ﷺ بلالاً أن يؤذن حتى يطلع الفجر؛ فإنَّ في تمام الحديث: أنَّه أتى النبي ﷺ وهو يتسحر.
ومن أصحابنا من حكى رواية أخرى: أنَّه لا يكره.
قال طائفة من أصحابنا: وكراهته إنَّما هو إذا اقتصر على هذا الأذان؛ فإن أذن معه أذان ثان بعد طلوع الفجر لم يكره.
وعليه يدل حديث ابن عمر وعائشة في هذا الباب.
وقالت طائفة من أهل الحديث: لا يؤذن لصلاة الصبح قبل الفجر، إلَّا أن يعاد الأذان بعد الفجر في جميع الأوقات، وهو اختيار ابن خزيمة وغيره، وإليه ميل ابن المنذر، وحكاه القاضي أبو الحسن من أصحابنا رواية عن أحمد.
стр. 1217
ويمكن أن تكون مأخوذة من رواية حنبل التي ذكرنا آنفاً.
واستدل هؤلاء بحديث عائشة وابن عمر وأنيسة، وما في معناه من أنَّه كان في زمن النبي ﷺ أذانان: أحدهما بليلٍ، والأخر بعد الفجر» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي هو استحباب الأذان قبل طلوع الفجر إذا أذَّن أذاناً آخر بعد طلوعه، وأنَّه لا يجوز الاقتصار على أذان واحد قبل طلوع الفجر، وذلك لما رواه مسلم (٣٨٢) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَكَانَ يَسْتَمِعُ الْأَذَانَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ».
قلت: وهذا يدل على أنَّ الأذان الواجب الذي كان يمتنع من أجله النبي ﷺ من الإغارة هو الأذان بعد طلوع الفجر.
وقد بوَّب ابن خزيمة ﵀ في [صحيحه] (١/ ٢٠٩) فقال:
«بَابُ إِبَاحَةِ الْأَذَانِ لِلصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ مُؤَذِّنَانِ لَا مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ، فَيُؤَذِّنُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالْآخَرُ بَعْدَ طُلُوعِهِ».
وذهب بعض العلماء إلى كراهة الأذان قبل طلوع الفجر منهم إبراهيم النخعي.
فروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٢٢٥) حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، «أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُؤَذِّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ».
قلت: إسناده حسن.
ومنهم سفيان الثوري.
стр. 1218
فروى الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٨٧٠) حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ سَعِيدٍ، وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنِّي أُؤَذِّنُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِأَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ السَّمَاءِ بِالنِّدَاءِ. فَقَالَ سُفْيَانُ: «لَا، حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ».
قلت: إسناده صحيح، وابن أبي عمران هو أبو جعفر أحمد الفقيه أحد الثقات من أهل الرأي.
والذي يظهر لي هو في الأذان الذي في الليل أن يكون قريباً من طلوع الفجر لما رواه البخاري (١٩١٨، ١٩١٩) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، أَنَّ بِلَالاً كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ».
قَالَ الْقَاسِمُ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إِلاَّ أَنْ يَرْقَى ذَا وَيَنْزِلَ ذَا اهـ.
ورواه أحمد (٢٤٢١٤، ٢٤٣١٨)، والنسائي (٦٣٨) من طريق عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَصْعَدَ هَذَا.
قلت: هذا إسناد صحيح.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (٢/ ١٢٤):
стр. 1219
«وعلى هذا فمعنى قوله في رواية البخاري قال القاسم أي في روايته عن عائشة».
وقال في [طرح التثريب] (٢/ ٣١٣):
«هذه الرواية التي رواها الشيخ ﵀ من مسند أحمد صريحة في أن القائل: "ولا أعلمه إلَّا كان قدر ما ينزل هذا ويرقى هذا" راوية الحديث عائشة ﵂ فإن فيها قالت لكن في صحيح البخاري في كتاب الصيام قال القاسم: "ولم يكن بين أذانهما إلَّا أن يرقى ذا وينزل ذا" فكان شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني ﵀ يعتمد هذه الرواية ويجعل هذا الكلام في غيرها مدرجاً وفيه نظر لأنَّ في رواية أحمد التصريح بأنَّه من قول عائشة ففيها زيادة علم يجب الأخذ بها.
والظاهر أن قول البخاري قال القاسم أي في روايته عن عائشة وذلك لأنَّه روى الحديث المذكور من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ومن طريق القاسم بن محمد عن عائشة ثم بين أن هذه الزيادة في رواية القاسم أي عن عائشة وليست في حديث ابن عمر لأنَّه لو أطلق ذكرها لتوهم أنَّها في الإسنادين معاً، ولم يرد بذلك أنَّ القاسم قالها من عند نفسه بدليل رواية أحمد التي ذكرتها والله أعلم» اهـ.
قلت: وروى مسلم (١٠٩٢) حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
«كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنَانِ بِلَالٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ". قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا».
стр. 1220
لكن قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٢٤):
«وقد وقع عند مسلم في رواية بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر مثل هذه الزيادة وفيها نظر أوضحته في كتاب "المدرج"» اهـ.
وروى الطيالسي (١٦٦١)، ومن طريقه ابن سعد في [الطبقات الكبرى] (٨/ ٣٦٤)، والبيهقي (١٦٦٦):
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَمَّتِي أُنَيْسَةُ، قَالَتْ: كَانَ بِلَالٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنَانِ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ». فَكُنَّا نَحْبِسُ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَنِ الْأَذَانِ فَنَقُولُ: كَمَا أَنْتَ حَتَّى نَتَسَحَّرَ، كَمَا أَنْتَ حَتَّى نَتَسَحَّرَ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانَهِمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَصْعَدَ هَذَا اهـ.
قلت: هذا حديث صحيح.
قلت: والذي يظهر لي أنَّه لا بد أن يكون هنالك فاصل يمكن للمتسحر أن يتسحر، ومن أراد الوتر أن يوتر، لما رواه البخاري (٦٢١)، ومسلم (١٠٩٣) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ، أَوْ أَحَدًا مِنْكُمْ - أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ، أَوْ يُنَادِي - بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ».
٢ - مشروعية أذان الأعمى إذا كان هناك من يخبره بالوقت. وهو قول الجمهور وكرهه أبو حنيفة.
٣ - اتخاذ مؤذنين لصلاة الفجر.
стр. 1221
قلت: أمَّا اتخاذ مؤذنين فأكثر في غير الفجر فأجاز ذلك العلماء ولا أعلم من أنكر ذلك إلَّا ما جاء عن ابن عمر من إنكاره للأذان الأول للجمعة الذي فعله عثمان ﵁.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١٠/ ٦١):
«وفيه اتخاذ مؤذنين وإذا جاز اتخاذ اثنين منهم جاز أكثر إلَّا أن يمنع منه ما يجب التسليم له» اهـ.
وقال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى شرح الموطأ] (١/ ١٦٩):
«ولا بأس أن يتخذ في المسجد أربعة مؤذنين وخمسة قال ابن حبيب ولا بأس فيما اتسع وقته من الصلوات كالصبح والظهر والعشاء أن يؤذن خمسة إلى عشرة واحد بعد واحد وفي العصر من الثلاثة إلى الخمسة ولا يؤذن في المغرب إلَّا واحد» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [الكافي] (١/ ١٩٩): «ولا بأس أن يؤذن اثنان أحدهما بعد الآخر لأنَّ النبي ﷺ كان يؤذن له بلال وابن أم مكتوم إذا نزل هذا طلع هذا ولا يسن أكثر من هذا إلَّا أن تدعو إليه الحاجة فيجوز لأنَّ عثمان ﵁ اتخذ أربعة مؤذنين» اهـ.
وقال ﵀ في [المغني] (١/ ٤٧٧): «فَصْلٌ: وَلَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى مُؤَذِّنَيْنِ؛ لِأَنَّ الَّذِي حُفِظَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ، بِلَالٌ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ. إلَّا أَنْ تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمَا فَيَجُوزَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، ﵁ أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ مُؤَذِّنِينَ. وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، كَانَ مَشْرُوعًا، وَإِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ؛ وَكَانَ الْوَاحِدُ يُسْمِعُ النَّاسَ،
стр. 1222
فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ لِأَنَّ مُؤَذِّنِي النَّبِيِّ ﷺ كَانَ أَحَدُهُمَا يُؤَذِّنُ بَعْدَ الْآخَرِ. وَإِنْ كَانَ الْإِعْلَامُ لَا يَحْصُلُ بِوَاحِدٍ، أَذَّنُوا عَلَى حَسَبِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ؛ إِمَّا أَنْ يُؤَذِّنَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَنَارَةٍ أَوْ نَاحِيَةٍ، أَوْ دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ: قَالَ أَحْمَدُ إنْ أَذَّنَ عِدَّةٌ فِي مَنَارَةٍ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ خَافُوا مِنْ تَأْذِينِ وَاحِدٍ بَعْدَ الْآخَرِ فَوَاتَ أَوَّلِ الْوَقْتِ، أَذَّنُوا جَمِيعًا دَفْعَةً وَاحِدَةً» اهـ.
قلت: لم أقف لأثر عثمان على أصل. فالله أعلم.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٨٢):
«وفي هذا الحديث استحباب اتخاذ مؤذنين للمسجد الواحد يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر والآخر عند طلوعه كما كان بلال وبن أم مكتوم يفعلان. قال أصحابنا فإذا احتاج إلى أكثر من مؤذنين اتخذ ثلاثة وأربعة فأكثر بحسب الحاجة وقد اتخذ عثمان ﵁ أربعة للحاجة عند كثرة الناس.
قال أصحابنا: ويستحب أن لا يزاد على أربعة إلَّا لحاجة ظاهرة.
قال أصحابنا: وإذا ترتب للأذان اثنان فصاعداً فالمستحب أن يؤذنوا دفعة واحدة بل إن اتسع الوقت ترتبوا فيه فإن تنازعوا في الابتداء به أقرع بينهم وإن ضاق الوقت فإن كان المسجد كبيراً أذنوا متفرقين في أقطاره وإن كان ضيقاً وقفوا معاً وأذنوا وهذا إذا لم يؤد اختلاف الأصوات إلى تهويش فإن أدى إلى ذلك لم يؤذن إلَّا واحد فإن تنازعوا أقرع بينهم.
وأمَّا الإقامة فإن أذنوا على الترتيب فالأول أحق بها إن كان هو المؤذن الراتب أو لم يكن هناك مؤذن راتب فإن كان الأول غير المؤذن الراتب فأيهما أولى بالإقامة
стр. 1223
فيه وجهان لأصحابنا أصحهما أنَّ الراتب أولى لأنَّه منصبه ولو أقام في هذه الصور غير من له ولاية الإقامة اعتد به على المذهب الصحيح المختار الذي عليه جمهور أصحابنا وقال بعض أصحابنا: لا يعتد به كما لو خطب بهم واحد وأم بهم غيره فلا يجوز على قول وأمَّا إذا أذنوا معاً فإن اتفقوا على إقامة واحد وإلَّا فيقرع.
قال أصحابنا ﵏: ولا يقيم في المسجد الواحد إلَّا واحد إلَّا إذا لم تحصل الكفاية بواحد.
وقال بعض أصحابنا: لا بأس أن يقيموا معاً إذا لم يؤد إلى التهويش» اهـ.
وقال العلامة ابن حزم الظاهري ﵀ في [المحلى] (٢/ ١٨٠):
«وَجَائِزٌ أَنْ يُؤَذِّنَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ لِلْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ: فَإِنْ تَشَاحُّوا، وَهُمْ سَوَاءٌ فِي التَّأْدِيَةِ وَالصَّوْتِ وَالْفَضْلِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْأَوْقَاتِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، سَوَاءٌ عَظُمَتْ أَقْطَارُ الْمَسْجِدِ أَوْ لَمْ تَعْظُمْ» اهـ.
قلت: ومما يدل على جواز اتخاذ أكثر من مؤذن ما رواه البخاري (٦٨٣٠) عن ابن عباس في "باب رجم الحبلى من الزنا" ذكر حديث الرجم الطويل عن عمر ﵁ وفيه: «فَجَلَسَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَمَّا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ».
وفي [المسند] (٣٩١): «فَلَمَّا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ، قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ».
ويمكن أن يحمل على معنى الجنس.
قلت: واتخاذ أكثر من مؤذن إنَّما يكون في الحضر دون السفر وذلك لأنَّه لم ينقل عن النبي ﷺ أنَّه كان له في السفر مؤذنان، يؤذن أحدهما بعد الآخر.
стр. 1224
٤ - وفي الحديث دليل على جواز شهادة الأعمى على ما استيقنه من الأصوات.
وقبول شهادة الأعمى على ما يتقينه من الأصوات مذهب مالك وأحمد، وروي عن شريح وكثير من السلف. ومنع منها أبو حنيفة والشافعي.
قلت: الصحيح جواز ذلك.
فائدة:
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٢٣٢):
«والأحاديث التي فيها أنَّ بلالاً كان لا يؤذن إلَّا بعد طلوع الفجر أسانيدها غير قوية، ويمكن أن تحمل- على تقدير ثبوتها- على أنَّه كان يؤذن بعد طلوع الفجر الأول، وقبل طلوع الفجر الثاني» اهـ.
٥ - واحتج به بأنَّ قول المؤذن في أذان الفجر "الصلاة خير من النوم" يكون في أذان الليل، وذلك أنَّ التثويب قد جاء في أذان بلال، وبلال كان يؤذن بليل فدل ذلك أنَّ التثويب يكون في أذان الليل.
فروى ابن المنذر في [الأوسط] (١١٢٨) حَدَّثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: أنا يَعْلَى، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عِمْرَانَ، عَنْ سُوَيْدٍ، عَنْ بِلَالٍ: «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي أَذَانِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ».
قلت: إسناده ضعيف فيعلى بن عبيد ضعيف الحديث في سفيان الثوري، وأبو محمد هو محمد بن عبد الوهاب، وعمران هو ابن مسلم الجعفي، وسويد هو ابن غفلة.
وللحديث ما يشهد له كما سيأتي.
والجواب على ذلك من وجهين:
стр. 1225
الوجه الأول: أنَّه سبق معنا في أول شرح هذا الحديث أنَّه ثبت عن بلال التأذين عند طلوع الفجر فلم يكن أذانه بليل في جميع الأزمان.
والوجه الثاني: أنَّه ثبت عن بلال التثويب في الأذان عند طلوع الفجر.
فمن ذلك ما رواه الخِلَعِي في [فوائده] (٥٩٥) أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سعيد البزاز، قراءة عليه وأنا أسمع قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن أيوب بن حبيب بن يحيى الرقي المعروف بالصموت، قراءة عليه وأنا أسمع سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة قال: حدثنا أبو عمر هلال بن العلاء بن هلال الباهلي قال: حدثنا أبي، وعبد الله بن جعفر قالا: حدثنا عبيد الله بن عمر عن زيد بن أبي أنيسة عن الحكم عن سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قال: سمعت بلالاً يؤذن وكان لا يثوب إلَّا في الفجر، ويقول فيها: الصلاة خير من النوم، زاد أبي: إذا فرغ من حي على الفلاح، قال: ولا يؤذن لصلاة الفجر حتى ينشق الفجر».
قلت: هذا إسناد حسن ومحمد بن أيوب الصموت لم أقف فيه على جرح وتعديل لكنه من الحفاظ المشهورين بالطلب وروى عنه جماعة من حفاظ الحديث فمثل حديثه لا ينزل عن الحسن، والله أعلم، وليس هو محمد بن أيوب الرقي الذي ضعفه أبو حاتم فذاك متقدم الطبقة، وهذا متأخر.
وهذه الرواية صريحة في أنَّ بلالاً نادى بالصلاة خير من النوم في الأذان الثاني وهو الأذان عند طلوع الفجر.
стр. 1226
ومن ذلك ما رواه ابن شَبَّةَ في [تاريخ المدينة] (١٦٤٩)، والبيهقي في [الكبرى] (١٨٣٤) من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قَالَ حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَذَكَرَ قِصَّةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَرُؤُيَاهُ إِلَى أَنْ قَالَ: «ثُمَّ زَادَ بِلَالٌ فِي التَّأْذِينِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، وَذَلِكَ أَنَّ بِلَالاً أَتَى بَعْدَ مَا أَذَّنَ التَّأْذِينَةَ الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِيُؤْذِنَ النَّبِىَّ ﷺ بِالصَّلَاةِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّبِي ﷺ نَائِمٌ. فَأَذَّنَ بِلَالٌ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. فَأُقِرَّتْ فِي التَّأْذِينِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ».
قلت: وهذا مرسل من أصح المراسيل فإنَّ مراسيل ابن المسيب هي أجود المراسيل، وسيأتي ما يشهد له.
وأصله عند ابن ماجه (٧١٦) من طريق معمر عن الزهري عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ بِلَالٍ: «أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يُؤْذِنُهُ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَقِيلَ: هُوَ نَائِمٌ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأُقِرَّتْ فِي تَأْذِينِ الْفَجْرِ، فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ».
قلت: هذا إسناد منقطع بين سعيد وبلال.
ومحل الشاهد من الحديث أنَّ بلالاً بعد أن أذن التأذينة الأولى لصلاة الصبح جاء إلى النبي ﷺ ليؤذنه لإقامة الصلاة، فدل ذلك على أنَّ الأذان
стр. 1227
الأول الذي أذنه بلال هو الأذان الثاني في عرفنا فإنَّه هو الذي تعقبه الإقامة، ولأنَّ المؤذن لطلوع الفجر هو الذي يقيم الصلاة دون غيره.
وقوله: «فَأُقِرَّتْ فِي تَأْذِينِ الْفَجْرِ» يدل على أنَّ المراد به الأذان لطلوع الفجر، فإنَّه هو تأذين الفجر، وما قبل ذلك فهو تأذين ليل.
لكن رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (١٨٢٠) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَمَنْ أَرَادَ الصَّوْمَ، فَلَا يَمْنَعُهُ أَذَانُ بِلَالٍ حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» قَالَ: وَكَانَ أَعْمَى فَكَانَ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ جَاءَ يُؤَذِّنُ النَّبِيَّ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ نَائِمٌ، فَنَادَى بِلَالٌ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأُقِرَّتْ فِي الصُّبْحِ.
وهذه الرواية تدل أنَّ بلالاً نادى بالصلاة خير من النوم في الأذان الأول لقوله:
«فلما كان ذات ليلة أذن بلال» لكن الصحيح رواية شعيب بن أبي حمزة فإنَّه من أوثق الناس في الزهري فروايته مقدمة على رواية معمر.
وروى الطحاوي في [شرح مشكل الآثار] (٦٠٨٥) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ كَامِلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ الْمُؤَذِّنُ: «أَنَّ سَعْدًا كَانَ يُؤَذِّنُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِأَهْلِ قُبَاءَ، حَتَّى انْتَقَلَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ، فَأَذَّنَ لَهُ بِالْمَدِينَةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 1228
وَسَلَّمَ، فَزَعَمَ حَفْصٌ، أَنَّهُ سَمِعَ مِنَ أَهْلِهِ أَنَّ بِلَالًا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يُؤَذِّنُهُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ بَعْدَمَا أَذَّنَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَائِمًا، فَنَادَى بِلَالٌ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأُقِرَّتْ فِي تَأْذِينِ الْفَجْرِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ».
قلت: عبد الله بن صالح كاتب الليث ضعيف الحديث، وحفص بن عمر لم يوثقه معتبر، وأهله لايعرف من هم لكن يقويه مرسل ابن المسيب الماضي.
وهذه الرواية فيها: «أَنَّ بِلَالًا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يُؤَذِّنُهُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ بَعْدَمَا أَذَّنَ». وهذا يدل على أنَّ أذانه كان بعد طلوع الفجر فإنَّه الأذان الذي تعقبه الإقامة.
وروى أحمد (٢٤٤٠٩)، والترمذي (١٩٨) من طريق أَبي إِسْرَائِيلَ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ بِلَالٍ، قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ لَا أُثَوِّبَ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ».
قلت: فيه أبو إسرائيل وهو إسماعيل بن خليفة ضعيف الحديث، والحكم هو ابن عتيبة، وهو منقطع أيضاً بين ابن أبي ليلى وعمر.
стр. 1229
وروى أحمد (٢٤٤١٠) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ بِلَالٍ، قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ لَا أُثَوِّبَ إِلَّا فِي الْفَجْرِ».
قلت: فيه عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ وهو التيمي ضعيف، وعطاء مختلط، وهو منقطع أيضاً بين ابن أبي ليلى وعمر.
والشاهد قوله: «إِلاَّ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ» والمعنى إلَّا في أذان صلاة الفجر، وأذان صلاة الفجر هو الكائن عند طلوع الفجر.
وهكذا قوله: «إِلاَّ فِي الْفَجْرِ» يدل على الأذان عند طلوع الفجر.
قلت: وقد ثبت التثويب في الأذان بعد طلوع الفجر عن ابن عمر.
وهو ما رواه ابن وهب في [جامعه] (٤٨١) قال عبد الله وأسامة قال نافع:
«وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا رَأَى الْفَجْرَ أَذَّنَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ بِالنِّدَاءِ الْأُولَى، وَيَقُولُ فِي آذَانِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ».
قلت: هذا أثر حسن لغيره، فعبد الله هو ابن عمر العمري، وأسامة قد يكون الليثي أو ابن زيد بن أسلم فكلاهما رويا عن نافع، وروى عنهما عبد الله بن وهب وحديثهما يقوي بعضه بعضاً.
стр. 1230
وجاء أيضاً عن أبي محذورة، وهو ما رواه الدارقطني (٩١٠)، والطبراني في [الكبير] (٦٥٩٩)، وأبو نعيم في [الحلية] (٨/ ٣١٠)، وابن أبي خيثمة في [تاريخه] (٩٤٦) من طرق عن أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مَحْذُورَةَ قَالَ: «كُنْتُ غُلَامًا صَيِّتًا فَأَذَّنْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ الْفَجْرَ فَلَمَّا بَلَغْتُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْحَقْ فِيهَا الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ"».
قلت: إسناده صحيح. وفي إسناد أكثرهم يحيى الحماني، وقد اتهم بسرقة الحديث لكن تابعه عبد الحميد بن صالح بن عجلان، وسليمان بن داود الشاذكوني، وسعيد بن داود عند أبي نعيم.
والشاهد منه قوله: «فَأَذَّنْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ الْفَجْرَ» وذلك أنَّ أذان الفجر هو الثاني، وكون الأذان حصل يوم حنين فهو يدل على أنَّه كان بعد طلوع الفجر، وذلك أنَّ اليوم يبدأ من طلوع الفجر.
وبهذا يتبيَّن أنَّ قول النبي ﷺ لأبي محذورة: «وَإِذَا أَذَّنْتَ بِالأَوَّلِ مِنَ الصُّبْحِ فَقُلْ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَقُلْهَا مَرَّتَيْنِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ».
следующие страницы →