Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
وَإِنْ شَكَّ فِي اجْتِهَادِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ ظَاهِرٌ، فَلَا يَزُولُ عَنْهُ بِالشَّكِّ. وَإِنْ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ، وَلَمْ يَعْرِفْ جِهَةَ الْقِبْلَةِ، كَرَجُلٍ كَانَ يُصَلِّي إلَى جِهَةٍ، فَرَأَى بَعْضَ مَنَازِلِ الْقَمَرِ فِي قِبْلَتِهِ، وَلَمْ يَدْرِ أَهُوَ فِي الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ، وَاحْتَاجَ إلَى الِاجْتِهَادِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدَامَتُهَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَلَيْسَتْ لَهُ جِهَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا، فَبَطَلَتْ، لِتَعَذُّرِ إتْمَامِهَا» اهـ.
١١ - وفيه جواز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ .
١٢ - جاء الحديث في البخاري (٤٠٣)، ومسلم (٥٢٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ».
وجاء في النسائي (٧٤٥) وغيره بلفظ: «وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ».
وقد احتج باللفظ الذي في الصحيحين من قال: إنَّ الواجب على البعيد استقبال عين الكعبة، وهو مذهب الإمام الشافعي، وخالفه أكثر العلماء فذهبوا إلى أنَّ البعيد يكفيه أن يستقبل الجهة.
وما ذهب إليه الإمام الشافعي خلاف أدلة الكتاب والسنة والإجماع.
أمَّا أدلة الكتاب:
فقول الله تعالى: قول الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
стр. 1297
و قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٩].
و قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠].
والشطر الجهة، والمسجد الحرام يشمل جميع الأرض الحرام.
وأمَّا أدلة السنة فمنها:
ما رواه الترمذي (٣٤٢)، وابن ماجه (١٠١١) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ».
قلت: هذا حديث حسن بشواهده.
ومن ذلك ما رواه البخاري (٣٩٤)، ومسلم (٢٦٤) عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَكِنْ شَرِّقُوا، أَوْ غَرِّبُوا».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨): «فنهى عن استقبال القبلة بغائط أو بول وأمر باستقبالها في الصلاة فالقبلة
стр. 1298
التي نهى عن استقبالها واستدبارها بالغائط والبول هي القبلة التي أمر المصلي باستقبالها في الصلاة» اهـ.
وقال أيضاً كما [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٢١٣): «ونهى عن استقبال القبلة واستدبارها بغائط أو بول ومعلوم باتفاق المسلمين أنَّ المنهي عنه من ذلك ليس هو أن يكون بين المتخلي وبين الكعبة خط مستقيم: بل المنهي عنه أعم من ذلك وهو أمر باستقبال القبلة في حال كما نهي عن استقبالها في حال. وإن كان النهي قد يتناول ما لا يتناوله الأمر لكن هذا يوافق قوله: "مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ"» اهـ.
وقال ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ٥٣٨): «وهذا بيان لأنَّ ما سوى التشريق والتغريب استقبال للقبلة أو استدبار لها وهذا خطاب لأهل المدينة ومن كان على سمتهم وقريباً من سمتهم أهل الشام والعراق واليمن ونحوهم» اهـ.
وأمَّا دلالة الإجماع على استقبال الجهة دون العين.
فقد ثبت في هذا الموضع أربع إجماعات:
الإجماع الأول: إجماع الصحابة ﵃ أجمعين على استقبال الجهة دون العين للبعيد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ٥٣٨ - ٥٤٠):
«ولأنَّ ذلك إجماع الصحابة ﵃ قال عمر: "ما بين المشرق والمغرب قبلة كله إلَّا عند البيت" رواه أبو حفص وذكره أحمد، وقال: "ما بين المشرق
стр. 1299
والمغرب قبلة إلَّا عند البيت" فهذا لا يكون ثَم لأنَّه يأتم بالبيت كيف دار، وإن صلى قريباً من الركن فزال عن الركن قليلاً ترك القبلة فمكة غير البلدان.
وفي رواية: إذا توجهت قِبَلَ البيت. وروى الأثرم عن عمر وعلي وابن عباس أنَّهم قالوا: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" وعن عثمان أنَّه قال: كيف يخطي الرجل الصلاة وما بين المشرق والمغرب قبلة ما لم يتحر المشرق عمداً".
وروى أبو حفص عن ابن عمر قال: "إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة لأهل المشرق" يعني به أهل العراق ونحوهم.
وروى أبو حفص عن المطلب بن حنطب أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا وجهت وجهك نحو البيت الحرام". يعني والله أعلم إذا وجهت وجهك قبله وتجاهه وذلك يحصل باستقبال جهته كما في قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي نحوه وتلقاءه وأراد أن يبين ﷺ أنَّه لا بد من قصد جهتها» اهـ.
الإجماع الثاني: إجماع العلماء على صحة صلاة الصف المستطيل الزائد طوله على سمة الكعبة مع استقامته.
стр. 1300
الإجماع الثالث: إجماع العلماء على صحة صلاة أهل البلد الذي فيه مساجد كثيرة تصلي كلها إلى جهة واحدة مع ابتعاد بعضها عن بعض يمنة ويسرى، فربما يكون بين المسجد وسائر المساجد التي عن يمينه أو يساره عشرات الكيلوات وجميعها تتجه إلى جهة واحدة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ٥٣٨ - ٥٤٠):
«وأيضاً فإنَّهم أجمعوا على صحة صلاة الصف المستطيل الزائد طوله على سمة الكعبة مع استقامته بل على صحة صلاة أهل البلد الذي فيه مساجد كثيرة تصلي كلها إلى جهة واحدة مع أنَّها يمتنع أن تكون قبلتها على خط مستقيم وهي كلها على سمت عين الكعبة.
فإن قيل مع البعد تحصل المواجهة والمحاذاة لكل واحد مع كثرة المحاذين وطول صفهم لأنَّ المحاذي مع البعد وإن احتاج إلى تقوس وانحناء فهو مع البعد شيء يسير لا يضبط مثله.
قلنا: لو كان المفروض محاذاة نفس العين لوجب مراعاة ذلك الشيء اليسير من الانحناء مع القدرة وأن لا يتعمد تركه كما في القريب فمتى سلم جواز تعمد تركه فلا يعني باستقبال جهة الكعبة إلاَّ ذلك فيرتفع الخلاف. وهذا المعنى هو الفارق
стр. 1301
بين القريب والبعيد فإنَّ البعد إذا طال يكون المستقبل للجهة والعين متقاربين جداً حتى لا يكاد يميز بينهما ومثل هذا يعفى عنه كما عفونا عن سائر الشرائط عما يشق مراعاته مثل يسير النجاسة ويسير العورة والتقدم اليسير بالنية وشبه ذلك فإنَّ الدين أيسر من تكلف هذا.
وقد روي عن النبي ﷺ من وجهين فيهما أنَّه قال: "البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي"» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٢٠٨):
«وهكذا قال غير واحد من الصحابة: مثل عمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وغيرهم. ولا يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك نزاع» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٩١): «وروي هذا المعنى - أيضاً - عن عثمان وعلي وابن عمر وابن عباس ﵃، ولا يعرف عن صحابي خلاف ذلك» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ (٢/ ٢٩٦): «وقد اجتمعت الأمة على صحة الصف المستطيل مع البعد عن الكعبة، مع العلم بأنَّه لا يمكن أن يكون كل واحد
стр. 1302
منهم مستقبلاً لعينها بحيث أنَّه لو خرج من وسط وجهه خط مستقيم لوصل إلى الكعبة على الاستقامة، فإن هذا لا يمكن إلَّا مع التقوس ولو شيئاً يسيراً، وكلما كثر البعد قلَّ هذا التقوس لكن لابد منه.
ومن حكى عن الإمام أحمد رواية بوجوب التقوس لطرفي الصف الطويل فقد أخطأ، وقال عليه ما لم يقله، بل لو سمعه لبادر إلى إنكاره والتبري من قائله، وهو خلاف عمل المسلمين في جميع الأمصار والأعصار» اهـ.
الإجماع الرابع: إجماع العلماء على صحة صلاة الاثنين المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة.
قال العلامة عبد الرحمن بن قدامة ﵀ في [الشَّرْحُ الكبير] (١/ ٤٨٥):
«ولأنَّا أجمعنا على صحة صلاة الاثنين المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة، وعلى صحة صلاة الصف الطويل على خط مستو لا يمكن أن يصيب عين الكعبة إلاَّ من كان بقدرها، فإن قيل مع البعد يتسع المحاذي، قلنا: إنَّما يتسع مع التقوس وأمَّا مع عدمه فلا. والله أعلم» اهـ.
فرع: وإذا تبيَّن لك أنَّ البعيد يجب عليه أن يستقبل جهة الكعبة فاعلم أنَّ لمعرفة ذلك طرق منها:
стр. 1303
سماوية:
ومنها: الشمس، وهي أيسر العلامات وأظهرها، فإنَّ الشمس تطلع من المشرق وتغرب في المغرب فمن كان في جنوب الكعبة كأهل اليمن فإنَّه إذا جعل المشرق على يمينه والمغرب على شماله فقد استقبل جهة الكعبة، ومن كان في شمال الكعبة فعلى العكس من ذلك.
والأحسن التوسط في الجهة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (ص: ٥٥١):
«قال أبو عبد الله ﵀: بين المشرق والمغرب قبلة ولا يبالي مغرب الصيف ولا مغرب الشتاء إذا صلى بينهما فصلاته جائزة إلَّا أنَّا نستحب أن يستقبل القبلة ويجعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره فيكون وسطاً من ذلك وإن هو صلى فيما بينهما وكان إلى أحد الشقين أميَّل فصلاته جائزة إذا كان بين المشرق والمغرب ولم يخرج من بينهما» اهـ.
ويمكن أن يتوسط الجهة عن طريق الشمس والقمر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (ص: ٥٥٢):
«ويستدل أيضاً باستواء الشمس وقت الزوال لمن يعرفه بزيادة الظل فإنَّها تكون حينئذ بين المشرق والمغرب والظل بعد يميل إلى جهة المشرق فمتى جعلها على رأسه أو تجاهه والفيء عن يساره كان مستقبلاً جهة القبلة وكذلك القمر ليلة
стр. 1304
سابعة وقت المغرب وليلة إحدى وعشرين وقت المشرق يكون في وسط الفلك فمن جعله فوق راسه أو تجاهه فقد استقبل القبلة» اهـ.
قلت: وقوله: «والفيء عن يساره». هذا باعتبار من كان شمال البيت كأهل المدينة والشام والعراق، وأمَّا من كان في جنوب البيت كأهل اليمن فإنَّ الفيء يكون عن يمينه.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٢١):
«وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ، وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ، وَتَخْتَلِفُ مَطَالِعُهَا وَمَغَارِبُهَا، عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ مَنَازِلِهَا، وَتَكُونُ فِي الشِّتَاءِ فِي حَالِ تَوَسُّطِهَا فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، وَفِي الصَّيْفِ مُحَاذِيَةً لِقِبْلَتِهِ» اهـ.
ومنها: القمر: فإنَّه في النصف الأول من الشهر يغرب من جهة المغرب.
وفي النصف الآخر من الشهر يطلع من جهة المشرق لا سيما آخر الشهر فإنَّه يطلع في آخر الليل من المشرق.
وليلة السابع في وقت المغرب، والحادي والعشرين في آخر الليل وقت الفجر يكون في وسط السماء بين المشرق والمغرب كما سبق.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٢١):
«فَصْلٌ: وَالْقَمَرُ يَبْدُو أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ هِلَالًا فِي الْمَغْرِبِ، عَنْ يَمِينِ الْمُصَلِّي، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ كُلَّ لَيْلَةٍ نَحْوَ الْمَشْرِقِ مَنْزِلًا، حَتَّى يَكُونَ لَيْلَةَ السَّابِعِ وَقْتَ الْمَغْرِبِ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، أَوْ مَائِلًا عَنْهَا قَلِيلًا، ثُمَّ يَطْلُعُ لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ الْمَشْرِقِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، بَدْرًا تَامًّا، وَلَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ يَكُونُ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا،
стр. 1305
وَقْتَ الْفَجْرِ، وَلَيْلَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ يَبْدُو عِنْدَ الْفَجْرِ كَالْهِلَالِ مِنْ الْمَشْرِقِ، وَتَخْتَلِفُ مَطَالِعُهُ بِاخْتِلَافِ مَنَازِلِهِ» اهـ.
ومنها: النجوم: قال الله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].
وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧].
وهي أنواع:
فمنها منازل القمر الثمانية والعشرون، وهي نجوم تطلع من المشرق وتغرب في المغرب.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٢٠ - ٣٢١):
«فَصْلٌ: وَمَنَازِلُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلًا، وَهِيَ: السَّرَطَانُ، وَالْبُطَيْنُ، وَالثُّرَيَّا، وَالدَّبَرَانُ، وَالْهَقْعَةُ، وَالْهَنْعَةُ، وَالذِّرَاعُ، وَالنَّثْرَةُ، وَالطَّرْفُ، وَالْجَبْهَةُ، وَالزُّبْرَةُ، وَالصَّرْفَةُ، وَالْعَوَّاءُ، وَالسِّمَاكُ، وَالْغَفْرُ، وَالزُّبَانَى، وَالْإِكْلِيلُ، وَالْقَلْبُ، وَالشَّوْلَةُ، وَالنَّعَائِمُ، وَالْبَلْدَةُ، وَسَعْدٌ الذَّابِحُ، وَسَعْدُ بُلَعَ، وَسَعْدُ السُّعُودِ، وَسَعْدُ الْأَخْبِيَةِ، وَالْفَرْعُ الْمُقَدَّمُ؛ وَالْفَرْعُ الْمُؤَخَّرُ، وَبَطْنُ الْحُوتِ.
стр. 1306
مِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَامِيَّةٌ تَطْلُعُ مِنْ وَسَطِ الْمَشْرِقِ أَوْ مَائِلَةً عَنْهُ إلَى الشَّمَالِ قَلِيلًا، أَوَّلُهَا السَّرَطَانُ، وَآخِرُهَا السِّمَاكُ. وَمِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَمَانِيَّةٌ، تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ مَا يَلِيهِ إلَى التَّيَامُنِ، أَوَّلُهَا الْغَفْرُ؛ وَآخِرُهَا بَطْنُ الْحُوتِ.
وَلِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ الشَّامِيَّةِ رَقِيبٌ مِنْ الْيَمَانِيَّةِ، إذَا طَلَعَ أَحَدُهُمَا غَابَ رَقِيبُهُ، وَيَنْزِلُ الْقَمَرُ كُلَّ لَيْلَةٍ بِمَنْزِلَةٍ مِنْهَا قَرِيبًا مِنْهُ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ إلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي يَلِيهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩].
وَالشَّمْسُ تَنْزِلُ بِكُلِّ مَنْزِلٍ مِنْهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ عَوْدُهَا إلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي نَزَلَتْ بِهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلٍ كَامِلٍ مِنْ أَحْوَالِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وَهَذِهِ الْمَنَازِلُ يَكُونُ مِنْهَا فِيمَا بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَطُلُوعِهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَنْزِلًا، وَمِنْ طُلُوعِهَا إلَى غُرُوبِهَا مِثْلُ ذَلِكَ، وَوَقْتُ الْفَجْرِ مِنْهَا مَنْزِلَانِ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَنْزِلٌ، وَهُوَ نِصْفُ سُدُسِ سَوَادِ اللَّيْلِ، وَسَوَادُ اللَّيْلِ اثْنَا عَشَرَ مَنْزِلًا، وَكُلُّهَا تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ، إلَّا أَنَّ أَوَائِلَ الشَّامِيَّةِ وَآخِرَ الْيَمَانِيَّةِ تَطْلُعُ مِنْ وَسَطِ الْمَشْرِقِ، بِحَيْثُ إذَا طَلَعَ جَعَلَ الطَّالِعَ مِنْهَا مُحَاذِيًا لِكَتِفِهِ الْأَيْسَرِ كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْكَعْبَةِ، وَكَذَلِكَ آخِرُ الشَّامِيَّةِ.
وَأَوَّلُ الْيَمَانِيَّةِ يَكُونُ مُقَارِبًا لِذَلِكَ، وَالْمُتَوَسِّطُ مِنْ الشَّامِيَّةِ، وَهُوَ الذِّرَاعُ وَمَا يَلِيهِ مِنْ جَانِبَيْهِ، يَمِيلُ مَطْلَعُهُ إلَى نَاحِيَةِ الشَّمَالِ، وَالْمُتَوَسِّطُ مِنْ الْيَمَانِيَّةِ - نَحْوُ الْعَقْرَبِ، وَالنَّعَائِمِ، وَالْبَلْدَةِ، وَالسُّعُودِ - تَمِيلُ مَطَالِعُهَا إلَى الْيَمِينِ، فَالْيَمَانِيُّ مِنْهَا يَجْعَلُهُ مِنْ أَمَامِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى، وَالشَّامِيُّ يَجْعَلُهُ خَلْفَ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ قَرِيبًا مِنْهَا، وَالْغَارِبُ مِنْهَا يَجْعَلُهُ عِنْدَ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ كَذَلِكَ.
وَإِنْ عَرَفَ الْمُتَوَسِّطَ مِنْهَا بِأَنْ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُفُقِ السَّمَاءِ سَبْعَةً مِنْ هَاهُنَا وَسَبْعَةً مِنْ هَاهُنَا، اسْتَقْبَلَهُ، وَلِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ هَذِهِ الْمَنَازِلِ نُجُومٌ تُقَارِبُهُ، وَتَسِيرُ بِسَيْرِهِ، مِنْ عَنْ يَمِينِهِ، وَشِمَالِهِ، يَكْثُرُ عَدَدُهَا، حُكْمُهَا حُكْمُهُ، وَيُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَيْهِ، وَعَلَى مَا تَدُلُّ
стр. 1307
عَلَيْهِ، كَالنَّسْرَيْنِ والشعريين، وَالنَّظْمِ الْمُقَارِنِ لِلْهَقْعَةِ، وَالسِّمَاكِ الرَّامِحِ، وَالْفَكَّةِ، وَغَيْرِهَا، وَكُلُّهَا تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ، وَسُهَيْلٌ نَجْمٌ كَبِيرٌ مُضِيءٌ يَطْلُعُ مِنْ نَحْوِ مَهَبِّ الْجَنُوبِ، ثُمَّ يَسِيرُ حَتَّى يَصِيرَ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، ثُمَّ يَتَجَاوَزُهَا، ثُمَّ يَغْرُبُ قَرِيبًا مِنْ مَهَبِّ الدَّبُورِ، وَالنَّاقَةُ أَنْجُمٌ عَلَى صُورَةِ النَّاقَةِ، تَطْلُعُ فِي الْمَجَرَّةِ مِنْ مَهَبِّ الصَّبَا، ثُمَّ تَغِيبُ فِي مَهَبِّ الشَّمَالِ» اهـ.
ومنها: الجدي: فإنَّه يدل على جهة الشمال، ولهذا يقال له: نجم الشمال.
وأمَّا القطب فليس بنجم في الحقيقة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٢١٢ - ٢١٤):
«والدليل المشهور لهم الجدي والقطب فمنهم من يقول: القطب هو الجدي وهو كوكب خفي وهذا خطأ من ثلاثة أوجه؛ فإنَّ القطب ليس هو الجدي والجدي ليس بكوكب خفي؛ بل كوكب نير والقطب ليس أيضاً كوكباً. ومنهم من يقول: الجدي هو كوكب خفي وهو خطأ. وجمهورهم يقولون: القطب كوكب خفي ويحكون قولين في القطب هل يدور أو لا يدور؟ وهذا تخليط؛ فإنَّ القطب الذي هو مركز الحركة لا يتغير عن موضعه كما أنَّ قطب الرحى لا يتغير عن موضعه. ولكن هناك كوكب صغير خفي قريب منه. وهذا إذا سمي قطباً كان تسميته باعتبار كونه أقرب الكواكب إلى القطب وهذا يدور؛ فالكواكب تدور بلا ريب ومدار الحركة الذي هو قطبها لا يدور بلا ريب فحكاية قولين في ذلك كلام من لم يميز بين هذا وهذا والدليل الظاهر هو الجدي. والاستدلال به على العين إنَّما يكون في بعض الأوقات؛ لا في جميعها؛ فإنَّ القطب إذا كانت الشمس في
стр. 1308
وسط السماء عند تناهي قصر الظلال يكون القطب محاذياً للركن الشامي من البيت الذي يكون عن يمين المستقبل للباب فمن كان بلده محاذياً لهذا القطب كأهل حران ونحوهم كانت صلاتهم إلى الركن. ولهذا يقال أعدل القبل قبلتهم. ومن كان بلده غربي هؤلاء - كأهل الشام - فإنَّهم يميلون إلى جهة المشرق قليلاً بقدر بعدهم عن هذا الخط فكلما بعدوا ازدادوا في الانحراف ومن كان شرقي هؤلاء - كأهل العراق - كانت قبلته بالعكس؛ ولهذا كان أهل تلك البلاد يجعلون القطب وما قرب منه خلف أقفائهم وأهل الشام يميلون قليلاً فيجعلون ما بين الأذن اليسرى ونقرة القفا أو خلف الأذن اليسرى بحسب قرب البلد وبعده عن هؤلاء وأهل العراق يجعلون ذلك خلف الأذن اليمنى، ومعلوم أنَّ النبي ﷺ والصحابة لم يأمروا أحداً بمراعاة القطب ولا ما قرب منه ولا الجدي ولا بنات نعش ولا غير ذلك. ولهذا أنكر الإمام أحمد على من أمر بمراعاة ذلك وأمر أن لا تعتبر القبلة بالجدي وقال: ليس في الحديث ذكر الجدي؛ ولكن ما بين المشرق والمغرب قبلة وهو كما قال؛ فإنَّه لو كان تحديد القبلة بذلك واجباً أو مستحباً لكان الصحابة أعلم بذلك وإليه أسبق ولكان النبي ﷺ بين ذلك؛ فإنَّه لم يدع من الدين شيئاً إلَّا بينه فكيف وقد صرح بأنَّ ما بين المشرق والمغرب قبلة ونهى عن استقبال القبلة واستدبارها بغائط أو بول ومعلوم باتفاق المسلمين أن المنهي عنه من ذلك ليس هو أن يكون بين المتخلي وبين الكعبة خط مستقيم: بل المنهي عنه أعم من ذلك وهو أمر باستقبال القبلة في حال كما نهي عن استقبالها في حال. وإن كان النهي قد يتناول ما لا يتناوله الأمر لكن هذا يوافق قوله: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"» اهـ.
стр. 1309
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣١٩ - ٣٢٠):
«وَآكَدُهَا الْقُطْبُ الشَّمَالِيُّ، وَهُوَ نَجْمٌ خَفِيٌّ حَوْلَهُ أَنْجُمٌ دَائِرَةٌ كَفَرَاشَةِ الرَّحَى، فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا الْفَرْقَدَانِ، وَفِي الْآخَرِ الْجَدْيُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أَنْجُمٌ صِغَارٌ، مَنْقُوشَةٌ كَنُقُوشِ الْفَرَاشَةِ، ثَلَاثَةٌ مِنْ فَوْقُ وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَسْفَلُ، تَدُورُ هَذِهِ الْفَرَاشَةُ حَوْلَ الْقُطْبِ، دَوَرَانَ فَرَاشَةِ الرَّحَى حَوْلَ سَفُّودِهَا، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ دَوْرَةً، فِي اللَّيْلِ نِصْفُهَا وَفِي النَّهَارِ نِصْفُهَا، فَيَكُونُ الْجَدْيُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي مَكَانِ الْفَرْقَدَيْنِ عِنْدَ غُرُوبِهَا، وَيُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَأَوْقَاتِهِ، وَالْأَزْمِنَةِ، لِمَنْ عَرَفَهَا، وَعَلِمَ كَيْفِيَّةَ دَوَرَانِهَا، وَحَوْلَهَا بَنَاتُ نَعْشٍ مِمَّا يَلِي الْفَرْقَدَيْنِ تَدُورُ حَوْلَهَا، وَالْقُطْبُ لَا يَبْرَحُ مَكَانَهُ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ، وَلَا يَتَغَيَّرُ كَمَا لَا يَتَغَيَّرُ سَفُّودُ الرَّحَى بِدَوَرَانِهَا.
وَقِيلَ: إنَّهُ يَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا يَسِيرًا لَا يَتَبَيَّنُ، وَلَا يُؤَثِّرُ، وَهُوَ نَجْمٌ خَفِيٌّ يَرَاهُ حَدِيدُ النَّظَرِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَمَرُ طَالِعًا، فَإِذَا قَوِيَ نُورُ الْقَمَرِ خَفِيَ، فَإِذَا اسْتَدْبَرْتَهُ فِي الْأَرْضِ الشَّامِيَّةِ، كُنْتَ مُسْتَقْبِلًا الْكَعْبَةَ.
وَقِيلَ: إنَّهُ يَنْحَرِفُ فِي دِمَشْقَ وَمَا قَارَبَهَا إلَى الْمَشْرِقِ قَلِيلًا، وَكُلَّمَا قَرُبَ إلَى الْمَغْرِبِ كَانَ انْحِرَافُهُ أَكْثَرَ. وَإِنْ كَانَ بِحَرَّانَ وَمَا يُقَارِبُهَا اعْتَدَلَ، وَجَعَلَ الْقُطْبَ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَدِلًا مِنْ غَيْرِ انْحِرَافٍ. وَقِيلَ: أَعْدَلُ الْقِبَلِ قِبْلَةُ حَرَّانَ. وَإِنْ كَانَ بِالْعِرَاقِ جَعَلَ الْقُطْبَ حَذْوَ ظَهْرِ أُذُنِهِ الْيُمْنَى عَلَى عُلُوِّهَا، فَيَكُونُ مُسْتَقْبِلًا بَابَ الْكَعْبَةِ إلَى الْمَقَامِ، وَمَتَى اسْتَدْبَرَ الْفَرْقَدَيْنِ أَوْ الْجَدْيَ، فِي حَالِ عُلُوِّ أَحَدِهِمَا وَنُزُولِ الْآخَرِ، عَلَى الِاعْتِدَالِ، كَانَ ذَلِكَ كَاسْتِدْبَارِ الْقُطْبِ.
стр. 1310
وَإِنْ اسْتَدْبَرَهُ، فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالِ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْجِهَةِ، فَإِذَا اسْتَدْبَرَ الشَّرْقِيَّ مِنْهَا، كَانَ مُنْحَرِفًا إلَى الْغَرْبِ قَلِيلًا، وَإِذَا اسْتَدْبَرَ الْغَرْبِيَّ كَانَ مُنْحَرِفًا إلَى الشَّرْقِ، وَإِنْ اسْتَدْبَرَ بَنَاتَ نَعْشٍ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْجِهَةِ أَيْضًا، إلَّا أَنَّ انْحِرَافَهُ أَكْثَرُ» اهـ.
قلت: وبنات نعش الصغرى تسمى في هذه الأزمان كوكبة الدب الأصغر.
وبنات النعش الكبرى تسمى كوكبة الدب الأكبر.
ومن الدلائل السماوية: المَجَرَّة. وهي البياض الممتد في السماء.
قال العلامة المرداوي ﵀ في [الإنصاف] (٢/ ١٣):
«وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا عَلَى الْقِبْلَةِ: الْمَجَرَّةُ فِي السَّمَاءِ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فَتَكُونُ مُمْتَدَّةً عَلَى كَتِفِ الْمُصَلِّي الْأَيْسَرِ إلَى الْقِبْلَةِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَفِي آخِرِهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْمَنِ فِي الصَّيْفِ، وَفِي الشِّتَاءِ تَكُونُ أَوَّلَ اللَّيْلِ مُمْتَدَّةً شَرْقًا وَغَرْبًا عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْسَرِ إلَى نَحْوِ جِهَةِ الْمَشْرِقِ، وَفِي آخِرِهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْمَنِ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ الصَّيْفِ» اهـ.
وقال العلامة منصور البهوتي الحنبلي ﵀ في [كشاف القناع] (١/ ٣٠٩):
«قَالَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا: الْمَجَرَّةُ، فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي الشِّتَاءِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فِي نَاحِيَةِ السَّمَاءِ مُمْتَدَّةً شَرْقًا وَغَرْبًا عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْسَرِ مِنْ الْإِنْسَانِ، إذَا كَانَ مُتَوَجِّهًا إلَى الْمَشْرِقِ ثُمَّ تَصِيرُ مِنْ آخِرِهِ مُمْتَدَّةً شَرْقًا وَغَرْبًا أَيْضًا عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ، وَأَمَّا فِي الصَّيْفِ فَإِنَّهَا تَتَوَسَّطُ السَّمَاءَ» اهـ.
قلت: وكلامهما ها هنا باعتبار من كان في جهة الشمال كأهل الشام، وأمَّا من كان في الجنوب فينعكس عليه الأمر. والله أعلم.
وأمَّا الدلائل الهوائية: فهي الرياح.
стр. 1311
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (ص: ٥٥٦ - ٥٥٧):
«وأمَّا الدلائل الهوائية فهي الرياح، ومهابها أربع تخرج من زوايا الأرض الأربعة ويقال: إنَّ الكعبة مبنية على مهابها فجدر الكعبة الأربعة مستقبلة لمهاب الريح وأركان الكعبة مستقبلة بجهات الأرض الأربعة.
إحداهنَّ الصبا سميت بذلك لأنَّها تصبو إلى الكعبة وهي تهب إلى وجهها ما بين مطلع الثريا ومطلع الجدي.
والدبور تجاهها تهب إلى دبر الكعبة ما بين مطلع سهيل ومغرب الثريا.
والجنوب تهب إلى جانب الكعبة اليماني ما بين مطلع الثريا ومطلع سهيل.
والشمال تجاهها ما بين مطلع الجدي ومغرب الثريا فهذه الرياح من عرف خواصها وصفاتها أمكنه أن يستدل بها إذا كان في فضاء من الأرض حيث تجري الريح على سنها ثم نسبة المصلي إليها تختلف باختلاف مكانه ولهذا تختلف عبارة أصحابنا العراقيين والشاميين وغيرهم في نسبة الرياح والشمس والقمر والجدي إلى المصلي لأنَّ كل قوم وصفوا دلائل قبلة أرضهم خاصة على سبيل التحديد» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٢١):
«فَصْلٌ: وَالرِّيَاحُ كَثِيرَةٌ يُسْتَدَلُّ مِنْهَا بِأَرْبَعٍ، تَهُبُّ مِنْ زَوَايَا السَّمَاءِ؛ الْجَنُوبُ تَهُبُّ مِنْ الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْقِبْلَةِ وَالْمَشْرِقِ، مُسْتَقْبِلَةً بَطْنَ كَتِفِ الْمُصَلِّي الْأَيْسَرِ، مِمَّا يَلِي
стр. 1312
وَجْهَهُ إلَى يَمِينِهِ، وَالشَّمَالُ مُقَابِلَتُهَا، تَهُبُّ مِنْ الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالشَّمَالِ؛ مَارَّةً إلَى مَهَبِّ الْجَنُوبِ.
وَالدَّبُورُ تَهُبُّ مِنْ الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْيَمَنِ، مُسْتَقْبِلَةً شَطْرَ وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنَ، مَارَّةً إلَى الزَّاوِيَةِ الْمُقَابِلَةِ لَهَا. وَالصَّبَا مُقَابِلَتُهَا، تَهُبُّ مِنْ ظَهْرِ الْمُصَلِّي. وَرُبَّمَا هَبَّتْ الرِّيَاحُ بَيْنَ الْحِيطَانِ وَالْجِبَالِ فَتَدُورُ، فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا.
وَبَيْنَ كُلِّ رِيحَيْنِ رِيحٌ تُسَمَّى النَّكْبَاءَ، لِتَنَكُّبِهَا طَرِيقَ الرِّيَاحِ الْمَعْرُوفَةِ، وَتُعْرَفُ الرِّيَاحُ بِصِفَاتِهَا وَخَصَائِصِهَا» اهـ.
وقال ﵀ في [الكافي] (١/ ٢٣٦):
«ويستدل من الرياح بأربع تهب من زوايا السماء، الدبور تهب مما بين المغرب والقبلة، مستقبلة شطر وجه المصلي الأيمن، والصبا مقابلتها تهب من ظهره إلى كتفه اليسرى مارة إلى مهب الدبور، والجنوب تهب مما بين المشرق والقبلة مارة إلى الزاوية المقابلة لها، والشمال تهب من مقابلتها مارة إلى مهب الجنوب» اهـ.
قلت: وريح الصَّبا هي التي تلقح السحاب والثمار. وهي تهب من الشرق.
وريح الدبور هي ريح العذاب. وهي تهب من الغرب.
وتهب أول الليل وآخر النهار وتنقطع سريعاً في أول الليل.
وريح الشمال هي التي يحصل منها النسيم. وتأتي من الشمال إلى الجنوب.
وريح الجنوب هي التي تسير سحب الأمطار.
وقد قيل: إنَّ من اتجه إلى باب الكعبة فما جاءه من الرياح عن شمال الكعبة متجهاً إلى يمينها فهي ريح الشمال وهي التي تلي الحجر الأسود.
وما جاء عن يمين الكعبة متجهاً إلى شمالها فهو ريح الجنوب.
стр. 1313
وما جاء من خلفك متجهاً إلى باب الكعبة فهي الصبا.
وما جاء من أمامك متجهاً إلى دبر الكعبة فهي الدبور.
وقال العلامة القرطبي ﵀ في [تفسير] (٢/ ١٩٩ - ٢٠٠):
«قَالَ الْعُلَمَاءُ: الرِّيحُ تُحَرِّكُ الْهَوَاءَ، وَقَدْ يَشْتَدُّ وَيَضْعُفُ. فَإِذَا بَدَتْ حَرَكَةَ الْهَوَاءِ مِنْ تُجَاهِ الْقِبْلَةِ ذَاهِبَةً إِلَى سَمْتِ الْقِبْلَةِ قِيلَ لِتِلْكَ الرِّيحِ: " الصَّبَا". وَإِذَا بَدَتْ حَرَكَةُ الْهَوَاءِ مِنْ وَرَاءِ الْقِبْلَةِ وَكَانَتْ ذَاهِبَةً إِلَى تُجَاهِ الْقِبْلَةِ قِيلَ لِتِلْكَ الرِّيحِ: " الدَّبُورُ". وَإِذَا بَدَتْ حَرَكَةُ الْهَوَاءِ عَنْ يَمِينِ الْقِبْلَةِ ذَاهِبَةً إِلَى يَسَارِهَا قِيلَ لَهَا: " رِيحُ الْجَنُوبِ". وَإِذَا بَدَتْ حَرَكَةُ الْهَوَاءِ عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ ذَاهِبَةً إِلَى يَمِينِهَا قِيلَ لَهَا: " رِيحُ الشَّمَالِ". وَلِكُلِ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الرِّيَاحِ طَبْعٌ، فَتَكُونُ مَنْفَعَتُهَا بِحَسَبِ طَبْعِهَا، فَالصَّبَا حَارَّةٌ يَابِسَةٌ، وَالدَّبُورُ بَارِدَةٌ رَطْبَةٌ، وَالْجَنُوبُ حَارَّةٌ رَطْبَةٌ، وَالشَّمَالُ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ. وَاخْتِلَافُ طِبَاعِهَا كَاخْتِلَافِ طَبَائِعِ فُصُولِ السَّنَةِ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ لِلزَّمَانِ أَرْبَعَةَ فُصُولٍ مَرْجِعُهَا إِلَى تَغْيِيرِ أَحْوَالِ الْهَوَاءِ، فَجَعَلَ الرَّبِيعَ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ الْفُصُولِ حَارًّا رَطْبًا، وَرَتَّبَ فِيهِ النَّشْءَ وَالنُّمُوَّ فَتَنْزِلُ فِيهِ الْمِيَاهُ، وَتُخْرِجُ الْأَرْضُ زَهْرَتَهَا وَتُظْهِرُ نَبَاتَهَا، وَيَأْخُذُ النَّاسُ فِي غَرْسِ الْأَشْجَارِ وَكَثِيرٍ مِنَ الزَّرْعِ، وَتَتَوَالَدُ فِيهِ الْحَيَوَانَاتُ وَتَكْثُرُ الْأَلْبَانُ. فَإِذَا انْقَضَى الرَّبِيعُ تَلَاهُ الصَّيْفُ الَّذِي هُوَ مُشَاكِلٌ لِلرَّبِيعِ فِي إِحْدَى طَبِيعَتَيْهِ وَهِيَ الْحَرَارَةُ، وَمُبَايِنٌ لَهُ فِي الْأُخْرَى وَهِيَ الرُّطُوبَةُ، لِأَنَّ الْهَوَاءَ فِي الصَّيْفِ حَارٌّ يَابِسٌ، فَتَنْضَجُ فِيهِ الثِّمَارُ وَتَيْبَسُ فِيهِ الْحُبُوبُ الْمَزْرُوعَةُ فِي الرَّبِيعِ. فَإِذَا انْقَضَى الصَّيْفُ تَبِعَهُ الْخَرِيفُ الَّذِي هُوَ مَشَاكِلٌ لِلصَّيْفِ فِي إِحْدَى طَبِيعَتَيْهِ وَهِيَ الْيُبْسُ، وَمُبَايِنٌ لَهُ فِي الْأُخْرَى وَهِيَ الْحَرَارَةُ، لِأَنَّ الْهَوَاءَ فِي الْخَرِيفِ بَارِدٌ يَابِسٌ، فَيَتَنَاهَى فِيهِ
стр. 1314
صَلَاحُ الثِّمَارِ وَتَيْبَسُ وَتَجِفُّ فَتَصِيرُ إِلَى حَالِ الِادِّخَارِ، فَتُقْطَفُ الثِّمَارُ وَتُحْصَدُ الْأَعْنَابُ وَتَفْرُغُ مِنْ جَمْعِهَا الْأَشْجَارُ. فَإِذَا انْقَضَى الْخَرِيفُ تَلَاهُ الشِّتَاءُ وَهُوَ مُلَائِمٌ لِلْخَرِيفِ فِي إِحْدَى طَبِيعَتَيْهِ وَهِيَ الْبُرُودَةُ، وَمُبَايِنٌ لَهُ فِي الْأُخْرَى وَهُوَ الْيُبْسُ، لِأَنَّ الْهَوَاءَ فِي الشِّتَاءِ بَارِدٌ رَطْبٌ، فَتَكْثُرُ الْأَمْطَارُ والثلوج وتمهد الْأَرْضُ كَالْجَسَدِ الْمُسْتَرِيحِ، فَلَا تَتَحَرَّكُ إِلَّا أَنْ يعيد اللَّهُ ﵎ إِلَيْهَا حَرَارَةَ الرَّبِيعِ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ الرُّطُوبَةِ كَانَ عِنْدَ ذَلِكَ النَّشْءِ وَالنُّمُوِّ بِإِذْنِ اللَّهِ . وَقَدْ تَهُبُّ رِيَاحٌ كَثِيرَةٌ سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ، إِلَّا أَنَّ الْأُصُولَ هَذِهِ الْأَرْبَعُ. فَكُلُّ رِيحٍ تَهُبُّ بَيْنَ رِيحَيْنِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الرِّيحِ الَّتِي تَكُونُ فِي هُبُوبِهَا أَقْرَبُ إِلَى مَكَانِهَا وَتُسَمَّى" النَّكْبَاءَ"» اهـ.
قلت: وأمَّا الدلائل الأرضية فهي: الجبال والأنهار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (ص: ٥٥٧ - ٥٥٨):
«وأمَّا دلائل الأرض فقد قال بعض أصحابنا: إنَّ ذلك لا ينضبط انضباطاً عاماً لكن من كان في موضع قد علم جهات ما فيه من الجبال والأنهار والأبنية ونحو ذلك أمكنه الاستدلال.
فأمَّا بدون ذلك فإنَّ الجبال والأنهار ليست كلها على وجهة واحدة حتى يحكم عليها بحكم عام.
وقال كثير من أصحابنا يستدل بالجبال والأنهار الكبار.
أمَّا الجبال فإنَّ لها وجوها يعرفها سكانها ولذلك لكل شيء وجه يعرف بالمشاهدة قالوا: ووجوه الجبال جميعها إلى جهة بيت الله .
стр. 1315
أمَّا الأنهار فقالوا: أكثر الأنهار الكبار التي خلقها الله لم يحتفرها الناس لاغراضهم تجري من مهب الريح الشمال إلى مهب الريح الجنوب مثل الفرات ودجلة قالوا إلَّا نهرين أحدهما: بالشام يسمى العاصي والآخر بخراسان يسمى سيحون يسمى كل واحد منهما المقلوب فإذا كانت هذه الأنهار تجري من يمنة المصلي إلى يسرته وقرب كتفه الأيمن من الماء وبعدها اليسرى منه إذا كان الماء أمامه وإن كان الماء خلفه فبالعكس فقد استقبل جهة الكعبة، والنهران المقلوبات يجعلهما بالعكس جاريين من ميسرته إلى ميمنته وهذا والله أعلم في قبلة أهل العراق وخراسان ومن قاربهم من أهل الشام ونحوهم وإلَّا فنيل مصر يجري من الجنوب إلى الشمال ونهر الأردن بالشام يجري إلى ناحية الجنوب وهي ناحية القبلة» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٢١ - ٣٢٢):
«وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الِاسْتِدْلَالَ بِالْمِيَاهِ، وَقَالُوا: الْأَنْهَارُ الْكِبَارُ كُلُّهَا تَجْرِي عَنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَسْرَتِهِ، عَلَى انْحِرَافٍ قَلِيلٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَالنَّهْرَوَانِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالْأَنْهَارِ الْمُحْدَثَةِ؛ لِأَنَّهَا تَحْدُثُ بِحَسَبِ الْحَاجَاتِ إلَى الْجِهَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَلَا بِالسَّوَاقِي وَالْأَنْهَارِ الصِّغَارِ؛ لِأَنَّهَا لَا ضَابِطَ لَهَا، وَلَا بِنَهْرَيْنِ يَجْرِيَانِ مِنْ يَسْرَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَمِينِهِ، أَحَدُهُمَا الْعَاصِي بِالشَّامِ، وَالثَّانِي سَيْحُونُ بِالْمَشْرِقِ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَنْضَبِطُ بِضَابِطٍ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَنْهَارِ الشَّامِ تَجْرِي عَلَى غَيْرِ السَّمْتِ الَّذِي ذَكَرُوهُ، فَالْأُرْدُنُّ يَجْرِي نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا يَجْرِي نَحْوَ الْبَحْرِ،
стр. 1316
حَيْثُ كَانَ مِنْهَا حَتَّى يَصُبَّ فِيهِ. وَإِنْ اخْتَصَّتْ الدَّلَالَةُ بِمَا ذَكَرُوهُ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي الشَّامِ سِوَى الْعَاصِي، وَالْفُرَاتُ حَدُّ الشَّامِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ» اهـ.
قال العلامة المرداوي ﵀ في [الإقناع] (١/ ١٠٤):
«وَمِنْهَا الْجِبَالُ الْكِبَارُ، فَكُلُّهَا مُمْتَدَّةٌ عَنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَسْرَتِهِ، وَهَذِهِ دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ لَكِنْ تَضْعُفُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْمُصَلِّي يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ هَلْ يَجْعَلُ الْجَبَلَ الْمُمْتَدَّ خَلَفَهُ أَوْ قُدَّامَهُ؟ فَتَحْصُلُ الدَّلَالَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ وَالِاشْتِبَاهُ عَلَى جِهَتَيْنِ، هَذَا إذَا لَمْ يَعْرِفْ وَجْهَ الْجَبَلِ فَإِنَّ وُجُوهَ الْجِبَالِ إلَى الْقِبْلَةِ وَهُوَ مَا فِيهِ مِصْعَدُهُ» اهـ.
قلت: والمصعد من الجبل هو موضع الصعود منه.
والاستدلال بالجبال على معرفة القبلة ضعيف ولا ينضبط، نعم من كان في موضع يعرف فيه اتجاه الجبال فيمكن أن يستدل بها على جهة القبلة.
قال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٢/ ١٢٧):
«قَالُوا: وَبِالْجِبَالِ، فَكُلُّ جَبَلٍ لَهُ وَجْهٌ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْقِبْلَةِ يَعْرِفُهُ أَهْلُهُ وَمَنْ مَرَّ بِهِ، وَذَلِكَ
ضَعِيفٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ جَمَاعَةٌ» اهـ.
قلت: ويمكن أيضاً معرفة جهة القبلة عن طريق الآلات الحديثة كالبوصلة، والجوجل.
* * *
стр. 1317
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٦٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: اسْتَقْبَلْنَا أَنَساً حِينَ قَدِمَ مِنْ الشَّامِ، فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَوَجْهُهُ مِنْ ذَا الْجَانِبِ - يَعْنِي عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ - فَقُلْتُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ؟ فَقَالَ: «لَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ مَا فَعَلْتُهُ».
اللفظ الذي ذكره المصنف هو لفظ البخاري (١١٠٠)، ولفظ مسلم (٧٠٢): «تَلَقَّيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ فَتَلَقَّيْنَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَوَجْهُهُ ذَلِكَ الْجَانِبَ وَأَوْمَأَ هَمَّامٌ عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ فَقُلْتُ لَهُ رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ».
وقوله في رواية مسلم: «حِينَ قَدِمَ الشَّامَ». مشكل مع رواية البخاري.
لكن قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ٢١٢):
«هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ وَقِيلَ إِنَّهُ وَهْمٌ وَصَوَابُهُ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْبَصْرَةِ لِلِقَائِهِ حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ قُلْتُ وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ صَحِيحَةٌ وَمَعْنَاهَا تَلَقَّيْنَاهُ فِي رُجُوعِهِ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ وَإِنَّمَا حَذَفَ ذِكْرَ رُجُوعِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٥٧٦):
«قوله: "فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ" هو موضع بطريق العراق مما يلي الشام وكانت به وقعة شهيرة في آخر خلافة أبي بكر بين خالد بن الوليد والأعاجم ووجد بها غلماناً
стр. 1318
من العرب كانوا رهناً تحت يد كسرى منهم جد الكلبي المفسر وحمران مولى عثمان وسيرين مولى أنس» اهـ.
قلت: عين التمر تابعة لكربلاء وهي من مدن العراق، وهي قريبة من الأنبار غربي الكوفة.
قال ياقوت الحموي في [معجم البلدان] (٤/ ١٧٦):
«بلدة قريبة من الأنبار غربي الكوفة بقربها موضع يقال له شفاثا، منهما يجلب القسب والتمر إلى سائر البلاد، وهو بها كثير جدّا، وهي على طرف البرية، وهي قديمة افتتحها المسلمون في أيام أبي بكر على يد خالد بن الوليد في سنة ١٢ للهجرة، وكان فتحها عنوة فسبى نساءها وقتل رجالها، فمن ذلك السبي والدة محمد بن سيرين، وسيرين اسم أمه، وحمران بن أبان مولى عثمان بن عفان» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - فيه جواز صلاة النافلة على الراحلة في السفر.
وأمَّا ما جاء عن أنس من الصلاة على الراحلة في أزقة المدينة لم أقف عليه مسنداً.
لكن قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١٧/ ٧٨):
«وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُصَلِّي فِي الْمِصْرِ عَلَى الدَّابَّةِ بِالْإِيمَاءِ لِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى حِمَارٍ فِي أَزِقَّةِ الْمَدِينَةِ يُومِئُ إِيمَاءً. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: يَجُوزُ لِكُلِّ رَاكِبٍ وَمَاشٍ حَاضِرًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا أَنْ يَتَنَفَّلَ عَلَى دَابَّتِهِ وَرَاحِلَتِهِ وَعَلَى رِجْلَيْهِ وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ جَوَازُ التَّنَفُّلِ عَلَى الدَّابَّةِ فِي
стр. 1319
الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَقَالَ الْأَثْرَمُ قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ الصَّلَاةُ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْحَضَرِ فَقَالَ أَمَّا فِي السَّفَرِ فَقَدْ سَمِعْنَا وَمَا سَمِعْتُ فِي الْحَضَرِ» اهـ.
قلت: حديث يحيى بن سعيد جاء بغير هذا اللفظ، وهو ما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٨٥١٦) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ أَنَسًا يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ يُومِئُ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ».
ورواه مالك في [الموطأ] (٢٦) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي السَّفَرِ وَهُوَ «يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، إِيمَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضَعَ وَجْهَهُ عَلَى شَيْءٍ».
قلت: إسناده صحيح.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨):
«ذَكَرَ مَالِكٌ حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ هَذَا عَنْ أَنَسٍ فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ فِي أَزِقَّةِ الْمَدِينَةِ بَلْ قَالَ فِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي السَّفَرِ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ مُتَوَجِّهًا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ إِيمَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضَعَ وَجْهَهُ على شيء.
وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَحَدٌ يُقَاسُ بِمَالِكٍ وَقَدْ قَالَ فِيهِ فِي السَّفَرِ فَبَطُلَ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي أَزِقَّةِ الْمَدِينَةِ يُرِيدُ الْحَضَرَ» اهـ.
٢ - وفيه أنَّه لا يجب استقبال القبلة في صلاة النافلة على الراحلة في السفر. كما سبق.
٣ - وفيه دليل على جواز الصلاة على الحمار.
стр. 1320
وقد روى مسلم (٧٠٠) من طريق عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ».
قلت: لكن قال الحافظ النسائي في [السنن] (٢/ ٣٩٢):
«لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى عَلَى قَوْلِهِ: "يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ"، وَحَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسٍ الصَّوَابُ مَوْقُوفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال الحافظ الزيلعي ﵀ في [نصب الراية] (٢/ ١٥١):
«وقد غلط الدارقطني. وغيره عمرو بن يحيى في ذلك، والمعروف على راحلته، وعلى البعير، انتهى» اهـ.
وروى النسائي (٧٤١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ، «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ رَاكِبٌ إِلَى خَيْبَرَ وَالْقِبْلَةُ خَلْفَهُ».
لكن قال العلامة الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (١٢/ ٨٨ - ٩٠):
«يرويه داود بن قيس الفراء، واختلف عنه؛ فرواه إسماعيل بن عمر أبو المنذر، عن داود بن قيس، عن ابن عجلان، عن يحيى بن سعيد، عن أنس، عن النبي ﷺ .
وخالفه عبد الله بن المسيح، وإسحاق بن سليمان الرازي، فروياه عن داود بن قيس، عن يحيى بن سعيد، عن أنس مرفوعاً أيضاً، ولم يذكروا فيه عن ابن عجلان.
стр. 1321
وخالفهم مالك بن أنس، وابن عيينة، ووهيب، ويحيى القطان، وعمرو بن الحارث، وزهير، وعبد الله بن عمرو، وعبد الوهاب الثقفي، وعبد العزيز القسملي، وزفر بن الهذيل، وهشيم، وعبد الرحمن بن اليمان شيخ يروي عنه الأوزاعي فقط، والدراوردي، وأبو حمزة السكري، وعبدة بن سليمان، فرووه عن يحيى بن سعيد، عن أنس موقوفاً، وهو الصواب» اهـ.
قلت: ومن ذهب إلى نجاسة الحمار اشترط لمن أراد أن يصلي عليه النافلة أن يجعل بينه وبين بدن الحمار سترة طاهرة، والصحيح عدم الاشتراط لطهارة بدن الحمار.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣١٥):
«لَكِنْ إنْ صَلَّى عَلَى حَيَوَانٍ نَجِسٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ طَاهِرَةٌ» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٢٤٠):
«يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَا يُلَاقِي بَدَنَ الْمُصَلِّي عَلَى الرَّاحِلَةِ وَثِيَابِهِ مِنْ السَّرْجِ وَالْمَتَاعِ وَاللِّجَامِ وَغَيْرِهَا طَاهِرًا وَلَوْ بَالَتْ الدَّابَّةُ أَوْ وَطِئَتْ نَجَاسَةً أَوْ كَانَ عَلَى السَّرْجِ نَجَاسَةٌ فَسَتَرَهَا وَصَلَّى عَلَيْهِ لَمْ يَضُرَّ وَلَوْ أَوْطَأَهَا الرَّاكِبُ نَجَاسَةً لَمْ يَضُرَّ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ النَّجَاسَةَ وَلَا حَمَلَ مَا يُلَاقِيهَا وَبِهَذَا الْوَجْهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَلَوْ دَمِيَ فَمُ الدَّابَّةِ وَفِي يَدِهِ لِجَامُهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ صَلَّى وَفِي يَدِهِ حَبْلٌ طَاهِرٌ طَرَفُهُ عَلَى نَجَاسَةٍ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَلَوْ وَطِئَ الْمُتَنَفِّلُ مَاشِيًا عَلَى نَجَاسَةٍ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَتَحَفَّظَ وَيَتَصَوَّنَ وَيَحْتَاطَ فِي الْمَشْيِ لِأَنَّ
стр. 1322
الطَّرِيقَ يَغْلِبُ فِيهَا النَّجَاسَةُ وَالتَّصَوُّنُ مِنْهَا عَسِرٌ فَمُرَاعَاتُهُ تَقْطَعُ الْمُسَافِرَ عَنْ أَغْرَاضِهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَوْ انْتَهَى إلَى نَجَاسَةٍ يَابِسَةٍ لَا يَجِدُ عَنْهَا مَعْدِلًا فَهَذَا فِيهِ احْتِمَالٌ قَالَ وَلَا شَكَّ لَوْ كَانَتْ رَطْبَةً فَمَشَى عَلَيْهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حَامِلَ نَجَاسَةٍ» اهـ.
٤ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٥٧٧):
«وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما مضى أنَّ من صلى على موضع فيه نجاسة لا يباشرها بشيء منه أنَّ صلاته صحيحة لأنَّ الدابة لا تخلو من نجاسة ولو على منفذها» اهـ.
قلت: ومثل ذلك لو صلى على بساط في طرفه نجاسة فصلاته صحيحه إذا لم يباشر النجاسة ببدنه.
وهكذا تصح الصلاة على الشيء النجس إذا بسط عليه بساط كثيف، وقد أفتى بذلك الإمام مالك ﵀ وجماعة من العلماء فقد جاء في [التهذيب في اختصار المدونة] (١/ ٢٤٤) اختصار أبي القاسم القيرواني:
«وجائز أن يصلي المريض على فراش نجس إذا بسط عليه ثوباً طاهراً كثيفاً» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٥٧):
«فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ نَجِسَةً، فَطَيَّنَهَا بِطَاهِرٍ، أَوْ بَسَطَ عَلَيْهَا شَيْئًا طَاهِرًا، صَحَّتْ الصَّلَاةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، ﵀. وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا: لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا مَدْفِنُ النَّجَاسَةِ، فَأَشْبَهَتْ الْمَقْبَرَةَ. وَلَنَا أَنَّ
стр. 1323
الطَّهَارَةَ إنَّمَا تُشْتَرَطُ فِي بَدَنِ الْمُصَلِّي وَثَوْبِهِ وَمَوْضِعِ صَلَاتِهِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَلَا نُسَلِّمُ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّهُ لَوْ صَلَّى بَيْنَ الْقُبُورِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْفِنًا لِلنَّجَاسَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مُعَلَّلٍ؛ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ١٥٨):
«قَالَ أَصْحَابُنَا يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَزْبَلَةٍ وَغَيْرِهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ فَوْقَ حَائِلٍ طَاهِرٍ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَقْبَرَةِ» اهـ.
قلت: ومن هذا أيضاً الصلاة على سطح الحمام أو الكنيف فإنَّ الصحيح صحة الصلاة لأنَّ المصلي لم يباشر النجاسة ببدنه، ولأنَّه لا يدخل في مسنى الصلاة في الحمام والكنيف ولا في معنى ذلك.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤):
«فَصْلٌ: وَإِنْ صَلَّى عَلَى سَطْحِ الْحُشِّ أَوْ الْحَمَّامِ أَوْ عَطَنِ الْإِبِلِ أَوْ غَيْرِهَا، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُصَلِّي فِيهَا؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ، فَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُهُ، وَلِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَدَخَلَ سَطْحَهَا، حَنِثَ، وَلَوْ خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ إلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ.
وَالصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، قَصْرُ النَّهْيِ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُعَدَّى إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إنْ كَانَ تَعَبُّدِيًّا فَالْقِيَاسُ فِيهِ مُمْتَنِعٌ، وَإِنْ عُلِّلَ فَإِنَّمَا تَعَلَّلَ بِكَوْنِهِ لِلنَّجَاسَةِ، وَلَا يُتَخَيَّلُ هَذَا فِي سَطْحِهَا» اهـ.
وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ كما في [مجموع فتاوى ورسائل العثيمين] (١٢/ ٣٨٠):
стр. 1324
«الصلاة فوق سطوح حماماتنا المعروفة لا بأس بها، لأن الحمامات عندنا لا تستقل ببناء خاص ويكون سطحها سطح جميع البيوت، والصلاة فوق سطح مجامع الفضلات النجسة لا بأس بها أيضاً لدخولها في عموم قوله ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً"» اهـ.
وجاء في [فتاوى اللجنة الدائمة]- ١ (٦/ ٢١٢ - ٢١٤) الفتوى رقم (٣٠٥١):
«الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وصحبه .. وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الاستفتاء المقدم لسماحة الرئيس العام من مدير عام الشئون الإدارية بوزارة التجارة المحال من سماحته برقم ١٩٣٩ في ٢٩\ ٤ \ ١٤٠٠ هـ، ونصه: أود إحاطة فضيلتكم علماً أنَّ هذه الوزارة قد انتهت منذ بضعة شهور من إنشاء مسجد ضمن مبنى الوزارة في الرياض أعني وزارة التجارة لتمكين الموظفين من أداء الصلاة فيه. ويقع هذا المسجد في الدور الأول من مبنى الوزارة وتحته مباشرة مكاتب للموظفين ودورة مياه (حمام) تحت مؤخرة المسجد، وقد ذكر بعض موظفي الوزارة أنَّ الصلاة لا تجوز في جزء المسجد الواقع فوق سطح دورة المياه بحجة وجود نص شرعي معناه عدم جواز الصلاة في أرضية الحمام، وأنَّ هناك من يرى أنَّ هذا الحكم ينسحب على سطح الحمام باعتباره جزءاً من بنائه ونظراً لأهمية هذا الموضوع فقد رأينا استفتاء فضيلتكم في ذلك … مع إحاطتكم علما بأن المسافة بين أرضية الحمام وسقفه هي ثلاثة أمتار، وأن سماكة الصبة الخرسانية المسلحة التي تكون السقف
стр. 1325
هي ١٥ سم يلي ذلك بلاطة بسماكة ١٠ سم، وأن أرضية المسجد مفروشة بكاملها ببساط سميك … أرجو إفادتنا عن الحكم الشرعي في ذلك.
وأجابت بما يلي:
إذا كان الواقع كما ذكر جاز أن يصلي على سطح دورة المياه المذكورة ولا حرج إن شاء الله ولا كراهية في ذلك لأن السطح لا يتبع الأصل في مثل هذا، وهذا هو الصحيح من قولي العلماء في هذه المسألة، كما صرح بذلك أبو محمد ابن قدامة المقدسي ﵀ في كتابه المغني.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس
عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
قلت: ونُقل المنع عن الإمام أحمد فقد قال العلامة الشاشي ﵀ في [حلية العلماء] (٢/ ٥١):
«وَقَالَ أَحْمد لَا تجوز الصَّلَاة فِي الْحمام وَلَا على سطحه» اهـ.
قلت: وجمهور العلماء يصححون الصلاة في الحمام إذا صلى في موضع طاهر منه فمن باب أولى أنَّهم يصححون الصلاة على سطحه.
٥ - ويدل الحديث أيضاً على طهارة الحمار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٥٢٠):
стр. 1326
«وَلَكِنَّ الْحَمِيرَ فِيهَا خِلَافٌ: هَلْ هِيَ طَاهِرَةٌ أَوْ نَجِسَةٌ؟ أَوْ مَشْكُوكٌ فِيهَا؟ وَالصَّحِيحُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّ شَعْرَهَا طَاهِرٌ إذْ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ شَعْرَ الْكَلْبِ طَاهِرٌ فَشَعْرُ الْحِمَارِ أَوْلَى» اهـ.
стр. 1327
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب الصفوف
٦٩ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ تَمَامِ الصَّلاةِ».
قلت: الصف في الصلاة من خصائص هذه الأمة، وفيه تشبه بصف الملائكة عند ربها.
فقد روى مسلم (٥٢٢) عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ». وَذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى.
وروى مسلم (٤٣٠) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ" قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَرَآنَا حَلَقًا فَقَالَ: "مَالِي أَرَاكُمْ عِزِينَ" قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: "أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا". فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا قَالَ: "يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ"».
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٣٨):
стр. 1328
«وأعلم؛ أنَّ الصفوف في الصلاة مما خص الله به هذه الأمة وشرفها به؛ فإنَّهم أشبهوا بذلك صفوف الملائكة في السماء، كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، وأقسم بالصافات صفاً، وهم الملائكة.
وفي "صحيح مسلم" عن حذيفة، عن النبي ﷺ ، قالَ: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة" الحديث.
وفيه - أيضاً - عن جابر بن سمرة، قالَ: خرج علينا رسول الله ﷺ فقالَ: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عندَ ربها؟ " فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قالَ: "يتمون الصفوف الأولى، ويتراصون في الصف".
وروى ابن أبي حاتم من رواية أبي نضرة، قالَ: كانَ ابن عمر إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه، ثم قالَ: أقيموا صفوفكم، استووا قياماً، يريد الله بكم هدي الملائكة. ثم يقول: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، تأخر فلان، تقدم فلان، ثم يتقدم فيكبر.
وروى ابن جريح، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث، قالَ: كانوا لا يصفون في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾.
وقد روي أن من صفة هذه الأمة في الكتب السالفة: صفهم في الصلاة، كصفهم في القتال» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - الأمر بتسوية الصفوف.
стр. 1329
وقد اختلف العلماء في حكم تسوية الصفوف فذهب الأئمة الأربعة إلى استحباب التسوية، وذهب الإمام البخاري، وابن حزم الظاهري إلى وجوبها.
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
قال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٢/ ١٠٤):
«ويتوجه يجب تسوية الصفوف، وهو ظاهر كلام شيخنا» اهـ.
وقال العلامة البعلي ﵀ في [الاختيارات الفقهية] ص (٤١٦):
«وظاهر كلام أبي العباس أنَّه يجب تسوية الصفوف لأنَّه ﵇ رأى رجلاً بادياً صدره فقال: "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" وقال ﵇: "سووا صفوفكم فإنَّ تسويتها مِنْ تمام الصلاة" متفق عليهما وترجم عليه البخاري بباب: إثم مَنْ لم يقم الصف.
قلت: ومَن ذكر الإجماع على استحبابه فمراده ثبوت استحبابه لا نفي وجوبه والله أعلم» اهـ.
قلت: ظاهر الأدلة تدل على وجوب التسوية للأمر بذلك، وللعقوبة التي ذكرها النبي ﷺ وهي مخالفة الوجوه فإنَّ مثل هذه العقوبة لا تكون في ترك ما هو مستحب.
والمراد بتسوية الصفوف وإقامتها: قيام المصلين على سمت واحد، والتصاق بعضهم ببعض بحيث لا يكون بينهم خلل، وتتميم الصفوف المقدمة أولاً فأولاً، والتقارب بين الصفوف.
стр. 1330
وتكون التسوية بالمحاذاة بين المناكب والأعناق والكعبين، والركبتين، وإلصاق القدمين.
قلت: أما دليل الالتصاق فما رواه البخاري (٧١٩) من حديث أنس قال: «قَالَ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: "أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي"».
وروى أحمد (١٤٠١٧)، وأبو داود (٦٦٧)، والنسائي (٨١٥) بإسناد صحيح عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهَا وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَفُ». هذا لفظ أبي داود ولفظ أحمد، والنسائي: «رَاصُّوا صُفُوفَكُمْ».
قال العلامة ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٣٩):
«التراص: هوَ التضام والتداني والتلاصق. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٠٨):
«قوله: "وتراصوا" بتشديد الصاد المهملة أي تلاصقوا بغير خلل» اهـ.
وقال العلامة علي القاري ﵀ في [مرقاة المفاتيح] (٣/ ٨٥٢):
«"وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ" أَيْ: بِأَنْ لَا يَتَرَفَّعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِأَنْ يَقِفَ فِي مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِ الْآخَرِ قَالَهُ الْقَاضِي، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَا عِبْرَةَ بِالْأَعْنَاقِ إِذْ لَيْسَ عَلَى الطَّوِيلِ أَنْ يَجْعَلَ عُنُقَهُ مُحَاذِيًا لِلْقَصِيرِ، انْتَهَى. وَأَمَّا تَفْسِيرُ مُحَاذَاةِ الْأَعْنَاقِ بِالْمُحَاذَاةِ
стр. 1331
بِالْمَنَاكِبِ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ حَجَرٍ، فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ هَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: "رُصُّوا صُفُوفَكُمْ" اهـ.
وأمَّا الدليل على تتميم الصفوف المقدمة أولاً فأولاً فما رواه أحمد (١٢٣٧٤، ١٣٢٧٠، ١٣٤٦٤)، وأبو داود (٦٧١)، والنسائي (٨١٧) من طريق سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتِمُّوا الصَّفَّ الْأَوَّلَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَإِنْ كَانَ نَقْصٌ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ».
قلت: هذا حديث صحيح.
وأمَّا الدليل على التقارب بين الصفوف حديث أنس السابق إذ فيه: «وَقَارِبُوا بَيْنَهَا».
قال في [عون المعبود] (٢/ ٢٥٩):
«"وَقَارِبُوا بَيْنَهَا" أَيْ بَيْنَ الصُّفُوفِ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ صَفٌّ آخَرُ قَالَهُ فِي المرقاة» اهـ.
وأما الدليل على كون التسوية بالمحاذاة بين المناكب والأعناق والكعبين، والركبتين، وإلصاق القدمين.
فحديث أنس السابق «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهَا وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ».
وروى أحمد (٥٧٢٤)، وأبو داود (٦٦٦) من طريق مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، فَإِنَّمَا تَصُفُّونَ بِصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، وَلِينُوا فِي أَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ،
стр. 1332
وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا، وَصَلَهُ اللهُ ﵎، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللهُ ﵎».
قلت: هذا إسناد حسن وقد اختلف في وصله وإرساله.
وروى البخاري (٧٢٥) عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي». وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ.
وروى أحمد (١٨٤٥٣) أبو داود (٦٦٢) بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ». ثَلَاثًا، «وَاللَّهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ» قَالَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَلْزَقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَرُكْبَتَهُ بِرُكْبَةِ صَاحِبِهِ وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ.
قال العلامة إبراهيم بن مفلح الحنبلي ﵀ في [النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر] (١/ ١١٥):
«والتسوية فِي الصَّفّ بمحاذاة المناكب والأكعب فِيهِ دون أَطْرَاف الْأَصَابِع ذكره المُصَنّف وَغَيره» اهـ.
قلت: وقد كان النبي ﷺ يهتم بمحاذاة المناكب.
فروى مسلم (٤٣٢) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ:
«اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».
قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ فَأَنْتُمْ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا اهـ.
стр. 1333
وروى أبو داود (٦٦٤) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وَأَبُوعَاصِمِ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ الْيَامِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا وَيَقُولُ: «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الْأُوَلِ».
قلت: إسناده صحيح.
قال العلامة العيني ﵀ في [شرح أبي داود] (٣/ ٢١٤):
«قوله: "يتخللُ الصفّ" أي: يدخل في أثنائه؟ وأصل التخلل من إدخال الشيء في خلال الشيء أي: وَسطه» اهـ.
وقال في [عون العبود] (٢/ ٢٥٧): «"يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ" أَيْ يَدْخُلُ بَيْنَهُمْ» اهـ.
قلت: وهكذا مما يراعى محاذاة الصدور كما في الحديث البراء الماضي، وروى مسلم (٤٣٦) عن النُّعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنْ الصَّفِّ فَقَالَ: «عِبَادَ اللَّهِ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ».
قلت: بدو الصدر دليل على تقدم المصلي عن سمت الصف، وأمَّا بدو الكرش فليس من هذا إذا كان سببه عظم الكرش.
стр. 1334
قلت: وسنة تسوية الصفوف وإقامتها كما جاءت بها السنة من الأمور المهجورة منذ الزمن القديم.
وقد روى البخاري (٧٢٤) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ: مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلاَّ أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ».
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٥٢٤)، ومن طريقه أبو يعلى في [مسنده] (٣٧٢٠) حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اعْتَدِلُوا فِي صُفُوفِكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» قَالَ أَنَسٌ: «لَقَدْ رَأَيْتُ أَحَدَنَا يَلْزَقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ، وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ، وَلَوْ ذَهَبْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ لَتَرَى أَحَدَهُمْ كَأَنَّهُ بَغْلٌ شَمُوسٌ».
ورواه أيضاً أبو طاهر في [الملخصيَّات] (٩٣) من طريق هشيم.
قلت: إسناده صحيح، وأصله في البخاري كما مرَّ قريباً.
وأحرص الناس عليها هم أهل السنة أهل الحديث فهم يحرصون على إقامتها في مساجدهم ويهتمون بها لمعرفتهم بما صح فيها من الحديث.
ومما يتنبه له في إقامة الصفوف أنَّه يبتدأ بها من خلف الإمام.
ومما يدل على ذلك ما رواه مسلم (٣٠١٠) عن جابر بن عبد الله قال - في حديث طويل وفيه-:
стр. 1335
«ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحَوْضِ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ ثُمَّ قُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ مِنْ مُتَوَضَّإِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَقْضِي حَاجَتَهُ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ ذَهَبْتُ أَنْ أُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا فَلَمْ تَبْلُغْ لِي وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ فَنَكَّسْتُهَا ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ».
قال العلامة القرافي ﵀ في [الذخيرة] (٢/ ٢٦٠):
«قَالَ اللَّخْمِيُّ: يَبْتَدِأُ بِالصُّفُوفِ مِنْ خَلْفِ الْإِمَامِ ثُمَّ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ حَتَّى يَتِمَّ الصَّفُّ وَلَا يَبْتَدِأُ بِالثَّانِي حَتَّى يُكْمِلَ الْأَوَّلَ وَلَا بِالثَّالِثِ قَبْلَ الثَّانِي وَالصَّفُّ الْأَوَّلُ مَا يَلِي الْإِمَامَ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَقْصُورَةٌ مُحَجَّرَةٌ فَالصَّفُّ الْأَوَّلُ الْخَارِجُ عَنْهَا» اهـ.
٢ - وفيه دليل على أنَّ الإمام يستحب له أن يقبل على المأمومين بعد إقامة الصلاة، ويأمرهم بتسوية صفوفهم.
قلت: ولتسوية الصفوف فوائد متعددة ذكرها العلماء منها:
أحدها: حصول الاستقامة والاعتدال ظاهراً وهذا مما يورث الاستقامة والاعتدال باطناً.
ثانيها: منع الشيطان من التخلل بينهم ليفسد عليهم صلاتهم بالوسوسة.
следующие страницы →