← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

بِالْمَنَاكِبِ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ حَجَرٍ، فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ هَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: "رُصُّوا صُفُوفَكُمْ" اهـ. وأمَّا الدليل على تتميم الصفوف المقدمة أولاً فأولاً فما رواه أحمد (١٢٣٧٤، ١٣٢٧٠، ١٣٤٦٤)، وأبو داود (٦٧١)، والنسائي (٨١٧) من طريق سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتِمُّوا الصَّفَّ الْأَوَّلَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَإِنْ كَانَ نَقْصٌ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ». قلت: هذا حديث صحيح. وأمَّا الدليل على التقارب بين الصفوف حديث أنس السابق إذ فيه: «وَقَارِبُوا بَيْنَهَا». قال في [عون المعبود] (٢/ ٢٥٩): «"وَقَارِبُوا بَيْنَهَا" أَيْ بَيْنَ الصُّفُوفِ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ صَفٌّ آخَرُ قَالَهُ فِي المرقاة» اهـ. وأما الدليل على كون التسوية بالمحاذاة بين المناكب والأعناق والكعبين، والركبتين، وإلصاق القدمين. فحديث أنس السابق «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهَا وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ». وروى أحمد (٥٧٢٤)، وأبو داود (٦٦٦) من طريق مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، فَإِنَّمَا تَصُفُّونَ بِصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، وَلِينُوا فِي أَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ،

стр. 1332

وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا، وَصَلَهُ اللهُ ﵎، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللهُ ﵎». قلت: هذا إسناد حسن وقد اختلف في وصله وإرساله. وروى البخاري (٧٢٥) عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي». وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ. وروى أحمد (١٨٤٥٣) أبو داود (٦٦٢) بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ». ثَلَاثًا، «وَاللَّهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ» قَالَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَلْزَقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَرُكْبَتَهُ بِرُكْبَةِ صَاحِبِهِ وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ. قال العلامة إبراهيم بن مفلح الحنبلي ﵀ في [النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر] (١/ ١١٥): «والتسوية فِي الصَّفّ بمحاذاة المناكب والأكعب فِيهِ دون أَطْرَاف الْأَصَابِع ذكره المُصَنّف وَغَيره» اهـ. قلت: وقد كان النبي ﷺ يهتم بمحاذاة المناكب. فروى مسلم (٤٣٢) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: «اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ فَأَنْتُمْ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا اهـ.

стр. 1333

وروى أبو داود (٦٦٤) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وَأَبُوعَاصِمِ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ الْيَامِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا وَيَقُولُ: «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الْأُوَلِ». قلت: إسناده صحيح. قال العلامة العيني ﵀ في [شرح أبي داود] (٣/ ٢١٤): «قوله: "يتخللُ الصفّ" أي: يدخل في أثنائه؟ وأصل التخلل من إدخال الشيء في خلال الشيء أي: وَسطه» اهـ. وقال في [عون العبود] (٢/ ٢٥٧): «"يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ" أَيْ يَدْخُلُ بَيْنَهُمْ» اهـ. قلت: وهكذا مما يراعى محاذاة الصدور كما في الحديث البراء الماضي، وروى مسلم (٤٣٦) عن النُّعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنْ الصَّفِّ فَقَالَ: «عِبَادَ اللَّهِ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ». قلت: بدو الصدر دليل على تقدم المصلي عن سمت الصف، وأمَّا بدو الكرش فليس من هذا إذا كان سببه عظم الكرش.

стр. 1334

قلت: وسنة تسوية الصفوف وإقامتها كما جاءت بها السنة من الأمور المهجورة منذ الزمن القديم. وقد روى البخاري (٧٢٤) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ: مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلاَّ أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ». وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٥٢٤)، ومن طريقه أبو يعلى في [مسنده] (٣٧٢٠) حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اعْتَدِلُوا فِي صُفُوفِكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» قَالَ أَنَسٌ: «لَقَدْ رَأَيْتُ أَحَدَنَا يَلْزَقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ، وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ، وَلَوْ ذَهَبْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ لَتَرَى أَحَدَهُمْ كَأَنَّهُ بَغْلٌ شَمُوسٌ». ورواه أيضاً أبو طاهر في [الملخصيَّات] (٩٣) من طريق هشيم. قلت: إسناده صحيح، وأصله في البخاري كما مرَّ قريباً. وأحرص الناس عليها هم أهل السنة أهل الحديث فهم يحرصون على إقامتها في مساجدهم ويهتمون بها لمعرفتهم بما صح فيها من الحديث. ومما يتنبه له في إقامة الصفوف أنَّه يبتدأ بها من خلف الإمام. ومما يدل على ذلك ما رواه مسلم (٣٠١٠) عن جابر بن عبد الله قال - في حديث طويل وفيه-:

стр. 1335

«ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحَوْضِ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ ثُمَّ قُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ مِنْ مُتَوَضَّإِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَقْضِي حَاجَتَهُ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ ذَهَبْتُ أَنْ أُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا فَلَمْ تَبْلُغْ لِي وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ فَنَكَّسْتُهَا ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ». قال العلامة القرافي ﵀ في [الذخيرة] (٢/ ٢٦٠): «قَالَ اللَّخْمِيُّ: يَبْتَدِأُ بِالصُّفُوفِ مِنْ خَلْفِ الْإِمَامِ ثُمَّ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ حَتَّى يَتِمَّ الصَّفُّ وَلَا يَبْتَدِأُ بِالثَّانِي حَتَّى يُكْمِلَ الْأَوَّلَ وَلَا بِالثَّالِثِ قَبْلَ الثَّانِي وَالصَّفُّ الْأَوَّلُ مَا يَلِي الْإِمَامَ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَقْصُورَةٌ مُحَجَّرَةٌ فَالصَّفُّ الْأَوَّلُ الْخَارِجُ عَنْهَا» اهـ. ٢ - وفيه دليل على أنَّ الإمام يستحب له أن يقبل على المأمومين بعد إقامة الصلاة، ويأمرهم بتسوية صفوفهم. قلت: ولتسوية الصفوف فوائد متعددة ذكرها العلماء منها: أحدها: حصول الاستقامة والاعتدال ظاهراً وهذا مما يورث الاستقامة والاعتدال باطناً. ثانيها: منع الشيطان من التخلل بينهم ليفسد عليهم صلاتهم بالوسوسة.

стр. 1336

ثالثها: ما في ذلك من حسن الهيئة. وروى البخاري (٧٢٢)، ومسلم (٤٣٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ». رابعها: أن في ذلك تمكنهم من صلاتهم مع كثرة جمعهم فإذا تراصوا وسع جميعهم المسجد وإذا لم يفعلوا ذلك ضاق عنهم. ٣ - واحتج بقوله: «مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ» على أنَّ التسوية مستحبة لأنَّه لم يذكر أنَّه من أركانها ولا واجباتها وتمام الشيء أمر زائد على حقيقته التي لا يتحقق إلَّا بها. قلت: الإتمام يأتي والمراد الإتمام بالواجبات كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١٩/ ٢٩١): «والمراد بالإتمام الواجب الإتمام بالواجبات» اهـ. قلت: وقد روى أبو داود (٨٥٧، ٨٥٨)، وابن ماجه (٤٦٠) من حديث رفاعة بن رافع عن النبي ﷺ أنَّه قال: «إِنَّهُ لَا تَتِمُّ صَلَاةٌ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، فَيَضَعَ الْوُضُوءَ - يَعْنِي مَوَاضِعَهُ - ثُمَّ يُكَبِّرُ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ بِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى

стр. 1337

يَسْتَوِيَ قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرُ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ». قلت: هذا حديث صحيح. قلت: وهذا تمام بالأركان والواجبات. تنبيه: قوله: «مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ». هذا لفظ مسلم (٤٣٣). وعنده بإفراد الصفوف ولفظه: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ». ولفظ البخاري (٧٢٣): «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ». قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (١/ ١٦٣): «مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ إِقَامَتِهَا الْمَأْمُورِ بِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾» اهـ. وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٢٧٨): «والمراد بإقامتها: الإتيان بها على وجه الكمال. ولم يذكر في القرأن سوى إقامة الصلاة، والمراد: الإتيان بها قائمة على وجهها الكامل» اهـ. مسألة: وضعت في الأزمان المتأخرة خطوط على فرش المساجد من أجل تسوية الصفوف فتنازع العلماء فيها فقال بعضهم: هي بدعة لأنَّ مقتضاها كان موجوداً في زمن رسول الله ﷺ ولم يفعلها.

стр. 1338

ويحتجون بقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [اقتضاء الصراط المستقيم] (٢/ ١٠٠ - ١٠٦) حيث قال: «والضابط في هذا والله أعلم أن يقال: إنَّ الناس لا يحدثون شيئاً إلَّا لأنَّهم يرونه مصلحة إذ لو اعتقدوه مفسدة لم يحدثوه فإنَّه لا يدعو إليه عقل ولا دين فما رآه الناس مصلحة نظر في السبب المحوج إليه: فإن كان السبب المحوج إليه أمراً حدث بعد النبي ﷺ من غير تفريط منَّا، فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائماً على عهد رسول الله ﷺ ، لكن تركه النبي ﷺ لمعارض زال بموته. وأمَّا ما لم يحدث سبب يحوج إليه أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد، فهنا لا يجوز الإحداث، فكل أمر يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله ﷺ موجوداً، لو كان مصلحة ولم يفعل، يعلم أنَّه ليس بمصلحة. وأمَّا ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخالق فقد يكون مصلحة. ثم هنا للفقهاء طريقان: أحدهما: أنَّ ذلك يفعل ما لم ينه عنه، وهذا قول القائلين بالمصالح المرسلة. والثاني: أن ذلك لا يفعل إن لم يؤمر به: وهو قول من لا يرى إثبات الأحكام بالمصالح المرسلة، وهؤلاء ضربان: منهم من لا يثبت الحكم، إن لم يدخل في لفظ كلام الشارع، أو فعله، أو إقراره، وهم نفاة القياس. ومنهم من يثبته بلفظ الشارع أو بمعناه وهم القياسيون.

стр. 1339

فأمَّا ما كان المقتضي لفعله موجوداً لو كان مصلحة، وهو مع هذا لم يشرعه، فوضعه تغيير لدين الله، وإنَّما دخل فيه من نسب إلى تغيير الدين، من الملوك والعلماء والعباد، أو من زل منهم باجتهاد، كما روي عن النبي ﷺ ، وغير واحد من الصحابة: "إن أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون". فمثال هذا القسم: الأذان في العيدين، فإنَّ هذا لما أحدثه بعض الأمراء، أنكره المسلمون لأنَّه بدعة، فلو لم يكن كونه بدعة دليلاً على كراهته، وإلَّا لقيل: هذا ذكر لله ودعاء للخلق إلى عبادة الله، فيدخل في العمومات. كقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣]، أو يقاس على الأذان في الجمعة، فإنَّ الاستدلال على حسن الأذان في العيدين، أقوى من الاستدلال على حسن أكثر البدع. بل يقال: ترك رسول الله ﷺ مع وجود ما يعتقد مقتضياً، وزوال المانع، سنة، كما أنَّ فعله سنة. فلما أمر بالأذان في الجمعة، وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة، كان ترك الأذان فيهما سنة، فليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات، أو صيام الشهر، أو الحج، فإنَّ رجلاً لو أحب أن يصلي الظهر خمس ركعات وقال: هذا زيادة عمل صالح، لم يكن له ذلك. وكذلك لو أراد أن ينصب مكانًا آخر يقصد لدعاء الله فيه وذكره، لم يكن له ذلك، وليس له أن يقول: هذه بدعة حسنة، بل يقال له كل بدعة ضلالة.

стр. 1340

ونحن نعلم أن هذا ضلالة قبل أن نعلم نهيا خاصا عنها، أو نعلم ما فيها من المفسدة. فهذا مثال لما حدث، مع قيام المقتضي له، وزوال المانع لو كان خيرا. فإن كل ما يبديه المحدث لهذا من المصلحة، أو يستدل به من الأدلة، قد كان ثابتاً على عهد رسول الله ﷺ ، ومع هذا لم يفعله رسول الله ﷺ ، فهذا الترك سنة خاصة، مقدمة على كل عموم وكل قياس. ومثال ما حدثت الحاجة إليه من البدع بتفريط من الناس: تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين، فإنه لما فعله بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنَّه بدعة، واعتذر من أحدثه بأن الناس قد صاروا ينفضون قبل سماع الخطبة، وكانوا على عهد رسول الله ﷺ لا ينفضون حتى يسمعوا، أو أكثرهم. فيقال له: سبب هذا تفريطك، فإنَّ النبي ﷺ كان يخطبهم خطبة يقصد بها نفعهم وتبليغهم وهدايتهم، وأنت قصدك إقامة رياستك، أو إن قصدت صلاح دينهم، فلا تعلمهم ما ينفعهم، فهذه المعصية منك لا تبيح لك إحداث معصية أخرى، بل الطريق في ذلك أن تتوب إلى الله، وتتبع سنة نبيه، وقد استقام الأمر، وإن لم يستقم فلا يسألك الله إلا عن عملك، لا عن عملهم. وهذان المعنيان من فهمهما انحل عنه كثير من شبه البدع الحادثة، فإنَّه قد روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ما أحدث قوم بدعة إلَّا نزع الله عنهم من السنة مثلها" وقد أشرت إلى هذا المعنى فيما تقدم، وبينت أنَّ الشرائع أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث.

стр. 1341

وعامة الأمراء إنَّما أحدثوا أنواعاً من السياسات الجائرة من أخذ أموال لا يجوز أخذها، وعقوبات على الجرائم لا تجوز؛ لأنَّهم فرطوا في المشروع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلَّا فلو قبضوا ما يسوغ قبضه، ووضعوه حيث يسوغ وضعه، طالبين بذلك إقامة دين الله، لا رياسة نفوسهم، وأقاموا الحدود المشروعة على الشريف والوضيع، والقريب والبعيد، متحرين في ترغيبهم وترهيبهم للعدل الذي شرعه الله -لما احتاجوا إلى المكوس الموضوعة، ولا إلى العقوبات الجائرة، ولا إلى من يحفظهم من العبيد والمستعبدين، كما كان الخلفاء الراشدون، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم من أمراء بعض الأقاليم. وكذلك العلماء: إذا أقاموا كتاب الله وفقهوا ما فيه من البينات التي هي حجج الله، وما فيه من الهدى، الذي هو العلم النافع والعمل الصالح، وأقاموا حكمة الله التي بعث بها رسوله ﷺ -وهي سنته- لوجدوا فيها من أنواع العلوم النافعة ما يحيط بعلم عامة الناس، ولميزوا حينئذ بين المحق والمبطل من جميع الخلق، بوصف الشهادة التي جعلها الله لهذه الأمة، حيث يقول : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] ولاستغنوا بذلك عما ابتدعه المبتدعون، من الحجج الفاسدة، التي يزعم الكلاميون أنَّهم ينصرون بها أصل الدين، ومن الرأي الفاسد الذي يزعم القياسيون أنَّهم يتمون به فروع الدين، وما كان من الحجج صحيحاً ومن الرأي سديداً، فذلك له أصل في كتاب الله وسنة رسوله، فهمه من فهمه، وحرمه من حرمه» اهـ.

стр. 1342

قلت: وأجيب بجوابين: الأول: أنَّ مقتضى ذلك لم يكن موجوداً في زمن النبي ﷺ فإنَّ المساجد لم تكن مفروشة، ورسم الخطوط في الأرض فيها كلفة وتعب ولا تبقى. ووضع حبال ممتدة فيها كلفة وضرر على الماشين لا سيما في الليل، والمساجد لم يكن فيها مصابيح. والآخر: أنَّه لا يدخل في كلام شيخ الإسلام وسائل العبادات، وإنَّما يدخل في كلامه إحداث العبادات التي كان مقتضاها موجوداً في زمن رسول الله ﷺ . جاء في [ثمرات التدوين من مسائل ابن عثيمين] (ص: ٣٩) مسألة (١٥١) (١٥/ ٥/ ١٤١٨ هـ): «سألت شيخنا ﵀: القاعدة: أنَّ ما وجد سببه في عهد النبي ﷺ ولم يفعله، فالسنة تركه، وفعله بدعة. أليس من ذلك ما أحدث من وضع الخطوط في فرش المساجد لضبط الصفوف؟ فأجاب: لا، ليس منه. ونقول إنَّه لم يوجد سببه في عهده ﷺ ، فلم يكن هناك فرش في مسجده، بل كان من الحصباء. ولو وضع خط لانمحى. كما أنَّ حالة الصحابة رضوان الله عليهم من الاستواء والتراص في الصفوف ما لا يتفق من حال الناس الآن» اهـ. قلت: ومع اتساع المساجد كالحرمين يعسر غالباً استواء الصفوف واستقبالها للقبلة من غير خطوط، ولو تركت الخطوط في المسجد الحرام فسدت صلاة أكثر الناس.

стр. 1343

وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّزَاقِ عَفِيْفِي] (ص ٤١٢) أنَّه سئل ﵀: عن حكم رسم خطوط المساجد لتستوي الصفوف عليها. فأجاب: «إذا كان الناس لا تستقيم صفوفهم إلَّا بذلك فلا بأس، أو كان المسجد قد بني منحرفاً عن القبلة ولا تستقيم الصفوف فيه إلَّا برسم خطوط فلا بأس بذلك إن شاء الله» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيِن ﵀ فِي [فَتَاوَى نُوْرٍ عَلَى الدَّرْبِ]: «فأقول: لا، ليس كل شيء بدعة البدعة هي التعبد لله بغير ما شرع وعلى هذا فالبدع لا تدخل في غير العبادات بل ما أحدث من أمور الدنيا ينظر فيه هل هو حلال أم حرام ولا يقال: إنَّه بدعة فالبدعة الشرعية هي أن يتعبد الإنسان لله تعالى بغير ما شرع يعني الذي يسمى بدعة شرعاً، وأمَّا البدعة في الدنيا فإنَّها وإن سميت بدعةً حسب اللغة العربية فإنَّها ليست بدعةً دينية بمعنى أنَّه لا يحكم عليها بالتحريم ولا بالتحليل ولا بالوجوب ولا بالاستحباب إلَّا إذا اقتضت الأدلة الشرعية ذلك وعلى هذا فما أحدثه الناس اليوم من الأشياء المقربة إلى تحقيق العبادة لا نقول: إنَّها بدعة وإن كانت ليست موجودة، من ذلك: مكبر الصوت مكبر الصوت ليس موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكنه حدث أخيراً إلَّا أنَّ فيه مصلحة دينية يبلغ للناس صلاة الإمام وقراءة الإمام والخطبة وكذلك في اجتماعات المحاضرات فهو من هذه الناحية خير ومصلحة للعباد فيكون خيراً ويكون شراؤه للمسجد لهذا الغرض من الأمور المشروعة التي يثاب عليها فاعلها ومن ذلك ما حدث أخيراً في مساجدنا من الفرش التي فيها خطوط من

стр. 1344

أجل إقامة الصفوف وتسويتها فإن هذا وإن كان حادثاً ولكنه وسيلةٌ لأمرٍ مشروع فيكون جائزاً أو مشروعاً لغيره ولا يخفى على الناس ما كان الأئمة الحريصون على تسوية الصفوف يعانونه قبل هذه الخطوط فكانوا يعانون مشكلات إذا تقدم أحد ثم قالوا له: تأخر. تأخر أكثر ثم قالوا له: تقدم. تقدم أكثر يحصل تعب الآن والحمد لله يقول الإمام سووا صفوفكم على الخطوط توسطوا منها فيحصل انضباطٌ تام في إقامة الصف، هذا بدعة من حيث العمل والإيجاد لكنه ليس بدعة من حيث الشرع لأنَّه وسيلة لأمرٍ مطلوبٍ شرعاً فالمهم أنَّه لا ينبغي لأحد أن يعترض علينا أو لغيرنا عندما نقول: إنَّ هذا بدعة وهو حقيقةٌ بدعة ولنرجع إلى الضابط الذي ذكرنا وهو أنَّ البدعة شرعاً والتي عليها الذم هي التعبد لله تعالى بما لم يشرعه سواءً في العقيدة أو في القول أو في العمل» اهـ. * * *

стр. 1345

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٧٠ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ». مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ، حَتَّى إذَا رَأَى أَنْ قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ، حَتَّى إذَا كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَرَأَى رَجُلاً بَادِياً صَدْرُهُ، فَقَالَ: "عِبَادَ اللَّهِ، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ"». قوله: «يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ» بكسر القاف خشب السهام حين تنحت وتبرى. الواحد قِدْح بكسر القاف وسكون الدال أي يبالغ في تسويتها حتى تصير كأنَّما يقوم بها السهام لشدة استوائها واعتدالها. وقوله: «حَتَّى إذَا رَأَى أَنْ قَدْ عَقَلْنَا» بفتح المهملة والقاف أي فهمنا. وفي الحديث مسائل منها: ١ - وجوب تسوية الصفوف فإنَّ هذا الوعيد لا يكون إلَّا على ترك واجب من الواجبات. ٢ - جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة. قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٢٢٧): «مذهبنا ومذهب الجمهور من أهل الحجاز وغيرهم جواز الكلام بعد إقامة الصلاة قبل الإحرام لكن الأولي تركه إلَّا لحاجة وكرهه أبو حنيفة وغيره» اهـ.

стр. 1346

قلت: ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري (٦٤٢)، ومسلم (٣٧٦) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِي رَجُلاً فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ». ٣ - وفي الحديث دليل على أن تسوية الصفوف من وظيفة الإمام ويجوز أن يوكل غيره بذلك. ٤ - قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٣٧): «وقد توعد على ترك تسوية الصفوف بالمخالفة بين الوجوه، وظاهره: يقتضي مسخ الوجوه وتحويلها إلى صور الحيوانات أو غيرها، كما قالَ: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو صورته صورة حمار". وظاهر هذا الوعيد: يدل على تحريم ما توعد عليهِ» اهـ. قلت: وقد روى مسلم (٤٣٢) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: «اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ فَأَنْتُمْ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا اهـ. قلت: وهذا مما يدل على أنَّ اختلاف الوجوه اختلاف معنوي ناتج من اختلاف القلوب. والله أعلم. وقد روى أحمد (١٨٤٥٣) أبو داود (٦٦٢) بإسناد حسن عن النُّعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ، يَقُولُ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ» ثَلَاثًا، «وَاللَّهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ».

стр. 1347

قلت: وهذا يؤيد ما سبق ذكره. ٥ - وفيه أنَّ التسوية تكون بجميع الجسد بحيث أن تكون الأجساد على سمت واحد. ٦ - وفيه أنَّ الإمام إذا رأى أنَّ الناس عقلوا معنى التسوية ترك تسويتهم بالفعل. ٧ - وفيه أنَّ من جملة التسوية تسوية الصدور. * * *

стр. 1348

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٧١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَلأُصَلِّيَ لَكُمْ» قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِث، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا. فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ. وَلِمُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا. اليتيم: هو ضُميرة جد حسين بن عبد الله بن ضُميرة. الرواية التي عزاها المصنف لمسلم هي عنده (٦٦٠) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ولفظها: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ أَوْ خَالَتِهِ قَالَ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا». وقوله: «جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ». قال جماعة من العلماء: الضمير عائد إلى إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الراوي عن أنس، وليس عائداً إلى أنس. قلت: وصنيع المصنف يدل على أنَّ الضمير عائد إلى أنس. ورواية مسلم الأخرى تدل على أنَّ المرأة هي أم أنس وليست جدته، لكن قد يجاب بأنَّها قضية أخرى، وذلك أنَّ فيها قيام أنس عن يمين رسول الله ﷺ وليس خلفه مع اليتيم، لكن سنذكر ما يرجح هذا القول في رواية للبخاري.

стр. 1349

قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١/ ٢٦٤): «قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ مَالِكٌ يَقُولُهُ وَالضَّمِيرُ الَّذِي فِي جَدَّتِهِ هُوَ عَائِدٌ عَلَى إِسْحَاقَ وَهِيَ جَدَّةُ إِسْحَاقَ أُمُّ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَهِيَ أُمُّ سُلَيْمٍ بِنْتُ مِلْحَانَ زَوْجُ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ وَهِيَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَحْتَ أَبِيهِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ فَوَلَدَتْ لَهُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَالْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَةَ وَقَدْ ذَكَرْنَا قِصَّتَهَا فِي كِتَابِ النِّسَاءِ مِنْ كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ يَعْنِي جَدَّةَ إِسْحَاقَ دَعَتِ النَّبِيَّ ﵇ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى مَا فِي الْمُوَطَّأِ» اهـ. قلت: وحديث عبد الرزاق في [مصنفه] (٣٨٧٧) عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَدَّتِهِ مُلَيْكَةَ، يَعْنِي جَدَّةَ إِسْحَاقَ: أَنَّهَا دَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَلْنُصَلِّ لَكُمْ» قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ. وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ١٦٢): «قَوْلُهُ: "إِنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ" الصَّحِيحُ أَنَّهَا جَدَّةُ إسحاق فتكون أم أنس لأنَّ إسحاق بن أَخِي أَنَسٍ لِأُمِّهِ وَقِيلَ إِنَّهَا جَدَّةُ أَنَسٍ، وَهِيَ مُلَيْكَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الطَّوَائِفِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ الْأَصِيلِيِّ أَنَّهَا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ» اهـ.

стр. 1350

قلت: ونازع في ذلك الحافظ ابن رجب ﵀ فقال في [فتح الباري] (٣/ ١٣ - ١٥): «قال كثير من الناس: هي جدة إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قالوا: والضمير في قوله: "أنَّ جدته" إليه يعود، لا إلى أنس. وقد روى هذا الحديث عبد الرزاق، عن مالك، وقال: يعني: جدة إسحاق. وهذا تفسير من بعض رواة الحديث. وقد ذكر ابن عبد البر وغيره: أنَّها هي أم سليم أم أنس بن مالك؛ فإنَّ أبا طلحة تزوجها بعد أبي أنس، فولدت له عبد الله. وقيل: بل مليكة أختها أم حرام زوجة عبادة، وسماها جدته لأنَّها أخت جدته، على حد قوله تعالى حاكياً عن بني يعقوب، أنَّهم قالوا لأبيهم: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، فإنَّ إسماعيل عمه، والعم صنو الأب. وظاهر سياق الحديث: يدل على أنَّ مليكة جدة أنس، وهذا هو الأظهر. والله أعلم. وروي صريحاً من رواية مقدم بن يحيى، عن عمه القاسم، عن عبيد الله بن عمر، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، قال: أرسلت جدتي إلى رسول الله ﷺ واسمها: مليكة -، فجاءنا، فحضرت الصلاة - وذكر الحديث. خرجه أبو نعيم في "تاريخ أصبهان".

стр. 1351

وقد ذكر ابن سعد: أنَّ مليكة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، هي أم حرام وسليم وأم سليم وأم حرام، أولاد ملحان. فتبين بهذا أنَّ مليكة جدة أنس حقيقة، ولا يمنع من هذا أنَّه لم يذكرها في أسماء الصحابيات كثير ممن جمع في أسماء الصحابة؛ لأنَّ هذا الحديث الصحيح يشهد بذلك، والاعتماد عليه أقوى من الاعتماد على قول مثل ابن إسحاق والواقدي. ويعضد صحة هذا: أنَّ أحداً ممن يعتمد على قوله لم يسم أم سليم: مليكة، وقول أنس: "فقمت إلى حصير لنا" يدل على أنَّ هذا البيت كان بيت أم سليم أم أنس. وقد رواه ابن عيينة، عن إسحاق بن عبد الله مختصراً، وصرح فيه بأنَّ العجوز التي صلت وراءهم هي أم سليم أم أنس، وهذا يدل على أنَّها هي التي دعت النبي ﷺ إلى طعامها. وخرجه النسائي من طريق يحيى بن سعيد، عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس، أنَّ أم سليم سألت رسول الله ﷺ أن يأتيها ويصلي في بيتها فتتخذه مصلى، فأتاها فعمدت إلى حصير فنضحته بماء، فصلى عليه وصلوا معه» اهـ. قلت: رواية أبي نعيم إسنادها صحيح. وهي في [تاريخ أصبهان] (١/ ٣١٤).

стр. 1352

قلت: هذه الرواية وهم، وقد جاء الحديث في البخاري (٧٢٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ، فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا». وهذه الرواية تدل على الضمير في "جدته" يعود إلى إسحاق، وهذا هو الصحيح المعتمد. وأمَّا من قال بالتعدد ففيه ضعف بمعنى أنَّ القصة حصلت لمليكة جدة أنس، وحصلت أيضاً لأمه أم سليم. وفي الحديث مسائل منها: ١ - إجابة دعوة النساء إذا أمنت الفتنة ووجد في البيت بعض المحارم. ٢ - مشروعية الجماعة في النافلة في بعض الأوقات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١١١ - ١١٢): «فكثيراً ما يفعل النبي ﷺ لسبب فيجعله بعض الناس سنة ولا يميز بين السنة الدائمة والعارضة. وبعض الناس يرى أنَّه لم يكن يفعله في أغلب الأوقات فيراه بدعة ويجعل فعله في بعض الأوقات مخصوصاً أو منسوخاً إن كان قد بلغه ذلك مثل صلاة التطوع في جماعة. فإنَّه قد ثبت عنه في الصحيح أنه صلى بالليل وخلفه ابن عباس مرة وحذيفة بن اليمان مرة. وكذلك غيرهما. وكذلك صلى بعتبان بن مالك في بيته التطوع جماعة، وصلى بأنس بن مالك وأمه واليتيم في داره فمن الناس من يجعل هذا فيما يحدث من "صلاة الألفية" ليلة نصف شعبان والرغائب ونحوهما مما يداومون فيه على الجماعات. ومن الناس من يكره التطوع؛ لأنَّه رأى أنَّ الجماعة إنَّما سنت في الخمس كما أنَّ الأذان إنَّما سن في

стр. 1353

الخمس. ومعلوم أنَّ الصواب هو ما جاءت به السنة فلا يكره أن يتطوع في جماعة. كما فعل النبي ﷺ . ولا يجعل ذلك سنة راتبة كمن يقيم للمسجد إماماً راتباً يصلي بالناس بين العشاءين أو في جوف الليل كما يصلي بهم الصلوات الخمس كما ليس له أن يجعل للعيدين وغيرهما أذاناً كأذان الخمس؛ ولهذا أنكر الصحابة على من فعل هذا من ولاة الأمور إذ ذاك» اهـ. ٣ - قلت: لفظ البخاري ومسلم «مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ»، واللفظ الذي أتى به صاحب العمدة في [مسند أحمد] (١٢٥٢٩، ١٢٧٠٣). قال العلامة ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ١٢٣): «وقوله: "قد اسود من طول ما لبس" يدل على أنَّ لبس كل شيء بحسبه، فلبس الحصير هو بسطه واستعماله في الجلوس عليه. واستدل بذلك من حرم الجلوس على الحرير وافتراشه؛ لأنَّ افتراش فرش الحرير وبسطه لباس له، فيدخل في نصوص تحريم لباس الحرير. وزعم ابن عبد البر: أنَّ هذا يؤخذ منه أنَّ من حلف لا يلبس ثوباً، وليس له نية ولا ليمينه سبب، فإنَّه يحنث بما يتوطأ ويبسط من الثياب؛ لأنَّ ذلك يسمى لباساً. وهذا الذي قاله فيه نظر؛ فإنَّ اللبس المضاف إلى الثوب إنَّما يراد به اشتمال البدن أو بعضه به دون الجلوس عليه، بخلاف اللبس إذا أضيف إلى ما يجلس عليه ويفترش، أو أطلق ولم يضف إلى شيء، كما لو حلف لا يلبس شيئاً. فجلس على حصير، أو حلف لا يلبس حصيراً فجلس عليه.

стр. 1354

ولو تعلق الحنث بما يسمى لباساً بوجه ما، لكان ينبغي أن يحنث بمضاجعة زوجته وبدخول الليل عليه؛ قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنّ﴾، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً﴾. وكل ما لابس الإنسان من جوع أو خوف فهو لباس؛ قَالَ تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾. ولا نعلم خلافاً أنَّه لو حلف لا يجلس على بساط، فجلس على الأرض لم يحنث، وقد سماها الله بساطاً، وكذلك لو حلف لا يجلس تحت سقف فجلس تحت السماء، وقد سمى الله السماء سقفاً، وكذلك لو حلف لا يجلس في ضوء سراج فجلس في ضوء الشمس. فإنَّ هذه الأسماء غير مستعملة في العرف، والأيمان إنَّما تنصرف إلى ما يتعارفه الناس في مخاطباتهم دون ما يصدق عليه الاسم بوجه ما في اللغة على وجه التجوز. والله أعلم. وإنَّما قال أصحابنا: لو حلف ليرينَّ امرأته عارية لابسة أنَّه يبرأ برؤيتها في الليل عارية؛ لأنَّ جمعه بين عريها ولبسها قرينة تدل على أنَّه لم يرد لبسها لثيابها؛ فإنَّ ذلك لا يجتمع مع عريها» اهـ. ٤ - وفيه أنَّ الاثنين يكونان صفاً وراء الإمام وهذا مذهب أكثر العلماء وذهب ابن مسعود وصاحباه علقمة والأسود وأبو يوسف إلى أنهما يكونان هما والإمام صفاً واحداً فيقف بينهما. فروى مسلم (٥٣٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ:

стр. 1355

«أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ أَصَلَّى مَنْ خَلْفَكُمْ قَالَ: نَعَمْ فَقَامَ بَيْنَهُمَا وَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ رَكَعْنَا فَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ جَعَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ». قلت: وقد كان هذا مشروعاً في أول الأمر ثم نسخ. ٥ - أنَّ مقام المرأة خلف صفوف الرجال. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢١٢): «وأصله ما يخشى من الافتتان بها فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور وعن الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة وهو عجيب» اهـ. ٦ - صحة صلاة المنفرد خلف الصف إذا وجد العذر الشرعي فإنَّ المرأة لا يجوز لها أن تصف مع الرجال فكان لها في انفرادها العذر الشرعي فمن كان له في انفراده عذراً شرعياً جاز له ذلك. وهي مسألة اختلف فيها العلماء فأجاز صلاة المنفرد خلف الصف جمهور العلماء ومنهم الإمام أبو حنيفة ومالك والشافعي، ومنع من ذلك الإمام أحمد وأبو ثور وغيرهما وقالا ببطلان صلاة المنفرد خلف الصف. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٥): «والقول بصحة الصلاة فذاً خلف الصف: قول مالك وأبي حنيفة والثوري - في أشهر الروايتين عنه - والشافعي وابن المبارك والليث بن سعد. وروي عن أبي جعفر محمد بن علي.

стр. 1356

وأمَّا القائلون بأنَّه لا تصح صلاة الفذ خلف الصف: الحسن بن صالح والأوزاعي - فيما حكاه ابن عبد البر، وخرجه حرب بإسناده، عنه - وقول أحمد وإسحاق ووكيع ويحيى بن معين وابن المنذر، وأكثر أهل الظاهر، ورواية عن الثوري، رواها عصام، عنه. وروي -أيضاً- عن النخعي وحماد والحكم وابن أبي ليلى. وقيل: إنَّه لم يصح عن النخعي، وأنَّه إنَّما قال: يعتد بها، فصحفها من قرأها فقال: يعيدها. وروي ذلك عن شريك، أنه قاله» اهـ. حجة المانعين من صحة صلاة المنفرد خلف الصف: واحتج المانعون بما رواه الطيالسي (١٢٠١)، وأحمد (١٨٠٢٩)، أبو داود (٦٨٢)، والترمذي (٢٣١) من طريق شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ وَابِصَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ» - قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: الصَّلَاةَ. قلت: هذا إسناد ضعيف لجهالة عمرو بن راشد. ورواه أحمد (١٨٠٣١)، والترمذي (٢٣٠)، وابن ماجه (١٠٠٤) من طريق حُصَيْنٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، قَالَ: أَخَذَ زِيَادُ بْنُ أَبِي الجَعْدِ بِيَدِي وَنَحْنُ بِالرَّقَّةِ، فَقَامَ بِي عَلَى شَيْخٍ يُقَالُ لَهُ: وَابِصَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَقَالَ زِيَادٌ: حَدَّثَنِي هَذَا الشَّيْخُ «أَنَّ رَجُلًا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ - وَالشَّيْخُ يَسْمَعُ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ».

стр. 1357

قلت: زياد بن أبي الجعد مجهول الحال. ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٤٨٢) أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: «رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ فَأَعَادَ الصَّلَاةَ». قلت: زياد بن أبي الجعد مجهول الحال. ومنصور هو ابن المعتمر. قلت: ورواه أحمد (١٨٠٣٣) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى خَلْفَ الصُّفُوفِ وَحْدَهُ، فَقَالَ. «يُعِيدَ الصَّلَاةَ». قلت: هذا إسناد صحيح. ورواه الطبراني في [الكبير] (٣٨٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، ثنا أَبِي، أَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ يُحَدِّثُ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ وَابِصَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ». قلت: معشر بن سليمان الذي يظهر لي أنَّه تصحف والصواب معتمر بن سليمان فهو الراوي عن حجاج وروى عنه ابن راهوية. ورواه ابن الأعرابي في [معجمه] (١٥) من طريق عَدِيُّ بْنُ الْفَضْلِ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ». قلت: الشيباني هو أبو إسحاق سليمان بن أبى سليمان ثقة لكن في الطريق إليه عدي بن الفضل وهو متروك الحديث.

стр. 1358

قلت: حديث منصور بن المعتمر وحصين بن عبد الرحمن عن هلال أصح. والله أعلم. قال الإمام الترمذي ﵀ في [العلل الكبير] (١/ ١١٠): «اختلف أصحاب الحديث في حديث حصين بن عبد الرحمن، وعمرو بن مرة، عن هلال بن يساف. فرأى بعض أهل الحديث أن رواية عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد أصح من حديث حصين، ومنهم من قال: حديث حصين، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة أصح، وحديث حصين أصح عندي من حديث عمرو بن مرة وأشبه لأنه روي من غير طريقهما عن زيادة بن أبي الجعد، عن وابصة» اهـ. قلت: ورجح أبو حاتم حديث عمرو بن مرة، فقال ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (١/ ١٠٠): «وسألت أبي عن حديث؛ رواه حصين، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة أن رجلاً صلى خلف الصف وحده فأمره النبي ﷺ أن يعيد. ورواه عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة، عن النبي ﷺ . قلت لأبي: أيهما أشبه؟ قال: عمرو بن مرة أحفظ» اهـ. وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٨): «كذلك خرجه أبو القاسم البغوي في "معجمه". وأشار إلى ترجيح رواية حصين بمتابعة منصور له. ورجح أحمد وأبو حاتم الرازي رواية عمرو بن مرة.

стр. 1359

ورجح عبد الله الدارمي والترمذي رواية حصين؛ لأنَّ الحديث معروف عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة من غير طريق هلال بن يساف، فإنه رواه يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن عبيد بن أبي الجعد، عن وابصة. وقد خرجه من هذه الطريق ابن حبان في "صحيحه" -أيضاً-، وذكر أنَّ هلال بن يساف سمعه من زياد بن أبي الجعد، ومن عمرو بن راشد، كلاهما عن وابصة من غير واسطة بينهما. ورجح الترمذي صحة ذلك، وأن هلالاً سمعه من وابصة مع زياد بن أبي الجعد. وقد روي من وجوه متعدده ما يدل لذلك. وقد جعل بعضهم هذا الاختلاف اضطراباً في الحديث يوجب التوقف، وإلى ذلك يميل الشافعي في الجديد، وحكاه عن بعض أهل الحديث، بعد أن قال في القديم: لو صح قلت به. فتوقف في صحته. وممن رجح ذلك: البزار وابن عبد البر» اهـ. قلت: وذهب ابن حبان إلى أنَّ الطريقين محفوظان فقال ﵀ في [صحيحه] (٥/ ٥٧٧): «سمع هذا الخبر هلال بن يساف عن عمرو بن راشد عن وابصة بن معبد وسمعه من زياد بن أبي الجعد عن وابصة والطريقان جميعاً محفوظان» اهـ. وروى الطبراني أيضاً (٣٩١) من طريق سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ وَابِصَةَ قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ الصَّفِّ فَأَمَرَنِي فَأَعَدْتُ صَلَاتِي». قلت: ولم يذكر من هو الآمر له والظاهر أنَّه النبي ﷺ . وسالم بن أبي الجعد ثقة يرسل.

стр. 1360

ورواه أيضاً (٣٩٥، ٣٩٦، ٣٩٧) من طريق حَنَشِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ: «أَنَّ رَجُلًا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ». قلت: وحنش في حديثه ضعف. ورواه أحمد (١٨٠٣٢)، والدارمي (١٢٨٦) من طريق يَزِيدَ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ عَمِّهِ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ: «أَنَّ رَجُلًا صَلَّى خَلْفَ الصُّفُوفِ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ». قلت: عبيد بن أبي الجعد مجهول الحال، ومثله زياد كما سبق. ورواه أبو يعلى في [مسنده] (١٥٨٨)، البيهقي في [الكبرى] (٥٢١١)، والطبراني في [معجمه الكبير] (٣٩٣)، و [الأوسط] (٨٤١٦) من طريق السَّرِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْكُوفِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، يُحَدِّثُ، عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: أَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ، فَلَمَّا انْفَتَلَ نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ وَحْدَهُ قَائِمًا يُصَلِّي خَلْفَ النَّاسِ، فَقَالَ: «أَيُّهَا الْمُصَلِّي وَحْدَهُ، هَلَّا كُنْتَ وَصَلْتَ الصَّفَّ أَمْ أَخَذْتَ بِيَدِ رَجُلٍ مِنَ الْقَوْمِ فَصَفَّ مَعَكَ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لَكَ وَحْدَكَ، فَأَعِدْ صَلَاتَكَ». قلت: السري متروك الحديث. قلت: لكنه متابع تابعه إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ وَابِصَةَ، قَالَ: «صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْإِعَادَةِ». رواه الطبراني في [معجمه الكبير] (٣٩٢)

стр. 1361

قلت: وإسماعيل هذا ثقة. لكن ليس في حديثه الاجترار. وبهذا يتبين أنَّ الاجترار منكر في هذا الحديث. ورواه ابن الأعرابي في [معجمه] (١٢٣٥) من طريق يَحْيَى بْنِ عَبْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، أَنَّ رَجُلًا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَا دَخَلْتَ فِي الصَّفِّ، أَوْ جَذَبْتَ رَجُلًا صَلَّى مَعَكَ أَعِدِ الصَّلَاةَ». قلت: قيس هو ابن الربيع ضعيف الحديث. والراوي عنه يحيى بن عبدويه إن كان هو صاحب شعبة فقد رماه ابن معين بالكذب وقال مرة ليس بشيء، وأثنى عليه أحمد بن حنبل وأمر ابنه بالأخذ عنه. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [لسان الميزان] (٦/ ٢٦٨): «وفي ثقات بن حبان يحيى بن عبدويه شيخ يروي عن قيس بن الربيع وعنه محمد بن يحيى بن كثير الحراني فلعه ذا» اهـ. قلت: وبهذا يتبين ثبوت حديث وابصة لكن الاجترار لا يصح في حديث وابصة. والله أعلم. وجاء من حديث علي بن شيبان فروى أحمد (١٦٣٤٠)، وابن ماجه (١٠٠٣) من طريق مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَدْرٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَلِيٍّ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَاهُ عَلِيَّ بْنَ شَيْبَانَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ خَرَجَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: فَصَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَحَ بِمُؤْخِرِ عَيْنِهِ إِلَى رَجُلٍ

стр. 1362

لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» قَالَ: وَرَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، فَوَقَفَ حَتَّى انْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اسْتَقْبِلْ صَلَاتَكَ، لَا صَلَاةَ لِرَجُلٍ فَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ». قلت: هذا إسناد صحيح. قلت: وجاء أيضاً من حديث ابن عباس قال العقيلي في [الضعفاء] (٢٠٧٥) وَمِنْ حَدِيثِهِ مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو عُمَرَ الْخَزَّازُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَجُلًا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّ يُعِيدَ». وَهَذَا يُرْوَى عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِأَسَانِيدَ أَجْوَدَ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ اهـ. قلت: ورواه أيضاً الطبراني في [الكبير] (١١٦٥٨)، و [الأوسط] (٤٨٣٨) من طريق الحسن بن علي به. قلت: النضر بن عبد الرحمن أبو عمر الخزاز متروك الحديث. وروى ابن عدي في [الكامل] (٢/ ٢٥١): حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبد اللَّهِ الْكُوفِيُّ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنا زَيْدَانُ بْنُ عَبد الغفار الطيالسي، حَدَّثَنا حماد بن دَاوُدَ الْكُوفِيُّ قَالَ حَفِظْتُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَجُلا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ».

стр. 1363

قَالَ ابنُ عَدِي: وهذا بهذا الإسناد مُعْضَلٌ لا يَرْوِيهِ غَيْرُ حَمَّادِ بْنِ دَاوُدَ هَذَا وَلَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ اهـ. وجاء أيضاً من حديث أبي هريرة رواه الطبراني في [الأوسط] (٥٣٢٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْعَبَّادِيُّ البصْرِيُّ قَالَ: نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصُّفُوفِ وَحْدَهُ فَقَالَ: «أَعِدِ الصَّلَاةَ». لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَبَّادِيُّ اهـ. قلت: في إسناده عبد الله بن محمد بن القاسم قال فيه ابن حبان في [المجروحين] (٤٤٢): «عبد الله بن محمد بن القاسم: مولى جعفر بن سليمان الهاشمي، يروى عن يزيد ابن هارون المقلوبات، وعن غيره من الثقات الملزقات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد» اهـ. ورواه الطبراني في [معجمه الأوسط] (٧٧٦٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نَا حَفْصُ بْنُ عَمْرٍو الرَّبَالِيُّ، نَا بِشْرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّفِّ وَقَدْ تَمَّ، فَلْيَجْذِبْ إِلَيْهِ رَجُلًا يُقِيمُهُ إِلَى جَنْبِهِ».

стр. 1364

لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: بِشْرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ اهـ. قلت: وهو ممن يضع الحديث. وروى أبو داود في [المراسيل] (٨٠) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، رَفَعَهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا جَاءَ رَجُلٌ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا فَلْيَخْتَلِجْ إِلَيْهِ رَجُلًا مِنَ الصَّفِّ فَلْيَقُمْ مَعَهُ فَمَا أَعْظَمَ أَجْرُ الْمُخْتَلَجِ». قلت: هذا إسناد معضل. قال الحافظ الذهبي ﵀ في [السير] (٧/ ٧٧): «قلت: ماذا بمرسل، بل معضل» اهـ. حجة الجمهور على صحة صلاة المنفرد خلف الصف. قلت: واحتج الجمهور على صحة صلاة المنفرد خلف الصف بعدة حجج منها: الحجة الأولى: حديث أنس هذا ووجه الحجة فيه أنَّ العجوز صلت منفردة خلف الصف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٩٥ - ٣٩٧): «وهذه حجة ضعيفة لا تقاوم حجة النهي عن ذلك وذلك من وجوه: أحدها أنَّ وقوف المرأة خلف صف الرجال سنة مأمور بها ولو وقفت في صف الرجال لكان ذلك مكروهاً. وهل تبطل صلاة من يحاذيها؟ فيه قولان للعلماء في مذهب

стр. 1365

أحمد وغيره. أحدهما تبطل كقول أبي حنيفة وهو اختيار أبي بكر وأبي حفص. من أصحاب أحمد. والثاني لا تبطل. كقول مالك والشافعي وهو قول ابن حامد والقاضي وغيرهما مع تنازعهم في الرجل الواقف معها: هل يكون فذا أم لا؟ والمنصوص عن أحمد بطلان صلاة من يليها في الموقف. وأما وقوف الرجل وحده خلف الصف فمكروه وترك للسنة باتفاقهم فكيف يقاس المنهي بالمأمور به وكذلك وقوف الإمام أمام الصف هو السنة. فكيف يقاس المأمور به بالمنهي عنه والقياس الصحيح إنما هو قياس المسكوت على المنصوص أما قياس المنصوص على منصوص يخالفه فهو باطل باتفاق العلماء كقياس الربا على البيع وقد أحل الله البيع وحرم الربا. والثاني: أنَّ المرأة وقفت خلف الصف؛ لأنَّه لم يكن لها من تصافه ولم يمكنها مصافة الرجال ولهذا لو كان معها في الصلاة امرأة لكان من حقها أن تقوم معها وكان حكمها حكم الرجل المنفرد عن صف الرجال ونظير ذلك أن لا يجد الرجل موقفاً إلا خلف الصف فهذا فيه نزاع بين المبطلين لصلاة المنفرد وإلَّا ظهر صحة صلاته في هذا الموضع لأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعجز. وطرد هذا صحة صلاة المتقدم على الإمام للحاجة كقول طائفة وهو قول في مذهب أحمد. وإذا كان القيام والقراءة وإتمام الركوع والسجود والطهارة بالماء وغير ذلك يسقط بالعجز فكذلك الاصطفاف وترك التقدم» اهـ.

стр. 1366

الحجة الثانية: ما رواه البخاري (٧٨٣) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ». ووجه الشاهد أنَّ أبا بكرة صلى بعض صلاته منفرداً خلف الصف، ولم يبطل النبي ﷺ صلاته. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٩٧): «وأمَّا حديث أبي بكرة فليس فيه أنَّه صلى منفرداً خلف الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مدركاً للركعة فهو بمنزلة أن يقف وحده ثم يجيء آخر فيصافه في القيام فإن هذا جائز باتفاق الأئمة وحديث أبي بكرة فيه النهي بقوله: "ولا تعد" وليس فيه أنه أمره بإعادة الركعة كما في حديث الفذ فإنه أمره بإعادة الصلاة وهذا مبين مفسر وذلك مجمل حتى لو قدر أنه صرح في حديث أبي بكرة بأنه دخل في الصف بعد اعتدال الإمام كما يجوز ذلك في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره لكان سائغاً في مثل هذا دون ما أمر فيه بالإعادة فهذا له وجه وهذا له وجه» اهـ. الحجة الثالثة: ما رواه البخاري (١٨٣)، ومسلم (٧٦٣) عن ابن عباس قال: «بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ ثُمَّ قَالَ: "نَامَ الْغُلَيِّمُ"، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ، أَوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ».

стр. 1367

قال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٢/ ٣٥٩): «وردت بالمتشابه من حديث ابن عباس حيث أحرم عن يسار النبي ﷺ فأداره إلى يمينه ولم يأمره باستقبال الصلاة وهذا من أفسد الرد فإنه لا يشترط أن تكون تكبيرة الإحرام من المأمومين في حال واحد بل لو كبر أحدهم وحده ثم كبر الآخر بعده صحت القدوة ولم يكن السابق فذا وإن أحرم وحده فالاعتبار بالمصافة فيما تدرك به الركعة وهو الركوع» اهـ. قلت: وهناك وجه آخر لهم في الاستدلال بهذا الحديث فاستدل به الشافعي ومن وافقه على أن من أساء الموقف وصلى عن يسار الإمام، فإنَّ صلاته صحيحة مع الكراهة، وألحقوا به من صلى خلف الصف وحده. الحجة الرابعة: ما رواه مسلم (٧٦٦) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَشْرَعَةٍ فَقَالَ: "أَلَا تُشْرِعُ يَا جَابِرُ". قُلْتُ: بَلَى قَالَ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَشْرَعْتُ قَالَ ثُمَّ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ وَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَ فَجَاءَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ فَقُمْتُ خَلْفَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ». قلت: ووجه الشاهد من الحديثين أنَّه حصل انفراد خلف الصف لابن عباس وجابر في بعض صلاتهم وهو عند تحولهما إلى جهة اليمين. قال العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وحكم تاركها] ص (١٥١): «وأمَّا قصة ابن عباس وجابر في ترك أمرهما بابتداء الصلاة وقد أحرما فذين فهذا أولاً ليس فيه أنهما قد دخلا في الصلاة وإنما فيه أنهما وقفا عن يساره فأدارهما

стр. 1368

عند أول وقوفهما ولو قدر أنهما أحرما كذلك فمن أحرم فذاً صح إحرامه بالصلاة ودخوله فيها وإنما الاعتبار بالركوع وحده وإلا فمن وقف معه آخر قبل الركوع صحت صلاته. ولو اعتبرنا إحرام المأمومين جميعاً لم ينعقد تحريم أحد حتى يتفق هو ومن إلى جانبه في ابتداء التكبير وانتهائه وهذا من أعظم الحرج والمشقة ولهذا لم يعتبره أحد أصلاً والله أعلم» اهـ. الحجة الخامسة: ما رواه النسائي (٥١٢) بإسناد حسن عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَّمَهُ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَأَتَاهُ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَ شَخْصِهِ، فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللَّهِ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللَّهِ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللَّهِ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ، فَصَلَّى الْغَدَاةَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْيَوْمَ الثَّانِي حِينَ كَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ مِثْلَ شَخْصِهِ، فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ». قالوا: فقد صلى رسول الله خلف جبريل مقتدياً به وكان في صلاته هذه منفرداً خلف الصف. قال العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وحكم تاركها] ص (١٤٩ - ١٥٠):

стр. 1369

«قصة صلاته صلوات الله وسلامه عليه خلف جبريل وحده والصحابة خلفه فقد أجيب عنها بأنَّها كانت في أول الأمر حين علمه مواقيت الصلاة وقصة أمره الذي صلى خلف الصف فذاً بالإعادة متأخرة بعد ذلك وهذا جواب صحيح. وعندي فيه جواب آخر وهو أنَّ النبي ﷺ كان هو إمام المسلمين فكان بين أيديهم وكان هو المؤتم بجبريل وحده وكان تقدم جبريل ﵇ أبلغ في حصول التعليم من أن يكون إلى جانبه كما أنَّ النبي صلى بهم على المنبر ليأتموا وليتعلموا صلاته وكان ذلك لأجل التعليم لم يدخل في نهيه الإمام به إذا أم الناس أن يقوم في مقام أرفع منهم» اهـ. الحجة السادسة: احتجوا بصلاة الإمام منفرداً عن الصف على صحة صلاة المنفرد خلف الصف. الحجة السابعة: احتجوا بصلاة المنفرد في بيته. على صحة صلاة المنفرد خلف الصف فإنَّ غاية صلاة المنفرد خلف الصف أن يكون كالمنفرد في بيته. قال الإمام الشافعي ﵀ في [اختلاف الحديث] ص (٥٢٥): «فإن قال قائل وما القياس وقول العامة قيل أرأيت صلاة الرجل منفرداً أتجزئ عنه؟ فإن قال نعم. قلت: وصلاة الإمام أمام الصف وهو في صلاة جماعة؟ فإن قال نعم. قيل فهل يعدو المنفرد خلف المصلى أن يكون كالإمام المنفرد أمامه أو يكون كرجل منفرد يصلي لنفسه منفرداً فإن قيل فهكذا سنة

стр. 1370

موقف الإمام والمنفرد قيل فسنة موقفهما تدل على أن ليس في الانفراد شيء يفسد الصلاة» اهـ. بيان مذهب من توسط في هذه المسألة. وتوسط آخرون فقالوا بصحة صلاة المنفرد خلف الصف إذا لم يجد له مكاناً في الصف قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٠/ ٥٥٩ - ٥٦٠): «لكن قضية المرأة تدل على شيئين. تدل على أنه إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه وتعذر الدخول في الصف صلى وحده للحاجة وهذا هو القياس؛ فإن الواجبات تسقط للحاجة وأمره بأن يصاف غيره من الواجبات فإذا تعذر ذلك سقط للحاجة؛ كما سقط غير ذلك من فرائض الصلاة للحاجة في مثل صلاة الخوف محافظة على الجماعة. وطرد ذلك إذا لم يمكنه أن يصلي مع الجماعة إلا قدام الإمام فإنه يصلي هنا لأجل الحاجة أمامه وهو قول طوائف من أهل العلم وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد وإن كانوا لا يجوزون التقدم على الإمام إذا أمكن ترك التقدم عليه. وفي الجملة: فليست المصافة أوجب من غيرها فإذا سقط غيرها للعذر في الجماعة فهي أولى بالسقوط. ومن الأصول الكلية أن المعجوز عنه في الشرع ساقط الوجوب وأن المضطر إليه بلا معصية غير محظور فلم يوجب الله ما يعجز عنه العبد ولم يحرم ما يضطر إليه العبد» اهـ. وقال أيضاً ﵀ (٢٣/ ٢٤٥ - ٢٤٧):
следующие страницы →