← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

الحجة الثانية: ما رواه البخاري (٧٨٣) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ». ووجه الشاهد أنَّ أبا بكرة صلى بعض صلاته منفرداً خلف الصف، ولم يبطل النبي ﷺ صلاته. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٩٧): «وأمَّا حديث أبي بكرة فليس فيه أنَّه صلى منفرداً خلف الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مدركاً للركعة فهو بمنزلة أن يقف وحده ثم يجيء آخر فيصافه في القيام فإن هذا جائز باتفاق الأئمة وحديث أبي بكرة فيه النهي بقوله: "ولا تعد" وليس فيه أنه أمره بإعادة الركعة كما في حديث الفذ فإنه أمره بإعادة الصلاة وهذا مبين مفسر وذلك مجمل حتى لو قدر أنه صرح في حديث أبي بكرة بأنه دخل في الصف بعد اعتدال الإمام كما يجوز ذلك في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره لكان سائغاً في مثل هذا دون ما أمر فيه بالإعادة فهذا له وجه وهذا له وجه» اهـ. الحجة الثالثة: ما رواه البخاري (١٨٣)، ومسلم (٧٦٣) عن ابن عباس قال: «بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ ثُمَّ قَالَ: "نَامَ الْغُلَيِّمُ"، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ، أَوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ».

стр. 1367

قال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٢/ ٣٥٩): «وردت بالمتشابه من حديث ابن عباس حيث أحرم عن يسار النبي ﷺ فأداره إلى يمينه ولم يأمره باستقبال الصلاة وهذا من أفسد الرد فإنه لا يشترط أن تكون تكبيرة الإحرام من المأمومين في حال واحد بل لو كبر أحدهم وحده ثم كبر الآخر بعده صحت القدوة ولم يكن السابق فذا وإن أحرم وحده فالاعتبار بالمصافة فيما تدرك به الركعة وهو الركوع» اهـ. قلت: وهناك وجه آخر لهم في الاستدلال بهذا الحديث فاستدل به الشافعي ومن وافقه على أن من أساء الموقف وصلى عن يسار الإمام، فإنَّ صلاته صحيحة مع الكراهة، وألحقوا به من صلى خلف الصف وحده. الحجة الرابعة: ما رواه مسلم (٧٦٦) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَشْرَعَةٍ فَقَالَ: "أَلَا تُشْرِعُ يَا جَابِرُ". قُلْتُ: بَلَى قَالَ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَشْرَعْتُ قَالَ ثُمَّ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ وَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَ فَجَاءَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ فَقُمْتُ خَلْفَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ». قلت: ووجه الشاهد من الحديثين أنَّه حصل انفراد خلف الصف لابن عباس وجابر في بعض صلاتهم وهو عند تحولهما إلى جهة اليمين. قال العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وحكم تاركها] ص (١٥١): «وأمَّا قصة ابن عباس وجابر في ترك أمرهما بابتداء الصلاة وقد أحرما فذين فهذا أولاً ليس فيه أنهما قد دخلا في الصلاة وإنما فيه أنهما وقفا عن يساره فأدارهما

стр. 1368

عند أول وقوفهما ولو قدر أنهما أحرما كذلك فمن أحرم فذاً صح إحرامه بالصلاة ودخوله فيها وإنما الاعتبار بالركوع وحده وإلا فمن وقف معه آخر قبل الركوع صحت صلاته. ولو اعتبرنا إحرام المأمومين جميعاً لم ينعقد تحريم أحد حتى يتفق هو ومن إلى جانبه في ابتداء التكبير وانتهائه وهذا من أعظم الحرج والمشقة ولهذا لم يعتبره أحد أصلاً والله أعلم» اهـ. الحجة الخامسة: ما رواه النسائي (٥١٢) بإسناد حسن عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَّمَهُ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَأَتَاهُ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَ شَخْصِهِ، فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللَّهِ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللَّهِ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللَّهِ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ، فَصَلَّى الْغَدَاةَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْيَوْمَ الثَّانِي حِينَ كَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ مِثْلَ شَخْصِهِ، فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ». قالوا: فقد صلى رسول الله خلف جبريل مقتدياً به وكان في صلاته هذه منفرداً خلف الصف. قال العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وحكم تاركها] ص (١٤٩ - ١٥٠):

стр. 1369

«قصة صلاته صلوات الله وسلامه عليه خلف جبريل وحده والصحابة خلفه فقد أجيب عنها بأنَّها كانت في أول الأمر حين علمه مواقيت الصلاة وقصة أمره الذي صلى خلف الصف فذاً بالإعادة متأخرة بعد ذلك وهذا جواب صحيح. وعندي فيه جواب آخر وهو أنَّ النبي ﷺ كان هو إمام المسلمين فكان بين أيديهم وكان هو المؤتم بجبريل وحده وكان تقدم جبريل ﵇ أبلغ في حصول التعليم من أن يكون إلى جانبه كما أنَّ النبي صلى بهم على المنبر ليأتموا وليتعلموا صلاته وكان ذلك لأجل التعليم لم يدخل في نهيه الإمام به إذا أم الناس أن يقوم في مقام أرفع منهم» اهـ. الحجة السادسة: احتجوا بصلاة الإمام منفرداً عن الصف على صحة صلاة المنفرد خلف الصف. الحجة السابعة: احتجوا بصلاة المنفرد في بيته. على صحة صلاة المنفرد خلف الصف فإنَّ غاية صلاة المنفرد خلف الصف أن يكون كالمنفرد في بيته. قال الإمام الشافعي ﵀ في [اختلاف الحديث] ص (٥٢٥): «فإن قال قائل وما القياس وقول العامة قيل أرأيت صلاة الرجل منفرداً أتجزئ عنه؟ فإن قال نعم. قلت: وصلاة الإمام أمام الصف وهو في صلاة جماعة؟ فإن قال نعم. قيل فهل يعدو المنفرد خلف المصلى أن يكون كالإمام المنفرد أمامه أو يكون كرجل منفرد يصلي لنفسه منفرداً فإن قيل فهكذا سنة

стр. 1370

موقف الإمام والمنفرد قيل فسنة موقفهما تدل على أن ليس في الانفراد شيء يفسد الصلاة» اهـ. بيان مذهب من توسط في هذه المسألة. وتوسط آخرون فقالوا بصحة صلاة المنفرد خلف الصف إذا لم يجد له مكاناً في الصف قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٠/ ٥٥٩ - ٥٦٠): «لكن قضية المرأة تدل على شيئين. تدل على أنه إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه وتعذر الدخول في الصف صلى وحده للحاجة وهذا هو القياس؛ فإن الواجبات تسقط للحاجة وأمره بأن يصاف غيره من الواجبات فإذا تعذر ذلك سقط للحاجة؛ كما سقط غير ذلك من فرائض الصلاة للحاجة في مثل صلاة الخوف محافظة على الجماعة. وطرد ذلك إذا لم يمكنه أن يصلي مع الجماعة إلا قدام الإمام فإنه يصلي هنا لأجل الحاجة أمامه وهو قول طوائف من أهل العلم وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد وإن كانوا لا يجوزون التقدم على الإمام إذا أمكن ترك التقدم عليه. وفي الجملة: فليست المصافة أوجب من غيرها فإذا سقط غيرها للعذر في الجماعة فهي أولى بالسقوط. ومن الأصول الكلية أن المعجوز عنه في الشرع ساقط الوجوب وأن المضطر إليه بلا معصية غير محظور فلم يوجب الله ما يعجز عنه العبد ولم يحرم ما يضطر إليه العبد» اهـ. وقال أيضاً ﵀ (٢٣/ ٢٤٥ - ٢٤٧):

стр. 1371

«والذين خالفوا حديث المنفرد خلف الصف كأبي حنيفة ومالك والشافعي منهم من لم يبلغه أو لم يثبت عنده والشافعي رآه معارضاً بكون الإمام يصلي وحده وبكون مليكة جدة أنس صلت خلفهم وبحديث أبي بكرة لما ركع دون الصف. وأما أحمد فأصله في الأحاديث إذا تعارضت في قضيتين متشابهتين غير متماثلتين فإنه يستعمل كل حديث على وجهه ولا يرد أحدهما بالآخر. فيقول في مثل هذه: المرأة إذا كانت مع النساء. صلت بينهن وأمَّا إذا كانت مع الرجال لم تصل إلا خلفهم وإن كانت وحدها؛ لأنها منهية عن مصافة الرجال فانفرادها عن الرجال أولى بها من مصافتهم كما أنها إذا صلت بالنساء صلت بينهن؛ لأنَّه أستر لها كما يصلي إمام العراة بينهم وإن كانت سنة الرجل الكاسي إذا أم أن يتقدم بين يدي الصف. ونقول: إنَّ الإمام لا يشبه المأموم فإن سنته التقدم لا المصافة وسنة المؤتمين الاصطفاف. نعم يدل انفراد الإمام والمرأة على جواز انفراد الرجل المأموم لحاجة وهو ما إذا لم يحصل له مكان يصلي فيه إلَّا منفرداً فهذا قياس قول أحمد وغيره ولأنَّ واجبات الصلاة وغيرها تسقط بالأعذار فليس الاصطفاف إلَّا بعض واجباتها فسقط بالعجز في الجماعة كما يسقط غيره فيها وفي متن الصلاة. ولهذا كان تحصيل الجماعة في صلاة الخوف والمرض ونحوهما مع استدبار القبلة والعمل الكثير ومفارقة الإمام ومع ترك المريض القيام: أولى من أن يصلوا وحداناً ولهذا ذهب بعض أصحاب أحمد إلى أنَّه يجوز تقديم المؤتم على الإمام عند الحاجة كحال الزحام ونحوه وإن كان لا يجوز لغير حاجة وقد روي في بعض

стр. 1372

صفات صلاة الخوف. ولهذا سقط عنده. وعند غيره. من أئمة السنة ما يعتبر للجماعة: من عدل الإمام وحل البيعة ونحو ذلك للحاجة فجوزوا بل أوجبوا فعل صلوات الجمعة والعيدين والخوف والمناسك ونحو ذلك خلف الأئمة الفاجرين وفي الأمكنة المغصوبة إذا أفضى ترك ذلك إلى ترك الجمعة والجماعة أو إلى فتنة في الأمة ونحو ذلك. كما جاء في حديث جابر "لا يؤمن فاجر مؤمناً إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه" لأن غاية ذلك أن يكون عدل الإمام واجباً فيسقط بالعذر كما سقط كثير من الواجبات في جماعة الخوف بالعذر. ومن اهتدى لهذا الأصل، وهو أن نفس واجبات الصلاة تسقط بالعذر فكذلك الواجبات في الجماعات ونحوها فقد هدي لما جاءت به السنة من التوسط بين إهمال بعض واجبات الشريعة رأسا كما قد يبتلى به بعضهم وبين الإسراف في ذلك الواجب حتى يفضي إلى ترك غيره من الواجبات التي هي أوكد منه عند العجز عنه وإن كان ذلك الأوكد مقدوراً عليه كما قد يبتلى به آخرون. فإن فعل المقدور عليه من ذلك دون المعجوز عنه هو الوسط بين الأمرين» اهـ. وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٢/ ٤٠ - ٤١): «فصل: ومن ذلك ظن بعضهم أن أمره ﷺ لمن صلى فذاً خلف الصف بالإعادة على خلاف القياس فإن الإمام والمرأة فذان وصلاتهما صحيحة. وهذا من أفسد القياس وأبطله فإن الإمام يسن في حقه التقدم وأن يكون وحده والمأمومون يسن في حقهم الاصطفاف فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس والفرق بينهما أن الإمام إنما جعل ليؤتم به وتشاهد أفعاله وانتقالاته

стр. 1373

فإذا كان قدامهم حصل مقصود الإمامة وإذا كان في الصف لم يشاهد إلا من يليه ولهذا جاءت السنة بالتقدم ولو كانوا ثلاثة محافظة على المقصود بالائتمام وأما المرأة فإن السنة وقوفها فذة إذا لم يكن هناك امرأة تقف معها لأنها منهية عن مصافة الرجال فموقفها المشروع أن تكون خلف الصف فذة وموقف الرجل المشروع أن يكون في الصف فقياس أحدهما على الآخر من أبطل القياس وأفسده وهو قياس المشروع على غير المشروع. فإن قيل: فلو كان معها نساء ووقفت وحدها صحت صلاتها. قيل هذا غير مسلم بل إذا كان صف النساء فحكم المرأة بالنسبة إليه في كونها فذة كحكم الرجل بالنسبة إلى صف الرجال لكن موقف المرأة وحدها خلف صف الرجال يدل على شيئين أحدهما أن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه وتعذر عليه الدخول في الصف ووقف معه فذا صحت صلاته للحاجة وهذا هو القياس المحض فإن واجبات الصلاة تسقط بالعجز عنها. الثاني: وهو طرد هذا القياس إذا لم يمكنه أن يصلي مع الجماعة إلا قدام الإمام فإنه يصلي قدامه وتصح صلاته وكلاهما وجه في مذهب أحمد وهو اختيار شيخنا ﵀ وبالجملة فليست المصافة أوجب من غيرها فإذا سقط ما هو أوجب منها للعذر فهي أولى بالسقوط ومن قواعد الشرع الكلية أنه لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة» اهـ. وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٤٦):

стр. 1374

«وأقرب من هذا: قول من قال: إنَّ صلاة الرجل خلف الصفوف وحده إذا تعذر عليه من يصافه تصح إلحاقاً لها بصلاة المرأة وحدها، إذا لم تجد من يصافها، كما قاله بعض المتأخرين من أصحابنا، ولكن المذهب خلافه» اهـ. وقال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ كما في [فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ] (٢/ ٢٤٥): «وأمَّا المسألة الرابعة: وهي حكم صلاة الفذ: الجواب: المشهور أنَّ صلاة الرجل فذاً خلف الصف أو خلف الإمام لا تصح إن صلى ركعة فأكثر، لقوله ﷺ : "لا صلاة لفرد خلف الصف" رواه الإمام أحمد وابن ماجه، وفي حديث آخر: " أنه ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة " رواه الإمام أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه وإسناده ثقات. إلَّا أن يكون الفذ امرأة منفردة وحدها فتصح صلاتها، لحديث أنس أن جدته مليكة دعت النبي ﷺ لطعام صنعته فأكل، ثم قال: " قوموا لا صلى لكم فقمت إلى حصير قد اسوَدّ من طُول ما لُبس فنضحته بماء فقام عليه ﷺ وقمت أنا واليتيم وراءه وقامت العجوز من ورائنا فصلى لنا ركعتين ثم انصرف " رواه الجماعة إلَّا ابن ماجه. واستدل المحققون بهذا الحديث أنَّ الرجل المعذور الذي لم يجد له محلاً في الصف يقف فيه ولم يحصل له بعد أن نبه أحد المأمومين بجذب أو غيره أن يتأخر من أجله ليصف معه ولم يتمكن أن يقف عن يمين الإمام أنَّ صلاته فذاً صحيحة

стр. 1375

للحاجة، لأنَّه اتقى الله ما استطاع واختاره الشيخ تقي الدين وغيره، وهو الصواب إن شاء الله. وإن ركع الرجل فذاً لعذر بأن خشي فوات الركعة ثم دخل في الصف قبل سجود الإمام أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحت صلاته قولاً واحداً، لقصة أبي بكرة حين ركع دون الصف ثم مشى حتى دخل الصف فقال له النبي ﷺ : "زادك الله حِرصاً ولا تَعُدْ " رواه البخاري، والله أعلم والسلام عليكم» اهـ. وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٤/ ٢٠٩): «إذا؛ فالقول الراجح أنَّ الصلاة خلف الصف منفرداً غير صحيحة، بل هي باطلة يجب عليه إعادتها. ولكن؛ إذا قال قائل: أفلا يكون القول الوسط هو الراجح، وأنَّه إذا كان لعذر صحت الصلاة؟ فالجواب: بلى، القول الوسط هو الراجح، وأنَّه إذا كان لعذر صحت الصلاة؛ لأنَّ نفي صحة صلاة المنفرد خلف الصف يدل على وجوب الدخول في الصف؛ لأن نفي الصحة لا يكون إلا بفعل محرم أو ترك واجب، فهو دال على وجوب المصافة، والقاعدة الشرعية أنَّه لا واجب مع العجز، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فإذا جاء المصلي ووجد الصف قد تم فإنَّه لا مكان له في الصف، وحينئذ يكون انفراده لعذر فتصح صلاته، وهذا القول وسط، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخنا عبد الرحمن بن سعدي. وهو الصواب» اهـ.

стр. 1376

وقال العلامة الألباني ﵀ في [إرواء الغليل] (٢/ ٣٢٩): «"فائدة" إذا لم يستطع الرجل أن ينضم إلى الصف فصلى وحده فهل تصح صلاته الأرجح الصحة والأمر بالإعادة محمول على من لم يستطع القيام بواجب الانضمام. وبهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما بينته في "الأحاديث الضعيفة" المائة العاشرة» اهـ. قلت: وهذا هو القول الصحيح الذي تؤيده أدلة الشريعة والنظر الصحيح وذلك من عدة وجوه: الوجه الأول: قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، والذي صلى منفرداً خلف الصف لعدم تمكنه من الدخول في الصف فقد اتقى الله ما استطاع. الوجه الثاني: ما رواه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧) عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». قلت: ومن صلى منفرداً خلف الصف لعدم تمكنه من الدخول في الصف فقد أتى ما استطاع أن يفعله من الأمر، وذلك أنه أُمر بصلاة الجماعة وأُمر بالدخول في الصف ففعل ما استطاع فعله وترك ما عجز عن فعله. الوجه الثالث: أن يقال: إنَّ القاعدة المقررة في الشريعة أنَّه لا تكليف مع العجز، وهذه المسألة داخلة في هذه القاعدة كغيرها من المسائل. الوجه الرابع: أنَّا قد رأينا كثيراً من واجبات الصلاة بل ومن أركانها تسقط للعجز عن فعلها كالقيام في حق المريض وعند التحام القتال في شأن الراكب،

стр. 1377

ويسقط استقبال القبلة في حال الخوف الشديد إذا لم يتمكن من استقبالها، وهكذا تسقط الطهارة، وستر العورة لمن لم يتمكن من ذلك، وتسقط قراءة الفاتحة عمن عجز عن قراءتها، ويسقط الركوع عن قيام والسجود في الأرض وينتقل إلى الإيماء بالرأس لمن عجز عن ذلك لمرض أو خوف، وتسقط صلاة الجماعة بالكلية للعذر كالمرض ونحوه فإذا سقطت مثل هذه الواجبات والأركان والشروط العظيمة للعجز فكيف لا يسقط واجب المصافة للعجز؟!! بل هو أولى بالسقوط فليس هو بأعظم من هذه الواجبات والأركان والشروط التي تسقط بالعجز. ٧ - فيه جواز الصلاة على الحصير ونحوه. وفي الباب ما رواه البخاري (٧٣٠)، ومسلم (٧٨٢) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ حَصِيرٌ يَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ وَيَحْتَجِرُهُ بِاللَّيْلِ فَثَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ فَصَلَّوْا وَرَاءَهُ». وما رواه البخاري (٧٣١)، ومسلم (٧٨١) عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً- قَالَ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ - مِنْ حَصِيرٍ فِي رَمَضَانَ فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: "قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَة"». وما رواه البخاري (١١٧٩) عَنْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَكَانَ ضَخْمًا - لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الصَّلَاةَ مَعَكَ فَصَنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا فَدَعَاهُ إِلَى بَيْتِهِ وَنَضَحَ لَهُ طَرَفَ

стр. 1378

حَصِيرٍ بِمَاءٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ فُلَانُ بْنُ فُلَانِ بْنِ جَارُودٍ لأَنَسٍ، ﵁، أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى فَقَالَ: مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ». وما رواه مسلم (٥١٩، ٦٦١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: «أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ يَسْجُدُ عَلَيْهِ. قَالَ: وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ». وما رواه البخاري (٣٧٩، ٣٨١)، ومسلم (٥١٣) عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا حِذَاءَهُ وَأَنَا حَائِضٌ، وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ قَالَتْ: وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ». وما رواه مسلم (٢٩٨) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «"نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ". قَالَتْ: فَقُلْتُ إِنِّي حَائِضٌ فَقَالَ: "إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ"». قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ١٦٣): «فِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ وَسَائِرِ مَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ خِلَافِ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّوَاضُعِ بِمُبَاشَرَةِ نَفْسِ الْأَرْضِ» اهـ. وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ١٨ - ٢٢): «وأكثر أهل العلم على جواز الصلاة على الحصير والسجود عليه، وأنَّ ذلك لا يكره إذا كان الحصير من جريد النخل أو نحوه مما ينبت من الأرض.

стр. 1379

وممن روي عنه أنَّه صلى على الحصير: ابن عمر، وزيد بن ثابت، وجابر، وأبو ذر. وقال النخعي: كانوا يصلون على الحصير والبوري. وقال مجاهد: لا بأس بالصلاة على الأرض وما أنبتت. ومذهب مالك: لا بأس أن يسجد على الخمرة والحصير وما تنبت الأرض، ويضع كفيه عليها. والسجود على الأرض أفضل عنده، وعند كثير من العلماء. وكان ابن مسعود لا يصلي على شيء إلَّا على الأرض. وروي عن أبي بكر الصديق، أنَّه رأى قوماً يصلون على بسط، فقال لهم: أفضوا إلى الأرض. وفي إسناده نظر. وروي عن ابن عمر، أنَّه كان يصلي على الخمرة ويسجد على الأرض. ونحوه عن علي بن الحسين. وقال النخعي في السجود على الحصير: الأرض أحب إلي. وعنه، أنَّه قال: لا بأس أن يصلي الحصير، لكن لا يسجد عليهِ. ونقل حرب، عن إسحاق، قال: مضت السنة من النبي ﷺ أنَّه صلى على الخمرة والبساط، وعلى الثوب الحائل بينه وبين الأرض. قال: وإن سجد الرجل على الأرض فهو أحب إليَّ، وإن أفضى بجبهته ويديه إلى الأرض فهو أحب إلينا.

стр. 1380

وأكثر صلاة النبي ﷺ كانت على الأرض، يدل على ذلك: أنَّه لما وكف المسجد وكان على عريش فصلى النبي ﷺ صلاة الصبح، وانصرف واثر الماء والطين على جبهته وأنفه. وخرج أبو داود من رواية شريح بن هانئ، عن عائشة، قالت: لقد مطرنا مرة بالليل، فطرحنا للنبي ﷺ نطعاً، فكأني أنظر إلى ثقب فيه ينبع الماء منه، وما رأيته متقياً الأرض بشيء من ثيابه قط. وخرجه الإمام أحمد، ولفظه: قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يتقي الأرض بشيء، إلَّا مرة؛ فإنَّه أصابه مطر فجلس على طرف بناء، فكأني أنظر إلى الماء ينبع من ثقب كان فيه. وخرجه ابن جرير والبيهقي وغيرهما، وعندهم: أنَّ شريحا قَالَ: سالت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ فذكرت الحديث. وفي رواية لابن جرير: أنَّ عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى على شيء قط، إلَّا أنَّه أصابنا مطر ذات ليلة، فاجتر نطعاً، فصلى عليه. وخرجه الطبراني، ولفظه: كان رسول الله ﷺ إذا صلى لا يضع تحت قدميه شيئاً، إلَّا إنَّا مطرنا يوماً فوضع تحت قدميه نطعاً. وهذه الرواية من رواية قيس بن الربيع، عن المقدام بن شريح عن أبيه. وخرج بقي بن مخلد في "مسنده" من رواية يزيد بن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن جده، قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، إنَّ أناساً يصلون على هذه الحصر، ولم

стр. 1381

أسمع الله يذكرها في القران، إلَّا في مكان واحد: ﴿لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ [الإسراء: ٨]، أفكان النبي ﷺ يصلي على الحصير؟ قالت: لم يكن رسول الله ﷺ يصلي على الحصير. وهذا غريب جداً. ويزيد بن المقدام، قال أبو حاتم: يكتب حديثه. وخرج الإمام أحمد: ثنا عثمان بن عمر: ثنا يونس، عن الزهري، عن عروة، عن، عائشة، أن رسول الله ﷺ كان يصلي على خمرة، فقال: "يا عائشة، ارفعي حصيرك، فقد خشيت أن يكون يفتن الناس". وهذا غريب جداً. ولكنه اختلف فيه على يونس: فرواه مفضل بن فضاله، عن يونس، عن الزهري، عن أنس، أنَّ النبي ﷺ كان يصلي على الخمرة، يسجد لها. ورواه شبيب بن سعيد، عن يونس، عن الزهري - مرسلاً. ورواه ابن وهب في "مسنده" عن يونس، عن الزهري، قال: لم أزل اسمع أن رسول الله ﷺ صلى على الخمرة - وعن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على الخمرة ويسجد لها. فرواه بالوجهين جميعاً. وأمَّا رواية عثمان بن عمر، عن يونس، فالظاهر أنَّها غير محفوظة، ولا تعرف تلك الزيادة إلَّا فيها» اهـ.

стр. 1382

قلت: وينبغي إذا صلى المصلي على سجاد أو حصير أن يتقي ما كان منها نقوش مشغلة له. وقد حصل النزاع في السجاد الذي فيه صورة الكعبة والمسجد الحرام هل يجوز الصلاة عليه أو لا. فمنع من ذلك العلامة ابن باز ﵀ لما فيه من امتهان الكعبة والبيت الحرام بالوطء، وأجاز ذلك آخرون. والأظهر الجواز مع الكراهة، وليس في ذلك امتهان للكعبة والمسجد الحرام لأنَّها مجردة صورة، ولأنَّه يجوز وطء الكعبة والمسجد الحرام بالقدمين حقيقة فالصورة من باب أولى. وجاء في "فتاوى نور على الدرب" «السؤال: تقول: إنَّ البعض من الناس يقولون إنَّه لا يجوز الجلوس على السجادة لأنَّ فيها رسم للكعبة ويجلس عليها؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا أيضاً لا حرج فيه أي لا بأس أن تضع سجادة وتجلس عليها ولو كان فيها صورة الكعبة أو صورة حجرة قبر النبي ﷺ لأنَّ الجالس لا يريد بهذا امتهان الكعبة ولا امتهان حجرة قبر الرسول ﷺ وليست هذه حجرة قبر النبي حقيقة ولا الكعبة حقيقة» اهـ. قلت: وهل للإمام أن يختص بسجاد دون المؤتمين أو لا؟. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ١١٨) «وَلَا كَانَ يُصَلِّي عَلَى سَجَّادَةٍ بَلْ كَانَ يُصَلِّي إمَامًا بِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ يُصَلِّي عَلَى مَا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَقْعُدُ عَلَى مَا يَقْعُدُونَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا عَنْهُمْ بِشَيْءِ يَقْعُدُ عَلَيْهِ لَا سَجَّادَةٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَكِنْ يَسْجُدُ أَحْيَانًا عَلَى الْخَمِيرَةِ - وَهِيَ شَيْءٌ يُصْنَعُ مِنْ الْخُوصِ

стр. 1383

صَغِيرٌ - يَسْجُدُ عَلَيْهَا أَحْيَانًا لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَمْ يَكُنْ مَفْرُوشًا بَلْ كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الرَّمْلِ وَالْحَصَى وَكَانَ أَكْثَرَ الْأَوْقَاتِ يَسْجُدُ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى يَبِينَ الطِّينُ فِي جَبْهَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا» اهـ. ٨ - وفيه أن الأفضل في نوافل النهار أن تكون ركعتين كنوافل الليل. قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٥٦): «قد ذكرنا أنَّ مذهبنا أنَّه يجوز في النفل المطلق أن يسلم من ركعة وركعتين وأنَّه يجوز أن يجمع بين ركعات كثيرة سواء كان بالليل أم بالنهار. وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاقتصار علي ركعة في صلاة أبداً. قال: ويجوز نوافل النهار ركعتين وأربعاً ولا يزيد عليها. ونوافل الليل ركعتين وأربعاً وستاً وثمانياً ولا يزيد. وقد سبقت الأحاديث الصحيحة في فصل الوتر المصرحة بدلائل مذهبنا. فرع: مذهبنا أن الأفضل في نفل الليل والنهار أن يسلم من كل ركعتين وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري وسعيد بن جبير وحماد بن أبي سليمان ومالك وأحمد واختاره ابن المنذر، وحكي عن ابن عمر وإسحق بن راهوية أنَّ الأفضل في النهار أربعاً. وقال الأوزاعي وأبو حنيفة صلاة الليل مثنى وصلاة النهار إن شاء أربعاً وإن شاء ركعتين. دليلنا الحديث السابق " صلاة الليل والنهار مثنى " وهو صحيح كما بيناه قريباً وقد ثبت في كون صلاة النهار ركعتين ما لا يحصى من الأحاديث وهي مشهورة في الصحيح كحديث ركعتين قبل الظهر وركعتين بعده وكذا قبل العصر

стр. 1384

وبعد المغرب والعشاء وحديث ركعتي الضحى وتحية المسجد وركعتي الاستخارة وركعتين إذا قدم من سفر وركعتين بعد الوضوء وغير ذلك وأما الحديث المروى عن أبي أيوب ﵁ يرفعه: "أربع قبل الظهر لا تسليم فيهن يفتح لهن أبواب السماء فضعيف" متفق على ضعفه وممن ضعفه يحيي بن سعيد القطان وأبو داود والبيهقي ومداره علي عبيدة بن معتب وهو ضعيف والله أعلم» اهـ. ٩ - وفيه أن للصبي موقفاً في الصف وبه قال جمهور العلماء. قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٢/ ٢٧١): «وفي هذا الحديث أيضاً ما يدل على أنَّ الصبي إذا عقل الصلاة حضرها مع الجماعة ودخل معهم في الصف إذا كان يؤمن منه اللعب والأذى وكان ممن يفهم معنى ما هو فيه من الصلاة. وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه كان إذا أبصر صبياً في الصف أخرجه. وعن زر بن حبيش وأبي وائل مثل ذلك. وهذا يحتمل أن يكون ذلك الصبي من لا يؤمن لعبة وعبثه أو يكون كثرة التقدم له في الصف مع الشيوخ والأصل ما ذكرنا بحديث هذا الباب والله أعلم. وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى كراهة ذلك. قال الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يكره أن يقوم مع الناس في المسجد إلَّا من قد احتلم أو أنبت أو بلغ خمس عشرة سنة فذكرت له حديث أنس واليتيم فقال: ذلك في التطوع» اهـ.

стр. 1385

وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٤٦): «وفقه ذلك هل يخرج من وقف معه الصبي في الصف عن أن يكون فرداً حتى يسلم من بطلان صلاته عند من يمنعه أو كراهته وظاهر حديث أنس يقتضى الإجزاء فهو حجة على من منع ذلك من الحنابلة مطلقا وقد نص أحمد على أنه يجزئ في النفل دون الفرض وفيه ما فيه» اهـ. قلت: ولا يستقيم الاستدلال بهذا الحديث إلَّا على افتراض أنَّ أنساً كان بالغاً وهذا غير معلوم فإنَّ النبي ﷺ لما قدم المدينة كان لأنس من العمر عشر سنين فلا يدرى كم كان له من العمر عند صلاته مع اليتيم وهل كان بالغاً أم لا. ١٠ - وفيه تنظيف مكان المصلي. ١١ - واحتج به من قال المرأة وحدها صف، وهي رواية حرب عن الإمام أحمد ﵀. قلت: وقد جاء في ذلك حديث موضوع. قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١/ ٢٦٨): «في هذا الباب حديث موضوع وضعه إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله التيمي عن المسعودي عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "المرأة وحدها صف"، وهذا لا يعرف إلا بإسماعيل هذا» اهـ. ١٢ - وفي رواية مسلم دليل على أنَّ موقف الواحد عن يمين الإمام. ١٣ - واحتج به من قال: إنَّ النجاسة المشكوك بها تتطهر بالرش.

стр. 1386

ويقوي هذا القول ما رواه البخاري (٦٢٠٣)، ومسلم (٦٥٩) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ- قَالَ أَحْسِبُهُ فَطِيمٌ، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ: "يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ". نُغَرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلَاةَ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا». قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٢٧٣): «وَإِنَّمَا نَضَحَهُ بِالْمَاءِ عَلَى سَبِيلِ تَجْدِيدِ نَظَافَتِهِ وَطَهَارَتِهِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا وَقَعَ فِي النَّفْسِ مِنْ طُولِ لُبْسِهِ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ أَنْ يَنَالَهُ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ فَنَضَحَهُ لِيُذْهِبَ مَا فِي النَّفْسِ مِنْ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ النَّضْحُ طَهُورًا لَمَّا لَمْ يَتَيَقَّنْ طُهْرَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا نَضَحَ لَمَّا خِيفَ أَنْ يَنَالَهُ مِنْ النَّجَاسَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَلْبَسُونَهُ وَمَعَهُمْ صَبِيٌّ فَطِيمٌ اسْمُهُ أَبُو عُمَيْرٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ حَدِيثًا عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ قَالَ أَحْسِبُهُ فَطِيمًا وَكَانَ إذَا جَاءَ قَالَ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ نُغَيْرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلَاةَ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا". فَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ أَمَرَ بِالنَّضْحِ وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَهُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ طُولِ لُبْسِهِمْ لِلْبِسَاطِ مَعَ تَصَرُّفِ الطِّفْلِ الَّذِي لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ فِيهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ: إنَّمَا غَسَلَهُ لِيَلِينَ وَهَذَا لَيْسَ بِبَيِّنٍ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَضْحَهُ لَمْ يَكُنْ لِجَسَاوَتِهِ وَإِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ لَوْنِهِ وَطُولِ لُبْسِهِ

стр. 1387

وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّضْحُ بِمَعْنَى الْغَسْلِ وَأَنْ يَكُونَ غَسْلُهُ لِنَجَاسَةٍ فِيهِ أَوْ لِلَوْنِهِ وَالْأَوَّلُ هُوَ أَظْهَرُ» اهـ. ونازع في ذلك بعض العلماء فقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ١٦٤): «وَإِنَّمَا نَضَحَهُ لِيَلِينَ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَيَذْهَبُ عَنْهُ الْغُبَارُ وَنَحْوُهُ هَكَذَا فَسَّرَهُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ الْمَالِكِيُّ وَآخَرُونَ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ لِلشَّكِّ فِي نَجَاسَتِهِ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِهِ فِي أَنَّ النَّجَاسَةَ الْمَشْكُوكَ فِيهَا تَطْهُرُ بِنَضْحِهَا مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ، وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالْغَسْلِ فَالْمُخْتَارُ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ» اهـ. وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦): «وَأَمَّا نَضْحُ الْحَصِيرِ فَإِنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لِتَلْيِينِ الْحَصِيرِ لَا لِنَجَاسَةٍ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِنَّ النَّضْحَ طُهْرٌ لِمَا شُكَّ فِيهِ لِتَطْيِيبِ النَّفْسِ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: الْأَصْلُ فِي ثَوْبِ الْمُسْلِمِ وَفِي أَرْضِهِ وَفِي جِسْمِهِ الطَّهَارَةُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ بِالنَّجَاسَةِ فَإِذَا تَيَقَّنَتْ وَجَبَ غَسْلُهَا وَكَذَلِكَ الْمَاءُ أَصْلُهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ حُلُولَ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا يُطَهِّرُهَا النَّضْحُ وَإِنَّمَا يُطَهِّرُهَا الْغَسْلُ وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْحَصِيرَ لَمْ يُنْضَحْ لِنَجَاسَةٍ وَقَدْ يُسَمَّى الْغَسْلُ فِي بَعْضِ كَلَامِ الْعَرَبِ نَضْحًا، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَرْضًا يُقَالُ لَهَا عُمَانُ يَنْضَحُ الْبَحْرُ بِنَاحِيَتِهَا الْحَدِيثَ فَإِنْ كَانَ الْحَصِيرُ نَجِسًا فَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذِكْرِ النَّضْحِ

стр. 1388

الْغَسْلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إِنَّ النَّضْحَ طَهَارَةٌ لِمَا شَكَّ فِيهِ فَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ فِعْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ حِينَ احْتَلَمَ فِي ثَوْبِهِ فَقَالَ أَغْسِلُ مِنْهُ مَا رَأَيْتُ وَأَنْضَحُ مَا لَمْ أَرَهُ وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إِنَّ النَّضْحَ لَا مَعْنًى لَهُ فَهُوَ قَوْلٌ يَشْهَدُ لَهُ النَّظَرُ وَالْأُصُولُ بِالصِّحَّةِ وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ في الثوب النجس إنهم قالوا لايزيده النَّضْحُ إِلَّا شَرًّا وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ وَمَنْ ذَهَبَ بِحَدِيثِ عُمَرَ إِلَى قَطْعِ الْوَسْوَسَةِ وَحَزَازَاتِ النَّفْسِ فِي نَضْحِهِ مِنْ ثَوْبِهِ مَا لَمْ يَرَ فِيهِ شَيْئًا مِنَ النَّجَاسَةِ كَانَ وَجْهًا حَسَنًا صَحِيحًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ» اهـ. قلت: أثر عمر رواه مالك في [الموطأ] (١٣٧)، وعبد الرزاق في [مصنفه] (١٤٤٥، ١٤٤٦، ١٤٤٨)، والطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٢٩٥، ٢٩٦،) من طريق هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ: اعْتَمَرَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَأَنَّ عُمَرَ عَرَّسَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ قَرِيبًا مِنَ الْمِيَاهِ، فَاحْتَلَمَ فَاسْتَيْقَظَ، وَقَدْ كَادَ أَنْ يُصْبِحَ فَرَكِبَ، وَكَانَ الرَّفْعُ حَتَّى جَاءَ الْمَاءَ فَجَلَسَ عَلَى الْمَاءِ يَغْسِلُ مَا رَأَى مِنَ الِاحْتِلَامِ حَتَّى أَسْفَرَ، فَقَالَ عَمْرٌو: أَصْبَحْتَ وَمَعَنَا ثِيَابٌ أَلْبَسُهَا وَدَعْ ثَوْبَكَ يُغْسَلُ، فَقَالَ عُمَرُ: «وَاعَجَبًا لَكَ يَا عَمْرُو، لَئِنْ كُنْتَ تَجِدُ الثِّيَابَ أَفَكُلُّ النَّاسِ يَجِدُونَ الثِّيَابَ؟ فَوَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُ لَكَانَتْ سُنَّةً، لَا، بَلْ أَغْسِلُ مَا رَأَيْتُ وَأَنْضَحُ مَا لَمْ أَرَ». قلت: إسناده صحيح. ولعل عمر كان يرى نجاسة المني، وهذه الأثر عمدة في رش النجاسة المشكوك بها. ١٤ - وفيه ما كان عليه بعض الصحابة من قلة ما في اليد. قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٢٧٣):

стр. 1389

«وَقَوْلُ أَنَسٍ فَقُمْت إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ يَقْتَضِي قِلَّةَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْحُصْرِ وَإِلَّا فَلَمْ يَكُونُوا يَخُصُّونَ النَّبِيَّ ﷺ إلَّا بِأَفْضَلِ مَا عِنْدَهُمْ مِمَّا يَصْلُحُ لِلصَّلَاةِ» اهـ. ١٥ - وفيه إجابة الدعوة إلى الطعام وإن لم يكن وليمة. وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب النكاح بمشيئة الله تعالى. ١٦ - وفيه الأكل من طعام الدعوة. وليس ذلك بواجب وستأتي الكلام في أحكام الوليمة في كتاب النكاح. * * *

стр. 1390

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٧٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ. فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ. فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ. فَأَخَذَ بِرَأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ». الحديث بهذا اللفظ قريب من رواية البخاري (٦٩٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِرَأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ». ولفظ الحديث عند مسلم (٧٦٣) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَبَقَيْتُ كَيْفَ يُصَلِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَقَامَ فَبَالَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الْقِرْبَةِ فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا ثُمَّ صَبَّ فِي الْجَفْنَةِ أَوْ الْقَصْعَةِ فَأَكَبَّهُ بِيَدِهِ عَلَيْهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا حَسَنًا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَجِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ قَالَ فَأَخَذَنِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ … ». وفي لفظ للبخاري (٦٣١٦)، ومسلم (٧٦٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ مَيْمُونَةَ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَى حَاجَتَهُ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ فَأَتَى الْقِرْبَةَ فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ وُضُوءَيْنِ لَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ فَصَلَّى فَقُمْتُ فَتَمَطَّيْتُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ أَتَّقِيهِ فَتَوَضَّأْتُ فَقَامَ يُصَلِّي فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِ».

стр. 1391

وفي لفظ لمسلم (٧٦٣) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بَعَثَنِي الْعَبَّاسُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَبِتُّ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَقَامَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَتَنَاوَلَنِي مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ فَجَعَلَنِي عَلَى يَمِينِهِ». في الحديث مسائل منها: ١ - أنَّ موقف الواحد عن يمين الإمام. قال العلامة الماوردي ﵀ في [الحاوي] (٢/ ٣٣٩): «فَالسُّنَّةُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقِفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: يَقِفُ الْمَأْمُومُ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ: يَقِفُ خَلْفَهُ إِلَى أَنْ يَرْكَعَ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ آخَرُ وَقَفَا خَلْفَهُ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ تَقَدَّمَ وَوَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ» اهـ. قلت: والظاهر أنَّه يكون مساوياً للإمام في وقوفه لا يتأخر عنه. قال العلامة السرخسي الحنفي ﵀ في [المبسوط] (١/ ١١٨): «وفي ظاهر الرواية لا يتأخر المقتدي عن الإمام وعن محمد رحمه الله تعالى قال ينبغي أن تكون أصابعه عند عقب الإمام، وهو الذي وقع عند العوام» اهـ. وقال العلامة الكاساني الحنفي ﵀ في [بدائع الصنائع] (٢/ ١٣٢): «ثُمَّ إذَا وَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ الْإِمَامِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَصَابِعُهُ عِنْدَ عَقِبِ الْإِمَامِ، وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ عِنْدَ الْعَوَامّ» اهـ. وقال العلامة الخرشي المالكي ﵀ في [شرح مختصرخليل] (٣/ ٣٦٥): «وَظَاهِرُهُ مُسَامَتَتُهُ لَهُ لَا تَقَدُّمُهُ أَوْ تَأَخُّرُهُ عَنْهُ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا قَرُبَ مِنْهُ أَوْ بَعُدَ وَظَاهِرُهُ أَيْضًا حَالَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ كَرَجُلٍ يُصَلِّي أَوْ كُرْسِيٍّ أَوْ لَا» اهـ.

стр. 1392

قلت: واستحب التأخر جماعة من المالكية. فقد قال العلامة الدردير المالكي ﵀ في [الشَّرْحُ الكبير] (١/ ٣٤٤) «وَنُدِبَ أَيْضًا تَأَخُّرُهُ عَنْهُ قَلِيلًا» اهـ. قلت: واستحب ذلك علماء الشافعية. قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٢٩٢) «قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ مُسَاوَاةِ الْإِمَامِ قَلِيلًا» اهـ. قلت: وقد بيَّن علماء الشافعية الأمر المعتبر عندهم في المساواة. فقال العلامة محمد بن القاسم الغزي ﵀ في [فتح القريب] (ص: ٩٣) «فإن تقدم عليه بعقبه في جهته لم تنعقد صلاته، ولا تضر مساواته لإمامه، ويندب تخلفه عن إمامه قليلاً» اهـ. وقال العلامة أحمد بن حجر الهيتمي ﵀ في [المنهاج القويم] (ص: ٣١٥): «والعبرة في التقدم "بعقبه" التي اعتمد عليها من رجليه أو من إحداهما وهو مؤخر القدم مما يلي الأرض هذا إن صلى قائماً "أو بأليته إن صلى قاعداً" وإن كان راكباً "أو بجنبه إن صلى مضطجعاً" أو برأسه إن كان مستلقياً فمتى تقدم في غير صلاة شدة الخوف في جزء من صلاته بشيء مما ذكر لم تصح صلاته لما مر وأفهم تعبيره بالعقب أنَّه لا أثر للأصابع تقدمت أو تأخرت لأن تقدم العقب يستلزم تقدم المنكب بخلاف تقدم غيره نعم لو تأخر وتقدمت رؤوس أصابعه على عقب الإمام فإن اعتمد على العقب صح أو على رؤوس الأصابع فلا "فإن ساواه" بالعقب " كره" ولم يحصل به شيء من فضل الجماعة» اهـ.

стр. 1393

قلت: ولا أعلم حجة على المحاذاة في العقب، والأظهر أنَّ المحاذاة في الاصطفاف مع الإمام كالمحاذاة بين المؤتمين في الصف، وذلك يكون بين المنكب والركبة، والكعب. ٢ - وفيه دليل على صحة صلاة الواقف عن يسار الإمام. قلت: وقد تنازع العلماء فيما إذا وقف الواقف عن يسار الإمام مع عدم وجود أحد عن يمينه. فذهب الجمهور إلى صحة صلاته، وذهب الإمام أحمد إلى بطلانها. ومذهب البخاري ﵀ عدم البطلان كما هو ظاهر تبويبه في "صحيحه" حيث قال ﵀: «باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام فحوله الإمام إلي يمينه لم تفسد صلاته». قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٠٦): «وقد استدل البخاري بهذا الحديث على أنَّ من قام عن يسار الإمام، فحوله إلى يمينه لم تفسد صلاته» اهـ. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٢٤): «وجه الدلالة من حديث ابن عباس المذكور أنَّه ﷺ لم يبطل صلاة ابن عباس مع كونه قام عن يساره أولاً، وعن أحمد تبطل لأنَّه ﷺ لم يقره على ذلك. والأول هو قول الجمهور بل قال سعيد بن المسيب إنَّ موقف المأموم الواحد يكون عن يسار الإمام ولم يتابع على ذلك» اهـ. ٣ - وفيه دليل على انعقاد الجماعة بالصبي.

стр. 1394

قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٠٥): «وقد دل حديث ابن عباس هذا على انعقاد الجماعة بالصبي في النفل، وهذا متفق عليه، فأمَّا في الفرض ففيه روايتان عن أحمد، والأكثرون على انعقاده بالصبي - أيضاً -، وهو قول أبي حنيفة والشافعي؛ لأنَّ الصبي يصح نفله، والجماعة تنعقد بالمتنفل، وإن كان الإمام مفترضاً؛ بدليل قول النبي ﷺ : "من يتصدق على هذا فيصلي معه؟ "» اهـ. ٤ - وفيه دليل على أنَّ الحركة في الصلاة لمصلحتها لا تبطل الصلاة. ٥ - واحتج به من قال بعدم اشتراط نية الإمامة من أول الصلاة. قلت: والمشهور عن الحنابلة اشتراط ذلك، وذهب جمهور العلماء إلى عدم اشتراطه. وهذا هو الصحيح لما رواه البخاري (٦٨٤)، ومسلم (٩٤٨) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأُقِيمَ. قَالَ: نَعَمْ. فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ - فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ، ﵁، يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صلى

стр. 1395

الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ مَنْ رَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ"». قلت: والشاهد من الحديث أنَّ النبي ﷺ كان مؤتماً ثم طرأت له نية الإمامة في أثناء الصلاة. وروى البخاري (٣٧٠٠) في حديث مقتل عمر ﵁ الطويل عن عمرو بن ميمون وفيه أنَّه قال: «إِنِّي لَقَائِمٌ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ غَدَاةَ أُصِيبَ، وَكَانَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَالَ اسْتَوُوا حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ خَلَلاً تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ، وَرُبَّمَا قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ، أَوِ النَّحْلَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ فَمَا هُوَ إِلاَّ أَنْ كَبَّرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ قَتَلَنِي، أَوْ أَكَلَنِي - الْكَلْبُ حِينَ طَعَنَهُ فَطَارَ الْعِلْجُ بِسِكِّينٍ ذَاتِ طَرَفَيْنِ لَا يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ يَمِينًا، وَلَا شِمَالاً إِلَّا طَعَنَهُ حَتَّى طَعَنَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً مَاتَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا فَلَمَّا ظَنَّ الْعِلْجُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ نَحَرَ نَفْسَهُ وَتَنَاوَلَ عُمَرُ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ فَمَنْ يَلِي عُمَرَ فَقَدْ رَأَى الَّذِي أَرَى وَأَمَّا نَوَاحِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ غَيْرَ أَنَّهُمْ قَدْ فَقَدُوا صَوْتَ عُمَرَ وَهُمْ يَقُولُونَ سُبْحَانَ اللهِ سُبْحَانَ اللهِ فَصَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَلَاةً خَفِيفَةً». قلت: والشاهد منه أنَّ عبد الرحمن بن عوف صار إماماً من أثناء الصلاة، وقد كان قبل ذلك مؤتماً.

стр. 1396

قلت: واختلف العلماء هل تشترط نية الإمامة. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٠٨): «وفي المسألة أقوال: أحدها: يجوز ذلك، فلا يشترط أن ينوي الإمام الإمامة، بل لو نوى المأموم الاقتداء بمنفرد جاز، هذا قول مالك والشافعي والثوري - في رواية - وزفر، وحكي رواية عن أحمد. والقول الثاني: لا يجوز بحال، وهو ظاهر مذهب أحمد، وقول الثوري - في رواية إسحاق. واستدل لهم بأنَّ الجماعة قربة وعبادة، فلا تنعقد إلَّا بإمام ومأموم، وفضلها مشترك بينهما، فلا يحصل لهما ذلك بدون النية، عملاً بظاهر قوله ﷺ : "إنَّما الأعمال بالنيات، وإنَّما لامرئ ما نوى". وأجاب بعض أصحابنا عن حديث ابن عباس، بأنَّ النبي ﷺ إمام الخلق على كل حال، فلا يحتاج إلى نية الإمام، فلا يلحق به غيره. والقول الثالث: يصح ذلك في النفل دون الفرض، وهو رواية منصوصة عن أحمد، استدلالاً بحديث ابن عباس هذا. والقول الرابع: إن أم رجل رجلاً لم يحتج أن ينوي الإمامة، وإن أم امرأة احتاج إلى نية الإمامة، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه» اهـ. قلت: الذي يظهر لي هو أنَّه لا تشترط نية الإمامة لصحة صلاة الجماعة لما رواه البخاري (٧٢٩) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله

стр. 1397

عليه وسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ فَأَصْبَحُوا فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ فَقَامَ لَيْلَةَ الثَّانِيَةِ فَقَامَ مَعَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَخْرُجْ فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ فَقَالَ: "إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ"». ورواه مسلم (١٨٢٤) عن عائشة أنها قالت: «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَصِيرٌ وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنْ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي فِيهِ فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ مِنْ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ". وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ». وروى البخاري (٧٣٠)، ومسلم (٧٨٢) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ حَصِيرٌ يَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ وَيَحْتَجِرُهُ بِاللَّيْلِ فَثَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ فَصَلَّوْا وَرَاءَهُ». وما رواه البخاري (٧٣١)، ومسلم (٧٨١) عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً- قَالَ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ - مِنْ حَصِيرٍ فِي رَمَضَانَ فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: "قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَة"». قلت: فالظاهر في مثل هذا أنَّ النبي ﷺ لم يشعر بهم من أول الأمر. والله أعلم.

стр. 1398

ومثله ما رواه مسلم (٢٥٦٥) عن أنس ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ فَجِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ وَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَامَ أَيْضًا حَتَّى كُنَّا رَهْطًا فَلَمَّا حَسَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّا خَلْفَهُ جَعَلَ يَتَجَوَّزُ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ دَخَلَ رَحْلَهُ فَصَلَّى صَلَاةً لَا يُصَلِّيهَا عِنْدَنَا قَالَ قُلْنَا لَهُ حِينَ أَصْبَحْنَا أَفَطَنْتَ لَنَا اللَّيْلَةَ قَالَ فَقَالَ نَعَمْ ذَاكَ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى الَّذِي صَنَعْتُ قَالَ فَأَخَذَ يُوَاصِلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَذَاكَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَأَخَذَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُوَاصِلُونَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا بَالُ رِجَالٍ يُوَاصِلُونَ إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِثْلِي أَمَا وَاللَّهِ لَوْ تَمَادَّ لِي الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ"». قلت: بوَّب عليه ابن المنذر في [الأوسط] (٦/ ٣٠٥): «ذكر الائتمام بالمصلي الذي لا ينوي الإمامة». وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٩٢): «وهو ظاهر في أنَّه لم ينو الإمامة ابتداء وائتموا هم به وأقرهم» اهـ. ٦ - واحتج به على صحة من أحرم مفرداً ثم نوى الإمامة في أثناء الصلاة. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٠٨): «المسألة الثانية: إذا أحرم منفرداً، ثم نوى الإمامة، وفي - أيضاً - أقوال: أحدها: أنَّه لا يجوز ذلك، وهو قول أكثر أصحابنا، وبناء على أصلهم في أنَّ الإمام يشترط أن ينوي الإمامة على ما سبق، فيصير ذلك من ابتداء صلاته.

стр. 1399

والثاني: يجوز ذلك، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، بناء على أصولهم في أنَّ نية الإمام للإمامة ليس شرطاً، على ما سبق. ووافقهم بعض أصحابنا لمعنى آخر، وهو: أنَّ طرفي الصلاة يجوز أن يكون في أولها إماماً وفي الآخر منفرداً، وهو المسبوق إذا استخلفه الإمام، فكذا بالعكس. والثالث: أنَّه يجوز في الفرض دون النفل، وهو المنصوص عن أحمد؛ لحديث ابن عباس هذا. والظاهر: أنَّ النبي ﷺ نوى إمامته حينئذ؛ لأنَّه أداره إلى يمينه، وأوقفه موقف المأموم» اهـ. ٧ - وفيه دليل صحة مصافاة الصبي وقد سبق الكلام على هذه المسألة في الحديث السابق. ٨ - فيه جواز الإمامة في النافلة وقد سبق الكلام حول هذه المسألة قريباً. ٩ - فيه التعليم في الصلاة إذا كان من أمرها. ١٠ - فيه طلب العلو في السند فإنَّه كان يكتفي بإخبار خالته أم المؤمنين ﵂. ١١ - وفيه بيات الرجل عند بعض محارمه مع وجود زوجها. ولعله كان في زمن حيضها. ١٢ - وفيه نوم الرجل مع أهله مع وجود بعض محارمها من غير مواقعة. ١٣ - أن المأموم يدور هو، ولا يدور الإمام.

стр. 1400

١٤ - أنَّ صلاة النفل يحرم فيها الكلام كالفرض، ولهذا لم يأمره النبي ﷺ أن ينتقل عن يمينه. ١٥ - وفيه أن المرور بين يدي المصلي لا يشرع؛ لأنَّ النبي ﷺ أداره من خلفه، ولم يدره بين يديه. ١٦ - وفيه أنَّ المشي القليل لمصلحة الصلاة لا يبطلها. * * *

стр. 1401

قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الإمامة ٧٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ؟!». لفظ الحديث عند البخاري (٦٩١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ، أَوْ لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ». ولفظه عند مسلم (٤٢٧): «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ». وفي لفظ له: «مَا يَأْمَنُ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ صُورَتَهُ فِي صُورَةِ حِمَارٍ». قلت: ويراعي في الإمامة من قدمه رسول الله ﷺ . وذلك فيما روى مسلم (٦٧٣) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً

стр. 1402

فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ». وفي لفظ له: «أَكْبَرُهُمْ سِنًّا» بدل: «سِلْمًا». قلت: وقد قدَّم النبي ﷺ الأقرأ على غيره في الإمام، وهو محمول على من كان عنده علم بأمور الصلاة وأحكامها، فإذا كان هنالك رجلان أحدهما: أقرأ من صاحبه لكنه جاهل بأحكام الصلاة، والآخر عنده من القراءة ما يحتاجه في صلاته وهو عالم بأحكام الصلاة، فالثاني مقدم على الأول، وذلك أنَّه قد تعرض عليه بعض الأمور في صلاته كالسهو وغيره فلا يدري ما يصنع. قال العلامة الكاساني الحنفي ﵀ في [بدائع الصنائع] (١/ ١٥٧): «ثُمَّ مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ أَجْرَى الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَدَّمَ الْأَقْرَأَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَدَأَ بِهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْأَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ إذَا كَانَ يُحْسِنُ مِنْ الْقِرَاءَةِ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فَهُوَ أَوْلَى، كَذَا ذُكِرَ فِي آثَارِ أَبِي حَنِيفَةَ لِافْتِقَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْقِرَاءَة إلَى الْعِلْمِ لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِنْ تَدَارُكِ مَا عَسَى أَنْ يَعْرِضَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْعَوَارِضِ، وَافْتِقَارِ الْقِرَاءَةِ أَيْضًا إلَى الْعِلْمِ بِالْخَطَأِ الْمُفْسِدِ لِلصَّلَاةِ فِيهَا، فَلِذَلِكَ كَانَ الْأَعْلَمُ أَفْضَلَ» اهـ. وقال العلامة عثمان الزيلعي الحنفي ﵀ في [تبيين الحقائق] (١/ ١٣٣): «وَقَوْلُهُ ﵊ "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ" وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَقْرَأُ لِلْقُرْآنِ مِنْهُ مِثْلُ أُبَيٍّ وَغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْقَوْمِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ صِحَّةً وَفَسَادًا فَتَقْدِيمُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِهَا أَوْلَى إذَا عَلِمَ مِنْ الْقِرَاءَةِ قَدْرَ مَا تَقُومُ بِهِ سُنَّةُ

стр. 1403

الْقِرَاءَةِ؛ وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ يُحْتَاجُ إلَيْهَا لِإِقَامَةِ رُكْنٍ وَاحِدٍ وَهُوَ رُكْنٌ زَائِدٌ أَيْضًا وَالْفِقْهُ يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِجَمِيعِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَوَاجِبَاتِهَا وَسُنَنِهَا وَمُسْتَحَبَّاتِهَا» اهـ. وقال العلامة الماوردي الشافعي ﵀ في [الحاوي] (٢/ ٣٥٢): «فَالْفَقِيهُ إِذَا كَانَ يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ مِنَ الْقَارِئِ؛ لِأَنَّ مَا يَجِبُ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَحْصُورٌ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْفِقْهِ غَيْرُ محصور؛ لكثرة أحكامها، ووقوع حوادثها وإن قِيلَ هَذَا يُخَالِفُ قَوْلَهُ ﷺ : " يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ " قُلْنَا هَذَا غَيْرُ مُخَالِفٍ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خِطَابٌ لِلصَّحَابَةِ ﵃ وَهُوَ خَارِجٌ عَلَى حَسَبِ حَالِهِمْ، وَكَانَ أَقْرَؤُهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَفْقَهَهُمْ، بِخِلَافِ هَذَا الزَّمَانِ؛ لأنهم كانوا يتفقهون ثم يقرؤون ومن في زماننا يقرؤون ثُمَّ يَتَفَقَّهُونَ» اهـ. قلت: وخالفت الحنابلة في ذلك. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ١٣٣ - ١٣٤): «لَا خِلَافَ فِي التَّقْدِيمِ بِالْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ عَلَى غَيْرِهِمَا. وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّهِمَا يُقَدَّمُ عَلَى صَاحِبِهِ؟ فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ، ﵀، تَقْدِيمُ الْقَارِئِ. وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ: يَؤُمُّهُمْ أَفْقَهُهُمْ إذَا كَانَ يَقْرَأُ مَا يَكْفِي فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنُوبُهُ فِي الصَّلَاةِ مَا لَا يَدْرِي مَا يَفْعَلُ فِيهِ إلَّا بِالْفِقْهِ، فَيَكُونُ أَوْلَى، كَالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى وَالْحُكْمِ.

стр. 1404

وَلَنَا مَا رَوَى أَوْسُ بْنُ ضَمْرَةَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا". أَوْ قَالَ: "سِلْمًا". وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذَا اجْتَمَعَ ثَلَاثَةٌ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ" رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ الْعُصْبَةَ، مَوْضِعٌ بِقُبَاءَ، كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد. وَكَانَ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ. وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا". وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ فَكَانَ الْقَادِرُ عَلَيْهَا أَوْلَى، كَالْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ مَعَ الْعَاجِزِ عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَقْدِيمِ الْقَارِئِ لِأَنَّ أَصْحَابَهُ كَانَ أَقْرَؤُهُمْ أَفْقَهَهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ تَعَلَّمُوا مَعَهُ أَحْكَامَهُ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كُنَّا لَا نُجَاوِزُ عَشْرَ آيَاتٍ حَتَّى نَعْرِفَ أَمْرَهَا، وَنَهْيَهَا، وَأَحْكَامَهَا. قُلْنَا: اللَّفْظُ عَامُّ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِعُمُومِهِ دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ، وَلَا يُخَصُّ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِهِ، عَلَى أَنَّ فِي الْحَدِيثِ مَا يُبْطِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ". فَفَاضَلَ بَيْنَهُمْ فِي الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ مَعَ تَسَاوِيهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ، وَلَوْ قَدَّمَ الْقَارِئَ لِزِيَادَةِ عِلْمٍ لَمَا نَقَلَهُمْ عِنْدَ التَّسَاوِي فِيهِ إلَى الْأَعْلَمِ بِالسُّنَّةِ، وَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِالْفِقْهِ عَلَى قَدْرِ الْقِرَاءَةِ لَلَزِمَ مِنْ التَّسَاوِي فِي الْقِرَاءَةِ التَّسَاوِي فِيهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :

стр. 1405

"أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ، وَأَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ، وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُكُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ". فَقَدْ فَضَّلَ بِالْفِقْهِ مَنْ هُوَ مَفْضُولٌ بِالْقِرَاءَةِ، وَفَضَّلَ بِالْقِرَاءَةِ مَنْ هُوَ مَفْضُولٌ بِالْقَضَاءِ وَالْفَرَائِضِ وَعِلْمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ. قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ : "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ" أَهُوَ خِلَافُ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ؟ قَالَ: لَا، إنَّمَا قَوْلُهُ لِأَبِي بَكْرٍ - عِنْدِي - "يُصَلِّي بِالنَّاسِ" لِلْخِلَافَةِ، يَعْنِي أَنَّ الْخَلِيفَةَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَقْرَأَ مِنْهُ، فَأَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ بِالصَّلَاةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ اسْتِخْلَافَهُ» اهـ. قلت: وما قالته الحنابلة حسن لكن يخص من ذلك القاريء الجاهل بأحكام الصلاة الذي لا يدري ما يصنع إذا نابه شيء في الصلاة كالسهو. والأظهر أنَّ الأجود قراءة مقدم على الأكثر حفظاً. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ١٣٥): «وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ حِفْظًا، وَالْآخَرُ أَقَلَّ لَحْنًا وَأَجْوَدَ قِرَاءَةً، فَهُوَ أَوْلَى» اهـ. قلت: والأظهر أنَّ الأعلم بأحكام الصلاة مقدم على الأعلم بغيرها. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ١٣٥): «وَإِنْ اجْتَمَعَ فَقِيهَانِ، أَحَدُهُمَا أَعْلَمُ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ، وَالْآخَرُ أَعْرَفُ بِمَا سِوَاهَا، فَالْأَعْلَمُ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ أَوْلَى، لِأَنَّ عِلْمَهُ يُؤَثِّرُ فِي تَكْمِيلِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْآخَرِ» اهـ.
следующие страницы →