Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
وَأَمَّا بَيَانُ صُورَةِ التَّخَلُّفِ بِرُكْنٍ فَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الرُّكْنِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ فَالْقَصِيرُ الِاعْتِدَالُ عَنْ الرُّكُوعِ وَكَذَا الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَالطَّوِيلُ مَا عَدَاهُمَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَالطَّوِيلُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَفِي الْقَصِيرِ وَجْهَانِ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ:
أَصَحُّهُمَا: وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ وَمَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَى الْجَزْمِ بِهِ أَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ
وَالثَّانِي: لَا بَلْ تَابِعٌ لِغَيْرِهِ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ فَإِذَا رَكَعَ الْإِمَامُ فَرَكَعَ الْمَأْمُومُ وَأَدْرَكَهُ فِي رُكُوعِهِ فَلَيْسَ مُتَخَلِّفًا بِرُكْنٍ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ قَطْعًا فَلَوْ اعْتَدَلَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ بَعْدُ فِي الْقِيَامِ فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ:
أَصَحُّهُمَا: لَا تَبْطُلُ وَاخْتُلِفَ فِي مَأْخَذِهِمَا فَقِيلَ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الِاعْتِدَالَ رُكْنٌ مَقْصُودٌ أَمْ لَا إنْ قُلْنَا مَقْصُودٌ بَطَلَتْ لِأَنَّ الْإِمَامَ فَارَقَ رُكْنًا وَاشْتَغَلَ بِرُكْنٍ آخَرَ مَقْصُودٍ وَإِلَّا فَلَا تَبْطُلُ كَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ وَقِيلَ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ التَّخَلُّفَ بِرُكْنٍ يُبْطِلُ أم لا وان قلنا لا يُبْطِلُ فَقَدْ تَخَلَّفَ بِرُكْنِ الرُّكُوعِ تَامًّا فَتَبْطُلُ صلاته، وإن قلنا فَمَا دَامَ فِي الِاعْتِدَالِ لَمْ يُكْمِلْ الرُّكْنَ الثَّانِي فَلَا تَبْطُلُ فَلَوْ هَوَى إلَى السُّجُودِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ وَالْمَأْمُومُ بَعْدُ فِي الْقِيَامِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَأْخَذِ الْأَوَّلِ لَمْ تَبْطُلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ فِي رُكْنٍ مَقْصُودٍ وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي بَطَلَتْ لِأَنَّ رُكْنَ الِاعْتِدَالِ قَدْ تَمَّ هَكَذَا رتب المسألة إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَقِيَاسُهُ أَنْ يُقَالَ إذَا ارْتَفَعَ عَنْ حَدِّ الرُّكُوعِ وَالْمَأْمُومُ بَعْدُ فِي الْقِيَامِ فَقَدْ حَصَلَ التَّخَلُّفُ بِرُكْنٍ وَإِنْ لَمْ يَعْتَدِلْ الْإِمَامُ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ إنْ قُلْنَا التَّخَلُّفُ بِرُكْنٍ مُبْطِلٌ أَمَّا إذَا انْتَهَى الْإِمَامُ إلَى السُّجُودِ وَالْمَأْمُومُ بَعْدُ فِي الْقِيَامِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ
стр. 1437
بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ثُمَّ إنْ اكْتَفَيْنَا بِابْتِدَاءِ الْهُوِيِّ مِنْ الِاعْتِدَالِ وَابْتِدَاءِ الِارْتِفَاعِ عَنْ حَدِّ الرُّكُوعِ فَالتَّخَلُّفُ بِرُكْنَيْنِ هُوَ أَنْ يَتِمَّ لِلْإِمَامِ رُكْنَانِ وَالْمَأْمُومُ بَعْدُ فِيمَا قَبْلَهُمَا وَالتَّخَلُّفُ بِرُكْنٍ أَنْ يُتِمَّ الْإِمَامُ الرُّكْنَ الَّذِي سَبَقَ إلَيْهِ وَالْمَأْمُومُ بَعْدُ فِيمَا قَبْلَهُ وَإِنْ لَمْ نَكْتَفِ بِذَلِكَ فَلِلتَّخَلُّفِ شرط آخر وهو أن يلابس بعد تمامها أَوْ تَمَامِهِ رُكْنٌ آخَرُ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْبَغَوِيِّ تَرْجِيحُ الْبُطْلَانِ فِيمَا إذَا تَخَلَّفَ بِرُكْنٍ كَامِلٍ مَقْصُودٍ بِأَنْ اسْتَمَرَّ فِي الرُّكُوعِ حَتَّى اعْتَدَلَ الْإِمَامُ وَسَجَدَ هَذَا كُلُّهُ فِي التَّخَلُّفِ بِلَا عُذْرٍ أَمَّا الْأَعْذَارُ فَأَنْوَاعٌ: مِنْهَا الْخَوْفُ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ بَطِئَ الْقِرَاءَةِ لِضَعْفِ لِسَانِهِ وَنَحْوِهِ لَا لِوَسْوَسَةٍ وَالْإِمَامُ سَرِيعَهَا فَيَرْكَعَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الْمَأْمُومُ الْفَاتِحَةَ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا جماعة من الخراسانيين منهم والرافعي أَحَدُهُمَا يُتَابِعُهُ وَيَسْقُطُ عَنْ الْمَأْمُومِ بَاقِيهَا فَعَلَى هَذَا إنْ اشْتَغَلَ بِإِتْمَامِهَا كَانَ مُتَخَلِّفًا بِلَا عُذْرٍ وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالْأَكْثَرُونَ لَا يَسْقُطُ بَاقِيهَا بَلْ يَلْزَمهُ أَنْ يُتِمَّهَا وَيَسْعَى خَلْفَ الْإِمَامِ عَلَى نَظْمِ صَلَاةِ نَفْسِهِ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ مَقْصُودَةٍ فَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ أَنْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ عَنْ الْمُتَابَعَةِ لِتَعَذُّرِ الْمُوَافَقَةِ.
وَأَصَحُّهُمَا: لَهُ الدَّوَامُ عَلَى مُتَابَعَتِهِ وَعَلَى هَذَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُرَاعِي نَظْمَ صَلَاتِهِ وَيَجْرِي عَلَى أَثَرِهِ وَبِهَذَا أَفْتَى الْقَفَّالُ.
وَأَصَحُّهُمَا: يُوَافِقُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ ثُمَّ يَتَدَارَكُ مَا فَاتَهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَهُمَا كَالْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الزِّحَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ وَمِنْهَا أَخَذُوا التَّقْدِيرَ بِثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ مَقْصُودَةٍ لِأَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الزِّحَامِ إنَّمَا هُمَا إذَا رَكَعَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَة وَقَبْل ذَلِكَ
стр. 1438
لَا يُوَافِقُهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّخَلُّفُ قَبْلَهُ بِالسَّجْدَتَيْنِ وَالْقِيَامِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَلَا يَجْعَلُ التَّخَلُّفَ بِغَيْرِ الْمَقْصُودِ مُؤَثِّرًا وَأَمَّا مَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَقْصُودِ وَغَيْرِهِ أَوْ يُفَرِّقُ وَيَجْعَلُ الْجُلُوسَ مَقْصُودًا أَوْ رُكْنًا طَوِيلًا فَالْقِيَاسُ عَلَى أَصْلِهِ التَّقْدِيرُ بِأَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الزِّحَامِ
وَلَوْ اشْتَغَلَ الْمَأْمُومُ بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ فَرَكَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ فراغه من الفاتحة أتمها كبطئ الْقِرَاءَةِ هَذَا كُلُّهُ فِي الْمَأْمُومِ الْمُوَافِقِ أَمَّا الْمَسْبُوقُ إذَا قَرَأَ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ فَرَكَعَ الْإِمَامُ فَقَدْ سَبَقَ فِي رُكُوعِهِ وَإِتْمَامِهِ الْفَاتِحَةَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
وَمِنْهَا الزِّحَامُ وَسَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمِنْهَا النِّسْيَانُ فَلَوْ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ نَسِيَ الْفَاتِحَةَ أَوْ شَكَّ فِي قِرَاءَتِهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعُودَ لِقِرَاءَتِهَا لِفَوَاتِ مَحِلِّهَا وَوُجُوبِ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ وَلَوْ تَذَكَّرَ تَرْكَ الْفَاتِحَةِ أَوْ شَكَّ فِيهِ وَقَدْ رَكَعَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَكُنْ هُوَ رَكَعَ لَمْ تَسْقُطْ الْقِرَاءَةُ بِالنِّسْيَانِ وَفِي وَاجِبِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْكَعُ مَعَهُ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ.
وَأَصَحُّهُمَا: تَجِبُ قِرَاءَتُهَا وَبِهِ أَفْتَى الْقَفَّالُ وَعَلَى هَذَا تَخَلُّفُهُ تَخَلُّفُ مَعْذُورٍ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ لِتَقْصِيرِهِ بِالنِّسْيَانِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ عَلَى الْإِمَامِ بِرُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّقَدُّمُ ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ لَمْ يَسْبِقْ بِرُكْنٍ كَامِلٍ بِأَنْ رَكَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَلَمْ يَرْفَعْ حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا لِأَنَّهُ مُخَالَفَةٌ يَسِيرَةٌ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ وَحَكَى أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو
стр. 1439
الطَّيِّبِ وَالرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ إنْ تَعَمَّدَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَإِذَا قُلْنَا لَا تَبْطُلُ فَهَلْ يَعُودُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
الصَّحِيحُ: الَّذِي قَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ غَيْرِهِمْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعُودَ إلَى الْقِيَامِ وَيَرْكَعَ مَعَهُ وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ هَذَا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ إلَى الْقِيَامِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هُنَا وَنَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ: وَقَالَ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْعَوْدُ وَنَقَلَ عَنْ نَصِّهِ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْزَأَهُ قَالَ أَبُو حَامِدٍ وَسَوَاءٌ تَعَمَّدَ السَّبْقَ أَمْ سَهَا.
وَالثَّالِثُ: وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ يَحْرُمُ الْعَوْدُ فَإِنْ عَادَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَوْ كَانَ تَقَدُّمُهُ سَهْوًا فَوَجْهَانِ:
أَصَحُّهُمَا: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْعَوْدِ وَالدَّوَامِ فِي الرُّكُوعِ حَتَّى يَرْكَعَ الْإِمَامُ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ الْعَوْدُ فَإِنْ لَمْ يَعُدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ سَبَقَ بِرُكْنَيْنِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ لَمْ تَبْطُلْ لَكِنْ لَا يُعِيدُ تِلْكَ الرَّكْعَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُتَابِعْ الْإِمَامَ فِي مُعْظَمِهَا فَيَلْزَمهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَلَا تَخْفَى صُورَةُ التَّقَدُّمِ بِرُكْنَيْنِ مِنْ قِيَاسِ مَا سَبَقَ فِي التَّخَلُّفِ وَمَثَّلَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ ذَلِكَ بِمَا إذَا رَكَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَلَمَّا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَرْكَعَ رَفْعَ هُوَ فَلَمَّا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَرْفَعَ سَجَدَ.
стр. 1440
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَذَا يُخَالِفُ ذَلِكَ الْقِيَاسَ قَالَ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَدِّرَ مِثْلَهُ فِي التَّخَلُّفِ وَيَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ هَذَا بِالتَّقْدِيمِ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِيهِ أَفْحَشُ وَإِنْ سَبَقَ بِرُكْنٍ مَقْصُودٍ بِأَنْ رَكَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ وَرَفَعَ وَالْإِمَامُ فِي الْقِيَامِ ثُمَّ وَقَفَ حَتَّى رَفَعَ الْإِمَامُ وَاجْتَمَعَا فِي الِاعْتِدَالِ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ قَالَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ قَالُوا فَإِنْ سَبَقَ بِرُكْنٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ فَإِنْ اعْتَدَلَ وَسَجَدَ وَالْإِمَامُ بَعْدُ فِي الرُّكُوعِ أَوْ سَبَقَ بِالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بِأَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى وَجَلَسَ وَسَجَدَ الثَّانِيَةَ وَالْإِمَامُ بَعْدُ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى فَوَجْهَانِ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ الْأَصْلِ أَنَّ التَّقَدُّمَ بِرُكْنٍ لَا يُبْطِلُ كَالتَّخَلُّفِ بِهِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ غَيْرِهِمْ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ هَذَا كُلُّهُ فِي التَّقَدُّمِ فِي الْأَفْعَالِ.
وَأَمَّا السَّبْقُ بِالْأَقْوَالِ فَإِنْ كَانَ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ: وَإِنْ فَرَغَ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ التَّشَهُّدِ قَبْلَ شُرُوعِ الْإِمَامِ فِيهَا ثلاثة أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ: لَا يَضُرُّ بَلْ يَجْزِيَانِ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِيهِ الْمُخَالَفَةُ.
وَالثَّانِي: تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ.
وَالثَّالِثُ: لَا تَبْطُلُ لَكِنْ لَا تُجْزِئُ بَلْ يَجِبُ قِرَاءَتُهُمَا مَعَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ أَوْ بعدها والله أعلم» اهـ.
قلت: الصحيح بطلان الصلاة بتعمد المسابقة أو التأخر بركن واحد، وأمَّا المعذور فلا يضره ذلك وعليه إن تقدم أن يرجع، وإن تخلف فعليه أن يخفف في صلاته حتى يدرك الإمام فإن لم يتمكن من إداركه فعليه أن ينتقل إلى الركن الذي عليه الإمام، ثم إذا سلَّم الإمام قضى ما فاته.
стр. 1441
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٧٩):
«فَصْلٌ: فَإِنْ سَبَقَ الْإِمَامُ الْمَأْمُومَ بِرُكْنٍ كَامِلٍ؛ مِثْلُ أَنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ الْمَأْمُومِ، لِعُذْرٍ مِنْ نُعَاسٍ أَوْ زِحَامٍ أَوْ عَجَلَةِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا سُبِقَ بِهِ، وَيُدْرِكُ إمَامَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْإِمَامُ إذَا سَجَدَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ أَسْجُدَ؟ قَالَ: إنْ كَانَتْ سَجْدَةً وَاحِدَةً فَأَتَّبِعُهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ. وَهَذَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَإِنْ سَبَقَهُ بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنَّهُ يَتَّبِعُ إمَامَهُ، وَيَقْضِي مَا سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ نَعَسَ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: كَأَنَّهُ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ سَبَقَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ رُكْنٍ، وَأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَتَّبِعُ إمَامَهُ، وَلَا يَعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ رَكَعَ إمَامُهُ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ لَا يَشْعُرُ، وَلَمْ يَرْكَعْ حَتَّى سَجَدَ الْإِمَامُ، فَقَالَ: يَسْجُدُ مَعَهُ، وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ مَكَانَهَا.
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْإِمَامُ إذَا سَجَدَ وَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ أَسْجُدَ؟ قَالَ: إنْ كَانَتْ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ فَاتَّبِعْهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ، وَإِنْ كَانَ سَجْدَتَانِ فَلَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مَتَى سَبَقَهُ بِرَكْعَتَيْنِ بَطَلَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ.
وَإِنْ سَبَقَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَهُ وَأَدْرَكَ إمَامَهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا، فِيمَنْ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: يَنْتَظِرُ زَوَالَ الزِّحَامَ ثُمَّ يَسْجُدُ وَيَتَّبِعُ الْإِمَامَ، مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الرُّكُوعِ فِي الثَّانِيَةِ مَعَ الْإِمَامِ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَفْعَلُ مَا فَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ رُكْنٍ وَاحِدٍ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ
стр. 1442
ﷺ فَعَلَهُ بِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاةِ عُسْفَانَ، حِينَ أَقَامَهُمْ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَسَجَدَ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَالصَّفُّ الثَّانِي قَائِمٌ، حَتَّى قَامَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى الثَّانِيَةِ، فَسَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ تَبِعَهُ. وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لِلْعُذْرِ. فَهَذَا مِثْلُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ أَدْرَكَهُمْ الْمَسْبُوقُ فِي أَوَّلِ سُجُودِهِمْ سَجَدَ مَعَهُمْ، وَاعْتَدَّ بِهَا. وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوعِ، وَأَدْرَكَهُمْ فِي السُّجُودِ حَتَّى يَسْتَوُوا قِيَامًا، فَلْيَتَّبِعْهُمْ فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ، ثُمَّ يَقْضِي رَكْعَةً، ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَنَحْوِهِ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ.
وَالْأَوْلَى فِي هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، مَا كَانَ عَلَى قِيَاسِ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ؛ فَإِنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ يُرَدُّ إلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ بِهِ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الِائْتِمَامَ بِإِمَامِهِ عَمْدًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٣ - وفي الحديث بيان أنَّ الجزاء من جنس العمل، وذلك أنَّ الذي يسابق الإمام في الصلاة لن يخرج من صلاة قبل الإمام فما يفعله من المسابقة يدل على بلادته وضعف عقله فناسب أن يمسخ رأسه رأس حمار.
والصحيح في الحديث أنَّ المسخ فيه حقيقي لا معنوي كما هو ظاهر الحديث، والأصل إبقاء الحديث على ظاهره. والله أعلم.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٨٤):
«ويقوى حمله على ظاهره أنَّ في رواية ابن حبان من وجه آخر عن محمد بن زياد "أن يحول الله رأسه رأس كلب" فهذا يبعد المجاز لانتفاء المناسبة التي
стр. 1443
ذكروها من بلادة الحمار ومما يبعده أيضاً إيراد الوعيد بالأمر المستقبل وباللفظ الدال على تغيير الهيئة الحاصلة ولو أريد تشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلاً فرأسه رأس حمار. وإنَّما قلت ذلك لأنَّ الصفة المذكورة وهي البلادة حاصلة في فاعل ذلك عند فعله المذكور فلا يحسن أن يقال له يخشى إذا فعلت ذلك أن تصير بليدا مع أن فعله المذكور إنَّما نشأ عن البلادة» اهـ.
قال العلامة المباركفوري ﵀ في [تحفة الأحوذي] (٣/ ١٥٢):
«وَيُؤَيِّدُ حَمْلَهُ عَلَى الظَّاهِرِ مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ رَحَلَ إِلَى دِمَشْقَ لِأَخْذِ الْحَدِيثِ عَنْ شَيْخٍ مَشْهُورٍ بها فقرأ جملة لكنه كان يجعل بيني وَبَيْنَهُ حِجَابًا وَلَمْ يَرَ وَجْهَهُ فَلَمَّا طَالَتْ مُلَازَمَتُهُ لَهُ وَرَأَى حِرْصَهُ عَلَى الْحَدِيثِ كَشَفَ لَهُ السِّتْرَ فَرَأَى وَجْهَهُ وَجْهَ حِمَارٍ فَقَالَ لَهُ احْذَرْ يَا بُنَيَّ أَنْ تَسْبِقَ الْإِمَامَ فَإِنِّي لَمَّا مَرَّ بِي الْحَدِيثُ اسْتَبْعَدْتُ وُقُوعَهُ فَسَبَقْتُ الْإِمَامَ فَصَارَ وَجْهِي كَمَا تَرَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» اهـ.
٤ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٨٤):
«وقال ابن بزيزة استدل بظاهره قوم لا يعقلون على جواز التناسخ. قلت: وهو مذهب رديء مبنى على دعاوى بغير برهان» اهـ.
قلت: وبيان هذا المذهب الرديء ما ذكره الحافظ ابن القيم ﵀ في [طريق الهجرتين] ص (٢٥٠):
«وقالت طائفة من التناسخية إنَّ الله خلق خلقه كلهم جملة واحدة بصفة واحدة ثم أمرهم ونهاهم فمن عصى منهم نسخ روحه في جسد بهيمة تبتلى بالذبح والقتل كالدجاج والغنم والإبل والبقر والبراغيث والقمل فما سلط على هذه
стр. 1444
البهائم من الآلام فهو للأرواح الآدمية التي أودعت هذه الأجساد فمن كان منهم زانياً أو زانية كوفئ بأن جعل في بدن حيوان ما يمكنه الجماع كالبغال ومن كان منهم عفيفاً عن الزنا مع ظلمه وغشمه كوفئ بأن جعل في بدن تيس أو عصفور أو ديك ومن كان منهم جباراً عنيداً كوفئ بأن جعل في بدن قملة أو قرادة ونحوهما إلى أن يقتص منهم ثم يردون فمن عصى منهم بعد ذلك رده كرر أيضاً عليه ذلك التناسخ هكذا أبداً حتى يطيع طاعة لا معصية بعدها أبداً فينتقل إلى الجنة من وقته وقد ذهب إلى هذا المذهب من المنتسبين إلى الإسلام رجل يقال له أحمد بن حايط» اهـ.
وقال أيضاً ﵀ في [الروح] ص (١١٤):
«وإنَّما التناسخ الباطل ما تقوله أعداء الرسل من الملاحدة وغيرهم الذين ينكرون المعاد أنَّ الأرواح تصير بعد مفارقة الأبدان إلى أجناس الحيوان والحشرات والطيور التي تناسبها وتشاكلها فإذا فارقت هذه الأبدان انتقلت إلى أبدان تلك الحيوانات فتنعم فيها أو تعذب ثم تفارقها وتحل في أبدان أخر تناسب أعمالها وأخلاقها وهكذا أبداً فهذا معادها عندهم ونعيمها وعذابها لا معاد لها عندهم غير ذلك فهذا هو التناسخ الباطل المخالف لما اتفقت عليه الرسل والأنبياء من أولهم إلى آخرهم وهو كفر بالله واليوم الآخر وهذه الطائفة يقولون إنَّ مستقر الأرواح بعد المفارقة أبدان الحيوانات التي تناسبها وهو أبطل قول وأخبثه» اهـ.
قلت: ومن الطرائف ما قاله العلامة ابن الجوزي ﵀ في [أخبار الحمقى والمغفلين] (ص: ٢٠١):
стр. 1445
«حكى لي بعض الإخوان أنَّ بعض المغفلين كان يقود حماراً، فقال بعض الأذكياء لرفيق له: يمكنني أن آخذ هذا الحمار ولا يعلم هذا المغفل، قال: كيف تعمل ومقوده بيده؟ فتقدم فحل المقود وتركه في رأس نفسه وقال لرفيقه: خذ الحمار واذهب، فأخذه، ومشى ذلك الرجل خلف المغفل والمقود في رأسه ساعة، ثم وقف فجذبه فما مشى، فالتفت فرآه، فقال: أين الحمار؟ فقال: أنا هو، قال: وكيف هذا؟ قال: كنت عاقاً لوالدتي فمسخت حماراً، ولي هذه المدة في خدمتك، والآن قد رضيت عني أمي فعدت آدمياً، فقال: لا حول ولا قوة إلَّا بالله، وكيف كنت أستخدمك وأنت آدمي! قال: قد كان ذلك، قال: فاذهب في دعة الله، فذهب ومضى المغفل إلى بيته فقال لزوجته: أعندك الخبر؟ كان الأمر كذا وكذا، وكنا نستخدم آدمياً ولا ندري فبماذا نكفر وبماذا نتوب؟ فقالت: تصدق بما يمكن، قال: فبقي أياماً، ثم قالت له: إنَّما شغلك المكاراة فاذهب واشتر حماراً لتعمل عليه، فخرج إلى السوق فوجد حماره ينادى عليه، فتقدم وجعل فمه في أذنه وقال: يا مدبر عدت إلى عقوق أمك» اهـ.
* * *
стр. 1446
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٧٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا. وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِساً فَصَلُّوا جُلُوساً أَجْمَعُونَ».
٧٥ - وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ، صَلَّى جَالِساً، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَاماً، فَأَشَارَ إلَيْهِمْ: أَنْ اجْلِسُوا لَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِساً فَصَلُّوا جُلُوساً أَجْمَعُونَ"».
قلت: ما ذكره المصنف هو لفظ مسلم مع اختلاف يسير فقد رواه (٤١٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ».
ورواه البخاري (٧٢٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ».
стр. 1447
وفي هذين الحديثين عدة مسائل منها:
١ - وجوب متابعة الإمام. وأنَّها من أعظم واجبات الصلاة، ويدل على ذلك أنَّ ركن القيام يسقط عن المأمومين بعذر المتابعة.
٢ - قوله: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ». احتج به من قال بوجوب متابعة الإمام حتى في النيات.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٤/ ٣٦٧ - ٣٦٩):
«وفي قوله: "فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ" دليل على أنَّه لا يجوز أن يكون الإمام في صلاة ويكون المأموم في غيرها مثل أن يكون الإمام في ظهر والمأموم في عصر أو يكون الإمام في نافلة والمأموم في فريضة وهذا موضع اختلف الفقهاء فيه فقال مالك وأصحابه: لا يجزي أحداً أن يصلي صلاة الفريضة خلف المتنفل ولا يصلي عصراً خلف من صلى ظهراً وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري وقول جمهور التابعين بالمدينة والكوفة وحجتهم أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" فمن خالفه في نيته فلم يأتم به وقال: "فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ"، ولا اختلاف أشد من اختلاف النيات إذ هي ركن العمل ومعلوم أنَّ من صلى ظهراً خلف من يصلي عصراً أو صلى فريضة خلف من يصلي نافلة فلم يأتم بإمامه وقد اختلف عليه فبطلت صلاته وصلاة الإمام جائزة لأنَّه المتبوع لا التابع واحتجوا من قصة معاذ برواية عمرو بن يحيى عن معاذ بن رفاعة الزرقي عن رجل من بني سلمة أنه شكا إلى رسول الله ﷺ تطويل معاذ بهم فقال له رسول الله ﷺ : "يا معاذ لا تكن فتاناً إما أن تصلي معي
стр. 1448
وإما أن تخفف عن قومك". قالوا وهذا يدل على أن صلاته بقومه كانت فريضته وكان متطوعاً بصلاته مع النبي ﷺ .
قالوا: وصلاة المتنفل خلف من يصلي الفريضة لا يختلفون في جوازها.
وقال الشافعي والأوزاعي وداود والطبري وهو المشهور عن أحمد ابن حنبل بجواز أن يقتدي في الفريضة بالمتنفل ويصلي الظهر خلف من يصلي العصر فإن كل مصل يصلي لنفسه ومن حجتهم أن قالوا: إنَّما أمرنا أن نأتم به فيما ظهر من أفعاله أمَّا النية فمغيبة عنَّا وما غاب عنَّا فإنا لم نكلفه. قالوا وفي هذا الحديث نفسه دليل على صحة ذلك لأنَّه قال: "إنَّما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه إذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا وإذا كبر فكبروا وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً". فعرفنا أفعاله التي يأتم به فيها وهي الظاهرة إلينا من ركوعه وسجوده وتكبيره وقيامه وقعوده ففي هذه أمرنا أن لا نختلف عليه.
قالوا: والدليل على صحة هذا التأويل حديث جابر في قصة معاذ إذ كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء ثم ينصرف فيؤم قومه في تلك الصلاة هي له نافلة ولهم فريضة وهو حديث ثابت صحيح لا يختلف في صحته قالوا ولا يصح أن يجعل معاذ صلاته مع رسول الله ﷺ نافلة ويزهد في فضل الفريضة معه ﷺ ويدلك على ذلك قول رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّا المكتوبة" وهذا مانع لكل أحد أن تقام صلاة فريضة لم يصلها فيشتغل بنافلة عنها.
стр. 1449
وقد روى ابن جريج عن عمرو بن دينار عن جابر أنَّ معاذاً كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء الآخرة ثم ينصرف إلى قومه فيصلي معهم هي له تطوع ولهم فريضة.
قال ابن جريج وحديث عكرمة عن ابن عباس أن معاذاً فذكر مثل حديث جابر سواء.
ومثل ذلك أيضاً حديث أبي بكرة في صلاة الخوف صلى رسول الله ﷺ بطائفة ركعتين ثم بطائفة ركعتين وهو مسافر خائف فعلمنا أنَّه في الثانية متنفل.
وقد أجمعوا أنَّه جائز أن يصلي النافلة خلف من يصلي الفريضة إن شاء وفي ذلك دليل على أنَّ النيات لا تراعى في ذلك والله أعلم» اهـ.
قلت: وقد أخرج البخاري (٤١٣٩) معلقاً، ومسلم (١٩٤٦) موصولاً عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ قَالَ كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرَطَهُ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَتَخَافُنِي قَالَ لَا قَالَ فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قَالَ اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ قَالَ فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَغْمَدَ السَّيْفَ وَعَلَّقَهُ قَالَ فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ قَالَ فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ».
стр. 1450
قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٣/ ٤١٥):
«فذهبت طائفة إلى أنَّه يجوز أن يصلى الرجل نافلة، ويأتم به فيها من يصلى الفريضة، هذا قول عطاء، وطاووس، وبه قال الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، واحتجوا بظاهر هذا الحديث. - يقصد بذلك حديث معاذ في صلاته بقومه العشاء بعد صلاته مع النبي ﷺ
وقالت طائفة: لا يجوز لأحد أن يصلى فريضة خلف من يصلى نافلة، ومن خالفت نيته نية الإمام في شيء من الصلاة لم يعتد بها، هذا قول الزهري، وربيعة، ومالك، والثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه، واحتجوا بقوله: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه"، ولا اختلاف أكثر من اختلاف النيات التي عليها مدار الأعمال» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ١٣٤):
«وأمَّا قوله ﷺ : "إنَّما جعل الإمام ليؤتم" به فمعناه عند الشافعي وطائفة في الأفعال الظاهرة وإلَّا فيجوز أن يصلى الفرض خلف النفل وعكسه، والظهر خلف العصر وعكسه، وقال مالك وأبو حنيفة ﵄ وآخرون لا يجوز ذلك وقالوا معنى الحديث ليؤتم به في الأفعال والنيات ودليل الشافعي ﵁ وموافقيه أنَّ النبي ﷺ صلى بأصحابه ببطن نخل صلاة الخوف مرتين بكل فرقة مرة فصلاته الثانية وقعت له نفلاً وللمقتدين فرضاً، وأيضاً حديث معاذ كان يصلي العشاء مع النبي ﷺ ثم يأتي قومه فيصليها بهم هي له تطوع ولهم فريضة ولهم مما يدل على أنَّ الائتمام إنَّما يجب في الأفعال الظاهرة» اهـ.
стр. 1451
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٢٧):
«لكن جمهورهم يجيزون اقتداء المتنفل بالمفترض، ولم يجعلوه اختلافاً عليه» اهـ.
٣ - قال الحافظ أبو زرعة ابن الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٣/ ٧٤): «استدل به أيضاً على أنَّه لا يجوز أن يتقدم المأموم على الإمام في الموقف لأنَّه إذا تقدم عليه فهو حينئذ غير مؤتم به وبهذا قال الشافعي والثوري والكوفيون وجوزه مالك والليث وطائفة وأجابوا عن الحديث بأنَّ المراد الإئتمام به في الأفعال لا في الموقف وهو تقييد لا دليل عليه وقد أنكروا على الشافعية تقييد الإئتمام بالأفعال الظاهرة وقيدوه هنا ثم إن إخراج الشافعية النيات عن ذلك ساعده كونه بين في الحديث ما أمر بالإئتمام به فيه فلم يذكر من ذلك النيات وأن النيات لا يمكن الأمر بالمتابعة فيها لكونه لا يطلع عليها وأمَّا إخراج المالكية الموقف عن ذلك فهم مطالبون بالدليل عليه» اهـ.
قلت: واختلف العلماء في التقدم بين يدي الإمام في الصلاة حول الكعبة.
فقال العلامة الكاساني الحنفي ﵀ في [بدائع الصنائع] (١/ ١٢٠):
«وَالْأَفْضَلُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ فِي مَقَامِ إبْرَاهِيمَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه -، ثُمَّ صَلَاةُ الْكُلِّ جَائِزَةٌ سَوَاءٌ كَانُوا أَقْرَبَ إلَى الْكَعْبَةِ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ أَبْعَدَ، إلَّا صَلَاةَ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْكَعْبَةِ مِنْ الْإِمَامِ فِي الْجِهَةِ الَّتِي يُصَلِّي الْإِمَامُ إلَيْهَا بِأَنْ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْإِمَامِ بِحِذَائِهِ فَيَكُونُ ظَهْرُهُ إلَى وَجْهِ الْإِمَامِ، أَوْ كَانَ عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ أَوْ يَسَارِهِ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَيَكُونُ ظَهْرُهُ إلَى الصَّفِّ الَّذِي مَعَ الْإِمَامِ وَوَجْهُهُ إلَى
стр. 1452
الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى إمَامِهِ لَا يَكُونُ تَابِعًا لَهُ فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْكَعْبَةِ مِنْ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي يُصَلِّي إلَيْهَا الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُقَابِلِ لِلْإِمَامِ، وَالْمُقَابِلُ لِغَيْرِهِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونُ تَابِعًا لَهُ بِخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٣٠٠):
«فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ خَلْفَ الْمَقَامِ وَيَقِفُوا مُسْتَدِيرِينَ بِالْكَعْبَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْإِمَامُ أَقْرَبَ إلَى الْكَعْبَةِ مِنْهُمْ فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَقْرَبَ إلَيْهَا مِنْهُ وَهُوَ فِي جِهَةِ الْإِمَامِ فَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ الْقَوْلَانِ الْجَدِيدُ بُطْلَانُهَا وَالْقَدِيمُ صِحَّتُهَا وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ جِهَتِهِ فَطَرِيقَانِ الْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِصِحَّتِهَا وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ
وَالثَّانِي: فِيهِ الْقَوْلَانِ حَكَاهُ الْأَصْحَابُ عن أبي إسحق الْمَرْوَزِيِّ» اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي ﵀ في [الإنصاف] (٢/ ٢٨١)
«أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: عَدَمَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ قُدَّامَ الْإِمَامِ، وَمُرَادُهُ غَيْرُ حَوْلِ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَدَارُوا حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَالْإِمَامُ مِنْهَا عَلَى ذِرَاعَيْنِ، وَالْمُقَابِلُونَ لَهُ عَلَى ذِرَاعٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ مُنَجَّا: صَحَّتْ إجْمَاعًا. قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: أَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ. انْتَهَى.
هَذَا إذَا كَانَ فِي جِهَاتٍ أَمَّا إنْ كَانَ فِي جِهَةٍ، فَلَا يَجُوزُ تَقَدُّمُ الْمَأْمُومِ عَلَيْهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ» اهـ.
قلت: وإذا كان الإمام والمأمومين داخل البيت حرم على المأمومين أن يقفوا أمام الإمام، وإذا وقفوا خلفه فلهم أن يستقبلوا أي جهة من البيت، وإذا كان
стр. 1453
الإمام داخلها والمأمون خارجها لهم أن يستقبلوا أي موضع من الكعبة، ولا يضر استقبالهم لوجه الإمام.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٣٠٠):
«وَلَوْ وَقَفَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ جَمِيعًا فِي الْكَعْبَةِ فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ قُدَّامَهُ فِي جِهَتِهِ مُسْتَقْبِلَهَا فَفِيهِ الْقَوْلَانِ وَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ أَوْ بِجَنْبِهِ أَوْ مُسْتَقْبِلَهُ أَوْ ظَهْرُهُ إلَى ظَهْرِهِ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ أَقْرَبَ إلَى الْجِدَارِ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَا إنْ كَانَ أَقْرَبَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ أَبُو اسحق فِيهِ الْقَوْلَانِ وَلَوْ وَقَفَ الْإِمَامُ فِي الْكَعْبَةِ وَالْمَأْمُومُ خَارِجَهَا جَازَ وَلَهُ التَّوَجُّهُ إلَى أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ وَإِنْ وَقَفَ الْإِمَامُ خَارِجَهَا وَالْمَأْمُومُ فِيهَا أَوْ عَلَى سَطْحِهَا وَبَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ جَازَ أَيْضًا نَصَّ عَلَيْهِ لَكِنْ إنْ تَوَجَّهَ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَوَجَّهَ إلَيْهَا الْإِمَامُ عَادَ الْقَوْلَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٤ - واحتج به من قال بمتابعة الإمام في ترك ما تركة من الأفعال المستحبة.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٥٥ - ١٥٦):
«وأدخل بعضهم - أيضاً - متابعته في ترك بعض أفعال الصلاة المسنونة، كرفع اليدين، فقال: لا يرفع المأموم يديه إلَّا إذا رفع الإمام، وهو قول أبي بكر بن أبي شيبة.
والجمهور على خلاف ذلك، وأنَّ المأموم يتابع إمامه فيما يفعله، ويفعل ما تركه من السنن عمداً أو سهواً، كرفع اليدين والاستفتاح والتعوذ والتسمية وغير ذلك، فيما لا يفعله بعض الأئمة معتقداً له، فكل هذا يفعله المأموم، ولا يقتدي بإمامه في تركه» اهـ.
стр. 1454
٥ - واحتج بقوله: «فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» على أنَّ المأموم إذا قرأ في صلاته بآية سجدة أن لا يسجد لما في ذلك من مخالفة الإمام، وهذا قول الأكثر وهو الصحيح، وفي رواية لأحمد مشروعية السجود له.
قال العلامة إبراهيم بن مفلح الحنبلي ﵀ [المبدع] (٢/ ٣٥):
«كَمَا لَا يَسْجُدُ مَأْمُومٌ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ، فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ فِي وَجْهٍ، وَعَنْهُ: يَسْجُدُ، وَعَنْهُ: فِي نَفْلٍ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ إِذَا فَرَغَ» اهـ.
٦ - واحتج بذلك أيضاً من قال من أهل العلم بأنَّ الأحسن في حق المأموم ترك التخلف اليسير لفعل أمر مستحب.
فقد جاء في [مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية] (٢٢/ ٤٥١ - ٤٥٢):
«وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ يُصَلِّي مَأْمُومًا وَيَجْلِسُ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ الْإِمَامُ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ؟ وَإِذَا جَازَ: هَلْ يَكُونُ مُنْقِصًا لِأَجْرِهِ لِأَجْلِ كَوْنِهِ لَمْ يُتَابِعْ الْإِمَامَ فِي سُرْعَةِ الْإِمَامِ؟
فَأَجَابَ:
جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَهَا؛ لَكِنْ تَرَدَّدَ الْعُلَمَاءُ هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ لِلْحَاجَةِ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ. فَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي: اسْتَحَبَّهَا كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ: لَمْ يَسْتَحِبَّهَا إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي
стр. 1455
الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. وَمَنْ فَعَلَهَا لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا؛ لِكَوْنِ التَّأَخُّرِ بِمِقْدَارِ مَا لَيْسَ هُوَ مِنْ التَّخَلُّفِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِاسْتِحْبَابِهَا وَهَلْ هَذَا إلَّا فِعْلٌ فِي مَحَلِّ اجْتِهَادٍ فَإِنَّهُ قَدْ تَعَارَضَ فِعْلُ هَذِهِ السُّنَّةِ عِنْدَهُ وَالْمُبَادَرَةَ إلَى مُوَافَقَةِ الْإِمَامِ
فَإِنَّ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ التَّخَلُّفِ لَكِنَّهُ يَسِيرُ فَصَارَ مِثْلَ مَا إذَا قَامَ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَهُ الْمَأْمُومُ وَالْمَأْمُومُ يَرَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ أَوْ مِثْلُ أَنْ يُسَلِّمَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ يَسِيرٌ مِنْ الدُّعَاءِ هَلْ يُسَلِّمُ أَوْ يُتِمُّهُ؟ وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ هِيَ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَالْأَقْوَى أَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ أَوْلَى مِنْ التَّخَلُّفِ لِفِعْلِ مُسْتَحَبٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٧ - لا يدخل في الحديث ترك المستحبات التي لا يحصل بفعلها تخلف أو تقدم على الإمام كرفع اليدين في مواضع الرفع إذا ترك ذلك الإمام، وهكذا الضم في قيام القراءة إن ترك ذلك الإمام.
٨ - ويدخل في الحديث متابعة الإمام في ترك الواجب سهواً.
كما يدل عليه ما رواه البخاري (١٢٢٤)، ومسلم (٥٧٠) عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، ﵁، أَنَّهُ قَالَ: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ سَلَّمَ».
٩ - ويدخل فيه متابعة الإمام في مسائل الاجتهاد.
ومن أمثلة ذلك: متابعة الإمام في سجود التلاوة في الصلاة السرية.
وقد ذهب إلى هذا الحنفية، والمالكية، والحنابلة في أحد الأقوال.
وذهب بعض المالكية إلى ترك اتباعه في ذلك.
стр. 1456
والمشهور عن الحنابلة التخيير.
والأظهر المتابعة لعموم الحديث، واحتمال السهو في ذلك خلاف الأصل، وإذا جهر بآية السجدة زال هذا الاحتمال.
ومن أمثلة ذلك: متابعة الإمام في السجدات المختلف فيها ومنها السجود في سورة «ص». فقد ذهب بعض العلماء إلى أنَّها من سجود الشكر، وليست من سجود التلاوة كما هو المشهور من مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى.
ومن أهل العلم من ذهب إلى أنَّها من سجود التلاوة، وإلى هذا ذهبت الحنفية، والمالكية، والشافعية في قول، وأحمد في رواية عنه. وهذا الأظهر، وذلك أنَّ السجود سببه التلاوة لآية السجدة.
قلت: وإذا سجدها الإمام فهل يتابعه المؤتم إذا كان لا يراها من سجدات التلاوة في ذلك نزاع بين العلماء:
فالمشهور عند الشافعية ترك متابعته والمأموم بعد ذلك مخير بين المفارقة، أو الانتظار قائماً.
ولهم قول بمتابعته، وهو الصحيح.
ومن أمثلة ذلك: متابعة الإمام في قنوت الفجر.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٢/ ٢٩٤):
«وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَقْنُتُ سَكَتَ
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ فِي رِوَايَةٍ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَقْنُتُ وَيَتَّبِعُ الْإِمَامَ» اهـ.
стр. 1457
وقال العلامة ابن هبيرة ﵀ في [اختلاف الأئمة العلماء] (١/ ١٣٠ - ١٣١):
«وَاخْتلفُوا فِي الْقُنُوت فِي الْفجْر.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: لَا يسن ذَلِك.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: يسن فِيهَا.
ثمَّ اخْتلف أَبُو حنيفَة وَأحمد فِيمَن صلى خلف من يقنت فِي الْفجْر هَلْ يُتَابِعه أم لَا؟ فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يُتَابِعه.
وَقَالَ أَحْمد: يُتَابِعه» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨):
«وَكَذَلِكَ إذَا اقْتَدَى الْمَأْمُومُ بِمَنْ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ أَوْ الْوِتْرِ قَنَتَ مَعَهُ سَوَاءٌ
قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ. وَإِنْ كَانَ لَا يَقْنُتُ لَمْ يَقْنُتْ مَعَهُ» اهـ.
قلت: وإلى هذا ذهب العلامة ابن باز والعثيمين والألباني ﵏ جميعاً.
١٠ - ويدخل في ذلك الزيادة في ركعات الصلاة في مسائل الاجتهاد.
وذلك كإتمام الإمام المسافر بالمسافرين.
وروى البخاري (١٠٨٤)، ومسلم (٦٩٥) عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ قَالَ:
«صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، ﵁، بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ﵁، فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، ﵁، بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ
стр. 1458
وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵁، بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ».
وعند أبي داود (١٩٦٠) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعًا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ»، زَادَ، عَنْ حَفْصٍ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا زَادَ مِنْ هَا هُنَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ فَلَوَدِدْتُ أَنْ لِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ. قَالَ: الْأَعْمَشُ، فَحَدَّثَنِي مُعَاوِيَةَ بْنُ قُرَّةَ، عَنْ أَشْيَاخِهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ صَلَّى أَرْبَعًا، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيْتُ أَرْبَعًا، قَالَ: «الْخِلَافُ شَرٌّ».
١١ - وفي متابعته إلى زاد ركعة في صلاته سهواً نزاع، والأكثر على عدم المتابعة، وهو الصحيح، ومتابعة الصحابة للنبي ﷺ كانت زمن الوحي، وفي ذلك الوقت يُحتمل الزيادة والنقصان في ركعات الصلاة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٤/ ٩٢):
«وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي الْإِمَامِ إذَا قَامَ إلَى خَامِسَةٍ هَلْ يُتَابِعُهُ الْمَأْمُومُ أَوْ يُفَارِقُهُ وَيُسَلِّمُ أَوْ يُفَارِقُهُ وَيَنْتَظِرُهُ أَوْ يُخَيَّرُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا؟ عَلَى أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ وَهِيَ رِوَايَاتٌ عَنْ أَحْمَد» اهـ.
١٢ - وقوله: «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» يدل على أنَّ المأموم لا يكبر إلَّا بعد تكبير الإمام.
стр. 1459
وقد ذهب أكثر العلماء إلى بطلان صلاة المأموم إذا كبر للإحرام قبل الإمام أو معه. وخالف أبو حنيفة، وزفر، ومحمد، والثوري وقالوا: يكبر في الإحرام مع الإمام.
قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٣/ ٣٨٩):
«وقد شذ الشافعي فقال: إن كبر للإحرام قبل إمامه، فصلاته تامة» اهـ.
قلت: وهذا نقل غريب عن الشافعي.
١٣ - وقوله: «وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا». وقوله: «وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا». يدل على أنَّ أفعال المأموم تكون عقب فعل الإمام.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٦٠٠):
«والمستحب أن يكون شروع المأموم في أفعال الصلاة من الرفع والوضع بعد فراغ الإمام منه ويكره فعله معه في قول أكثر أهل العلم واستحب مالك أن تكون أفعاله مع أفعال الإمام.
ولنا: ما روى البراء قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال: "سمع الله لمن حمده" لم نزل قياماً حتى نراه قد وضع جبهته في الأرض ثم نتبعه متفق عليه وللبخاري لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع رسول الله ﷺ ساجداً ثم نقع سجوداً بعده. وعن أبي موسى قال: إن رسول الله ﷺ خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال: "إذا صليتم فأقيموا صفوفكم وليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا - إلى قوله - فإذا ركع فاركعوا فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم فقال رسول الله ﷺ : فتلك بتلك". رواه
стр. 1460
مسلم وفي لفظ: "فمهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت". وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالساً فصلوا جلوسا أجمعون". متفق عليه وقوله: "فإذا ركع فاركعوا" يقتضي أن يكون ركوعهم بعد ركوعه فركع وسجد معه أساء وصحت صلاته» اهـ.
قلت: ويدل على ذلك أيضاً ما رواه أبو داود (٦٠٣) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - الْمَعْنَى - عَنْ وُهَيْبٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ».
قلت: هذا حديث صحيح ومصعب بن محمد وثقه ابن معين.
وهذا الحديث يدل على تحريم موافقة الإمام وهو الصحيح، وقد ذهب بعض الحنابلة إلى بطلان صلاة من فعل ذلك كما سيأتي بيان ذلك في كلام الحافظ ابن رجب ﵀ في الحديث الذي بعد هذا.
١٤ - استدل به على أنَّه يستحب للإمام الجهر بقوله سمع الله لمن حمده لأنَّه رتب عليه قول المأمومين ربنا ولك الحمد فدل على أنَّه يجهر به بحيث يسمعه المأموم.
١٥ - استدل به من ذهب إلى أنَّ الإمام يقتصر على قوله: سمع الله لمن حمده، وأنَّ المأموم يقتصر على قوله: ربنا لك الحمد وهو مذهب مالك وأبي حنيفة.
стр. 1461
وذهب الإمام الشافعي إلى الجمع بين التسميع والتحميد للإمام والمؤتم. وذهب الإمام أحمد إلى أنَّ الإمام يجمع بينهما، وأمَّا المؤتم فيقتصر على التحميد، وهذا هو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة.
فإنَّه قد ثبت عن النبي ﷺ الجمع بينهما فيما رواه البخاري (٧٨٩)، ومسلم (٣٩٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ: "سَمِعَ اللَّهُ لَمِنْ حَمِدَهُ". حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: "رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ"» الحديث.
وروى البخاري (٧٩٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ". قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يُكَبِّرُ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ"».
وروى مسلم (٤٧٦) عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءُ الْأَرْضِ وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ"» ..
وروى مسلم (٤٧٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: "رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا
стр. 1462
لَكَ عَبْدٌ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ"».
وروى مسلم (٤٧٨) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءُ الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ"».
وثبت بهذا الحديث أنَّ المأموم يقتصر على التحميد ولم يأت في حديث صحيح أمر المأموم بالتسميع.
١٦ - الحديث يدل على متابعة الإمام بالجلوس إذا صلى جالساً.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ كما في [فتح الباري] (٥/ ٨٧):
«وقد اختلف العلماء في صلاة القادر على القيام خلف الجالس:
فقالت طائفة: لا يجوز ذلك بالكلية، هذا قول محمد بن الحسن والحسن بن حي ومالك - في ظاهر مذهبه - والثوري - في رواية عنه.
وتعلق بعضهم بحديث مرسل، رواه جابر الجعفي، عن الشعبي، أنَّ النبي ﷺ قال: "لا يؤمن أحد بعدي جالساً".
وجابر، لا يحتج بما يسنده، فكيف بما يرسله؟! وقد طعن في حدثيه هذا الشافعي وابن أبي شيبة والجوزجاني وابن حبان وغيرهم.
وروى سيف بن عمر الضبي: ثنا سعيد بن عبد الله الجمحي، عن أبيه، عن محمد بن مسلمة، قال: دخلت على رسول الله ﷺ في شكوى اشتكاه، وحضرت الصلاة، فصلى بنا جالساً ونحن قيام، فلما انصرف
стр. 1463
قال: "إذا صلى إمامكم جالساً فصلوا جلوساً"، وكنا نفعل ذلك حتى حج حجته، فنهى فيها أن يؤم أحد قوماً وهو جالس.
خرجه القاضي محمد بن بدر في "كتاب المناهي".
وهو حديث باطل، وسيف هذا مشهور بالكذب.
وقالت طائفة: يجوز أن يصلي القادر على القيام خلف الإمام الجالس العاجز عن القيام بكل حال، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر وابن المبارك والثوري ومالك - وفي رواية عنهما - والأوزاعي والشافعي وغيرهما.
واختلف الرواية عن الإمام أحمد في ذلك، فالمشهور عنه: أنَّه لا يجوز أن يأتم القادر على القيام بالعاجز عنه، إلَّا أن يكون العاجز إمام الحي، ويكون جلوسه لمرض يرجى برؤه، ويأتمون به جلوساً، كما سيأتي إن شاء الله.
ونقل عنه الميموني، أنَّه لا يجوز ذلك إلَّا خلف الإمام الأعظم خاصة، إذا كان مرضه يرجى برؤه.
وروي عنه ما يدل على جواز الائتمام بالجالس مطلقاً، لكن إن كان إمام الحي ورجي زوال علته صلوا وراءه جلوساً، وإن كان غير ذلك صلوا وراءه قياماً.
واختلف القائلون بجواز اقتداء القادر على القيام بالجالس: هل يصلي وراءه جالساً، أو قائماً؟
فقالت طائفة: يصلي وراءه قائماً، هذا قول المغيرة وحماد وأبي حنيفة والثوري وابن المبارك ومالك والشافعي وأبي ثور.
стр. 1464
واعتمدوا على أقيسة أو عمومات، مثل قوله: "صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً".
وتبعهم على ذلك طائفة من المحدثين كالحميدي والبخاري، وادعوا نسخ أحاديث الأمر بالجلوس لصلاة النبي ﷺ في مرض موته قاعداً والناس خلفه قياماً، ولم يأمرهم بالجلوس كما قرره البخاري، وحكاه عن الحميدي.
وقال آخرون: بل يصلي القادر على القيام خلف الإمام الجالس جالساً، هذا هو المروي عن الصحابة، ولا يعرف عنهم اختلاف في ذلك.
وممن روي عنه ذلك من الصحابة: أسيد بن حضير وقيس بن قهد وجابر بن عبد الله وأبو هريرة ومحمود بن لبيد. ولا يعرف عن صحابي خلاف ذلك، بل كانوا يفعلون ذلك في مساجدهم ظاهراً، ولم ينكر عليهم عملهم صحابي ولا تابعي.
روى سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، أنَّ أسيد ابن الحضير كان يؤم قومه بني عبد الأشهل في مسجدهم، ثم اشتكى، فخرج إليهم بعد شكوه، فأمروه أن يتقدم فيصلي بهم، فقال: إني لا استطيع أن أقوم. قالوا: لا يصلي لنا أحد غيرك ما كنت فينا. فقال: إني لا أستطيع أن أصلي قائماً فاقعدوا، فصلى قاعداً وصلوا وراءه قعوداً.
خرجه الأثرم وغيره. وهذا إسناد صحيح.
وروى هشام بن عروة، عن كثير بن السائب، عن محمود بن لبيد، قال: كان أسيد بن حضير قد اشتكى عرق النسا، وكان لنا إماماً، فكان يخرج إلينا فيشير
стр. 1465
إلينا بيده أن اجلسوا، فنجلس فيصلي بنا جالساً ونحن جلوس. خرجه الدارقطني.
وروى قيس بن أبي حازم، عن قيس بن فهد، أنَّ إماماً لهم اشتكى أياماً. قال: فصلينا بصلاته جلوساً.
خرجه أبو القاسم البغوي وذكره البخاري في "تاريخه".
وروى يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير، عن جابر، أنَّه فعل ذلك مع أصحابه.
وروى وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: الإمام أمير، فإن صلى قائماً فصلوا قياماً، وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً.
قال الإمام أحمد: فعله أربعة من الصحابة: أسيد بن حضير وقيس بن قهد، وجابر، وأبو هريرة. قال: ويروى عن خمسة، عن النبي ﷺ : "إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً"، ولا أعلم شيئاً يدفعه.
وهذا من علمه وورعه ﵁، فإنَّه إنَّما دفع ذلك بالنسخ وهي دعوى مردودة، كما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى.
وكان الإمام أحمد يتورع عن إطلاق النسخ؛ لأنَّ إبطال الأحكام الثابتة بمجرد الاحتمالات مع إمكان الجمع بينها وبين ما يدعى معرضها غير جائز، وإذا أمكن الجمع بينها والعمل بها كلها وجب ذلك، ولم يجز دعوى النسخ معه، وهذه قاعدة مطردة.
стр. 1466
وهي: أنا إذا وجدنا حديثاً صحيحاً صريحاً في حكم من الأحكام، فإنَّه لا يرد باستنباط من نص آخر لم يسق لذلك المعنى بالكلية، فلا ترد أحاديث تحريم صيد المدينة بما يستنبط من حديث النغير، ولا أحاديث توقيت صلاة العصر الصريحة بحديث:
"مثلكم فيما خلا قبلكم من الأمم كمثل رجل استأجر أجراء"- الحديث، ولا أحاديث: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" بقوله: "فيما سقت السماء العشر".
وقد ذكر الشافعي أنَّ هذا لم يسق لبيان قدر ما يجب منه الزكاة، بل لبيان قدر الزكاة، وما أشبه هذا.
وممن ذهب إلى أنَّ المأموم يصلي جالساً خلف الإمام الجالس بكل حال من العلماء: الأوزاعي وحماد بن زيد وأحمد وإسحاق وأبو خيثمة زهير بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو إسحاق الجوزجاني وابن المنذر وابن خزيمة وابن حبان، ونقله إجماعاً قديماً من السلف، حتى قال في "صحيحه": أول من أبطل في هذه الأمة صلاة المأموم قاعداً إذا صلى إمامه جالساً: المغيرة بن مقسم، وعنه أخذ أبو حنيفة.
وأمَّا دعوى النسخ في هذا فقد بينا أنَّه لا يجوز دعوى بطلان الحكم مع إمكان العمل به ولو بوجه، وسنبين وجه العمل به، والجمع بين ما أدعى عليه التعارض - إن شاء الله تعالى.
ويدل على أنَّ الأمر بالقعود خلف الإمام القاعد غير منسوخ: أنَّ النبي ﷺ علله بعلل لم تنسخ ولم تبطل منذ شرعت.
стр. 1467
ومنها: أنَّه علله بأنَّ الإمام إنَّما جعل إماماً ليؤتم به ويقتدى به في أفعاله، وقال: "إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون".
وما قبل الصلاة جلوساً لم ينسخ منه شيء، فكذلك القعود؛ لأنَّ الجميع مرتب على أنَّ الإمام يؤتم به ويقتدى به.
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّما الإمام جنة، فإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإذا وافق قول أهل الأرض قول أهل السماء غفر له ما تقدم من ذنبه".
ومعنى كونه جنة: أنَّه يتقى به ويستتر، ولهذا إذا سلمت سترته لم يضر ما مر بين يديه، كما سبق تقريره.
ومنها: أنَّه جعل القعود خلفه من طاعة الأمراء، وطاعة الأمراء من طاعة الرسول ﷺ ، وطاعته من طاعة الله، ومعلوم: أنَّه لم ينسخ من هذه شيء، بل كلها باقية محكمة إلى يوم القيامة.
فخرج الإمام أحمد وابن حبان في "صحيحه" من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ كان في نفر من أصحابه، فقال: "ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم؟ ". قالوا: بلى، نشهد أنه رسول الله، قال: "ألستم تعلمون أنَّه من أطاعني أطاع الله، ومن طاعة الله طاعتي؟ ". قالوا: بلى، نشهد أنَّه من أطاعك
стр. 1468
فقد أطاع الله، ومن طاعة الله طاعتك، قال: "فإنَّ من طاعة الله أن تطيعوني، ومن طاعتي أن تطيعوا أمراءكم، وإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً".
وفي رواية لهما - أيضاً -" "ومن طاعتي أن تطيعوا أئمتكم".
وهذا يصلح أن يكون متمسكاً للإمام أحمد في تخصيصه ذلك بإمام الحي؛ فإنَّ أئمة الحي إنَّما ينصبهم الأئمة غالباً، وخصه - في رواية عنه - بالأمام الأعظم الذي تجب طاعته.
ومنها: أنَّه جعل القيام خلف الإمام الجالس من جنس فعل فارس والروم بعظمائها، حيث يقومون وملوكهم جلوس، وشريعتنا جاءت بخلاف ذلك، كما قال ﷺ : "من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار".
وقال عمر بن عبد العزيز للناس: أيها الناس، إن تقوموا نقم، وإن تجلسوا نجلس، فإنما يقوم الناس لرب العالمين.
وهذا حكم مستقر في الشريعة، لم ينسخ ولم يبدل.
وقد دل على ما ذكرناه: ما خرجه مسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر، قال: اشتكى رسول الله ﷺ ، فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا، فرآنا قياماً، فأشار إلينا، فقعدنا فصلينا بصلاته قعوداً، فلما سلم قال: "إن كدتم - آنفاً - تفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم، إن صلوا قياماً فصلوا قياماً، وإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً".
стр. 1469
وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان في "صحيحه" من حديث الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر - في هذه القصة - أنَّ النبي ﷺ قال لهم: "إنَّما جعل الإمام ليؤتم به، فإن صلى قائما فصلوا قياماً، وإن صلى جالساً فصلوا جلوساً، ولا تقوموا وهو جالس كما يفعل أهل فارس بعظامها".
وأمَّا الكلام على دعوى النسخ، على قول من قال: إنَّ أبا بكر كان مأموماً، فأمَّا على قول من قال: إنَّه كان إماماً، وكان النبي ﷺ يأتم به، كما تقدم عن مالك وغيره، فلا دلالة في الحديث حينئذ على أنَّ الائتمام بالقاعد بالكلية.
وأمَّا من قال: إنَّ الإمام كان هو النبي ﷺ ، كما قاله الشافعي والإمام أحمد والبخاري والأكثرون، فالجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث المتقدمة التي فيها الأمر بالجلوس في الصلاة من وجهين:
أحدهما - وهو الذي ذكره الإمام أحمد -: أنَّ المؤتمين بأبي بكر ائتموا بإمام ابتدأ بهم الصلاة وهو قائم، ثم لما انتقلت منه الإمامة إلى النبي ﷺ انتقلوا إلى الائتمام بقاعد، فاتموا خلفه قياماً لابتدائهم الصلاة خلف إمام قائم.
فعلى هذا التقرير نقول: إن ابتدأ بهم الإمام الصلاة جالساً صلوا وراءه جلوساً، وإن ابتدأ بهم قائماً ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قياماً. هكذا قرره الإمام أحمد وأصحابه.
ومنهم من قال: إنَّه تصح هنا صلاة المأمومين خلفه قياماً إذا جلس في أثناء صلاته لعلة، وسواء كان إمام حي أو لم يكن، بخلاف ابتداء صلاة القائم خلف
стр. 1470
الجالس، فإنَّها عند الإمام أحمد إلَّا إذا كان إمام الحي، وجلس لمرض يرجى برؤه خاصة، فإنَّه يغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء.
وممن قال ذلك من أصحابنا: أبو الفتح الحلواني.
والثاني: أن تحمل أحاديث الأمر بالقعود على الاستحباب، وحديث صلاته في مرضه من غير أمر لهم بالجلوس على جواز أن يأتموا بالقاعد قياماً، فيكون المأمومون مخيرين بين الأمرين، وإن كان الجلوس أفضل.
وهذا يتخرج على قول من قال: إنَّهم إذا ائتموا بالجلوس قياماً صحت صلاتهم، وقد اختلف أصحابنا في ذلك على وجهين.
وظهر لي وجه ثالث في الجمع بين هذه الأحاديث، وهو متجه على قول الإمام أحمد: أنَّ النبي ﷺ كان إماماً لأبي بكر، وكان أبو بكر إماماً للناس، فكانت تلك الصلاة بإمامين.
وحينئذ فيقال: لما اجتمع في هذه الصلاة إمامان، أحدهما جالس والآخر قائم صلى المأمومون خلفهما قياماً اتباعاً لإمامهم القائم؛ فإنَّ الأصل القيام، وقد اجتمع موجب للقيام عليهم، وموجب للقعود أو مبيح له، فغلب جانب القيام؛ لأنَّه الأصل، كما إذا اجتمع في حل الصيد أو الأكل مبيح وحاظر، فإنَّه يغلب الحظر.
وأمَّا أبو بكر فإنَّه إنَّما صلى قائماً؛ لأنَّه وإن ائتم بقاعد إلَّا أنَّه أم قادرين على القيام، وهو قادر عليه، فاجتمع في حقه - أيضاً - سببان: موجب للقيام، ومسقط له، فغلب إيجاب القيام. والله أعلم» اهـ.
١٧ - وفيه أنَّ المريض له أن يصلي جالساً إذا شق عليه القيام.
стр. 1471
١٨ - وقد يحتج به على مشروعية أداء الجماعة في غير المسجد للمكتوبات، وفي هذا نظر، فليس الحديث صريح بذلك لاحتمال أن يكون الذين صلوا مع النبي ﷺ قد أدوا الجماعة في المسجد ثم صلوا خلفه متنفلين. وعلى كل فالأحاديث الواردة في وجوب صلاة الجماعة في المسجد أصرح دلالة من هذا الحديث فالتمسك بها هو الذي ينبغي لمن كان منصفاً. والله أعلم.
١٩ - احتج بالحديث على صحة إمامة العاجز عن بعض الأركان.
وفي المسألة نزاع بين العلماء.
قال العلامة أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة ﵀ في [الشَّرْحُ الكبير على متن المقنع] (٢/ ٤١ - ٤٢):
«فصل: ولا تصح إمامة العاجز عن شيء من أركان الأفعال كالعاجز عن الركوع والسجود بالقادر عليه سواء كان إمام الحي أو لم يكن، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وقال الشافعي: يجوز لأنَّه فعل أجازه المرض أشبه القاعد يؤم بالقيام، ولنا أنَّه أخل بركن لا يسقط في النافلة فلم يجز الائتمام به للقادر عليه كالقارئ بالأمي.
وأمَّا القيام فهو أخف بدليل سقوطه في النافلة ولأنَّ النبي ﷺ أمر المصلين خلف الجالس بالجلوس، ولا خلاف أنَّ المصلي خلف المضطجع لا يضطجع فأمَّا إن أمَّ مثله فقياس المذهب صحته لأنَّ النبي ﷺ صلى بأصحابه في المطر بالإيماء والعراة يصلون جماعة بالإيماء، وكذلك حال المسايفة ولأنَّ الأمي تصح إمامته بمثله كذلك هذا» اهـ.
стр. 1472
وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٤/ ٢٣٦ - ٢٣٨):
«مسألة: العاجزُ عن الرُّكوعِ والسُّجودِ والقعودِ؛ هل تصحُّ الصلاةُ خلفَه؟
سبق أنَّ المذهبَ لا تصحُّ الصَّلاةُ خلفَه إلَّا بمثلِه.
ولكن الصحيحَ: أنَّ الصَّلاةَ خلفَه صحيحةٌ؛ بناءً على القاعدةِ؛ أنَّ مَنْ صحَّتْ صلاتُه صحَّتْ إمامتُه إلَّا بدليلٍ. لأنَّ هذه القاعدةِ دلَّت عليها النصوصُ العامةُ؛ إلَّا في مسألة المرأةِ، فإنَّها لا تصحُّ أن تكون إماماً للرَّجُلِ، لأنَّها مِنْ جنسٍ آخرٍ.
وأيضاً: قياساً على العاجزِ عن القيام، فإنَّ صلاةَ القادرِ على القيامِ خلفَ العاجزِ عنه صحيحةٌ بالنصِّ، فكذلك العاجزُ عن الرُّكوعِ والسُّجودِ.
فإن قال قائل: إنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا صَلَّى قائماً فصلُّوا قياماً، وإذا صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً أجمعون" ولم يقلْ: إذا صَلَّى راكعاً فاركعوا، وإذا أومأ فأومِئوا؟
قلنا: إنَّ الحديثَ إنما ذَكَرَ القيامَ؛ لأنَّه وَرَدَ في حالِ العجزِ عن القيامِ، فالرَّسولُ ﷺ خاطَبهم حين صَلَّى بهم قاعداً، فقاموا، ثمَّ أشارَ إليهم فجلسوا، فلهذا ذَكَرَ النَّبيُّ ﷺ القيامَ كمثالٍ؛ لأنَّ هذا هو الواقع.
فعليه نقول: إنَّ القولَ الراجحَ: أنَّ الصلاةَ خلفَ العاجزِ عن الركوعِ صحيحةٌ، فلو كان إمامُنا لا يستطيع الرُّكوعَ لأَلَمٍ في ظهرهِ صلَّينا خلفَه.
ولكن؛ هل إذا رَكَعَ بالإِيماءِ نركعُ بالإِيماءِ؟ أو نركعُ ركوعاً تاماً؟
الظاهر: أننا نركعُ ركوعاً تامًّا؛ وذلك لأنَّ إيماءَ العاجزِ عن الرُّكوعِ لا يغيرُ هيئةَ القيامِ إلَّا بالانحناءِ، بخلافِ القيامِ مع القعودِ.
стр. 1473
وأيضاً: القيام مع القعودِ أشارَ النَّبيُّ ﷺ إلى عِلَّتِه بأنَّنا لو قمنا وإمامُنا قاعدٌ كنَّا مشبهين للأعاجمِ الذين يقفون على ملوكهم. ولهذا جاءَ في بعضِ ألفاظِ الحديث: "إنْ كِدْتُم آنفاً لتفعَلُونَ فِعْلَ فارسَ والرُّومِ، يقومونَ على مُلُوكهم وهم قُعودٌ، فلا تفعلُوا، ائْتَموا بأئمتِكُم، إنْ صَلَّى قائماً فصلُّوا قياماً وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً". فإذا كان إمامُنا قاعداً، ونحن قيامٌ، صِرنا قائمين عليه، أمَّا الرُّكوع، إذا عَجَزَ عنه وأومأ وركعنَا فإننا لا نُشبه العَجَمَ بذلك.
وكذلك في العَجْزِ عن السُّجودِ، الصحيحُ: أنَّه تصحُّ إمامةُ العاجزِ عن السُّجودِ بالقادرِ عليه، وهل المأمومُ في هذه الحالِ يومئُ بالسُّجودِ؟
الجواب: لا، بل يسجدُ سجوداً تاماً.
وكذا العاجزُ عن القعودِ، نصلِّي خلفَه مع قُدرتِنا على القعودِ، كما لو كان مريضاً لا يستطيع القعودَ ويصلِّي على جنبِه.
ولكن هل نضطجعُ؟.
الجواب: لا، لأنَّ الأمرَ بموافقةِ الإِمامِ إنَّما جاءَ في القعودِ والقيامِ، وعلى هذا؛ فنصلِّي جلوساً وهو مضطجعٌ، وكذلك لو عَجَزَ عن القعودِ بين السجدتين مثلاً، أو عن القعودِ في التشهُّدِ فإننا نصلِّي خلفَه.
إذاً؛ فالصحيحُ: أننا نصلِّي خلفَ العاجزِ عن القيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ والقعودِ. وهذا القولُ هو اختيارُ شيخِ الإِسلامِ ابنِ تيمية ﵀. وهو الصحيحُ؛ بناءً على عموماتِ الأدلةِ كقوله ﷺ : "يؤمُّ القومَ
стр. 1474
أقرؤهم لكتابِ الله" وعلى القاعدة التي ذكرناها وهي: أنَّ مَنْ صحّتْ صلاتُه صحّت إمامتُه» اهـ.
قلت: وما رجحه العلامة ابن عثيمين ﵀ هو الذي يظهر رجحانه. والله أعلم.
٢٠ - وفيه أنَّ الإشارة المفهمة في الصلاة لا تبطل الصلاة، ولا تقوم مقام النطق في حق الناطق.
وأمَّا الإشارة من الأخرس إذا كانت مفهمة فإنَّها تقوم مقام نطقه، وتبطل بذلك صلاته.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٤٧):
«إذا كانت للأخرس إشارة مفهومة فأشار بها في صلاته فهل تبطل؟.
أجاب ابن الزاغوني: أمَّا الإشارة برد السلام فلا تبطل الصلاة من الآخرس والمتكلم وأمَّا غير ذلك فإنَّه يجري منهما مجرى العمل في الصلاة إن كان يسيراً عفي عنه وإن كان كثيرا أبطل الصلاة.
وجواب أبي الخطاب إذا كثر ذلك منه بطلت صلاته.
وجواب ابن عقيل إشارته المفهومة تجري مجرى الكلام فإن كانت برد السلام خاصة لم تبطل صلاته وما سوى ذلك تبطل.
قلت: إشارة الآخرس منزلة كلامه مطلقاً وأمَّا تنزيلها منزلة الكلام في غير رد السلام خاصة فلا وجه له وإنَّما كان رد السلام من الناطق بالإشارة غير مبطل في أصح قولي العلماء كما دل على النص أنَّ إشارته لم تنزل منزلة كلامه بخلاف الآخرس فإنَّ إشارته المفهومة ككلام الناطق في سائر الأحكام» اهـ.
* * *
стр. 1475
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٧٦ - عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيِّ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ - وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ المأموم يتابع الإمام، وتكون أفعاله بعد أفعال الإمام لا تكون معه ولا قبله.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٨٩):
«وأكثر العلماء على أنَّ الأفضل للمأموم أن يتابع الإمام، فيركع ويرفع ويسجد ويجلس بعد الإمام في ذلك، وكذلك كان يفعل أبو قلابة وغيره من السلف.
وروى وكيع بإسناده، عن ابن مسعود، قال: لا تبادروا أئمتكم، فإنَّما جعل الإمام ليؤتم به، فيكون أول من يركع وأول من يسجد وأول من يرفع.
وهو مذهب الشافعي وأحمد، ورواية عن مالك.
وإن وافقه في فعله معه كره، وصحت صلاته عند أكثر أصحابنا والشافعية، ومن أصحابنا من أبطل الصلاة بذلك.
ويستثنى من ذلك صورتان:
إحداهما: تكبيرة الإحرام في ابتداء الصلاة، فإذا كبر معه لم تنعقد صلاة المأموم عند ابن المبارك والشافعي وأحمد، وهو قول مالك وأبي يوسف.
следующие страницы →