Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
١٨ - وقد يحتج به على مشروعية أداء الجماعة في غير المسجد للمكتوبات، وفي هذا نظر، فليس الحديث صريح بذلك لاحتمال أن يكون الذين صلوا مع النبي ﷺ قد أدوا الجماعة في المسجد ثم صلوا خلفه متنفلين. وعلى كل فالأحاديث الواردة في وجوب صلاة الجماعة في المسجد أصرح دلالة من هذا الحديث فالتمسك بها هو الذي ينبغي لمن كان منصفاً. والله أعلم.
١٩ - احتج بالحديث على صحة إمامة العاجز عن بعض الأركان.
وفي المسألة نزاع بين العلماء.
قال العلامة أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة ﵀ في [الشَّرْحُ الكبير على متن المقنع] (٢/ ٤١ - ٤٢):
«فصل: ولا تصح إمامة العاجز عن شيء من أركان الأفعال كالعاجز عن الركوع والسجود بالقادر عليه سواء كان إمام الحي أو لم يكن، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وقال الشافعي: يجوز لأنَّه فعل أجازه المرض أشبه القاعد يؤم بالقيام، ولنا أنَّه أخل بركن لا يسقط في النافلة فلم يجز الائتمام به للقادر عليه كالقارئ بالأمي.
وأمَّا القيام فهو أخف بدليل سقوطه في النافلة ولأنَّ النبي ﷺ أمر المصلين خلف الجالس بالجلوس، ولا خلاف أنَّ المصلي خلف المضطجع لا يضطجع فأمَّا إن أمَّ مثله فقياس المذهب صحته لأنَّ النبي ﷺ صلى بأصحابه في المطر بالإيماء والعراة يصلون جماعة بالإيماء، وكذلك حال المسايفة ولأنَّ الأمي تصح إمامته بمثله كذلك هذا» اهـ.
стр. 1472
وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٤/ ٢٣٦ - ٢٣٨):
«مسألة: العاجزُ عن الرُّكوعِ والسُّجودِ والقعودِ؛ هل تصحُّ الصلاةُ خلفَه؟
سبق أنَّ المذهبَ لا تصحُّ الصَّلاةُ خلفَه إلَّا بمثلِه.
ولكن الصحيحَ: أنَّ الصَّلاةَ خلفَه صحيحةٌ؛ بناءً على القاعدةِ؛ أنَّ مَنْ صحَّتْ صلاتُه صحَّتْ إمامتُه إلَّا بدليلٍ. لأنَّ هذه القاعدةِ دلَّت عليها النصوصُ العامةُ؛ إلَّا في مسألة المرأةِ، فإنَّها لا تصحُّ أن تكون إماماً للرَّجُلِ، لأنَّها مِنْ جنسٍ آخرٍ.
وأيضاً: قياساً على العاجزِ عن القيام، فإنَّ صلاةَ القادرِ على القيامِ خلفَ العاجزِ عنه صحيحةٌ بالنصِّ، فكذلك العاجزُ عن الرُّكوعِ والسُّجودِ.
فإن قال قائل: إنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا صَلَّى قائماً فصلُّوا قياماً، وإذا صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً أجمعون" ولم يقلْ: إذا صَلَّى راكعاً فاركعوا، وإذا أومأ فأومِئوا؟
قلنا: إنَّ الحديثَ إنما ذَكَرَ القيامَ؛ لأنَّه وَرَدَ في حالِ العجزِ عن القيامِ، فالرَّسولُ ﷺ خاطَبهم حين صَلَّى بهم قاعداً، فقاموا، ثمَّ أشارَ إليهم فجلسوا، فلهذا ذَكَرَ النَّبيُّ ﷺ القيامَ كمثالٍ؛ لأنَّ هذا هو الواقع.
فعليه نقول: إنَّ القولَ الراجحَ: أنَّ الصلاةَ خلفَ العاجزِ عن الركوعِ صحيحةٌ، فلو كان إمامُنا لا يستطيع الرُّكوعَ لأَلَمٍ في ظهرهِ صلَّينا خلفَه.
ولكن؛ هل إذا رَكَعَ بالإِيماءِ نركعُ بالإِيماءِ؟ أو نركعُ ركوعاً تاماً؟
الظاهر: أننا نركعُ ركوعاً تامًّا؛ وذلك لأنَّ إيماءَ العاجزِ عن الرُّكوعِ لا يغيرُ هيئةَ القيامِ إلَّا بالانحناءِ، بخلافِ القيامِ مع القعودِ.
стр. 1473
وأيضاً: القيام مع القعودِ أشارَ النَّبيُّ ﷺ إلى عِلَّتِه بأنَّنا لو قمنا وإمامُنا قاعدٌ كنَّا مشبهين للأعاجمِ الذين يقفون على ملوكهم. ولهذا جاءَ في بعضِ ألفاظِ الحديث: "إنْ كِدْتُم آنفاً لتفعَلُونَ فِعْلَ فارسَ والرُّومِ، يقومونَ على مُلُوكهم وهم قُعودٌ، فلا تفعلُوا، ائْتَموا بأئمتِكُم، إنْ صَلَّى قائماً فصلُّوا قياماً وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً". فإذا كان إمامُنا قاعداً، ونحن قيامٌ، صِرنا قائمين عليه، أمَّا الرُّكوع، إذا عَجَزَ عنه وأومأ وركعنَا فإننا لا نُشبه العَجَمَ بذلك.
وكذلك في العَجْزِ عن السُّجودِ، الصحيحُ: أنَّه تصحُّ إمامةُ العاجزِ عن السُّجودِ بالقادرِ عليه، وهل المأمومُ في هذه الحالِ يومئُ بالسُّجودِ؟
الجواب: لا، بل يسجدُ سجوداً تاماً.
وكذا العاجزُ عن القعودِ، نصلِّي خلفَه مع قُدرتِنا على القعودِ، كما لو كان مريضاً لا يستطيع القعودَ ويصلِّي على جنبِه.
ولكن هل نضطجعُ؟.
الجواب: لا، لأنَّ الأمرَ بموافقةِ الإِمامِ إنَّما جاءَ في القعودِ والقيامِ، وعلى هذا؛ فنصلِّي جلوساً وهو مضطجعٌ، وكذلك لو عَجَزَ عن القعودِ بين السجدتين مثلاً، أو عن القعودِ في التشهُّدِ فإننا نصلِّي خلفَه.
إذاً؛ فالصحيحُ: أننا نصلِّي خلفَ العاجزِ عن القيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ والقعودِ. وهذا القولُ هو اختيارُ شيخِ الإِسلامِ ابنِ تيمية ﵀. وهو الصحيحُ؛ بناءً على عموماتِ الأدلةِ كقوله ﷺ : "يؤمُّ القومَ
стр. 1474
أقرؤهم لكتابِ الله" وعلى القاعدة التي ذكرناها وهي: أنَّ مَنْ صحّتْ صلاتُه صحّت إمامتُه» اهـ.
قلت: وما رجحه العلامة ابن عثيمين ﵀ هو الذي يظهر رجحانه. والله أعلم.
٢٠ - وفيه أنَّ الإشارة المفهمة في الصلاة لا تبطل الصلاة، ولا تقوم مقام النطق في حق الناطق.
وأمَّا الإشارة من الأخرس إذا كانت مفهمة فإنَّها تقوم مقام نطقه، وتبطل بذلك صلاته.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٤٧):
«إذا كانت للأخرس إشارة مفهومة فأشار بها في صلاته فهل تبطل؟.
أجاب ابن الزاغوني: أمَّا الإشارة برد السلام فلا تبطل الصلاة من الآخرس والمتكلم وأمَّا غير ذلك فإنَّه يجري منهما مجرى العمل في الصلاة إن كان يسيراً عفي عنه وإن كان كثيرا أبطل الصلاة.
وجواب أبي الخطاب إذا كثر ذلك منه بطلت صلاته.
وجواب ابن عقيل إشارته المفهومة تجري مجرى الكلام فإن كانت برد السلام خاصة لم تبطل صلاته وما سوى ذلك تبطل.
قلت: إشارة الآخرس منزلة كلامه مطلقاً وأمَّا تنزيلها منزلة الكلام في غير رد السلام خاصة فلا وجه له وإنَّما كان رد السلام من الناطق بالإشارة غير مبطل في أصح قولي العلماء كما دل على النص أنَّ إشارته لم تنزل منزلة كلامه بخلاف الآخرس فإنَّ إشارته المفهومة ككلام الناطق في سائر الأحكام» اهـ.
* * *
стр. 1475
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٧٦ - عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيِّ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ - وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ المأموم يتابع الإمام، وتكون أفعاله بعد أفعال الإمام لا تكون معه ولا قبله.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٨٩):
«وأكثر العلماء على أنَّ الأفضل للمأموم أن يتابع الإمام، فيركع ويرفع ويسجد ويجلس بعد الإمام في ذلك، وكذلك كان يفعل أبو قلابة وغيره من السلف.
وروى وكيع بإسناده، عن ابن مسعود، قال: لا تبادروا أئمتكم، فإنَّما جعل الإمام ليؤتم به، فيكون أول من يركع وأول من يسجد وأول من يرفع.
وهو مذهب الشافعي وأحمد، ورواية عن مالك.
وإن وافقه في فعله معه كره، وصحت صلاته عند أكثر أصحابنا والشافعية، ومن أصحابنا من أبطل الصلاة بذلك.
ويستثنى من ذلك صورتان:
إحداهما: تكبيرة الإحرام في ابتداء الصلاة، فإذا كبر معه لم تنعقد صلاة المأموم عند ابن المبارك والشافعي وأحمد، وهو قول مالك وأبي يوسف.
стр. 1476
وقال أبو حنيفة والثوري والعنبري ومحمد بن الحسن وزفر: تنعقد صلاته بذلك.
وزاد الثوري عليهم، فقال: لو كبر مع إمامه وفرغ من تكبيره قبل فراغ إمامه جاز.
ومن الحنفية من جعل تكبيرة الإحرام شرطاً للصلاة كالطهارة والستارة، ولم يجعلها منها.
والصورة الثانية: إذا سلم مع إمامه، فإنَّه يجوز مع الكراهة عند أكثر أصحابنا والشافعية.
ولهم وجه أخر: أنَّه لا يجوز، وحكي عن مالك.
قال بعض أصحابنا: وهذا قول قوي على قول من يعتبر النية للخروج.
وعن مالك في أصل متابعة المأموم لإمامة ثلاثة روايات:
إحداهن: أنَّه يستحب أن يكون عمله بعد عمل إمامه، معاقباً له، كقول الشافعي وأحمد.
والثانية: أنَّ عمل المأموم كله مع عمل الإمام: ركوعه وسجوده وخفضه ورفعه، ما خلا الإحرام والتسليم، فإنَّه لا يأتي المأموم بهما إلَّا بعد تكبير الإمام وسلامه.
وقيل: إنَّها أصح الروايات عنه.
والثالثة: أنَّه يكون عمله مع الإمام؛ ما خلا ثلاثة أشياء: التحريم والتسليم والقيام من اثنتين، فإنَّه يكون بعده» اهـ.
стр. 1477
٢ - وفي الحديث أنَّ سجود من خلف الإمام يكون إذا انتهى الإمام إلى السجود.
٣ - احتج بقوله في هذا الحديث: «لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ». بعض المعاصرين على الخرور على اليدين عند السجود بناءً على أنَّ انحناء الظهر لا يكون عند النزول على الركبتين، وليس هذا بصحيح بل انحناء الظهر كما هو موجود عند الخرور على اليدين موجود عند الخرور على الركبتين، والصحيح أنَّ الخرور على الركبتين هو الأحسن وقد كتبت في ذلك رسالة مفردة سميتها: «الدر المنضود في كيفية الخرور إلى السجود».
٤ - وفيه مشروعية نفي الكذب عمَّن اشتهر بالصدق.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ١٦٣)
«وَقَالَ ابن معين وغيره: إنَّما هُوَ من قَوْلِ أَبِي إِسْحَاق فِي حق عَبْد الله بن يزيد، وقالوا: إن الصَّحَابَة أجل من أن يوصفوا بنفي الكذب.
وهذا ليس بشيء، ونفي الكذب صفة مدح لا ذم، وكذلك نفي سائر النقائص؟ وقد كَانَ عَلِيّ بن أَبِي طالب يَقُول: والله مَا كذبت ولا كذبت، فنفى الكذب عَنْ نفسه، وأشار إلى نفيه عمن أخبره، وَهُوَ رَسُول الله ﷺ .
وقالت عَائِشَة فِي حق عُمَر وابن عُمَر: إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِّي عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ وَلَا مُكَذَّبَيْنِ وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ.
стр. 1478
وأبلغ من هَذَا، أنَّ الله تعالى نفى عَنْ نفسه النقائص والعيوب، كالظلم وإرادته، والغفلة والنسيان، وكذلك نفيه للشريك والصاحبة والولد، وليس فِي شيء من ذَلِكَ نقص بوجه مَا.
وأيضاً؛ فعبد الله بن يزيد هُوَ الْخَطْمِيُّ، وَهُوَ معدود من الصَّحَابَة، وله رِوَايَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ ، فكيف حسن نفي الكذب عَنْهُ دون البراء، وكلاهما صحابي؟ وإن كَانَ البراء أشهر مِنْهُ، وأكثر رِوَايَة. والله أعلم» اهـ.
٥ - وفيه نظر المؤتم إلى إمامه.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٣٣٩ - ٣٤٠): «وأكثر العلماء على أنَّه يستحب للمصلي أن ينظر إلى موضع سجوده، منهم:
سليمان بن يسار وأبو حنيفة والثوري والحسن بن حي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وقال مالك: يستحب أن يكون بصره أمام قبلته. قالَ: وأكره ما يصنع الناس من النظر إلى موضع سجودهم وهم قيام.
وحكي عن شريك بن عبد الله، قالَ: ينظر في قيامه إلى موضع قيامه، وإذا ركع إلى قدميه، وإذا سجد إلى أنفه، وإذا قعد إلى حجره.
واستحب ذَلِكَ بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي.
стр. 1479
قالَ أصحابنا: ويستحب إذا جلس للتشهد أن لا يجاوز بصره أصبعه؛ لما روى ابن الزبير، أن النَّبيّ ﷺ كانَ إذا جلس في التشهد أشار بالسبابة، ولم يجاوز بصره إشارته.
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي.
وحكى أصحاب الثوري في كتبهم، عن سفيان، أنَّه قالَ: إذا قام في الصلاة فليكن بصره حيث يسجد إن استطاع، قالَ: وينظر في ركوعه إلى حيث يسجد - ومنهم من قالَ: إلى ركبتيه -، ويكون نظره في سجوده إلى طرف أنفه» اهـ.
وقد بوَّب البخاري في "صحيحه" فقال: «باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٣٢): «قال الزين بن المنير: نظر المأموم إلى الإمام من مقاصد الإئتمام فإذا تمكن من مراقبته بغير التفات كان ذلك من إصلاح صلاته. وقال ابن بطال: فيه حجة لمالك في أنَّ نظر المصلي يكون إلى جهة القبلة. وقال الشافعي والكوفيون: يستحب له أن ينظر إلى موضع سجوده لأنَّه أقرب للخشوع وورد في ذلك حديث أخرجه سعيد بن منصور من مرسل محمد بن سيرين ورجاله ثقات وأخرجه البيهقي موصولاً وقال المرسل هو المحفوظ وفيه أنَّ ذلك سبب نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ويمكن أن يفرق بين الإمام والمأموم فيستحب للأمام النظر إلى موضع السجود وكذا للمأموم إلَّا حيث يحتاج إلى مراقبة إمامه وأمَّا المنفرد فحكمه حكم الإمام والله أعلم» اهـ.
стр. 1480
قلت: أمَّا المأموم فقد دلت الأدلة على أنَّ نظره إلى إمامه إن كان مشاهداً له فمن ذلك:
ما رواه البخاري (٧٤٦) عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ قُلْنَا لِخَبَّابٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْنَا بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَاكَ قَالَ: «بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ».
ومن ذلك ما رواه البخاري (٧٤٨)، ومسلم (٩٠٧) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَصَلَّى قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلُ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ قَالَ: "إِنِّي أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا"».
ومن ذلك ما رواه البخاري (٩١٧)، ومسلم (٥٤٤) عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ أَنَّ رِجَالاً أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ وَقَدِ امْتَرَوْا فِي الْمِنْبَرِ مِمَّ عُودُهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْرِفُ مِمَّا هُوَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى فُلَانَةَ - امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ - مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ ثُمَّ جَاءَ بِهَا فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَاهُنَا ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى عَلَيْهَا وَكَبَّرَ وَهْوَ عَلَيْهَا ثُمَّ رَكَعَ وَهْوَ عَلَيْهَا ثُمَّ نَزَلَ
стр. 1481
الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي"».
وما رواه أحمد (١١٨٩٥)، وأبو داود (٦٥٠) من طريق حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي نَعَامَةَ السَّعْدِىِّ عَنْ أَبِى نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ». قَالُوا رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ جِبْرِيلَ ﷺ أَتَانِى فَأَخْبَرَنِى أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا». وَقَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِى نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا».
قلت: هذا حديث صحيح.
وأمَّا الإمام فقد جاء ما يدل على نظره إلى قبلته فمن ذلك حديث ابن عباس الماضي، وهكذا ما رواه البخاري (٧٤٩) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ رَقَا الْمِنْبَرَ فَأَشَارَ بِيَدَيْهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ: "لَقَدْ رَأَيْتُ الآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قِبْلَةِ هَذَا الْجِدَارِ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ". ثَلَاثًا».
ومن ذلك أيضاً ما رواه البخاري (٧٥٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «رَأَى النَّبِيُّ ﷺ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ وَهْوَ يُصَلِّي بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ فَحَتَّهَا ثُمَّ قَالَ حِينَ انْصَرَفَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ أَحَدٌ قِبَلَ وَجْهِهِ فِي الصَّلَاةِ"».
стр. 1482
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٠٧): «وبكل حال؛ فليس في الحديث دليل على الالتفات في الصلاة، إنَّما فيه دليل على جواز نظر المصلي إلى قبلته، ورؤيته ما فيها، وأنَّ ذلك لا ينافي الخشوع كما يحكى عن بعضهم، وأنَّه لا يكره للمصلي أن ينظر في قيامه إلى ما بين يديه، ويزيد رفع بصره عن محل سجوده» اهـ.
وأمَّا القاعد فقد جاء ما يدل على نظره لحجره، وهو ما رواه البخاري (٣٧٣)، ومسلم (٥٥٦) عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَائْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي"».
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
«كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِي».
لكن قد يقول قائل: إنَّ الذي حصل للنبي ﷺ هو التفاتة إلى الخميصة، وهذا يدل على أنَّ نظره لم يكن إليها. والله أعلم.
وأمَّا في حال التشهد فقد دلت السنة على النظر إلى الإصبع المسبحة عند الإشارة بها، وجاء في ذلك ما رواه أحمد (١٦١٤٥)، وأبو داود (٩٩٠)، والنسائي (١٢٧٥) من طريق يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا جَلَسَ فِي التَّشَهُّدِ، وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ، وَلَمْ يُجَاوِزْ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ».
стр. 1483
قلت: هذا حديث حسن.
وما عدى ذلك فلا أعلم في موضع النظر حديث صحيح والأصل قصر النظر لأنَّه أقرب للخشوع وأبعد عن الانشغال، وموضع السجود أقرب المواضع إلى المصلي. والله أعلم.
وقد احتج من ذهب إلى استحباب نظر المصلي إلى موضع سجوده بثلاثة أحاديث.
الحديث الأول: حديث أبي هريرة.
وقد رواه الحاكم في [المستدرك] (٣٤٨٣)، حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ الثَّقَفِيُّ، ثنا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ».
قال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ لَوْلَا خِلَافٌ فِيهِ عَلَى مُحَمَّدٍ فَقَدْ قِيلَ عَنْهُ مُرْسَلًا وَلَمْ يُخْرِجَاهُ اهـ.
وقال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (٢/ ٢٨٣): «وَالصَّحِيحُ هُوَ الْمُرْسَلُ» اهـ.
стр. 1484
قلت: والمرسل رواه البيهقي (٣٣٥٦) من طريق سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فذكره.
ورواه سعيد بن منصور أصح من رواية والد أبي شعيب وهو الحسن بن أحمد ثقة يغرب.
وقد تابع إسماعيل بن علية على الإرسال حماد بن زيد.
قال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (٢/ ٢٨٣): «ورواه حماد بن زيد عن أيوب مرسلاً وهذا هو المحفوظ» اهـ.
قلت: وهو مع ذلك فليس بصريح في النظر إلى موضع السجود.
الحديث الثاني: حديث عشرة من أصحاب النبي ﷺ .
وقد رواه ابن عدي في [الكامل] (٤/ ٢٧٠) ومن طريقه البيهقي في [الكبرى] (٣٣٥٨) أنبأ ابْنُ سُلَيْمٍ، ثنا دُحَيْمٌ، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قِلَابَةَ الْجَرْمِيَّ يَقُولُ: «حَدَّثَنِي عَشَرَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي قِيَامِهِ وَرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ بِنَحْوٍ مِنْ صَلَاةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ قَالَ سُلَيْمَانُ: فَرَمَقْتُ عُمَرَ فِي صَلَاتِهِ فَكَانَ بَصَرُهُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ».
قلت: فيه عنعنة الوليد بن مسلم، وصدقة بن عبد الله هو السمين ضعيف الحديث.
الحديث الثالث: حديث عائشة.
стр. 1485
وقد رواه ابن خزيمة في [صحيحه] (٣٠١٢)، والحاكم في [المستدرك] (١٧٦١)، والبيهقي في [الكبرى] (٩٥٠٧) من طريق أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ مَالِكٍ اللَّخْمِيُّ التِّنِّيسِيُّ، ثنا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، ثنا مُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَائِشَةَ، كَانَتْ تَقُولُ:
«عَجَبًا لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ إِذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ كَيْفَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ قِبَلَ السَّقْفِ، يَدَعُ ذَلِكَ إِجْلَالًا لِلَّهِ وَإِعْظَامًا، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَعْبَةَ مَا خَلَفَ بَصَرُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا».
قال الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (١/ ٢٩٨): «وسألت أبي عن حديث؛ رواه عمرو بن أبي سلمة التنيسي، عن زهير بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن عائشة، قالت: دخل رسول الله ﷺ الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها.
فسمعت أبي يقول: هو حديث منكر» اهـ.
وجاء في ترجمة عمرو بن أبي سلمة من "التهذيب": «قال أحمد: روى عن زهير أحاديث بواطيل كأنَّه سمعها من صدقة بن عبد الله فغلط فقلبها عن زهير» اهـ.
قلت: فهذه الأحاديث كما ترى لا تقوى على إثبات ذلك. والله أعلم.
* * *
стр. 1486
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٧٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلائِكَةِ: غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
قلت: ومعنى: «آمين». اللهم استجب لي. وتقرأ «آمين». بالمد والقصر والمد أحسن من القصر، وتقرأ بتخفيف الميم، ولا يجوز أن تقرأ بتشديد الميم لاختلال المعنى بذلك فإنَّها تصير بمعنى قاصدين.
كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - الترغيب في التأمين للإمام والمؤتم. خلافاً للإمام مالك ﵀ فقد ذهب إلى أنَّ التأمين يكون للمؤتم دون الإمام. وفي رواية قال: لا يؤمن الإمام في الجهرية. وله رواية قال فيها بالتأمين للإمام.
وقد أوجب التأمين على المأموم العلامة ابن حزم ﵀ فقال في [المحلى] (٢/ ٢٩٣): «وَأَمَّا قَوْلُ: آمِينَ فَإِنَّهُ كَمَا ذَكَرْنَا يَقُولُهُ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ نَدْبًا وَسُنَّةً، وَيَقُولُهَا الْمَأْمُومُ فَرْضًا وَلَا بُدَّ» اهـ.
وقال العلامة الشوكاني ﵀ في [نيل الأوطار] (٢/ ٢٥٨):
«وَالظَّاهِرُ مِنْ الْحَدِيثِ الْوُجُوبُ عَلَى الْمَأْمُومِ فَقَطْ لَكِنْ لَا مُطْلَقًا بَلْ مُقَيَّدًا بِأَنْ يُؤَمِّنَ الْإِمَامُ. وَأَمَّا الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ فَمَنْدُوبٌ فَقَطْ» اهـ.
стр. 1487
قلت: وهذا قول غريب، ولو كان التأمين واجباً لوجب على الجميع كما هو الشأن في جميع واجبات الصلاة.
٢ - وفيه فضل التأمين وأنَّه من أسباب مغفرة الذنوب.
ومن أجل هذا حسد اليهود المسلمين عليه فروى ابن ماجه (٨٥٦) عن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: «مَا حَسَدَتْكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ، مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ».
قلت: إسناده حسن.
٣ - وقوله: «إذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا». أي إذا أراد أن يؤمن الإمام فأمنوا جمعاً بينها وبين الرواية الأخرى للحديث وهي قول النبي ﷺ : «إِذَا قَالَ الإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فَقُولُوا آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
رواه البخاري (٧٨٢).
ورواه مسلم (٤١٠) عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِذَا قَالَ الْقَارِئُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فَقَالَ مَنْ خَلْفَهُ آمِينَ فَوَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
وفي لفظ له (٤١٥) عن أبي هريرة قال كان رسول الله ﷺ يعلمنا يقول: «لَا تُبَادِرُوا الْإِمَامَ إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فَقُولُوا آمِينَ وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ».
стр. 1488
ورواه مسلم (٤٠٤) عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنَّه قال: «إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذْ قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فَقُولُوا آمِينَ يُجِبْكُمْ اللَّهُ فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَتِلْكَ بِتِلْكَ وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ يَسْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَتِلْكَ بِتِلْكَ وَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْلِ أَحَدِكُمْ التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
وتأمين المؤتم بعد تأمين الإمام رواية مذكورة في كتب الحنابلة فقد قال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٢/ ١١٦): «وإذا فرغ قال آمين (و) يجهر بها الإمام، والمأموم فيما يجهر به (و ش) قيل بعده، وقيل معه (م)» اهـ.
٤ - قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى شرح الموطأ] (١/ ٢٠١):
«وقوله ﷺ : "فإنَّه من وافق تأمينه تأمين الملائكة" من الإخلاص والخشوع وحضور النية والسلامة من الغفلة. وقيل معنى ذلك أن يكون دعاؤه للمؤمنين كدعاء الملائكة لهم فمن كان دعاؤه على ذلك فقد وافق دعاءهم. وقيل: إنَّ الملائكة الحفظة المتعاقبين يشهدون الصلاة مع المؤمنين
стр. 1489
فيؤمنون إذا أمن الإمام فمن فعل مثل فعلهم في حضورهم الصلاة وقولهم آمين عند تأمين الإمام غفر له. وقال بعض الناس معنى الموافقة الإجابة فمن استجيب له كما يستجاب للملائكة غفر له ذنبه.
وهذه تأويلات فيها تعسف لا يحتاج إليه ولا يدل على شيء منها دليل والأولى حمل الحديث على ظاهره ما لم يمنع من ذلك مانع ومعناه: أنَّ من قال آمين عند قول الملائكة آمين غفر له وإلى هذا ذهب الداودي ولا يمتنع أن يكون الباري تعالى يفعل ذلك بمن وافق قوله آمين قول الملائكة آمين» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٢٦٠):
«وتأمين الملائكة هو على دعاء القارئ، هذا هو الصحيح الذي يفهم من الحديث.
وقد ذكر ابن عبد البر وغيره فيه أقوالاً أخر، مرغوباً عن ذكرها؛ لبعدها وتعسفها من غير دليل» اهـ.
٥ - واحتج به من قال بأنَّ الإمام يجهر بالتأمين.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٢/ ٣٩٦):
«ولولا جهره بالتأمين لما أمكن المأموم أن يؤمن معه ويوافقه في التأمين» اهـ.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٢٥٩):
«واختلفوا في الجهر بها على ثلاثة أقوال:
أحدها: يجهر بها الإمام ومن خلفه، وهو قول عطاء والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وابن أبي شيبة، وعامة أهل الحديث.
стр. 1490
واستدل بعضهم بقوله: "إذا أمن الإمام فأمنوا" فدل على سماعهم لتأمينه وروي عن عطاء، قال: أدركت مائتين من أصحاب محمد، إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. سمعت لهم ضجة بـ"آمين".
خرجه حرب.
والثاني: يخفيها الإمام ومن خلفه، وهو قول الحسن والنخعي والثوري ومالك وأبي حنيفة وأصحابه.
والثالث: يخفيها المأموم كما يخفي سائر الأذكار، ويجهر بها الإمام، وهو قول للشافعي» اهـ.
روى أحمد (١٨٨٦٢)، أبو داود (٩٣٣)، والترمذي (٢٤٨) من طريق سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ حُجْرٍ أَبِي الْعَنْبَسِ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَرَأَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، قَالَ: «آمِينَ»، وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ.
قلت: هذا حديث صحيح.
ومما يدل على جهر المؤتمين بالتأمين ما رواه البيهقي في [الكبرى] (٢٢٤٥٣) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، ثنا أَبُو سَهْلِ بْنُ زِيَادٍ الْقَطَّانُ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، ثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ يُؤَذِّنُ لِمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَاشْتَرَطَ أَنْ لَا يَسْبِقَهُ بِالضَّالِّينَ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ الصَّفَّ فَكَانَ إِذَا قَالَ مَرْوَانُ: وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ
стр. 1491
أَبُو هُرَيْرَةَ: "آمِينَ، يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ، وَقَالَ إِذَا وَافَقَ تَأْمِينُ أَهْلِ الْأَرْضِ تَأْمِينَ أَهْلِ السَّمَاءِ غُفِرَ لَهُمْ "».
قلت: هذا أثر صحيح، وأبو الحسين هو محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل، وأبو سهل هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان.
وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٦٤٠) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُؤَمِّنُ عَلَى إِثْرِ أُمِّ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى أَنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا آمِينَ دُعَاءٌ».
قلت: هذا أثر صحيح.
٦ - واحتج به بعض علماء الشافعية على أنَّ تأمين المأموم تابع لتأمين الإمام فإذا لم يؤمن الإمام فلا تأمين للمؤتم.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٦٦):
«وظاهر سياق الأمر أنَّ المأموم إنَّما يؤمن إذا أمن الإمام لا إذا ترك وقال به بعض الشافعية كما صرح به صاحب الذخائر وهو مقتضى إطلاق الرافعي الخلاف وادعى النووي في "شرح المهذب" الاتفاق على خلافه ونص الشافعي في الأم على أنَّ المأموم يؤمن ولو تركه الإمام عمداً أو سهواً» اهـ.
قلت: قول النبي ﷺ في الرواية الأخرى: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فَقُولُوا آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». يدل على أنَّ المأموم يؤمن إذا بلغ آخر الفاتحة، وهذا يقتضي أن يؤمن ولو لم يؤمن الإمام. والله أعلم.
٧ - ظاهر الأدلة عدم الفصل بين القراءة والتأمين بسكتة.
стр. 1492
وقد استحب الفصل علماء الشافعية.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٣٧٣):
«ذكر أصحابنا أو جماعة منهم أنَّه يستحب أن لا يصل لفظة "آمين" بقوله: "ولا الضالين" بل بسكتة لطيفة جداً ليعلم أنَّ "آمين" ليست من الفاتحة للفصل اللطيف نظائرها في السنة وغيرها ستراها في مواضعها إن شاء الله تعالى.
وممن نص علي استحباب هذه السكتة القاضي حسين في تعليقه وأبو الحسن الواحدي في "البسيط"، والبغوي في "التهذيب" وصاحب "البيان" والرافعي.
وأمَّا قول إمام الحرمين بتبع التأمين القراءة فيمكن حمله علي موافقة الجماعة ويكون معناه لا يسكت طويلاً والله أعلم» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٩٦):
«وظاهر الأحاديث: يدل على أن يوصل التأمين بالفاتحة من غير سكوت» اهـ.
قلت: الصحيح أنَّه لا يستحب أن يزيد على التأمين شيئاً من الذكر خلافاً للشافعي.
٨ - ظاهر الأدلة أنَّ التأمين لا يوصل بذكر آخر ولا دعاء لا في أوله ولا في آخره.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٩٥ - ٤٩٦):
«ولا يستجب أن يصل آمين بذكر آخر، مثل أن يقول: آمين رب العالمين؛ لأنَّه لم تأت به السنة، هذا قول أصحابنا.
وقال الشافعي: هو حسن.
стр. 1493
ولا يستحب أن يقدم على التأمين دعاء؛ لأنَّ التأمين على دعاء الفاتحة، وهو هداية الصراط المستقيم، وهو أهم الأدعية وأجلها.
ومن السلف من استحب ذلك للمأموم، منهم: الربيع بن خثيم والثوري» اهـ.
قلت: كلام الشافعي ﵀ في [الأم] (١/ ١٠٩) ولفظه: «ولو قال مع آمين رب العالمين وغير ذلك من ذكر الله كان حسناً لا يقطع الصلاة شيء من ذكر الله» اهـ.
قلت: وجاء في الزيادة على التأمين في أوله ما رواه الطبراني في [الكبير] (١٠٧)، والبيهقي في [الكبرى] (٢٤٥٠) من طريق أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّهْشَلِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْيَحْصِبِيِّ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قَالَ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي آمِينَ».
قلت: هذا حديث ضعيف أحمد العطاردي لا يحتج بحديثه.
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٨٠٤٩) حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي يَعْلَى، قَالَ: «كَانَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيم إذَا قَالَ الإِمَام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي آمِينَ».
стр. 1494
قلت: إسناده صحيح، وأبو يعلى هو المنذر بن يعلى.
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٩٦٨) حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: " كَانَ يُسْتَحَبُّ إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، أَنْ يُقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي آمِينَ».
قلت: فيه أبو حمزة وهو ميمون الأعور ضعيف لا يحتج به.
* * *
стр. 1495
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٧٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَذَا الْحَاجَةِ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ».
الحديث بهذا اللفظ للبخاري (٧٠٣) لكن ليس عنده لفظة: «وَذَا الْحَاجَةِ». وهذه اللفظة في مسلم (٤٦٧).
وسياق لفظ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ».
قال في [طرح التثريب] (٣/ ١١٦): «إن قلت ما فائدة عطف الضعيف على السقيم وهو بمعناه قلت ليس بمعناه فقد ذكر الجوهري وغيره أنَّ الضعف خلاف للقوة، وأنَّ السقم المرض فدل على أنَّ الضعف أعم من السقم فقد يكون الإنسان قليل القوة من أصل الخلقة لا من سقم عرض له» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - الأمر بتخفيف الإمام بالصلاة إذا صلى بالناس.
قال في [طرح التثريب] (٣/ ١١١):
«هذا الأمر بالتخفيف صرح أصحابنا وغيرهم بأنَّه على سبيل الاستحباب وذهب جماعة إلى الوجوب تمسكاً بظاهر الأمر قال ابن حزم الظاهري: يجب على الإمام التخفيف إذا أم جماعة لا يدري كيف طاقتهم.
стр. 1496
وقال ابن عبد البر المالكي: في هذا الحديث أوضح الدلائل على أنَّ أئمة الجماعة يلزم التخفيف لأمر رسول الله ﷺ إياهم بذلك ولا يجوز لهم التطويل لأنَّ في الأمر لهم بالتخفيف نهياً عن التطويل.
وكذا قال ابن بطال في شرح البخاري: فيه دليل أنَّ أئمة الجماعة يلزمهم التخفيف لأمر رسول الله ﷺ لهم بذلك انتهى» اهـ.
قلت: وليس المراد بالتخفيف في الصلاة ما يفعله النقارون في صلاتهم بل ذلك مضبوط بما كان يفعله النبي ﷺ فإنَّ قول النبي ﷺ يفسره فعله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٣١٧ - ٣١٨):
«فينبغي للإمام أن يفعل في الغالب ما كان النبي ﷺ يفعله في الغالب وإذا اقتضت المصلحة أن يطيل أكثر من ذلك أو يقصر عن ذلك فعل ذلك. كما كان النبي ﷺ أحياناً يزيد على ذلك وأحياناً ينقص عن ذلك» اهـ.
وقال ﵀: (٢٢/ ٥٩٥ - ٥٩٧):
«فقول من يقول من الفقهاء: إنَّ السنة للإمام أن يقتصر على ثلاث تسبيحات من أصل الشافعي وأحمد ﵄ وغيرهم: هو من جنس قول من يقول: من السنة أن لا يطيل الاعتدال بعد الركوع أو أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت أو نحو ذلك. فإنَّ الذين قالوا هذا ليس معهم أصل يرجعون إليه من السنة أصلاً بل
стр. 1497
الأحاديث المستفيضة عن النبي ﷺ الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها: تبين أنَّه ﷺ كان يسبح في أغلب صلاته أكثر من ذلك كما تقدم دلالة الأحاديث عليه. ولكن هذا قالوه لما سمعوا أنَّ النبي ﷺ قال: "إذا أم أحدكم الناس فليخفف وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء" ولم يعرفوا مقدار التطويل ولا علموا التطويل الذي نهى عنه لما قال لمعاذ: "أفتان أنت يا معاذ " فجعلوا هذا برأيهم قدراً للمستحب ومن المعلوم أنَّ مقدار الصلاة - واجبها ومستحبها - لا يرجع فيه إلى غير السنة فإنَّ هذا من العلم الذي لم يكله الله ورسوله إلى آراء العباد. إذ النبي ﷺ كان يصلي بالمسلمين في كل يوم خمس صلوات وكذلك خلفاؤه الراشدون الذين أمرنا بالاقتداء بهم فيجب البحث عمَّا سنه رسول الله ﷺ ولا ينبغي أن يوضع فيه حكم بالرأي، وإنَّما يكون اجتهاد الرأي فيما لم تمض به سنة عن رسول الله ﷺ ، ولا يجوز أن يعمد إلى شيء مضت به سنة فيرد بالرأي والقياس. ومما يبين هذا: أنَّ التخفيف أمر نسبي إضافي ليس له حد في اللغة ولا في العرف؛ إذ قد يستطيل هؤلاء ما يستخفه هؤلاء ويستخف هؤلاء ما يستطيله هؤلاء فهو أمر يختلف باختلاف عادات الناس ومقادير العبادات ولا في كل من العبادات التي ليست شرعية. فعلم أنَّ الواجب على المسلم: أن يرجع في مقدار التخفيف والتطويل إلى السنة … » إلى آخر كلامه ﵀.
وللعلامة ابن القيم ﵀ مبحث نفيس حول ذلك في [حاشيته على السنن] (٣/ ٧٤ - ٨١) قال فيه:
стр. 1498
«فصل في سياق صلاة رسول الله ﷺ وبيان اتفاق الأحاديث فيها وغلط من ظن أنَّ التخفيف الوارد فيها هو التخفيف الذي اعتاده سراق الصلاة والنقارون لها.
ففي الصحيحين عن البراء بن عازب قال: "رمقت الصلاة مع محمد ﷺ فوجدت قيامه فركعته فاعتداله بعد ركوعه فسجدته فجلسته بين السجدتين فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريباً من السواء" لفظ مسلم.
وفي صحيح مسلم أيضاً عن شعبة عن الحكم قال: غلب على الكوفة رجل قد سماه زمن ابن الأشعث فأمر أبا عبيدة بن عبد الله أن يصلي بالناس فكان يصلي فإذا رفع رأسه من الركوع قلم قدر ما أقول اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. قال الحكم فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى فقال: سمعت البراء بن عازب يقول: "كانت صلاة رسول الله ﷺ وركوعه وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السجدتين قريباً من السواء"
وروى البخاري هذا الحديث وقال فيه: "ما خلا القيام والقعود قريباً من السواء".
ولا شك أنَّ قيام القراءة وقعود التشهد يزيدان في الطول على بقية الأركان.
стр. 1499
ولما كان ﷺ يوجز القيام ويستوفي بقية الأركان صارت صلاته قريباً من السواء.
فكل واحدة من الروايتين تصدق الأخرى.
والبراء تارة قرب ولم يحدد فلم يذكر القيام والقعود وتارة استثنى وحدد فاحتاج إلى ذكر القيام والقعود وقد غلط بعضهم حيث فهم من استثناء القيام والقعود أنَّه استثنى القيام من الركوع والقعود بين السجدتين فإنَّه كان يخفضهما فلم يكونا قريباً من بقية الأركان فإنهما ركنان قصيران.
وهذا من سوء الفهم فإنَّ سياق الحديث يبطله فإنَّه قد ذكر هذين الركنين بأعيانهما فكيف يذكرهما مع بقية الأركان ويخبر عنهما بأنَّهما مساويان لها ثم يستثنيهما منها وهل هذا إلَّا بمنزلة قول القائل قام زيد وعمرو وبكر وخالد إلَّا زيداً وعمراً وقد ثبت تطويل هذين الركنين عن النبي ﷺ في عدة أحاديث صحيحة صريحة أحدها هذا وقد استدل البراء بن عازب على إصابة أبي عبيدة في تطويله ركن الاعتدال من الركوع بقوله كانت صلاة رسول الله ﷺ وركوعه وإذا رفع رأسه وسجوده وما بين السجدتين قريباً من السواء.
ولو كان النبي ﷺ يخفف هذين الركنين لأنكر البراء صلاة أبي عبيدة ولم يرو عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يتضمن تصويبه.
ومنها ما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث حماد بن سلمة أخبرنا ثابت عن أنس قال: "ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه
стр. 1500
وسلم في تمام كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم متقاربة وكانت صلاة أبي بكر متقاربة فلما كان عمر مد في صلاة الفجر".
وكان رسول الله ﷺ إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم"
رواه مسلم بهذا اللفظ.
ورواه أبو داود من حديث حماد بن سلمة أخبرنا ثابت وحميد عن أنس قال: ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله ﷺ في تمام وكان رسول الله ﷺ إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم ثم يكبر ثم يسجد وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم".
فجمع أنس ﵁ في هذا الحديث الصحيح بين الإخبار عن إيجاز رسول الله ﷺ وإتمامها وأن من إتمامها إطالة الاعتدالين جداً كما أخبر به.
وقد أخبر أنَّه ما رأى أوجز صلاة منها ولا أتم فيشبه والله أعلم أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام والإتمام إلى الركوع والسجود وركني الاعتدال فهذا تصير الصلاة تامة موجزة فيصدق قوله ما رأيت أوجز منها ولا أتم ويطابق هذا حديث البراء المتقدم وأحاديث أنس كلها تدل على أن النبي ﷺ كان يطيل الركوع والسجود والاعتدالين زيادة على ما يفعله أكثر الأئمة ويعتادونه وروايات الصحيحين تدل على ذلك.
стр. 1501
ففي الصحيحين عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: "إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله ﷺ يصلي بنا".
قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً حتى يقول القائل قد نسي وإذا رفع رأسه في السجدة مكث حتى يقول القائل قد نسي.
وفي لفظ وإذا رفع رأسه بين السجدتين.
وفي رواية للبخاري من حديث شعبة عن ثابت: "كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله ﷺ فكان يصلي وإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول قد نسي: وهذا يبين أن إطالة ركني الاعتدالين مما ضيع من عهد ثابت ولهذا قال فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تفعلونه. وهذا والله أعلم مما أنكره أنس مما أحدث الناس في الصلاة حيث قال ما أعلم شيئاً مما كان على عهد رسول الله ﷺ .
قيل: ولا الصلاة قال أو ليس قد أحدثتم فيها ما أحدثتم.
فقول ثابت أنهم لم يكونوا يفعلون كفعل أنس وقول أنس إنكم قد أحدثتم فيها يبين ذلك أن تقصير هذين الركنين هو مما أحدث فيها ومما يدل على أن السنة إطالتهما أن النبي ﷺ كان يصلي بالليل فقرأ البقرة والنساء وآل عمران وركع نحواً من قيامه ورفع نحواً من ركوعه وسجد نحواً من قيامه وجلس نحواً من سجوده متفق عليه.
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وما
стр. 1502
بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال: "كان النبي ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" وفي صحيح مسلم نحوه من حديث عبد الله بن أبي أوفي.
وزاد بعد قوله: "وملء ما شئت من شيء بعد". "اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ" فهذه الأذكار والدعوات ونحوها والله أعلم من التي كان يقولها في حديث أنس أنه كان يمكث بعد الركوع حتى يقولوا قد أوهم لأنه ليس محل سكوت فجاء الذكر مفسراً في هذه الأحاديث.
وروى النسائي وأبو داود عن سعيد بن جبير قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "ما صليت وراء أحد بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى يعني عمر بن عبد العزيز قال فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات" وإسناده ثقات.
وفي صحيح مسلم عن أبي قزعة قال: أتيت أبا سعيد الخدري وهو مكثور عليه فلما تفرق الناس عنه قلت: إني لا أسألك عما يسألك هؤلاء عنه أسألك عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: مالك في ذلك من خير فأعادها عليه فقال:
стр. 1503
"كانت صلاة الظهر تقام فينطلق أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ثم يرجع إلى المسجد ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى وفي رواية مما يطولها" وفي هذا ما يدل على أن أبا سعيد رأي أن صلاة الناس في زمانه أنقص مما كان رسول الله ﷺ يفعلها.
ولهذا قال للسائل مالك في ذلك من خير.
وفي الصحيحين "أنَّه ﷺ كان يقرأ في الفجر بالستين إلى المائة" ومن المتيقن أنَّه ﷺ لم تكن قراءته في الصلاة هذاً بل ترتيلاً بتدبير وتأن.
وروى النسائي بإسناد صحيح عن عائشة: "أنَّ النبي ﷺ قرأ في المغرب بسورة الأعراف فرقها في ركعتين". وأصله في الصحيح "أنَّ النبي ﷺ قرأ في المغرب بطولي الطوليين" يريد الأعراف كما جاء مفسراً في رواية النسائي.
وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم: "أنَّه سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور".
وفي الصحيحين عن ابن عباس عن أم الفضل بنت الحارث أنها سمعته وهو يقرأ والمرسلات عرفاً فقالت: يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقرأ بها في المغرب.
وهذا يدل على أنَّ هذا الفعل غير منسوخ لأنَّه كان في آخر حياته ﷺ .
стр. 1504
وقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: "شكا أصحاب النبي ﷺ مشقة السجود عليهم فقال استعينوا بالركب" قال ابن عجلان هو أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طاله السجود وأعيا.
وهذا يدل على أنَّ النبي ﷺ كان يطيل السجود بحيث يحتاج الصحابة إلى الاعتماد على ركبهم وهذا لا يكون مع قصر السجود.
وفي الصحيحين أنَّه ﷺ قال: "إني لأقوم في الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز فيها مخافة أن أشق على أمه".
وأمَّا ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة: "أنَّ النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد وكانت صلاته بعد تخفيفاً". فالمراد به والله أعلم أنَّ صلاته كانت بعد الفجر تخفيفاً يعني أنَّه كان يطيل قراءة الفجر ويخفف قراءة بقية الصلوات لوجهين:
أحدهما: أنَّ مسلماً روى في صحيحه عن سماك بن حرب قال: سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي ﷺ فقال كان يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء. قال وأنبأني أنَّ رسول الله ﷺ كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد ونحوها.
فجمع بين وصف صلاة رسول الله ﷺ بالتخفيف وأنَّه كان يقرأ في الفجر بقاف.
الثاني: أن سائر الصحابة اتفقوا على أنَّ هذه كانت صلاة رسول الله ﷺ التي ما زال يصليها.
стр. 1505
ولم يذكر أحد أنَّه نقص في آخر أمره من الصلاة وقد أخبرت أم الفضل عن قراءته في المغرب بالمرسلات في آخر الآمر وأجمع الفقهاء أنَّ السنة في صلاة الفجر أن يقرأ بطوال المفصل.
وأمَّا قوله: ولا يصلي صلاة هؤلاء. فيحتمل أمرين أحدهما: أنَّه لم يكن يحذف كحذفهم بل يتم الصلاة.
والثاني: أنَّه لم يكن يطيل القراءة إطالتهم.
وفي مسند أحمد وسنن النسائي عن عبد الله بن عمر قال: "إن كان رسول الله ﷺ ليأمرنا بالتخفيف وإن كان ليؤمنا بالصافات" وهذا يدل على أن الذي أمر به هو الذي فعله فإنه صلى الله عليه و سلم أمر أصحابه أن يصلوا مثل صلاته ولهذا صلى على المنبر وقال: "إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي" وقال مالك بن الحويرث وصاحبه "صلوا كما رأيتموني أصلي" وذلك أنَّه ما من فعل في الغالب إلَّا ويسمي خفيفاً بالنسبة إلى ما هو أطول منه وطويلاً بالنسبة إلى ما هو أخف منه فلا يمكن تحديد التخفيف المأمور به في الصلاة باللغة ولا بالعرف لأنَّه ليس له عادة في العرف كالقبض والحزر والإحياء والاصطياد حتى يرجع فيه إليه بل هو من العبادات التي يرجع في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع كما يرجع إليه في أصلها ولو جاز الرجوع فيه إلى العرف لاختلفت الصلاة الشرعية اختلافاً متبايناً لا ينضبط ولكان لكل أهل عصر ومصر بل لأهل الدرب والسكة ولكل محل لكل طائفة غرض وعرف وإرادة في مقدار الصلاة يخالف عرف غيرهم وهذا يفضي إلى تغيير الشريعة وجعل السنة تابعة لأهواء الناس فلا يرجع في التخفيف المأمور به إلَّا إلى فعله ﷺ فإنَّه كان يصلي
стр. 1506
وراء الضعيف والكبير وذو الحاجة وقد أمرنا بالتخفيف لأجلهم فالذي كان يفعله هو التخفيف إذ من المحال أن يأمر بأمر ويعلله بعلة ثم يفعل خلافه مع وجود تلك العلة إلَّا أن يكون منسوخاً.
وفي صحيح مسلم عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإنَّ من البيان سحراً".
فجعل طول الصلاة علامة على فقه الرجل وأمر بإطالتها وهذا الأمر إمَّا أن يكون عاماً في جميع الصلوات وإمَّا أن يكون المراد به صلاة الجمعة فإن كان عاماً فظاهر وإن كان خاصاً بالجمعة مع كون الجمع فيها يكون عظيماً وفيه الضعيف والكبير وذو الحاجة وتفعل في شدة الحر ويتقدمها خطبتان ومع هذا فقد أمر بإطالتها فما الظن بالفجر ونحوها التي تفعل وقت البرد والراحة مع قلة الجمع.
وقد روى النسائي في سننه أنَّ النبي ﷺ قرأ في الفجر بالروم. وفي سنن أبي داود عن جابر بن سمرة: "أن النبي ﷺ كان إذا دحضت الشمس صلى الظهر وقرأ بنحو من والليل إذا يغشى والعصر كذلك والصلوات كلها كذلك إلا الصبح فإنه كان يطيلها" وقد روى الإمام أحمد والنسائي بإسناد على شرط مسلم عن سليمان ابن يسار عن أبي هريرة قال: "ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان" قال سليمان: كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين ويخفف العصر ويقرأ في المغرب بقصار المفصل ويقرأ في العشاء بوسط المفصل ويقرأ في الصبح
стр. 1507
بطوال المفصل. وفي الصحيحين عن أبي برزة قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي الصبح فينصرف الرجل فيعرف جليسه وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة" لفظ البخاري وهذا يدل على أمرين شدة التغليس بها وإطالتها.
فإن قيل: ما ذكرتموه من الأحاديث معارض بما يدل على نقضه وأنَّ السنة هي التخفيف فروى أبو داود في سننه من حديث ابن وهب أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه علي أنس بن مالك بالمدينة في زمن عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة فإذا هو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر أو قريباً منها فلما سلم قال: يرحمك الله أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أم شيء تنفله؟! قال: إنَّها للمكتوبة وإنَّها لصلاة رسول الله ﷺ كان يقول:
"لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوماً شددوا على أنفسكم فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديار رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم" وسهل بن أبي أمامة وثقه يحيى بن معين وغيره.
وروى له مسلم وفي الصحيحين عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يوجز الصلاة ويكلمها".
وفي الصحيحين أيضاً عنه قال: "ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة النبي ﷺ " زاد البخاري: "وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه" وفي سنن أبي داود عن رجل من جهينة: "أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الصبح إذا زلزلت في الركعتين كلتيهما فلا
стр. 1508
أدري أنسي رسول الله ﷺ أم عمداً فعل ذلك". وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة: "أنَّ النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك".
وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر قال: "كان النبي ﷺ يقرأ في المغرب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ "
وفي سنن ابن ماجه عن عمرو بن حريث قال: "كأني أسمع صوت رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الغداة ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ ".
وفي سنن أبي داود عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر بالسماء ذات البروج والسماء والطارق وشبههما".
وفي صحيح مسلم عنه أيضاً قال: "كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك وفي الصبح أطول من ذلك".
وفي الصحيحين عن البراء: "أن النبي ﷺ قرأ في العشاء بالتين والزيتون في السفر ".
وفي بعض السنن "عن النبي ﷺ أنه قرأ في الصبح بالمعوذتين" وفي الصحيحين عن جابر: "أن النبي ﷺ قال لمعاذ أفتان أنت يا معاذ هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا يغشى ".
стр. 1509
وفي الصحيحين عن أبي هريرة: "أنَّ النبي ﷺ قال: إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء" ورواه ابن ماجه من حديث عثمان بن أبي العاص.
وفي صحيح مسلم عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة".
فالجواب: أنَّه لا تعارض بحمد الله بين هذه الأحاديث بل هي أحاديث يصدق بعضها بعضاً وأنَّ ما وصفه أنس من تخفيف النبي ﷺ صلاته هو مقرون بوصفه إياها بالتمام كما تقدم وهو الذي وصف تطويله ركني الاعتدال حتى كانوا يقولون قد أوهم ووصف صلاة عمر بن عبد العزيز بأنَّها تشبه صلاة النبي ﷺ مع أنَّهم قدروها بعشر تسبيحات والتخفيف الذي أشار إليه أنس هو تخفيف القيام مع تطويل الركوع والسجود كما جاء مصرحاً به فيما رواه النسائي عن قتيبة عن العطاف بن خالد عن زيد بن أسلم قال: دخلنا على أنس بن مالك فقال: "صليتم" قلنا نعم قال: "يا جارية هلمي لنا وضوءاً ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من إمامكم هذا" قال زيد وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود وهذا حديث صحيح فإن العطاف بن خالد المخزومي وثقه ابن معين وقال أحمد ثقة صحيح الحديث.
وقد جاء هذا صريحاً في حديث عمران بن حصين لما صلى خلف علي بالبصرة قال: لقد ذكرني هذا صلاة رسول الله ﷺ وكانت صلاة رسول الله ﷺ معتدلة كان يخفف القيام والقعود ويطيل الركوع
стр. 1510
والسجود وقد تقدم قول أنس كانت صلاة رسول الله ﷺ متقاربة، وحديث البراء بن عازب أن قيامه ﷺ وركوعه وسجوده كان قريباً من السواء.
فهذه الأحاديث كلها تدل على معنى واحد وهو أنَّه كان يطيل الركوع والسجود ويخفف القيام وهذا بخلاف ما كان يفعله بعض الأمراء الذين أنكر الصحابة صلاتهم من إطالة القيام على ما كان النبي ﷺ يفعله غالباً وتخفيف الركوع والسجود والاعتدالين.
ولهذا أنكر ثابت عليهم تخفيف الاعتدالين، وقال كان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه وحديث ابن أبي العمياء إنما فيه أن صلاة أنس كانت خفيفة وأنس فقد وصف خفة صلاة النبي ﷺ وأنها أشبه شيء بصلاة عمر بن عبد العزيز مع تطويل الركوع والسجود والاعتدالين وأحاديثه لا تتناقض والتخفيف أمر نسبي إضافي فعشر تسبيحات وعشرون آية أخف من مائة تسبيحة ومائتي آية فأي معارضة في هذا لما تقدم من الأحاديث الصحيحة الصريحة.
وأمَّا تخفيف النبي ﷺ عند بكاء الصبي فلا يعارض ما ثبت عنه من صفة صلاته بل قد قال في الحديث نفسه إني أدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطليها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز.
فهذا تخفيف لعارض وهو من السنة كما يخفف صلاة السفر وصلاة الخوف وكل ما ثبت عنه من التخفيف فهو لعارض كما ثبت عنه أنَّه قرأ في السفر في العشاء بالتين والزيتون وكذلك قراءته في الصبح بالمعوذتين فإنِّه كان في السفر
следующие страницы →