Полный текст (8 095 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اليمني لطهوره وطعامه وكانت اليسرى لخلاءه وما كان من أذى. أخرجه أبو داود رقم ٣٣ وسنده صحيح.
وفي حديث أم عطية المتفق عليه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حين غسلن ابنته قَالَ: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها". وفي الصحيحين مِنْ حَدِيْثِ أبي هريرة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا نزع فليبدأ بالشمال لتكنى اليمن أولهن تنعل وآخرهن تنزع" فهذه عمومات صَحِيْحِهِ تشهد لحديث عبد الله بن عمرو أنَّه كان يعقد التسبيح بيمينه ولحديث يسيره، فيصح بها» اهـ.
قُلْتُ: وقد كانت هناك طريقة قديمة في عقد الحساب مشهورة عند العرب ذكرها غير واحد من أهل العلم منهم العلامة الصنعاني فقد قَالَ ﵀ فِي [سُبُلِ الْسَلَامِ] (١/ ١٨٩ - ١٩٠):
«واعلم أنَّ قوله في حديث ابن عمر: "وعقد ثلاثاً وخمسين". إشارة إلى طريقة معروفة تواطأت عليها العرب في عقود الحساب وهي أنواع من الآحاد والعشرات والمئين والألوف أمَّا الآحاد فللواحد عقد الخنصر إلى أقرب ما يليه من باطن الكف وللاثنين عقد البنصر معها كذلك وللثلاثة عقد الوسطى معها كذلك وللأربعة حل الخنصر وللخمسة حل البنصر معها دون الوسطى وللستة عقد البنصر وحل جميع الأنامل وللسبعة بسط الخنصر إلى أصل الإبهام مما يلي الكف وللثمانية بسط البنصر فوقها كذلك وللتسعة بسط الوسطى فوقها كذلك
стр. 2487
وأمَّا العشرات فلها الإبهام والسبابة فللعشرة الأولى عقد رأس الإبهام على طرف السبابة وللعشرين إدخال الإبهام بين السبابة والوسطى وللثلاثين عقد رأس السبابة على رأس الإبهام عكس العشرة وللأربعين تركيب الإبهام على العقد الْأَوْسَطِ من السبابة وعطف الإبهام على أصلها وللخمسين عطف الإبهام إلى أصلها وللستين تركيب السبابة على ظهر الإبهام عكس الأربعين وللسبعين إلقاء رأس الإبهام على العقد الْأَوْسَطِ من السبابة ورد طرف السبابة إلى الإبهام وللثمانين رد طرف السبابة إلى أصلها وبسط الإبهام على جنب السبابة من ناحية الإبهام وللتسعين عطف السبابة إلى أصل الإبهام وضمها بالإبهام وأمَّا المئين فكالآحاد إلى تسعمائة في اليد اليسرى والألوف كالعشرات في اليسرى» اهـ.
قُلْتُ: وقد حمل الحافظ ابن حجر ﵀ عقد النبي ﷺ التسبيح بيده على هذه الكيفية فقَالَ ﵀ فِي [نتائج الأفكار] (١/ ٩٠):
«ومعنى العقد المذكور في الحديث إحصاء العدد، وهو اصطلاح للعرب بوضع بعض الأنامل على بعض عقد الأنملة الأخرى، فالآحاد والعشرات باليمين، والمئون والآلاف باليسار. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الصحيح في ذلك. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
لكن إن عدَّ التسبيح وغيره بأي طريقة فيجزؤه ذلك، وضم الأصابع أقرب من غيره.
стр. 2488
وأمَّا عقد التسبيح بالسبحة فلا أصل له في السنة وقد استدل من أجازها بما رواه الترمذي (٣٥٥٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي كِنَانَةُ، مَوْلَى صَفِيَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ صَفِيَّةَ، تَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ يَدَيَّ أَرْبَعَةُ آلَافِ نَوَاةٍ أُسَبِّحُ بِهَا، قَالَ: «لَقَدْ سَبَّحْتِ بِهَذِهِ، أَلَا أُعَلِّمُكِ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَبَّحْتِ؟» فَقُلْتُ: بَلَى عَلِّمْنِي. فَقَالَ: «قُولِي: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ».
قُلْتُ: هاشم بن سعيد الكوفي هذا ضعيف الحديث، وكنانة ضعفه الأزدي بغير حجة ولم يوثقه معتبر وقَالَ عنه الحافظ ابن حجر ﵀: "مقبول"
ورواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ]، و [الْدُعَاء] (١٧٤٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا أَبِي قَالَ: وَحَدَّثَ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّهِ، ثنا مُسْتَلِمُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ يَزِيدَ يَعْنِي ابْنَ مُعَتِّبٍ، مَوْلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَيْهَا وَبَيْنَ يَدَيْهَا كَوْمٌ مِنْ نَوًى فَسَأَلَهَا: «مَا هَذَا؟» فَقَالَتْ: أُسَبِّحُ بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ سَبَّحْتُ مُنْذُ قُمْتُ عَلَيْكِ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، سَبَّحْتُ فَقُلْتُ». كَيْفَ قُلْتَ: قَالَ: «قُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ».
قُلْتُ: يزيد بن معتب لم أقف له على ترجمة.
والحديثان يقوي بعضهما بعضاً.
стр. 2489
واحتجوا أيضاً بما رواه أبو داود (١٥٠٢)، والترمذي (٣٥٦٨) مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ خُزَيْمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهَا، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوَاةٌ، أَوْ قَالَ: حَصَاةٌ تُسَبِّحُ بِهَا، فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا أَوْ أَفْضَلُ؟ سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ».
قُلْتُ: وخزيمة هذا مجهول.
ورواه البزار في [مُسْنَدِهِ] (١٢٠١)، وأبو يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٧١٠)، والْحَاكِمُ في [مُسْتَدْرَكِهِ] (٢٠٠٩)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٨٣٧) وأسقطوا في حديثهم ذكر خزيمة.
قُلْتُ: الحديث اختلف فيه على عبد الله بن وهب فرواه جماعة عنه بذكر خزيمة وهم:
١ - أحمد بن صالح المصري وهو "ثقة حافظ" وحديثه عند أبي داود (١٥٠٢)
٢ - أصبغ بن الفرج وهو "ثقة فقيه" وحديثه عند الترمذي (٣٥٦٨).
واختلف عليه فرواه عنه أحمد بن الحسن الترمذي وهو "ثقة حافظ" بإثبات خزيمة كَمَا فِي هذه الرواية.
стр. 2490
وتابعه يحيى بن عثمان بن صالح وهو "صدوق" وحديثه عند الطبراني في [الْدُعَاء] (١٧٣٨).
وخالفهم عمر بن الخطاب السجستاني ولم يذكر خزيمة وحديثه عند البزار (١٢٠١) وعمر هذا لم يوثقه معتبر. فروايته هذه منكرة والمعروف ما رواه أحمد بن الحسن الترمذي، ويحيى بن عثمان بن صالح.
٣ - أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح القرشي الأموي، أبو الطاهر المصري وهو "ثقة" وحديثه عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٩٩٢٢).
٤ - أحمد بن عيسى المصري وهو "صدوق" وحديثه عند البيهقي في [الْدَّعَوَاتِ] (٢٧٢).
وخالفهم:
١ - هارون بن معروف المروزي وهو "ثقة" وحديثه عند أبي يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٧١٠).
٢ - حرملة بن يحيى وهو "صدوق" وحديثه عند الْحَاكِمِ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٢٠٠٩)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٨٣٧).
قُلْتُ: فالمحفوظ ما رواه الجماعة بإثبات خزيمة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
واحتجوا أيضاً بما رواه الجرجاني في [تَارِيْخِ جُرْجَان] ص (١٠٨) برقم (٩٤)
أَخْبَرَنِي أَبُو سعيد أَحْمَد بْن عراق بْنِ أُحَيْدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ شُعْبَةُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ النَّوْفَلِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ
стр. 2491
بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ الْقُدَامِيُّ حَدَّثَنَا بن الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ بِالْحَصَى».
قُلْتُ: هذا الحديث شديد الضعف وآفته عبد الله بن محمد بن ربيعة القدامي وقد حكم الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُ ﵀ على الحديث بالوضع في [الْضَعِيْفَة] (١٠٠٢) حيث قَالَ ﵀:
«قُلْتُ: وهذا موضوع، آفته القدامي، نسبة إلى قُدَامَةَ بن مظعون، وهو متهم، قَالَ الذهبي في "الميزان": أحد الضعفاء، أتى عن مالك بمصائب. ثم ذكر بعض مصائبه! وفي "اللسان": ضعفه ابن عدي والدارقطني. وقَالَ ابن حبان: يقلب الأخبار، لعله قلب على مالك أكثر من مائة وخمسين حديثاً، وروى عن إبراهيم بن سعد نسخة أكثرها مقلوب، وقَالَ الْحَاكِمُ والنقاش: روى عن مالك أحاديث موضوعة، وقَالَ أبو نعيم: روى المناكير.
قُلْتُ: وصالح بن علي النوفلي لم أجد من ترجمه» اهـ.
واحتجوا أيضاً بالحديث الموضوع: «نِعْمَ الْمُذَكِّرُ السُّبْحَةُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُ ﵀ فِي [الْضَعِيْفَة] (١/ ١٨٤ - ١٨٥/ ٨٣):
«موضوع. أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس" (٤/ ٩٨ - مختصره) قَالَ: أنا عبدوس بن عبد الله أنا أبو عبد الله الحسين بن فنجويه الثقفي، حدثنا علي بن محمد بن نصرويه، حدثنا محمد بن هارون بن عيسى بن منصور الهاشمي حدثني
стр. 2492
محمد بن علي بن حمزة العلوي حدثني عبد الصمد بن موسى حدثتني زينب بنت سليمان بن علي حدثتني أم الحسن بنت جعفر بن الحسن عن أبيها عن جدها عن علي مرفوعاً، ذكره السيوطي في رسالته: "المنحة في السبحة" (٢/ ١٤١ - من الحاوي) ونقله عنه الشوكاني في "نيل الأوطار" (٢/ ١٦٦ - ١٦٧) وسكتا عليه!
قُلْتُ: وهذا إسناد ظلمات بعضها فوق بعض، جل رواته مجهولون، بل بعضهم متهم، أم الحسن بنت جعفر بن الحسن، لم أجد من ترجمها، وزينب بنت سليمان بن علي ترجمها الخطيب "في تاريخه" (١٤/ ٣٣٤) وقَالَ: كانت من فضائل النساء.
وعبد الصمد بن موسى، هو الهاشمي ترجمه الخطيب (١٤/ ٤١) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، ولكن نقل الذهبي في "الميزان" عن الخطيب أنه قَالَ فيه: قد ضعفوه فلعل ذلك في بعض كتبه الأخرى، ثم استدركت فقُلْتُ: بل ذلك في حديث آخر سيأتي برقم (٢٨٩٨).
ثم قَالَ الذهبي: يروي مناكير عن جده محمد بن إبراهيم الإمام.
قُلْتُ: فلعله هو آفة هذا الحديث، ومحمد بن علي بن حمزة العلوي ترجمه الخطيب أيضاً (٣/ ٦٣) وقَالَ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سمعت منه وهو صدوق، مات سنة ٢٨٦ ومحمد بن هارون هو محمد بن هارون بن العباس بن أبي جعفر المنصور، كذلك أورده الخطيب (٣/ ٣٥٦) وقَالَ: كان من أهل الستر والفضل والخطابة، وولي إمامة مسجد المدينة ببغداد خمسين سنة، وكانت وفاته سنة ٣٠٨.
стр. 2493
وأبو عبد الله بن الحسين بن فنجويه الثقفي ثقة مترجم في "سِيَرِ أَعْلَامِ الْنُبَلَاءِ" (١٧/ ٣٨٣) و"شذرات الذهب" (٣/ ٢٠٠).
ومثله عبدوس بن عبد الله له ترجمة في "سِيَرِ أَعْلَامِ الْنُبَلَاءِ" (١٩/ ٩٧) و"لسان الميزان" (٤/ ٩٥).
ومما سبق يتبين لك أن الإسناد ضعيف لا تقوم به حجة» اهـ.
قُلْتُ: واحتجوا أيضاً بآثار رويت عن بعض الصحابة منها:
١ - ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٧٧٤٤) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى الْقَارِئِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ زَاذَانَ، قَالَ: أَخَذْتُ مِنْ أُمِّ يَعْفُورَ تَسَابِيحَ لَهَا، فَلَمَّا أَتَيْتُ عَلِيًّا عَلَّمَنِي، فَقَالَ: «يَا أَبَا عُمَرَ ارْدُدْ عَلَى أُمِّ يَعْفُورَ تَسَابِيحَهَا».
قُلْتُ: وفي الإسناد من لم أعرفه.
٢ - ما رواه أبو داود (٢١٧٦) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ، ح وحَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، ح وحَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ طُفَاوَةَ قَالَ: «تَثَوَّيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ بِالْمَدِينَةِ فَلَمْ أَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَشَدَّ تَشْمِيرًا، وَلَا أَقْوَمَ عَلَى ضَيْفٍ مِنْهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ يَوْمًا، وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ لَهُ، وَمَعَهُ كِيسٌ فِيهِ حَصًى أَوْ نَوًى،
стр. 2494
وَأَسْفَلَ مِنْهُ جَارِيَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ وَهُوَ يُسَبِّحُ بِهَا، حَتَّى إِذَا أَنْفَدَ مَا فِي الْكِيسِ أَلْقَاهُ إِلَيْهَا، فَجَمَعَتْهُ فَأَعَادَتْهُ فِي الْكِيسِ، فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ … ». وذكر حديثاً طويلاً.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لإبهام الشيخ من طفارة.
٣ - ما رواه أحمد في [العلل ومعرفة الرجال] (١٧٩٦)، وابن سعد في [الطبقات] (٧/ ٦٠/ ٨٥٨٢) من طريق عَفَّانَ بْنِ مُسْلِم، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ أُمِّهِ، قَالَتْ: رَأَيْتُ أَبَا صَفِيَّةَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَتْ: «كَانَ جَارَنَا هَاهُنَا، فَكَانَ إِذَا أَصْبَحَ يُسَبِّحُ بِالْحَصَى وَالنَّوَى، وَلَا أَرَاهُ إِلَّا بِالْحَصَى».
قُلْتُ: وفيه إبهام أم يونس بن عبيد.
وروى البيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٧١١)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤/ ٢٩٢ - ٢٩٣)، مِنْ طَرِيقِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، حدثنا أَبُو كَعْبٍ، عَنْ جَدِّهِ بَقِيَّةَ عَنْ أَبِي صَفِيَّةَ، مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّهُ كَانَ يُوضَعُ لَهُ نِطَعٌ وَيُؤْتَى بِزِنْبِيلٍ فِيهِ حَصًا فَيُسَبِّحُ بِهِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَإِذَا صَلَّى الْأُولَى أُتِيَ بِهِ فَيُسَبِّحُ بِهِ حَتَّى يُمْسِيَ».
قُلْتُ: أبو كعب لم أعرفه.
قُلْتُ: والأثران يقوي بعضهما بعضاً.
قَالَ الحافظ الدارقطني ﵀ فِي [الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ] (١/ ٢٠٥):
стр. 2495
«بقية، عن أبي صفية رجل من المهاجرين قَالَه معتمر قَالَ: حدثنا أبو كعب، عن جده بقية، ذكر الْبُخَارِيّ هذا في باب النون فقَالَ: عن جده نبيه. ووهم ﵀. حدثناه جماعة، عن أبي الأشعث، عن معتمر في التسبيح بالنوى» اهـ.
٤ - ما رواه أحمد في [الْزُهْدِ] (٧٥٣) حَدَّثَنَا مِسْكِينُ بْنُ بُكَيْرٍ، أَنْبَأَنَا ثَابِتُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: «كَانَ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ نَوَى مِنْ نَوَى الْعَجْوَةِ حُسِبَتْ عَشْرًا أَوْ نَحْوَهَا فِي كِيسٍ وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ أَقْعَى عَلَى فِرَاشِهِ، فَأَخَذَ الْكِيسَ فَأَخْرَجَهُنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً يُسَبِّحُ بِهِنَّ فَإِذَا نَفَدْنَ أَعَادَهُنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، كُلُّ ذَلِكَ يُسَبِّحُ بِهِنَّ قَالَ: حَتَّى تَأْتِيَهُ أُمُّ الدَّرْدَاءِ فَتَقُولَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنَّ غَدَاءَكَ قَدْ حَضَرَ فَرُبَّمَا قَالَ: ارْفَعُوهُ فَإِنِّي صَائِمٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين القاسم بن عبد الرحمن وأبي الدرداء.
٥ - ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٧٧٤٠، ٧٧٤١) مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ مَوْلَاةٍ لِسَعْدٍ، «أَنَّ سَعْدًا كَانَ يُسَبِّحُ بِالْحَصَى وَالنَّوَى».
قُلْتُ: وفي إسناده إبهام مولاة سعد.
٦ - ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٧٧٤٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ الْأَخْنَسِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَوْلًى لِأَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ ثَلَاثَ حَصَيَاتٍ فَيَضَعُهُنَّ عَلَى فَخِذِهِ فَيُسَبِّحُ وَيَضَعُ
стр. 2496
وَاحِدَةً، ثُمَّ يُسَبِّحُ وَيَضَعُ أُخْرَى، ثُمَّ يُسَبِّحُ وَيَضَعُ أُخْرَى، ثُمَّ يُرْفَعْنَ وَيَضَعُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ: «لَا تُسَبِّحُوا بِالتَّسْبِيحِ صَفِيرًا».
قُلْتُ: وفي إسناده إبهام مولى أبي سعيد.
٧ - ما رواه أبو نعيم في [الْحِلْيَةِ] (١/ ٣٨٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، ثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي نُعَيْمُ بْنُ الْمُحَرَّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّهُ كَانَ لَهُ خَيْطٌ فِيهِ أَلْفَا عُقْدَةٍ، فَلَا يَنَامُ حَتَّى يُسَبِّحَ بِهِ».
قُلْتُ: عبد الواحد بن موسى قَالَ فيه الحافظ ابن حجر ﵀ "مقبول" ونعيم بن المحرر لم أعرفه وفي ترجمة المحرر أنَّ له ولداً اسمه مُسْلِم أمَّا نعيم هذا فلم أقف له على ذكر.
قُلْتُ: والذي يظهر لي في السبحة هو عدم مشروعيتها لعدة أوجه:
الوجه الأول: أنَّها شعار ديني، لدى أهل الملل من البوذيين، والبراهمة، والنصارى، وغيرهم من الأعاجم. وقد اتخذوها لمقاصد متنوعة فمنهم من اتخذها لعد الصلوات، ومنهم من اتخذها تميمة وتعويذة وغير ذلك.
وقد روى أحمد (٥١١٤، ٥١١٥، ٥٦٦٧) أبو داود (٤٠٣١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
стр. 2497
الوجه الثاني: أنَّها تسربت بعد ذلك في أوساط المُسْلِمين وصارت من شعارات الروافض والصوفية.
الوجه الثالث: أنَّه تجاوز الحال ببعض الناس إلى اتخاذها تمائم تعلق على السيارات، أو على الأعناق وغير ذلك. وقطع مادة الشرك من المقاصد العظيمة في الشريعة.
الوجه الرابع: أنَّها تورث صاحبها الرياء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ١٨٧ - ١٨٨): «والتسبيح بالمسابح من الناس من كرهه ومنهم من رخص فيه لكن لم يقل أحد: أنَّ التسبيح به أفضل من التسبيح بالأصابع وغيرها وإذا كان هذا مستحباً يظهر فقصد إظهار ذلك والتميز به على الناس مذموم؛ فإنَّه إن لم يكن رياء فهو تشبه بأهل الرياء إذ كثير ممن يصنع هذا يظهر منه الرياء ولو كان رياء بأمر مشروع لكانت إحدى المصيبتين؛ لكنه رياء ليس مشروعاً» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُ ﵀ فِي [الْضَعِيْفَة] (١/ ١٩٢ - ١٩٣/ ٨٣):
«ولو لم يكن في السبحة إلا سيئة واحدة وهي أنها قضت على سنة العد بالأصابع أو كادت، مع اتفاقهم على أنَّها أفضل، لكفى! فإني قلما أرى شيخاً يعقد التسبيح بالأنامل! ثم إنَّ الناس قد تفننوا في الابتداع بهذه البدعة، فترى بعض المنتمين لإحدى الطرق يطوق عنقه بالسبحة! وبعضهم يعد بها وهو يحدثك أو يستمع لحديثك!
стр. 2498
وآخر ما وقعت عيني عليه من ذلك منذ أيام أنني رأيت رجلاً على دراجة عادية يسير بها في بعض الطرق المزدحمة بالناس وفي إحدى يديه سبحة!! يتظاهرون للناس بأنَّهم لا يغفلون عن ذكر الله طرفة عين! وكثيراً ما تكون هذه البدعة سبباً لإضاعة ما هو واجب، فقد اتفق لي مراراً - وكذا لغيري - أنني سلمت على أحدهم فرد علي السلام بالتلويح بها! دون أن يتلفظ بالسلام! ومفاسد هذه البدعة لا تحصى، فما أحسن ما قَالَ الشاعر:
وكل خير في اتباع من سلف * * * وكل شر في ابتداع من خلف» اهـ.
الوجه الخامس: أنَّ كثيراً من الناس يعتقد فيها الفضيلة، ومنهم من يتخذها ديناً وقربة وهذا من البدع المحدثة.
قُلْتُ: وهناك من أهل العلم من أجازها بشروط. وهي عدم اعتقاد الفضيلة فيها، ولا التعبد بها، وعدم قصد الرياء ولا مشابهة المرائين.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧): «وعد التسبيح بالأصابع سنة كما قَالَ النبي ﷺ للنساء: "سبحن واعقدن بالأصابع فإنهن مسئولات مستنطقات". وأمَّا عده بالنوى والحصى ونحو ذلك فحسن وكان من الصحابة ﵃ من يفعل ذلك وقد رأى النبي ﷺ أم المؤمنين تسبح بالحصى وأقرها على ذلك وروي أن أبا هريرة كان يسبح به.
стр. 2499
وأمَّا التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز ونحوه فمن الناس من كرهه ومنهم من لم يكرهه وإذا أحسنت فيه النية فهو حسن غير مكروه وأمَّا اتخاذه من غير حاجة أو إظهاره للناس مثل تعليقه في العنق أو جعله كالسوار في اليد أو نحو ذلك فهذا إمَّا رياء للناس أو مظنة المراءاة ومشابهة المرائين من غير حاجة: الأول محرم والثاني أقل أحواله الكراهة فإنَّ مراءاة الناس في العبادات المختصة كالصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن من أعظم الذنوب قَالَ تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾، وقَالَ تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فأمَّا المرائي بالفرائض فكل أحد يعلم قبح حاله وأن الله يعاقبه لكونه لم يعبده مخلصاً له الدين والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، وقَالَ تعالى: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ فهذا في القرآن كثير.
وأمَّا المرائي بنوافل الصلاة والصوم والذكر وقراءة القرآن: فلا يظن الظان أنَّه يكتفى فيه بحبوط عمله فقط بحيث يكون لا له ولا عليه بل هو مستحق للذم والعقاب على قصده شهرة عبادة غير الله إذ هي عبادات مختصة ولا تصح إلَّا من
стр. 2500
مُسْلِم ولا يجوز إيقاعها على غير وجه التقرب بخلاف ما فيه نفع العبد كالتعليم والإمامة فهذا في الاستئجار عليه نزاع بين العلماء وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وجاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَائِمَةِ] (٢٤/ ٢٩١)
السؤال الأول من الفتوى رقم (١٥٩٢٣)
«س ١: هل استخدام المسبحة في غير التسبيح في الصلاة حرام أم لا؟ كما سمعت بأنَّها بدعة، أفيدونا؟
ج ١: استخدام المسبحة في عدد التسبيح أو الذكر مباح؛ لكن استعمال الأصابع أفضل منها، أمَّا إذا اعتقد أنَّ في استعمال المسبحة فضيلة فهذا بدعة لا أصل له، وهو من عمل الصوفية، وأمَّا استعمال المسبحة في غير التسبيح بل بغرض التسلية فلا بأس به.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … الرئيس
بكر بن عبد الله أبو زيد … عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ … صالح بن فوزان الفوزان … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
وجاء في [مَجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ ابْنِ عُثَيْمِيْنَ] (١٣/ ١٧٣ - ١٧٤):
«سئل فضيلة الشيخ - أعلى الله مكانه ومكانته عنده -: ما حكم استعمال السبحة؟
стр. 2501
فأجاب فضيلته بقوله: السبحة ليست بدعة دينية، وذلك لأنَّ الإنسان لا يقصد التعبد لله بها، وإنَّما يقصد ضبط عدد التسبيح الذي يقوله، أو التهليل، أو التحميد، أو التكبير، فهي وسيلة وليس مقصودة، ولكن الأفضل منها أن يعقد الإنسان التسبيح بأنامله - أي بأصابعه - لأنهنَّ "مستنطقات" كما أرشد ذلك النبي ﷺ ، ولأنَّ عد التسبيح ونحوه بالمسبحة يؤدي إلى غفلة الإنسان، فإننا نشاهد كثيراً من أولئك الذين يستعملون المسبحة نجدهم يسبحون وأعينهم تدور هنا وهناك لأنَّهم قد جعلوا عدد الحبات على قدر ما يريدون تسبيحه، أو تهليله أو تحميده، أو تكبيره، فتجد الإنسان منهم يعد هذه الحبات بيده وهو غافل القلب، يتلفت يميناً وشمالاً، بخلاف ما إذا كان يعدها بالأصابع فإن ذلك أحضر لقلبه غالباً، الشيء الثالث أن استعمال المسبحة قد يدخله الرياء، فإننا نجد كثيراً من الناس الذين يحبون كثرة التسبيح يعلقون في أعناقهم مسابح طويلة كثيرة الخرزات، وكأنَّ لسان حالهم يقول: انظروا إلينا فإننا نسبح الله بقدر هذه الخرزات.
وأنا أستغفر الله أن أتهمهم بهذا، لكنَّه يخشى منه، فهذه ثلاثة أمور كلها تقتضي بأن يتجنب الإنسان التسبيح بالمسبحة، وأن يسبح الله بأنامله.
ثم إنَّ الأولى أن يكون عقد التسبيح بالأنامل في اليد اليمنى؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يعقد التسبيح بيمينه واليمنى خير من اليسرى بلا شك، ولهذا
стр. 2502
كان الأيمن مفضلاً على الأيسر، ونهى النبي ﷺ أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله وأمر أن يأكل الإنسان بيمينه، فقَالَ النبي ﷺ : "يا غلام سم الله، وكل بيمينك وكل مما يليك". وقَالَ ﵊: "لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشربن بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله". فاليد اليمنى أولى بالتسبيح من اليد اليسرى اتباعاً للسنة، وأخذاً باليمين فقد: "كَانَّ النَّبِيُّ ﵊ يعجبه التيامن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله". وعلى هذا فإن التسبيح بالمسبحة لا يعد بدعة في الدين؛ لأنَّ المراد بالبدعة المنهي عنها هي البدع في الدين، والتسبيح بالمسبحة إنَّما هو وسيلة لضبط العدد، وهي وسيلة مرجوحة مفضولة، والأفضل منها أن يكون عد التسبيح بالأصابع» اهـ.
وجاء في [مَجْمُوعِ فَتَاوَى الْشَّيْخِ صَالِحِ الُفَوْزَان] (٢/ ٦٨٢):
«سؤال: ما حكم المسبحة بقصد تذكير حاملها بذكر الله؟.
الجواب: المسبحة إذا اتخذها الإنسان يعتقد أنَّ في استعمالها فضيلة، وأنَّها من وسائل ذكر الله فهذا بدعة. أمَّا إذا استعملها الإنسان من باب المباحات أو ليعد بها الأشياء التي يحتاج إلى عدها، فهذا من الأمور المباحة.
أمَّا اتخاذها دينًا وقربة فهذا يعتبر من البدع المحدثة، وعلى الإنسان إذا أراد التسبيح أن يسبح الله ويعد التسبيح بعقد أصابعه هذا الذي ينبغي.
стр. 2503
أمَّا اتخاذ المسبحة على أنَّ فيها فضيلة كما يعتقد بعض الصوفية وأتباعهم، ولذلك تجد كثيرًا منهم يحملون هذه المسابح الضخمة ويعلقونها في رقابهم، فهذا بدعة لا أصل له ويدخل في الرياء أيضًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
* * *
١٢٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلامٌ. فَنَظَرَ إلَى أَعْلامِهَا نَظْرَةً. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إلَى أَبِي جَهْمٍ، وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ. فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاتِي».
стр. 2504
قوله: «بِخَمِيصَتِي». الخميصة كساء رفيع يلبسه أشراف العرب، وقد يكون له علم، وقد لا يكون، وقد يكون أبيض وأحمر وأسود وأصفر. سميت بذلك للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طويت مأخوذ من الخَمْصِ وهو ضمور البطن.
وَقَوْلُهُ: «بِأَنْبِجَانِيَّةِ». الأنبجانية كساء كثيف وهو منسوب إلى مَنْبَجَ بلدة من بلاد الشام. وهو من الأنساب الذي لا يجري على قياس.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣):
«وفي الحديث: دليل على أنَّ نظر المصلي إلى ما يلهيه عن صلاته لا يفسد صلاته، ولا يلزمه إعادتها إذا كان ذلك قليلاً، ولهذا قَالَتْ عائشة: فنظر إلى أعلامها نظرة.
وأمَّا إذا كثر شغل قلبه عن صلاته، وحدث نفسه بغيرها، فمن الفقهاء من أصحابنا وغيرهم من أوجب عليه الإعادة بذلك.
ثم منهم من علل ذلك: بأنَّ عمل النفس إذا كثر في الصلاة أبطلها، كعمل البدن. وحكي ذلك عن ابن حامد.
ومنهم من علل: بوجوب الخشوع في الصلاة، فإذا فقد في أكثر الصلاة أبطلها.
وجمهور العلماء: على أنَّه لا تبطل بذلك الصلاة، وحكاه بعضهم إجماعاً، وسيأتي ذكر ذلك في موضع آخر - إن شاء الله تعالى» اهـ.
٢ - وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢٠٣):
стр. 2505
«وفي الحديث: دليل على استحباب التباعد عن الأسباب الملهية عن الصلاة، ولهذا أخرج النبي ﷺ تلك الخميصة عنه بالكلية. فينبغي لمن ألهاه شيء من الدنيا عن صلاته أن يخرجه عن ملكه» اهـ.
وقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ١٧١):
«جرت عادة الأنبياء والصالحين بإخراج ما شغلهم عن بعض العبادات عن ملكهم رأساً وكذلك ما أعجبهم من ملكهم كما قَالَ الله تعالى في حق سليمان ﷺ : ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾.
وأخرج النبي ﷺ الخميصة عن ملكه ورمى بالخاتم أيضاً لما شغله كما رواه النسائي مِنْ حَدِيْثِ ابن عباس "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اتخذ خاتماً ولبسه قَالَ: "شغلني هذا عنكم منذ اليوم إليه نظرة وإليكم نظرة ثم ألقاه"» اهـ.
قُلْتُ: حديث نزع الخاتم رواه أحمد (٢٩٦٣)، والنسائي (٥٢٨٩) مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا فَلَبِسَهُ قَالَ: «شَغَلَنِي هَذَا عَنْكُمْ مُنْذُ الْيَوْمَ، إِلَيْهِ نَظْرَةٌ، وَإِلَيْكُمْ نَظْرَةٌ ثُمَّ أَلْقَاهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
стр. 2506
٣ - ويستدل به على أنَّ الواهب والمُهدي إذا ردت عليه هديته من غير أن يكون هو الراجع فيها، فله أن يقبلها.
٥ - وفيه أنَّ من رد الهدية لسبب من الأسباب الشرعية أن يطلب من المهدي غيرها مما هو مثلها أو دونها حتى لا يستوحش المهدي برد هديته.
٦ - واحتج به بعضهم على كراهية الصلاة في الثوب المزيَّن.
قُلْتُ: وفي هذا نظر فقد روى الْبُخَارِيّ (٥٨١٢)، ومُسْلِم (٢٠٧٩)، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَيُّ الثِّيَابِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهَا؟ قَالَ: «الحِبَرَةُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٧/ ١٦٠):
«هي بكسر الحاء وفتح الباء، وهي ثياب من كتان أو قطن محبرة أي مزينة، والتحبير التزيين والتحسين. ويقَالَ: ثوب حبرة على الوصف وثوب حبرة على الإضافة، وهو أكثر استعمالاً. والحبرة مفرد، والجمع حبر، وحبرات، كعنبة وعنب، وعنبات، ويقَالَ: ثوب حبير على الوصف. فيه دليل لاستحباب لباس الحبرة، وجواز لباس المخطط. وهو مجمع عليه. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: ولم يثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه نزعها عند إرادته للصلاة.
وروى الْبُخَارِيّ (٣٥٥١)، ومُسْلِم (٢٣٣٧)، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعًا، بَعِيدَ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، لَهُ شَعَرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنِهِ، رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، لَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ».
стр. 2507
وقد قَالَ الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف/ ٣١]
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٩١) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: رَآنِي ابْنُ عُمَرَ أُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقَالَ: «أَلَمْ أَكْسِكَ ثَوْبَيْنِ؟». فَقُلْتُ: بَلَى. قَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَرْسَلْتُكَ إِلَى فُلَانٍ أَكُنْتَ ذَاهِبًا فِي هَذَا الثَّوْبِ؟» فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ: «اللَّهُ أَحَقُّ مَنْ تَزَيَّنُ لَهُ - أَوْ مَنْ تَزَيَّنْتَ لَهُ -».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
فكل هذا يدل على جواز لبس ما فيه زينة في الصلاة وغاية ما يدل عليه حديث الخميصة اجتناب الثوب الذي يشغل المصلي في صلاته لا اجتناب ثوب الزينة مطلقاً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٧ - ويستفاد من الحديث كراهة الصلاة على المفارش والسجاجيد المنقوشة، وكراهة نقش المساجد، وكراهية ما يشغل عن الصلاة من النقوش ونحوها، مما يشغل قلب المصلي.
٨ - واحتج به على أنَّ السنة عدم تغميض العينين في الصلاة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٢٨٣ - ٣٨٥):
«ولم يكن من هديه ﷺ تغميض عينيه في الصلاة وقد تقدم أنَّه كان في التشهد يومئ ببصره إلى أصبعه في الْدُعَاء ولا يجاوز بصره إشارته وذكر الْبُخَارِيّ في "صَحِيْحِهِ" عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كان قرام لعائشة سترت به
стр. 2508
جانب بيتها فقَالَ النبي ﷺ : "أميطي عني قرامك هذا فإنَّه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي" ولو كان يغمض عينيه في صلاته لما عرضت له في صلاته. وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر لأنَّ الذي كان يعرض له في صلاته هل تذكر تلك التصاوير بعد رؤيتها أو نفس رؤيتها؟ هذا محتمل وهذا محتمل وأبين دلالة منه حديث عائشة ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى في خميصة لها أعلام فنظر إلى أعلامها نظرة فلما انصرف قَالَ: "اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بإنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي" وفي الاستدلال بهذا أيضاً ما فيه إذ غايته أنَّه حانت منه التفاتة إليها فشغلته تلك الالتفاتة. ولا يدل حديث التفاته إلى الشعب لما أرسل إليه الفارس طليعة لأن ذلك النظر والالتفات منه كان للحاجة لاهتمامه بأمور الجيش وقد يدل على ذلك مد يده في صلاة الكسوف ليتناول العنقود لما رأى الجنة وكذلك رؤيته النار وصاحبة الهرة فيها وصاحب المحجن وكذلك حديث مدافعته للبهيمة التي أرادت أن تمر بين يديه ورده الغلام والجارية وحجزه بين الجاريتين وكذلك أحاديث رد السلام بالإشارة على من سلم عليه وهو في الصلاة فإنَّه إنَّما كان يشير إلى من يراه وكذلك حديث تعرض الشيطان له فأخذه فخنقه وكان ذلك رؤية عين فهذه الأحاديث وغيرها يستفاد من مجموعها العلم بأنَّه لم يكن يغمض عينيه في الصلاة. وقد اختلف الفقهاء في كراهته فكرهه الإمام أحمد وغيره وقَالَوا: هو من فعل اليهود.
стр. 2509
وأباحه جماعة ولم يكرهوه وقَالَوا: قد يكون أقرب إلى تحصيل الخشوع الذي هو روح الصلاة وسرها ومقصودها. والصواب أن يقَالَ إن كان تفتيح العين لا يخل بالخشوع فهو أفضل وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوش عليه قلبه فهنالك لا يكره التغميض قطعاً والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (٣/ ٣١٤):
«أمَّا تغميض العين في الصلاة فقَالَ العبدري من أصحابنا في باب اختلاف نية الإمام والمأموم يكره أن يغمض المصلى عينيه في الصلاة قَالَ، قَالَ الطحاوي وهو مكروه عند أصحابنا أيضاً وهو قول الثوري وقَالَ مالك: لا بأس به في الفريضة والنافلة.
دليلنا أنَّ الثوري قَالَ: إنَّ اليهود تفعله. قَالَ الطحاوي: ولأنَّه يكره تغميض العين فكذا تغميض العينين هذا ما ذكره العبدري ولم أر هذا الذي ذكره من الكراهة لأحد من أصحابنا والمختار أنَّه لا يكره إذا لم يخف ضرراً لأنَّه يجمع الخشوع وحضور القلب ويمنع من إرسال النظر وتفريق الذهن.
قَالَ البيهقي: وقد روينا عن مجاهد وقتادة أنَّهما كرها تغميض العينين في الصلاة وفيه حديث قَالَ: وليس بشئ» اهـ.
стр. 2510
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٤٤٣):
«وأمَّا تغميض البصر فِي الصلاة، فاختلفوا فِيهِ:
فكرهه الأكثرون، منهم: أبو حنيفة والثوري والليث وأحمد.
قَالَ مُجَاهِد: هُوَ من فعل اليهود.
وفي النهي عَنْهُ حَدِيْث مرفوع، خرجه ابن عدي، وإسناده ضَعِيف.
ورخص فِيهِ مَالِك» اهـ.
قُلْتُ: ما جاء عن مجاهد لم يصح فقد رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٣٣٢٩) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «يُكْرَهُ أَنْ يُغْمِضَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا يُغْمِضُ الْيَهُودُ».
قُلْتُ: وهذا الأثر لا يثبت فيه ليث وهو ابن أبي سليم مختلط.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٥٦٥) حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، «أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ، وَهُوَ مُغْمِضُ الْعَيْنِ».
قُلْتُ: وهو مِنْ طَرِيقِ ليث أيضاً وفيه عنعنة هشيم وهو من المدلسين.
وروى الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ] (٢٢١٨)، و [الْصَّغِيْرِ] (٢٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ بْنِ طُعْمَةَ الْحَلَبِيُّ قَالَ: نا أَبُو خَيْثَمَةَ مُصْعَبُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: نا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُغْمِضْ عَيْنَيْهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه ليث وهو ابن أبي سليم مختلط.
стр. 2511
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٥٦٦) حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَمِيلُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: أُغْمِضُ عَيْنِي إِذَا سَجَدْتُ؟ فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ».
قُلْتُ: سَنَدُهُ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٥٦٧) قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ جَمِيلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، وَسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ، يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ».
قُلْتُ: سَنَدُهُ صَحِيْحٌ أَيْضَاً.
٩ - وفي الحديث بيان أهمية الخشوع وقد سبق الكلام فيه فيما مضى.
١٠ - وفي الحديث جواز لبس الثياب النفيسة وأنَّه لا يعد ذلك من الكبر فإنَّ الخميصة من نفائس ألبسة أشراف العرب.
وقد روى مُسْلِم (٩١) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ». قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ».
١١ - وفي هذا الحديث من الفقه قبول الهدايا وكان رَسُولُ اللَّهِ يقبل الهدية ويأكلها ولا يأكل الصدقة.
стр. 2512
١٢ - وقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ١٧٣): «قَالَ الباجي: أيضاً فيه أنَّ للإنسان أن يشتري ما أهداه بخلاف الصدقة» اهـ.
تنبيه/ ذكر المؤلف للحديث في هذا الموضع غير مناسب فإنَّه لا علاقة له بالأذكار بعد الصلاة.
* * *
باب الجمع بين الصلاتين في السفر
١٢٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ فِي السَّفَرِ بَيْنَ صَلاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، إذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ».
قُلْتُ: لفظ الحديث في الْبُخَارِيّ (١١٠٧) معلقاً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ وَيَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ».
стр. 2513
وقد وصله البيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٥٣٢) وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ النَّيْسَابُورِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي السَّفَرِ إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرِهِ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ».
قُلْتُ: ولم يرو مُسْلِم حديث ابن عباس هذا، وإنَّما روى في ذلك حديث ابن عمر (٧٠٣) بنحوه وقد شاركه بإخراجه الْبُخَارِيّ، وله عده ألفاظ متقاربة المعنى، ولفظ الْبُخَارِيّ (١١٠٦) عنه قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ». فكان الأولى بالمؤلف أن يذكر هذا الحديث فإنَّه أنسب لشرطه في هذا الكتاب.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - مشروعية الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في السفر. وعلى هذا جماهير العلماء ومنع من ذلك الإمام أبو حنيفة ﵀ وحمل الأحاديث الواردة في الجمع على الجمع الصوري - وهو تأخير الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الأخرى في أول وقتها - وهو محجوج بالسنة الواردة في جمع التقديم فإنَّه لا يمكن حملها على الجمع الصوري ثم الجمع شرع لرفع الحرج والجمع الصوري فيه غاية الحرج فإنَّ انتظار الوقت حتى لا يبقى منه إلَّا مقدار فعل الصلاة بحيث يخرج
стр. 2514
وقت الأولى إثر السلام ثم الشروع في الصلاة الأخرى في أول وقتها في غاية من التعسر وفعل الصلاة حينئذ في وقتها أيسر من هذا الجمع المدعى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وأجاز أبو حنيفة وغيره الجمع بين الظهر والعصر في عرفة وبين المغرب والعشاء في المزدلفة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٥٤ - ٥٥):
«ومراعاة هذا من أصعب الأشياء وأشقها؛ فإنَّه يريد أن يبتدئ فيها إذا بقي من الوقت مقدار أربع ركعات أو ثلاث في المغرب ويريد مع ذلك ألَّا يطيلها وإن كان بنية الإطالة تشرع في الوقت الذي يحتمل ذلك وإذا دخل في الصلاة ثم بدا له أن يطيلها أو أن ينتظر أحداً ليحصل الركوع والجماعة لم يشرع ذلك ويجتهد في أن يسلم قبل خروج الوقت ومعلوم أنَّ مراعاة هذا من أصعب الأشياء علماً وعملاً وهو يشغل قلب المصلي عن مقصود الصلاة والجمع شرع رخصة ودفعاً للحرج عن الأمة فكيف لا يشرع إلَّا مع حرج شديد ومع ما ينقض مقصود الصلاة. فعلم أنَّه كان ﷺ إذا أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء يفعل ذلك على الوجه الذي يحصل به التيسير ورفع الحرج له ولأمته ولا يلتزم أنَّه لا يسلم من الأولى إلَّا قبل خروج وقتها الخاص وكيف يعلم ذلك المصلي في الصلاة وآخر وقت الظهر وأول وقت العصر إنَّما يعرف على سبيل التحديد بالظل والمصلي في الصلاة لا يمكنه معرفة الظل ولم يكن مع النبي ﷺ آلات حسابية يعرف بها الوقت ولا موقت يعرف ذلك بالآلات
стр. 2515
الحسابية والمغرب إنَّما يعرف آخر وقتها بمغيب الشفق فيحتاج أن ينظر إلى جهة الغرب هل غرب الشفق الأحمر أو الأبيض والمصلي في الصلاة منهي عن مثل ذلك. وإذا كان يصلي في بيت أو فسطاط أو نحو ذلك مما يستره عن الغرب ويتعذر عليه في الصلاة النظر إلى المغرب فلا يمكنه في هذه الحال أن يتحرى السلام في آخر وقت المغرب؛ بل لا بد أن يسلم قبل خروج الوقت بزمن يعلم أنَّه معه يسلم قبل خروج الوقت. ثم الثانية لا يمكنه على قولهم أن يشرع فيها حتى يعلم دخول الوقت وذلك يحتاج إلى عمل وكلفة مما لم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه كان يراعيه؛ بل ولا أصحابه» اهـ.
٢ - أنَّ السنة في الجمع في السفر إذا كان المسافر على ظهر سير.
قُلْتُ: ولهذا لم يجمع النبي ﷺ يوم فتح مكة عند نزوله فيها، ولا جمع بين الصلاتين في مكة في حجة الوداع عند مكثه فيها قبل اليوم الثامن من ذي الحجة، وهكذا لما انتقل في يوم الثامن إلى منى وصلى فيها خمس صلوات صلاها قصراً من غير جمع وإنَّما جمع في عرفة من أجل النسك، وأمَّا في مزدلفة فكان على ظهر سير.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٢٩٢):
«ولم يرد عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه جمع في السفر وهو نازل إلَّا في حديث واحد ولهذا تنازع المجوزون للجمع. كمالك والشافعي وأحمد: هل يجوز الجمع
стр. 2516
للمسافر النازل؟. فمنع منه مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وجوزه الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى ومنع أبو حنيفة الجمع إلَّا بعرفة ومزدلفة» اهـ.
قُلْتُ: وحجة من أجاز للمسافر أن يجمع بين الصلاتين حال نزوله ما رواه مالك في [الْمُوَطَأ] (٣٢٨)، ومِنْ طَرِيقِه، أحمد (٢٢١٢٣)، ومُسْلِم (٧٠٦)، وأبو داود (١٢٠٨)، والنسائي (٥٨٧) عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يَجْمَعُ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمًا أَخَّرَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا … ». الحديث.
قُلْتُ: قوله في الحديث: «ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ». يدل على أنَّه كان نازلاً ولم يكن على وجه السير.
قَالَ الإمام الشافعي ﵀ فِي [الْأُمِ] (١/ ٧٧):
«وهذا وهو نازل غير سائر لأنَّ قوله: "دخل ثم خرج" لا يكون إلاَّ وهو نازل فللمسافر أن يجمع نازلاً وسائراً» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٣/ ٤٦٣):
«وَقَوْلُهُ في حديث مالك عن أبي الزبير: "فأخر الصلاة يوماً ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً" يدل على أنَّه جمع بين الصلاتين وهو نازل غير سائر» اهـ.
стр. 2517
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (١٢/ ١٩٦):
«وفي هذا الحديث أوضح الدلائل وأقوى الحجج في الرد على من قَالَ لا يجمع المسافر بين الصلاتين إلاَّ إذا جد به السير» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٦٣ - ٦٥): «قُلْتُ: الجمع على ثلاث درجات: أمَّا إذا كان سائراً في وقت الأولى فإنَّما ينزل في وقت الثانية. فهذا هو الجمع الذي ثبت في الصحيحين مِنْ حَدِيْثِ أنس وابن عمر وهو نظير جمع مزدلفة. وأمَّا إذا كان وقت الثانية سائراً أو راكباً فجمع في وقت الأولى فهذا نظير الجمع بعرفة وقد روي ذلك في السنن كما سنذكره إن شاء الله وأمَّا إذا كان نازلاً في وقتهما جميعاً نزولاً مستمراً: فهذا ما علمت روي ما يستدل به عليه إلَّا حديث معاذ هذا فإنَّ ظاهره أنَّه كان نازلاً في خيمة في السفر وأنَّه أخر الظهر ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً ثم دخل إلى بيته ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً فإنَّ الدخول والخروج إنَّما يكون في المنزل وأمَّا السائر فلا يقَالَ دخل وخرج بل نزل وركب وتبوك هي آخر غزوات النبي ﷺ ولم يسافر بعدها إلَّا حجة الوداع وما نقل أنَّه جمع فيها إلَّا بعرفة ومزدلفة وأمَّا بمنى فلم ينقل أحد أنَّه جمع هناك بل نقلوا أنَّه كان يقصر الصلاة هناك ولا نقلوا أنَّه كان يؤخر الأولى إلى آخر وقتها ولا يقدم الثانية إلى أول وقتها
стр. 2518
وهذا دليل على أنَّه كان يجمع أحياناً في السفر وأحياناً لا يجمع وهو الأغلب على أسفاره أنَّه لم يكن يجمع بينهما.
وهذا يبين أنَّ الجمع ليس من سنة السفر كالقصر بل يفعل للحاجة سواء كان في السفر أو الحضر فإنَّه قد جمع أيضاً في الحضر لئلا يحرج أمته فالمسافر إذا احتاج إلى الجمع جمع سواء كان ذلك لسيره وقت الثانية أو وقت الأولى وشق النزول عليه أو كان مع نزوله لحاجة أخرى مثل أن يحتاج إلى النوم والاستراحة وقت الظهر ووقت العشاء فينزل وقت الظهر وهو تعبان سهران جائع محتاج إلى راحة وأكل ونوم فيؤخر الظهر إلى وقت العصر ثم يحتاج أن يقدم العشاء مع المغرب وينام بعد ذلك ليستيقظ نصف الليل لسفره فهذا ونحوه يباح له الجمع.
وأمَّا النازل أياماً في قرية أو مصر وهو في ذلك كأهل المصر: فهذا وإن كان يقصر لأنَّه مسافر فلا يجمع كما أنَّه لا يصلي على الراحلة ولا يصلي بالتيمم ولا يأكل الميتة: فهذه الأمور أبيحت للحاجة ولا حاجة به إلى ذلك؛ بخلاف القصر فإنَّه سنة صلاة السفر» اهـ.
قُلْتُ: وجمع النبي ﷺ في تبوك لا يظهر أنَّه كان من أجل السفر، فإنَّه لو كان من أجل السفر لجمع في سائر أسفاره لكن لحاجة طرأت عليه، ولعله فعل ذلك من أجل التفرغ للقاء العدو. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ١٢٤ - ١٢٩):
«وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَقْوَالٍ:
стр. 2519
أَحَدُهَا: جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِعُذْرِ السَّفَرِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ فِي وَقْتِ الْأُولَى مِنْهُمَا وَجَمْعَ تَأْخِيرٍ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَالْجُمْهُورُ إلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ اخْتِصَاصُ الْجَمْعِ بِحَالَةِ الْجَدِّ فِي السَّيْرِ لِخَوْفِ فَوَاتِ أَمْرٍ أَوْ لِإِدْرَاكِ مُهِمٍّ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ حَبِيبٍ وَأَصْبَغُ إنَّ الْجَدَّ لِمُجَرَّدِ قَطْعِ السَّفَرِ مُبِيحٌ لِلْجَمْعِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ الْجَمْعُ بَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَإِسْحَاقَ قَالَ وَبِهِ أَقُولُ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعُذْرِ السَّفَرِ مِنْ الْأُمُورِ الْمَشْهُورَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ - مَعَ الثَّابِتِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ عَنْ أَصْحَابِهِ ثُمَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمونَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ ثُمَّ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَرَبِيعَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَأَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَجُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَحَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَحَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ جَمَاعَةِ السَّلَفِ وَفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ.
стр. 2520
الْقَوْلُ الثَّانِي: اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِحَالَةِ الْجَدِّ فِي السَّفَرِ لِخَوْفِ فَوَاتِ أَمْرٍ أَوْ لِإِدْرَاكِ مُهِمٍّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا وَجَوَابُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ زِيَادَةً يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا وَهِيَ الْجَمْعُ مِنْ غَيْرِ جَدٍّ فِي السَّفَرِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ مُعَاذٍ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ: فِي هَذَا أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ وَأَقْوَى الْحُجَجِ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ لَا يَجْمَعُ الْمُسَافِرُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَّا إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ وَهُوَ قَاطِعٌ لِلِالْتِبَاسِ قَالَ وَلَيْسَ فِيمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
مَا يُعَارِضُهُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ الْجَمْعُ نَازِلًا غَيْرَ سَائِرٍ فَاَلَّذِي يَجِدُّ بِهِ السَّيْرُ أَحْرَى بِذَلِكَ وَإِنَّمَا يَتَعَارَضَانِ لَوْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا أَنَّهُ قَالَ لَا يَجْمَعُ الْمُسَافِرُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَّا أَنْ يَجِدَّ بِهِ السَّيْرُ وَفِي الْآخَرِ أَنَّهُ جَمَعَ نَازِلًا غَيْرَ سَائِرٍ فَإِمَّا أَنْ يَجْمَعَ وَقَدْ جَدَّ بِهِ السَّيْرُ وَيَجْمَعَ وَهُوَ نَازِلٌ لَمْ يَجِدَّ بِهِ السَّيْرُ فَلَيْسَ هَذَا بِمُتَعَارِضٍ عِنْدَ أَحَدٍ لَهُ فَهْمٌ قَالَ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمونَ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ فَكُلُّ مَا اخْتَلَفْت فِيهِ مِنْ مِثْلِهِ فَمَرْدُودٌ إلَيْهِ وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ هَلْ يُجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ أَلَمْ تَرَ إلَى صَلَاةِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ؟ فَهَذَا سَالِمٌ قَدْ نَزَعَ بِمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ أَصْلٌ صَحِيحٌ لِمَنْ أُلْهِمَ رُشْدَهُ وَلَمْ تَمِلْ بِهِ الْعَصَبِيَّةُ إلَى الْمُعَانَدَةِ انْتَهَى.
وَحَكَى أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْجَدِّ فِي السَّفَرِ عَنْ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَعُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ.
стр. 2521
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: كَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي الِاخْتِصَاصِ بِحَالَةِ الْجَدِّ فِي السَّفَرِ لَكِنْ لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْجَدِّ خَوْفَ فَوَاتِ أَمْرٍ أَوْ إدْرَاكِ مُهِمٍّ بَلْ كَانَ الْجَدُّ لِمُجَرَّدِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَوْله تَعَالَى عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا عَجَّلَ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ لَا إلَّا أَنْ تَعَجَّلَنِي سَيْرٌ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ إلَّا مَنْ جَدَّ بِهِ السَّيْرُ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ إنْ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ هَذَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ السَّفَرَ نَفْسَهُ إنَّمَا هُوَ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ انْتَهَى وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمَاكِثَ فِي الْمَنْزِلَةِ لَيْسَ قَاطِعًا لِلطَّرِيقِ وَكَذَلِكَ مَنْ هُوَ سَائِرٌ إلَّا أَنَّهُ لَا اسْتِعْجَالَ بِهِ بَلْ هُوَ يَسِيرُ عَلَى هِينَتِهِ فَهُوَ أَنْ يُجَوِّزَ الشَّافِعِيُّ لَهُمَا الْجَمْعَ وَلَا يُجَوِّزُهُ لَهُمَا ابْنُ حَبِيبٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ وَلَعَلَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَوْلِ أَسْعَدُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ الْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ فَإِنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ اعْتِبَارُ الْجَدِّ فِي السَّفَرِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مَخْصُوصٍ لِذَلِكَ وَلَا يُقَالُ إنَّمَا يَكُونُ الْجَدُّ لِخَوْفِ فَوَاتِ أَمْرٍ أَوْ إدْرَاكِ مُهِمٍّ فَقَدْ يَكُونُ الْجَدُّ لِمُجَرَّدِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ مِنْ مَتَاعِبِ السَّفَرِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ سَفَرِهِ فَلْيُعَجِّلْ إلَى أَهْلِهِ" لَكِنْ زَادَ حَدِيثُ مُعَاذٍ عَلَى ذَلِكَ بِبَيَانِ الْجَمْعِ فِي زَمَنِ الْإِقَامَةِ الَّتِي لَا تَقْطَعُ اسْمَ السَّفَرِ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2522
الْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ: لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ، قَالَ وَعَنْ الثَّوْرِيِّ نَحْوُ هَذَا وَعَنْهُ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَإِنْ لَمْ يَجِدَّ السَّيْرُ انْتَهَى وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ مَا أَرَى أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَّا مِنْ أَمْرٍ فَجَعَلَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ الْجَدَّ فِي السَّيْرِ مِثَالًا لِلْعُذْرِ وَالِاعْتِبَارُ بِالْعُذْرِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَيَقُولُ الْجُمْهُورُ السَّفَرُ نَفْسُهُ عُذْرٌ وَمَظِنَّةٌ لِلرُّخْصَةِ فَنِيطَ الْحُكْمُ بِمُجَرَّدِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقَوْلُ الْخَامِسُ: مَنْعُ الْجَمْعِ بِعُذْرِ السَّفَرِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلنُّسُكِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَهَذَا قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ بَلْ زَادَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى صَاحِبِيهِ وَقَالَ لَا يَجْمَعُ لِلنُّسُكِ إلَّا إذَا صَلَّى فِي الْجَمَاعَةِ فَإِنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا صَلَّى كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ الْمُنْفَرِدُ فِي ذَلِكَ كَالْمُصَلِّي جَمَاعَةً وَحَكَى ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي هَذَا عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَاخْتِيَارِهِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ قَالَ كَانَ الْأَسْوَدُ وَأَصْحَابُهُ يَنْزِلُونَ عِنْدَ وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ فِي السَّفَرِ فَيُصَلُّونَ الْمَغْرِبَ لِوَقْتِهَا ثُمَّ يَتَعَشَّوْنَ ثُمَّ يَمْكُثُونَ سَاعَةً ثُمَّ يُصَلُّونَ الْعِشَاءَ وَعَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا قَالَا مَا نَعْلَمُ مِنْ السُّنَّةِ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ إلَّا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ وَعَنْ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى أَنَّهُمَا قَالَا الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغَيْرِ عُذْرٍ مِنْ الْكَبَائِرِ وَرُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ
стр. 2523
عَبَّاسٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَأَجَابَ هَؤُلَاءِ عَنْ أَحَادِيثِ الْجَمْعِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا أَنْ يُصَلِّيَ الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَالْأُخْرَى فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَهَذَا مَرْدُودٌ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَرَدَتْ الرِّوَايَاتُ مُصَرِّحَةً بِالْجَمْعِ فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا فَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ وَمِنْهَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَحَدِيثُ مُعَاذٍ صَرِيحٌ فِي جَمْعَيْ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَفِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ لَا يُمْكِنُ مَعَهَا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرُوهُ.
الثَّانِي: أَنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ لَكَانَ أَشَدَّ ضِيقًا وَأَعْظَمَ حَرَجًا مِنْ الْإِتْيَانِ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا أَوْسَعُ مِنْ مُرَاعَاةِ طَرَفَيْ الْوَقْتَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مِنْ وَقْتِ الْأُولَى إلَّا قَدْرُ فِعْلِهَا وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا وَجَدَهُ وَاضِحًا كَمَا وَصَفْنَا ثُمَّ لَوْ كَانَ الْجَمْعُ هَكَذَا لَجَازَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَالْعَمَلُ بِالْأَحَادِيثِ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ إلَى الْفَهْمِ مِنْهَا أَوْلَى مِنْ هَذَا التَّكَلُّفِ الَّذِي لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ «مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَطُّ صَلَاةً لِغَيْرِ وَقْتِهَا إلَّا الْمَغْرِبَ وَالصُّبْحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَإِنَّهُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى جَمَعَهَا مَعَ الْعِشَاءِ وَصَلَّى الصُّبْحَ قَبْلَ الْفَجْرِ»
стр. 2524
وَقَالُوا إنَّ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ تَثْبُتُ بِالتَّوَاتُرِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهَا بِخَبَرِ وَاحِدٍ وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ بِلَا شَكٍّ وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَلَمْ يَصِحَّ هَذَا الْحَصْرُ.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِظَاهِرِهِ فِي إيقَاعِ الصُّبْحِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ بَالَغَ فِي التَّعْجِيلِ حَتَّى قَارَبَ ذَلِكَ مَا قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ إنَّ غَيْرَ ابْنِ مَسْعُودٍ حَفِظَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ بِغَيْرِ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ وَلَمْ يَشْهَدْ وَقَدْ رَوَى أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ".
وَالْجَوَابُ: عَنْ قَوْلِهِمْ لَا يُتْرَكُ الْمُتَوَاتِرُ بِالْآحَادِ بِأَنَّا لَمْ نَتْرُكْهَا وَإِنَّمَا خَصَّصْنَاهَا وَتَخْصِيصُ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ جَازَ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إجْمَاعًا فَتَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ قَوْلَ عُمَرَ جَمْعُ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنْ الْكَبَائِرِ وَقَالَ الْعُذْرُ يَكُونُ بِالسَّفَرِ وَالْمَطَرِ وَلَيْسَ هَذَا ثَابِتًا عَنْ عُمَرَ وَهُوَ مُرْسَلٌ.
الْقَوْلُ السَّادِسُ: جَوَازُ التَّأْخِيرِ وَمَنْعُ جَمْعِ التَّقْدِيمِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ سَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعِكْرِمَةَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَدِينَةِ وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ بِشَرْطِ الْجَدِّ فِي السَّفَرِ وَاعْتِمَادُ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ
стр. 2525
جَمْعَ التَّقْدِيمِ لَمْ يُذْكَرْ فِي حَدِيثَيْ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِيهِمَا جَمْعُ التَّأْخِيرِ وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: "فَإِنْ زَاغَتْ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ" وَلَمْ يَذْكُرْ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِهَا أَنْ لَا يَكُونَ صَلَّاهَا مَعَ الظُّهْرِ وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِجَمْعِ التَّقْدِيمِ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ وَغَيْرِهِ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ أَنَسٍ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ قَالَ لِأَنَّهُ ﵇ إنَّمَا كَانَ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إلَى الْعَصْرِ إذَا لَمْ تَزُغْ الشَّمْسُ فَكَذَلِكَ يُقَدِّمُ الْعَصْرَ إلَى الظُّهْرِ إنْ زَاغَتْ الشَّمْسُ ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ وَلَفْظُهُ "إذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَزَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَإِنْ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ". وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ اللُّؤْلُؤِيَّ حَكَى عَنْ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ فِي تَقْدِيمِ الْوَقْتِ حَدِيثٌ قَائِمٌ اهـ
وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي رِوَايَتِنَا لِسُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ طَرِيقِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَضَعَّفَ ابْنُ حَزْمٍ حَدِيثَ مُعَاذٍ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ وَقَدْ بَسَطْت الرَّدَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فِي كُرَّاسَةٍ كَتَبْتهَا قَدِيمًا سَمَّيْتهَا الدَّلِيلُ الْقَوِيمُ عَلَى صِحَّةِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ» اهـ.
وقَالَ الْعَلاَّمَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُنَنِ] (١/ ٢٦٣):
следующие страницы →