Полный текст (8 095 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
كانوا يرفعون الصوت بالتكبير والذكر كليهما، فيكون الحديث دليلاً على استحباب رفع الصوت بقول "الله اكبر" مرة أو مكرراً، وبأذكار أخرى عقب المكتوبة، ويحتمل أن يكون قوله "التكبير" مفسراً لهذه الرواية، فكأنَّ المراد أنَّ رفع الصوت بالذكر أي بالتكبير، وكأنَّهم كانوا يبدؤن بالتكبير مرة أو مكرراً قبل الأذكار الأخرى. ويحتمل أن يكون المراد بالتكبير مطلق الذكر بعد الصلاة» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ الأصل هو استحباب المخافتة بالذكر إلَّا ما دلَّ الدليل على الجهر فيه كهذا الموطن، والتلبية في الحج.
والدليل على استحباب المخافتة بالذكر قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾.
والذي يظهر لي في الجهر بالتكبير بعد الصلوات أنَّه مما يستحب في بعض الأوقات من غير مداومة، وذلك لأنَّ أكثر من روى عن النبي ﷺ لم يذكر ذلك.
ومن ذلك ما رواه مُسْلِم (٥٩١) عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا وَقَالَ: «اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: "كَيْفَ الْاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ".
стр. 2452
وروى مُسْلِم (٥٩٢) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: «اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ «يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ».
وروى الْبُخَارِيّ (٨٤٤)، ومُسْلِم (٥٩٣) عَنْ وَرَّادٍ، كَاتِبِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فِي كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ».
ومضي ما رواه مُسْلِم (٥٩٤) عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، يَقُولُ: فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ». وَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ».
فائدة: قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي [البداية والنهاية] (١٠/ ٢٩٦):
«وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد يأمره أن يأمر الناس بالتكبير عقيب الصلوات الخمس، فكان أول ما بدئ بذلك في جامع بغداد والرصافة يوم الجمعة لأربع عشر ليلة خلت من رمضان، وذلك أنَّهم كانوا إذا
стр. 2453
قضوا الصلاة قام الناس قياماً فكبروا ثلاث تكبيرات، ثم مروا على ذلك في بقية الصلوات.
وهذه بدعة أحدثها المأمون أيضاً بلا مستند ولا دليل ولا معتمد، فإنَّ هذا لم يفعله قبله أحد، ولكن ثبت في الصحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّ رفع الصوت بالذكر على عهد رسول الله ﷺ ليعلم حين ينصرف الناس من المكتوبة، وقد استحب هذا طائفة من العلماء كابن حزم وغيره.
وقَالَ ابن بطال: المذاهب الأربعة على عدم استحبابه.
قَالَ النووي: وقد روي عن الشافعي أنَّه قَالَ: إنَّما كان ذلك ليعلم الناس أنَّ الذكر بعد الصلوات مشروع، فلما علم ذلك لم يبق للجهر معنى.
وهذا كما روى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّه كان يجهر في الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلم؟ أنَّها سنة، ولهذا نظائر وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وأمَّا هذه البدعة التي أمر بها المأمون فإنَّها بدعة محدثة لم يعمل بها أحد من السلف» اهـ.
٣ - فيه بيان أنَّه لم يكن للنبي ﷺ مبلغ في صلاته وذلك أنَّه إذا كان له مبلغ لعلم ابن عباس انقضاء الصلاة بسلام المبلغ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مُخْتَصَرِ الْفَتَاوَى الْمَصْرِيَّة] (١/ ٣٢): «ولم يكن التبليغ وراء الإمام على عهد رسول الله ﷺ
стр. 2454
ولا خلفائه ولكن لما مرض النبي ﷺ صلى بالناس مرة وكان أبو بكر يسمع الناس التكبير على أنَّ الظاهر عن أحمد أنَّ هذه الصلاة كان أبو بكر مؤتماً بالنبي ﷺ وكان إماماً للناس فيكون تبليغه لكونه إماماً للناس وكذا بلغ مرة أخرى حين صرع رسول الله ﷺ فجحش شقه الأيمن ولهذا اتفق العلماء على أنَّه لا يستحب التبليغ بل يكره إلَّا لحاجة مثل ضعف صوت الإمام وبعد المأموم ونحوه وقد اختلفوا فيه هذه الحال والمعروف عن أحمد أنَّه جائز وأصح قولي مالك وأمَّا عند عدم الحاجة فبدعة بل صرح كثير منهم أنَّه مكروه بل قد ذهب طائفة من أصحاب مالك وأحمد إلى أنَّه يبطل صلاة المبلغ لغير حاجة ولم يستحبه أحد من العلماء حينئذ ومن أصر على اعتقاد كونه قربة فإنَّه يعزر وهذا أقل أحواله» اهـ.
وقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ٤٠٠ - ٤٠٢):
«لم يكن التبليغ والتكبير ورفع الصوت بالتحميد والتسليم على عهد رسول الله ﷺ ولا على عهد خلفائه ولا بعد ذلك بزمان طويل إلَّا مرتين: مرة صرع النبي ﷺ عن فرس ركبه فصلى في بيته قاعداً فبلغ أبو بكر عنه التكبير. كذا رواه مُسْلِم في صَحِيْحِهِ. ومرة أخرى في مرض موته بلغ عنه أبو بكر وهذا مشهور.
مع أنَّ ظاهر مذهب الإمام أحمد أنَّ هذه الصلاة كان أبو بكر مؤتماً فيها بالنبي ﷺ وكان إماماً للناس فيكون تبليغ أبي بكر إماماً للناس وإن
стр. 2455
كان مؤتماً بالنبي ﷺ وهكذا قَالَتْ عائشة ﵂: "كان الناس يأتمون بأبي بكر وأبو بكر يأتم بالنبي ﷺ ". ولم يذكر أحد من العلماء تبليغاً على عهد رسول الله ﷺ إلا هاتين المرتين؛ لمرضه. والعلماء المصنفون لما احتاجوا أن يستدلوا على جواز التبليغ لحاجة لم يكن عندهم سنة عن رسول الله ﷺ إلَّا هذا وهذا يعلمه علماً يقينياً من له خبرة بسنة رسول الله ﷺ . ولا خلاف بين العلماء أنَّ هذا التبليغ لغير حاجة ليس بمستحب بل صرح كثير منهم أنَّه مكروه. ومنهم من قَالَ: تبطل صلاة فاعله وهذا موجود في مذهب مالك وأحمد وغيره. وأمَّا الحاجة لبعد المأموم أو لضعف الإمام وغير ذلك فقد اختلفوا فيه في هذه والمعروف عند أصحاب أحمد أنَّه جائز في هذا الحال وهو أصح قولي أصحاب مالك وبلغني أنَّ أحمد توقف في ذلك وحيث جاز ولم يبطل فيشترط أن لا يخل بشيء من واجبات الصلاة.
فأما إن كان المبلغ لا يطمئن بطلت صلاته عند عامة العلماء كما دلت عليه السنة وإن كان أيضاً يسبق الإمام بطلت صلاته في ظاهر مذهب أحمد. وهو الذي دلت عليه السنة وأقوال الصحابة وإن كان يخل بالذكر المفعول في الركوع والسجود والتسبيح ونحوه ففي بطلان الصلاة خلاف. وظاهر مذهب أحمد أنَّها تبطل ولا ريب أنَّ التبليغ لغير حاجة بدعة ومن اعتقده قربة مطلقة فلا ريب أنَّه إمَّا جاهل
стр. 2456
وإمَّا معاند وإلاَّ فجميع العلماء من الطوائف قد ذكروا ذلك في كتبهم حتى في المختصرات. قَالَوا: ولا يجهر بشيء من التكبير. إلَّا أن يكون إماماً ومن أصر على اعتقاد كونه قربة فإنَّه يعزر على ذلك لمخالفته الإجماع هذا أقل أحواله وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
* * *
стр. 2457
١٢٥ - عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مِنْ كِتَابٍ إلَى مُعَاوِيَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ: "لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.
اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ"».
ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ.
وَفِي لَفْظٍ: «كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ الْبَنَاتِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ».
قوله: «فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ». الدبر يأتي والمراد به الدبر المتصل كدبر الدابة ويأتي والمراد به الدبر المنفصل، والمراد به هاهنا الدبر المنفصل، وإنَّما حملناه على الدبر المنفصل لأنَّه ذكر من الأذكار وما بعد التشهد والصلاة على النبي ﷺ ليس موطن ذكر إنَّما هو موطن دعاء والأذكار موضعها الدبر المنفصل أي ما بعد السلام كما قَالَ الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾، وقَالَ الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
قُلْتُ: وبناءً على هذا فينظر في الأحاديث التي جاءت وفيها ذكر الدبر فإن كان المذكور فيها دعاء فالمراد به الدبر المتصل وهو ما قبل السلام، وما كان فيها من ذكر فالمراد به الدبر المنفصل وهو ما بعد السلام. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقد احتج الحافظ ابن رجب على مشروعية الْدُعَاء بعد السلام بما رواه مُسْلِم (٧٠٩) عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ، يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ - أَوْ تَجْمَعُ - عِبَادَكَ».
وهذا احتجاج قوي لكن الأصل ما سبق بيانه.
قُلْتُ: وقد جاء حديث الباب في مسند أحمد (١٨٢٥٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ
стр. 2458
مُعَاوِيَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وهذه الرواية صريحة في بيان أنَّ هذا الذكر إنَّما يقَالَ بعد السلام من الصلاة.
وأمَّا ما رواه أحمد (٢٦٥٦٤، ٢٦٦٤٤، ٢٦٧٤٢، ٢٦٧٧٤)، وابن ماجه (٩٢٥) مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَوْلًى لِأُمِّ سَلَمَةَ، يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ، تَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ يُسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا» فهو حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لإبهام الراوي عن أم سلمة
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [تَقْرِيْبِ الْتَهْذِيْبِ] (٢/ ٧٣٧): «اسمه عبد الله ابن شداد وقع في "الأفراد" للدارقطني» اهـ.
أَقُولُ: عبد الله بن شداد لم يُذكر أنَّه من موالي أم سلمة، وقد سئل الحافظ الدارقطني عن رواية عبد الله بن شداد عن أم سلمة فقَالَ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١٥/ ٢٢٠): «يرويه موسى بن أبي عائشة، واختلف عنه؛ فرواه شاذان، عن الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن أم سلمة، قَالَه أحمد بن إدريس المخرمي، عن شاذان.
стр. 2459
وغيره يرويه، عن الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، عن مولى لأم سلمة، عن أم سلمة، رحمها الله، وكذلك قَالَ عمرو بن سعيد بن مسروق، ورقبة بن مصقلة، عن موسى بن أبي عائشة، وهو الصواب.
حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، قَالَ: حدثنا أحمد بن إدريس المخرمي، قَالَ: حدثنا شاذان، قَالَ: حدثنا سفيان الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن أم سلمة، قَالَتْ: كان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إذا صلى الفجر لم يقم من مجلسه حتى يقول: "اللهم إنِّي أسألك علماً نافعاً، وعملاً متقبلاً، ورزقاً طيباً". يكررها ثلاث مرات، لم يقل فيه: عن عبد الله بن شداد، غير المخرمي، عن شاذان» اهـ.
أَقُولُ: فقد رجح الحافظ الدارقطني ﵀ كما ترى رواية من روى عن مولى أم سلمة عن أم سلمة وخطَّأ من جعله من رواية عبد الله بن شداد عن أم سلمة.
وقد روى رواية عبد الله بن شداد أيضاً الخطيب البغدادي في [تَارِيْخِ بِغْدَادَ] (٤/ ٣٩) برقم (١٦٤٦) مِنْ طَرِيقِ الدارقطني.
ووقع في رواية الطبراني تسميته بسفينة فروى في [الْمُعْجَمِ الْكَبِيْر] (١٩١٦٨) حدثنا محمود بن أحمد بن الفرج، ثنا إسماعيل بن عمرو، ثنا سفيان، عن منصور، عن موسى بن أبي عائشة، عن سفينة مولى لأم سلمة، عن أم سلمة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نحوه.
стр. 2460
قُلْتُ: إسماعيل بن عمرو هو ابن نجيح ضعفه غير واحد من الحفاظ كأبي حاتم والدارمي والدارقطني.
وقَالَ الْخَطِيْبُ الْبِغْدَادِي ﵀ فِي [تَارِيْخِ بِغْدَادَ] (١/ ٣٧): «وهو صاحب غرائب ومناكير عن سفيان الثوري وعن غيره».
وقَالَ الحافظ ابن عدي ﵀ فِي [الْكَامِل] (١/ ٣٢٢): «حدث عن مسعر والثوري والحسن بن صالح وغيرهم بأحاديث لا يتابع عليها» اهـ.
وجاء الحديث من رواية الشعبي عن أم سلمة رواه الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْصَّغِيْرِ] (٧٣٥)، والإسماعيلي في [مُعْجَمِهِ] (٢٥٥)، وأبو نعيم الأصبهاني في [معجم أصبهان] (٤٠١٦٤) مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَامِرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، عَنْ أَبِيْهِ عَامِرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﵌ يَقُولُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: «اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ رِزْقًا طَيِّبًا، وَعِلْمًا نَافِعًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا» لَمْ يَرْوِهِ عَنْ سُفْيَانَ إِلَّا النُّعْمَانُ تَفَرَّدَ بِهِ عَامِرٌ اهـ.
قُلْتُ: هذه رواية شاذة شذ بها النعمان وخالف ثقات أصحاب سفيان كوكيع، وأبي نعيم الفضل بن دكين وغيرهما.
وخلاصة القول: أنَّ هذا الحديث ضعيف لا يثبت. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ».
стр. 2461
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٤/ ٣٧٦ - ٣٧٧): «أي لا ينجيه ولا يخلصه من سؤالك وحسابك حظه وعظمته وغناه. ولهذا قَالَ: "لا ينفعه منك" ولم يقل "لا ينفعه عندك" فإنَّه لو قيل ذلك: أوهم أنَّه لا يتقرب به إليك لكن قد لا يضره. فيقول صاحب الجد: إذا سلمت من العذاب في الآخرة فما أبالي كالذين أوتوا النبوة والملك لهم ملك في الدنيا وهم من السعداء فقد يظن ذو الجد - الذي لم يعمل بطاعة الله من بعده - أنَّه كذلك. فقَالَ "ولا ينفع ذا الجد منك" ضمن "ينفع" معنى "ينجي ويخلص" فبين أن جده لا ينجيه من العذاب. بل يستحق بذنوبه ما يستحقه أمثاله ولا ينفعه جده منك. فلا ينجيه ولا يخلصه» اهـ.
وقَالَ ﵀ فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٤٤٧):
«و"الجد" هو الغنى وهو العظمة وهو المال. بين ﷺ أنه من كان له في الدنيا رئاسة ومال لم ينجه ذلك ولم يخلصه من الله؛ وإنَّما ينجيه من عذابه إيمانه وتقواه؛ فإنَّه ﷺ قَالَ: "اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" فبين في هذا الحديث أصلين عظيمين: أحدهما: توحيد الربوبية وهو أن لا معطي لما منع الله ولا مانع لما أعطاه ولا يتوكل إلَّا عليه ولا يسأل إلَّا هو.
стр. 2462
والثاني: توحيد الإلهية وهو بيان ما ينفع وما لا ينفع وأنه ليس كل من أعطي مالاً أو دنياً أو رئاسة كان ذلك نافعاً له عند الله منجياً له من عذابه فإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الإيمان إلاَّ من يحب» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الصلاة وحكم تاركها] ص (٢٠٨):
«وكان يقول ذلك بعد انقضاء الصلاة أيضاً فيقوله في هذين الموضعين اعترافاً بتوحيده وأنَّ النعم كلها منه وهذا يتضمن أموراً:
أحدها: أنَّه المنفرد بالعطاء والمنع.
الثاني: أنَّه إذا أعطى لم يطق أحد منع من أعطاه وإذا منع لم يطق أحد إعطاء من منعه.
الثالث: أنَّه لا ينفع عنده ولا يخلص من عذابه ولا يدني من كرامته جدود بني آدم وحظوظهم من الملك والرئاسة والغنى وطيب العيش وغير ذلك إنما ينفعهم عنده الْتَقْرِيْب إليه بطاعته وإيثار مرضاته» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (٢١/ ٢٨٩):
«فمعنى "قيل وقَالَ" وَاللَّهُ أَعْلَمُ الحديث بما لا معنى ولا فائدة فيه من أحاديث الناس التي أكثرها غيبة ولغط وكذب ومن أكثر من القيل والقَالَ مع العامة لم يسلم من الخوض في الباطل ولا من الاغتياب ولا من الكذب وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٤٠٧):
стр. 2463
«"وكره لكم قيل" وقَالَ في رواية الشعبي: "وكان ينهى عن قيل وقَالَ" كذا للأكثر في جميع المواضع بغير تنوين ووقع في رواية الكشميهني هنا "قيلاً وقَالَاً" والأول أشهر وفيه تعقب على من زعم أنَّه جائز ولم تقع به الرواية.
قَالَ الجوهري: قيل وقَالَ: اسمان يقَالَ كثير القيل والقَالَ كذا جزم بأنَّهما اسمان وأشار إلى الدليل على ذلك بدخول الألف واللام عليهما.
وقَالَ ابن دقيق العيد: لو كانا اسمين بمعنى واحد كالقول لم يكن لعطف أحدهما على الآخر فائدة فأشار إلى ترجيح الأول.
وقَالَ المحب الطبري: في قيل وقَالَ ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّهما مصدران للقول تقول قُلْتُ قولاً وقيلاً وقَالَاً والمراد في الأحاديث الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام لأنَّها تئول إلى الخطأ قَالَ: وإنَّما كرره للمبالغة في الزجر عنه.
ثانيها: إرادة حكاية أقاويل الناس والبحث عنها ليخبر عنها فيقول قَالَ فلان كذا وقيل كذا والنهي عنه إمَّا للزجر عن الاستكثار منه وإمَّا لشيء مخصوص منه وهو ما يكرهه المحكي عنه.
ثالثها: أنَّ ذلك في حكاية الاختلاف في أمور الدين كقوله قَالَ فلان كذا وقَالَ فلان كذا ومحل كراهة ذلك أن يكثر من ذلك بحيث لا يؤمن مع الإكثار من الزلل وهو مخصوص بمن ينقل ذلك من غير تثبت ولكن يقلد من سمعه ولا يحتاط له
стр. 2464
قُلْتُ: ويؤيد ذلك الحديث الصحيح: "كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع" أخرجه مُسْلِم وفي "شرح المشكاة" قوله: قيل وقَالَ من قولهم قيل كذا وقَالَ كذا وبناؤهما على كونهما فعلين محكيين متضمنين للضمير والإعراب على إجرائهما مجرى الأسماء خلوين من الضمير ومنه قوله: إنَّما الدنيا قيل وقَالَ وإدخال حرف التعريف عليهما في قوله ما يعرف القَالَ القيل لذلك» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «وَإِضَاعَةِ الْمَالِ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٤٠٨ - ٤٠٩):
«قوله: "وإضاعة المال" تقدم في الاستقراض أنَّ الأكثر حملوه على الإسراف في الإنفاق، وقيده بعضهم بالإنفاق في الحرام والأقوى أنَّه ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعاً سواء كانت دينية أو دنيوية فمنع منه لأنَّ الله تعالى جعل المال قياماً لمصالح العباد وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح إمَّا في حق مضيعها وإمَّا في حق غيره ويستثنى من ذلك كثرة إنفاقه في وجوه البر لتحصيل ثواب الآخرة ما لم يفوت حقاً أخروياً أهم منه والحاصل في كثرة الإنفاق ثلاثة أوجه:
الأول: إنفاقه في الوجوه المذمومة شرعاً فلا شك في منعه.
والثاني: إنفاقه في الوجوه المحمودة شرعاً فلا شك في كونه مطلوباً بالشرط المذكور.
والثالث: إنفاقه في المباحات بالأصالة كملاذ النفس فهذا ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله فهذا ليس بإسراف.
стр. 2465
والثاني: ما لا يليق به عرفاً وهو ينقسم أيضاً إلى قسمين:
أحدهما: ما يكون لدفع مفسدة إمَّا ناجزة أو متوقعة فهذا ليس بإسراف.
والثاني: ما لا يكون في شيء من ذلك فالجمهور على أنَّه إسراف وذهب بعض الشافعية إلى أنَّه ليس بإسراف قَالَ: لأنَّه تقوم به مصلحة البدن وهو غرض صحيح وإذا كان في غير معصية فهو مباح له.
قَالَ ابن دقيق العيد: وظاهر القرآن يمنع ما قَالَ اهـ. وقد صرَّح بالمنع القاضي حسين فقَالَ في كتاب "قسم الصدقات": هو حرام. وتبعه الغزالي وجزم به الرافعي في الكلام على المغارم وصحح في باب الحجر من الشَّرْحُ وفي "المحرر" أنَّه ليس بتبذير وتبعه النووي والذي يترجح أنَّه ليس مذموماً لذاته لكنَّه يفضي غالباً إلى ارتكاب المحذور كسؤال الناس وما أدى إلى المحذور فهو محذور وقد تقدم في كتاب الزكاة البحث في جواز التصدق بجميع المال وأنَّ ذلك يجوز لمن عرف من نفسه الصبر على المضايقة وجزم الباجي من المالكية بمنع استيعاب جميع المال بالصدقة قَالَ: ويكره كثرة إنفاقه في مصالح الدنيا ولا بأس به إذا وقع نادراً لحادث يحدث كضيف أو عيد أو وليمة ومما لا خلاف في كراهته مجاوزة الحد في الإنفاق على البناء زيادة على قدر الحاجة ولا سيما إن أضاف إلى ذلك المبالغة في الزخرفة، ومنه احتمال الغبن الفاحش في البياعات بغير سبب، وأمَّا إضاعة المال في المعصية فلا يختص بارتكاب الفواحش بل يدخل فيها سوء القيام على الرقيق
стр. 2466
والبهائم حتى يهلكوا ودفع مال من لم يؤنس منه الرشد إليه وقسمه ما لا ينتفع بجزئه كالجوهرة النفيسة.
وقَالَ السبكي الْكَبِيْر في "الحلبيات": الضابط في إضاعة المال أن لا يكون لغرض ديني ولا دنيوي فإن انتفيا حرم قطعاً وإن وجد أحدهما وجوداً له بال وكان الإنفاق لائقاً بالحال ولا معصية فيه جاز قطعاً وبين الرتبتين وسائط كثيرة لا تدخل تحت ضابط فعلى المفتي أن يرى فيما تيسر منها رأيه، وأمَّا ما لا يتيسر فقد تعرض له فالإنفاق في المعصية حرام كله ولا نظر إلى ما يحصل في مطلوبه من قضاء شهوة ولذة حسنة وأما إنفاقه في الملاذ المباحة فهو موضع الاختلاف فظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أن الزائد الذي لا يليق بحال المنفق إسراف ثم قَالَ ومن بذل مالاً كثيراً في غرض يسير تافه عده العقلاء مضيعاً بخلاف عكسه وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الطيبي هذا الحديث أصل في معرفة حسن الخلق وهو تتبع جميع الأخلاق الحميدة والخلال الجميلة» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ». يشمل سؤال الناس أموالهم، ويشمل سؤال المرء عمَّا لا يحتاج إليه كما روى مُسْلِم (٦٠٦٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
стр. 2467
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ».
ويشمل أيضاً كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل حاله فإنَّ ذلك مما يكره المسئول غالباً.
ويشمل ذلك أيضاً تكلف السؤال عن المسائل التي لا تقع أو هي نادرة الوجود.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (٢١/ ٢٨٩):
«وأمَّا قوله "وكثرة السؤال" فمعناه عند أكثر العلماء التكثير في السؤال من المسائل والنوازل والأغلوطات وتشقيق المولدات» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٤٠٧):
«وثبت عن جمع من السلف كراهة تكلف المسائل التي يستحيل وقوعها عادة أو يندر جداً وإنَّما كرهوا ذلك لما فيه من التنطع والقول بالظن إذ لا يخلو صاحبه من الخطأ» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «عَنْ عُقُوقِ الأُمَّهَاتِ».
قَالَ العلامة ابن الأثير ﵀ فِي [النهاية] (٣/ ٥٣٣): «وأصلُه من العَقِّ: الشق والقَطْعِ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٦/ ١٤٥):
стр. 2468
«وإنَّما اقتصر هنا على الأمهات لأنَّ حرمتهن آكد من حرمة الآباء، ولهذا قَالَ ﷺ حين قَالَ له السائل: من أبر؟ قَالَ: "أمك ثم أمك" ثلاثاً ثم قَالَ في الرابعة: "ثم أباك". ولأن أكثر العقوق يقع للأمهات، ويطمع الأولاد فيهن» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٦٨):
«قيل: خص الأمهات بالذكر لأنَّ العقوق إليهن أسرع من الآباء لضعف النساء ولينبه على أن بر الأم مقدم على بر الأب في التلطف والحنو ونحو ذلك» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «وَوَأْدِ الْبَنَاتِ». أي دفن البنات بالحياة. وإنَّما اقتصر على البنات لأنَّه غالب ما كانت تفعله الجاهلية.
وَقَوْلُهُ: «وَمَنْعٍ وَهَاتِ». قَالَ العلامة ابن الأثير ﵀ فِي [النِّهَايَة] (٤/ ٧٩٩):
«أي عن منع ما عليه إعطاؤه وطلب ما ليس له» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب هذا الذكر بعد الانتهاء من الصلاة.
٢ - أنَّ هذا الذكر إنما يقَالَ أدبار الصلوات المكتوبات ولا يقَالَ أدبار النوافل وهكذا سائر الأذكار التي تقَالَ أدبار الصلوات فإنَّها مخصوصة بالفرائض دون النوافل. وعلى هذا جمهور العلماء.
стр. 2469
٣ - وَقَوْلُهُ: «فِي دُبُرِ». يقتضي أن يأتي بهذا الذكر إثر السلام من غير أن يفصل بينه وبين الصلاة أمر غير الذكر كصلاة النافلة مثلاً، وأمَّا إذا فصل بينه وبين الصلاة ذكر آخر من الأذكار التي تقَالَ في هذا الموطن فلا بأس بذلك وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤ - النهي عن كثرة الكلام الذي لا يجني منه الإنسان خيراً.
٥ - النهي عن تضييع المال وهو إنفاقه على وجه لا يحل شرعاً. وتعريضه للتلف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٦/ ١٤٤):
«وسبب النهي أنَّه إفساد، والله لا يحب المفسدين، ولأنَّه إذا أضاع ماله تعرض لما في أيدي الناس» اهـ.
٦ - النهي عن كثرة الكلام فيما لا خير فيه.
٧ - النهي عن عقوق الأمهات.
٨ - النهي دفن البنات وهنَّ أحياء.
٩ - النهي عن منع ما عليه إعطاؤه وطلب ما ليس له.
* * *
стр. 2470
١٢٦ - عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
«أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُسْلِمينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ. وَيُعْتِقُونَ وَلا نُعْتِقُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ مَنْ بَعْدَكُمْ. وَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ ". قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ثَلاثاً وَثَلاثِينَ مَرَّةً".
стр. 2471
قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: سَمِعَ إخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ"». رواه مُسْلِم.
قَوْلُهُ: «أَهْلُ الدُّثُورِ». أي أهل المال الكثير. و"الدُّثُورُ": جمع دَثرٍ، بفتح الدال، وهو: المال الكثير.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب التسبيح والتحميد والتكبير دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين.
لكن قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٣٠٠):
«والذي يظهر في هذه الصفة، أنَّها من تصرف بعض الرواة وتفسيره، لأنَّ لفظ الحديث "يسبحون ويحمدون، ويكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين" وإنَّما مراده بهذا أن يكون الثلاث والثلاثون في كل واحدة من كلمات التسبيح والتحميد والتكبير، أي "قولوا: "سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثاً وثلاثين"».
إلى أن قَالَ ﵀: «وأمَّا تخصيصه بإحدى عشرة، فلا نظير له في شيء من الأذكار» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٢٨):
стр. 2472
«قوله: "ثلاثاً وثلاثين" يحتمل أن يكون الْمَجْمُوعُ للجميع فإذا وزع كان لكل واحد إحدى عشرة وهو الذي فهمه سهيل بن أبي صالح كما رواه مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ روح بن القاسم عنه لكن لم يتابع سهيل على ذلك بل لم أر في شيء من طرق الحديث كلها التصريح بإحدى عشرة إلَّا في حديث ابن عمر عند البزار وإسناده ضعيف والأظهر أنَّ المراد أنَّ الْمَجْمُوعَ لكل فرد فرد فعلى هذا ففيه تنازع ثلاثة أفعال في ظرف ومصدر والتقدير تسبحون خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وتحمدون كذلك وتكبرون كذلك» اهـ.
قُلْتُ: وقد ورد لهذا الذكر صفة أخرى.
فروى الْبُخَارِيّ (٦٣٢٩) حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ. قَالَ: «كَيْفَ ذَاكَ؟» قَالُوا: صَلَّوْا كَمَا صَلَّيْنَا، وَجَاهَدُوا كَمَا جَاهَدْنَا، وَأَنْفَقُوا مِنْ فُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، وَلَيْسَتْ لَنَا أَمْوَالٌ. قَالَ: «أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَمْرٍ تُدْرِكُونَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ مَنْ جَاءَ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَأْتِي أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتُمْ بِهِ إِلَّا مَنْ جَاءَ بِمِثْلِهِ؟ تُسَبِّحُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَتَحْمَدُونَ عَشْرًا، وَتُكَبِّرُونَ عَشْرًا».
وروى أحمد (٦٤٩٨، ٦٩١٠)، وأبو داود (٥٠٦٧)، والترمذي (٣٤١٠)، والنسائي (١٣٤٨)، وابن ماجه (٩٢٦) مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «خَصْلَتَانِ - أَوْ
стр. 2473
خَلَّتَانِ - لَا يُحَافِظُ عَلَيْهِمَا رَجُلٌ مُسْلِم إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، هُمَا يَسِيرٌ، وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ، تُسَبِّحُ اللَّهَ عَشْرًا، وَتَحْمَدُ اللَّهَ عَشْرًا، وَتُكَبِّرُ اللَّهَ عَشْرًا فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، فَذَلِكَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ بِاللِّسَانِ، وَأَلْفٌ وَخَمْسُ مِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ، وَتُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ - عَطَاءٌ لَا يَدْرِي أَيَّتُهُنَّ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ - إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ، فَذَلِكَ مِائَةٌ بِاللِّسَانِ، وَأَلْفٌ فِي الْمِيزَانِ، فَأَيُّكُمْ يَعْمَلُ فِي الْيَوْمِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَ مِائَةِ سَيِّئَةٍ؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ هُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ؟ قَالَ: «يَأْتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَيُذَكِّرُهُ حَاجَةَ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُومُ وَلَا يَقُولُهَا، فَإِذَا اضْطَجَعَ يَأْتِيهِ الشَّيْطَانُ فَيُنَوِّمُهُ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهَا»، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُهُنَّ فِي يَدِهِ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وعطاء وإن كان اختلط إلَّا أنَّ رواية أحمد وأبي داود مِنْ طَرِيقِ شعبة عنه وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط. وقد رواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٣١٨٩)، والْبُخَارِيّ في [الأدب المفرد] (١٢١٦)، والطبراني في [الْدُعَاء] (٧٢٦)، والبيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٦٠٥) مِنْ طَرِيقِ سفيان الثوري عنه وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط أيضاً.
وروى النسائي في [الْكُبْرَى] (٩٩٠٧) أَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يُسَبِّحَ
стр. 2474
دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَيُكَبِّرَ عَشْرًا، وَيَحْمَدَ عَشْرًا؟ فَذَلِكَ فِي خَمْسِ صَلَوَاتٍ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ بِاللِّسَانِ، وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ، وَإِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ سَبَّحَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَذَلِكَ مِائَةٌ بِاللِّسَانِ، وَأَلْفٌ بِالْمِيزَانِ، فَأَيُّكُمْ يَعْمَلُ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ سَيِّئَةٍ؟».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ من هذا الوجه.
وهناك صفة أخرى لهذا الذكر وهو ما رواه مُسْلِم (٥٩٧) حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْمَذْحِجِيِّ - قَالَ مُسْلِم: أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».
وهناك صفة أخرى لهذا الذكر وهو ما رواه مُسْلِم (٥٩٦) عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ - أَوْ فَاعِلُهُنَّ - دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً».
وهناك صفة أخرى لهذا الذكر فروى أحمد (٢١٦٤٠، ٢١٧٠٢)، والنسائي (١٣٥٠)، والترمذي (٣٤١٣) مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ،
стр. 2475
عَنْ كَثِيرِ ابْنِ أَفْلَحَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أُمِرُوا أَنْ يُسَبِّحُوا دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَحْمَدُوا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيُكَبِّرُوا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَأُتِيَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي مَنَامِهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَرَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُسَبِّحُوا دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدُوا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُوا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاجْعَلُوهَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَاجْعَلُوا فِيهَا التَّهْلِيلَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «اجْعَلُوهَا كَذَلِكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ورواه النسائي (١٣٥١) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا رَأَى فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، قِيلَ لَهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمَرَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ ؟ قَالَ: أَمَرَنَا أَنْ نُسَبِّحَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنُكَبِّرَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ مِائَةٌ، قَالَ: سَبِّحُوا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَاحْمَدُوا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَكَبِّرُوا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَهَلِّلُوا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، فَتِلْكَ مِائَةٌ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «افْعَلُوا كَمَا قَالَ الْأَنْصَارِيُّ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ لغيره وعبد العزيز بن أبي رواد حسن الحديث.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٤٨ - ٢٤٩):
стр. 2476
«ويجوز الأخذ بجميع ما ورد من أنواع الذكر عقب الصلوات، والأفضل أن لا ينقص عن مائة، لأنَّ أحاديثها أصح أحاديث الباب.
واختلف في تفضيل بعضها على بعض: فقَالَ أحمد - في رواية الفضل بن زياد -، وسئل عن التسبيح بعد الصلاة ثلاثة وثلاثين أحب إليك، أم خمسة وعشرين؟ قَالَ: كيف شئت.
قَالَ القاضي أبو يعلى: وظاهر هذا: التخيير بينهما من غير ترجيح.
وقَالَ - في رواية علي بن سعيد -: أذهب إلى حديث ثلاث وثلاثين.
وظاهر هذا: تفضيل هذا النوع على غيره.
وكذلك قَالَ إسحاق: الأفضل أن تسبح ثلاثاً وثلاثين، وتحمد ثلاثاً وثلاثين، وتكبر ثلاثاً وثلاثين، وتختم المائة بالتهليل. قَالَ: وهو في دبر صلاة الفجر آكد من سائر الصلوات؛ لما ورد من فضيلة الذكر بعد الفجر إلى طلوع الشمس. نقل ذلك عنه حرب الكرماني» اهـ.
٢ - وفي الحديث: دليل على قوة رغبة الصحابة ﵃ في الأعمال الصالحة الموجبة للدرجات العلى والنعيم المقيم، فكانوا يحزنون على العجز عن شيءٍ مما يقدر عليه غيرهم من ذلك. قَالَه الحافظ ابن رجب ﵀.
٣ - وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٤٢):
стр. 2477
«وهذا يدل على أنَّ الذكر أفضل الأعمال، وأنَّه أفضل من الجهاد والصدقة والعتق وغير ذلك. وقد روي هذا المعنى صريحاً عن جماعة كثيرة من الصحابة، منهم: أبو الدرداء ومعاذ وغيرهما.
وروي مرفوعاً من وجوه متعددة - أيضاً» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تهذيب سنن أبي داود] (٧/ ١٧٦):
«والتحقيق في ذلك أنَّ المراتب ثلاثة المرتبة الأولى ذكر وجهاد وهي أعلى المراتب قَالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
المرتبة الثانية ذكر بلا جهاد فهذه دون الأولى.
المرتبة الثالثة جهاد بلا ذكر فهي دونهما والذاكر أفضل من هذا.
وإنَّما وضع الجهاد لأجل ذكر الله فالمقصود من الجهاد أن يذكر الله ويعبد وحده فتوحيده وذكره وعبادته هو غاية الخلق التي خلقوا لها» اهـ.
٤ - الذي يظهر لي أنَّ الأحسن أن يفرد كل كلمة من التسبيح والتحميد والتكبير على حدة لا أن يجمع بينهنَّ في كل مرة ثلاث وثلاثين.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٤٩ - ٢٥٠):
стр. 2478
«وهل الأفضل أن يجمع بين التسبيح والتحميد والتكبير في كل مرة، فيقولهن ثلاثاً وثلاثين مرة، ثم يختم بالتهليل، أم الأفضل أن يفرد التسبيح والتحميد والتكبير على حدة؟
قَالَ أحمد - في رواية محمد بن ماهان، وسأله: هل يجمع بينهما، أو يفرد؟ قَالَ: لا يضيق.
قَالَ أبو يعلى: وظاهر هذا: أنَّه مخير بين الإفراد والجمع.
وقَالَ أحمد - في رواية أبي داود -: يقول هكذا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر، ولا يقطعه.
وهذا ترجيح منه للجمع، كما قَالَه أبو صالح، لكن ذكر التهليل فيه غرابة.
وقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة - مرسلاً -، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمرهم أن يقولوا دبر كل صلاة: "لا إله إلَّا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله عشر مرات".
وقَالَ إسحاق: الأفضل أن يفرد كل واحد منها.
وهو اختيار القاضي أبي يعلى من أصحابنا، قَالَ: وهو ظاهر الأحاديث؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّه قَالَ: "تسبحون وتحمدون وتكبرون"، والواو قد قيل: إنَّها للترتيب، فإن لم تقتض وجوبه أفادت استحبابه.
والثاني: أنَّ هذا مثل نقل الصحابة ﵃ لوضوء النبي ﷺ ، وأنَّه تمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه
стр. 2479
ثلاثاً، ولا خلاف في المراد: أنَّه غسل كل عضو من ذلك بانفراده ثلاثاً ثلاثاً، قبل شروعه في الذي بعده، ولم يغسل الْمَجْمُوعِ مرة، ثم أعاده مرة ثانية، وثالثة.
قُلْتُ: هذا على رواية من روي التسبيح ثلاثاً وثلاثين، والتحميد ثلاثاً وثلاثين، والتكبير ثلاثاً وثلاثين ظاهر، وأمَّا رواية من روى "تسبحون وتحمدون وتكبرون ثلاثاً وثلاثين" فمحتملة، ولذلك وقع الاختلاف في فهم المواد منها» اهـ.
٥ - قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٢٨):
«ومقتضى الحديث أنَّ الذكر المذكور يقَالَ عند الفراغ من الصلاة فلو تأخر ذلك عن الفراغ فإن كان يسيراً بحيث لا يعد معرضاً أو كان ناسياً أو متشاغلاً بما ورد أيضاً بعد الصلاة كآية الكرسي فلا يضر» اهـ.
٦ - قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٢٨):
«وظاهر قوله كل صلاة يشمل الفرض والنفل لكن حمله أكثر العلماء على الفرض» اهـ.
٧ - واحتج بهذا الحديث من فضل الغني الشاكر على الفقير الصابر.
وبيان ذلك أنَّ قوله: «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ». خرج جواباً للفقراء عن قولهم: إنَّ أهل الدثور قد ساووهم في الذكر كما ساووهم في الصلاة والصوم والإيمان وبقيت مزية الإنفاق ولم يحصل لهم ما يلحقهم فيها وما علمتنا من الذكر
стр. 2480
قد لحقونا فيه فقَالَ لهم حينئذ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وهذا يدل على تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [عدة الصابرين] ص (١٤٩ - ١٥٠):
«وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذه المسألة فقَالَ قد تنازع كثير من المتأخرين في الغني الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل فرجح هذا طائفة من العلماء والعباد ورجح هذا طائفة أخرى من العلماء والعباد وحكي في ذلك عن الإمام أحمد روايتان وأمَّا الصحابة والتابعون ﵃ فلم ينقل عن أحد منهم تفضيل أحد الصنفين على الآخر، وقد قَالَتْ طائفة ثالثة ليس لأحدهما على الأخرى فضيلة إلَّا بالتقوى فأيهما أعظم إيماناً وتقوى كان أفضل فإن استويا في ذلك استويا في الفضيلة قَالَ وهذا أصح الأقوال لأنَّ نصوص الكتاب والسنة إنَّما تفضل بالإيمان والتقوى … » اهـ.
قُلْتُ: وهذا القول هو أحسن الأقوال فإنَّهما إذا تساويا في التقوى لم يبق غير الغنى والفقر وليس هما من موارد الفضل فلم يعلق الله الثواب على غنى ولا فقر فإذا كان الغنى والفقر ليسا مما يعلق بهما الثواب فما بقى غير الإيمان والعمل الصالح فهما مورد الثواب وبهما يتفاضل الخلق وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فائدة/ ويستحب التسبيح بالأنامل لما رواه أبو داود (١٥٠٤) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، فِي آخَرِينَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَثَّامٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ،
стр. 2481
عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ»، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: بِيَمِينِهِ.
قُلْتُ: رواه الترمذي (٣٤١١)، والنسائي (١٣٥٥) مِنْ طَرِيقِ محمد بن عبد الأعلى عن عثام بن علي عن الأعمش به.
ورواه النسائي (١٣٥٥) مِنْ طَرِيقِ الحسين بن محمد الذارع عن عثام بن علي عن الأعمش به.
ورواه البزار (٢٤٠٦) مِنْ طَرِيقِ محمد بن عبد الله بن بزيع عن عثام بن علي عن الأعمش به.
وروى الْحَاكِمُ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٢٠٠٦) مِنْ طَرِيقِ علي بن عثام بن علي العامري عن أبيه عن الأعمش به.
ورواه الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْكَبِيْر] (١٥٢٤)، و [الْأَوْسَطِ] (٨٥٦٨) مِنْ طَرِيقِ مسدد، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، وعبيد الله بن عمر القواريري، قَالَوا: ثنا عثام بن علي، عن الأعمش به.
ورواه الطبراني في [الْدُعَاء] (١٧٧٣) مِنْ طَرِيقِ يوسف بن عدي، عن الأعمش به.
ورواه السراج في [مُسْنَدِهِ] (٣٨٤)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٨٤٣) مِنْ طَرِيقِ أحمد بن المقدام العجلي عن عثام بن علي عن الأعمش به.
стр. 2482
ورواه السراج في [مُسْنَدِهِ] (٣٨١)، والْحَاكِمُ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٢٠٠٥)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢/ ٢٥٣) (٣١٨٤) مِنْ طَرِيقِ شعبة عن عطاء بن السائب عن أبيه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ وعطاء بن السائب وإن كان قد اختلط إلَّا أنَّ رواية شعبة عنه قبل الاختلاط.
قُلْتُ: وأمَّا لفظة: "بيمينه" فشاذة شذ بها محمد بن قُدَامَةَ وخالف كل من روى الحديث عن عثام، وقد جاء الحديث كما مرَّ من غير طريق عثام من غير ذكر هذه اللفظة.
وأمَّا ما رواه أحمد (٢٧١٣٤)، أبو داود (١٥٠٣) واللفظ له، والترمذي (٣٥٨٣) مِنْ طَرِيقِ هَانِئِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ حُمَيْضَةَ بِنْتِ يَاسِرٍ، عَنْ يُسَيْرَةَ، أَخْبَرَتْهَا، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُنَّ أَنْ يُرَاعِينَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالتَّقْدِيسِ، وَالتَّهْلِيلِ، وَأَنْ يَعْقِدْنَ بِالْأَنَامِلِ، فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ، مُسْتَنْطَقَاتٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ هانئ بن عثمان لم يوثقه معتبر، وأمه حميضة بنت ياسر مجهولة.
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (٧٧٣٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي كُلَيْبٍ، قَالَتْ: رَأَتْنِي عَائِشَةُ أُسَبِّحُ بِتَسَابِيحَ مَعِي، فَقَالَتْ: «أَيْنَ الشَّوَاهِدُ؟» تَعْنِي الْأَصَابِعَ.
стр. 2483
قلت: هذا موقوف ضعيف لإبهام المرأة التي من بني كليب. والتيمي هو سليمان بن طرخان، وأبو تميمة هو طريف بن مجالد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِي ﵀ فِي [شَرْحِ أَبِي دَاودَ] (٥/ ٤١٢):
«قوله: "بالأنامل" جمع أنملة- بضم الميم- وهي رءوس الأصابع. وبالحديث استدل أبو يوسف ومحمد أنَّ عد آي القرآن والتسبيح لا يكره في الصلاة، وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد. واهماً الغمزُ برءوس الأصابع أو الحفظ بالقلب: لا يكره اتفاقاً، وقيل: الخلاف في المكتوبة، ولا خلاف في التطوع أنَّه لا يكره، وقيل بالعكس. وأمَّا خارج الصلاة: فلا يكره اتفاقاً» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا كيفية العقد بالأنامل فقد قال العلامة علي القاري ﵀ في [الْمِرْقَاةِ] (٤/ ١٦٠٥):
«(بِالْأَنَامِلِ) أَيْ: بِعَقْدِهَا أَوْ بِرُءُوسِهَا يُقَالُ: عَقْدُ الشَّيْءِ بِالْأَنَامِلِ عَدُّهُ» اهـ.
وقال العلامة المناوي في [فَيْضِ الْقَدِيْرِ] (٤/ ٣٥٥):
«أي اعددن عدد مرات التسبيح بها وهذا ظاهر في عقد كل أصبع على حدته لا ما يعتاده كثير من العد بعقد الأصابع» اهـ.
وقال العلامة أبو العلاء المباركفوري في [تُحْفَةِ الْأَحْوَذِي] (١٠/ ٣١):
«(وَاعْقِدْنَ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيِ اعْدُدْنَ عَدَدَ مَرَّاتِ التَّسْبِيحِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ (بِالْأَنَامِلِ) أي بعقدها أو برؤوسها يُقَالُ عَقَدَ الشَّيْءَ بِالْأَنَامِلِ عَدَّهُ
стр. 2484
قَالَ الطِّيبِيُّ حَرَّضَهُنَّ ﷺ عَلَى أَنْ يُحْصِينَ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ بِأَنَامِلِهِنَّ لِيُحَطَّ عَنْهَا بِذَلِكَ مَا اجْتَرَحَتْهُ مِنَ الذُّنُوبِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ كُنَّ يَعْرِفْنَ عَقْدَ الْحِسَابِ انْتَهَى
وَالْأَنَامِلُ جَمْعُ أُنْمُلَةٍ بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ وَالْهَمْزِ تِسْعُ لُغَاتٍ الَّتِي فِيهَا الظُّفْرُ كَذَا فِي الْقَامُوسِ وَالظَّاهِرُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْأَصَابِعُ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْبَعْضِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ عَكْسُ مَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] لِلْمُبَالَغَةِ» اهـ.
وقد أخذ العلامة أبو الحسن المباركفوري في [مِرْعَاةِ الْمَفَاتِيْحِ] (٧/ ٤٧٨) كلام صاحب التحفة بنصه ولم يعزه له فقال:
«(واعقدن) بكسر القاف أي أعددن عدد مرات التسبيح وما عطف عليه (بالأنامل) أي بعقدها أو برؤسها يقال عقد الشيء بالأنامل عده. قال الطيبي: حرضهن النبي ﷺ على أن يحصين تلك الكلمات بأناملهن، ليحط عنها بذلك ما اجترحته من الذنوب ويدل على أنهن كن يعرفن عقد الحساب - انتهى. والأنامل جمع أنملة بتثليث الميم والهمزة تسع لغات التي فيها الظفر كذا في القاموس، والظاهر أن يراد بها الأصابع من باب إطلاق البعض وإرادة الكل عكس ما ورد في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] لإرادة المبالغة» اهـ.
стр. 2485
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ ﵀ فِي [لِقَاءِ الْبَابِ الْمَفْتُوحِ] (١/ ٣٤٤):
«أمَّا السنة يكون العقد بالإصبع كله؛ لأنَّ قوله: "اعقدن بالأنامل" معروف العقد عند العرب، أنَّهم لا يعقدون بكل أنملة وحدها، وإنَّما يعقدون بالإصبع كله، فمثلاً يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر بدون أن يشير إلى المفاصل.
بعض الناس يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر على كل مفصل تسبيحه أو تحميده وهذا لا أظن أنَّه هو السنة، السنة هكذا: سبحان الله والحمد لله والله أكبر، سبحان الله والحمد لله والله أكبر، سبحان الله والحمد لله والله أكبر، لماذا؟ لأنَّ الرسول قَالَ: "اعقدن بالأنامل" والعقد عند العرب ما يكون في كل مفصل بل بالأصابع كَمَا فِي حديث ابن عمر عقد ثلاثاً وخمسين أو ثلاثاً وستين» اهـ.
وقَالَ العلامة عبد المحسن العباد وفقه الله في [شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاودَ] (٨/ ٢٣٠): «والعقد بالأنامل معلوم عند العرب، وهو قبض الأنامل وعدها بالإبهام» اهـ.
وقَالَ الشيخ يحيى بن علي الحجوري وفقه الله في [الرياض المستطابة] (٢٧٠):
«ومؤدي اللفظ عقد التسبيح باليمنى والعقد يكون بطبق الأصابع على الكف وفي حديث يسيره قَالَ لهن: "اعقدن التسبيح".
وفي حديث عائشة المتفق عليه قَالَتْ: كان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يحب التيمن في تنعله وترجله وفي شأنه كله. وعنها قَالَتْ: كانت يد رسول الله صَلَّى
стр. 2486
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اليمني لطهوره وطعامه وكانت اليسرى لخلاءه وما كان من أذى. أخرجه أبو داود رقم ٣٣ وسنده صحيح.
وفي حديث أم عطية المتفق عليه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حين غسلن ابنته قَالَ: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها". وفي الصحيحين مِنْ حَدِيْثِ أبي هريرة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا نزع فليبدأ بالشمال لتكنى اليمن أولهن تنعل وآخرهن تنزع" فهذه عمومات صَحِيْحِهِ تشهد لحديث عبد الله بن عمرو أنَّه كان يعقد التسبيح بيمينه ولحديث يسيره، فيصح بها» اهـ.
قُلْتُ: وقد كانت هناك طريقة قديمة في عقد الحساب مشهورة عند العرب ذكرها غير واحد من أهل العلم منهم العلامة الصنعاني فقد قَالَ ﵀ فِي [سُبُلِ الْسَلَامِ] (١/ ١٨٩ - ١٩٠):
«واعلم أنَّ قوله في حديث ابن عمر: "وعقد ثلاثاً وخمسين". إشارة إلى طريقة معروفة تواطأت عليها العرب في عقود الحساب وهي أنواع من الآحاد والعشرات والمئين والألوف أمَّا الآحاد فللواحد عقد الخنصر إلى أقرب ما يليه من باطن الكف وللاثنين عقد البنصر معها كذلك وللثلاثة عقد الوسطى معها كذلك وللأربعة حل الخنصر وللخمسة حل البنصر معها دون الوسطى وللستة عقد البنصر وحل جميع الأنامل وللسبعة بسط الخنصر إلى أصل الإبهام مما يلي الكف وللثمانية بسط البنصر فوقها كذلك وللتسعة بسط الوسطى فوقها كذلك
стр. 2487
وأمَّا العشرات فلها الإبهام والسبابة فللعشرة الأولى عقد رأس الإبهام على طرف السبابة وللعشرين إدخال الإبهام بين السبابة والوسطى وللثلاثين عقد رأس السبابة على رأس الإبهام عكس العشرة وللأربعين تركيب الإبهام على العقد الْأَوْسَطِ من السبابة وعطف الإبهام على أصلها وللخمسين عطف الإبهام إلى أصلها وللستين تركيب السبابة على ظهر الإبهام عكس الأربعين وللسبعين إلقاء رأس الإبهام على العقد الْأَوْسَطِ من السبابة ورد طرف السبابة إلى الإبهام وللثمانين رد طرف السبابة إلى أصلها وبسط الإبهام على جنب السبابة من ناحية الإبهام وللتسعين عطف السبابة إلى أصل الإبهام وضمها بالإبهام وأمَّا المئين فكالآحاد إلى تسعمائة في اليد اليسرى والألوف كالعشرات في اليسرى» اهـ.
قُلْتُ: وقد حمل الحافظ ابن حجر ﵀ عقد النبي ﷺ التسبيح بيده على هذه الكيفية فقَالَ ﵀ فِي [نتائج الأفكار] (١/ ٩٠):
«ومعنى العقد المذكور في الحديث إحصاء العدد، وهو اصطلاح للعرب بوضع بعض الأنامل على بعض عقد الأنملة الأخرى، فالآحاد والعشرات باليمين، والمئون والآلاف باليسار. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الصحيح في ذلك. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
لكن إن عدَّ التسبيح وغيره بأي طريقة فيجزؤه ذلك، وضم الأصابع أقرب من غيره.
стр. 2488
وأمَّا عقد التسبيح بالسبحة فلا أصل له في السنة وقد استدل من أجازها بما رواه الترمذي (٣٥٥٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي كِنَانَةُ، مَوْلَى صَفِيَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ صَفِيَّةَ، تَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ يَدَيَّ أَرْبَعَةُ آلَافِ نَوَاةٍ أُسَبِّحُ بِهَا، قَالَ: «لَقَدْ سَبَّحْتِ بِهَذِهِ، أَلَا أُعَلِّمُكِ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَبَّحْتِ؟» فَقُلْتُ: بَلَى عَلِّمْنِي. فَقَالَ: «قُولِي: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ».
قُلْتُ: هاشم بن سعيد الكوفي هذا ضعيف الحديث، وكنانة ضعفه الأزدي بغير حجة ولم يوثقه معتبر وقَالَ عنه الحافظ ابن حجر ﵀: "مقبول"
ورواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ]، و [الْدُعَاء] (١٧٤٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا أَبِي قَالَ: وَحَدَّثَ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّهِ، ثنا مُسْتَلِمُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ يَزِيدَ يَعْنِي ابْنَ مُعَتِّبٍ، مَوْلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَيْهَا وَبَيْنَ يَدَيْهَا كَوْمٌ مِنْ نَوًى فَسَأَلَهَا: «مَا هَذَا؟» فَقَالَتْ: أُسَبِّحُ بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ سَبَّحْتُ مُنْذُ قُمْتُ عَلَيْكِ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، سَبَّحْتُ فَقُلْتُ». كَيْفَ قُلْتَ: قَالَ: «قُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ».
قُلْتُ: يزيد بن معتب لم أقف له على ترجمة.
والحديثان يقوي بعضهما بعضاً.
стр. 2489
واحتجوا أيضاً بما رواه أبو داود (١٥٠٢)، والترمذي (٣٥٦٨) مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ خُزَيْمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهَا، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوَاةٌ، أَوْ قَالَ: حَصَاةٌ تُسَبِّحُ بِهَا، فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا أَوْ أَفْضَلُ؟ سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ».
قُلْتُ: وخزيمة هذا مجهول.
ورواه البزار في [مُسْنَدِهِ] (١٢٠١)، وأبو يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٧١٠)، والْحَاكِمُ في [مُسْتَدْرَكِهِ] (٢٠٠٩)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٨٣٧) وأسقطوا في حديثهم ذكر خزيمة.
قُلْتُ: الحديث اختلف فيه على عبد الله بن وهب فرواه جماعة عنه بذكر خزيمة وهم:
١ - أحمد بن صالح المصري وهو "ثقة حافظ" وحديثه عند أبي داود (١٥٠٢)
٢ - أصبغ بن الفرج وهو "ثقة فقيه" وحديثه عند الترمذي (٣٥٦٨).
واختلف عليه فرواه عنه أحمد بن الحسن الترمذي وهو "ثقة حافظ" بإثبات خزيمة كَمَا فِي هذه الرواية.
стр. 2490
وتابعه يحيى بن عثمان بن صالح وهو "صدوق" وحديثه عند الطبراني في [الْدُعَاء] (١٧٣٨).
وخالفهم عمر بن الخطاب السجستاني ولم يذكر خزيمة وحديثه عند البزار (١٢٠١) وعمر هذا لم يوثقه معتبر. فروايته هذه منكرة والمعروف ما رواه أحمد بن الحسن الترمذي، ويحيى بن عثمان بن صالح.
٣ - أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح القرشي الأموي، أبو الطاهر المصري وهو "ثقة" وحديثه عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٩٩٢٢).
٤ - أحمد بن عيسى المصري وهو "صدوق" وحديثه عند البيهقي في [الْدَّعَوَاتِ] (٢٧٢).
وخالفهم:
١ - هارون بن معروف المروزي وهو "ثقة" وحديثه عند أبي يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٧١٠).
٢ - حرملة بن يحيى وهو "صدوق" وحديثه عند الْحَاكِمِ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٢٠٠٩)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٨٣٧).
قُلْتُ: فالمحفوظ ما رواه الجماعة بإثبات خزيمة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
واحتجوا أيضاً بما رواه الجرجاني في [تَارِيْخِ جُرْجَان] ص (١٠٨) برقم (٩٤)
أَخْبَرَنِي أَبُو سعيد أَحْمَد بْن عراق بْنِ أُحَيْدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ شُعْبَةُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ النَّوْفَلِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ
следующие страницы →