Полный текст (8 095 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
«وَكَذَا إنْ مَرَّ بِبَلَدٍ لَهُ فِيهِ امْرَأَةٌ أَوْ تَزَوَّجَ، وَعَنْهُ: أَوْ أَهْلٌ "خ" أَوْ مَاشِيَةٌ "خ" لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عباس أو هما "وم" وَقِيلَ: أَوْ مَالٌ، وَفِي "عُمَدِ الْأَدِلَّةِ" لَا مَنْقُولٌ وَقِيلَ: إنْ كَانَ بِهِ وَلَدٌ أَوْ وَالِدٌ أَوْ دَارٌ قَصَرَ.
وَفِي أَهْلِ غَيْرِهِمَا ومال وَجْهَانِ» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن عبَّاس رواه ابن أبي شيبة ﵀ في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٢٣) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «إِذَا انْتَهَيْتَ إِلَى مَاشِيَتِكَ فَأَتْمِمْ».
ورواه (٨٢٢٤) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِثْلَهُ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وقال العلامة منصور البهوتي الحنبلي ﵀ في [كَشَّافِ الْقِنَاعِ] (١/ ٥٠٩):
«الثَّالِثَةُ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (أَوْ) مَرَّ بِبَلَدٍ (تَزَوَّجَ فِيهِ أَتَمَّ) أَتَمَّ حَتَّى يُفَارِقَ الْبَلَدَ الَّذِي تَزَوَّجَ فِيهِ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ تَأَهَّلَ فِي بَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بَعْدَ فِرَاقِ الزَّوْجَةِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ بِهِ أَقَارِبُ كَأُمٍّ وَأَبٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ مَالٍ لَمْ يُمْنَعْ عَلَيْهِ الْقَصْرُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا سَبَقَ» اهـ.
وقال العلامة يحيى بن أبي الخير الشافعي ﵀ في [الْبَيَانِ] (٢/ ٤٧٢):
стр. 2592
«فإن دخل المسافر في طريقه بلدًا له فيها أهل ومال، ولم ينو الإقامة فيها، فإن له أن يقصر فيها؛ لأنَّ الرسول ﷺ حج معه خلق كثير من المهاجرين، وكذلك حج أبو بكر ﵁ بالناس في زمان رسول الله ﷺ ، وكذلك عمر وعثمان ﵄ حجًّا بالناس، وكان لهم بمكة دور، وأهل، وقرابة، ولم ينقل: أنَّ أحدًا منهم أتم الصلاة، بل نقل: أنَّهم قصروا فيها.
ولأنَّ الإقامة إنَّما تكون بنية الإقامة، أو بأن تحصل بدار إقامته، ولم يوجد شيء منهما» اهـ.
قُلْتُ: هذا هو القول الصحيح وحجته كما ترى ظاهرة.
وقد تأولت عائشة أيضاً الإتمام في السفر فروى الْبُخَارِيّ (١٠٩٠)، ومُسْلِم (٦٨٥) عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «الصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ».
قَالَ الزُّهْرِيُّ: «فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ قَالَ: تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ».
وأمَّا ما رواه الطبري في [تَفْسِيْرِهِ] (١٠٣١٧) حَدَّثَنِي أَبُو عَاصِمٍ، عِمْرَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، قَالَ: ثني عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، تَقُولُ فِي السَّفَرِ: «أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ. فَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي
стр. 2593
فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ؟ فَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي حَرْبٍ وَكَانَ يَخَافُ، هَلْ تَخَافُونَ أَنْتُمْ؟».
فهو حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لا يثبت لجهالة عمران فلم يذكره غير ابن حبان في "ثقاته"، وعمر بن عبد الله لم أعرفه، والقول بأنَّه تصحف من محمد إلى عمر فيه نظر، وذلك أنَّه رواه أيضاً في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٤٣٧) من طريق عمر بن عبد الله هذا.
وهكذا السيوطي ذكره في [الْدُّرِ الْمَنْثُورِ] (٢/ ٦٥٦) فقال:
«وَأخرج ابْن جرير من طَرِيق عمر بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكر الصّديق» اهـ.
والصحيح في تأولها ما رواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٤٣٠)
من طريق وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، ثنا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا، فَقُلْتُ لَهَا: لَوْ صَلَّيْتِ رَكْعَتَيْنِ؟ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، إِنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيَّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
٤ - ويستثنى من القصر صلاة المغرب والفجر اتفاقاً.
وقد روى أحمد (٢٦٠٨٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «قَدْ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 2594
ﷺ الْمَدِينَةَ زَادَ مَعَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِبَ، فَإِنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ، وَصَلَاةَ الْفَجْرِ لِطُولِ قِرَاءَتِهِا، قَالَ: وَكَانَ إِذَا سَافَرَ صَلَّى الصَّلَاةَ الْأُولَى».
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٧٧٤) حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِبُ فَإِنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ».
ورواه إسحاق بن راهويه في [مُسْنَدِهِ] (١٦٣٥ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، نا دَاوُدُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ زِيدَتْ رَكْعَتَانِ أُخْرَيَانِ وَتُرِكَ الرَّكْعَتَانِ الْأُولَيَانِ فِي السَّفَرِ إِلَّا الْفَجْرَ فَإِنَّهُ يُطَالُ فِيهِمَا الْقِرَاءَةُ».
قُلْتُ: أبو معاوية هو الضرير محمد بن خازم. وهذا إسناد مرسل، وقد جاء موصولاً فيما رواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٤٢٦٠)، وفي [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٢٣٩١) مِنْ طَرِيقِ مرجى بن رجاء، حدثنا داود وهو ابن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ. فذكره.
قُلْتُ: ومرجى هذا مختلف فيه، وقَالَ فيه الحافظ ابن حجر ﵀ فِي "الْتَقْرِيْب": «صدوق ربما وهم» اهـ.
ورواه ابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (١٤٤٧)، وابن مندة في [الْفَوائِد] (١٣) مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، نا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا قَالَتِ: «افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الصَّلَاةَ عَلَى
стр. 2595
نَبِيِّهِ ﷺ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، إِلَّا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ اتَّخَذَهَا دَارَ هِجْرَةٍ، وَأَقَامَ بِهَا زَادَ إِلَى كُلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ، وَإِلَّا صَلَاةَ الْغَدَاةِ يُطِيلُ فِيهَا الْقِرَاءَةَ وَإِلَّا الْخُطْبَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَصَلَاتَهَا رَكْعَتَيْنِ مِنْ أَجْلِ الْخُطْبَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَافَرَ صَلَّى بِالنَّاسِ الصَّلَاةَ الَّتِي افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ زَادَ إِلَى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ».
قُلْتُ: لكن علي بن عاصم ضعيف الحديث.
وتابعهما محبوب بن الحسن فيما رواه السراج في [مُسْنَدِهِ] (١٣٩٨) مِنْ طَرِيقِ محبوب بن الحسن ثنا داود عن الشعبي عن مسروق عَنْ عَائِشَةَ. بنحوه.
قُلْتُ: ومحبوب هذا اسمه محمد بن الحسن ومحبوب لقب له، وقد ضعفه النسائي، وقَالَ بن معين: ليس به بأس. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي "الْتَقْرِيْب": «صدوق لين، و رمى بالقدر» اهـ.
قُلْتُ: فالصحيح في هذا الحديث الانقطاع بين الأعمش وعائشة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وروى أحمد (٥٥٥٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ قَيْسٍ الْمَأْرِبِيُّ، حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ شَرَاحِيلَ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَقُلْنَا مَا صَلَاةُ الْمُسَافِرِ؟ فَقَالَ: رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، إِلَّا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ ثَلَاثًا، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كُنَّا بِذِي الْمَجَازِ قَالَ: وَمَا ذُو الْمَجَازِ؟ قُلْتُ: مَكَانًا نَجْتَمِعُ فِيهِ، وَنَبِيعُ فِيهِ، وَنَمْكُثُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ
стр. 2596
خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، قَالَ: يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ، كُنْتُ بِأَذْرَبِيجَانَ لَا أَدْرِي قَالَ: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ، فَرَأَيْتُهُمْ يُصَلُّونَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، «وَرَأَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ نُصْبَ عَيْنِي يُصَلِّيهِمَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ» ثُمَّ نَزَعَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ.
قُلْتُ: يحيى بن قيس، وثمامة لم يوثقهما معتبر.
وروى أحمد في [الْمُسْنَدِ] (١٩٨٧٨) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، أَنَّ فَتًى سَأَلَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ فَعَدَلَ إِلَى مَجْلِسِ الْعُوقَةِ فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا الْفَتَى سَأَلَنِي عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ فَاحْفَظُوا عَنِّي: مَا سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَفَرًا إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَرْجِعَ، وَإِنَّهُ أَقَامَ بِمَكَّةَ زَمَانَ الْفَتْحِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً يُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ».
وَحَدَّثَنَاهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِيهِ «إِلَّا الْمَغْرِبَ» ثُمَّ يَقُولُ: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ قُومُوا فَصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ؛ فَإِنَّا سَفْرٌ». «ثُمَّ غَزَا حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى جِعِرَّانَةَ فَاعْتَمَرَ مِنْهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ، ثُمَّ غَزَوْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَحَجَجْتُ وَاعْتَمَرْتُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ يُونُسُ: إِلَّا الْمَغْرِبَ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، قَالَ يُونُسُ: إِلَّا الْمَغْرِبَ، ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعًا».
стр. 2597
قُلْتُ: وفي إسناده علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف الحديث.
وروى سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٢٥٠٩) واللفظ له، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٨٥) فَقَالَ: نا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِبَ فَإِنَّهُ صَلَّاهَا ثَلَاثًا، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِبَ فَإِنَّهُ صَلَّاهَا ثَلَاثًا».
قُلْتُ: وفيه حجاج وهو ابن أرطأة ضعيف مدلس وقد عنعن، وأبو إسحاق هو الهمداني مختلط، والحارث هو الأعور ضعيف الحديث.
قُلْتُ: ويغني عن هذا ما رواه مُسْلِم (١٢٨٨) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ، قَالَ: «جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ» فَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُصَلِّي بِجَمْعٍ كَذَلِكَ، حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ تَعَالَى.
وروى الْبُخَارِيّ (١٠٩٢) معلقاً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ، فَيُصَلِّيهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ، فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ وَلَا يُسَبِّحُ بَعْدَ العِشَاءِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ».
قُلْتُ: وقد وصله البيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٣٢٦).
стр. 2598
٥ - وَقَوْلُهُ في الحديث: «لا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ». يقتضي القصر في كل سفر طال أم قصر.
وقد اختلف العلماء في المدة التي إذا أقامها المسافر يقصر فيها من الصلاة فذهب ابن عباس ﵄ إلى أنَّها تسعة عشر يوماً فروى الْبُخَارِيّ (٤٢٩٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَقَمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ تِسْعَ عَشْرَةَ نَقْصُرُ الصَّلَاةَ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَنَحْنُ نَقْصُرُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ تِسْعَ عَشْرَةَ، فَإِذَا زِدْنَا أَتْمَمْنَا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ٨٨):
«المشهور عن أحمد ﵀ أنَّ المدة التي تلزم المسافر الإتمام بنية الإقامة فيها، هي ما كان أكثر من إحدى وعشرين صلاة. رواه الأثرم، والمروذي، وغيرهما، وعنه أنَّه إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم، وإن نوى دونها قصر. وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي ثور؛ لأنَّ الثلاث حد القلة، بدليل قول النبي ﷺ : "يقيم المهاجر بعد قضاء منسكه ثلاثاً".
ولما أخلى عمر ﵁ أهل الذمة، ضرب لمن قدم منهم تاجراً ثلاثاً، فدل على أنَّ الثلاث في حكم السفر، وما زاد في حكم الإقامة. ويروى هذا القول عن عثمان ﵁.
وقَالَ الثوري، وأصحاب الرأي: إن أقام خمسة عشر يوماً مع اليوم الذي يخرج فيه أتم، وإن نوى دون ذلك قصر. وروي ذلك عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وسعيد بن جبير،
стр. 2599
والليث بن سعد؛ لما روي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابن عباس، أنَّهما قَالَا: إذا قدمت وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة. ولا يعرف لهم مخالف. وروي عن سعيد بن المسيب مثل هذا القول.
وروى عنه قتادة، قَالَ: إذا أقمت أربعاً فصل أربعاً.
وروي عن علي ﵁ قَالَ: يتم الصلاة الذي يقيم عشراً، ويقصر الصلاة الذي يقول: أخرج اليوم، أخرج غداً، شهراً. وهذا قول محمد بن علي وابنه والحسن بن صالح.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذا قدمت بلدة، فلم تدر متى تخرج، فأتم الصلاة، وإن قُلْتُ: أخرج اليوم، أخرج غداً. فأقمت عشراً، فأتم الصلاة.
وعنه، أنه قَالَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين".
قَالَ ابن عباس: فنحن إذا أقمنا تسع عشرة نصلي ركعتين، وإذا زدنا على ذلك أتممنا.
رواه الْبُخَارِيّ.
وقَالَ الحسن: صل ركعتين ركعتين، إلى أن تقدم مصراً، فأتم الصلاة وصم.
وقَالَت عائشة: إذا وضعت الزاد والمزاد فأتم الصلاة.
وكان طاووس إذا قدم مكة صلى أربعاً.
стр. 2600
ولنا، ما روى أنس، قَالَ: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة، فصلى ركعتين حتى رجع، وأقام بمكة عشراً يقصر الصلاة". متفق عليه.
وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قدم لصبح رابعة"، فأقام النبي ﷺ اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها.
قَالَ: فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي ﷺ قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم.
قَالَ الأثرم: وسمعت أبا عبد الله يذكر حديث أنس في الإجماع على الإقامة للمسافر.
فقَالَ: هو كلام ليس يفقهه كل أحد.
وَقَوْلُهُ: أقام النبي ﷺ عشراً يقصر الصلاة فقَالَ: قدم النبي ﷺ لصبح رابعة وخامسة وسادسة وسابعة. ثم قَالَ: وثامنة يوم التروية، وتاسعة وعاشرة.
فإنَّما وجه حديث أنس أنَّه حسب مقام النبي ﷺ بمكة ومنى، وإلَّا فلا وجه له عندي غير هذا.
стр. 2601
فهذه أربعة أيام، وصلاة الصبح بها يوم التروية تمام إحدى وعشرين صلاة يقصر، فهذا يدل على أن من أقام إحدى وعشرين صلاة يقصر، وهي تزيد على أربعة أيام، وهذا صريح في خلاف قول من حده بأربعة أيام.
وقول أصحاب الرأي: لم نعرف لهم مخالفاً في الصحابة، غير صحيح، فقد ذكرنا الخلاف فيه عنهم، وذكرنا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نفسه خلاف ما حكوه عنه. رواه سعيد في سُنَنِهِ، ولم أجد ما حكوه عنه فيه.
وحديث ابن عباس في إقامة تسع عشرة، وجهه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يجمع الإقامة.
قَالَ أحمد: أقام النبي ﷺ بمكة ثماني عشرة زمن الفتح؛ لأنَّه أراد حنيناً، ولم يكن ثم إجماع المقام. وهذه هي إقامته التي رواها ابن عباس، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٣٦٤):
«قد ذكرنا أن مذهبنا أنَّه إن نوى إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج انقطع الترخص وإن نوى دون ذلك لم ينقطع وهو مذهب عثمان بن عفان وابن المسيب ومالك وأبي ثور» اهـ.
قُلْتُ: لم يثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه أتم في سفر من أسفاره ولا في حال نزوله في سفره.
стр. 2602
وقد مكث ﵊ في مكة في حجة الوداع أربعة أيام.
فروى الْبُخَارِيّ (٢٥٠٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵃، قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الحِجَّةِ … ».
وروى الْبُخَارِيّ (٧٣٦٧)، ومُسْلِم (١٢١٦) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الحِجَّةِ … ».
قُلْتُ: ومكث النبي ﷺ حتى صلى الفجر في مكة في يوم الثامن وهو يوم التروية ثم انطلق إلى منى فصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر.
ويدل على ذلك ما رواه مُسْلِم (١٢١٨) في حديث جابر الطويل في حجة الوداع وفيه: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ».
وروى الْبُخَارِيّ (١٦٥٣)، ومُسْلِم (١٣٠٩) عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قُلْتُ: «أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى … ».
قُلْتُ: وقد بات النبي ﷺ قبل دخول مكة في ذي طوى وصلى بها الفجر ثم دخل مكة.
стр. 2603
فروى الْبُخَارِيّ (١٥٧٤)، مُسْلِم (١٢٥٩) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄، قَالَ: «بَاتَ النَّبِيُّ ﷺ بِذِي طِوًى حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُهُ».
وفي لفظ لمُسْلِم (١٢٥٩) «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طَوًى وَيَبِيتُ بِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ».
وروى مُسْلِم (١٢٤٠) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصُّبْحَ بِذِي طَوًى وَقَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ».
قُلْتُ: ومقتضى هذا أنَّه ﵊ صلى في مكة عشرين صلاة لا إحدى وعشرين. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقد أقام النبي ﷺ أيضاً عشراً يقصر الصلاة.
فروى الْبُخَارِيّ (٤٢٩٧) عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «أَقَمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرًا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ».
ورواه مُسْلِم (٦٩٣) عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ»، قُلْتُ: كَمْ أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: «عَشْرًا».
وقد بوَّب عليه الْبُخَارِيّ بقوله: «بَابُ مَقَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ زَمَنَ الفَتْحِ».
стр. 2604
قُلْتُ: والصحيح أنَّ هذا كان يوم حجة الوداع أمَّا يوم الفتح فقد مكث أكثر من ذلك فقد روى الْبُخَارِيّ (٤٢٩٨) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: «أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ٢١):
«فظاهر هذين الحديثين التعارض والذي اعتقده أنَّ حديث أنس إنَّما هو في حجة الوداع فأنَّها هي السفرة التي أقام فيها بمكة عشراً لأنَّه دخل يوم الرابع وخرج يوم الرابع عشر وأمَّا حديث ابن عباس فهو في الفتح» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء حديث ابن عباس بلفظ آخر فروى أبو داود (١٢٣٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، الْمَعْنَى وَاحِدٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَامَ سَبْعَ عَشْرَةَ بِمَكَّةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. حفص هو ابن غياث، وعاصم هو الأحول. إلَّا أنَّ قوله: «سَبْعَ عَشْرَةَ». لفظة شاذة خالف فيها حفص بن غياث ثقات أصحاب عاصم.
قُلْتُ: وفي الحديث اختلاف آخر فروى أبو داود (١٢٣٣)، وابن ماجه (١٠٧٦) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ خَمْسَ عَشْرَةَ،
стр. 2605
يَقْصُرُ الصَّلَاةَ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَأَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ.
قُلْتُ: ابن إسحاق مدلس وقد عنعن، والصحيح في هذا الحديث الإرسال.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِي ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٣/ ١٥١):
«هذا هو الصحيح مرسل ورواه أيضاً عبدة بن سليمان وأحمد بن خالد الوهبي وسلمة بن الفضل عن بن إسحاق ولم يذكروا فيه ابن عباس إلَّا محمد بن سلمة فإنه رواه عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن بن عباس قَالَ أقام رسول الله ﷺ عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة» اهـ.
ورواه النسائي (١٤٥٣) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَامَ بِمَكَّةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ».
قُلْتُ: عبد الرحمن بن الأسود لا يعرف حاله.
وروى أحمد (١٩٨٧٨، ١٩٨٨٤، ١٩٨٩١)، وأبو داود (١٢٣١) مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْفَتْحَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ: «صَلُّوا أَرْبَعًا؛ فَإِنَّا سَفْرٌ».
стр. 2606
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ من أجل علي بن زيد.
وقصر النبي ﷺ في تبوك أياماً.
فروى أحمد (١٤١٧٢)، ومِنْ طَرِيقِه وأبو داود (١٢٣٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «غَيْرُ مَعْمَرٍ يُرْسِلُهُ، لَا يُسْنِدُهُ».
وقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِي ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٣/ ١٥٢):
«تفرد معمر بروايته مسنداً ورواه علي بن المبارك وغيره عن يحيى عن بن ثوبان عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مرسلاً» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاءت آثار عن الصحابة تدل على القصر في الزمن الطويل.
فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٨٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: ثنا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ، قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّا نُطِيلُ الْقِيَامَ بِالْغَزْوِ بِخُرَاسَانَ فَكَيْفَ تَرَى؟ فَقَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ أَقَمْتَ عَشْرَ سِنِينَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥١٠٠، ٨٢٠٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، «أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، أَقَامَ بِنَيْسَابُورَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَلَا يُجَمِّعُ».
стр. 2607
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. وعبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى، ويونس هو ابن عبيد، والحسن هو البصري.
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٦٨٢) من طريق أنس بن سيرين عن الحسن به.
وروى عبد الرزاق [مُصَنَّفِهِ] (٤٣٥٢، ٤٣٥٣)
عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «كُنَّا مَعَهُ فِي بَعْضِ بِلَادِ فَارِسَ سَنَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يَجْمَعُ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ».
ورواه أيضاً عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، مِثْلُهُ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وروى الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٧٠٧) حَدَّثَنَا ابْنُ حَمِيدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْبَرْدِ، وَلَمْ يُرِدِ الْإِقَامَةَ».
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤٣٣٩) عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: «إِذَا أَزْمَعْتَ إِقَامَةً فَأَتِمَّ».
قُلْتُ: عبد الله بن عمر هو العمري ضعيف الحديث ويشهد له ما سبق.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ١٤٢):
стр. 2608
«قَالَ الْأَثْرَمُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يصلي رَكْعَتَيْنِ وَقَدْ حَالَ الثَّلْجُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّخُولِ» اهـ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٨٣) حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «إِنْ أَقَمْتَ فِي بَلَدٍ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ فَاقْصُرِ الصَّلَاةَ».
قُلْتُ: هذا إسناد رجاله ثقات جرير هو ابن عبد الحميد، والمغيرة هو ابن مقسم الضبي وهو مدلس وقد عنعن.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٨٤) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: ثنا مِسْعَرٌ، وَسُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِسْوَرٍ، قَالَ: أَقَمْنَا مَعَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ شَهْرَيْنِ، قَالَ سُفْيَانُ: بِعُمَانَ، وَقَالَ مِسْعَرٌ: بِعُمَانَ أَوْ بِنَعْمَانَ، يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَنَحْنُ نُتِمُّ، فَقُلْنَا لَهُ: فَقَالَ: «نَحْنُ أَعْلَمُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ حبيب بن أبي ثابت مدلس وقد عنعن، وعبد الرحمن بن مسور لم أقف على من تكلم عليه بجرح ولا تعديل.
وروى الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٦٩٨) حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَوِ ابْنِ صَالِحٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو وَقُلْتُ: أَكُونُ فِي زَرْعِي وَغَنَمِي سِتَّةَ أَشْهُرٍ، كَيْفَ أُصَلِّي؟ فَقَالَ: رَكْعَتَيْنِ. وَسَأَلْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ مِثْلَ
стр. 2609
ذَلِكَ. وَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَكُونُ فِي زَرْعِي وَغَنَمِي فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ».
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ صَالِحٍ - أَوْ عَنِ ابْنِ صَالِحِ - قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
قُلْتُ: صالح، أو أبو صالح، أو ابن صالح لم أعرفه.
٦ - وفيه أنَّ القصر يكون في السفر ولا يكون في بلد الإقامة حتى لو دخل بلد إقامته مجتازاً إلى غيرها وجب عليه الإتمام على الصحيح، وهو مذهب جمهور العلماء، وذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين إلى أنَّ له أن يقصر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٢١٤):
«قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْحَجِّ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ، فَلَا يُقِيمُ بِهَا حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَهَذَا يُصَلِّي بِعَرَفَةَ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ أَنْشَأَ السَّفَرَ، فَهُوَ فِي سَفَرٍ مِنْ حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ مُقِيمًا بِبَغْدَادَ، فَأَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الْكُوفَةِ، فَعَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِالنَّهْرَوَانِ، ثُمَّ رَجَعَ فَمَرَّ بِبَغْدَادَ ذَاهِبًا إلَى الْكُوفَةِ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ إذَا كَانَ يَمُرُّ بِبَغْدَادَ مُجْتَازًا، لَا يُرِيدُ الْإِقَامَةَ بِهَا. وَإِنْ كَانَ الَّذِي خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ فِي نِيَّتِهِ الْإِقَامَةُ بِمَكَّةَ إذَا رَجَعَ، فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ بِعَرَفَةَ، وَلِذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ لَا يَقْصُرُونَ» اهـ.
стр. 2610
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٣/ ٩٧):
«ولو مر بوطنه أتم "وهـ م ق" وعنه: لا» اهـ.
وَقَاَل الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٢/ ٣٣١)
«لَوْ مَرَّ بِوَطَنِهِ أَتَمَّ مُطْلَقًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ يَقْصُرُ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ سِوَى الْمُرُورِ» اهـ.
* * *
стр. 2611
باب الجمعة.
١٣٠ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدي ﵁: «أنَّ رِجَالاً تَمارُوا فِي مِنْبرٍ رَسُول الله ﷺ مِنْ أيِّ عُودٍ هُوَ؟
فقال سَهْلٌ: مِنْ طَرْفاءِ الْغَابَةِ، وَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عليهِ فَكبَّرَ وَكبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ وَهو عَلَى المِنْبَرِ، ثُمَّ ركَع فنزل القَهْقَري حَتَّى سَجَدَ في أصلِ الْمِنبرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فرَغَ مِنْ آخِرِ صَلَاتِهِ ثم أَقْبَلَ عَلَى النَّاس فَقَالَ: "يَا أيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هذَا لِتَأتمُّوا بي وَلِتَعلَّمُوا صَلَاتي"».
وَفِي لَفْظٍ: «فَصَلَّى وَهُوَ عَليْها ثَم كَبَّر عَلَيْهَا، ثُمَّ رَفَعَ وَهُوَ عَليْهَا ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرى».
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في [تَفْسِيْرِهِ] (٨/ ١١٩):
«إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْجُمُعَةُ جُمُعَةً؛ لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجَمْعِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً بِالْمَعَابِدِ الْكِبَارِ وَفِيهِ كَمُل جَمِيعُ الْخَلَائِقِ، فَإِنَّهُ الْيَوْمُ السَّادِسُ من الستة التي خلق الله فيها السموات وَالْأَرْضَ. وَفِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا. وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ. وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ كَمَا ثَبَتَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ» اهـ.
قُلْتُ: وروى ابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (١٧٣٢)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٦٠٩١)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٠٢٨) من طريق جَرِيرٍ، عَنْ
стр. 2612
مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ الْقَرْثَعِ الضَّبِّيِّ قَالَ: وَكَانَ الْقَرْثَعُ مِنْ قُرَّاءِ الْأَوَّلِينَ، عَنْ سَلْمَانَ? قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا سَلْمَانُ، مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ؟» قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «يَا سَلْمَانُ مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «يَا سَلْمَانُ مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ؟» قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «يَا سَلْمَانُ، يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِهِ جُمِعَ أَبُوكَ أَوْ أَبُوكُمْ، أَنَا أُحَدِّثُكَ عَنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، مَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَمَا أُمِرْتُمْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَيَقْعُدَ، فَيُنْصِتَ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ، إِلَّا كَانَ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٦٠٩٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَضْرَمِيُّ، ثنا أَبُو كُرَيْبٍ، ثنا حَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْقَرْثَعِ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا سَلْمَانُ: أَتَدْرِي مَا الْجُمُعَةُ؟ فِيهَا جُمِعَ أَبُوكَ آدَمُ» وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ غُفِرَ لَهُ أَوْ كُفِّرَ عَنْهُ».
قُلْتُ: إبراهيم النخعي روى هذا الحديث عن علقمة، ولعل هذه الرواية من أوهام قيس وهو ابن الربيع.
ومن فضائله ما رواه الْبُخَارِيّ (٨٧٦)، ومُسْلِم (٨٥٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ
стр. 2613
يَوْمَ القِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ اليَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ».
قال في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ١٥٧):
«إنْ قُلْت مَا مَعْنَى قَوْلِهِ "فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ"؟ قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ إنَّا أَوَّلُ مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ لِلْجُمُعَةِ وَأَقَامَ أَمْرَهَا وَعَظَّمَ حُرْمَتَهَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ تَبَعٌ لَنَا وَفِي صَحِيحِ مُسْلِم وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحُذَيْفَةَ قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَضَلَّ اللَّهُ عَنْ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالْأَحَدَ فَلِذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقْضِيُّ لَهُمْ وَفِي رِوَايَةٍ بَيْنَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ" وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِلَفْظِ "الْمَغْفُورِ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ" وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ أَوَّلُ الْأُسْبُوعِ وَلَا أَعْلَمُ قَائِلًا بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٥٤):
«وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالسَّبْقِ هُنَا إِحْرَازُ فَضِيلَةِ الْيَوْمِ السَّابِقِ بِالْفَضْلِ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا بِسَبْتٍ قَبْلَهُ أَوْ أَحَدٍ لَكِنْ لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ مُتَوَالِيَةً إِلَّا وَيَكُونُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ سَابِقًا وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالسَّبْقِ أَيْ إِلَى الْقَبُولِ وَالطَّاعَةِ الَّتِي حُرِمَهَا أَهْلُ الْكِتَابِ فَقَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَالْأَوَّلُ أَقْوَى» اهـ.
стр. 2614
وقال ﵀ (٢/ ٣٥٦):
«وَفِيهِ أَنَّ الْهِدَايَةَ وَالْإِضْلَالَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَنَّ سَلَامَةَ الْإِجْمَاعِ مِنَ الْخَطَأِ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَنَّ اسْتِنْبَاطَ مَعْنًى مِنَ الْأَصْلِ يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ بَاطِلٌ وَأَنَّ الْقِيَاسَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَاسِدٌ وَأَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي زَمَنِ نُزُولِ الْوَحْيِ جَائِزٌ وَأَنَّ الْجُمُعَةَ أَوَّلُ الْأُسْبُوعِ شَرْعًا» اهـ.
وروى مُسْلِم (٨٥٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا».
وروى مُسْلِم (٢٨٣٣) حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا، يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ، وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا».
وللجمعة فضائل كثيرة وخصائص متعددة جمعها العلامة ابن القيم ﵀ في "الزاد".
قُلْتُ: المنبر في اللغة: مرقاة يرتقيها الخطيب؛ مشتق من النبر وهو الارتفاع؛ وسمي منبراً لارتفاعه وعلوه.
стр. 2615
وَقَوْلُهُ: «مِنْ طَرْفاءِ الْغَابَةِ». قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٩٩): «في رواية سفيان عن أبي حازم "من أثلة الغابة" كما تقدم في أوائل الصلاة ولا مغايرة بينهما فإنَّ الأثل هو الطرفاء وقيل يشبه الطرفاء وهو أعظم منه.
"والغابة" بالْمُعْجَمِة وتخفيف الموحدة موضع من عوالي المدينة جهة الشام وهي اسم قرية بالبحرين أيضاً وأصلها كل شجر ملتف» اهـ.
قوله: «ثُمَّ نَزَلَ القَهْقَرَى». وهو الرجوع إلى خلف؛ وذلك حتى لا ينحرف عن القبلة.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب اتخاذ المنبر للخطيب.
٢ - أنَّ منبر النبي ﷺ كان من خشب.
قُلْتُ: ويجوز اتخاذ المنبر من غير الخشب لأنَّ الغرض منه ارتفاع الخطيب حتى يسمع صوته ويشاهده الناس وهذا يحصل في كل منبر وإن كان من غير الخشب، وليس هناك ما يدل من السنة أنَّه لا بد في المنبر أن يكون من خشب.
وقد روى الْبُخَارِيّ (٧٣٠٠) مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ ﵁، عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ آجُرٍّ وَعَلَيْهِ سَيْفٌ فِيهِ صَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا مِنْ كِتَابٍ يُقْرَأُ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ فَنَشَرَهَا، فَإِذَا فِيهَا
стр. 2616
أَسْنَانُ الإِبِلِ، وَإِذَا فِيهَا: «المَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ عَيْرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا»، وَإِذَا فِيهِ: «ذِمَّةُ المُسْلِمينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِما فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا»، وَإِذَا فِيهَا: «مَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٣/ ٢٧٨):
«قوله: خطبنا علي بن أبي طالب على منبر من آجر بالمد وضم الجيم هو الطوب المشوي» اهـ.
قُلْتُ: وقد كان منبر النبي ﷺ ثلاث درجات.
فقد روى مُسْلِم (٥٤٤) عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ نَفَرًا جَاءُوا إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَدْ تَمَارَوْا فِي الْمِنْبَرِ مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ؟ فَقَالَ: أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ، وَمَنْ عَمِلَهُ، وَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ، قَالَ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، فَحَدِّثْنَا، قَالَ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ - قَالَ أَبُو حَازِمٍ: إِنَّهُ لَيُسَمِّيَهَا يَوْمَئِذٍ - «انْظُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أُكَلِّمُ النَّاسَ عَلَيْهَا» فَعَمِلَ هَذِهِ الثَّلَاثَ دَرَجَاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَوُضِعَتْ هَذَا الْمَوْضِعَ، فَهِيَ مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَيْهِ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، وَهُوَ عَلَى
стр. 2617
الْمِنْبَرِ، ثُمَّ رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلَاتِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي».
قُلْتُ: ولم يتابع عبد العزيز في ذكره لدرجات المنبر في حديث سهل إلَّا المسعودي عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة وهو ضعيف الحديث وحديثه عند الدارمي (٤٠).
وقد جاء في درجات المنبر عدة أحاديث منها
حديث أنس بن مالك ﵁.
رواه الدارمي (٤١)، وابن خزيمة (١٧٧٧) مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ يُونُسَ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، نا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، ثنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى جِذْعٍ مَنْصُوبٍ فِي الْمَسْجِدِ فَيَخْطُبُ، فَجَاءَ رُومِيٌّ فَقَالَ: أَلَا نَصْنَعُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ وَكَأَنَّكَ قَائِمٌ؟ فَصَنَعَ لَهُ مِنْبَرًا لَهُ دَرَجَتَانِ، وَيَقْعُدُ عَلَى الثَّالِثَةِ، فَلَمَّا قَعَدَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ خَارَ الْجِذْعُ خُوَارَ الثَّوْرِ حَتَّى ارْتَجَّ الْمَسْجِدُ بِخُوَارِهِ حُزْنًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمِنْبَرِ، فَالْتَزَمَهُ وَهُوَ يَخُورُ، فَلَمَّا الْتَزَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ،
стр. 2618
لَوْ لَمْ أَلْتَزِمْهُ مَا زَالَ هَكَذَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ حُزْنًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ »، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدُفِنَ - يَعْنِي الْجِذْعَ -.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وهو عند الترمذي (٣٦٢٧) مختصراً من غير ذكر الدرج.
ومنها حديث عبد الله بن عمر ﵄.
رواه أبو داود (١٠٨٣) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَدَّنَ قَالَ لَهُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ: أَلَا أَتَّخِذُ لَكَ مِنْبَرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَجْمَعُ - أَوْ يَحْمِلُ - عِظَامَكَ؟ قَالَ: «بَلَى»، فَاتَّخَذَ لَهُ مِنْبَرًا مِرْقَاتَيْنِ.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ.
ومنها حديث أبي بن كعب ﵁.
ورواه أحمد (٢١٢٨٥، ٢١٢٨٩، ٢١٢٩٥)، وابن ماجه (١٤١٤) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جِذْعٍ إِذْ كَانَ الْمَسْجِدُ عَرِيشًا، وَكَانَ يَخْطُبُ النَّاسَ إِلَى جَانِبِ ذَلِكَ الْجِذْعِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَكَ أَنْ أَجْعَلَ لَكَ مِنْبَرًا تَقُومُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، حَتَّى يَرَى النَّاسُ خُطْبَتَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَصَنَعَ لَهُ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ هِيَ الَّتِي عَلَى الْمِنْبَرِ. فَلَمَّا قُضِيَ الْمِنْبَرُ، وَوُضِعَ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
стр. 2619
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُومَ عَلَى ذَلِكَ الْمِنْبَرِ، فَمَرَّ إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَنْ جَاوَزَ الْجِذْعَ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ إِلَيْهِ وَيَقُومُ إِلَيْهِ، خَارَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْجِذْعُ حَتَّى تَصَدَّعَ وَانْشَقَّ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا سَمِعَ صَوْتَ الْجِذْعِ فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِنْبَرِ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى مَعَ ذَلِكَ مَالَ إِلَى الْجِذْعِ يَقُولُ الطُّفَيْلُ: «فَلَمَّا هُدِمَ الْمَسْجِدُ وَغُيِّرَ أَخَذَ أَبُوهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ذَلِكَ الْجِذْعَ، فَكَانَ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ حَتَّى بَلِيَ وَأَكَلَتْهُ الْأَرَضُ، وَعَادَ رُفَاتًا».
قُلْتُ: ابن عقيل الراجح فيه الضعف ولا بأس بهذا الحديث في الشواهد.
ومنها حديث عبد الله بن عباس ﵄.
رواه أحمد (٢٤١٩) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ عَمْرٍو يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَوَاجِبٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا، وَمَنْ شَاءَ اغْتَسَلَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ بَدْءِ الْغُسْلِ: كَانَ النَّاسُ مُحْتَاجِينَ، وَكَانُوا يَلْبَسُونَ الصُّوفَ، وَكَانُوا يَسْقُونَ النَّخْلَ عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَكَانَ مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ ضَيِّقًا مُتَقَارِبَ السَّقْفِ، فَرَاحَ النَّاسُ فِي الصُّوفِ فَعَرِقُوا، وَكَانَ مِنْبَرُ النَّبِيِّ ﷺ قَصِيرًا، إِنَّمَا هُوَ ثَلاثُ دَرَجَاتٍ، فَعَرِقَ النَّاسُ فِي الصُّوفِ، فَثَارَتْ أَرْوَاحُهُمْ، أَرْوَاحُ الصُّوفِ، فَتَأَذَّى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، حَتَّى بَلَغَتْ أَرْوَاحُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى
стр. 2620
الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِذَا جِئْتُمُ الْجُمُعَةَ، فَاغْتَسِلُوا، وَلْيَمَسَّ أَحَدُكُمْ مِنْ أَطْيَبِ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ الإسناد رواية عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة مضطربة.
قُلْتُ: وهو عند أبي داود (٣٥٣) من غير ذكر الدرج.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [شَرْحِ عِلَلِ الْتِرْمِذي] ص (٣٤٧):
«ومنهم عمرو بن أبي عمرو المدني مولى المطلب بن حنطب وهو ثقة متفق على تخريج حديثه، مع أنه تكلم فيه ابن معين، وقَالَ: "روى عنه مالك، وكان يستضعفه".
وقَالَ الْبُخَارِيّ: "هو صدوق، لكن روى عن عكرمة مناكير ولم يذكر في شيء منها أنَّه سمع من عكرمة" نقله عنه الترمذي في كتاب العلل، ولم يخرج له في الصحيح شيء عن عكرمة، وقد روي عنه حديث: "من وقع على بهيمة فاقتلوه".
وقَالَ أحمد: "كل أحاديثه عن عكرمة مضطربة، لكنه نسب الاضطراب إلى عكرمة لا إلى عمرو"» اهـ.
قُلْتُ: ولا بأس بهذا الحديث في الشواهد.
وقد اختلف العلماء في تطويل المنبر والذي يظهر لي جواز ذلك إذا دعت إليه الحاجة كأن يتسع المسجد جداً بحيث لا يشاهد الإمام إلاَّ إذا صعد على منبر أكثر
стр. 2621
من ثلاث درجات، وإن لم تدعوا الحاجة إلى ذلك فلا يطال فيه لما فيه من الإسراف ومخالفة السنة.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٤٧١):
«وقد عد طائفة من العلماء: تطويل المنابر من البدع المحدثة، منهم: ابن بطة من أصحابنا وغيره.
وقد روي في حديث مرفوع: أنَّ ذلك من أشراط الساعة، ولا يثبت إسناده.
وكره بعض الشافعية المنبر الْكَبِيْر جداً، إذا كان يضيق به المسجد» اهـ.
قُلْتُ: وقد كان ارتفاع منبر النبي ﷺ بمقدار القامة حال الجلوس عليه.
ويدل على ذلك ما رواه الدارمي (٤١)، وابن خزيمة (١٧٧٧) مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى جِذْعٍ فِي الْمَسْجِدِ فَيَخْطُبُ النَّاسَ، فَجَاءَهُ رُومِيٌّ، فَقَالَ: أَلَا أَصْنَعُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ وَكَأَنَّكَ قَائِمٌ؟ فَصَنَعَ لَهُ مِنْبَرًا لَهُ دَرَجَتَانِ، وَيَقْعُدُ عَلَى الثَّالِثَةِ، فَلَمَّا قَعَدَ نَبِيُّ اللَّهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ الْمِنْبَرِ، خَارَ الْجِذْعُ كَخُوَارِ الثَّوْرِ حَتَّى ارْتَجَّ الْمَسْجِدُ حُزْنًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمِنْبَرِ، فَالْتَزَمَهُ وَهُوَ يَخُورُ، فَلَمَّا الْتَزَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ،
стр. 2622
سَكَنَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ أَلْتَزِمْهُ، لَمَا زَالَ هَكَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حُزْنًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ »، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدُفِنَ.
قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ وقد مرَّ قريباً.
ولم يكن منبر النبي ﷺ واسعاً.
ويدل على ذلك هذا الحديث فإنَّه لو كان واسعاً لسجد عليه، ويدل عليه أيضاً ما رواه مُسْلِم (٢٧٨٨) عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ، أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ كَيْفَ يَحْكِي رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَأْخُذُ اللهُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ، فَيَقُولُ: أَنَا اللهُ - وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا - أَنَا الْمَلِكُ» حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ؟.
قُلْتُ: والشاهد من هذا أنَّه لو كان واسعاً لما تحرك بحركته. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وكان منبر النبي ﷺ غير ملاصق لجدار القبلة بل بينه وبين الجدار ممر شاة.
فقد روى الْبُخَارِيّ (٧٣٣٤) عَنْ سَهْلٍ: «أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ جِدَارِ المَسْجِدِ مِمَّا يَلِي القِبْلَةَ وَبَيْنَ المِنْبَرِ مَمَرُّ الشَّاةِ».
وأمَّا مُسْلِم فرواه (٥٠٨) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: «كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ». ولم يذكر المنبر.
стр. 2623
وروى الْبُخَارِيّ (٤٩٧) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «كَانَ جِدَارُ المَسْجِدِ عِنْدَ المِنْبَرِ مَا كَادَتِ الشَّاةُ تَجُوزُهَا».
ورواه مُسْلِم (٥٠٩) بلفظ: «وَكَانَ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقِبْلَةِ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ».
قُلْتُ: وقد كان منبر النبي ﷺ عن يمين القبلة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٤٣٠):
«ولم يوضع المنبر في وسط المسجد، وإنَّما وضع في جانبه الغربي قريباً من الحائط، وكان بينه وبين الحائط قدر ممر الشاة» اهـ.
قُلْتُ: إن قصد بالحائط حائط القبلة فالكلام صحيح، وإن قصد بالحائط حائط الجدار الغربي فليس بصحيح. والحائط الغربي عن يمين القبلة.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْتَلْخِيْصِ الْحَبِيْرِ] (٢/ ١٥٥):
«قوله: "كان منبر النبي ﷺ على يمين القبلة" لم أجده حديثاً ولكنه كما قَالَ فالمستند فيه إلى المشاهدة ويؤيده حديث سهل بن سعد في الْبُخَارِيّ في قصة عمل المرأة المنبر قَالَ: "فاحتمله النبي ﷺ فوضعه حيث ترون"» اهـ.
قُلْتُ: وكان لمنبر النبي ﷺ رمانة فقد روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٦١٢٩) قَالَ: نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَوْدُودَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قُسَيْطٍ قَالَ: «رَأَيْتُ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى
стр. 2624
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَلَا لَهُمُ الْمَسْجِدُ قَامُوا إِلَى رُمَّانَةِ الْمِنْبَرِ الْقَرْعَاءَ فَمَسَحُوهَا وَدَعَوْا»، قَالَ: «وَرَأَيْتُ يَزِيدَ يَفْعَلُ ذَلِكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ وزيد الحباب أكثر العلماء على توثيقه وعابوا عليه كثرة خطأه في حديث الثوري وليس هذا منها وأبو مودود هو عبد العزيز بن أبي سليمان.
وقد أجاز التبرك برمانة منبر رسول الله ﷺ بعض السلف منهم الإمام أحمد ﵀. فقد قَالَ عبد الله بن الإمام أحمد كَمَا فِي [العلل ومعرفة الرجال] (٢/ ٤٩٢/ ٣٢٤٣):
«سألته عن الرجل يمس منبر النبي ﷺ ويتبرك بمسه ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد بذلك التقرب إلى الله جل وعز فقَالَ لا بأس بذلك» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُ ﵀ فِي [سِيَرِ أَعْلَامِ الْنُبَلَاءِ] (٢١/ ٢٥٣):
«قُلْتُ: أين المتنطع المنكر على أحمد، وقد ثبت أنَّ عبد الله سأل أباه عمَّن يلمس رمانة منبر النبي ﷺ ويمس الحجرة النبوية، فقَالَ: لا أرى بذلك بأساً.
أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع» اهـ.
قُلْتُ: أمَّا القبر والحجرة ففي ذلك نظر، ولم أقف عن أحد من الصحابة أنَّه كان يفعل ذلك.
стр. 2625
وكان لمنبر النبي ﷺ قوائم.
ويدل عليه ما رواه أحمد (٢٦٤٧٦)، والنسائي (٦٩٦) من طريق سُفْيَانَ، عَنْ عَمَّارٍ يَعْنِي الدُّهْنِيَّ، سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ، يُخْبِرُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «قَوَائِمُ مِنْبَرِي رَوَاتِبُ فِي الْجَنَّةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ
قال الحافظ ابن الأثير ﵀ في [جَامِعِ الأُصُولِ] (٩/ ٣٣٠):
«"رواتب": جمع راتب، وهي الشيء الثابت المقيم، رتب في المكان: إذا قام فيه وثبت» اهـ.
ومنبر النبي ﷺ على حوضه.
روى الْبُخَارِيّ (١١٩٦)، ومُسْلِم (١٣٩١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١٠٠):
«وأمَّا قوله: "ومنبري على حوضي" أي ينقل يوم القيامة فينصب على الحوض وقَالَ الأكثر المراد منبره بعينه الذي قَالَ هذه المقَالَة وهو فوقه وقيل المراد المنبر الذي يوضع له يوم القيامة والأول أظهر ويؤيده حديث أبي سعيد المتقدم وقد رواه الطبراني في الْكَبِيْر مِنْ حَدِيْثِ أبي واقد الليثي رفعه: "أن قوائم منبري رواتب
стр. 2626
في الجنة" وقيل معناه أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد صاحبه إلى الحوض ويقتضى شربه منه وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وقد استحب بعض أهل العلم كالإمام أحمد تحري الصلاة في الروضة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [الْرَّدِ عَلَى الْإِخْنَائِي] (ص: ١٢٠):
«قلت: وهذا الذي ذكره من استحباب الصلاة في الروضة قول طائفة وهو المنقول عن الإمام أحمد في مناسك المروذي، وأمَّا مالك فنقل عنه أنَّه يستحب التطوع في موضع صلاة النبي ﷺ ، وقيل: لا يتعين لذلك موضع من المسجد» اهـ.
وقد جاء في ذلك ما رواه الْبُخَارِيّ (٥٠٢)، ومُسْلِم (٥٠٩) مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: كُنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ فَيُصَلِّي عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ المُصْحَفِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِم، أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الأُسْطُوَانَةِ، قَالَ: «فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا».
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٦٤٤ - ٦٤٥):
«والأسطوانة: السارية. وهذه الأسطوانة الظاهر أنَّها من أسطوان المسجد القديم الذي يسمى الروضة، وفي الروضة أسطوانتان، كل منهما يقَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يصلي إليها:
الأسطوانة المخلقة، وتعرف بأسطوانة المهاجرين؛ لأنَّ أكابرهم كانوا يجلسون إليها ويصلون عندها، وتسمى: أسطوان عائشة.
стр. 2627
ويقَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى إليها المكتوبة بعد تحويل القبلة بضع عشرة يوماً، ثم تقدم إلى مصلاه اليوم. وهي الأسطوانة الثالثة من المنبر، والثالثة من القبلة، والثالثة من القبر الشريف، وهي متوسطة في الروضة. وأسطوانة التوبة، وهي التي ربط فيها أبو لبابة نفسه حتى تاب الله عليه.
وقد قيل: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان إذا اعتكف في رمضان طرح له فراشه، ووضع سريره وراءها. وقد روي عن عمر مولى غفرة ومحمد بن كعب، أنَّ أكثر نوافل النبي ﷺ كانت عندها. وهي الأسطوانة الثانية من القبر الشريف، والثالثة من القبلة، والرابعة من المنبر» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٥٧٧):
«حقق لنا بعض مشايخنا أنَّها المتوسطة في الروضة المكرمة وأنَّها تعرف بأسطوانة المهاجرين» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذكروا أنَّ أول من زاد في درجات المنبر معاوية ﵁ ولا يثبت ذلك.
قَالَ الإمام الطبري ﵀ فِي [تَارِيْخِ الْأُمَمِ وَالْمُلُوكِ] (٣/ ٢٠٩):
«قَالَ محمد بن عمر حدثني يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه قَالَ، قَالَ معاوية: إنِّي رأيت أنَّ منبر رسول الله ﷺ وعصاه لا يتركان بالمدينة وهم قتلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه فلما قدم طلب العصا وهي عند سعد القرظ فجاءه
стр. 2628
أبو هريرة وجابر بن عبد الله فقَالَا: يا أمير المؤمنين نذكرك الله أن تفعل هذا فإن هذا لا يصلح تخرج منبر رسول الله ﷺ من موضع وضعه وتخرج عصاه إلى الشام فانقل المسجد فأقصر وزاد فيه ست درجات فهو اليوم ثماني درجات واعتذر إلى الناس مما صنع» اهـ.
قُلْتُ: محمد بن عمر هو الواقدي متروك، ويحيى بن سعيد بن دينار، وأبوه لم أقف لهما على جرح ولا تعديل.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٢٤٤) عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَسْلَمَ، عَنْ صَالِحٍ، مَوْلَى التَّوْأَمَةِ أَنَّ بَاقُولَ، مَوْلَى الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ «صَنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْبَرَهُ مِنْ طَرْفَاءَ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ» فَلَمَّا قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ زَادَ فِيهِ فَكُسِفَتِ الشَّمْسُ حِينَئِذٍ.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٍ ضَعِيْفٌ للإبهام الذي فيه، وصالح مختلط وقد أرسل الحديث.
وقَالَ الحافظ ابن رجب في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٠٠) - في الرجل المبهم -:
«وهو إبراهيم بن أبي يحيى» اهـ.
قُلْتُ: وإبراهيم هذا متروك الحديث.
قُلْتُ: وعزا ذلك الحافظ ابن حجر للزبير بن بكار في "تاريخ المدينة" ولم يسق إسناده كما سيأتي.
ولم يبق لمنبر النبي ﷺ أثر بعد أن احترق مسجد رسول الله ﵊.
стр. 2629
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٩٩):
«ولم يزل المنبر على حاله ثلاث درجات حتى زاده مروان في خلافة معاوية ست درجات من أسفله وكان سبب ذلك ما حكاه الزبير بن بكار في "أخبار المدينة" بإسناده إلى حميد بن عبد الرحمن بن عوف قَالَ: بعث معاوية إلى مروان وهو عامله على المدينة أن يحمل إليه المنبر فأمر به فقلع فأظلمت المدينة فخرج مروان فخطب وقَالَ: إنَّما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه فدعا نجاراً وكان ثلاث درجات فزاد فيه الزيادة التي هو عليها اليوم.
ورواه من وجه آخر: قَالَ فكسفت الشمس حتى رأينا النجوم. وقَالَ: فزاد فيه ست درجات. وقَالَ: إنَّما زدت فيه حين كثر الناس. قَالَ ابن النجار وغيره استمر على ذلك إلَّا ما أصلح منه إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة فاحترق ثم جدد المظفر صاحب اليمن سنة ست وخمسين منبراً ثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين منبراً فأزيل منبر المظفر فلم يزل ذلك إلى هذا العصر فأرسل الملك المؤيد سنة عشرين وثمانمائة منبراً جديداً وكان أرسل في سنة ثماني عشرة منبراً جديداً إلى مكة أيضاً شكر الله له صالح عمله آمين» اهـ.
٣ - جواز الصلاة على ما ارتفع من الأرض، وإن لم يكن من جنس الأرض.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢٢٥):
стр. 2630
«الصلاة على ما وضع على الأرض مما يتأبد فيها، أو ينقل عنها كمنبر وسرير ونحوه، فيجوز ذلك عند أكثر العلماء.
قَالَ أبو طالب: سألت أحمد عن الصلاة على السرير الفريضة والتطوع؟ قَالَ: نعم، إذا كان يمكنه مثل السطح.
وقَالَ حرب: سألت إسحاق عن الصلاة على السرير من الخشب؟ قَالَ: لا بأس به.
وروى حرب بإسناده، عن الأوزاعي، أنَّه لم ير بأساً بالصلاة على الأسرة وأشباهها.
وليس في هذا اختلاف بين العلماء، إلَّا خلاف شاذ قديم» اهـ.
٤ - جواز ارتفاع الإمام على المأمومين.
قُلْتُ: وقد كره ذلك الإمامان أحمد، وأبو حنيفة، وذهب الإمام مالك إلى بطلان صلاة بذلك.
وقد روى أبو داود (٥٩٨) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ بِالْمَدَائِنِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَتَقَدَّمَ عَمَّارٌ وَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ يُصَلِّي وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ، فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ فَاتَّبَعَهُ عَمَّارٌ، حَتَّى أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّارٌ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
следующие страницы →