← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

في الجنة" وقيل معناه أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد صاحبه إلى الحوض ويقتضى شربه منه وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قُلْتُ: وقد استحب بعض أهل العلم كالإمام أحمد تحري الصلاة في الروضة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [الْرَّدِ عَلَى الْإِخْنَائِي] (ص: ١٢٠): «قلت: وهذا الذي ذكره من استحباب الصلاة في الروضة قول طائفة وهو المنقول عن الإمام أحمد في مناسك المروذي، وأمَّا مالك فنقل عنه أنَّه يستحب التطوع في موضع صلاة النبي ﷺ ، وقيل: لا يتعين لذلك موضع من المسجد» اهـ. وقد جاء في ذلك ما رواه الْبُخَارِيّ (٥٠٢)، ومُسْلِم (٥٠٩) مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: كُنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ فَيُصَلِّي عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ المُصْحَفِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِم، أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الأُسْطُوَانَةِ، قَالَ: «فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا». قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٦٤٤ - ٦٤٥): «والأسطوانة: السارية. وهذه الأسطوانة الظاهر أنَّها من أسطوان المسجد القديم الذي يسمى الروضة، وفي الروضة أسطوانتان، كل منهما يقَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يصلي إليها: الأسطوانة المخلقة، وتعرف بأسطوانة المهاجرين؛ لأنَّ أكابرهم كانوا يجلسون إليها ويصلون عندها، وتسمى: أسطوان عائشة.

стр. 2627

ويقَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى إليها المكتوبة بعد تحويل القبلة بضع عشرة يوماً، ثم تقدم إلى مصلاه اليوم. وهي الأسطوانة الثالثة من المنبر، والثالثة من القبلة، والثالثة من القبر الشريف، وهي متوسطة في الروضة. وأسطوانة التوبة، وهي التي ربط فيها أبو لبابة نفسه حتى تاب الله عليه. وقد قيل: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان إذا اعتكف في رمضان طرح له فراشه، ووضع سريره وراءها. وقد روي عن عمر مولى غفرة ومحمد بن كعب، أنَّ أكثر نوافل النبي ﷺ كانت عندها. وهي الأسطوانة الثانية من القبر الشريف، والثالثة من القبلة، والرابعة من المنبر» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٥٧٧): «حقق لنا بعض مشايخنا أنَّها المتوسطة في الروضة المكرمة وأنَّها تعرف بأسطوانة المهاجرين» اهـ. قُلْتُ: وقد ذكروا أنَّ أول من زاد في درجات المنبر معاوية ﵁ ولا يثبت ذلك. قَالَ الإمام الطبري ﵀ فِي [تَارِيْخِ الْأُمَمِ وَالْمُلُوكِ] (٣/ ٢٠٩): «قَالَ محمد بن عمر حدثني يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه قَالَ، قَالَ معاوية: إنِّي رأيت أنَّ منبر رسول الله ﷺ وعصاه لا يتركان بالمدينة وهم قتلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه فلما قدم طلب العصا وهي عند سعد القرظ فجاءه

стр. 2628

أبو هريرة وجابر بن عبد الله فقَالَا: يا أمير المؤمنين نذكرك الله أن تفعل هذا فإن هذا لا يصلح تخرج منبر رسول الله ﷺ من موضع وضعه وتخرج عصاه إلى الشام فانقل المسجد فأقصر وزاد فيه ست درجات فهو اليوم ثماني درجات واعتذر إلى الناس مما صنع» اهـ. قُلْتُ: محمد بن عمر هو الواقدي متروك، ويحيى بن سعيد بن دينار، وأبوه لم أقف لهما على جرح ولا تعديل. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٢٤٤) عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَسْلَمَ، عَنْ صَالِحٍ، مَوْلَى التَّوْأَمَةِ أَنَّ بَاقُولَ، مَوْلَى الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ «صَنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْبَرَهُ مِنْ طَرْفَاءَ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ» فَلَمَّا قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ زَادَ فِيهِ فَكُسِفَتِ الشَّمْسُ حِينَئِذٍ. قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٍ ضَعِيْفٌ للإبهام الذي فيه، وصالح مختلط وقد أرسل الحديث. وقَالَ الحافظ ابن رجب في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٠٠) - في الرجل المبهم -: «وهو إبراهيم بن أبي يحيى» اهـ. قُلْتُ: وإبراهيم هذا متروك الحديث. قُلْتُ: وعزا ذلك الحافظ ابن حجر للزبير بن بكار في "تاريخ المدينة" ولم يسق إسناده كما سيأتي. ولم يبق لمنبر النبي ﷺ أثر بعد أن احترق مسجد رسول الله ﵊.

стр. 2629

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٩٩): «ولم يزل المنبر على حاله ثلاث درجات حتى زاده مروان في خلافة معاوية ست درجات من أسفله وكان سبب ذلك ما حكاه الزبير بن بكار في "أخبار المدينة" بإسناده إلى حميد بن عبد الرحمن بن عوف قَالَ: بعث معاوية إلى مروان وهو عامله على المدينة أن يحمل إليه المنبر فأمر به فقلع فأظلمت المدينة فخرج مروان فخطب وقَالَ: إنَّما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه فدعا نجاراً وكان ثلاث درجات فزاد فيه الزيادة التي هو عليها اليوم. ورواه من وجه آخر: قَالَ فكسفت الشمس حتى رأينا النجوم. وقَالَ: فزاد فيه ست درجات. وقَالَ: إنَّما زدت فيه حين كثر الناس. قَالَ ابن النجار وغيره استمر على ذلك إلَّا ما أصلح منه إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة فاحترق ثم جدد المظفر صاحب اليمن سنة ست وخمسين منبراً ثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين منبراً فأزيل منبر المظفر فلم يزل ذلك إلى هذا العصر فأرسل الملك المؤيد سنة عشرين وثمانمائة منبراً جديداً وكان أرسل في سنة ثماني عشرة منبراً جديداً إلى مكة أيضاً شكر الله له صالح عمله آمين» اهـ. ٣ - جواز الصلاة على ما ارتفع من الأرض، وإن لم يكن من جنس الأرض. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢٢٥):

стр. 2630

«الصلاة على ما وضع على الأرض مما يتأبد فيها، أو ينقل عنها كمنبر وسرير ونحوه، فيجوز ذلك عند أكثر العلماء. قَالَ أبو طالب: سألت أحمد عن الصلاة على السرير الفريضة والتطوع؟ قَالَ: نعم، إذا كان يمكنه مثل السطح. وقَالَ حرب: سألت إسحاق عن الصلاة على السرير من الخشب؟ قَالَ: لا بأس به. وروى حرب بإسناده، عن الأوزاعي، أنَّه لم ير بأساً بالصلاة على الأسرة وأشباهها. وليس في هذا اختلاف بين العلماء، إلَّا خلاف شاذ قديم» اهـ. ٤ - جواز ارتفاع الإمام على المأمومين. قُلْتُ: وقد كره ذلك الإمامان أحمد، وأبو حنيفة، وذهب الإمام مالك إلى بطلان صلاة بذلك. وقد روى أبو داود (٥٩٨) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ بِالْمَدَائِنِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَتَقَدَّمَ عَمَّارٌ وَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ يُصَلِّي وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ، فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ فَاتَّبَعَهُ عَمَّارٌ، حَتَّى أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّارٌ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

стр. 2631

وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ» أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؟، قَالَ عَمَّارٌ: «لِذَلِكَ اتَّبَعْتُكَ حِينَ أَخَذْتَ عَلَى يَدَيَّ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة أبي خالد، ولإبهام الرجل الراوي عن حذيفة. قَالَ الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ فِي [تنقيح التحقيق] (٢/ ٤٩٦): «في إسناد هذا الحديث رجل مبهم، وأبو خالد ليس بمعروف، ويحتمل أن يكون الدالاني، وفيه كلام» اهـ. ورواه أبو داود (٥٩٧) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ أَبُو مَسْعُودٍ الرَّازِيُّ الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، أَنَّ حُذَيْفَةَ، أَمَّ بِالْمَدَائِنِ عَلَى دُكَّانٍ، فَأَخَذَ أَبُو مَسْعُودٍ، بِقَمِيصِهِ فَجَبَذَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: «أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ؟» قَالَ: «بَلَى، قَدْ ذَكَرْتُ حِينَ مَدَدْتَنِي». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وروه الدارقطني (١٨٨٢)، والْحَاكِمُ (٧٦١) مِنْ طَرِيقِ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الطُّفَيْلِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ فَوْقَ شَيْءٍ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ». يَعْنِي أَسْفَلَ مِنْهُ.

стр. 2632

قُلْتُ: التصريح بالرفع في هذا الحديث شاذ أو منكر. زياد بن عبد الله بن الطفيل مختلف فيه وهو إلى الضعف أقرب ولا تحتمل منه مثل هذه المخالفة. وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٩): «وأمَّا مذهب الشافعي، فإنَّه قَالَ: أختار للإمام الذي يعلم من خلفه أن يصلي على الشيء المرتفع، ليراه من وراءه، فيقتدوا بركوعه وسجوده. قَالَ: وإذا كان الإمام علم الناس مرة أحببت أن يصلي مستوياً مع المأمومين؛ لأنَّه لم يرد عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه صلى على المنبر إلَّا مرة. وكذا حكى ابن المنذر عن الشافعي جوازه إذا أراد تعليمهم، واختاره ابن المنذر، وقَالَ: إذا لم يرد التعليم فهو مكروه؛ لحديث ابن مسعود. ومن أصحابنا من حكى رواية عن أحمد كذلك. والذين كرهوا ذلك مطلقاً اختلفوا في الجواب عن حديث سهل بن سعد في صلاة النبي ﷺ على المنبر: فمنهم من قَالَ: قد يفعل النبي ﷺ ما هو مكروه لغيره لبيان جوازه، ولا يكون ذلك مكروهاً في حقه في تلك الحال، ويكره لغيره بكل حال. وهذا ذكره طائفة من أصحابنا كالقاضي أبي يعلى وغيره، ووقع في كلام الخطابي ما يشبهه. ومنهم من قَالَ: المكروه أن يقوم الإمام على مكان مرتفع على المأمومين ارتفاعاً كذراع ونحوه، فإنَّه يحوج المأمومين في صلاتهم إلى رفع أبصارهم إليه للاقتداء به

стр. 2633

وهو مكروه، فأمَّا الارتفاع اليسير فغير مكروه، ويحتمل أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان وقوفه على درجة المنبر الأولى، فلا يكون ذلك ارتفاعاً كثيراً. وتقدير الكثير بالذراع قول القاضي أبي يعلى من أصحابنا. وقياس المذهب: أنَّه يرجع فيه إلى العرف. وذكر الطحاوي - من الحنفية - أنَّه مقدر بما زاد على قامة الإنسان. واستغرب ذلك أبو بكر الرازي. واختلف القائلون بكراهة ذلك: هل تبطل به الصلاة، أم لا؟ فقَالَ أكثرهم: تكره الصلاة، ولا تبطل. وقد تقدم أنَّ الصحابة بنوا على الصلاة خلف من أمهم مرتفعاً عليهم، ولم يستأنفوا الصلاة. وقَالَت طائفة: تبطل الصلاة بذلك، وهو قول مالك وابن حامد من أصحابنا، وحكي عن الأوزاعي نحوه. واختلف أصحابنا: هل النهي متوجه إلى الإمام، أن يعلو على من خلفه، أم النهي متوجه إلى المأموم، أن يقوم أسفل من إمامه؟ على وجهين: أحدهما: أنَّ النهي للإمام. فإن قلنا: أنَّ هذا النهي يبطل الصلاة، بطلت صلاة الإمام. وهل تبطل صلاة من خلفه أم لا؟ فيه روايتان عن أحمد في صلاة من اقتدى بإمام، صلاته فاسدة.

стр. 2634

والثاني: أنَّ النهي متوجه إلى المأمومين خاصة. فعلى هذا؛ إن كان الإمام في العلو وحده، وقلنا: هذا النهي يبطل الصلاة، بطلت صلاة المأمومين وصلاة الإمام؛ لأنَّه صار منفرداً، وقد نوى الإمامة، وهذا مبطل عند أصحابنا. وإن كان معه في العلو أحد صحت صلاته وصلاة من معه، وفي صلاة من أسفل منهم الخلاف السابق. وأعلم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ٤٥٢): «مسألة: قَالَ: "ولا يكون الإمام أعلى من المأموم". المشهور في المذهب أنَّه يكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين، سواء أراد تعليمهم الصلاة أو لم يرد، وهو قول مالك، والأوزاعي، وأصحاب الرأي» اهـ. وقَالَ العلامة الشوكاني ﵀ فِي [نَيْلِ الْأَوْطَارِ] (٣/ ٢٣٧): «والحاصل من الأدلة منع ارتفاع الإمام على المؤتمين من غير فرق بين المسجد وغيره وبين القامة ودونها وفوقها لقول أبي سعيد أنَّهم كانوا ينهون عن ذلك، وقول ابن مسعود: نهى رسول الله ﷺ . الحديث.

стр. 2635

وأمَّا صلاته ﵌ على المنبر فقيل إنَّه إنَّما فعل ذلك لغرض التعليم كما يدل عليه قوله: "ولتعلموا صلاتي". وغاية ما فيه جواز وقوف الإمام على محل أرفع من المؤتمين إذا أراد تعليمهم» اهـ. وقَالَ العلامة الشنقيطي ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٣/ ٣٧٧): «قَالَ مقيده عفا الله عنه: والذي يظهر والله تعالى أعلم وجوب الجمع بين الأدلة المذكورة، وأنَّ علو الإمام مكروه لما تقدم، ويجمع بينه وبين قصة الصلاة على المنبر بجوازه للتعليم دون غيره، ويدل لهذا إخباره ﷺ أنَّه إذا ارتفع رأوه وإذا نزل لم يره إلَّا من يليه، وجمع بعضهم بأنَّ ارتفاعه على المنبر ارتفاع يسير وهو مغتفر» اهـ. قُلْتُ: وقد اختلف العلماء فيما إذا كان مع الإمام في المكان المرتفع بعض المأمومين هل يكره ذلك أم تزول الكراهة في ذلك، فكره ذلك الإمام مالك، قَالَ صاحب [الْتَاجِ وَالْإِكْلِيْلِ] (٢/ ١٦٣): «من المدونة قَالَ مالك: إذا صلى الإمام بقوم على ظهر المسجد، والناس خلفه أسفل من ذلك فلا يعجبني» اهـ. وقد أجاز ذلك بعض علماء الحنفية فقد جاء في [تَبْيِينِ الْحَقَائِقِ شَرْحُ كَنْزِ الْدَقَائِقِ] (٢/ ٢٨١):

стр. 2636

«وإن كان مع الإمام بعض القوم لا يكره في الصحيح لزوال المعنى الموجب للكراهة وهو انفراد الإمام بالمكان» اهـ. وجاء في [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (١٢/ ٩٤): «من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم م. ع. س. سلمه الله. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فأشير إلى استفتائك المقيد بإدارة البحوث العلمية والإفتاء برقم ٦٨٢ وتاريخ ١٧\ ٢ \ ١٤٥٧ هـ الذي تسأل فيه عن حكم ارتفاع الإمام عن المأمومين أو عن بعضهم في الصلاة، وأفيدك بأنَّه لا حرج في ارتفاع الإمام على بعض المأمومين إذا كان معه في المحل المرتفع بعض الصفوف، وهكذا لو كان وحده وكان الارتفاع يسيراً فإنَّه يعفى عنه؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى ذات يوم على المنبر وقَالَ: "إنَّما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي" متفق على صحته. وكان ﷺ يقرأ على المنبر ويركع على المنبر ثم ينزل يسجد في الأرض. وفق الله الجميع لما فيه رضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» اهـ. وجاء في [مَجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ ابْنِ عُثَيْمِيْنَ] (١٥/ ١٠٣):

стр. 2637

«وأمَّا ارتفاع الإمام على المأموم فإنَّ هذا لا ينبغي إلَّا بمثل ما ورد عن رسول الله ﷺ ذراع أو نحوه فإنَّه ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ على المنبر فصار يصلي فوق المنبر قائماً وراكعاً، فإذا أراد السجود نزل وسجد في أصل المنبر وقَالَ: "إنَّما فعلت ذلك لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي". وقد قيده بعض العلماء بما إذا لم يكن مع الإمام في موضعه أحد من المأمومين فإن كان معه أحد كما لو كان الإمام وبعض المأمومين في السطح في الأسفل فلا بأس». وقَالَ العلامة عبد المحسن العباد في [شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاودَ] (٤/ ٦٠): «وإذا كان الإمام ومعه بعض المأمومين في مكان متساوٍ ثم كان بعض المأمومين في مكان منخفض كأن يكونوا في بدروم أو في مسجد عدة طوابق وصلى الإمام ومن معه في الدور الأعلى وغيرهم صلى في الأدوار التي تحت فلا بأس بذلك؛ لأنَّ هذا تدعو الحاجة إليه، فكون الإمام ومعه بعض المأمومين يكونون في مكان عالٍ وبعضهم في مكان منخفض لا بأس بذلك، وإنَّما المحذور أن يكون الإمام له مكان مرتفع خاص به يصعد عليه ويصلي بالناس وهم تحته، هذا هو الذي يدل عليه هذا الحديث، أمَّا أن يكون الإمام ومعه مأمومون في مكان مستوٍ ثم يأتي

стр. 2638

مأمومون آخرون بعدما يمتلئ المسجد فيصلون في السطح أو في الدور الأسفل فلا بأس بذلك ولا مانع منه» اهـ. قُلْتُ: وهذا القول له قوته، وهو الذي يظهر لي صحته. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٥ - وفيه جواز قصد تعليم المأمومين أفعال الصلاة بالفعل. ٦ - وفيه أنَّ الجمع بين نية الفرض، والتعليم لا يضر. ٧ - وفيه جواز الحركة اليسيرة في الصلاة. ٩ - وفيه الرد على من أبطل الصلاة بالثلاث الحركات المتواليات، فإنَّ النزول من على المنبر والرجوع إلى الوراء حتى يتسع المكان للسجود يستدعي أكثر من ذلك. الْعَلَامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] ص (٢٢٢): «وفيه دليل على جواز العمل اليسير في الصلاة لكن فيه إشكال على من حدد الكثير من العمل بثلاث خطوات فإنَّ منبر النبي ﷺ كان ثلاث درجات والصلاة كانت على العليا ومن ضرورة ذلك أن يقع ما أوقعه من الفعل على الأرض بعد ثلاث خطوات فأكثر وأقله ثلاث خطوات … » اهـ. * * *

стр. 2639

١٣١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ». وفي الحديث مسائل منها: ١ - احتج به من أوجب غسل الجمعة. قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في غسل الجمعة فذهب إلى وجوبه جمع من العلماء منهم عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وعمرو بن سليم الأنصاري، وإسحاق بن راهوية، وأحمد في رواية، وهو مذهب داود الظاهري، وابن حزم، وابن دقيق العيد، واختاره الشوكاني في [الْنَّيْلِ] (١/ ٢٧٧) وتراجع عنه في [الْسَّيْلِ] (١/ ١١٦) فذهب إلى الاستحباب. قُلْتُ: وقد صح هذا أيضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فروى مالك في [الْمُوَطَأ] (٢٢٨)، ومِنْ طَرِيقِه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٥٣٠٥)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٣٧٠/ ١٧٢٣) عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ».

стр. 2640

قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. لكنه مع ذلك يحتمل التأويل كحديث الباب. وذهب أكثر العلماء إلى استحباب غسل الجمعة. وقد روى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٣٧٨/ ١٧٣١) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ الْمَلَاحِقِيُّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْخَلَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَوُضِعَ لَهُ مَاءٌ، فَلَمَّا خَرَجَ تَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: أَلَا تَغْتَسِلُ؛ فَإِنَّ الْيَوْمَ الْجُمُعَةُ؟ فَقَالَ: «عَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ الْجُمُعَةُ، وَلَيْسَ الْغُسْلُ بِمَحْتُومٍ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ. يحيى بن محمد هو ابن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي ثقة حافظ، وعلي بن عثمان هو ابن عبد الحميد بن لاحق الرقاشي بصري اللاحقي ثقة وثقه أبو حاتم، وداود هو ابن أبي الفرات ثقة، ومحمد بن زيد هو ابن علي الكندي قَالَ فيه أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به. وعكرمة ثقة ثبت. قَالَ الإمام الترمذي ﵀ فِي [سُنَنِهِ] (٢/ ٣٦٩): «والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم اختاروا الغسل يوم الجمعة ورأوا أن يجزئ الوضوء من الغسل يوم الجمعة» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٣٧٨): «وممن كان لا يرى الغسل فرضاً لازماً الأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والنعمان وأصحابه» اهـ. واختاره ابن المنذر.

стр. 2641

قُلْتُ: وهناك من فصلَّ في هذه المسألة وذهب إلى وجوب الغسل لمن به عرق وريح يتأذى به الناس. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ] ص (٣٩٣): «ويجب غسل الجمعة على من له عرق أو ريح يتأذى به غيره وهو بعض من مذهب من يوجبه مطلقاً بطريق الأولى» اهـ. قُلْتُ: واحتج من أوجب الغسل للجمعة بعدة حجج منها: حديث ابن عمر وهو حديث الباب. ومنها ما رواه الْبُخَارِيّ (٨٥٨)، ومُسْلِم (٨٤٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». قُلْتُ: وقد جاء الحديث في الْبُخَارِيّ (٨٨٠) مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ». قُلْتُ: وذكر الاستنان في الحديث والطيب يدل على أنَّ المراد بالوجوب تأكيد الاستحباب كما يقَالَ حقك عليَّ واجب. قَالَ الإمام الشافعي ﵀ فِي [الْأُمِ] (١/ ٢٤٢):

стр. 2642

«فاحتمل واجب لا يجزئ غيره وواجب في الأخلاق وواجب في الاختيار والنظافة وهي تغير الريح عند اجتماع الناس كما يقول الرجل للرجل وجب حقك على إذ رأيتني موضعاً لحاجتك وما أشبه هذا فكان هذا أولى معنييه لموافقة ظاهر القرآن في عموم الوضوء من الأحداث وخصوص الغسل من الجنابة … » اهـ. وقَالَ الحافظ ابن خزيمة ﵀ فِي [صَحِيْحِهِ] (٣/ ١٢٤/ ١٧٤٧): «ففي هذا الخبر قد قرن النبي ﷺ السواك وإمساس الطيب إلى الغسل يوم الجمعة فأخبر ﷺ أنهنَّ على كل محتلم والسواك تطهير للفم والطيب مطيب للبدن وإذهاباً للريح المكروهة عن البدن ولم نسمع مُسْلِماً زعم أنَّ السواك يوم الجمعة ولا إمساس الطيب فرض والغسل أيضاً مثلهما ويستدل في الأبواب الأخر بدلائل غير مشكلة إن شاء الله أنَّ غسل يوم الجمعة ليس بفرض لا يجزئ غيره» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٣٦٣): «لما قرن النبي ﷺ الغسل يوم الجمعة إلى إمساس الطيب، وكان إمساس الطيب ليس بفرض لا يختلف فيه أهل العلم؛ دل على أنَّ الغسل المقرون إليه مثله» اهـ. وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (١٠/ ٨٧): «ومعلوم أن الطيب والسواك ليسا بواجبين فكذلك الغسل» اهـ. وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٧٣):

стр. 2643

«وهذا مما استدل به جمهور العلماء على أنَّ المراد بالوجوب هاهنا: تأكد الاستحباب؛ لأنَّه قرنه بما ليس بواجب إجماعاً وهو الطيب والسواك» اهـ. قُلْتُ: واحتج المستحبون للغسل بهذا الحديث وبما رواه مُسْلِم (٨٥٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسوُلُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا». قَالَ العلامة القرطبي ﵀ فِي [الْمُفْهِمِ] (٧/ ١١١): «فذكر فيه الوضوء، واقتصر عليه دون الغسل، ورتب الصحة والثواب عليه. فدل على أن الوضوء كاف من غير غسل، وأنَّ الغسل ليس بواجب» اهـ. وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٤٢): «وهذا يدل على أنَّ الوضوء كاف، وأنَّ المقتصر عليه غير أثم ولا عاص، وأمَّا الأمر بالغسل فمحمول على الاستحباب» اهـ. واحتجوا أيضاً بما رواه الْبُخَارِيّ (٨٧٨)، ومُسْلِم (٨٤٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ قَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ

стр. 2644

تَوَضَّأْتُ، فَقَالَ: وَالوُضُوءُ أَيْضًا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ». قَالَ الإمام الشافعي ﵀ فِي [اخْتِلافِ الْحَدِيْثِ] ص (٥١٦): «فلما علمنا أنَّ عمر وعثمان علما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كان يأمر بالغسل يوم الجمعة، فذكر عمر علمه، وعلم عثمان، فذهب عنَّا أن نتوهم أن يكونا نسيا علمهما عن رسول الله في غسل يوم الجمعة، إذ ذكر عمر علمهما في المقام الذي توضأ فيه عثمان يوم الجمعة ولم يغتسل، ولم يخرج عثمان فيغتسل، ولم يأمره عمر بذلك، ولا أجد ممن حضرهما من أصحاب رسول الله من علم أمر رسول الله بالغسل معهما، أو بإخبار عمر عنه، دل هذا على أن عمر وعثمان قد علما أمر النبي بالغسل، على الأحب لا على الإيجاب للغسل الذي لا يجزئ غيره، وكذلك وَاللَّهُ أَعْلَمُ دل على أن علم من سمع مخاطبة عمر وعثمان في مثل علم عمر وعثمان، إمَّا أن يكون علموه علماً، وإما أن يكون علموه بخبر عمر كالدلالة عن عمر وعثمان … » اهـ. قُلْتُ: ومنهم من احتج به على وجوب الغسل. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٣٧٩): «واحتج إسحاق بهذا الحديث في تأكيد إيجاب الغسل يوم الجمعة، قَالَ: قول عمر إلى الإيجاب أقرب منه إلى الرخصة؛ لأنه لا يدع الخطبة ويشتغل بمعاتبة مثل عثمان وتوبيخه على رءوس الناس بالشيء الذي تركه مباح، لا إثم على تاركه، وقد

стр. 2645

كان ضاق الوقت فلم يمكنه الرجوع؛ لأنه لو فعل ذلك لفاتته الجمعة، وليس لأحد أن يحتج بقول عمر في الرخصة بترك الغسل من غير علة» اهـ. قُلْتُ: ويحتج لمن أوجب الغسل على من به عرق ويح يُتأذى به بما رواه الْبُخَارِيّ (٩٠٢)، ومُسْلِم (٨٤٧) عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالعَوَالِيِّ، فَيَأْتُونَ فِي الغُبَارِ يُصِيبُهُمُ الغُبَارُ وَالعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ العَرَقُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا». قُلْتُ: فهذا الحديث يبين السبب الذي من أجله أمر النبي ﷺ بالاغتسال للجمعة وهو انبعاث الريح الكريهة فمن كانت حالته كذلك فيؤمر بالاغتسال وحكمه كحكم من أكل الثوم والكراث والبصل فإنَّ المصلي مأمور أن يجنب كل ما يؤذي إخوانه المصلين وهذا القول هو الأرجح عندي وبه يتم الجمع بين الأدلة في هذه المسألة. وقد احتج بهذا الحديث بعض العلماء على استحباب غسل الجمعة. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٢٠٨): «وهذا اللفظ يقتضي أنَّه ليس بواجب؛ لأنَّ تقديره لكان أفضل وأكمل ونحو هذا من العبارات» اهـ.

стр. 2646

٢ - الحديث يدل على أنَّ غسل الجمعة من أجل صلاة الجمعة لا من أجل اليوم. ويدل على ذلك أيضاً ما رواه أبو داود (٣٤٢) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمُفَضَّلُ يَعْنِي ابْنَ فَضَالَةَ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ رَوَاحٌ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ رَاحَ إِلَى الْجُمُعَةِ الْغُسْلُ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ لكن سئل عنه الدارقطني في [الْعِلَلِ] (١٥/ ١٩٥) فقَالَ: «يرويه بكير بن الأشج، واختلف عنه؛ فرواه عياش بن عباس القتباني، عن بكير، عن نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن حفصة؛ وخالفه مخرمة بن بكير، فرواه عن أبيه، عن نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وهو المحفوظ» اهـ. وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٤٠ - ٣٤١): «وقد أعل، بأنَّ مخرمة بن بكير رواه عن أبيه، عن نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ من غير ذكر حفصة -. وهو أصح عند الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما، ولكن هل حديث مخرمة موافق لحديث عياش في لفظه، أم لا؟» اهـ. قُلْتُ: إن كان حديث ابن عمر موافق في اللفظ لحديث حفصة فلا يضر كون الحديث عن حفصة أو عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

стр. 2647

وقد أفتى بما دل عليه الحديث عامة أهل العلم، وشذ ابن حزم فأوجب الغسل لليوم لا للصلاة فأجاز الغسل بعد صلاة الجمعة، وأوجبه على الحائض والنفساء كَمَا فِي [الْمُحَلَّى] (٢/ ١٩ - ٢٢). قُلْتُ: وحجة من قَالَ ذلك ما رواه الْبُخَارِيّ (٨٥٨)، ومُسْلِم (٨٤٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». قَالَ الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] ص (٢٢٣): «ولقد أبعد الظاهري إبعاداً يكاد يكون مجزوماً ببطلانه حيث لم يشترط تقدم الغسل على إقامة صلاة الجمعة حتى اغتسل قبل الغروب كفى عنده تعلقاً بإضافة الغسل إلى اليوم في بعض الروايات وقد تبين من بعض الأحاديث: أنَّ الغسل لإزالة الروائح الكريهة ويفهم منه: أنَّ المقصود عدم تأذي الحاضرين وذلك لا يتأتى بعد إقامة الجمعة وكذلك أَقُولُ: لو قدمه بحيث لا يحصل هذا المقصود لم يعتد به والمعنى إذا كان معلوماً كالنص قطعاً أو ظناً مقارباً للقطع: فاتباعه وتعليق الحكم به أولى من اتباع مجرد اللفظ» اهـ. ٣ - الحديث يدل على الاغتسال عند المجيء للجمعة، وقد استحب العلماء الاغتسال عند الرواح للجمعة وتنازعوا هل يصح الغسل قبل الرواح أولا،

стр. 2648

فذهب الجمهور إلى صحته وقَالَوا يصدق على من اغتسل قبل الرواح ثم جاء للجمعة أنَّه جاء الجمعة مغتسلاً. وذهب الإمام مالك ﵀ إلى أنَّ الاغتسال لا يكون إلَّا عند الرواح، واحتج بما رواه الْبُخَارِيّ (٨٨١)، ومُسْلِم (٨٥٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ». ووجه الشاهد من الحديث تعليق الغسل بالروح، وأجاب الجمهور بأنَّ ثم تفيد التراخي فمن اغتسل في أول النهار وراح في منتصفه صدق عليه هذا الحديث. ومذهب الجمهور في هذه المسألة هو الصحيح لكن ينبغي أن لا يباشر الإنسان من الأوساخ والأدران ثم يتجه إلى المسجد لأنَّه بهذا الفعل يكون قد أبطل الحكمة المقصودة من الغسل فإذا باشر ذلك أعاد الغسل مرةً أخرى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٤ - ويدل الحديث أنَّ الغسل يكون لمن جاء الجمعة وفي حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ الذي رواه الْبُخَارِيّ (٨٥٨)، ومُسْلِم (٨٤٦) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ».

стр. 2649

ففيه إضافة الغسل ليوم الجمعة ويوم الجمعة يبدأ من طلوع الفجر، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ غسل الجمعة لا يكون إلَّا بعد طلوع الفجر لإضافة الغسل إلى اليوم واليوم يبدأ من طلوع الفجر، وذهب الإمام الأوزاعي ﵀ إلى أنَّ من اغتسل قبل طلوع الفجر ثم راح إلى الجمعة أجزأه ذلك. قُلْتُ: مذهب الجمهور هو الصحيح. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٥ - الحديث حجة لجمهور أهل العلم في استحبابهم للغسل لكل من جاء الجمعة ولو كان ممن لا تلزمه الجمعة. قُلْتُ: واستثنى الإمام أحمد ﵀ المرأة لقوله ﵊: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ». رواه أحمد (٩٦٤٣، ١٠١٤٩، ١٠٨٤٧)، وأبو داود (٥٦٥) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ به. قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ، والحديث صحيح لغيره. والذي يظهر لي عدم استثناء المرأة من ذلك والمراد بتفلات أي غير متطيبات. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٩٣): «قوله: "وليخرجن تفلات" التفل بفتح الفاء الرائحة الكريهة والمراد أن لا يتطيبن يقَالَ هو تفل أي غير متطيب» اهـ.

стр. 2650

قُلْتُ: إنَّما منعت المرأة من الطيب عند خروجها لما في استعماله من الفتنة، وهذا لا وجود له في اغتسال المرأة وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * * ١٣٢ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَقَالَ: "صَلَّيْتَ يَا فُلانُ؟ " قَالَ: لا. قَالَ: "قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ"». وَفِي رِوَايَةٍ «فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ». روى مسلم (٨٧٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ، فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا». ثُمَّ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا». وفي الحديث مسائل منها:

стр. 2651

١ - أنَّ الخطبة لا تمنع الداخل من صلاة تحية المسجد. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٣/ ٢٥٦): «هذه الأحاديث كلَّها صريحة في الدلالة لمذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وفقهاء المحدثين أنَّه إذا دخل الجامع يوم الجمعة والإمام يخطب استحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد، ويكره الجلوس قبل أن يصليهما، وأنَّه يستحب أن يتجوز فيهما ليسمع بعدهما الخطبة، وحكى هذا المذهب أيضاً عن الحسن البصري وغيره من المتقدمين. قَالَ القاضي: وقَالَ مالك والليث وأبو حنيفة والثوري وجمهور السلف من الصحابة والتابعين: لا يصليهما، وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي ﵃ وحجتهم الأمر بالإنصات للإمام، وتأولوا هذه الأحاديث أنَّه كان عرياناً فأمره النبي ﷺ بالقيام ليراه الناس ويتصدقوا عليه، وهذا تأويل باطل يرده صريح قوله ﷺ : "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" وهذا نص لا يتطرق إليه تأويل، ولا أظن عالماً يبلغه هذا اللفظ صحيحاً فيخالفه» اهـ. ٢ - توكيد شأن تحية المسجد حيث أمر بها مع خطبة الخطيب. ٣ - واحتج به من قَالَ بوجوب تحية المسجد وقد سبق القول في ذلك عند شرح حديث أبي قتادة ﵁. ٤ - ويدل الحديث على أنَّ تحية المسجد تصلى في أوقات الكراهة.

стр. 2652

فائدة: اختلف العلماء هل وقت الزوال من أوقات الكراهة في يوم الجمعة. فذهب أحمد في المشهور وأبو حنيفة إلى أنَّه من أوقات الكراهة. وذهب الشافعي إلى استثناء الزوال من أوقات الكراهة في يوم الجمعة. وجاء في ذلك حديث لا يثبت وهو ما رواه أبو داود (١٠٨٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: «إِنَّ جَهَنَّمَ تُسَجَّرُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «هُوَ مُرْسَلٌ، مُجَاهِدٌ أَكْبَرُ مِنْ أَبِي الْخَلِيلِ، وَأَبُو الْخَلِيلِ، لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٣٦٦ - ٣٦٨): «الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إِنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِعْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ وَقْتَ الزَّوَالِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا أبي العباس ابن تيمية، وَلَمْ يَكُنِ اعْتِمَادُهُ عَلَى حَدِيثِ ليث عَنْ مجاهد عَنْ أبي الخليل عَنْ أبي قتادة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَقَالَ: "إِنَّ جَهَنَّمَ تُسَجَّرُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ". وَإِنَّمَا كَانَ اعْتِمَادُهُ عَلَى أَنَّ مَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فَنَدَبَهُ إِلَى الصَّلَاةِ مَا كُتِبَ لَهُ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ عَنْهَا إِلَّا

стр. 2653

فِي وَقْتِ خُرُوجِ الْإِمَامِ، وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: خُرُوجُ الْإِمَامِ يَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَخُطْبَتُهُ تَمْنَعُ الْكَلَامَ، فَجَعَلُوا الْمَانِعَ مِنَ الصَّلَاةِ خُرُوجَ الْإِمَامِ لَا انْتِصَافَ النَّهَارِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ فِي الْمَسْجِدِ تَحْتَ السُّقُوفِ، وَلَا يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ الزَّوَالِ، وَالرَّجُلُ يَكُونُ مُتَشَاغِلًا بِالصَّلَاةِ لَا يَدْرِي بِوَقْتِ الزَّوَالِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْرُجَ، وَيَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، وَيَنْظُرَ إِلَى الشَّمْسِ وَيَرْجِعَ، وَلَا يُشْرَعُ لَهُ ذَلِكَ. وَحَدِيثُ أبي قتادة هَذَا، قَالَ أبو داود: هُوَ مُرْسَلٌ لِأَنَّ أبا الخليل لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أبي قتادة، وَالْمُرْسَلُ إِذَا اتَّصَلَ بِهِ عَمِلَ، وَعَضَّدَهُ قِيَاسٌ، أَوْ قَوْلُ صَحَابِيٍّ، أَوْ كَانَ مُرْسِلُهُ مَعْرُوفًا بِاخْتِيَارِ الشُّيُوخِ وَرَغْبَتِهِ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي قُوَّتَهُ عُمِلَ بِهِ. وَأَيْضًا فَقَدْ عَضَّدَهُ شَوَاهِدُ أُخَرُ مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: رُوِيَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ "نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ". هَكَذَا رَوَاهُ ﵀ فِي كِتَابِ " اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ " وَرَوَاهُ فِي " كِتَابِ الْجُمُعَةِ ": حَدَّثَنَا إبراهيم بن محمد عَنْ إسحاق، وَرَوَاهُ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ: عبد الله بن سعيد المقبري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَدْ رَوَاهُ البيهقي فِي " الْمَعْرِفَةِ " مِنْ حَدِيثِ عطاء بن عجلان عَنْ أَبِي

стр. 2654

نَضْرَةَ، عَنْ أبي سعيد وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْهَى عَنِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ". وَلَكِنَّ إِسْنَادَهُ فِيهِ مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، قَالَهُ البيهقي قَالَ: وَلَكِنْ إِذَا انْضَمَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ إِلَى حَدِيثِ أبي قتادة أَحْدَثَتْ بَعْضَ الْقُوَّةِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: مِنْ شَأْنِ النَّاسِ التَّهْجِيرُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَالصَّلَاةُ إِلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ، قَالَ البيهقي: الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مَوْجُودٌ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَغَّبَ فِي التَّبْكِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَفِي الصَّلَاةِ إِلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ، وَذَلِكَ يُوَافِقُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي أُبِيحَتْ فِيهَا الصَّلَاةُ نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرُوِّينَا الرُّخْصَةَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُوسٍ وَالْحَسَنِ وَمَكْحُولٍ. قُلْتُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ وَقْتَ كَرَاهَةٍ بِحَالٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. الثَّانِي: أَنَّهُ وَقْتُ كَرَاهَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أبي حنيفة، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أحمد. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ وَقْتُ كَرَاهَةٍ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَلَيْسَ بِوَقْتِ كَرَاهَةٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ» اهـ. قُلْتُ: حديث أبي هريرة شديد الضعف. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (١/ ١٠٨):

стр. 2655

«إبراهيم بن محمد هذا هو بن أبي يحيى وإسحاق هذا هو بن أَبِي فَرْوَةَ وَهُمَا مَتْرُوكَانِ لَيْسَ فِيمَا يَنْقِلَانِهِ وَيَرْوِيَانِهِ حُجَّةٌ» اهـ. قُلْتُ: وما رواه البخاري (٨٨٣) عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى». ليس صريحاً على النافلة وقت الزوال فإنَّه لم يقل: ثم يصلي حتى يخطب الإمام. لكن روى الشافعي في [مُسْنَدِهِ] الشافعي (ص: ٦٣)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٦٨٤) أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ، كَانُوا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُصَلُّونَ حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَإِذَا خَرَجَ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، حَتَّى إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ وَقَامَ عُمَرُ سَكَتُوا فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ. قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ، وثعلبة مختلف في صحبته، وقد أخرج له البخاري. وهذا يقوي مذهب الإمام الشافعي ﵀. ٥ - ويدل أيضاً على أنَّ تحية المسجد لا تفوت بالجلوس. ٦ - وفيه أنَّ للخطيب أن يأمر وينهى الحاضرين إذا وجد ما يوجب ذلك. ٧ - قَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ٨٣):

стр. 2656

«وفيه أنَّها لا تحصل بأقل من ركعتين وبه قَالَ الجمهور من أصحابنا وغيرهم وقَالَ بعض أصحابنا تحصل بركعة واحدة وبالصلاة على الجنازة وبسجود التلاوة والشكر لأنَّ المقصود إكرام المسجد وهو حاصل بذلك وهذا ضعيف مخالف لظاهر الحديث» اهـ. ٨ - وفيه استفسار من وقع في خطإ إذا غلب في الظن وقوعه فيه من غير تيقن لذلك. * * * ١٣٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ، ويَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ». قُلْتُ: الحديث بهذا اللفظ عند الدارمي (١٥٥٨)، إلاَّ أنَّ الدارمي زاد «وَكَانَ يَفْصِلُ». ورواه النسائي (١٤١٦): «كَانَ يَخْطُبُ الْخُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ، وَكَانَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ». ورواه الدارقطني (١٦٣٠) بلفظ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ الْخُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ». ولفظ الحديث في الْبُخَارِيّ (٩٢٨): «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا».

стр. 2657

ولفظ مُسْلِم (٨٦١): «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ». قَالَ: كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ. وفي الحديث مسائل منها: ١ - وجوب خطبتي الجمعة لمواظبة النبي ﵊ عليهما وكل ما واظب عليه النبي ﷺ في الجمعة وكان من قبيل الذكر فهو من الواجبات؛ لأنَّه بيان لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، ولأنَّ الجمعة أسقطت صلاة الظهر، ولم تسقطها إلَّا بهذه الهيئة التي بينها رسول الله ﷺ وهي خطبتان وركعتان. وقد ذهب إلى اشتراط الخطبتين لصحة الجمعة الإمام الشافعي وأحمد. وهذا هو الصحيح. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ١١٩): «وجملته أنَّه يشترط للجمعة خطبتان. وهذا مذهب الشافعي. وقَالَ مالك، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي: يجزيه خطبة واحدة. وقد روي عن أحمد ما يدل عليه، فإنَّه قَالَ: لا تكون الخطبة إلَّا كما خطب النبي ﷺ أو خطبة تامة.

стр. 2658

ووجه الأول: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يخطب خطبتين، كما روينا في حديث ابن عمر، وجابر بن سمرة، وقد قَالَ: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ولأنَّ الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين. فكل خطبة مكان ركعة، فالإخلال بإحداهما كالإخلال بإحدى الركعتين» اهـ. قُلْتُ: المشهور عن الإمام مالك أنَّه لا بد من الخطبتين، وله رواية أخرى أنَّ الخطبة الواحدة تجزئ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَدَوِي الْمَالِكي ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى كِفَايَةِ الْطَالِبِ الْرَّبَانِي] (١/ ٣٧٣): «قَوْلُهُ: "اثْنَتَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ" مُقَابِلُهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ، قَالَ: مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَخْطُبَ خُطْبَتَيْنِ، فَإِنْ نَسِيَ الثَّانِيَةَ أَوْ تَرَكَهَا أَجْزَأَهُمْ قَالَهُ الشَّيْخُ بَهْرَامُ» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٤/ ٥٩): «وقَالَت طائفة: إذا لم يخطب الإمام صلى أربعاً، كذلك قَالَ عطاء، والنخعي، وقتادة، وبه قَالَ سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، ويعقوب، ومحمد. وروينا عن سعيد بن جبير أنه قَالَ: كانت الجمعة أربعاً، فجعلت الخطبة مكان الركعتين» اهـ. وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (٢/ ١٦٥ - ١٦٦): «واختلفوا أيضاً في الخطبة هل هي من فروض صلاة الجمعة أم لا وقد جاء فيها أيضاً عن أصحابنا أقاويل مضطربة والخطبة عندنا في الجمعة فرض وهو مذهب

стр. 2659

ابن القاسم والحجة في ذلك أنَّها من بيان رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لمجمل الخطاب في صلاة يوم الجمعة قَالَ الله ﵎ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فأبان رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صلاة الجمعة بفعله كيف هي وأي وقت هي وبيانه لذلك فرض كسائر بيانه لمجملات الكتاب في الصلوات وركوعها وسجودها وأوقاتها وفي الزكوات ومقاديرها وغير ذلك مما يطول ذكره وقد استدل بعض أصحابنا على وجوب الخطبة بقول الله ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ لأنَّه عاتب بذلك الذين تركوا النبي ﷺ قائماً يخطب يوم الجمعة وانفضوا إلى التجارة التي قدمت العيس بها في تلك الساعة وعابهم لذلك ولا يعاب إلَّا على ترك الواجب وما قدمناه من قول في وجوبها لازم أيضاً قاطع وبالله التوفيق» اهـ. قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في أقل ما يقع فيه اسم خطبة على أقوال: فذهب أبو حنيفة: إلى أن الشرط أن يذكر الله تعالى على قصد الخطبة، قل الذكر أم كثر حتى لو سبح أو هلل أو حمد الله تعالى على قصد الخطبة أجزأه. وعند الإمام مالك: لا يجزئ إلَّا ما يقع عليه اسم خطبة. وله رواية قريبة مما قاله أبو حنيفة. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٢/ ٦٠) «وذكر بن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ إِنْ كَبَّرَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ سَبَّحَ أَجْزَأَهُ مِنَ الْخُطْبَةِ» اهـ.

стр. 2660

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُ الْمَالِكِي ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (١/ ٢٠٤): «وَكَمْ الْمِقْدَارُ الَّذِي يُجْزِئُ مِنْ الْخُطْبَةِ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا مَا لَهُ بَالٌ وَيَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ خُطْبَةٍ وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ إنْ سَبَّحَ وَهَلَّلَ أَوْ سَبَّحَ فَقَطْ فَإِنَّهُ يُعِيدُ مَا لَمْ يُصَلِّ فَإِنْ صَلَّى أَجْزَأَهُ وَفِي ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَتَكَلَّمَ بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَجُمُعَتُهُمْ جُمُعَةٌ» اهـ. وقَالَ الإمام الشافعي: وأقل ما يقع عليه اسم خطبة من الخطبتين أن يحمد الله تعالى ويصلى على النبي ﷺ ويقرأ شيئاً من القرآن في الأولى ويحمد الله عز ذكره ويصلى على النبي ﷺ ويوصى بتقوى الله ويدعو في الآخرة لأنَّ معقولاً أنَّ الخطبة جمع بعض الكلام من وجوه إلى بعض هذا أوجز ما يجمع من الكلام. وعند الإمام أحمد: أنَّ فروض الخطبة أربعة أشياء: حمد الله تعالى. والثاني: الصلاة على رسول الله ﷺ . الثالث: الموعظة لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يعظ وهو القصد من الخطبة فلا يجوز الإخلال بها. الرابع: قراءة آية. قُلْتُ: وأبعد هذه المذاهب مذهب أبي حنيفة فإنَّ التسبيح والتحميد لا يسمى خطبة في لغة العرب. قَالَ العلامة ابن المنذر ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٤/ ٦٢):

стр. 2661

«والقول الآخر قول النعمان: هو أنَّ الإمام إن خطب يوم الجمعة بتسبيحة واحدة أجزأه. قَالَ أبو بكر: فأمَّا ما قَالَ النعمان فلا معنى له، ولا أعلم أحداً سبقه إليه، وغير معروف عند أهل المعرفة باللغة بأن يقَالَ لمن قَالَ سبحان الله قد خطب، وإذا كان المقول هذا سبيله، فلا معنى للاشتغال به» اهـ. قُلْتُ: وأحسن ما نعرفه به الخطبة المجزئة للجمعة أن ننظر فيما واظب عليه النبي ﷺ في خطبه فيعد من واجبات الخطبة التي لا تصح بدونه وإليك تفصيل ذلك بمشيئة الله تعالى. فأمَّا الحمد في الخطبة. فقد دل عليه ما رواه مُسْلِم (٨٦٧) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَحْمَدُ اللهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ … ». قُلْتُ: قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٣/ ٢٤٨): «فيه: دليل للشافعي ﷺ أنَّه يجب حمد الله تعالى في الخطبة ويتعين لفظه، ولا يقوم غيره مقامه» اهـ. قُلْتُ: والذي يظهر لي هو وجوب الحمد في الخطبة لمواظبة النبي ﷺ عليه. وأمَّا الموعظة.

стр. 2662

فروى مُسْلِم (٨٦٢) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٣/ ٢٣٨): «فيه دليل للشافعي في أنَّه يشترط في الخطبة الوعظ والقرآن» اهـ. وأمَّا قراءة شيء من القرآن. فروى مُسْلِم (٨٦٢) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ». أمَّا الصلاة على النبي ﷺ . فروى أحمد (٩٩٦٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَا يَذْكُرُونَ فِيهِ اللَّهَ ، وَيُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ لِلثَّوَابِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وروى أحمد (٩٨٤٢، ١٠٢٨٢)، والترمذي (٣٣٨٠) مِنْ طَرِيْقِ صَالِحٍ، مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ لغيره والإسناد حسن. وصالح وإن كان اختلط فإنَّ من

стр. 2663

الرواة عنه ابن أبي ذئب، وقد قَالَ ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جريج. قُلْتُ: وقد جاءت في ذلك آثار عن أصحاب النبي ﷺ منها: ما رواه عبد الله بن أحمد في [زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ] (٨٣٧) حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الزَّيَّاتُ، حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: «كَانَ أَبِي مِنْ شُرَطِ عَلِيٍّ، وَكَانَ تَحْتَ الْمِنْبَرِ، فَحَدَّثَنِي أَبِي: أَنَّهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ - يَعْنِي عَلِيًّا - فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ: "خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، وَالثَّانِي عُمَرُ، وَقَالَ: يَجْعَلُ اللهُ تَعَالَى الْخَيْرَ حَيْثُ أَحَبَّ"». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ. وروى البزار في [مُسْنَدِهِ] (١٩٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَأَكْثَرُ كَلَامِ هَذَا الْحَدِيثِ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ خَلَّادٍ قَالَا: نا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيْهِ: « … فَلَمَّا صَعِدَ عُمَرُ الْمِنْبَرَ أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي أَذَانِهِ فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ … ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ، وأصل الحديث رواه الْبُخَارِيّ (٦٨٣٠)، ومُسْلِم (١٦٩١).

стр. 2664

قُلْتُ: وليس هناك ما يدل على وجوبها في الخطبة فضلاً عن ركنيتها فالصحيح أنَّها تستحب ولا تجب. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٣٧١) - بعد ذكره لبعض الآثار عن الصحابة في الصلاة على النبي ﷺ في الخطب -: «فهذا دليل على أنَّ الصلاة على النبي في الخطب كان أمراً مشهوراً معروفاً عند الصحابة ﵃ أجمعين، وأمَّا وجوبها فيعتمد دليلاً يجب المصير إليه وإلى مثله» اهـ. وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٤٩١ - ٤٩٢): «فالصلاة والسلام عليه في الخطبة يوم الجمعة حسن متأكد الاستحباب، لكن لا يظهر أنَّه تبطل الخطبة بتركه، بل الواجب الشهادتان مع الحمد والموعظة. وأمَّا القراءة، فالأكثرون على وجوبها في الخطبة، وهو المشهور عن أحمد. وحكي عنه رواية، أنَّها مستحبة غير واجبة. وأكثر أصحابنا على إيجاب الصلاة على النبي ﷺ ، ومنهم من قَالَ: الواجب الشهادة له بالرسالة والعبودية» اهـ. وأمَّا الْدُعَاء. فروى مُسْلِم (٨٧٤) عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ، قَالَ: رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ، فَقَالَ: «قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ».

стр. 2665

قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في الإشارة بالسبابة متى كَان النَّبِيُّ ﷺ يشير بها. فقَالَ بعض العلماء: كان ذلك في الْدُعَاء. قُلْتُ: وهذا هو الصحيح فقد روى الحديث أبو داود (١١٠٦) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: رَأَى عُمَارَةُ بْنُ رُوَيْبَةَ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، وَهُوَ يَدْعُو فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَقَالَ عُمَارَةُ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، قَالَ زَائِدَةُ: قَالَ حُصَيْنٌ: حَدَّثَنِي عُمَارَةُ، قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ». يَعْنِي السَّبَّابَةَ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ. قُلْتُ: وهو عند الطيالسي (١٣٦٦) مِنْ طَرِيقِ شعبة وزائدة به. وعند البيهقي قي [الْكُبْرَى] (٥٥٦٦) مِنْ طَرِيقِ شعبة به. ولفظ أحمد (١٧٢٦٣) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرٍ بْنِ مُعَاوِيَّةَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: «كُنْتُ إِلَى جَنْبِ عِمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ وَبِشْرٌ يَخْطُبُنَا، فَلَمَّا دَعَا، رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ عِمَارَةُ - يَعْنِي -: قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ أَوْهَاتَيْنِ الْيُدِيَّتَيْنِ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ، إِذَا دَعَا يَقُولُ هَكَذَا، وَرَفَعَ السَّبَّابَةَ وَحْدَهَا». قُلْتُ: وفي هذا التصريح بدعاء النبي ﷺ في خطبته. لكن لم يتابع زهير على ذلك.
следующие страницы →