← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

«والقول الآخر قول النعمان: هو أنَّ الإمام إن خطب يوم الجمعة بتسبيحة واحدة أجزأه. قَالَ أبو بكر: فأمَّا ما قَالَ النعمان فلا معنى له، ولا أعلم أحداً سبقه إليه، وغير معروف عند أهل المعرفة باللغة بأن يقَالَ لمن قَالَ سبحان الله قد خطب، وإذا كان المقول هذا سبيله، فلا معنى للاشتغال به» اهـ. قُلْتُ: وأحسن ما نعرفه به الخطبة المجزئة للجمعة أن ننظر فيما واظب عليه النبي ﷺ في خطبه فيعد من واجبات الخطبة التي لا تصح بدونه وإليك تفصيل ذلك بمشيئة الله تعالى. فأمَّا الحمد في الخطبة. فقد دل عليه ما رواه مُسْلِم (٨٦٧) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَحْمَدُ اللهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ … ». قُلْتُ: قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٣/ ٢٤٨): «فيه: دليل للشافعي ﷺ أنَّه يجب حمد الله تعالى في الخطبة ويتعين لفظه، ولا يقوم غيره مقامه» اهـ. قُلْتُ: والذي يظهر لي هو وجوب الحمد في الخطبة لمواظبة النبي ﷺ عليه. وأمَّا الموعظة.

стр. 2662

فروى مُسْلِم (٨٦٢) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٣/ ٢٣٨): «فيه دليل للشافعي في أنَّه يشترط في الخطبة الوعظ والقرآن» اهـ. وأمَّا قراءة شيء من القرآن. فروى مُسْلِم (٨٦٢) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ». أمَّا الصلاة على النبي ﷺ . فروى أحمد (٩٩٦٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَا يَذْكُرُونَ فِيهِ اللَّهَ ، وَيُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ لِلثَّوَابِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وروى أحمد (٩٨٤٢، ١٠٢٨٢)، والترمذي (٣٣٨٠) مِنْ طَرِيْقِ صَالِحٍ، مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ لغيره والإسناد حسن. وصالح وإن كان اختلط فإنَّ من

стр. 2663

الرواة عنه ابن أبي ذئب، وقد قَالَ ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جريج. قُلْتُ: وقد جاءت في ذلك آثار عن أصحاب النبي ﷺ منها: ما رواه عبد الله بن أحمد في [زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ] (٨٣٧) حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الزَّيَّاتُ، حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: «كَانَ أَبِي مِنْ شُرَطِ عَلِيٍّ، وَكَانَ تَحْتَ الْمِنْبَرِ، فَحَدَّثَنِي أَبِي: أَنَّهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ - يَعْنِي عَلِيًّا - فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ: "خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، وَالثَّانِي عُمَرُ، وَقَالَ: يَجْعَلُ اللهُ تَعَالَى الْخَيْرَ حَيْثُ أَحَبَّ"». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ. وروى البزار في [مُسْنَدِهِ] (١٩٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَأَكْثَرُ كَلَامِ هَذَا الْحَدِيثِ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ خَلَّادٍ قَالَا: نا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيْهِ: « … فَلَمَّا صَعِدَ عُمَرُ الْمِنْبَرَ أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي أَذَانِهِ فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ … ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ، وأصل الحديث رواه الْبُخَارِيّ (٦٨٣٠)، ومُسْلِم (١٦٩١).

стр. 2664

قُلْتُ: وليس هناك ما يدل على وجوبها في الخطبة فضلاً عن ركنيتها فالصحيح أنَّها تستحب ولا تجب. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٣٧١) - بعد ذكره لبعض الآثار عن الصحابة في الصلاة على النبي ﷺ في الخطب -: «فهذا دليل على أنَّ الصلاة على النبي في الخطب كان أمراً مشهوراً معروفاً عند الصحابة ﵃ أجمعين، وأمَّا وجوبها فيعتمد دليلاً يجب المصير إليه وإلى مثله» اهـ. وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٤٩١ - ٤٩٢): «فالصلاة والسلام عليه في الخطبة يوم الجمعة حسن متأكد الاستحباب، لكن لا يظهر أنَّه تبطل الخطبة بتركه، بل الواجب الشهادتان مع الحمد والموعظة. وأمَّا القراءة، فالأكثرون على وجوبها في الخطبة، وهو المشهور عن أحمد. وحكي عنه رواية، أنَّها مستحبة غير واجبة. وأكثر أصحابنا على إيجاب الصلاة على النبي ﷺ ، ومنهم من قَالَ: الواجب الشهادة له بالرسالة والعبودية» اهـ. وأمَّا الْدُعَاء. فروى مُسْلِم (٨٧٤) عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ، قَالَ: رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ، فَقَالَ: «قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ».

стр. 2665

قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في الإشارة بالسبابة متى كَان النَّبِيُّ ﷺ يشير بها. فقَالَ بعض العلماء: كان ذلك في الْدُعَاء. قُلْتُ: وهذا هو الصحيح فقد روى الحديث أبو داود (١١٠٦) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: رَأَى عُمَارَةُ بْنُ رُوَيْبَةَ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، وَهُوَ يَدْعُو فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَقَالَ عُمَارَةُ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، قَالَ زَائِدَةُ: قَالَ حُصَيْنٌ: حَدَّثَنِي عُمَارَةُ، قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ». يَعْنِي السَّبَّابَةَ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ. قُلْتُ: وهو عند الطيالسي (١٣٦٦) مِنْ طَرِيقِ شعبة وزائدة به. وعند البيهقي قي [الْكُبْرَى] (٥٥٦٦) مِنْ طَرِيقِ شعبة به. ولفظ أحمد (١٧٢٦٣) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرٍ بْنِ مُعَاوِيَّةَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: «كُنْتُ إِلَى جَنْبِ عِمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ وَبِشْرٌ يَخْطُبُنَا، فَلَمَّا دَعَا، رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ عِمَارَةُ - يَعْنِي -: قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ أَوْهَاتَيْنِ الْيُدِيَّتَيْنِ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ، إِذَا دَعَا يَقُولُ هَكَذَا، وَرَفَعَ السَّبَّابَةَ وَحْدَهَا». قُلْتُ: وفي هذا التصريح بدعاء النبي ﷺ في خطبته. لكن لم يتابع زهير على ذلك.

стр. 2666

ورواه الدارمي (١٦٠٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ قَالَ: رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَالَ: فَسَبَّهُ وَقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَمَا يَقُولُ بِأُصْبُعِهِ إِلَّا هَكَذَا، - وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ عِنْدَ الْخَاصِرَةِ -». قُلْتُ: واختلف فيه على سفيان فرواه عبد الرزاق (٥٢٧٩)، ومِنْ طَرِيقِه أحمد (١٧٢٥٨) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ رَافِعًا يَدَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَا يَقُولُ إِلَّا هَكَذَا» وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ. قُلْتُ: وليس في حديث عبد الرزاق ذكر الْدُعَاء وحديث محمد بن يوسف أصح. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي "الْتَقْرِيْب": «ثقة فاضل، يقَالَ أخطأ في شيء مِنْ حَدِيْثِ سفيان، وهو مقدم فيه مع ذلك عندهم على عبد الرزاق» اهـ. لكن رواه أحمد (١٧٢٦٠)، والنسائي (١٤١٢) مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُصَيْنٍ، أَنَّ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، رَفَعَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَسَبَّهُ عُمَارَةُ بْنُ رُوَيْبَةَ الثَّقَفِيُّ، وَقَالَ: «مَا زَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى هَذَا»، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ. قُلْتُ: وقد تابع وكيع عبد الرزاق في عدم ذكر الْدُعَاء وخالفهما حيث لم يسند الحديث عن حصين.

стр. 2667

ورواه الترمذي (٥١٥)، وبن خزيمة (١٧٩٣) مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَارَةَ بْنَ رُوَيْبَةَ الثَّقَفِيَّ قَالَ: «خَطَبَ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَقَالَ عُمَارَةُ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَمَا يَقُولُ إِلَّا هَكَذَا - يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ -». ورواه أحمد (١٨٣٢٥) حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ، أَنَّهُ رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ يُشِيرُ بِإِصْبَعَيْهِ يَدْعُو، فَقَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيُدَيَّتَيْنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَدْعُو وَهُوَ يُشِيرُ بِإِصْبَعٍ». ورواه ابن خزيمة (١٧٩٣) نا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ، ثنا جَرِيرٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، ح، وَثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، ثنا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَارَةَ بْنَ رُوَيْبَةَ الثَّقَفِيَّ قَالَ: «خَطَبَ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَقَالَ عُمَارَةُ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَمَا يَقُولُ إِلَّا هَكَذَا - يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ -». هَذَا حَدِيثُ جَرِيرٍ، وَفِي حَدِيثِ هُشَيْمٍ: شَهِدْتُ عُمَارَةَ بْنَ رُوَيْبَةَ الثَّقَفِيَّ فِي يَوْمِ عِيدٍ، وَبِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ يَخْطُبُنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ، وَزَادَ: وَأَشَارَ هُشَيْمٌ بِالسَّبَّابَةِ اهـ. قُلْتُ: ذكر إشارة بشر بأصبعيه لم يتابع عليها محمد بن فضيل.

стр. 2668

فهؤلاء: سفيان الثوري على اختلاف عنه، وزائدة بن قُدَامَةَ، وشعبة، وزهير بن معاوية، وهشيم بن بشير، ومحمد بن فضيل، وجرير بن حازم ذكروا في حديثهم عن حصين رفع بشر بن مروان يديه في الْدُعَاء في الخطبة. وخالفهم آخرون عن حصين فلم يذكروا ذلك منهم: عبد الله بن إدريس وحديثه عند مُسْلِم (٨٧٤). وعبثر بن القاسم أبو زبيد وحديثه عند الدارمي (١٦٠١). وأبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري وحديثه عند مُسْلِم (٨٧٤)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (١٧١٤). قُلْتُ: ذكر رفع مروان ليديه في الْدُعَاء في الخطبة زيادة من ثقات محفوظة. وقَالَ بعض العلماء: كان ذلك في تشهده. قَالَ العلامة القرطبي ﵀ فِي [المفهم] (٧/ ١٣٦): «وَقَوْلُهُ: "وأشار بإصبعه المسبحة": كان ذلك وَاللَّهُ أَعْلَمُ من رسول الله ﷺ عند التشهد في الخطبة؛ كما كان يفعل في الصلاة» اهـ. قُلْتُ: وليس هناك ما يدل على ذلك، ولا ما يدل على الإشارة عند التشهد في الصلاة. والصحيح الأول. قُلْتُ: وهذا الحديث أصح ما ورد في الْدُعَاء في الخطبة. وفي الباب حديث سهل بن سعد رواه أبو داود (١١٠٧) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ

стр. 2669

مُعَاوِيَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَاهِرًا يَدَيْهِ قَطُّ يَدْعُو عَلَى مِنْبَرِهِ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، وَلَكِنْ رَأَيْتُهُ، يَقُولُ: هَكَذَا، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَعَقَدَ الْوُسْطَى بِالْإِبْهَامِ». قُلْتُ: عبد الرحمن بن معاوية الأكثر على تضعيفه. وقد اضطرب في متن الحديث اضطراباً شديداً. فرواه أبو داود كما سبق، ورواه أحمد (٢٢٩٠٦) حَدَّثَنَا رِبْعِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَاهِرًا يَدَيْهِ قَطُّ يَدْعُو عَلَى مِنْبَرٍ وَلَا غَيْرِهِ، مَا كَانَ يَدْعُو إِلَّا يَضَعُ يَدَهُ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَيُشِيرُ بِإِصْبُعِهِ إِشَارَةً». ورواه ابن خزيمة (١٤٥٠) نا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَقَدِيُّ، نا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَاهِرًا يَدَيْهِ قَطُّ يَدْعُو عَلَى مِنْبَرِهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، وَلَكِنْ رَأَيْتُهُ يَقُولُ هَكَذَا: وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ يُحَرِّكُهَا». ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٥٣٢) والْحَاكِمُ (١٩٦٤) مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنِ ابْنِ ذُبَابٍ،

стр. 2670

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ شَاهِرًا يَدَيْهِ، يَدْعُو عَلَى مِنْبَرِهِ وَلَا غَيْرُهُ، كَانَ يَجْعَلُ أُصْبُعَيْهِ بِحِذَاءِ مَنْكِبَيْهِ وَيَدْعُو». ورواه الروياني في [مُسْنَدِهِ] (١١٣٢) مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ وَلَفْظُهُ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَاهِرًا يَدَيْهِ قَطُّ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، وَلَكِنْ رَأَيْتُهُ يَجْعَلُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَيُشِيرُ بِأُصْبُعَيْهِ». ورواه أبو يعلى (٧٥٥١) حَدَّثَنَا الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَاهِرًا يَدَيْهِ يَدْعُو عَلَى مِنْبَرٍ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، وَلَكِنْ رَأَيْتُهُ، يَقُولُ - هَكَذَا -» وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّاحَةِ مِنْ يَدِهِ الْيُمْنَى فَقَوَّسَهَا. قُلْتُ: وفي الباب ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٣٨٧) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِيُؤَمِّنُ النَّاسُ» قَالَ: وَقَدْ قَالَ عَطَاءٌ: هُوَ حَدَثٌ، وَهُوَ حَسَنٌ. قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ ابن جريج مدلس وقد عنعن ثم الحديث مع ذلك مرسل. وقول عطاء: «هُوَ حَدَثٌ، وَهُوَ حَسَنٌ». حمله غير واحد على الْدُعَاء للسلطان. قَالَ العلامة ابن قُدَامَةَ ﵀ فِي [المغني] (٤/ ١٣١):

стр. 2671

«فصل: ويستحب أن يدعو للمؤمنين والمؤمنات، ولنفسه، والحاضرين، وإن دعا لسلطان المُسْلِمين بالصلاح فحسن. وقد روى ضبة بن محصن، أن أبا موسى كان إذا خطب، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ يدعو لعمر، وأبي بكر. وأنكر عليه ضبة البداية بعمر قبل الْدُعَاء لأبي بكر، ورفع ذلك إلى عمر، فقَالَ لضبة: أنت أوثق منه وأرشد. وقَالَ القاضي: لا يستحب ذلك؛ لأنَّ عطاء قَالَ: هو محدث. وقد ذكرنا فعل الصحابة له، وهو مقدم على قول عطاء؛ ولأنَّ سلطان المُسْلِمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم، ففي الْدُعَاء له دعاء لهم، وذلك مستحب غير مكروه» اهـ. قُلْتُ: أثر أبي موسى رواه ابن مندة في [فَوَائِدِهِ] (٥٣) حَدَّثَنِي فُرَاتُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْغَنَوِيِّ، قَالَ: «كَانَ عَلَيْنَا أَبُو مُوسَى أَمِيرًا بِالْبَصْرَةِ، فَكَانَ إِذَا خَطَبَنَا حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَدْعُو لِعُمَرَ، ﵁، قَالَ: فَأَغَاظَنِي ذَلِكَ مِنْهُ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ عَنْ صَاحِبِهِ تُفَضِّلُهُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَصَنَعَ ذَلِكَ ثَلاثَ جُمَعٍ ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ، ﵁، يَشْكُونِي، وَيَقُولُ: إِنَّ ضَبَّةَ بْنَ مِحْصَنٍ الْغَنَوِيَّ يَتَعَرَّضُ لِي فِي خُطْبَتِي، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنْ أَشْخِصْهُ إِلَيَّ، قَالَ: فَأَشْخَصَنِي

стр. 2672

إِلَيْهِ، فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ فَضَرَبْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ فَخَرَجَ إِلَيَّ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا ضَبَّةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْغَنَوِيُّ، قَالَ: فَلا مَرْحَبًا وَلا أَهْلا، قَالَ: قُلْتُ: أَمَّا الْمَرْحَبُ فَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا الأَهْلُ فَلا أَهْلَ لِي وَلا مَالَ فِيمَ اسْتَحْلَلْتَ يَا عُمَرُ إِشْخَاصِي مِنْ مِصْرِيٍّ بِلا ذَنْبٍ أَذْنَبْتُهُ. قَالَ: وَمَا الَّذِي شَجَرَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَامِلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: الآنَ أُخْبِرُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَ إِذَا خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَدَأَ يَدْعُو لَكَ، فَأَغَاظَنِي ذَلِكَ مِنْهُ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ عَنْ صَاحِبِهِ تُفَضِّلُهُ عَلَيْهِ، فَصَنَعَ ذَلِكَ ثَلاثَ جُمَعٍ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْكَ يَشْكُونِي، قَالَ: فَانْدَفَعَ عُمَرُ ﵁، مَاكِثًا فَجَعَلْتُ أَرْثِي لَهُ ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ وَاللَّهِ أَوْثَقُ مِنْهُ وَأَرْشَدُ … ». الحديث. قُلْتُ: هَذَا الْأَثَرُ لَا يَثْبُتُ بل هو شديد الضعف وآفته فرات بن السائب قَالَ فيه الْبُخَارِيّ ﵀ فِي [الْتَّارِيْخِ الْكَبِيْر] (٧/ ١٣٠): «فرات بن السائب أبو سليمان عن ميمون بن مهران تركوه منكر الحديث» اهـ. وقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (٧/ ٨٠): «فرات بن السائب أبو سليمان روى عن ميمون بن مهران روى عنه شبابة بن سوار سمعت أبى يقول ذلك وسألته عنه فقَالَ ضعيف الحديث منكر الحديث قَالَ: سألت أبا زرعة عن فرات بن السائب فقَالَ: ضعيف الحديث» اهـ. وقَالَ النسائي ﵀ فِي [الضُعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِيْنَ] ص (١٩٧):

стр. 2673

«فرات بن السائب متروك الحديث» اهـ. وقَالَ ابن عدي ﵀ فِي [الْكَامِلِ] (٦/ ٢٢ - ٢٣): «حدثنا بن حماد ثنا عباس عن يحيى قَالَ فرات بن السائب ليس حديثه بشيء وهو جزري، وسمعت بن حماد يقول قَالَ الْبُخَارِيّ فرات بن السائب أبو سليمان عن ميمون بن مهران منكر الحديث سمعت بن حماد يقول قَالَ السعدي: فرات بن السائب أبو المعلى الجزري ضعيف الحديث» اهـ. وقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُ ﵀ فِي [مِيْزَانِ الْاعْتِدالِ] (٣/ ٣٤١): «وقَالَ الدارقطني وغيره: متروك. وقَالَ أحمد بن حنبل: قريب من محمد بن زياد الطحان، في ميمون، يتهم بما يتهم به ذاك» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [تَهْذِيْبِ الْأَسْمَاءِ وَالْلُّغَاتِ] ص (٨٩٤): «السائل الذي سأل عطاء عن الْدُعَاء للسلطان، فقَالَ: إنَّه محدث، وإنَّما كانت الخطبة تذكيرًا ذكره في صلاة الجمعة من المهذب. هو عبد الملك بن جريج، وعطاء هو ابن أبي رباح. قَالَ الشافعي، ﵁، في "الأم": أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج، قَالَ: قُلْتُ لعطاء: الذي أرى الناس يدعون به في الخطبة يومئذ أبلغك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أو عن مَنْ بعد النبي ﷺ ؟ قَالَ: لا، إنَّما أحدث إنَّما كانت الخطبة تذكيرًا هذا نصه» اهـ.

стр. 2674

قُلْتُ: ونص كلام الشيرازي ﵀ فِي [الْمُهَذَّبِ - مَعَ الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥١٧): «وأمَّا الْدُعَاء للسلطان فلا يستحب لما روى أنَّه سئل عطاء عن ذلك فقَالَ: إنَّه محدث وإنَّما كانت الخطبة تذكيراً» اهـ. وفي الباب ما رواه البزار في [مُسْنَدِهِ] (٤٦٥٧) حَدَّثنا خَالِدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثني أبي، قَال: حَدَّثنا جَعْفَرُ بْنُ سَعْد بْنِ سَمُرة، قَالَ: حَدَّثني خُبَيْبِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرة، عَنْ أَبيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرة عَنْ سَمُرة بْنِ جُنْدُبٍ، ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ كُلَّ جُمُعَةٍ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ واهٍ آفته يوسف بن خالد بن عمير السمتي، أبو خالد البصري قَالَ فيه الحافظ ابن معين "كذاب". وولده خالد ضعيف، وسائر السند بين من هو مجهول جهالة عين، وبين من لا يعرف حاله. ورواه الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْكَبِيْر] (٦٩٣٥) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، ثنا مَرْوَانُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خُبَيْبِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلِلْمُسْلِمِينَ وَلِلْمُسْلِمَاتِ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ».

стр. 2675

قُلْتُ: هذا الإسناد أحسن حالاً عمَّا قبله، موسى بن هارون هو الحمال الثقة الحافظ، ومروان بن جعفر هو السمري قَالَ فيه الْحَافِظُ الْذَهَبِيُ ﵀ فِي [مِيْزَانِ الْاعْتِدالِ] (٤/ ٨٩/ ٨٤٢٣): «سمع منه أبو حاتم، ومطين، وقَالَ ابن أبى حاتم: صدوق. وقَالَ أبو الفتح الأزدي. يتكلمون فيه. قُلْتُ: له نسخة عن قراءة محمد بن إبراهيم فيها ما ينكر» اهـ. ومحمد بن إبراهيم قَالَ فيه ابن حبان في [الْثِّقَاتِ] (١٥١٧٢): «يروى عن جعفر بن سعد بن سمرة عن خبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه عن سمرة الكتاب الطويل روى عنه مروان بن جعفر لا يعتبر بما انفرد به من الإسناد» اهـ. وجعفر بن سعد قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في ترجمته من "التهذيب": «وقَالَ ابن حزم: مجهول. وقَالَ عبد الحق في "الأحكام": ليس ممن يعتمد عليه. وقَالَ ابن عبد البر: ليس بالقوى. وقَالَ ابن القطان: ما من هؤلاء من يعرف حاله - يعنى جعفر و شيخه و شيخ شيخه - وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم، و هو إسناد يروى به جملة أحاديث، قد ذكر البزار منها نحو المائة» اهـ.

стр. 2676

قُلْتُ: وخبيب مجهول، وأبوه لا يعرف حاله. ومما يضاف إلى أركان الخطبة التشهد فيها. لما رواه أحمد (٨٠٠٥، ٨٤٩٩)، وأبو داود (٤٨٤٣)، والترمذي (١١٠٦) مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ، فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. واليد الجذماء أي المقطوعة. وإلى هذا ذهب غير واحد من أهل العلم منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ففي [الْاخْتِيَارَاتِ] (٤٣٩) للبعلي: «ويجب في الخطبة أن يشهد أن محمداً عبده ورسوله وأوجب أبو العباس في موضع آخر الشهادتين» اهـ. وقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٣٩١): «والصواب: أن ذكره بالتشهد هو الواجب لدلالة هذا الحديث» اهـ. وقَالَ ﵀ فِي [مِنْهَاجِ الْسُّنَّةِ الْنَبَوِيَّةِ] (٥/ ٢٨٢): «فلا بد في الخطب من الحمد لله ومن توحيده ولهذا كانت الخطب في الجمع والأعياد وغير ذلك مشتملة على هذين الأصلين وكذلك التشهد في آخر الصلاة أوله ثناء على الله وآخره الشهادتان» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] (٣٦٨ - ٣٦٩): «فصل الموطن الخامس من مواطن الصلاة عليه في الخطبة.

стр. 2677

وقد اختلف في اشتراطها لصحة الخطبة: فقَالَ الشافعي وأحمد في المشهور من مذهبهما لا تصح الخطبة إلَّا بالصلاة عليه. وقَالَ أبو حنيفة ومالك تصح بدونها وهو وجه في مذهب أحمد. واحتج لوجوبها في الخطبة بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قَالَ ابن عباس ﵄ رفع الله له ذكره فلا يذكر إلَّا ذكر معه. وفي هذا الدليل نظر لأنَّ ذكره مع ذكر ربه هو الشهادة له بالرسالة إذا شهد لمرسله بالوحدانية وهذا هو الواجب في الخطبة قطعاً بل هو ركنها الأعظم وقد روى أبو داود وأحمد وغيرهما مِنْ حَدِيْثِ أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ أنه قَالَ: "كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء" واليد الجذماء المقطوعة. فمن اوجب الصلاة على النبي في الخطبة دون التشهد فقوله في غاية الضعف» اهـ. وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٤٩١): «بل الواجب الشهادتان مع الحمد والموعظة» اهـ. قُلْتُ: ويستحب في الخطبة قول: «أَمَّا بَعْدُ». والأحاديث في ذلك كثيرة منها ما رواه مُسْلِم (٨٦٧) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ»، وَيَقُولُ: «بُعِثْتُ

стр. 2678

أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ»، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ، وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». ثُمَّ يَقُولُ: «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ». قُلْتُ: ويستحب قراءة سورة "ق" في كثير من الخطب. وذلك لما رواه مُسْلِم (٨٧٣) عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَتْ: «لَقَدْ كَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاحِدًا، سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وَمَا أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، إِذَا خَطَبَ النَّاسَ». وروى مسلم (٨٧٢) عَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ، قَالَتْ: «أَخَذْتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِهَا عَلَى الْمِنْبَرِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِم] (٦/ ١٦١) «قَالَ الْعُلَمَاءُ سَبَبُ اخْتِيَارِ ق أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْبَعْثِ وَالْمَوْتِ وَالْمَوَاعِظِ الشَّدِيدَةِ وَالزَّوَاجِرِ الْأَكِيدَةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِلْقِرَاءَةِ فِي الْخُطْبَةِ كَمَا سَبَقَ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ قِرَاءَةِ ق أَوْ بَعْضِهَا فِي كُلِّ خُطْبَةٍ» اهـ. قَالَ الْعَلَّامُةُ الْصَنْعَانِي ﵀ فِي [سُبُلِ الْسَلَامِ] (٢/ ٥٠):

стр. 2679

«وقد قام الإجماع على عدم وجوب قراءة السورة المذكورة ولا بعضها في الخطبة، وكانت محافظته على هذه السورة اختياراً منه لما هو الأحسن في الوعظ والتذكير» اهـ. قُلْتُ: قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُوْ شَامَةَ ﵀ فِي [الْبَاعِثِ عَلَى إِنْكَارِ الْبِدَعِ وَالْحَوَادِثِ] (ص: ٥٤): «وَالْعجب من مواظبة أَكثر أَئِمَّة الْمَسَاجِد على قِرَاءَة السَّجْدَة فِي صبح كل يَوْم جمعه وَلَا تكَاد ترى أحدا من الخطباء فِي هَذِه الْبِلَاد يقْرَأ سُورَة ق فِي خطْبَة يَوْم الْجُمُعَة مَعَ أَنْ فِي صَحِيح مُسلم عَنْ أَنْ هِشَام بنت حارثه قَالَتْ مَا أخذت ق وَالْقُرْآن الْمجِيد إِلَّا عَنْ لِسَان رَسُول الله ﷺ يقْرؤهَا كل جُمُعَة على الْمِنْبَر إِذا خطب النَّاس» اهـ. قُلْتُ: وأبو شامة توفي سنة ٦٦٥ هـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ عَلِي الْقَارِي ﵀ في [مِرْقَاةِ الْمَفَاتِيْحِ] (٣/ ١٠٤٤): «قَالَ الطِّيبِيُّ نَقْلًا عَنِ الْمُظْهِرِ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ: أَنَّ الْمُرَادَ أَوَّلُ السُّورَةِ لَا جَمِيعُهَا; لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَقْرَأْ جَمِيعَهَا فِي الْخُطْبَةِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ أَوَّلَهَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ وَإِلَّا لَكَانَتْ قِرَاءَتُهَا وَاجِبَةً أَوْ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ بَعْضَهَا; فَحَفِظَتِ الْكُلَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: قَوْلُهُ: يَقْرَؤُهَا أَيْ: كُلَّهَا، وَحَمْلُهَا عَلَى أَوَّلِ السُّورَةِ صَرْفٌ لِلنَّصِّ عَنْ ظَاهِرِهِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ مَعَ الطِّيبِيِّ، لَكِنْ نَحْنُ نَصْرِفُهُ عَنْ

стр. 2680

ظَاهِرِهِ بِحَمْلِ كُلِّهَا عَلَى الْخُطَبِ الْمُتَعَدِّدَةِ; إِذِ الْحَمْلُ عَلَى كُلِّ السُّورَةِ فِي كُلِّ خُطْبَةِ مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا» اهـ. وقال العلامة محمد العظيم أبادي ﵀ في [عَوْنِ الْمَعْبُوْدِ] (٣/ ٣١٦) «قلت: القول ما قال بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ وَمَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ هُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ» اهـ. قُلْتُ: واحتج ابن الحزم بهذا الحديث على مشروعية الخطبة بسورة فقال في [الْمُحَلَّى] (٣/ ٢٦٦): «وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنْ خَطَبَ بِسُورَةٍ يَقْرَؤُهَا: فَحَسَنٌ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا شُعْبَةُ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنَةٍ لِحَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: مَا حَفِظْت (ق) إلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاحِدًا» اهـ. قُلْتُ: هذا تأويل بعيد بل الظاهر أنَّه لم يكن يقتصر عليها فإنَّه يبعد كل البعد أنَّ النبي ﷺ كان يخطب بها في كل جمعة ويقتصر عليها ولا يذكر غيرها. قُلْتُ: ذهب بعض العلماء إلى استحباب قول الخطيب: «وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ». بعد الانتهاء من خطبته الثانية، كما صرَّح بذلك علماء المالكية والشافعية. وقد روى ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٨٢٨) أَخْبَرَنَا مَكْحُولٌ بِبَيْرُوتَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا

стр. 2681

مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ، وَمَا وَجَدَ لَهَا مُنَاخًا فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى أُخْرِجَتْ إِلَى بَطْنِ الْوَادِي، فَأُنِيخَتْ، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَا بَعْدَ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى رَبِّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى رَبِّهِ"، ثُمَّ تَلَا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] حَتَّى قَرَأَ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: "أَقُولُ هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ"». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ من أجل عبد الله بن رجاء، ومكحول اسمه محمد بن عبد السلام البيروتي قَالَ فيه الْحَافِظُ الْذَهَبِيُ ﵀ فِي [سِيَرِ أَعْلَامِ الْنُبَلَاءِ] (٢٩/ ٣٠): «مكحول محمد بن عبد الله بن عبد السلام البيروتي الحافظ، الإمام، المحدث، الرحال، أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن عبد السلام بن أبي أيوب البيروتي، ولقبه مكحول» اهـ. قُلْتُ: ورواه عبد بن حميد في [الْمُنْتَخَبِ] (٧٩٥)، والفاكهي في [أَخْبَارِ مَكَةَ] (١٧٩٣)، والبغوي في [شَرْحِ الْسُّنَّةِ] (٣٥٤٤) مِنْ طَرِيقِ أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄ به.

стр. 2682

قُلْتُ: هكذا رواه أبو عاصم النبيل وسمى من حدثه عن عبد الله بن دينار موسى بن عبيدة وهو ضعيف الحديث لا سيما في روايته عن ابن دينار. وقد تابع أبا عاصم في ذلك عبيد الله بن موسى رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٨٠٧٤) حدثنا عبيد الله بن موسى، قَالَ: أخبرنا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. به. قُلْتُ: والذي يظهر لي ثبوت حديث عبد الله بن رجاء وليس هناك ما يدل على توهيمه في اسم شيخه. وليس هذا من قبيل الشاذ فإنَّ الشاذ مخالفة المقبول لمن هو أوثق منه أو أكثر عدداً، وهنا عبد الله بن رجاء ما خالف أحداً وإنَّما روى الحديث عن شيخ له آخر غير شيخ أبي عاصم، وعبيد الله بن موسى. نعم لو كانوا اتفقوا في شيخ معين ثم اختلفوا فيما فوق ذلك من رجال الإسناد لاستقام مثل هذا التعليل. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وقد قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُ ﵀ فِي [السلسلة الصحيحة] (٦/ ٣٠٢/ ٢٨٠٣): «قُلْتُ: و هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مُسْلِم غير مكحول وشيخه محمد بن عبد الله بن يزيد وهما ثقتان معروفان» اهـ. ورواه الترمذي (٣٢٧٠) حدثنا علي بن حجر أخبرنا عبد الله بن جعفر حدثنا عبد الله بن دينار عن بن عمر به. ولم يذكر الاستغفار. قُلْتُ: عبد الله بن جعفر هو ابن نجيح ضعيف الحديث.

стр. 2683

وقد جاء في ذلك أثر عن الصديق رواه أبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (٨) وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي وُلِّيتُ أَمْرَكُمْ، وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، وَلَكِنَّهُ نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَسَنَّ النَّبِيُّ ﷺ ، وَعَلَّمَنَا فَعَمِلْنَا، وَاعْلَمُنَّ أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ أَكْيَسَ الْكَيْسِ الْهُدَى» أَوْ قَالَ: «التُّقَى»، شَكَّ أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ: التُّقَى - «وَأَنَّ أَعْجَزَ الْعَجْزِ الْفُجُورُ، وَأَنَّ أَقْوَاكُمْ عِنْدِي الضَّعِيفُ حَتَّى آخُذَ لَهُ بِحَقِّهِ، وَأَنَّ أَضْعَفَكُمْ عِنْدِي الْقَوِيُّ حَتَّى آخُذَ مِنْهُ الْحَقَّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا مُتَّبِعٌ، وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ، فَإِنْ أَنَا أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَنَا زُغْتُ فَقَوِّمُونِي أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ». ورواه الدارقطني [الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ] (١/ ٤١٠) مِنْ طَرِيقِ مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن أبا بكر الصديق. فذكره. قُلْتُ: وهو من مراسيل عروة بن الزبير. ورواه أبو بكر أحمد بن مروان الدينوري المالكي في [المجالسة وجواهر العلم] (١٢٩٠) نَا الْحَرْبِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، نَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ هِلالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ؛ قَالَ: «لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ صَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَنَزَلَ مِرْقَاةً مِنْ مَقْعَدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَحَمَدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اعْلَمُوا أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ أَكْيَسَ الْكَيْسِ التُّقَى، وأن أَحْمَقَ الْحُمْقِ الْفُجُورُ، وَإِنَّ أَقْوَاكُمْ

стр. 2684

عِنْدِي الضَّعِيفُ حَتَّى آخُذَ لَهُ بِحَقِّهِ، وَإِنَّ أَضْعَفَكُمْ عِنْدِي الْقَوِيُّ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ، إِنَّمَا أَنَا مُتَّبِعٌ وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ؛ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ زِغْتُ؛ فَقَوِّمُونِي، وَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَلا يَدَعُ قَوْمٌ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ إِلَّا ضَرَبَهُمُ اللهُ بِالْفَقْرِ، وَلا ظَهَرَتِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ؛ إِلَّا عَمَّهُمُ اللهُ بِالْبَلاءِ؛ فَأَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللهَ وَرَسُولَهُ؛ فَلا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ». قُلْتُ: مؤلف "المجالسة" اتهمه الحافظ الدارقطني فيما نقله الْحَافِظُ الْذَهَبِيُ في عدد من مصنفاته ومشاه غيره من أهل العلم، وأحمد هو ابن إسحاق الصبغي وهو حافظ من الحفاظ، وسائر الإسناد كلهم ثقات وأبو عوانة هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهلال هو الوزان. ورواه ابن عساكر ﵀ فِي [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٣٠/ ٣٠٢) أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم أنا رشأ بن نظيف أنا الحسن بن إسماعيل أنبأ أحمد بن مروان نا الحربي إبراهيم بن إسحاق نا خلف بن هشام عن أبي عوانة عن هلال عن عبد الله بن عليم قَالَ وأنا أحمد بن مروان نا محمد بن عبد الرحمن مولى بني هاشم نا أبي عن الهيثم عن مجالد عن الشعبي قَالَ: «لما بويع أبو بكر صعد المنبر فنزل مرقاة من مقعد النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه ثم قَالَ: اعلموا أيها الناس أن أكيس الكيس التقى وإن أحمق الحمق الفجور وإن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه إنما أنا متبع

стр. 2685

ولست بمبتدع فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ولا يدع قوماً الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالفقر ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلَّا عمَّهم الله بالبلاء فأطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم أَقُولُ قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم». قُلْتُ: الهيثم هو ابن عدي بن عبد الرحمن أحد الكذابين، وهو مع ذلك منقطع بين الشعبي والصديق. فائدة: قال العلامة الخرشي المالكي ﵀ في [شرح مختصر خليل] (٢/ ٨٣) «وَمِنْهَا خَتْمُ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ بِيَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ وَأَجْزَأَ أَنْ يَأْتِيَ مَكَانَ ذَلِكَ قَوْلُهُ اُذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ لَكِنَّهُ دُونَ الْأَوَّلِ فِي الْفَضْلِ وَتَعْبِيرُ الْمُؤَلِّفِ بِالْإِجْزَاءِ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ بَلْ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ابْتِدَاءً وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَحَمَلَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وَأَجْزَأَ فِي الِاسْتِحْبَابِ اُذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ فِيهِ تَكَلُّفٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الْآيَةَ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ فِي خَتْمِهَا وَأَوَّلُ مَنْ قَرَأَ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] الْآيَةَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَوَّلُ مَنْ قَرَأَ فِي الْخُطْبَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الْمَهْدِيُّ الْعَبَّاسِيُّ» اهـ. فائدة أخرى: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [مِنْهَاجِ الْسُّنَّةِ الْنَبَوِيَّةِ] (٤/ ١٦٣ - ١٦٤) - بعد كلام طويل حول ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة-:

стр. 2686

«الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُ يُقَالُ: إِنَّ الَّذِينَ اخْتَارُوا ذِكْرَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِنَّمَا فَعَلُوهُ تَعْوِيضًا عَمَّنْ يَسُبُّهُمْ وَيَقْدَحُ فِيهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِيهِ مِنَ الْفَاسِدِ فِي الْإِسْلَامِ مَا لَا يَخْفَى، فَأَعْلَنُوا بِذِكْرِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ حِفْظًا لِلْإِسْلَامِ بِإِظْهَارِ مُوَالَاتِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَمَنْعًا مِمَّنْ يُرِيدُ عَوْرَاتِهِمْ وَالطَّعْنَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ". وَالْأَحَادِيثُ فِي ذِكْرِ خِلَافَتِهِمْ كَثِيرَةٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَنِي أُمَيَّةَ مَنْ يَسُبُّ عَلِيًّا ﵁ وَيَذُمُّهُ وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَتَوَلَّى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ أُولَئِكَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ ذَكَرَ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ الْأَرْبَعَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَأَظْهَرَ ذِكْرَ عَلِيٍّ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَذِكْرَ فَضَائِلِهِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِمَّنْ يُبْغِضُ عَلِيًّا لَا تَخْتَارُ ذَلِكَ. وَالْخَوَارِجُ تُبْغِضُ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَتُكَفِّرُهُمَا، فَكَانَ فِي ذِكْرِهِمَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵃ رَدٌّ عَلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقِتَالِهِمْ» اهـ. ٢ - قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤٠٦): «واستدل به الشافعي في إيجاب الجلوس بين الخطبتين لمواظبته ﷺ على ذلك مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلى" قَالَ ابن دقيق العيد يتوقف ذلك على ثبوت أنَّ إقامة الخطبتين داخل تحت كيفية الصلاة وإلَّا فهو استدلال

стр. 2687

بمجرد الفعل وزعم الطحاوي أنَّ الشافعي تفرد بذلك وتعقب بأنَّه محكي عن مالك أيضاً في رواية، وهو المشهور عن أحمد نقله شيخنا في "شرح الترمذي" وحكى ابن المنذر أنَّ بعض العلماء عارض الشافعي بأنَّه ﷺ واظب على الجلوس قبل الخطبة الأولى فإن كانت مواظبته دليلاً على شرطية الجلسة الوسطى فلتكن دليلاً على شرطية الجلسة الأولى وهذا متعقب بأنَّ جل الروايات عَنِ ابْنِ عُمَرَ ليست فيها هذه الجلسة الأولى وهي من رواية عبد الله العمري المضعف فلم تثبت المواظبة عليها بخلاف التي بين الخطبتين وقَالَ صاحب "المغني" لم يوجبها أكثر أهل العلم لأنَّها جلسة ليس فيها ذكر مشروع فلم تجب وقدرها من قَالَ بوجوبها بقدر جلسة الاستراحة وبقدر ما يقرأ سورة الإخلاص واختلف في حكمتها فقيل للفصل بين الخطبتين وقيل للراحة وعلى الأول وهو الأظهر يكفي السكوت بقدرها ويظهر أثر الخلاف أيضاً فيمن خطب قاعداً لعجزه عن القيام وقد ألزم الطحاوي من قَالَ بوجوب الجلوس بين الخطبتين أن يوجب القيام في الخطبتين لأنَّ كلاً منهما اقتصر على فعل شيء واحد وتعقبه الزين بن المنير وبالله التوفيق» اهـ. وقَالَ العلامة ابن المنذر ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٤/ ٦٢ - ٦٣): «وقد عارض الشافعي غيره من أصحابنا فقَالَ: يقَالَ لمن قَالَ بقوله: من أين أوجبت الجلسة بين الخطبتين فرضاً؟ أبطلت الجمعة بتركها وقد أتى بالجمعة

стр. 2688

والخطبتين، وليست الجلسة من الجمعة؛ لأنَّ الجمعة فرضها ركعتان، كذلك في حديث عمر، والخطبة معروفة، والجلسة غير هذا، ولو كانت الجلسة واجبة لم يجز أن تبطل الجمعة بتركها؛ لأنَّها غير هذا، فإن اعتل بجلوس النبي ﷺ بين الخطبتين، فالفعل عنده وعند غيره لا يوجب فرضاً، ولو ثبت أنَّه فرض لم يدل على إبطال الجمعة، ويقَالَ له: وما الفرق بين الجلسة الأولى والجلسة بين الخطبتين؟ فإن اعتل بأنَّ الجلسة بين الخطبتين من فعل النبي ﷺ ، فكذلك الجلسة الأولى من فعل النبي ﷺ ، وذكر كلاماً تركت ذكره هاهنا كراهية التطويل» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ١٢٣): «فصل: يستحب أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يفعل ذلك كما روينا في حديث ابن عمر، وجابر بن سمرة وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم. وقَالَ الشافعي: هي واجبة؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يجلسها. ولنا، أنَّها جلسة ليس فيها ذكر مشروع، فلم تكن واجبة كالأولى، وقد سرد الخطبة جماعة، منهم المغيرة بن شعبة، وأبي بن كعب. قَالَه أحمد. وروي عن أبي إسحاق، قَالَ: رأيت علياً يخطب على المنبر، فلم يجلس حتى فرغ.

стр. 2689

وجلوس النبي ﷺ كان للاستراحة، فلم تكن واجبة، كالأولى، ولكن يستحب، فإن خطب جالساً لعذر فصل بين الخطبتين بسكتة، وكذلك إن خطب قائماً فلم يجلس. قَالَ: ابن عبد البر: ذهب مالك، والعراقيون، وسائر فقهاء الأمصار إلاَّ الشافعي، أنَّ الجلوس بين الخطبتين لا شيء على من تركه» اهـ. قُلْتُ: أثر على رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥٢٢٤) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: «رَأَيْتُ عَلِيًّا، يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى فَرَغَ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ، والحسن هو ابن صالح بن حي، وإسحاق صوابه أبو إسحاق وهو السبيعي. والذي يظهر لي عدم وجوب القيام والجلوس بين الخطبتين لأنَّها مجرد أفعال لم يأت الأمر بها، وليست من قبيل الذكر حتى يقَالَ إنَّها بيان لمجمل القران. ٣ - وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يخطب عن قيام. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥١٥): «ذكرنا أن مذهبنا وجوب القيام في الخطبتين والجلوس بينهما ولا تصح إلَّا بهما.

стр. 2690

وقَالَ مالك وأبو حنيفة وأحمد تصح قاعداً مع القدرة قَالَوا والقيام سنة وكذا الجلوس بينهما سنة عندهم، وبه قَالَ جمهور العلماء حتى أنَّ الطحاوي قَالَ: لم يقل أحد غير الشافعي باشتراط الجلوس بينهما. قَالَ القاضي عياض: وعن مالك رواية أنَّ الجلوس بينهما شرط وكذا القيام. دليلنا أنَّه ﷺ قَالَ: "صلوا كما رأيتموني أصلي" مع الأحاديث الصحيحة المشهورة أنَّه ﷺ "كان يخطب خطبتين قائماً يجلس بينهما"» اهـ. قلت: وللخطبة شروط: الأول: النية لحديث عمر المشهور. والنية شرط عند الحنابلة، وفي مذهب الشافعية نزاع. الشرط الثاني: الجماعة. والجماعة شرط في الخطبة والصلاة عند أكثر العلماء، وخالف في ذلك أبو حنيفة في الخطبة. وذهب أبو حنيفة في رواية إلى عدم اشتراط العدد. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزِي ﵀ فِي [زَادِ الْمَسِيْرِ] (٤/ ٢٨٣): «والعدد شرط في الخطبة. وقال أبو حنيفة في إِحدى الروايتين: يصح أن يخطب منفرداً» اهـ. قُلْتُ: واختلفوا في العدد المشترط من ذلك على أقوال منها:

стр. 2691

الأول: اثنان: وهو مذهب الحسن بن صالح وأبي ثور في رواية عنه، وداود، وحكي عن مكحول. الثاني: ثلاثة: وهو مذهب ابن المبارك، والثوري، الليث، والأوزاعي، وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة في رواية عنهما، وأحمد في رواية، والأوزاعي ومالك والثوري في رواية عنهما، وشيخ الإسلام ابن تيمية. الثالث: أربعة وهو مذهب سفيان الثوري وأبي حنيفة، وصاحبيه في المشهور عنهما. الرابع: اثنا عشر، وهو مذهب ربيعة. الخامس: أربعون، وهو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه ورواية عن مالك. السادس: عدم تقييد ذلك بعدد، وهو مذهب مالك، فعنده المعتبر هو عدد تتقرى بهم قرية، ويمكنهم المقام فيها، والبيع والشراء، فإذا كانت قرية، وفيها سوق ومسجد انعقدت بهم الجمعة. السابع: خمسون وهو مذهب عمر بن عبد العزيز ورواية عن أحمد. الثامن: أربعون في الأمصار وثلاثة في القرى، وهي رواية عن أحمد. التاسع: سبعة حكي عن عكرمة ورواية عن أحمد. قلت: الأظهر أنَّ الجمعة شأنَّها كشأن سائر الصلوات وأنَّها تنعقد باثنين، من جعل لها حكماً تخالف سائر الصلوات فعليه الدليل الدال على ذلك.

стр. 2692

الشرط الثالث: الوقت. ووقت الخطبة بعد الزوال في مذهب الجمهور. والمشهور في مذهب أحمد أنَّ وقت الجمعة من ارتفاع الشمس قيد رمح وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه. والأظهر مشروعية تقدم الخطبة على الزوال كما هو مذهب الإمام مالك وأحمد في رواية عنهما، لما رواه الْبُخَارِيّ (٩٠٤) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ». قلت: ولازم ذلك وقوع الخطبة قبل الزوال. قال العلامة ابن أبي الخير ﵀ في [البيان] (٢/ ٥٦٧): «وقال أحمد: يجوز فعلها قبل الزوال. واختلف أصحابه في وقتها: فمنهم من قال: أول وقتها وقت صلاة العيد. ومنهم من قال: يجوز فعلها في الساعة السادسة. وقال مالك: "يجوز فعل الخطبة قبل الزوال، وأمَّا صلاة الجمعة: فلا تجوز له قبل الزوال"» اهـ. وسيأتي الكلام على ذلك في شرح حديث سلمة بن الأكوع. الشرط الرابع: تقديمها على الصلاة. وهذا الشرط متفق عليه بين الأئمة الأربعة. الشرط الخامس: الجهر بالخطبة. بحيث يسمعها من تنعقد بهم الجمعة.

стр. 2693

وهو شرط في مذهب الجمهور وخالفت الحنفية وبعض الشافعية فأجازوا الخطبة سراً. والصحيح اشتراط ذلك لأنَّ المقصود بالخطبة موعظة الناس ولا يحصل ذلك بغير الجهر. الشرط السادس: أن تكون بالعربية. وهذا إذا خطب بقوم يعرفون العربية وأمَّا إذا لم يكونوا يعرفونها فإنَّه يخطب بهم بلغتهم ما عدى القرآن كما ذهب إليه الشافعية في المصحح عندهم، وبعض الحنابلة. واختارت ذلك اللجنة الدائمة، والعلامة ابن باز غير أنَّهم استحسنوا الخطبة بالعربية ثم ترجمتها بغير العربية، وذهب العلامة ابن عثيمين إلى مشروعية الخطبة بغير العربية إذا خطب قوماً لا يفهمون العربية. ومذهب المالكية، والمشهور عند الحنابلة أنَّ الخطبة تكون بالعربية مطلقاً. واستحبت الحنفية الخطبة بالعربية ولم يوجبوها. الشرط السابع: الموالاة. الأكثر على اشتراط الموالاة بين أجزاء الخطبة كأركانها. وذهب بعض الحنابلة والشافعية إلى عدم اشتراط ذلك. والأظهر الاشتراط لأننا إذا لم نقل ذلك فإنَّ الخطبة الواحدة تصير عدة خطب بسبب الفصل.

стр. 2694

والأكثر على اشتراط الموالاة بين الخطبة والصلاة. وذهب الشافعي في القديم وجماعة من الحنابلة إلى عدم اشتراط ذلك. والأظهر عدم الاشتراط إذ لا دليل عليه. وذهب الشافعي وأحمد إلى اشتراط الموالاة بين الخطبتين، ولا أعلم دليلاً على الشرطية. الشرط الثامن: طهارة الخطيب من الحدث، وطهارة بدنه وثوبه وما يحمله من النجس. فإذا كان الحدث أكبر فقد اشترط الطهارة منه الإمام الشافعي في الجديد، وأحمد في رواية وهو المشهور عند الحنابلة. ولم يشترط ذلك أبو حنيفة ومالك. وهو الأصح. وإذا كان الحدث من قبيل الأصغر فالأكثر على عدم اشتراط ذلك. واشترط ذلك الشافعي في الجديد، وأحمد في رواية. وأمَّا الطهارة من النجس فاشترط ذلك الإمام الشافعي، وأحمد في رواية. والأكثر لا يشترطون ذلك وهو الصحيح. الشرط التاسع: ستر العورة. وقد اشترط ذلك الشافعي وأحمد في رواية. والأكثر لا يشترطون ذلك وهو الصحيح. وللجمعة شروط منها شروط وجوب، ومنها شروط صحة ووجوب.

стр. 2695

الشرط الأول: الإسلام. وهو شرط وجوب وصحة فإنَّ الكافر لا تصح منه الجمعة ولا غيرها من العبادات، ولا يؤمر بها حال كفره، وهذا معنى شرط الوجوب وليس المراد أنَّه لا يعاقب على ترك الجمعة في الآخرة. قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]. والإسلام شرط وجوب بمعنى أنَّ الكافر لا يطالب بفعلها حال كفره لا أنَّه لا يعاقب على تركها في الآخرة. الشرط الثاني: البلوغ. فلا تجب الجمعة على من لم يبلغ. ما رواه أحمد (٢٣٥٥٣)، وأبو داود (٣٨٢٢)، والنسائي (٣٣٧٨)، وابن ماجة (٢٠٣١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ المُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ». وروى أحمد (٨٩٦) وأبو داود (٣٨٢٣، ٣٨٢٤، ٣٨٢٥)، والترمذي (١٣٤٣). عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ». قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ بطرقه وشواهده.

стр. 2696

الشرط الثالث: العقل. وهو شرط صحة ووجوب معاً، ويدل عليه ما سبق من حديث عائشة وعلي ﵄. الشرط الرابع: الذكورية، وهذا شرط وجوب فلا تجب الجمعة على المرأة بالاتفاق. الشرط الخامس: الحرية. ويدل على هذين الشرطين ما رواه أبو داود (١٠٦٧) حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُرَيْمٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ، قَدْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا» اهـ. قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، من أجل إسحاق بن منصور وهو السلولي حسن الحديث. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فَي [الْإِصَابَةِ] (٣/ ٥١٠) في طارق بن شهاب: «إذا ثبت أنَّه لقي النبي ﷺ فهو صحابي على الراجح وإذا ثبت أنَّه لم يسمع منه فروايته عنه مرسل صحابي وهو مقبول على الراجح وقد أخرج له النسائي عدة أحاديث وذلك مصير منه إلى إثبات صحبته» اهـ.

стр. 2697

وصحح الحديث العلامة الوادعي ﵀ في [الْصَّحِيْحِ الْمُسْنَدِ] برقم (٥١٧) وقال: «هذا حديث صحيح، مرسل صحابي مقبول؛ لأنَّ الصحابة كلهم عدول» اهـ. الشرط السادس: الاستيطان أو الإقامة. فلا تجب على مسافر، ولهذا لم يقم النبي ﷺ الجمعة في السفر قط. وهذا متفق عليه بين الأئمة الأربعة. وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٤/ ٢٠): «وَمِمَّنْ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْمُسَافِرِ جُمُعَةٌ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ فَلْيَشْهَدِ الْجُمُعَةَ وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ، وَكَانَ النَّخَعِيُّ يَقُولُ: لَيْسَ لِمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ عُذْرٌ، إِلَّا خَائِفٌ أَوْ مَرِيضٌ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَعَلَّ مِنْ حُجَّةِ مَنْ يَقُولُ: عَلَى الْمُسَافِرِ الْجُمُعَةُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩] الْآيَةَ، فَيَقُولُ: عَلَى كُلِّ حُرٍّ بَالِغٍ الْجُمُعَةُ، إِلَّا حُرًّا أَزَالَ عَنْهُ الْجُمُعَةَ كِتَابٌ، أَوْ سُنَّةٌ، أَوْ إِجْمَاعٌ، وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ فِي إِسْقَاطِ الْجُمُعَةِ عَنِ الْمُسَافِرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَرَّ بِهِ فِي أَسْفَارِهِ جُمَعٌ لَا مَحَالَةَ، فَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ جَمَعَ وَهُوَ مُسَافِرٌ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ بِعَرَفَةَ وَكَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ عَلَى أَنَّ لَا جُمُعَةَ عَلَى الْمُسَافِرِ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَيَّنُ عَنِ اللهِ مَعْنَى مَا أَرَادَ بِكِتَابِهِ، فَسَقَطَتِ الْجُمُعَةُ عَنِ

стр. 2698

الْمُسَافِرِ اسْتِدْلَالًا بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهَذَا كَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ مُخْتَلَفٌ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَحَكَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا جُمُعَةَ عَلَى الْمُسَافِرِ، وَإِنْ سَمِعَ الْمُسَافِرُ أَذَانَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ فِي بَلَدِ جُمُعَةٍ فَلْيَحْضِرْ مَعَهُمْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَوْلُهُ: فَلْيَحْضِرْ مَعَهُمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ اسْتِحْبَابًا، وَلَوْ أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ قَوْلًا شَاذًّا خِلَافَ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَخِلَافَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ» اهـ. قُلْتُ: وشذَّ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فَقَالَ فِي [الْمُحَلَّى] (٣/ ٢٥٢) «مَسْأَلَةٌ: وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا - مِنْ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ - الْمُسَافِرُ فِي سَفَرِهِ، وَالْعَبْدُ، وَالْحُرُّ، وَالْمُقِيمُ، وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا يَكُونُ إمَامًا فِيهَا، رَاتِبًا وَغَيْرَ رَاتِبٍ، وَيُصَلِّيهَا الْمَسْجُونُونَ، وَالْمُخْتَفُونَ رَكْعَتَيْنِ فِي جَمَاعَةٍ بِخُطْبَةٍ كَسَائِرِ النَّاسِ، وَتُصَلَّى فِي كُلِّ قَرْيَةٍ صَغُرَتْ أَمْ كَبُرَتْ، كَانَ هُنَالِكَ سُلْطَانٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ صُلِّيَتْ الْجُمُعَةُ فِي مَسْجِدَيْنِ فِي الْقَرْيَةِ فَصَاعِدًا: جَازَ ذَلِكَ؟ وَرَأَى أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: أَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَى عَبْدٍ، وَلَا مُسَافِرٍ» اهـ. قُلْتُ: وهل تكفي الإقامة عن الاستيطان أم لا؟ هذا مما اختلف فيه العلماء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٢٥٢): «فَصْلٌ: إذَا أَجْمَعَ الْمُسَافِرُ إقَامَةً تَمْنَعُ الْقَصْرَ، وَلَمْ يُرِدْ اسْتِيطَانَ الْبَلَدِ كَطَلَبِ الْعِلْمِ، أَوْ الرِّبَاطِ، أَوْ التَّاجِرِ الَّذِي يُقِيمُ لِبَيْعِ مَتَاعِهِ، أَوْ مُشْتَرِي شَيْءٍ لَا يُنْجَزُ إلَّا فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَدَلَالَةِ الْأَخْبَارِ الَّتِي

стр. 2699

رَوَيْنَاهَا، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْجَبَهَا إلَّا عَلَى الْخَمْسَةِ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمْ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُمْ. وَالثَّانِي: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَوْطِنٍ، وَالِاسْتِيطَانُ مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ فِي هَذَا الْبَلَدِ عَلَى الدَّوَامِ، فَأَشْبَهَ أَهْلَ الْقَرْيَةِ الَّذِينَ يَسْكُنُونَهَا صَيْفًا وَيَظْعَنُونَ عَنْهَا شِتَاءً، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ لَا يُجَمِّعُونَ وَلَا يُشَرِّقُونَ، أَيْ لَا يُصَلُّونَ جُمُعَةً وَلَا عِيدًا. فَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِ، لِعَدَمِ الِاسْتِيطَانِ الَّذِي هُوَ مِنْ شَرْطِ الِانْعِقَادِ» اهـ. قُلْتُ: وعند علماء الشافعية أنَّ الإقامة كافية في وجوب الجمعة، وإن كانت لا تنعقد إلَّا بمستوطن. قال الخطيب الشربيني الشافعي ﵀ في [الإقناع] (١/ ١٧٨): «(و) السَّابِع (الاستيطان) وَالْأولَى أَنْ يعبر بِالْإِقَامَةِ فَلَا جُمُعَة على مُسَافر سفراً مُبَاحا وَلَو قَصِيراً لاشتغاله» اهـ. وقال البجيرمي الشافعي ﵀ في [تحفة الحبيب على شرح الخطيب] (٢/ ١٨٥): «قَوْلُهُ: (وَالْأَوْلَى أَنْ يُعَبِّرَ بِالْإِقَامَةِ) لِأَنَّهَا أَعَمُّ مِنْ الِاسْتِيطَانِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ لِلِانْعِقَادِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ بَلْ الْكَلَامُ فِي الْوُجُوبِ وَالْمَشْرُوطُ لِلْوُجُوبِ الْإِقَامَةُ وَلَوْ بِدُونِ اسْتِيطَانٍ كَمُجَاوِرِي الْأَزْهَرِ» اهـ.

стр. 2700

قُلْتُ: وشبيه بذلك أيضاً مذهب المالكية. فقد قال العلامة علي العدوي المالكي ﵀ في [حاشيته على كفاية الطالب الرباني] (١/ ٣٧٢): «قَوْلُهُ: "وَالِاسْتِيطَانُ" لَا يُقَالُ: اشْتِرَاطُ الْإِقَامَةِ يُغْنِي عَنْ الِاسْتِيطَانِ؛ لِأَنَّهَا إذَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُقِيمِ وَجَبَتْ عَلَى الْمُسْتَوْطِنِ بِالْأَوْلَى لِأَنَّ الِاسْتِيطَانَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا أَصَالَةً، وَالْإِقَامَةُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا تَبَعًا قَالَهُ عَجَّ. وَأَيْضًا الِاسْتِيطَانُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ وَالْإِقَامَةُ أَيْ إقَامَةُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ لَا عَلَى التَّأْيِيدِ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ خِلَافًا لِشَارِحِنَا فِي جَعْلِهِ الِاسْتِيطَانَ شَرْطَ وُجُوبٍ فَقَطْ إلَّا حَيْثُ قُلْنَا إنَّ الِاسْتِيطَانَ شَرْطُ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ فَتَقُولُ: تَعْرِيفُ شَرْطِ الصِّحَّةِ بِمَا تَقَدَّمَ إنَّمَا هُوَ تَعْرِيفٌ لِشَرْطِ الصِّحَّةِ فَقَطْ لَا لِشَرْطِ الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ مَعًا» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْكَاسَانِي الْحَنَفِي ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْصَنَائِعِ] (١/ ٢٥٨): «فَلِلْجُمُعَةِ شَرَائِطُ، بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُصَلِّي، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى غَيْرِهِ. أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُصَلِّي فَسِتَّةٌ: الْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورَةُ، وَالْإِقَامَةُ، وَصِحَّةُ الْبَدَنِ» اهـ. قُلْتُ: الصحيح أنَّ الشخص إمَّا أن يكون مسافراً لا تجب عليه الجمعة أو يكون مقيماً تجب عليه الجمعة وتنعقد به، وأمَّا تقسيم الشخص إلى مقيم غير مستوطن تجب عليه
следующие страницы →