قُلْتُ: اللغو ما لا يحسن من الكلام.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - وجوب الإنصات للخطبة.
٢ - تحريم الكلام حال خطبة الخطيب ولو كان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد اختلف العلماء في الكلام في الخطبة فذهب أكثر العلماء إلى تحريمه وهو الصواب.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٤٩٩):
«واختلفوا: هل إنصات من سمع الخطبة واجب، وكلامه في تلك الحال محرم، أو هو مكروه فقط، فلا يأثم به؟ على قولين:
أحدهما: أنَّه محرم، وهو قول الأكثرين، منهم: الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي - في القديم - وأحمد - في المشهور عنه. والمنقول عن أكثر السلف يشهد له».
إلى أن قَالَ (٥/ ٥٠٠ - ٥٠١):
«والقول الثاني: أنَّه مكروه غير محرم، وهو قول الشافعي - الجديد - وحكي رواية عن أحمد.
واختلف من قَالَ بتحريمه: هل تبطل به الجمعة؟ فحكي عن طائفة أنَّه تبطل به الجمعة.
стр. 2737
قَالَ عطاء الخراساني وعكرمة: من لغا فلا جمعة له.
وقَالَ الأوزاعي: من تكلم عمداً صارت جمعته ظهراً، ومن تكلم ساهياً لم يتره (١) الله فضلها، إن شاء الله تعالى.
وزعم بعضهم أنَّ قول الأوزاعي هذا يخالف الإجماع، وليس كذلك، ولم يرد الأوزاعي أنَّه يصلي ظهراً، إنَّما أراد أن ثواب جمعته يفوته، ويبقى له فضل صلاة الظهر، وتبرأ ذمته منها. وكذلك قَالَ فيمن قرأ كتاباً والإمام يخطب، قَالَ: ذاك حظه من جمعته، ولم يأمره بإعادة الصلاة. وكذلك قَالَ فيمن شرب الماء والإمام يخطب.
وقد روي في أحاديث متعددة مرسلة، وبعضها متصلة الأسانيد، وفيها ضعف، أنَّ من لغا لا جمعة له، وأنَّ ذلك حظه منها. والمراد: أنَّه يفوته ثواب الجمعة، وبذلك فسره عطاء وابن وهب - صاحب مالك.
وقَالَ إسحاق: يخشى عليه فوات الأجر.
قَالَ عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء: يقَالَ: من تكلم فكلامه حظه من الجمعة - يقول: من أجر الجمعة، فأمَّا أن يوفي أربعاً، فلا.
وقَالَ - أيضاً -: قُلْتُ لعطاء: هل تعلم شيئاً يقطع جمعة الإنسان، حتى يجب أن يصلي أربعاً، من كلام أو تخطي رقاب الناس، أو شيء غير ذلك؟ قَالَ: لا. وكذا
стр. 2738
قَالَ الحسن والزهري، فيمن تكلم والإمام يخطب: يصلي ركعتين. وقَالَ الثوري: يستغفر الله، ويصلي.
ولا يصح عن أحد خلاف ذلك. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: والتكلم في الخطبة مع غير الخطيب مبطل لأجر الجمعة وقد دلت على ذلك عدة أحاديث.
منها: ما رواه أبو داود (٣٤٧) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَقِيلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمِصْرِيَّانِ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: ابْنُ أَبِي عَقِيلٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَسَّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ إِنْ كَانَ لَهَا، وَلَبِسَ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ، وَلَمْ يَلْغُ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا، وَمَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا».
قُلْتُ: أسامة بن زيد وهو الليثي ضعيف الحديث على الراجح لكن نسخة ابن وهب عنه عن عمرو بن شعيب صالحة كما ذكر ذلك عنه الحافظ ابن عدي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ويشهد له ما رواه أحمد (٧١٩) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ مَوْلَى امْرَأَتِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، خَرَجَ الشَّيَاطِينُ يُرَبِّثُونَ النَّاسَ إِلَى أَسْوَاقِهِمْ، وَمَعَهُمُ الرَّايَاتُ، وَتَقْعُدُ الْمَلائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ يَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ
стр. 2739
مَنَازِلِهِمْ: السَّابِقَ، وَالْمُصَلِّيَ، وَالَّذِي يَلِيهِ، حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ، فَمَنْ دَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَأَنْصَتَ، وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ كِفْلانِ مِنَ الْأَجْرِ، وَمَنْ نَأَى عَنْهُ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنَ الْأَجْرِ، وَمَنْ دَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَلَغَا وَلَمْ يُنْصِتْ وَلَمْ يَسْتَمِعْ، كَانَ عَلَيْهِ كِفْلانِ مِنَ الْوِزْرِ، وَمَنْ نَأَى عَنْهُ فَلَغَا وَلَمْ يُنْصِتْ وَلَمْ يَسْتَمِعْ، كَانَ عَلَيْهِ كِفْلٌ مِنَ الْوِزْرِ، وَمَنْ قَالَ: صَهٍ، فَقَدْ تَكَلَّمَ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فَلا جُمُعَةَ لَهُ - ثُمَّ قَالَ-: هَكَذَا سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ».
قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيْثُ لَا يَصِحُ إِسْنَادُهُ فحجاج ابن أرطأة ضعيف الحديث مع تدليسه وقد عنعن، وفي الإسناد أيضاً مولى امرأة عطاء.
ويشهد له ما رواه أحمد (٢٠٣٣)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥٣٤٨)، والبزار (٤٧٢٥)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٩٩) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ، لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ».
قُلْتُ: مجالد هو ابن سعيد ضعيف الحديث لكنه حسن بما سبق وما سيأتي.
ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٦٦٢٧) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ،
стр. 2740
قَالَ لِرَجُلٍ كَلَّمَ صَاحِبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ: «أَمَّا أَنْتَ فَحِمَارٌ، وَأَمَّا صَاحِبُكَ فَلَا جُمُعَةَ لَهُ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤١٤):
«قَالَ العلماء معناه لا جمعة له كاملة للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه» اهـ.
٣ - أنَّ النهي عن الكلام إنَّما هو حال تكلم الخطيب، وأمَّا قبل خطبته عند جلوسه على المنبر، أو عند جلوسه بين الخطبتين، أو بعد انتهائه من الخطبتين وقبل شروعه في الصلاة فلا يحرم الكلام لكن يستحب الإنصات لما رواه أحمد (١١٧٨٥) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاسْتَاكَ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ، ثُمَّ رَكَعَ مَا شَاءَ أَنْ يَرْكَعَ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ، كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا». قَالَ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ زِيَادَةٌ، إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٥٠١ - ٥٠٢):
стр. 2741
«واختلفوا: متى يجب الإنصات يوم الجمعة؟
فقَالَ الجمهور: بشروع الإمام في الخطبة، وهو المروي عن عمر بن الخطاب ﵁، وكانوا يفعلونه في زمانه، وروي عن سعد بن أبي وقاص وابن عباس.
وقَالَت طائفة: ينقطع بخروج الإمام، وإن لم يتكلم، كما تنقطع الصلاة بخروجه، وهو قول طائفة من الكوفيين، منهم: الحكم، وحكي عن أبي حنيفة، وروي عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابن عباس.
وقد خرج الْبُخَارِيّ حديث سلمان الفارسي في الإنصات بلفظين: في أحدهما: ذكر خروج الإمام، وفي الآخر: ذكر كلامه.
فمن الناس من قَالَ: رواية الخروج مطلقة، تحتمل حالة الكلام وغيرها، ورواية الكلام مقيدة فتقضي على المطلقة.
ومنهم من قَالَ: إنَّ الرواية المطلقة إنَّما دلت على إثبات فضل ترك الكلام بالخروج، لا على منعه وتحريمه.
واستحب عطاء: أن يتكلم من حضر الجمعة قبل أن يخطب الإمام.
وذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء: قَالَ: إذا خرج الإمام يوم الجمعة فافصل بكلام قبل أن يخطب. قُلْتُ: سَلَّمَ الإمامُ، فرددت عليه أيكون ذلك فصلاً؟ قَالَ: إنِّي أحب أن تزيد - أيضاً - بكلام، السلام في القرآن.
стр. 2742
يعني: أنَّ السلام لا يكفي في الفصل؛ لأنَّه مما في القرآن، والمقصود: الفصل بكلام من كلام الآدميين.
وهذا قول غريب.
واختلفوا: إلى أي وقت ينتهي النهي عن الكلام؟.
فقَالَ الجمهور: ينتهي بفراغ الإمام من الخطبتين، ويجوز الكلام مع نزوله، وبين الصلاة والخطبة.
وقَالَت طائفة: ينتهي النهي إلى الدخول في الصلاة» اهـ.
قُلْتُ: حديث سلمان رواه البخاري (٩١٠) عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ثُمَّ ادَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ، ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى».
واللفظ الآخر رواه البخاري (٨٨٣) عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى».
وقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ١٠٥):
«التقييد بقوله: "والإمام يخطب" يخرج ما قبل ابتداء الإمام من الخطبة وما بعد فراغه منها فلا منع من الكلام حينئذ وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي
стр. 2743
يوسف وأبي محمد بن حزم والأكثرين وذهب أبو حنيفة إلى منع الكلام بمجرد خروج الإمام وإن لم يشرع في الخطبة وقَالَ ابن عبد البر: ابن عمر وابن عباس كانا يكرهان الكلام والصلاة بعد خروج الإمام انتهى وروي عَنِ ابْنِ عُمَرَ الترخيص في ذلك حكاه عنه ابن قُدَامَةَ مطلقاً وحكاه عنه ابن المنذر فيما بعد الفراغ من الخطبة وروى ابن أبي شيبة الترخيص في الكلام بين الخطبة والصلاة عن عروة بن الزبير وطاووس والحسن البصري ومحمد بن سيرين وعطاء وحماد بن أبي سليمان؛ وعن الحكم أنَّه سئل عن الكلام إذا خرج الإمام حتى يتكلم وإذا نزل قبل أن يصلي فكرهه وحكى ابن المنذر عنه الكراهة في الحالة الثانية وروى ابن أبي شيبة أيضاً عن قتادة قَالَ يتكلم ما لم يجلس وهذا مذهب متوسط بين مذهب أبي حنيفة والجمهور وروى ابن أبي شيبة عن طاووس قَالَ: لا كلام بعد أن ينزل الإمام من المنبر حتى يقضي الصلاة وعن إبراهيم النخعي أنَّه كرهه» اهـ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٥٠٤):
«وفي جواز الكلام في جلوس الإمام بين الخطبتين وجهان لأصحابنا والشافعية، ومنعه أصحاب مالكٍ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ١٥٩):
«فصل: فأمَّا الكلام في الجلسة بين الخطبتين، فيحتمل أن يكون جائزاً؛ لأنَّ الإمام غير خاطب ولا متكلم، فأشبه ما قبلها وبعدها. وهذا قول الحسن.
стр. 2744
ويحتمل أن يمنع منه، وهو قول مالك، والشافعي، والأوزاعي، وإسحاق؛ لأنَّه سكوت يسير في أثناء الخطبتين، أشبه السكوت للتنفس» اهـ.
وقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ١٠٥ - ١٠٦):
«ويخرج أيضاً ما بين الخطبتين لأنَّ الإمام لا يخطب في تلك الحالة وبهذا قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي والغزالي من الشافعية وأجرى فيه ابن الصباغ والمحاملي وآخرون قولي الشافعي المتقدم ذكرهما وقَالَ ابن المنذر ذكره مالك والشافعي والأوزاعي وإسحاق وروي ذلك عن ابن سيرين وكان الحسن البصري يقول لا بأس به وممن ذهب إلى جوازه ابن حزم الظاهري وذكر فيه ابن قُدَامَةَ الحنبلي احتمالين وجه الأول بأنَّه غير خاطب ولا متكلم فأشبه ما قبلها وما بعدها ووجه الثاني بأنَّه سكوت يسير في أثناء الخطبتين أشبه سكوت النفس وأبو حنيفة على المنع من ذلك مطلقاً ولم أر الحنفية استثنوا عن صاحبيه إلَّا ما قبل الخطبة وما بعدها فاقتضى كلامهم موافقة صاحبيه له على منع الكلام بين الخطبتين وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: واختلفوا فيمن كان بعيداً لا يسمع خطبة الخطيب هل يجوز له الكلام أم لا.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (١٩/ ٣٣):
«واختلف العلماء في وجوب الإنصات على من شهد الخطبة إذا لم يسمعها لبعده عن الإمام فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي إلى
стр. 2745
أنَّ الكلام لا يجوز لكل من شهد الخطبة سمع أو لم يسمع وكان عثمان بن عفان يقول في خطبته: استمعوا وأنصتوا فإنَّ للمستمع الذي لا يسمع من الأجر مثل ما للمستمع السامع.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ وابن عباس أنَّهما كانا يكرهان الكلام والصلاة بعد خروج الإمام ولا مخالف لهؤلاء من الصحابة فسقط قول الشافعي ومن قَالَ بقوله في هذا الباب وكان عروة بن الزبير لا يرى بأساً بالكلام إذا لم يسمع الخطبة يوم الجمعة.
وقَالَ أحمد بن حنبل: لا بأس أن يقرأ ويذكر الله من لا يسمع الخطبة. وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن حماد عن إبراهيم قَالَ: إني لأقرأ جزئي إذا لم أسمع الخطبة يوم الجمعة.
قَالَ أبو عمر: هذا يدل على أنَّه لو سمع الخطبة لم يقرأ وهذا أصح عنه من الذي تقدم وإذا لم يقرأ فأحرى أن لا يتكلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ١٥٢ - ١٥٣):
«فصل: ولا فرق بين القريب والبعيد؛ لعموم ما ذكرناه، وقد روي عن عثمان ﵁ أنَّه قَالَ: من كان قريباً يسمع وينصت ومن كان بعيداً ينصت؛ فإنَّ للمنصت الذي لا يسمع من الحظ ما للسامع، وقد روى عبد الله بن عمرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يحضر الجمعة ثلاثة نفر، رجل حضرها يلغو، وهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو، فهو رجل دعا الله، فإن شاء أعطاه، وإن
стр. 2746
شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكون، ولم يتخط رقبة مُسْلِم، ولم يؤذ أحداً، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ " رواه أبو داود.
فصل: وللبعيد أن يذكر الله تعالى، ويقرأ القرآن، ويصلي على النبي ﷺ ولا يرفع صوته، قَالَ أحمد: لا بأس أن يصلي على النبي ﷺ فيما بينه وبين نفسه.
ورخص له في القراءة والذكر عطاء، وسعيد بن جبير، والنخعي والشافعي وليس له أن يرفع صوته، ولا يذاكر في الفقه، ولا يصلي، ولا يجلس في حلقة.
وذكر ابن عقيل أنَّ له المذاكرة في الفقه، وصلاة النافلة.
ولنا، عموم ما رويناه، وأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهى عن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة. رواه أبو داود.
ولأنَّه إذا رفع صوته منع من هو أقرب منه من السماع، فيكون مؤذياً له، فيكون عليه إثم من آذى المُسْلِمين، وصد عن ذكر الله تعالى.
وإذا ذكر الله فيما بينه وبين نفسه، من غير أن يسمع أحداً، فلا بأس.
وهل ذلك أفضل أو الإنصات؟ يحتمل وجهين: أحدهما، الإنصات أفضل؛ لحديث عبد الله بن عمرو، وقول عثمان.
стр. 2747
والثاني، الذكر أفضل؛ لأنَّه يحصل له ثوابه من غير ضرر، فكان أفضل، كما قبل الخطبة» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥٢٤):
«فأمَّا من لا يسمعها لبعده من الإمام ففيه طريقان للخراسانيين. أحدهما: القطع بجواز الكلام وأصحهما وهو المنصوص وبه قطع جمهور العراقيين وغيرهم أنَّ فيه القولين فإن قلنا لا يحرم الكلام استحب له الاشتغال بالتلاوة والذكر وإن قلنا يحرم حرم عليه كلام الآدميين وهو بالخيار بين السكوت والتلاوة والذكر هذا هو المشهور وبه قطع الجمهور وفيه وجه أنَّه لا يقرأ ولا يذكر إذا قلنا بتحريم الكلام لأنَّه يؤدى إلى هينمة وتهويش حكاه الفوراني والمتولي وصاحب البيان وغيرهم قَالَوا: وهو نظير الخلاف السابق في أنَّ المأموم هل يقرأ السورة في السرية والجهرية إذا لم يسمع الإمام والصحيح هناك أنَّه يقرأ وكذا هنا ولا خلاف أنَّ الذي يسمع الخطبة لا يقرأ ولا يذكر وإن جوزنا له الكلام لأنَّ الإنصات آكد للاختلاف في وجوبه. قَالَ الشافعي والأصحاب وحيث حرمنا الكلام فتكلم أثم ولا تبطل جمعته بلا خلاف والحديث الوارد فلا جمعة له أي لا جمعة كاملة» اهـ.
وقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ١٠٤):
«ظاهر الحديث أنَّه لا فرق بين من يسمع الخطبة ومن لا يسمعها فكلاهما مأمور بالإنصات وبه قَالَ المالكية والحنابلة والظاهرية وحكاه ابن بطال وغيره عن أكثر
стр. 2748
العلماء وحكاه ابن عبد البر عن مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والثوري والأوزاعي وهو الأصح عند الشافعية تفريعاً على القديم في وجوب الإنصات أمَّا على الجديد فالإنصات مستحب في حق السامع فكيف بمن لا يسمع واختلف الحنفية في هذه المسألة وروى ابن أبي شيبة عن عروة بن الزبير أنَّه كان لا يرى بأساً بالكلام إذا لم يسمع الخطبة والمختلف فيه هو كلام الآدميين أمَّا الذكر والتلاوة سراً فليس ممنوعاً منهما قطعاً» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ من كان لا يسمع الخطبة لبعده عن الخطيب استحب له أن يقرأ القرآن أو يدعو الله أو يذكر ربه فهذا خير له من السكوت الذي لا ينتفع منه. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وأمَّا من كان في أذنه صمم بحيث لا يسمع فله أن يذكر ربه سراً، أو يدعو، أو يقرأ القرآن سراً بحيث لا يشغل من بجواره.
٤ - واستنبط من هذا الحديث النهي عن رد السلام، وتشميت العاطس، والصلاة على النبي ﷺ ؛ وذلك لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهى في هذا الحديث عن قول الرجل لأخيه "أَنْصِتْ" مع أنَّه أمر بمعروف ونهي عن منكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات الشرعية فما سواه من الواجبات القولية يلحق به بلحن الخطاب، وما دون ذلك من المستحبات فيلحق به بفحوى الخطاب. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ العلامة ابن المنذر ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٤٤٣)
стр. 2749
«اختلف أهل العلم في تشميت العاطس ورد السلام والإمام يخطب، فرخصت طائفة في تشميت العاطس ورد السلام والإمام يخطب، وممن رخص في ذلك الحسن البصري، والنخعي، والشعبي، والحكم، وحماد، وسفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، وكان قتادة يقول: يرد السلام ويسمعه. وروي ذلك عن القاسم بن محمد واختلف قول الشافعي في هذا الباب، فكان إذ هو بالعراق يقول: ولا يشمتون عاطساً، ولا يردون سلاماً إلَّا بإيماء. وكان يقول بعد بمصر: وإن سلم رجل على رجل يوم الجمعة كرهت ذلك، ورأيت أن يرد عليهم بعضهم؛ لأنَّ رد السلام فرض، ولو عطس رجل فشمته رجل رجوت أن يسعه؛ لأنَّ التشميت سنة. وكان سعيد بن المسيب يقول: لا يشمته. وكذلك قَالَ قتادة، وهذا خلاف قوله في رد السلام، ولعل الفرق يمنعه بينهما أنَّ رد السلام فرض، وليس كذلك تشميت العاطس.
وقَالَ أصحاب الرأي: أحب إلينا أن يستمعوا وينصتوا. وفرق عطاء بين الحالين، فقَالَ: إذا كنت تسمع الخطبة فاردد عليه¬ السلام في نفسك، وإذا كنت لا تسمعها فاردد عليه وأسمعه. وقَالَ أحمد: إذا لم يسمع الخطبة شمت ورد.
قَالَ أبو بكر: ثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إذا قُلْتُ لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت". فالإنصات يجب على ظاهر السنة، وإباحة
стр. 2750
رد السلام وتشميت العاطس غير موجود بحجة، والذي أرى أن يرد السلام إشارة، ويشمت العاطس إذا فرغ الإمام من خطبته» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (١٩/ ٣٧ - ٣٨):
«واختلفوا في رد السلام وتشميت العاطس في الخطبة فقَالَ مالك وأصحابه لا يشمت العاطس ولا يرد السلام إلَّا إن رده إشارة كما يرد في الصلاة.
وقَالَ أبو حنيفة وأصحابه لا يرد السلام ولا يشمت العاطس.
وقَالَ الثوري والأوزاعي لا بأس برد السلام وتشميت العاطس والإمام يخطب وهو قول الحسن البصري والنخعي والشعبي والحكم وحماد والزهري وبه قَالَ إسحاق واختلف قول الشافعي في ذلك فقَالَ في الكتاب القديم بالعراق يستقبلون الإمام بوجوههم وينصتون ولا يشمتوا عاطساً ولا يردوا سلاماً إلَّا بالإشارة وقَالَ في الجديد بمصر ولو سلم رجل كرهته له ورأيت أن يرد عليه بعضهم لأنَّ رد السلام فرض. قَالَ: ولو عطس رجل والإمام يخطب في الجمعة فشمته رجل رجوت أن يسعه لأنَّ التشميت سنة واختاره المزني وحكى البويطي عنه أنَّه لا بأس برد السلام وتشميت العاطس والإمام يخطب في الجمعة وغيرها وكذلك حكا إسحاق بن منصور عن أحمد وإسحاق وروي عن أحمد أيضاً إذا لم يسمع الخطبة شمت ورد.
وروي مثل ذلك عن عطاء وقَالَ الأثرم قُلْتُ لأحمد بن حنبل: هل يرد السلام يوم الجمعة والإمام يخطب؟ قَالَ: نعم قيل. له: ويشمت العاطس. قَالَ: نعم.
стр. 2751
وقَالَ أبو جعفر الطحاوي: لما كان مأموراً بالإنصات كالصلاة لم يشمت كما لا يشمت في الصلاة فإن قيل رد السلام فرض والصمت سنة. قَالَ أبو جعفر: الصمت فرض لأنَّ الخطبة فرض وإنما تصح بالخاطب والمخطوب عليهم فكما يفعلها الخاطب فرضاً كذلك المستمع فرض عليه ذلك.
قَالَ أبو عمر: في هذا نظر والصمت واجب بسنة رسول الله ﷺ وبالله تعالى التوفيق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ١٥٦ - ١٥٧):
«فصل: فأمَّا الكلام الواجب، كتحذير الضرير من البئر، أو من يخاف عليه ناراً، أو حية أو حريقاً، ونحو ذلك، فله فعله، لأنَّ هذا يجوز في نفس الصلاة مع إفسادها، فهاهنا أولى فأمَّا تشميت العاطس، ورد السلام ففيه روايتان قَالَ الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل: يرد الرجل السلام يوم الجمعة؟ فقَالَ: نعم. ويشمت العاطس؟ فقَالَ: نعم، والإمام يخطب. وقَالَ أبو عبد الله: قد فعله غير واحد قَالَ ذلك غير مرة.
وممن رخص في ذلك الحسن، والشعبي، والنخعي، والحكم، وقتادة، والثوري، وإسحاق، وذلك لأنَّ هذا واجب، فوجب، الإتيان به في الخطبة، كتحذير الضرير.
стр. 2752
والرواية الثانية: إن كان لا يسمع رد السلام وشمت العاطس، وإن كان يسمع لم يفعل.
قَالَ أبو طالب، قَالَ أحمد: إذا سمعت الخطبة فاستمع وأنصت، ولا تقرأ، ولا تشمت، وإذا لم تسمع الخطبة فاقرأ وشمت ورد السلام.
وقَالَ أبو داود، قُلْتُ لأحمد: يرد السلام والإمام يخطب، ويشمت العاطس؟ فقَالَ: إذا كان ليس يسمع الخطبة فيرد، وإذا كان يسمع فلا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ وقيل لأحمد: الرجل يسمع نغمة الإمام بالخطبة، ولا يدري ما يقول، يرد السلام؟ قَالَ: لا، إذا سمع شيئاً. وروي نحو ذلك عن عطاء؛ وذلك لأنَّ الإنصات واجب، فلم يجز الكلام المانع منه من غير ضرورة، كالأمر بالإنصات، بخلاف من لم يسمع وقَالَ القاضي: لا يرد ولا يشمت.
وروي نحو ذلك عَنِ ابْنِ عُمَرَ وهو قول مالك، والأوزاعي وأصحاب الرأي واختلف فيه قول الشافعي، فيحتمل أن يكون هذا القول مختصاً بمن يسمع دون من لم يسمع، فيكون مثل الرواية الثانية.
ويحتمل أن يكون عاماً في كل حاضر يسمع أو لم يسمع، لأن وجوب الإنصات شامل لهم، فيكون المنع من رد السلام وتشميت العاطس ثابتاً في حقهم، كالسامعين» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٦٠٦):
стр. 2753
«قَالَ ابن دقيق العيد: يستثنى أيضاً من عطس والإمام يخطب فإنَّه يتعارض الأمر بتشميت من سمع العاطس والأمر بالإنصات لمن سمع الخطيب والراجح الإنصات لإمكان تدارك التشميت بعد فراغ الخطيب ولا سيما إن قيل بتحريم الكلام والإمام يخطب وعلى هذا فهل يتعين تأخير التشميت حتى يفرغ الخطيب أو يشرع له التشميت بالإشارة فلو كان العاطس الخطيب فحمد واستمر في خطبته فالحكم كذلك وإن حمد فوقف قليلاً ليشمت فلا يمتنع أن يشرع تشميته» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي عدم جواز ذلك وأنَّ الواجب هو الإنصات لخطبة الخطيب كما يدل عليه حديث الباب.
وتنازع العلماء أيضاً في الصلاة على النبي ﷺ عند ذكر الخطيب للنبي الله عليه وسلم، وهكذا التأمين على دعاء الخطيب.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ] ص (٤٤٠):
«والسُّنة في الصلاة على النبي ﷺ أن يصلي عليه سراً كالْدُعَاء أمَّا رفع الصوت بها قدام بعض الخطباء فمكروه أو محرم اتفاقاً لكن منهم مَنْ يقول: يُصلي عليه سراً ومنهم مَنْ يقول: يسكت» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي فِي [الْإِنْصَافِ] (٢/ ٢٩٣):
«الرابعة: تجوز الصلاة على النبي ﷺ إذا سمعها نص عليه.
стр. 2754
وقَالَ القاضي في كتاب "التخريج": يكون ذلك في نفسه.
الخامسة: يجوز تأمينه على الْدُعَاء وحمده خفية إذا عطس نص عليه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُ الْمَالِكِي ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (١/ ١٨٨):
«وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا دَعَا الْإِمَامُ فِي خُطْبَتِهِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ أَمَّنَ النَّاسُ وَجَهَرُوا جَهْرًا لَيْسَ بِالْعَالِي قَالَ وَذَلِكَ فِيمَا يَنُوبُ النَّاسَ مِنْ قَحْطٍ أَوْ غَيْرِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ بِدُعَائِهِ مُسْتَدْعٍ تَأْمِينَهُمْ وَآذِنٌ فِيهِ وَكَذَلِكَ إذَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الْآيَةَ مُسْتَدْعٍ مِنْهُمْ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ ﷺ تَسْلِيمًا فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي إبَاحَتِهِ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي صِفَةِ النُّطْقِ بِهِ مِنْ سِرٍّ وَجَهْر» اهٍ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ٢٧٧ - ٢٧٨):
«واختلفوا: في الإمام إذا صلى على النبي ﷺ يوم الجمعة: هل يوافقه المأموم؟
فقالت طائفةٌ: يصلي المأموم على النبي ﷺ في نفسه، وهو قولُ مالكٍ وأبي يوسف وأحمد وإسحاق.
واستدلوا: بأنَّ الصلاة على النبي ﷺ خصوصاً يوم الجمعة متأكدة الاستحباب، ومختلف في وجوبها كلَّما ذكر، فيشرع الاتيان بها في حال الخطبة عند ذكره، لأنَّ سببها موجود، فهو كالتأمين على دعاء الإمام، وأولى.
стр. 2755
وقال بعض الشافعية: إذا قرأ الإمام: ﴿إِنَّ اللَّهَ? وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]-الآية، جاز للمأموم أن يصلي على النبي ﷺ ، ويرفع بها صوته.
وقالت طائفةٌ: بل ينصت، وهو قولُ سفيان وأبي حنيفة ومحمد والليث بن سعدٍ ومالك -في روايةٍ - والشافعي.
وقال الأوزاعي: ينبغي للإمام إذا صلى على النبي ﷺ يوم الجمعة أن يسكت حتى يصلي الناس، فإن لم يسكت فأنصت، وأمَّن على دعائه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْكَاسَانِي الْحَنَفِي ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْصَنَائِعِ] (١/ ٢٦٤):
«قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ سَمَاعَ الْخُطْبَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَمِعَ وَلَا يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عِنْدِ سَمَاعِ اسْمِهِ فِي الْخُطْبَةِ لِمَا أَنَّ إحْرَازَ فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا يُمْكِنُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَإِحْرَازُ ثَوَابِ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الْحَالَةِ فَكَانَ السَّمَاعُ أَفْضَلَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي نَفْسِهِ عِنْدَ سَمَاعِ اسْمِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَشْغَلُهُ عَنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ فَكَانَ إحْرَازُ الْفَضِيلَتَيْنِ أَحَقَّ» اهـ.
стр. 2756
قُلْتُ: وقد أفتى بجواز التأمين سراً جمع من أهل العلم المعاصرين منهم الشيخ ابن باز، وابن عثيمين، والفوزان.
وهذا القول له حظ من النظر فإنَّ التأمين قد شرع خلف الإمام في الصلاة مع وجوب الإنصات للإمام وليست الخطبة بأعظم من الصلاة، ولأنَّ الخطيب طالب لتأمين الناس ومن أجل هذا جهر بالْدُعَاء.
هذا باعتبار الْدُعَاء، وأمَّا الصلاة على النبي ﷺ فالأسلم اجتناب ذلك وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: هذا ما يتعلق بالأقوال، وأمَّا الأفعال حال خطبة الخطيب إن كانت عبثاً فتحرم وهي من اللغو لما رواه مُسْلِم (٨٥٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ١٦١):
«فصل: ويكره العبث والإمام يخطب؛ لقول النبي ﷺ : "ومن مس الحصى فقد لغا" رواه مُسْلِم.
قَالَ الترمذي: هذا حديث صحيح.
واللغو: الإثم، قَالَ الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ولأنَّ العبث يمنع الخشوع والفهم» اهـ.
стр. 2757
وأمَّا ما كان من الأفعال لحاجة من الحاجات كشرب الماء، وتسكيت المتكلم، واستعمال السواك لإذهاب النعاس، أو التحول من مكان إلى آخر من أجل ذلك فقد أجازه كثير من العلماء.
قَالَ العلامة ابن المنذر ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٤٤٤):
«واختلفوا في الشرب والإمام يخطب، فرخص فيه طاووس، ومجاهد، والشافعي، ونهى عنه مالك، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وقَالَ الأوزاعي: إن شرب فسدت جمعته.
قَالَ أبو بكر: لا بأس به؛ لأنَّ الأشياء على الإباحة، ولا حجة تمنع منه، والوقوف عنه أحسن في الأدب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ١٦١):
«ويكره أن يشرب والإمام يخطب، إن كان ممن يسمع، وبه قَالَ مالك، والأوزاعي.
ورخص فيه مجاهد، وطاووس، والشافعي؛ لأنَّه لا يشغل عن السماع.
ولنا، أنَّه فعل يشتغل به، أشبه مس الحصى.
فأمَّا إن كان لا يسمع، فلا يكره، نص عليه؛ لأنَّه لا يستمع، فلا يشتغل به» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في انتقَالَ الناعس من مكانه ما رواه أحمد (٤٨٧٥، ٦١٨٧)، وأبو داود (١١٢١)، والترمذي (٥٢٦) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ
стр. 2758
عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ».
قُلْتُ: ابن إسحاق مدلس وقد صرح بالتحديث في رواية لأحمد (٦١٨٧).
لكن استنكره الحافظ علي بن المديني على ابن إسحاق فقَالَ الفسوي ﵀ فِي [المعرفة والتاريخ] (٢/ ١٣٩ - ١٤٠):
«قَالَ علي: لم أجد لابن إسحاق إلَّا حديثين منكرين: نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذا نعس أحدكم يوم الجمعة"، و الزهري عن عروة عن زيد بن خالد: "إذا مس أحدكم فرجه"، هذين لم يروهما عن أحد و الباقين يقول: ذكر فلان و لكن هذا فيه حدثنا» اهـ.
قُلْتُ: وأسنده أيضاً عن علي بن المديني العقيلي في [الضعفاء الْكَبِيْر] (٧/ ٣٥٥).
ورجح الْحَافِظُ الْبَيْهَقِي ﵀ وقفه فقَالَ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨): «ولا يثبت رفع هذا الحديث والمشهور عَنِ ابْنِ عُمَرَ من قوله أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق وغيره قَالَوا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأ الربيع بن سليمان أنبأ الشافعي أنبأ سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار كان بن عمر: يقول للرجل إذا نعس يوم الجمعة والإمام يخطب أن يتحول منه» اهـ.
стр. 2759
ورواه عبد الرزاق [مُصَنَّفِهِ] (٥٥٤٦) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَبِي سَهْمٍ، أَنَّهُ نَعَسَ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ قَالَ: «فَإِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ، وَإِمَّا أَوْمَأَ إِلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ فَيُؤَخِّرَ مِنْهُ».
قُلْتُ: وابن إسحاق متابع في ذلك تابعه يحيى بن سعيد الأنصاري مع اختلاف في لفظه كما روى ذلك البيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٧١٩) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَجْلِسِهِ إِلَى غَيْرِهِ». لَفْظُ حَدِيثِ أَبِي زَكَرِيَّا، وَحَدِيثُ أَبِي عَبْدِ اللهِ بِمَعْنَاهُ، وَكِلَاهُمَا ذَكَرَ الصَّلَاةَ، وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ اهـ.
قُلْتُ: والمحاربي مدلس وقد عنعن.
لكن قَالَ الحافظ الدارقطني ﵀ فِي [العلل] (١٢/ ٣٤٥):
«يرويه أحمد بن عمر الوكيعي، عن المحاربي، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ولم يتابع عليه، والمحفوظ عن المحاربي، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وكذلك رواه الثوري وغيره، عن محمد بن إسحاق، وروي عن أبي شهاب الحناط، عن أبي إسحاق الشيباني، عن نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وهو وهم.
والصحيح: عن أبي شهاب، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ومدار الحديث، على محمد بن إسحاق» اهـ.
стр. 2760
قُلْتُ: وللحديث شاهد لا يتقوى به وهو ما رواه البزار (٤٦٠١)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٧٢١)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (٦٨١٤) مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرة، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلْيَتَحَوَّلْ إِلَى مَكَانِ صَاحِبِهِ وَيَتَحَوَّلْ صَاحِبُهُ إِلَى مَكَانِهِ».
قُلْتُ: إسماعيل بن مُسْلِم هو المكي شديد الضعف والحسن لم يسمع من سمرة سوى حديث العقيقة.
وهناك شاهد ثالث رواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٥٥٥٠) قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَبَلَغَنِي عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا نَعَسَ الْإِنْسَانُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَقْعَدِهِ ذَلِكَ».
قُلْتُ: وقد جمع هذا الإسناد بين الانقطاع، والإرسال.
قَالَ الْإِمَامُ الْشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْأُمِّ] (١/ ٢٢٨):
«وَأُحِبُّ لِلرَّجُلِ إذَا نَعَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَوَجَدَ مَجْلِسًا غَيْرَهُ وَلَا يَتَخَطَّى فِيهِ أَحَدًا أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْهُ لِيَحْدُثَ لَهُ الْقِيَامُ وَاعْتِسَافُ الْمَجْلِسِ مَا يَذْعَرُ عَنْهُ النَّوْمَ وَإِنْ ثَبَتَ وَتَحَفَّظَ مِنْ النُّعَاسِ بِوَجْهٍ يَرَاهُ يَنْفِي النُّعَاسَ عَنْهُ فَلَا أَكْرَهُ ذَلِكَ لَهُ، وَلَا أُحِبُّ إنْ رَأَى أَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ النُّعَاسِ إذَا تَحَفَّظَ أَنْ يَتَحَوَّلَ وَأَحْسِبُ مِنْ أَمَرَهُ بِالتَّحَوُّلِ إنَّمَا أَمَرَهُ حِينَ غَلَبَ عَلَيْهِ النُّعَاسُ فَظَنَّ أَنْ لَنْ يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ إلَّا
стр. 2761
بِإِحْدَاثِ تَحَوُّلٍ وَإِنْ ثَبَتَ فِي مَجْلِسِهِ نَاعِسًا كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَرْقُدْ زَائِلًا عَنْ حَدِّ الِاسْتِوَاءِ» اهـ.
٥ - واحتجت به الحنفية على قولهم بمنع تحية المسجد حال خطبة الخطيب وقَالَوا: فإذا أمتنع الأمر بالمعروف وهو أمر اللاغي بالإنصات مع قصر زمنه فمنع التشاغل بالتحية مع طول زمنها أولى.
قُلْتُ: هذا قياس في مقابل نص فهو فاسد الاعتبار.
٦ - قُلْتُ: والمراد بالخطبة التي ينصت لها هي الخطبة الشرعية فأمَّا إذا تكلم الخطيب بما لا يجوز فلا يجب الإنصات له.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٥٠٣):
«فأمَّا أن تكلم بكلام محرم، كبدعة أو كسب السلف، كما كان يفعله بنو أمية، سوى عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليه -، فقَالَت طائفة: يلحق بالخطب وينصت له، روي عن عمرو بن مرة وقتادة.
والأكثرون على خلاف ذلك، منهم: الشعبي وسعيد بن جبير وأبو بردة وعطاء والنخعي والزهري وعروة والليث ابن سعد. وهو الصحيح؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ الآية، وما كان محرماً حرم استماعه والإنصات إليه، ووجب التشاغل عنه كسماع الغناء والآت اللهو، ونحو ذلك.
стр. 2762
ولعل قول عمرو بن مرة وقتادة في كلامٍ مباحٍ لا في محرمٍ» اهـ.
٧ - ويدل الحديث على تحريم الكلام لكل من حضر الخطبة سواء كان جالساً في المسجد أو سائراً فيه واستثناء الماشي حتى يأخذ مجلسه غير صحيح.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٥٠٤)
«وهذا كله في حق الجالس في المسجد من حين خروج الإمام، فأمَّا من دخل المسجد في حال الخطبة، فقَالَ طائفةٌ: إنَّما يمتنع عليه الكلام إذا جلس وأخذ مجلسه، وما دام يمشي فله أن يتكلم ويكلم من معه، وهذا قولُ الزهري وقتادة والثوري والشافعي.
وعموم قوله: "إذا قُلْتُ لصاحبك: أنصت - والإمام يخطب - فقد لغوت"، ويشمل القائم والقاعد والماشي» اهـ.
٨ - قَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ١٠٢):
«لفظ الحديث لا يتناول الخطيب لأنَّ شأنه أن يأمر الناس بالإنصات وغيره من المواعظ ولأنَّه لا يمكن أن يتكلم والإمام يخطب وبهذا قطع أكثر الشافعية وهو مذهب المالكية والحنابلة وحكى بعض الشافعية في ذلك وجهين ونقل ابن الجوزي في التحقيق التسوية بين الخطيب والمستمع عن الأكثرين وفيه نظر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٢٦٢)
«فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ نَعَسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ مَوْضِعِهِ» اهـ.
٩ - وقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ١٠٣):
стр. 2763
«استثنى المالكية والحنابلة والظاهرية من سأله الخطيب فأخرجوه عن موضع الخلاف وأباحوا له الكلام جواباً للخطيب وهو واضح لأنَّ كلامه في هذه الحالة لا يخرجه عن الإنصات والاستماع ويدل له قضية سليك وعثمان وغيرهما ولذلك استثنوا من ابتداء الإمام بالكلام لحاجة أو سؤال عن مسألة لحديث الاستسقاء وغيره وقد تقدم أن الشافعي ﵀ استدل بهذه الأحاديث على أنَّ الأمر بالإنصات على سبيل الاستحباب دون الوجوب» اهـ.
١٠ - ويدل الحديث على أنَّ الأمر بالإنصات مخصوص بخطبة الجمعة دون سائر الخطب.
قُلْتُ: لكنه لا يجوز التشويش على المستمعين لما فيه من الأذية لهم.
* * *
١٣٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ رَاحَ في السَّاعَةِ الأُوْلَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً. فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلائِكَةُ يَسْمَعُونَ الذِّكْرَ».
стр. 2764
قُلْتُ: لفظة: «ثُمَّ رَاحَ في السَّاعَةِ الأُوْلَى» رواها مالك في [الْمُوَطَّأ] (٣٣٤) ولا أصل لها في الصحيحين.
والحديث في الصحيحين بلفظ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ». ففيه تقييد الغسل بغسل الجنابة.
وقوله: «فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً». البدنة تطلق على الإبل، والبقر مأخوذة من البدانة وهي الضخامة وأكثر ما تطلق على الإبل لأنَّها أولى بهذا الوصف وهي المرادة بهذا الحديث.
قَالَ العلامة ابن منظور ﵀ فِي [لِسَانِ الْعَرَبِ] (١٣/ ٤٧):
«البَدَنةُ بالهاء تقع على الناقة والبقرة والبعير الذَّكر مما يجوز في الهدْي والأَضاحي وهي بالبُدْن أَشْبَه ولا تقع على الشاة سمِّيت بَدَنةً لِعِظَمِها وسِمَنِها وجمع البَدَنةِ البُدْن» اهـ.
قَالَ أبو زرعة ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ٦٥):
«واعلم أنَّ البدنة والبقرة يقعان على الذكر والأنثى باتفاق أهل اللغة والهاء فيهما واحدة كقمحة وشعيرة ونحوهما من أفراد الجنس وليست للتأنيث وأما الكبش؟ في المحكم هو فحل الضأن في أي سن كان وقيل هو كبش إذا أثنى وقيل إذا أربع والجمع أكبش وكباش والدجاجة بفتح الدال وكسرها لغتان مشهورتان والفتح أفصح ويقع على الذكر والأنثى لأنَّ الهاء فيها للوحدة لا للتأنيث والجمع دجاج بفتح الدال وكسرها ودجائج قَالَ في المحكم سميت بذلك لإقبالها وإدبارها» اهـ.
стр. 2765
وقوله: «فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً».
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٤٥):
«هُوَ اسْمُ جِنْسٍ مثلث الدَّال ذكره الْمُنْذِرِيّ فِي الْحَاشِيَة وبن مَالِكٍ وَغَيْرُهُمَا وَلَمْ يَحْكِ النَّوَوِيُّ الضَّمَّ وَالْوَاحِدَةُ دَجَاجَةٌ مُثَلَّثٌ أَيْضًا وَقِيلَ إِنَّ الضَّمَّ فِيهِ ضَعِيفٌ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ دَخَلَتْهَا الْهَاءُ لِلْوَحْدَةِ مِثْلَ الْحَمَامَةِ وَأَفَادَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنَّ الدِّجَاجَ بِالْكَسْرِ اسْمٌ لِلذُّكْرَانِ دُونَ الْإِنَاثِ وَالْوَاحِدُ مِنْهَا دِيكٌ وَبِالْفَتْحِ الْإِنَاثُ دُونَ الذُّكْرَانِ وَالْوَاحِدَةُ دَجَاجَةٌ بِالْفَتْحِ أَيْضًا قَالَ وَسُمِّيَ لِإِسْرَاعِهِ فِي الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ مِنْ دَجَّ يَدُجُّ إِذَا أَسْرَعَ» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - قوله: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ». احتج به من قَالَ: إنَّ الغسل معلق باليوم لا بالصلاة. وقد سبق بيان بطلان هذا القول.
٢ - واحتج بقوله: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ». من قَالَ: إنَّ الاغتسال يكون عند إرادة الرواح، ولا حجة فيه فإنَّ ثم تفيد التراخي فمن اغتسل في أول النهار وراح في منتصفه صدق عليه هذا الحديث. وقد سبق الكلام في ذلك.
٣ - أنَّ الاغتسال يكون بعد طلوع الفجر فإنَّه مبدأ اليوم خلافاً للأوزاعي فإنَّه أجاز الاغتسال قبل طلوع الفجر. وقد مضى القول في ذلك.
стр. 2766
٤ - وفيه استحباب المبادرة لحضور الجمعة في الساعة الأولى. وقد تنازع العلماء في الساعة الأولى متى تبدأ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٣٩٩ - ٤٠٧):
«وقد اختلف الفقهاء في هذه الساعة على قولين:
أحدهما: أنَّها من أول النهار، وهذا هو المعروف في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما.
والثاني: أنَّها أجزاء من الساعة السادسة بعد الزوال، وهذا هو المعروف في مذهب مالك، واختاره بعض الشافعية، واحتجوا عليه بحجتين:
إحداهما: أنَّ الرواح لا يكون إلَّا بعد الزوال، وهو مقابل الغدو الذي لا يكون إلَّا قبل الزوال، قَالَ تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾.
قَالَ الجوهري: ولا يكون إلَّا بعد الزوال.
الحجة الثانية: أنَّ السلف كانوا أحرص شيء على الخير، ولم يكونوا يغدون إلى الجمعة من وقت طلوع الشمس، وأنكر مالك التبكير إليها في أول النهار، وقَالَ: لم ندرك عليه أهل المدينة.
واحتج أصحاب القول الأول، بحديث جابر ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة". قَالَوا: والساعات المعهودة، هي الساعات التي هي ثنتا عشرة ساعة، وهي نوعان: ساعات تعديلية، وساعات
стр. 2767
زمانية، قَالَوا: ويدل على هذا القول، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما بلغ بالساعات إلى ست، ولم يزد عليها، ولو كانت الساعة أجزاء صغاراً مثل الساعة التي تفعل فيها الجمعة، لم تنحصر في ستة أجزاء، بخلاف ما إذا كان المراد بها الساعات المعهودة، فإنَّ الساعة السادسة متى خرجت، ودخلت السابعة، خرج الإمام، وطويت الصحف، ولم يكتب لأحد قربان بعد ذلك، كما جاء مصرحاً به في "سنن أبي داود" مِنْ حَدِيْثِ علي ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذا كان يوم الجمعة، غدت الشياطين براياتها إلى الأسواق، فيرمون الناس بالترابيث أو الربائث ويثبطونهم عن الجمعة، وتغدو الملائكة، تجلس على أبواب المساجد، فيكتبون الرجل من ساعة، والرجل من ساعتين حتى يخرج الإمام".
قَالَ أبو عمر بن عبد البر: اختلف أهل العلم في تلك الساعات، فقَالَت طائفة منهم: أراد الساعات من طلوع الشمس وصفائها، والأفضل عندهم التبكير في ذلك الوقت إلى الجمعة، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة والشافعي، وأكثر العلماء، بل كلهم يستحب البكور إليها.
قَالَ الشافعي ﵀: ولو بكر إليها بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس، كان حسناً.
وذكر الأثرم، قَالَ: قيل لأحمد بن حنبل: كان مالك بن أنس يقول: لا ينبغي التهجير يوم الجمعة باكراً، فقَالَ: هذا خلاف حديث النبي ﷺ .
стр. 2768
وقَالَ: سبحان الله إلى أي شيء ذهب في هذا، والنبي ﷺ يقول: "كالمهدي جزوراً". قَالَ: وأمَّا مالك فذكر يحيى بن عمر، عن حرملة، أنَّه سأل ابن وهب عن تفسير هذه الساعات: أهو الغدو من أول ساعات النهار، أو إنَّما أراد بهذا القول ساعات الرواح؟ فقَالَ ابن وهب: سألت مالكاً عن هذا، فقَالَ: أمَّا الذي يقع بقلبي، فإنَّه إنَّما أراد ساعة واحدة تكون فيها هذه الساعات، من راح من أول تلك الساعة، أو الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، أو الخامسة، أو السادسة. ولو لم يكن كذلك، ما صليت الجمعة حتى يكون النهار تسع ساعات في وقت العصر، أو قريباً من ذلك. وكان ابن حبيب، ينكر مالك هذا، ويميل إلى القول الأول، وقَالَ: قول مالك هذا تحريف في تأويل الحديث، ومحال من وجوه. وقَالَ: يدلك أنَّه لا يجوز ساعات في ساعة واحدة: أنَّ الشمس إنَّما تزول في الساعة السادسة من النهار، وهو وقت الأذان، وخروج الإمام إلى الخطبة، فدل ذلك على أنَّ الساعات في هذا الحديث هي ساعات النهار المعروفات، فبدأ بأول ساعات النهار، فقَالَ: من راح في الساعة الأولى، فكأنَّما قرب بدنة، ثم قَالَ: في الساعة الخامسة بيضة، ثم انقطع التهجير، وحان وقت الأذان، فشرح الحديث بين في لفظه، ولكنه حرف عن موضعه، وشرح بالخلف من القول، وما لا يكون، وزهد شارحه الناس فيما رغبهم فيه رسول الله ﷺ من التهجير من أول النهار، وزعم أنَّ ذلك كله إنَّما يجتمع في ساعة واحدة قرب زوال الشمس،
стр. 2769
قَالَ: وقد جاءت الآثار بالتهجير إلى الجمعة في أول النهار، وقد سقنا ذلك في موضعه من كتاب واضح السنن بما فيه بيان وكفاية.
هذا كله قول عبد الملك بن حبيب، ثم رد عليه أبو عمر، وقَالَ: هذا تحامل منه على مالك رَحِمَهُ اللهُ تعالى، فهو الذي قَالَ القول الذي أنكره وجعله خلفاً وتحريفاً من التأويل، والذي قَالَه مالك تشهد له الآثار الصحاح من رواية الأئمة، ويشهد له أيضاً العمل بالمدينة عنده، وهذا مما يصح فيه الاحتجاج بالعمل، لأنَّه أمر يتردد كل جمعة لا يخفى على عامة العلماء. فمن الآثار التي يحتج بها مالك ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذا كان يوم الجمعة، قام على كل باب من أبواب المسجد ملائكة، يكتبون الناس، الأول فالأول، فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدي كبشاً، حتى ذكر الدجاجة والبيضة، فإذا جلس الإمام، طويت الصحف، واستمعوا الخطبة ". قَالَ: ألا ترى إلى ما في هذا الحديث، فإنَّه قَالَ: يكتبون الناس الأول فالأول، فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه فجعل الأول مهجراً، وهذه اللفظة إنَّما هي مأخوذة من الهاجرة والتهجير، وذلك وقت النهوض إلى الجمعة، وليس ذلك وقت طلوع الشمس، لأنَّ ذلك الوقت ليس بهاجرة ولا تهجير، وفي الحديث: "ثم الذي يليه، ثم الذي يليه". ولم يذكر الساعة. قَالَ: والطرق بهذا اللفظ كثيرة، مذكورة في "الْتَمْهِيْدِ"، وفي بعضها
стр. 2770
"المتعجل إلى الجمعة كالمهدي بدنة". وفي أكثرها: "المهجر كالمهدي جزوراً" الحديث. وفي بعضها، ما يدل على أنَّه جعل الرائح إلى الجمعة في أول الساعة كالمهدي بدنة، وفي آخرها كذلك، وفي أول الساعة الثانية كالمهدي بقرة، وفي آخرها كذلك. وقَالَ بعض أصحاب الشافعي: لم يرد ﷺ بقوله: "المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة"، الناهض إليها في الهجير والهاجرة، وإنَّما أراد التارك لأشغاله وأعماله من أغراض أهل الدنيا للنهوض إلى الجمعة، كالمهدي بدنة، وذلك مأخوذ من الهجرة وهو ترك الوطن، والنهوض إلى غيره، ومنه سمي المهاجرون. وقَالَ الشافعي ﵀: أحب التبكير إلى الجمعة، ولا تؤتى إلَّا مشياً. هذا كله كلام أبي عمر.
قُلْتُ: ومدار إنكار التبكير أول النهار على ثلاثة أمور، أحدها: على لفظة الرواح، وإنَّها لا تكون إلَّا بعد الزوال، والثاني: لفظة التهجير، وهي إنَّما تكون بالهاجرة وقت شدة الحر، والثالث: عمل أهل المدينة، فإنَّهم لم يكونوا يأتون من أول النهار.
فأمَّا لفظة الرواح، فلا ريب أنَّها تطلق على المضي بعد الزوال، وهذا إنَّما يكون في الأكثر إذا قرنت بالغدو، كقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾، وَقَوْلُهُ ﷺ : "من غدا إلى المسجد وراح، أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح ". وقول الشاعر: