Полный текст (8 095 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
٤ - وفيه استحباب المبادرة لحضور الجمعة في الساعة الأولى. وقد تنازع العلماء في الساعة الأولى متى تبدأ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٣٩٩ - ٤٠٧):
«وقد اختلف الفقهاء في هذه الساعة على قولين:
أحدهما: أنَّها من أول النهار، وهذا هو المعروف في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما.
والثاني: أنَّها أجزاء من الساعة السادسة بعد الزوال، وهذا هو المعروف في مذهب مالك، واختاره بعض الشافعية، واحتجوا عليه بحجتين:
إحداهما: أنَّ الرواح لا يكون إلَّا بعد الزوال، وهو مقابل الغدو الذي لا يكون إلَّا قبل الزوال، قَالَ تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾.
قَالَ الجوهري: ولا يكون إلَّا بعد الزوال.
الحجة الثانية: أنَّ السلف كانوا أحرص شيء على الخير، ولم يكونوا يغدون إلى الجمعة من وقت طلوع الشمس، وأنكر مالك التبكير إليها في أول النهار، وقَالَ: لم ندرك عليه أهل المدينة.
واحتج أصحاب القول الأول، بحديث جابر ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة". قَالَوا: والساعات المعهودة، هي الساعات التي هي ثنتا عشرة ساعة، وهي نوعان: ساعات تعديلية، وساعات
стр. 2767
زمانية، قَالَوا: ويدل على هذا القول، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما بلغ بالساعات إلى ست، ولم يزد عليها، ولو كانت الساعة أجزاء صغاراً مثل الساعة التي تفعل فيها الجمعة، لم تنحصر في ستة أجزاء، بخلاف ما إذا كان المراد بها الساعات المعهودة، فإنَّ الساعة السادسة متى خرجت، ودخلت السابعة، خرج الإمام، وطويت الصحف، ولم يكتب لأحد قربان بعد ذلك، كما جاء مصرحاً به في "سنن أبي داود" مِنْ حَدِيْثِ علي ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذا كان يوم الجمعة، غدت الشياطين براياتها إلى الأسواق، فيرمون الناس بالترابيث أو الربائث ويثبطونهم عن الجمعة، وتغدو الملائكة، تجلس على أبواب المساجد، فيكتبون الرجل من ساعة، والرجل من ساعتين حتى يخرج الإمام".
قَالَ أبو عمر بن عبد البر: اختلف أهل العلم في تلك الساعات، فقَالَت طائفة منهم: أراد الساعات من طلوع الشمس وصفائها، والأفضل عندهم التبكير في ذلك الوقت إلى الجمعة، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة والشافعي، وأكثر العلماء، بل كلهم يستحب البكور إليها.
قَالَ الشافعي ﵀: ولو بكر إليها بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس، كان حسناً.
وذكر الأثرم، قَالَ: قيل لأحمد بن حنبل: كان مالك بن أنس يقول: لا ينبغي التهجير يوم الجمعة باكراً، فقَالَ: هذا خلاف حديث النبي ﷺ .
стр. 2768
وقَالَ: سبحان الله إلى أي شيء ذهب في هذا، والنبي ﷺ يقول: "كالمهدي جزوراً". قَالَ: وأمَّا مالك فذكر يحيى بن عمر، عن حرملة، أنَّه سأل ابن وهب عن تفسير هذه الساعات: أهو الغدو من أول ساعات النهار، أو إنَّما أراد بهذا القول ساعات الرواح؟ فقَالَ ابن وهب: سألت مالكاً عن هذا، فقَالَ: أمَّا الذي يقع بقلبي، فإنَّه إنَّما أراد ساعة واحدة تكون فيها هذه الساعات، من راح من أول تلك الساعة، أو الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، أو الخامسة، أو السادسة. ولو لم يكن كذلك، ما صليت الجمعة حتى يكون النهار تسع ساعات في وقت العصر، أو قريباً من ذلك. وكان ابن حبيب، ينكر مالك هذا، ويميل إلى القول الأول، وقَالَ: قول مالك هذا تحريف في تأويل الحديث، ومحال من وجوه. وقَالَ: يدلك أنَّه لا يجوز ساعات في ساعة واحدة: أنَّ الشمس إنَّما تزول في الساعة السادسة من النهار، وهو وقت الأذان، وخروج الإمام إلى الخطبة، فدل ذلك على أنَّ الساعات في هذا الحديث هي ساعات النهار المعروفات، فبدأ بأول ساعات النهار، فقَالَ: من راح في الساعة الأولى، فكأنَّما قرب بدنة، ثم قَالَ: في الساعة الخامسة بيضة، ثم انقطع التهجير، وحان وقت الأذان، فشرح الحديث بين في لفظه، ولكنه حرف عن موضعه، وشرح بالخلف من القول، وما لا يكون، وزهد شارحه الناس فيما رغبهم فيه رسول الله ﷺ من التهجير من أول النهار، وزعم أنَّ ذلك كله إنَّما يجتمع في ساعة واحدة قرب زوال الشمس،
стр. 2769
قَالَ: وقد جاءت الآثار بالتهجير إلى الجمعة في أول النهار، وقد سقنا ذلك في موضعه من كتاب واضح السنن بما فيه بيان وكفاية.
هذا كله قول عبد الملك بن حبيب، ثم رد عليه أبو عمر، وقَالَ: هذا تحامل منه على مالك رَحِمَهُ اللهُ تعالى، فهو الذي قَالَ القول الذي أنكره وجعله خلفاً وتحريفاً من التأويل، والذي قَالَه مالك تشهد له الآثار الصحاح من رواية الأئمة، ويشهد له أيضاً العمل بالمدينة عنده، وهذا مما يصح فيه الاحتجاج بالعمل، لأنَّه أمر يتردد كل جمعة لا يخفى على عامة العلماء. فمن الآثار التي يحتج بها مالك ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذا كان يوم الجمعة، قام على كل باب من أبواب المسجد ملائكة، يكتبون الناس، الأول فالأول، فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدي كبشاً، حتى ذكر الدجاجة والبيضة، فإذا جلس الإمام، طويت الصحف، واستمعوا الخطبة ". قَالَ: ألا ترى إلى ما في هذا الحديث، فإنَّه قَالَ: يكتبون الناس الأول فالأول، فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه فجعل الأول مهجراً، وهذه اللفظة إنَّما هي مأخوذة من الهاجرة والتهجير، وذلك وقت النهوض إلى الجمعة، وليس ذلك وقت طلوع الشمس، لأنَّ ذلك الوقت ليس بهاجرة ولا تهجير، وفي الحديث: "ثم الذي يليه، ثم الذي يليه". ولم يذكر الساعة. قَالَ: والطرق بهذا اللفظ كثيرة، مذكورة في "الْتَمْهِيْدِ"، وفي بعضها
стр. 2770
"المتعجل إلى الجمعة كالمهدي بدنة". وفي أكثرها: "المهجر كالمهدي جزوراً" الحديث. وفي بعضها، ما يدل على أنَّه جعل الرائح إلى الجمعة في أول الساعة كالمهدي بدنة، وفي آخرها كذلك، وفي أول الساعة الثانية كالمهدي بقرة، وفي آخرها كذلك. وقَالَ بعض أصحاب الشافعي: لم يرد ﷺ بقوله: "المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة"، الناهض إليها في الهجير والهاجرة، وإنَّما أراد التارك لأشغاله وأعماله من أغراض أهل الدنيا للنهوض إلى الجمعة، كالمهدي بدنة، وذلك مأخوذ من الهجرة وهو ترك الوطن، والنهوض إلى غيره، ومنه سمي المهاجرون. وقَالَ الشافعي ﵀: أحب التبكير إلى الجمعة، ولا تؤتى إلَّا مشياً. هذا كله كلام أبي عمر.
قُلْتُ: ومدار إنكار التبكير أول النهار على ثلاثة أمور، أحدها: على لفظة الرواح، وإنَّها لا تكون إلَّا بعد الزوال، والثاني: لفظة التهجير، وهي إنَّما تكون بالهاجرة وقت شدة الحر، والثالث: عمل أهل المدينة، فإنَّهم لم يكونوا يأتون من أول النهار.
فأمَّا لفظة الرواح، فلا ريب أنَّها تطلق على المضي بعد الزوال، وهذا إنَّما يكون في الأكثر إذا قرنت بالغدو، كقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾، وَقَوْلُهُ ﷺ : "من غدا إلى المسجد وراح، أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح ". وقول الشاعر:
стр. 2771
نروح ونغدو لحاجاتنا … وحاجة من عاش لا تنقضي.
وقد يطلق الرواح بمعنى الذهاب والمضي، وهذا إنَّما يجيء، إذا كانت مجردة عن الاقتران بالغدو.
وقَالَ الأزهري في "التهذيب": سمعت بعض العرب يستعمل الرواح في السير في كل وقت، يقَالَ: راح القوم: إذا ساروا، وغدوا كذلك، ويقول أحدهم لصاحبه: تروح، ويخاطب أصحابه، فيقول: روحوا أي: سيروا، ويقول الآخر: ألا تروحون؟ ومن ذلك ما جاء في الأخبار الصحيحة الثابتة، وهو بمعنى المضي إلى الجمعة والخفة إليها، لا بمعنى الرواح بالعشي.
وأمَّا لفظ التهجير والمهجر، فمن الهجير، والهاجرة، قَالَ الجوهري: هي نصف النهار عند اشتداد الحر، تقول منه: هجر النهار، قَالَ امرؤ القيس:
فدعها وسل الهم عنها بجسرة … إذا صام النهار وهجرا
ويقَالَ: أتينا أهلنا مهجرين، أي: في وقت الهاجرة، والتهجير والتهجر: السير في الهاجرة، فهذا ما يقرر به قول أهل المدينة.
قَالَ الآخرون: الكلام في لفظ التهجير، كالكلام في لفظ الرواح، فإنَّه يطلق ويراد به التبكير.
стр. 2772
قَالَ الأزهري في "التهذيب": روى مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لو يعلم الناس ما في التهجير، لاستبقوا إليه".
وفي حديث آخر مرفوع: "المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة". قَالَ: ويذهب كثير من الناس إلى أنَّ التهجير في هذه الأحاديث تفعيل من الهاجرة وقت الزوال وهو غلط، والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفي، عن النضر بن شميل، أنَّه قَالَ: التهجير إلى الجمعة وغيرها: التبكير والمبادرة إلى كل شيء قَالَ: سمعت الخليل يقول ذلك، قَالَه في تفسير هذا الحديث.
قَالَ الأزهري: وهذا صحيح، وهي لغة أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس، قَالَ لبيد:
راح القطين بهجر بعدما ابتكروا … فما تواصله سلمى وما تذر.
فقرن الهجر بالابتكار، والرواح عندهم: الذهاب والمضي، يقَالَ: راح القوم: إذا خفوا ومروا أي وقت كان. وَقَوْلُهُ ﷺ : "لو يعلم الناس ما في التهجير، لاستبقوا إليه" أراد به التبكير إلى جميع الصلوات، وهو المضي إليها في أول أوقاتها، قَالَ الأزهري: وسائر العرب يقولون: هجر الرجل: إذا خرج وقت الهاجرة، وروى أبو عبيد عن أبي زيد: هجر الرجل: إذا خرج بالهاجرة. قَالَ: وهي نصف النهار. ثم قَالَ الأزهري: أنشدني المنذري فيما روى ثعلب، عن ابن الأعرابي في "نوادره"، قَالَ: قَالَ جعثنة بن جواس الربعي في ناقته:
стр. 2773
هل تذكرين قسمي ونذري … أزمان أنت بعروض الجفر
إذ أنت مضرار جواد الحضر … علي إن لم تنهضي بوقري
بأربعين قدرت بقدر … بالخالدي لا بصاع حجر
وتصحبي أيانقاً في سفر … يهجرون بهجير الفجر
ثمت تمشي ليلهم فتسري … يطوون أغراض الفجاج الغبر
طي أخي التجر برود التجر
قَالَ الأزهري: يهجرون بهجير الفجر، أي: يبكرون بوقت السحر.
وأمَّا كون أهل المدينة لم يكونوا يروحون إلى الجمعة أول النهار، فهذا غاية عملهم في زمان مالك ﵀، وهذا ليس بحجة، ولا عند من يقول: إجماع أهل المدينة حجة، فإن هذا ليس فيه إلَّا ترك الرواح إلى الجمعة من أول النهار، وهذا جائز بالضرورة. وقد يكون اشتغال الرجل بمصالحه ومصالح أهله ومعاشه وغير ذلك من أمور دينه ودنياه أفضل من رواحه إلى الجمعة من أول النهار، ولا ريب أنَّ انتظار الصلاة بعد الصلاة، وجلوس الرجل في مصلاه حتى يصلي الصلاة الأخرى، أفضل من ذهابه وعوده في وقت آخر للثانية، كما قَالَ ﷺ : "والذي ينتظر الصلاة، ثم يصليها مع الإمام أفضل من الذي يصلي، ثم يروح إلى أهله" وأخبر: "أنَّ الملائكة لم تزل تصلي عليه ما دام في مصلاه" وأخبر: أنَّ انتظار الصلاة بعد الصلاة، مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، وأنَّه
стр. 2774
الرباط، وأخبر: أنَّ الله يباهي ملائكته بمن قضى فريضة وجلس ينتظر أخرى. وهذا يدل على أنَّ من صلى الصبح، ثم جلس ينتظر الجمعة، فهو أفضل ممن يذهب، ثم يجيء في وقتها، وكون أهل المدينة وغيرهم لا يفعلون ذلك، لا يدل على أنه مكروه، فهكذا المجيء إليها والتبكير في أول النهار، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٥٤ - ٣٥٥):
«ثم اختلفوا: هل أولها من طلوع الفجر، أو من طلوع الشمس؟
فقَالَت طائفةٌ: أولها من طلوع الفجر، وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد.
واستدلوا بقوله: "إذا كان الجمعة، كان على أبواب المسجد ملائكةٌ يكتبون الناس الأول فالأول" الحديث، كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى. وظاهره: أنَّ ذلك يكون بعد طلوع الفجر.
وقَالَت طائفة: أولها من طلوع الشمس، وحكي عن الثوري، وأبي حنيفة، ومحمد بن إبراهيم البوشنجي، ورجحه الخطابي وغيره، لأنَّ ما قبله وقت للسعي إلى صلاة الفجر. ورجح هذا القول عبد الملك بن حبيب المالكي.
وهؤلاء حملوا الساعات على ساعات النهار المعهودة، وهو الظاهر المتبادر إلى الفهم.
وأمَّا ذكر الرواح، فعنه جوابان:
стр. 2775
أحدهما: أنَّه لما كان آخر الساعات بعد الزوال، وهو رواحٌ حقيقيٌ، سميت كلها رواحاً، كما يسمى الخارج للحج والجهاد حاجاً وغازياً قبل تلبسه بالحج والغزو؛ لأنَّ أمره ينتهي إلى ذلك.
والثاني: أنَّ الرواح هنا أريد به القصد والذهاب، مع قطع النظر عن كونه قبل الزوال أو بعده.
قَالَ الأزهري وغيره: الرواح والغدو عند العرب يستعملان في السير، أي وقتٍ كان من ليلٍ أو نهارٍ، يقَالَ: راح في أول النهار وآخره، وغدا بمعناه.
وأمَّا التهجير، فيجاب عنه، بأنَّه استعمل في هذا المعنى بمعنى التبكير - أيضاً - لا بمعنى الخروج في الهاجرة.
وقيل: إنَّه ليس من الهاجرة، بل من الهجرة، والمراد بها: هجر الأعمال الدنيوية للسعي إلى الجمعة.
وقد دل على استحباب التبكير من أول النهار حديث أوس بن أوسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ :
"من اغتسل يوم الجمعة وغسل، وبكرٍ وابتكر، ودنا واستمع كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها".
стр. 2776
خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في "صَحِيْحِهِ". وحسنه الترمذي. وله طرقٌ متعددةٌ، قد ذكرناها في "شرح الترمذي". وفي رواية للنسائي: "وغدا وابتكر".
وفي بعض رواياته: "ومشى ولم يركب".
وظاهر الحديث: يدل على تقسيم يوم الجمعة إلى اثني عشر ساعة، وأنَّ الخطبة والصلاة يقعان في السادسة منها. ومتى خرج الخطيب طوت الملائكة صحفها، ولم يكتب لأحدٍ فضل التبكير، وهذا يدل على أنَّه بعد الزوال لا يكتب لأحد شيءٌ من فضل التبكير إلى الجمعة بالكلية.
وظاهر الحديث: يدل على تقسيم نهار الجمعة إلى اثني عشر ساعةً مع طول النهار وقصره، فلا يكون المراد به الساعات المعروفة من تقسيم الليل والنهار إلى أربعة وعشرين ساعة؛ فإن ذَلِكَ يختلف باختلاف طول النهار وقصره.
ويدل على هذا: حديث جابر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، لا يوجد مُسْلِم يسأل الله شيئاً إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعةٍ بعد العصر".
خرَّجه أبو داود والنسائي بإسناد كلهم ثقاتٌ.
وظاهره: يدل على أنَّ ساعة الإجابة جزء من هذه الأجزاء الاثني عشر المتساوية في جميع فصول السنة.
стр. 2777
وزعم بعض الشافعية: أنَّه ليس المراد بالساعات في التبكير الأربع والعشرون، بل ترتيب الدرجات، وفضل السابق على الذي يليه، لئلا يستوي في الفضيلة رجلان جاءا في طرفي ساعة.
ورد ذلك آخرون منهم، وقَالَوا: من جاء في أول ساعةٍ من هذه الساعات وآخرها مشتركان في تحصيل أصل البدنة أو البقرة أو الكبش مثلاً، ولكن بدنة الأول أو بقرته أكمل مما للذي جاء في آخرها، وبدنة المتوسط متوسطةٌ» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي صحة ما ذهب إليه جمهور العلماء من كون الساعات المذكورات في الحديث يبدأن من أول النهار.
وهل تبدأ الساعات من طلوع الفجر أو من طلوع الشمس الأمر في ذلك محتمل، ويترجح الأول أنَّ طلوع الفجر هو أول ساعات اليوم مطلقاً.
ويترجح الآخر بأنَّ حديث أبي هريرة يدل على أنَّ فضل المبادرة تنتهي في الساعة الخامسة، وذلك أنَّ السادسة هي ساعة خروج الإمام -ويكون خروجه بعد استكمالها فيما يظهر- فإذا كان الإمام يخرج بعد استكمال الساعة السادسة فلا يكون ذلك مستقيماً إلَّا إذا كانت الساعة الأولى من طلوع الشمس، وذلك أننا إذا حسبنا الساعة الأولى من طلوع الفجر فإنَّ الساعات من طلوع الفجر إلى نصف النهار الذي هو وقت الجمعة تزيد على سبع ساعات.
فإن قيل يمكن أن تجعل ستاً ويزاد في قدرها.
стр. 2778
فالجواب: أنَّ لازم ذلك أن تكون الست الساعات قبل الزوال أكبر من الست الساعات بعد الزوال، وهذا خلاف الظاهر مِنْ حَدِيْثِ جابر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً». فإنَّ الظاهر منه أنَّها ساعات متساوية.
ويترجح هذا القول أنَّ وقت الجمعة والظهر هو نصف النهار كما جاء فيما رواه مُسْلِم (٦١٤) عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : «أَنَّهُ أَتَاهُ سَائِلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، قَالَ: فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، وَالنَّاسُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالظُّهْرِ، حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدِ انْتَصَفَ النَّهَارُ … ».
قُلْتُ: ولا يكون وقت الظهر في منتصف النهار إلَّا إذا كان النهار يبتدئ من طلوع الشمس.
وهذا القول هو الذي يترجح عندي، ويزيده قوة أنَّ طلوع الفجر وقت لصلاة الفجر والعبد في ذلك الوقت منشغل بالتطهر والتجهز لصلاة سنة الفجر وفريضة الفجر فإذا انتهى من صلاة الفجر، فإنَّه يستعد للفريضة الأخرى وهي صلاة الجمعة فيأتي بأذكار الصباح ثم يغتسل ويتطيب ويدرك الساعة الأولى عند طلوع الشمس. والله تعالى أعلم.
٥ - وفيه استحباب التقرب إلى الله بالبدنة، ثم بالبقرة، ثم بالكباش.
стр. 2779
٦ - وفيه حجة للجمهور في تقديمهم البدنة على الكباش في الأضاحي خلافاً للإمام مالك ﵀.
٧ - وفيه بيان أنَّ ذكور الضأن أفضل من إناثها.
٨ - وفيه استحباب التقرب بالكبش الأقرن وأنَّه أفضل من الأجم الذي لا قرن له.
٩ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩):
«أنَّه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام، وكان العيد مشتملاً على صلاة وقربان، وكان يوم الجمعة يوم صلاة، جعل الله سبحانه التعجيل فيه إلى المسجد بدلاً من القربان، وقائماً مقامه، فيجتمع للرائح فيه إلى المسجد الصلاة، والقربان، كَمَا فِي "الصحيحين" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ: "من راح في الساعة الأولى، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشا أقرن"» اهـ.
١٠ - وَقَوْلُهُ: «فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ». مما يدل على عدم استحباب التبكير للخطيب.
١١ - وفيه أنَّ هذا الفضل المذكور في الحديث مشروط بمن اغتسل للجمعة دون من اكتفى بمجرد الوضوء.
стр. 2780
١٢ - جاء لفظ الحديث في الْبُخَارِيّ (٨٨١)، ومُسْلِم (٨٥٠): «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ … ». وقد أخذ من هذا عبد الرحمن بن الأسود، وهلال بن يساف، وأحمد بن حنبل استحباب جماع الرجل أهله في يوم الجمعة.
وقد خالفهم في ذلك أكثر العلماء وحملوا الحديث على غسل الجنابة من حيث الصفة أي أنَّه لا بد في غسل الجمعة من استيعاب البدن بالغسل كغسل الجنابة.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٥٠ - ٣٥١):
«وَقَوْلُهُ: "غسل الجنابة" في تأويله قولان:
أحدهما: أنَّ المراد به: تعميم بدنه بالغسل، كما يعمه بغسل الجنابة.
ويشهد لذلك: الحديث الآخر الذي فيه: "فيغسل رأسه وجسده".
فيكون المعنى: اغتساله للجمعة كاغتساله للجنابة، في المبالغة وتعميم البدن بالماء، وهذا قول أكثر الفقهاء من الشافعية وغيرهم.
والثاني: أنَّ المراد به: غسل الجنابة حقيقةً، وأنَّه يستحب لمن له زوجة أو أمة أن يطأها يوم الجمعة، ثم يغتسل، وهذا هو المنصوص عن أحمد، وحكاه عن غير واحد من التابعين، منهم: هلال بن يَسَاف، وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهما.
وروي عن عبد الرحمن بن الأسود، قَالَ: كان يعجبهم أن يواقعوا النساء يوم الجمعة؛ لأنَّهم قد أمروا أن يغتسلوا، وأن يغسلوا. وقول طائفةٍ من الشافعية، وحملوا عليه - أيضاً - حديث أوس بن أوسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "من غسل يوم الجمعة واغتسل"- الحديث.
стр. 2781
وقَالَوا: المراد: من اغتسل بنفسه وغسل من يطؤه من زوجة أو أمةٍ.
فعلى هذا: يستدل بالحديث على أنَّ من عليه غسل الجنابة، فاغتسل للجنابة يوم الجمعة، فإنَّه يجزئه عن غسل الجمعة، وسواء نوى به الجمعة، أو لم ينو.
أمَّا إن نواهما بالغسل، فإنَّه يحصل له رفع حدث الجنابة وسنة غسل الجمعة بغير خلافٍ بين العلماء، روي ذلك عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وتبعه جمهور العلماء.
وللشافعية وجهٌ ضعيفٌ: لا يجزئه عنهما، وقَالَه بعض الظاهرية. وحكي عن مالكٍ، وقيل: إنَّه لا يصح عنه، إنَّما قَالَه بعض المتأخرين من أصحابه، وقد ذكر ذلك للإمام أحمد عن مالكٍ فأنكره.
وأمَّا إن نوى بغسله الجنابة خاصةً، فإنَّه يرتفع حدثه من الجنابة. وهل يحصل له سنة الاغتسال للجمعة؟ على قولين: أشهرهما: لا يحصل له، وروي عن أبي قتادة الأنصاري صاحب النبي ﷺ ، لقوله ﷺ : "الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى"، وهو المشهور عن مالكٍ، وروي نحوه عن الأوزاعي، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي وأحمد، ونص عليه أحمد في رواية الشالنجي.
والثاني: يحصل له غسل الجمعة بذلك، وهو أحد قولي الشافعي، وقول أشهب المالكي، وهو نص الشافعي، وقول أبي حنيفة وإسحاق، مع كون أبي حنيفة يعتبر
стр. 2782
النية لنقل الطهارة، وحكاه ابن عبد البر عن عبد العزيز بن أبي سلمة والثوري والشافعي والليث بن سعد والطبري، وهو أحد الوجهين لأصحابنا.
وأمَّا إن نوى الجنب غسل الجمعة، ولم ينو غسل الجنابة، فهل يرتفع حدث الجنابة بذلك؟ فيه قولان للشافعي، وروايتان عن أحمد.
ومن أصحابنا من رجح: أنَّه لا يرتفع، لأنَّ غسل الجنابة ليس سببه الحدث؛ ولهذا يشرع للطاهر.
وعلى هذا: فهل يحصل له به سنة غسل الجمعة مع بقاء غسل الجنابة عليه؟ فيه وجهان لأصحابنا والشافعية، أصحهما: أنَّه يحصل له ذلك.
وأختلف أصحاب مالكٍ: هل يرتفع حدثه بنية غسل الجمعة؟ فقَالَ: ابن القاسم: لا يجزئه، وحكاه ابن عبد الحكم عن مالكٍ. وقَالَ أشهب وابن وهب والأكثرون منهم: يجزئه: وهو قول المزني» اهـ.
قُلْتُ: حديث أوس بن أوس الثقفي رواه أحمد (١٦٢١٨، ١٦٢٢٣، ١٧٠٠٢، ١٧٠٠٣)، وأبو داود (٣٤٥)، والنسائي (١٣٨١، ١٣٨٤، ١٣٩٨)، والترمذي (٤٩٦)، وابن ماجه (١٠٨٧) مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنِي أَوْسُ بْنُ
أَوْسٍ الثَّقَفِيُّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا».
стр. 2783
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وأبو الأشعث هو شراحيل بن آده وثقه ابن حبان والعجلي وروى له مُسْلِم في صَحِيْحِهِ فمثله يصحح حديثه. ثم هو متابع تابعه سعيد بن أبي هلال كما سيأتي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: والمراد بقوله: «غَسَّلَ»، و «وَاغْتَسَلَ». أي غسل رأسه وسائر بدنه كما جاء ذلك صريحاً في بعض طرق الحديث.
فروى أبو داود (٣٤٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ». ثُمَّ سَاقَ نَحْوَهُ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى الْبُخَارِيّ (٨٩٧)، ومُسْلِم (٨٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ».
١٣ - واحتج به من قَالَ بمشروعية أداء الجمعة قبل الزوال باعتبار أنَّ خروج الإمام أول الساعة السادسة وهو قبل الزوال وهو مذهب أحمد وإسحاق.
قُلْتُ: ولا حجة فيه إذ ليس في الحديث أنَّ الإمام يخرج في أوائل الساعة السادسة. وسوف يأتي لهذه المسألة مزيد بيان إن شاء الله تعالى في الحديث الآتي بعد هذا.
стр. 2784
وقد ذهب ابن قُدَامَةَ إلى أنَّ الجمعة تصح في الساعة السادسة لا قبل ذلك. فقَالَ ﵀ فِي [المغني] (٤/ ٢٠٧): «مسألة: قَالَ: "وإن صلوا الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة، أجزأتهم" وفي بعض النسخ، في الساعة الخامسة. والصحيح في الساعة السادسة».
إلى أن قَالَ ﵀ (٤/ ٢٠٨ - ٢٠٩):
«ولنا، على جوازها في السادسة السنة والإجماع؛ أمَّا السنة فما روى جابر بن عبد الله، قَالَ: " كان رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يصلي - يعني الجمعة - ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حتى تزول الشمس". أخرجه مُسْلِم.
وعن سهل بن سعد، قَالَ: "ما كنا نقيل ولا نتغدى إلَّا بعد الجمعة في عهد رسول الله ﷺ . متفق عليه.
قَالَ ابن قتيبة: لا يسمى غداء، ولا قائلة بعد الزوال. وعن سلمة، قَالَ: "كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان فيء". رواه أبو داود.
وأمَّا الإجماع، فروى الإمام أحمد عن وكيع، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، عن عبد الله بن سيدان، قَالَ: شهدت الخطبة مع أبي بكر، فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، وشهدتها مع عمر بن الخطاب، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أَقُولُ قد انتصف النهار، ثم صليتها مع عثمان بن عفان، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أَقُولُ قد زال النهار، فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره.
стр. 2785
قَالَ: وكذلك روي عن ابن مسعود، وجابر، وسعيد، ومعاوية، أنَّهم صلوا قبل الزوال، وأحاديثهم تدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فعلها بعد الزوال في كثير من أوقاته، ولا خلاف في جوازه، وأنَّه الأفضل والأولى، وأحاديثنا تدل على جواز فعلها قبل الزوال، ولا تنافي بينهما.
وأمَّا في أول النهار، فالصحيح أنَّها لا تجوز، لما ذكره أكثر أهل العلم، ولأنَّ التوقيت لا يثبت إلَّا بدليل، من نص، أو ما يقوم مقامه، وما ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولا عن خلفائه، أنَّهم صلوها في أول النهار، ولأنَّ مقتضى الدليل كون وقتها وقت الظهر، وإنَّما جاز تقديمها عليه بما ذكرنا من الدليل، وهو مختص بالساعة السادسة، فلم يجز تقديمها عليها، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ولأنَّها لو صليت في أول النهار لفاتت أكثر المصلين، فإنَّ العادة اجتماعهم لها عند الزوال، وإنَّما يأتيها ضحى آحاد من الناس، وعدد يسير، كما روي عن ابن مسعود أنه أتى الجمعة، فوجد أربعة قد سبقوه، فقَالَ: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد.
إذا ثبت هذا، فالأولى أن لا تصلى إلَّا بعد الزوال؛ ليخرج من الخلاف» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٥/ ٣٣):
«فيكون حضور الإمام على مقتضى حديث أبي هريرة ﵁ في الساعة السادسة، ولهذا رجح الموفق ﵀ في المغني - وهو من أكابر أصحاب الإمام أحمد - أنَّها لا تصح قبل السادسة، ولا في أول النهار كما ذهب إليه كثير من
стр. 2786
الأصحاب، ومنهم الخرقي، وهذا القول هو الراجح أنَّها لا تصح في أول النهار، إنَّما تصح في السادسة، والأفضل على القول بأنَّها تصح في السادسة، أن تكون بعد الزوال وفاقاً لأكثر العلماء» اهـ.
قُلْتُ: أثر عبد الله بن سيدان رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٢١٠)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥١٧٤) مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ قَالَ: «شَهِدْتُ الْجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَقَضَى صَلَاتَهُ وَخُطْبَتَهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ، ثُمَّ شَهِدْتُ الْجُمُعَةَ مَعَ عُمَرَ فَقَضَى صَلَاتَهُ وَخُطْبَتَهُ مَعَ زَوَالِ الشَّمْسِ».
قُلْتُ: هذا الأثر لا يصح فيه عبد الله بن سيدان قَالَ فيه الإمام الْبُخَارِيّ ﵀ فِي [التاريخ الْكَبِيْر] (٥/ ١١٠):
«لا يتابع في حديثه» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن عدي ﵀ فِي [الْكَامِلِ] (٥/ ٣٦٩):
«عبد الله بن سيدان المطرودي.
سمعت ابن حماد يقول: قَالَ الْبُخَارِيّ عبد الله بن سيدان المطرودي لا يتابع في حديثه وهذا الذي أشار إليه الْبُخَارِيّ هو حديث واحد، وهو شبه المجهول» اهـ.
وقَالَ الحافظ العقيلي ﵀ فِي [الْضُعَفَاءِ] (٢/ ٢٦٥):
«عبد الله بن سيدان المطرودي.
стр. 2787
حدثني آدم بن موسى، قَالَ: سمعت الْبُخَارِيّ، قَالَ: عبد الله بن سيدان المطرودي قَالَ الْبُخَارِيّ.
لا يتابع على حديثه.
وهذا الحديث حدثناه محمد بن إسماعيل، قَالَ: حدثنا محمد بن كناسة، قَالَ: حدثنا جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج عن عبد الله بن سيدان السلمي قَالَ: "صليت الجمعة مع أبي بكر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار ثم صليتها مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن يقول انتصف النهار ثم صليت مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن يقول زال النهار فلم أسمع أحداً عاب ذلك عليه"» اهـ.
وقَالَ العلامة بن الجوزي ﵀ فِي [الضُّعَفَاءِ وَالْمَتْرُوْكِيْنَ] (٢/ ١٢٦):
«عبد الله بن سيدان السلمي من أهل الربذة يروي عن أبي بكر الصديق وأبي ذر وحذيفة قَالَ الْبُخَارِيّ لا يتابع حديثه وقَالَ هبة الله الطبراني مجهول لا تقوم بروايته حجة» اهـ.
وأمَّا قول ابن حبان ﵀ فِي [الْثِقَاتِ] (٣/ ٢٤٧):
«عبد الله بن سيدان السلمي نزل الربذة يقَالَ إنَّ له صحبة» اهـ. فلم يأت بحجة على صحبته.
١٤ - ويدل الحديث على جواز الطهارة من الحدث قبل دخول وقت الصلاة.
стр. 2788
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (١/ ٤٦٦ - ٤٦٧):
«أجمع العلماء على جواز الوضوء قبل دخول وقت الصلاة نقل الإجماع فيه ابن المنذر في كتابه "الإجماع" وآخرون وهذا في غير المستحاضة ومن في معناها فإنَّه لا يصح وضوؤها إلَّا بعد دخول الوقت وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
فائدة: جاء في بعض ألفاظ الحديث ذكر العصفور بين الدجاجة والبيضة فيما رواه النسائي (١٣٨٧) أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «تَقْعُدُ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ، فَالنَّاسُ فِيهِ كَرَجُلٍ قَدَّمَ بَدَنَةً، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ بَقَرَةً، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ شَاةً، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ دَجَاجَةً، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ عُصْفُورًا، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ بَيْضَةً».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ رجاله كلهم ثقات غير محمد بن عجلان قَالَ فيه الحافظ ابن حجر ﵀ فِي "الْتَقْرِيْب": «صدوق إلاَّ أنَّه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة» اهـ. وقد شذ بذكر العصفور والمحفوظ ما رواه الإمام مالك بن أنس عن سمي وهو حديث الباب.
وجاء ذكر العصفور أيضاً في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله وهو ما رواه أحمد (١١٧٨٦) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
стр. 2789
وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَيَكْتُبُونَ النَّاسَ مَنْ جَاءَ مِنَ النَّاسِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ، فَرَجُلٌ قَدَّمَ جَزُورًا، وَرَجُلٌ قَدَّمَ بَقَرَةً، وَرَجُلٌ قَدَّمَ شَاةً، وَرَجُلٌ قَدَّمَ دَجَاجَةً، وَرَجُلٌ قَدَّمَ عُصْفُورًا، وَرَجُلٌ قَدَّمَ بَيْضَةً»، قَالَ: «فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، وَجَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، طُوِيَتِ الصُّحُفُ، وَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ لكن لا تطمئن النفس لذكر العصفور في هذا الحديث والعلاء بن عبد الرحمن وإن كان حسن الحديث لكن ينفرد بأحاديث لا يتابع عليها.
قُلْتُ: وجاء ذكر البطة بين الشاة والدجاجة فيما رواه أحمد (٧٥١١)، والنسائي في [الْمُجْتَبَى] (١٣٨٥)، و [الْكُبْرَى] (١٦٩٣)، والدارمي (١٥٤٤) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ الْأَغَرِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، فَكَتَبُوا مَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَتِ الْمَلَائِكَةُ الصُّحُفَ».
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي شَاةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَطَّةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي دَجَاجَةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَيْضَةً».
стр. 2790
قُلْتُ: هذا حديث إسناده ثقات، وشذ معمر بذكر البطة وقد رواه الْبُخَارِيّ (٩٢٩) حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ وَقَفَتِ المَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، وَمَثَلُ المُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ».
ورواه مُسْلِم (٨٥٠) وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَغَرُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فذكره كرواية الْبُخَارِيّ.
ورواه النسائي (٨٦٤) مِنْ طَرِيقِ شعيب عن الزهري به.
وأحمد (٧٢٥٨) مِنْ طَرِيقِ سفيان بن عيينة عن الزهري به.
قُلْتُ: حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، ويونس بن يزيد الأيلي، وشعيب بن أبي حمزة، وسفيان بن عيينة هو المحفوظ.
وقد رواه عبد الرزاق عن معمر ولم يذكر في حديثه البطة كَمَا فِي الْمُسْنَدِ لأحمد (٧٧٥٣).
стр. 2791
١٥ - وفي الحديث أنَّ الملائكة تترك كتابة الداخلين عند خروج الإمام أي من منزله إلى المسجد، وكان منزل النبي ﷺ متصلاً بالمسجد وبابه في المسجد، وكان إذا خرج من منزله دخل في المسجد.
وجاء في بعض ألفاظ الحديث أنَّ الملائكة تطوي الصحف عند جلوس الخطيب.
فروى البخاري (٣٢١١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ المَلَائِكَةُ، يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ».
وروى مسلم (٨٥٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي الْبَدَنَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْكَبْشَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الدَّجَاجَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْبَيْضَةَ».
وفي حديث أبي سعيد الماضي في الفقرة السابقة: «فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، وَجَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، طُوِيَتِ الصُّحُفُ، وَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ».
رواه أحمد (١١٧٨٦).
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِم] (٦/ ١٤٦):
стр. 2792
«وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا بَلْ ظَاهِرُ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ يَحْضُرُونَ وَلَا يَطْوُونَ الصُّحُفَ فَإِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ طَوَوْهَا» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٦٧):
«وَكَأَنَّ ابْتِدَاءَ طَيِّ الصُّحُفِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ خُرُوج الإِمَام وانتهاءه بِجُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ أَوَّلُ سَمَاعِهِمْ لِلذِّكْرِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا فِي الْخُطْبَةِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَغَيْرِهَا» اهـ.
* * *
стр. 2793
١٣٦ - عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ. وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ بِهِ».
وَفِي لَفْظٍ: «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - المبادرة بالتبكير بصلاة الجمعة.
٢ - احتج بالحديث الإمام أحمد وإسحاق على مشروعية إقامة صلاة الجمعة قبل الزوال.
ولا حجة فيه فإنَّه لم ينف الظل مطلقاً وإنَّما نفى ظلاً يستظل به فإذا ما أقيمت الصلاة بعد الزوال فإنَّهم ينتهون من صلاتهم وليس للحيطان ظل يستظل به لا سيما وأنَّ حيطانهم لم تكن مرتفعة فلا يحصل فيها الظل الذي يستظل به إلَّا بعد مرور زمن طويل.
وقد أورد المصنف حديث سلمة بن الأكوع (٨٦٠) بلفظ:
«كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ». وهو عند مُسْلِم (٨٦٠) لكن عنده: «نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ». بحذف الفاء.
стр. 2794
وهذا اللفظ صريح الدلالة في أنَّ صلاة النبي ﷺ للجمعة كانت بعد الزوال ويدل على صحة التأويل الذي ذكرناه للفظ الأول. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ في [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥١٢):
«والجواب عن حديث سلمة أنَّه حجة لنا في كونها بعد الزوال لأنَّه ليس معناه أنَّه ليس للحيطان شيء من الفيء وإنَّما معناه ليس لها فيء كثير بحيث يستظل به المار وهذا معنى قوله: "وليس للحيطان ظل يستظل" به فلم ينف أصل الظل وإنَّما نفى كثيره الذي يستظل به وأوضح منه الرواية الأخرى "نتتبع الفيء" فهذا فيه صريح بوجود الفيء لكنه قليل ومعلوم أنَّ حيطانهم قصيرة وبلادهم متوسطة من الشمس ولا يظهر هناك الفيء بحيث يستظل به إلَّا بعد الزوال بزمان طويل» اهـ.
واحتجوا أيضاً بما رواه مُسْلِم (٨٥٨) مِنْ طَرِيقِ حَسَنِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنُرِيحُ نَوَاضِحَنَا»، قَالَ حَسَنٌ: فَقُلْتُ لِجَعْفَرٍ: فِي أَيِّ سَاعَةٍ تِلْكَ؟ قَالَ: «زَوَالَ الشَّمْسِ».
قُلْتُ: ولا حجة في ذلك فإنَّ قوله: «زَوَالَ الشَّمْسِ». من كلام جعفر وهو من قبيل المرسل.
وقد رواه الحافظ أحمد المروزي في [الْجُمْعَةِ وَفَضْلِهَا] (٥٧) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 2795
وَسَلَّمَ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنُرِيحُ نَوَاضِحَنَا»، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ سَاعَةٍ ذَاكَ؟ قَالَ: زَوَالَ الشَّمْسِ، قُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ آدَمَ: مَنِ الْقَائِلُ: زَوَالُ الشَّمْسِ؟ قَالَ: هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ لَا نَدْرِي مِمَّنْ هُوَ.
قُلْتُ: رواية مُسْلِم صريحة في أنَّها من كلام جعفر.
وهكذا جاء ذلك في رواية الثقات عن يحيى بن آدم عند أحمد في [مُسْنَدِهِ] (١٤٥٧٩)، والنسائي في [الْمُجْتَبَى] (١٣٩٠)، وفي [الْكُبْرَى] (١٦٩٩)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (١٥١٣)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥١٧٩) وأبي يعلى في [مُسْنَدِهِ] (١٩٢٤) عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَيَّاشٍ، أَخُو أَبِي بَكْرٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي الْجُمُعَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنُرِيحُ نَوَاضِحَنَا»، قَالَ حَسَنٌ: قُلْتُ لِجَعْفَرٍ: وَمَتَى ذَاكَ؟ قَالَ: «زَوَالَ الشَّمْسِ».
قُلْتُ: إذا تبيَّن هذا فقول يحيى بن آدم في رواية إسحاق بن أبي إسرائيل عنه: «هكذا في الحديث لا ندري ممن هو». محمول أنَّه نسي ما حدث به، أو أنَّ إسحاق بن أبي إسرائيل وهم فيما حدث به عن شيخه لمخالفته للحفاظ الكبار في روايتهم عن يحيى بن آدم كالإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والحسن بن علي الحلواني، وهارون بن عبد الله بن مروان الحمال وغيرهم.
стр. 2796
وقد تابع حسن بن عيَّاش في ذلك محمد بن ميمون أبو النضر وهو صدوق مع لين فيه وحديثه عند أحمد (١٤٥٨٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ أَبُو النَّضْرِ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا، مَتَى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؟ فَقَالَ: «كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنُرِيحُ نَوَاضِحَنَا»، قَالَ جَعْفَرٌ: «وَإِرَاحَةُ النَّوَاضِحِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ».
وروى مُسْلِم (٨٥٨) وحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ح وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ: مَتَى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؟ قَالَ: «كَانَ يُصَلِّي، ثُمَّ نَذْهَبُ إِلَى جِمَالِنَا فَنُرِيحُهَا». زَادَ عَبْدُ اللهِ فِي حَدِيثِهِ: «حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، يَعْنِي النَّوَاضِحَ».
قُلْتُ: قد بيَّن حسن بن عيَّاش، ومحمد بن ميمون أبو النضر الزعفراني أنَّ هذه الجملة من كلام جعفر فلا حجة فيها.
واحتجوا أيضاً بما رواه الْبُخَارِيّ (٩٤١) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الجُمُعَةَ، ثُمَّ تَكُونُ القَائِلَةُ».
وروى الْبُخَارِيّ (٩٣٩)، ومُسْلِم (٨٥٩) عَنْ سَهْلٍ، قَالَ: «مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ».
وفي رواية لمُسْلِم: «فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ».
стр. 2797
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٥٤٨):
«وقد تعلق بذلك من يقول: إنَّ الجمعة كانت تقام قبل زوال الشمس؛ لأنَّها لا تسمى قائلة إلَّا قبل الزوال، وكذا الغداء. وقد مضى في الباب الذي قبله، عن سهل بن سعد، قَالَ: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلَّا بعد الجمعة. وربما أشار الإمام أحمد إلى ذلك.
وأمَّا الجمهور، فقَالَوا: سمي نومهم وأكلهم بعد الزوال في الجمعة "قائلة" و"غداء" باعتبار أنَّه قضاء لما يعتادونه في غير الجمعة من النوم والأكل قبل الزوال، فلما أخروه يوم الجمعة إلى بعد ذلك سمي ذلك باعتبار محله الأصلي الذي أخر عنه.
ويشبهه: تسمية السحور غداء؛ لأنَّه يقوم مقام الغداء، وإن تقدم عليه في وقته» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤٢٨):
«وتعقب بأنَّه لا دلالة فيه على أنَّهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال بل فيه أنَّهم كانوا يتشاغلون عن الغداء والقائلة بالتهيؤ للجمعة ثم بالصلاة ثم ينصرفون فيتداركون ذلك، بل ادعى الزين بن المنير أنَّه يؤخذ منه أنَّ الجمعة تكون بعد الزوال لأنَّ العادة في القائلة أن تكون قبل الزوال فأخبر الصحابي أنَّهم كانوا
стр. 2798
يشتغلون بالتهيؤ للجمعة عن القائلة ويؤخرون القائلة حتى تكون بعد صلاة الجمعة» اهـ.
واحتجوا أيضاً بما رواه الْبُخَارِيُّ (٩٠٥) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كُنَّا نُبَكِّرُ بِالْجُمُعَةِ وَنَقِيلُ بَعْدَ الجُمُعَةِ».
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٤١٤):
«هذا ما يستدل به من يقول بجواز إقامة الجمعة قبل الزوال، لأنَّ التبكير والقائلة لا يكون إلَّا قبل الزوال. وقد تقدم إنَّهم كانوا في عهد عمر يصلون معه الجمعة، ثم يرجعون فيقيلون قائلة الضحى، وهذا يدل على أنَّ وقت الضحى كان باقياً.
وكل ما استدل به من قَالَ: تمنع إقامة الجمعة قبل الزوال ليس نصاً صريحاً في قوله، وإنَّما يدل على جواز إقامة الجمعة بعد الزوال أو على استحبابه، أمَّا منع إقامتها قبله فلا، فالقائل بإقامتها قبل الزوال يقول بجميع الأدلة، ويجمع بينها كلها، ولا يرد منها شيئاً» اهـ.
قُلْتُ: وقد وجَّه الحديث الحافظ ابن حجر ﵀ بتوجيه سديد فقَالَ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٨٨):
«وأمَّا رواية حميد التي بعد هذا عَنْ أَنَسٍ: "كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة" فظاهره أنَّهم كانوا يصلون الجمعة باكر النهار لكن طريق الجمع أولى من دعوى التعارض وقد تقرر فيما تقدم أنَّ التبكير يطلق على فعل الشيء في أول وقته أو تقديمه على غيره وهو المراد هنا والمعنى أنَّهم كانوا يبدؤون بالصلاة قبل القيلولة
стр. 2799
بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظهر في الحر فإنَّهم كانوا يقيلون ثم يصلون لمشروعية الإبراد» اهـ.
قُلْتُ: قَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ فِي [لِسَانِ الْعَرَبِ] (٤/ ٧٦):
«وكل من بادر إلى شيء فقد أَبكر عليه وبَكَّرَ أَيَّ وَقْتٍ كانَ يقَالَ بَكِّرُوا بصلاة المغرب أَي صَلُّوها عند سقوط القُرْص» اهـ.
قُلْتُ: ومنه ما رواه الْبُخَارِيّ (٥٥٣) عَنْ أَبِي المَلِيحِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلَاةِ العَصْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ».
واحتجوا أيضاً بما رواه الْبُخَارِيّ (٩٠٤) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ».
قُلْتُ: وغاية ما فيه إقامة الخطبة قبل الزوال، وقد ذهب إلى ذلك الإمام مالك ﵀ في رواية، وهو مؤيد بظاهر هذا الحديث.
قَالَ الأمير الصنعاني ﵀ فِي [سُبُلِ الْسَلَامِ] (٢/ ٤٥): «وأجاز مالك الخطبة قبل الزوال دون الصلاة» اهـ.
قُلْتُ: وهو رواية عن أحمد.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٤١٧ - ٤١٨):
стр. 2800
«وقد روى حنبل، عن أحمد، قَالَ: صلاة الجمعة تعجل، يؤذن المؤذن قبل أن تزول الشمس، وإلى أن يخطب الإمام، وتقام الصلاة، قد قام قائم الظهيرة، ووجبت الصلاة» اهـ.
واحتجوا أيضاً بما رواه أحمد في [مُسْنَدِهِ] (١٤١١)، والدارمي في [سَنَنِهِ] (١٥٤٥)، وأبو يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٦٨٠)، وابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (١٨٤٠)، والشاشي في [مُسْنَدِهِ] (٥٢)، والْحَاكِمُ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٠٧٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٤٦٧) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ، عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامٍ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنُبَادِرُ الظِّلَّ فِي أُطُمِ بَنِي غَنْمٍ، فَمَا هُوَ إِلَّا مَوَاضِعُ أَقْدَامِنَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ مُنْقَطِعٌ فمُسْلِمُ بن جندب يبعد سماعه من الزبير بن العوام وذلك أنَّ الزبير مات سنة ٣٦ هـ ومات مُسْلِم بن جندب سنة ١٠٦ هـ فبين موت الزبير وموت مُسْلِم بن جندب سبعين سنة فلا يمكن لمُسْلِم أن يسمع من الزبير بن العوام إلَّا إذا عمر أكثر من سبعين سنة وقد قَالَ النبي ﷺ : «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ».
رواه الترمذي (٢٣٣١، ٣٥٥٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
ومما يدل على أنّ مُسْلِماً لم يسمع من الزبير أنَّ الأمام أحمد روى الحديث (١٤٣٦) فقَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ، الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ يَقُولُ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
стр. 2801
الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نُبَادِرُ فَمَا نَجِدُ مِنَ الظِّلِّ إِلا مَوْضِعَ أَقْدَامِنَا - أَوْ قَالَ: فَما نَجِدُ مِنَ الظِّلِّ مَوْضِعَ أَقْدَامِنَا».
وهذه الرواية صريحة في عدم سماع مُسْلِمٍ من الزبير.
واحتجوا أيضاً بحديث أبي هريرة وهو الحديث السابق قبل هذا وقد مضى الكلام فيه.
واحتجوا أيضاً بأثر عبد الله بن سيدان وقد مضى الكلام فيه في شرح حديث أبي هريرة الذي قبل هذا.
واحتجوا أيضاً بما رواه مالك في [الْمُوَطَأ] (١٤) عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عنِ ابْنِ أَبِي سَلِيطٍ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ «صَلَّى الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِمَلَلٍ»، قَالَ مَالِكٌ: «وَذَلِكَ لِلتَّهْجِيرِ وَسُرْعَةِ السَّيْرِ».
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٤١٦):
«وبين المدينة ومللٍ اثنان وعشرون ميلاً، وقيل: ثمانية عشر ميلاً، ويبعد أن يلحق هذا السائر بعد زوال الشمس» اهـ.
قُلْتُ: هَذَا الْأَثَرُ لَا يَصِحُ فيه ابن أبي سليط اسمه عبد الله وهو مجهول.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (١/ ٣٩):
стр. 2802
«وليس في هذا ما يدل على أنَّ عثمان صلى الجمعة قبل الزوال كما زعم من ظن ذلك واحتج بحديث مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن بن أبي سليط قَالَ: "كنا نصلي مع عثمان بن عفان الجمعة فننصرف وما للجدر ظل"
وهذا الخبر الثاني عن عثمان ليس عند القعنبي ولا عند يحيى بن يحيى صاحبنا وهما من آخر من عرض على مالك "الْمُوَطَأ" وهذا وإن احتمل ما قَالَ فيحتمل أن يكون عثمان صلى الجمعة في أول الزوال ومعلوم أنَّ الحجاز ليس للقائم فيها كبير ظل عند الزوال وقد ذكر أهل العلم بالتعديل أنَّ الشمس بمكة تزول في حزيران على دون عشر أقدام وهذا أقل ما تزول الشمس عليه في سائر السنة بمكة والمدينة فإذا كان هذا أو فوقه قليلاً فأي ظل يكون للجدر حينئذ بالمدينة أو مكة فإذا احتمل الوجهين لم يجز أن يضاف إلى عثمان أنَّه صلى الجمعة قبل الزوال إلَّا بيقين ولا يقين مع احتمال التأويل والمعروف عن عثمان في مثل هذا أنَّه كان متبعاً لعمر لا يخالفه وقد ذكرنا عن علي أنَّه كان يصليها بعد الزوال وهو الذي يصح عن سائر الخلفاء وعليه جماعة العلماء والحمد لله» اهـ.
واحتجوا أيضاً بما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥١٧٦)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٦٠٧)، والطحاوي في [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٢٠٦)، وابن عبد البر في [الْاسْتِذْكَارِ] (١/ ٥٥)، والشافعي في [الْأُمِ] (٧/ ١٩٥) مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا عَبْدُ اللَّهِ الْجُمُعَةَ ضُحًى، وَقَالَ: «خَشِيتُ عَلَيْكُمُ الْحَرَّ».
стр. 2803
قُلْتُ: إِسْنَادُ هَذَا الْأَثَرِ حَسَنٌ. وعبد الله هو ابن مسعود ﵁.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٨٧): «وعبد الله صدوق إلَّا أنَّه ممن تغير لما كبر قَالَه شعبة وغيره» اهـ.
قُلْتُ: وقد تعقب الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُ ﵀ الحافظ ابن حجر فقَالَ في [الْأَجْوِبِةِ الْنَّافِعَةِ] ص (٢٤):
«قُلْتُ: ومثله إنَّما يخشى منه الخطأ في رفع الحديث أو في روايته عن غيره مما يشاهد وهو هنا يروي حادثة شاهدها بنفسه وهي في الواقع غريبة لمخالفتها للمعهود من الصلاة بعد الزوال فاجتماع هذه الأمور مما يرجح حفظه لما شاهد فالأرجح أن هذا الأثر صحيح ولعله من أجل ما ذكرنا احتج به الإمام أحمد فقَالَ ابنه عبد الله في مسائله عنه (ص ١١٢): "سئل عن وقت صلاة الجمعة؟ قَالَ: إن صلى قبل الزوال فلا بأس حديث عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة: أنَّ عبد الله صلى بهم الجمعة ضحى وحديث سهل بن سعد: كنا نصلي ونتغدى بعد الجمعة كأنَّه يدل على أنَّه قبل الزوال"» اهـ.
قُلْتُ: رواه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٦٢٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، ثنا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلَمَةَ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ وَنُنْكِرُ قَالَ: «كَانَ عَبْدُ اللهِ يَنْصَرِفُ مِنَ الْجُمُعَةِ ضُحًى وَيَقُولُ: إِنَّمَا عَجَّلْتُ بِكُمْ خَشْيَةَ الْحَرِّ عَلَيْكُمْ».
стр. 2804
وهذا يدل على أنَّ شعبة لم تطمئن نفسه لروايته هذه.
واحتجوا أيضاً بما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥١٧٧، ٥٥٤٣، ٣١١٩٧)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٩٦٢)، مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا مُعَاوِيَةُ الْجُمُعَةَ ضُحًى».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي [الْتَارِيْخِ الْكَبِيْر] (٣/ ٤٧٧):
«سعيد بن سويد، قَالَ إسماعيل بن خليل أخبرنا على بن مسهر سمع الأعمش عن عمر بن مرة عن سعيد رجل منهم: "صلى بنا معاوية الجمعة بضحى"، ولا يتابع عليه» اهـ.
واحتجوا أيضاً بما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥١٨٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ، عَنْ بِلَالٍ الْعَبْسِيِّ: «أَنَّ عَمَّارًا، صَلَّى بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ، وَالنَّاسُ فَرِيقَانِ، بَعْضُهُمْ يَقُولُ: زَالَتِ الشَّمْسُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَمْ تَزُلْ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ المحاربي مدلس وقد عنعن، وبلال العبسي مجهول، وليس هو بلال بن يحيى العبسي فهذا لم يرو عن عمار.
واحتجوا أيضاً بما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥١٨٦) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ عَلِيٍّ الْجُمُعَةَ، فَأَحْيَانًا نَجِدُ فَيْئًا، وَأَحْيَانًا لَا نَجِدُهُ».
стр. 2805
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. ولعل المقصود بالفيء الذي يستظل به كما في حديث الباب.
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٢١٦) عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ الْحَنَفِيِّ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ فَيَكُونُ الْفَيْءُ أَحْيَانًا، وَأَحْيَانًا لَا يَكُونُ لَا نَرَاهُ يَقُولُ: نَرَاهُ أَحْيَانًا، وَأَحْيَانًا لَا نَرَاهُ».
قُلْتُ: والذي يظهر لي في هذه المسألة هو ما دلت عليه أدلة السنة الصريحة من إقامة النبي ﷺ للجمعة بعد الزوال ولم يأت من قَالَ بإقامة الجمعة قبل ذلك بحجة قوية كما سبق بيان ذلك، نعم من أجاز إقامة الخطبة قبل الزوال والصلاة بعد الزوال فله متمسك قوي من السنة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣ - وقد يحتج بالحديث على تخفيف الخطبة إذ لو أطاله كما يفعله كثير من الخطباء لوجد الظل الذي يستظل به. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤ - وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يبرد بصلاة الجمعة لما في ذلك من المشقة على الناس الذين هم في انتظار الصلاة.
قَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٢/ ٢٠٧): «والوجه الثاني، وهو الأصح أنَّه لا يبرد بها وبه قَالَ سفيان الثوري ومالك وأحمد.
والجواب عن قوله: فأبردوا بالصلاة أنَّ المراد بها الظهر كما تقدم وعن وجود العلة المقتضية للإبراد، وهي شدة الحر أنَّه ليس النظر لمجرد شدة الحر بل لوجود المشقة
следующие страницы →