← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُّ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٥/ ٢٥٣ - ٢٥٥): «وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَالْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ إذَا وُجِدَ بَعْضُ مَنْ تَيَقَّنَّا مَوْتَهُ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إلَّا إذَا وُجِدَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ وَعِنْدَنَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ وَإِنَّمَا نُصَلِّي عَلَيْهِ إذَا تَيَقَّنَّا مَوْتَهُ (فَأَمَّا) إذَا قُطِعَ عُضْوٌ مِنْ حَيٍّ كَيْدِ سَارِقٍ وَجَانٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ شَكَكْنَا فِي الْعُضْوِ هَلْ هُوَ مُنْفَصِلٌ مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ لَمْ نُصَلِّ عَلَيْهِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ إلَّا صاحب الْحَاوِي وَمَنْ أَخَذَ عَنْهُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ مِنْ الْحَيِّ وَجْهَيْنِ فِي وُجُوبِ غُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ. أَحَدُهُمَا: يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَعُضْوِ الْمَيِّتِ وَأَصَحُّهُمَا لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَنَقَلَ الْمُتَوَلِّي ﵀ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فَقَالَ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْيَدَ الْمَقْطُوعَةَ فِي السَّرِقَةِ وَالْقِصَاصِ لَا تُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهَا وَلَكِنْ تُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ وَتُدْفَنُ وَكَذَا الْأَظْفَارُ الْمَقْلُومَةُ وَالشَّعْرُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْأَحْيَاءِ لَا يُصَلَّى عَلَى شئ مِنْهَا لَكِنْ يُسْتَحَبُّ دَفْنُهَا قَالَ وَكَذَا إذَا شَكَكْنَا فِي مَوْتِ صَاحِبِ الْعُضْوِ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهَذَا الَّذِي سَبَقَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى بَعْضِ الَّذِي تَيَقَّنَّا مَوْتَهُ هُوَ فِي الْعُضْوِ أَمَّا إذَا وَجَدْنَا شَعْرَ الْمَيِّتِ أَوْ ظُفُرَهُ أَوْ نَحْوَهُمَا فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالتَّتِمَّةِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ وَأَشَارَ إلَيْهِمَا الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيقِهِ فِي الْخِلَافِ

стр. 3117

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ ﵀ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بَلْ يُدْفَنُ. وَأَصَحُّهُمَا: وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَالْعُضْوِ لِأَنَّهُ جُزْءٌ. قَالَ الرَّافِعِيُّ ﵀: هَذَا الثَّانِي أَقْرَبُ إلَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ قَالَ: لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ ﵀: إنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ﵀: وَلَوْ قُطِعَتْ أُذُنُهُ فَأَلْصَقَهَا مَوْضِعَهَا فِي حَرَارَةِ الدَّمِ ثُمَّ افْتَرَسَهُ سَبُعٌ وَوَجَدْنَا أُذُنَهُ لم نصل عليها لِأَنَّ انْفِصَالَهَا كَانَ فِي الْحَيَاةِ هَذَا كَلَامُ القاضي ﵀ ويجئ فِيهَا الْوَجْهُ السَّابِقُ عَنْ الْحَاوِي قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏: وَمَتَى صَلَّى فِي هَذِهِ الصُّوَرِ فلا بدمن تَقَدُّمِ غُسْلِهِ ثُمَّ يُوَارَى بِخِرْقَةٍ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏: وَالدَّفْنُ لَا يَخْتَصُّ بِعُضْوِ مَنْ عُلِمَ مَوْتُهُ بَلْ كُلُّ مَا يَنْفَصِلُ مِنْ الْحَيِّ مِنْ عُضْوٍ وَشَعْرٍ وَظُفْرٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَجْزَاءِ يُسْتَحَبُّ دَفْنُهُ وَكَذَلِكَ تُوَارَى الْعَلَقَةُ وَالْمُضْغَةُ تُلْقِيهِمَا الْمَرْأَةُ وَكَذَا يُوَارَى دَمُ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏: وَلَوْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ أَوْ كُلُّهُ وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ فَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ كَمَا حَكَمْنَا بِإِسْلَامِ اللَّقِيطِ فِيهَا وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ فِي آخِرِ بَابِ الشَّهِيدِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ وَمَتَى صَلَّى عَلَى عُضْوِ الْمَيِّتِ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى جُمْلَةِ الْمَيِّتِ لَا عَلَى الْعُضْوِ وَحْدَهُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هَذَا.

стр. 3118

وَالثَّانِي: يُصَلَّى عَلَى الْعُضْوِ خَاصَّةً قَالَ: وَالْوَجْهَانِ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ جُمْلَتَهُ صَلَّى عَلَيْهَا فَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ صَلَّى عَلَى الْعُضْوِ وَحْدَهُ وَجْهًا وَاحِدًا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَا إذَا وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ. قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ سَوَاءٌ قَلَّ الْبَعْضُ أَمْ كَثُرَ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ﵀ وَقَالَ دَاوُد لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ أَنْ وُجِدَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَإِنْ وُجِدَ النِّصْفُ فَلَا غُسْلَ ولا صلاة قال مالك ﵀ لا يصلى علي اليسير منه» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه إذا وجد عضو للميت غسل وكفن وصلي عليه ودفن، وإن وجد بعد ذلك بقية الجسد فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في القبر الذي دفنت فيه اليد وذلك أنَّ غالب الجسد يأخذ حكم جميعه، وأمَّا إذا وجد عضو آخر ففي الصلاة عليها احتمال وتردد، والأظهر الاقتصار على الصلاة الأولى فإنَّها صلاة على الميت لا على جزء منه لكن لا بد من غسل وتكفين ودفن ما وجد بعد ذلك من الأعضاء. وهكذا إن وجد الجسد فغسل وكفن وصلي عليه ودفن ثم وجد عضو من أعضائه فيكتفى بتغسيله وتكفينه ودفنه. والله أعلم. * * *

стр. 3119

١٥٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ، سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٤٠): «قوله: "سُحُول" بضم المهملتين وآخره لام أي بيض وهو جمع سَحْلٍ وهو الثوب الأبيض النقي ولا يكون إلَّا من قطن وقد تقدم في باب الثياب البيض للكفن بلفظ يمانية بيض سحولية من كرسف وعن ابن وهب: السحول القطن. وفيه نظر وهو بضم أوله ويروي بفتحه نسبة إلى سَحول قرية باليمن وَقَالَ الأزهري بالفتح المدينة وبالضم الثياب وقيل النسب إلى القرية بالضم وأمَّا بالفتح فنسبة إلى القصار لأنَّه يسحل الثياب أي ينقيها» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ فِي [كَشْفِ الْمُشْكِلِ مِنْ حَدِيْثِ الصَّحِيْحَيْنِ] (٤/ ٣١٧): «والسحولية مَفْتُوحَة السِّين، منسوبة إِلَى قَرْيَة بِالْيمن يُقَال لَهَا: سحول، قَالَ الْحميدِي: وَقد قَرَأنَا نَحن بِمَكَّة على شيخ من شُيُوخ الحَدِيث كَانَ من أهل هَذِه الْقرْيَة. وَكَانَ ابْن قُتَيْبَة يَقُول: سُحُولِيَّة بِضَم السِّين، وَيَقُول: سحول جمع سحل: وَهُوَ الثَّوْب الْأَبْيَض. وَقَالَ أَبُو عمر الزَّاهِد: إِنَّمَا هِيَ بِفَتْح السِّين. وَقَالَ: وَقَوله: سحول جمع سحل، خطأ؛ إِنَّمَا جمع سَحَل سُحُل» اهـ. قُلْتُ: وقد ذكر هذا الجمع جماعة من أهل اللغة. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٍ ﵀ فِي: [مَشَارِقِ الْأَنْوَارِ] (٢/ ٢٠٩):

стр. 3120

«سحول بِالضَّمِّ جمع سحل وَهُوَ ثوب أَبيض وَوَقع فِي كتاب مُسلم من رِوَايَة السَّمرقَنْدِي أَثوَاب سحول فَمن فتح السِّين أضَاف الأثواب وَأَرَادَ الْموضع وَمن ضمهَا نون وَأَرَادَ صفة الأثواب أَنَّهَا قطن أَوْ بيض» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ قوله سحولية نسبة إلى السحول وهو مخلاف من مخاليف اليمن وهو الآن تابع لمدينة إب من مدن اليمن. وتفسير السحول بالأبيض لا يستقيم ها هنا لأنَّ البياض قد ذكر في الرواية. قَالَ يَاقُوتُ الْحَمَوِي فِي [مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ] (٣/ ١٩٥): «سحول: بضم أوله وآخره لام قال الليث: السحيل والجمع السحل ثوب لا يبرم غزله أي لا يفتل طاقين يقال سحلوه أي لم يفتلوا سداه وسحول قبيلة من اليمن وهو السحول بن سوادة بن عمرو بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد ابن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير بن سبإ قرية من قرى اليمن يحمل منها ثياب قطن بيض تدعى السحولية» اهـ. وفي الحديث مسائل منها: ١ - استحباب تكفين الميت بثلاثة أثواب. وقد استحب ذلك في الرجل جمهور العلماء منهم الأئمة الأربعة. قُلْتُ: وأمَّا المرأة فقد جاء فيها ما رواه أحمد (٢٧١٧٩)، ومن طريقه أبو داود (٣١٥٧) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي نُوحُ بْنُ حَكِيمٍ الثَّقَفِيُّ - وَكَانَ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ - عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ يُقَالُ لَهُ:

стр. 3121

دَاوُدُ - قَدْ وَلَّدَتْهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ لَيْلَى ابْنَةِ قَانِفٍ الثَّقَفِيَّةِ قَالَتْ: كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ وَفَاتِهَا، «وَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحِقَاءَ، ثُمَّ الدِّرْعَ، ثُمَّ الْخِمَارَ، ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ فِي الثَّوْبِ الْآخِرِ»، قَالَتْ: «وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عِنْدَ الْبَابِ مَعَهُ كَفَنُهَا يُنَاوِلُنَاهُ ثَوْبًا ثَوْبًا». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة نوح. وهناك حديث آخر رواه ابن عساكر في [الْأَرْبَعِيْنِ حَدِيْثاً مِنَ الْمُسَاوَاةِ] (١١٦): وَأَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ، أَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا بِسِدْرٍ وَاغْسِلْنَهَا وِتْرًا» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ مَا مَضَى وَقَالَ: فِيهِ قَالَتْ: «وَكَفَّنَّاهَا فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ، وَخَمَّرْنَاهَا كَمَا يُخَمَّرُ الْحَيُّ، وَأَفْضَلْنَا فَضْلَةً مِنْ خِمَارِهَا فَفَزَزْنَاهَا مِنْ آخِرِ خِمَارِهَا، ثُمَّ سَدَلْنَا الْبَقِيَّةَ عَلَى وَجْهِهَا». وَهَذِهِ زِيَادَةٌ غَرِيبَةٌ فِي الْحَدِيثِ. وَالْحَدِيثُ بِاللَّفْظِ الأَوَّلِ مِمَّا اتَّفَقَ الأَئِمَّةُ عَلَى إِخْرَاجِهِ فِي كُتُبِهِمْ. فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَيُّوبَ.

стр. 3122

وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ الَّذِي سُقْنَا حَدِيثَهُ أَوَّلا، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْعَبْشِيِّ الْبَصْرِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ اهـ. قُلْتُ: وقد تكلم العلامة الألباني على شذوذها بكلام نفيس تجده في [الضَّعِيْفَةِ] تحت حديث برقم (٥٨٤٤). وروى عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦١٨٠) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكَفِّنُ أَهْلَهُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ مِنْهَا عِمَامَةٌ وَقَمِيصٌ وَثَلَاثُ لَفَالِفَ». ورواه عبد الرزاق (٦١٨١) عن عبد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر مثله. ورواه عبد الرزاق (٦١٨٢) عن ابن جريج قال أخبرني نافع عن بن عمر نحوه. قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. لكن ليس فيه أنَّه يكفن النساء من أهله بذلك وذكر العمامة والقميص يدل على أنَّه كان يفعل ذلك بالذكور من أهله. والله أعلم. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٩/ ١٢٠): «واختلفوا في عدد كفن المرأة فقال كثير من أهل العلم: تكفن المرأة في خمسة أثواب كذلك قال النخعي، والشعبي، ومحمد بن سيرين، وبه قال الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. قال أبو بكر: وكذلك نقول يكون درع، وخمار، ولفافتان، وثوب لطيف يشد على وسطها يجمع ثيابها» اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٩٧):

стр. 3123

«والذي عليه أكثر أصحابنا وغيرهم، أنَّ الأثواب الخمسة إزار، ودرع، وخمار، ولفافتان، وهو الصحيح، لحديث ليلى الذي ذكرناه، ولما روت أم عطية، أَنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ ناولها إزاراً، ودرعاً، وخماراً، وثوبين» اهـ. قُلْتُ: ويجوز التكفين بأقل من الثلاثة. فيجوز في الثوبين لما رواه البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ - أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا». ويجوز في الثوب الواحد لما رواه البخاري (١٢٧٦)، ومسلم (٩٤٠) عَنْ خَبَّابٍ ﵁، قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ، فَهُوَ يَهْدِبُهَا، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلَّا بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، «فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ». قُلْتُ: وهذا أقل ما يجب. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٢/ ٥٠٧) «الْوَاجِبُ لِحَقِّ لِلَّهِ تَعَالَى ثَوْبُ وَاحِدٍ بِلَا نِزَاعٍ» اهـ. لكن قال بعد ذلك: «وَقِيلَ: تَجِبُ ثَلَاثَةٌ لِلرَّجُلِ، وَخَمْسَةٌ لِلْمَرْأَةِ. وَيَأْتِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ "وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ ثَوْبٌ يَسْتُرُ جَمِيعَهُ"» اهـ.

стр. 3124

وَقَالَ (٢/ ٥١٤): «قَوْلُهُ (وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ: سَتْرُ جَمِيعِهِ) يَعْنِي الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَالْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: تَجِبُ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: تَجِبُ خَمْسَةٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ أَوَّلَ الْفَصْلِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا وَزِيَادَةً» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٣٦): «وأمَّا الواحد الساتر لجميع البدن فلا بد منه بالاتفاق» اهـ. قُلْتُ: ولا يصح الاتفاق فقد قال في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ٢٥٨): «واختلف أصحابنا في قدر الثوب الواجب على وجهين أحدهما ما يستر جميع بدنه وبه قال المالكية والحنابلة والثاني ما يستر العورة خاصة ويختلف ذلك باختلاف عورة المكفن في الذكورة والأنوثة وصححه الرافعي في شرحه الصغير والنووي في الروضة وَقَالَ صححه الجمهور وهو ظاهر النص وَقَالَ القاضي من الحنابلة لا يجزي أقل من ثلاثة أثواب لمن يقدر عليها وحكي مثله عن عائشة وَقَالَ الحنفية: يجوز الاقتصار على ثوبين ويكره ثوب واحد إلَّا في حالة الضرورة» اهـ. قُلْتُ: والصحيح في ذلك أنَّه يجب الثوب الساتر لجميع الجسد إذا لم يكن محرماً وحديث خباب يدل على ذلك فإنَّه لو لم يجب ستر جميع البدن لما تكلف بوضع الإذخر على قدميه. ولأنَّ الكفن مأخوذ من الكَفْنُ وهو التغطية والأصل في ذلك تغطية جميع البدن. ٢ - استحباب أن يكون الكفن على اللون الأبيض.

стр. 3125

قُلْتُ: وقد روى أحمد (٢٢١٩)، وأبو داود (٣٨٧٨، ٤٠٦١)، والترمذي (٩٩٤)، وابن ماجه (٣٥٦٦) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمِ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ، وَإِنَّ مِنْ خَيْرِ أَكْحَالِكُمُ الْإِثْمِدَ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ من أجل ابن خثيم فإنَّه صدوق. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٨): «قَوْلُهَا: "بِيضٌ" دَلِيلٌ لِاسْتِحْبَابِ التَّكْفِينِ فِي الْأَبْيَضِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ» اهـ. ولا يستحب أن يكون الكفن من بلاد اليمن ولا من السحول فإنَّ هذه صفات طردية لم يعلق الشارع بها حكماً من الأحكام. ٣ - الأفضل أن يدرج الميت في الكفن إدراجاً من غير قميص ولا عمامة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَبْدُ الْبِّرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ١٧): «وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنْ لَا تُخَاطَ اللَّفَائِفُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَمِيصَ لَيْسَ مِمَّا يُخْتَارُ لِأَنَّهُ مَخِيطٌ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٢٥٩ - ٢٦٠): «والفقهاء يستحبون في الكفن ما في هذا الحديث، ولا يرون في الكفن شيئاً واجباً لا يتعدى، وما ستر العورة أجزأ عندهم. قال مالك: ليس في كفن الميت حدّ، ويستحب الوتر، وَقَالَ مرة: لا أحب أن يكفن في أقل من ثلاثة أثواب. وَقَالَ ابن القصار: لا يستحب القميص في الكفن، والسُّنَّة تركه. وبه قال الشافعي. وروى يحيى عن ابن القاسم في العتبية أنَّه لا يقمص الميت، ولا يعمم، ويدرج في

стр. 3126

ثلاثة أثواب بيض إدراجاً، كما فعل النبي ﷺ ، وكان جابر بن عبد الله، وعطاء لا يعممان الميت. وقالت طائفة: لا بأس بالقميص، والعمامة في الكفن. روى ذلك عن ابن عمر. وَقَالَ ابن حبيب: استحب مالك للرجل خمسة أثواب يعد فيها القميص والعمامة والمئزر، ويلف في ثوبين، وَقَالَ في المدونة: من شأن الميت أن يعمم عندنا. وَقَالَ أبو حنيفة: لا بأس أن يكفن في قميص» اهـ. قُلْتُ: ويشرع التكفين بالقميص لما رواه البخاري (١٢٧٠)، ومسلم (٢٧٧٣) عَنْ جَابِرٍ، ﵁، قَالَ: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِي ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٢/ ٧ - ٨): «وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي كَفَنِهِ جُمْلَةُ قَمِيصٍ وَلَا عِمَامَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَ جَمِيعُ مَا كُفِّنَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَثْوَابٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ لَمْ يَعْتَدَّ فِيهَا بِقَمِيصِ وَلَا عِمَامَةٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا كُفِّنَ بِهِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمَيِّتَ يُقَمَّصُ وَيُعَمَّمُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ لَا يُقَمَّصَ وَلَا يُعَمَّمَ وَنَحَا بِهِ نَحْوَ الْمَنْعِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي جَوَازُهُ

стр. 3127

وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا". (مَسْأَلَةٌ): إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُسْتَحَبَّ عِنْدَ مَالِكٍ مِنْ الْكَفَنِ خَمْسَةُ أَثْوَابٍ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ وَمِئْزَرٌ وَثَوْبَانِ يُدْرَجُ فِيهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ أَنْ يُضَافَ الْمِئْزَرُ إلَى الثَّوْبَيْنِ فِي الْعَدَدِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِمَا وَالْمَرْأَةُ مِثْلُ ذَلِكَ مِئْزَرٌ وَثَوْبَانِ وَدِرْعٌ وَخِمَارٌ وَالزِّيَادَةُ فِي كَفَنِ الْمَيِّتِ عَلَى الْخَمْسَةِ إلَى السَّبْعَةِ لَا بَأْسَ بِهِ لِحَاجَةٍ مَا إلَى السَّتْرِ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فَأَمَّا عَلَى رَأْيِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّ الرَّجُلَ يُدْرَجُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَثْوَابِ إدْرَاجًا وَتُزَادُ الْمَرْأَةُ عَلَى ذَلِكَ مِئْزَرًا وَخِمَارًا لِحَاجَةٍ مَا إلَى السَّتْرِ. (مَسْأَلَةٌ): وَعِمَامَةُ الْمَيِّتِ عَلَى حَسَبِ عِمَامَةِ الْحَيِّ رَوَاهُ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ يُجْعَلُ مِنْهَا تَحْتَ لِحْيَتِهِ وَيُتْرَكُ مِنْهَا قَدْرَ الذِّرَاعِ ذُؤَابَةٌ تُطْرَحُ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ مِنْ خِمَارِ الْمَيِّتَةِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعِمَامَةِ لِلرِّجَالِ» اهـ. قُلْتُ: ويجوز للإنسان أن يجهز كفنه في حال حياته لما رواه البخاري (١٢٧٧) عَنْ سَهْلٍ ﵁: «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ، فِيهَا حَاشِيَتُهَا، أَتَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ، فَقَالَ: اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا، قَالَ القَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ، وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا

стр. 3128

يَرُدُّ، قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ، مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهُ، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي، قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ». قُلْتُ: والأحسن ترك ذلك لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يفعله. وأمَّا الاستعداد بالقبر قبل الموت فلا يشرع لأنَّ الإنسان لا يدري بأي أرض يموت كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [الْاخْتِيَارَاتِ] (٤٤٦): «ولا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يفعل ذلك هو ولا أصحابه والعبد لا يدري أين يموت وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت فهذا يكون بالعمل الصالح» اهـ. قُلْتُ: ويستحب تحسين الكفن لما رواه مسلم (٩٤٣) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ». قُلْتُ: وقد جاء في بيان الحكمة من إحسان الكفن ما رواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٢٤٤)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٩١٩) حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ هَانِئٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ السَّكُونِيِّ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، أَوْصَى امْرَأَتَهُ، وَخَرَجَ،

стр. 3129

فَمَاتَتْ وَكَفَّنَّاهَا فِي ثِيَابٍ لَهَا خُلْقَانٍ، فَقَدِمَ بَعْدَ أَنْ رَفَعْنَا أَيْدِيَنَا عَنْ قَبْرِهَا بِسَاعَتَيْنِ، فَقَالَ: «فِيمَا كَفَّنْتُمُوهَا؟»، قُلْنَا فِي ثِيَابِهَا الْخُلْقَانِ، فَنَبَشَهَا وَكَفَّنَهَا فِي ثِيَابٍ جُدُدٍ، وَقَالَ: «أَحْسِنُوا أَكْفَانَ مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ فِيهَا». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ وله حكم الرفع. ويشكل هذا مع ما جاء في البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩) عن عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: «الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ». وروى البخاري (٣٣٤٩)، ومسلم (٢٨٦٠) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا». قَالَ الْسَّخَاوِيُّ ﵀ في [الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ] (١/ ٩٤): «ويمكن الجمع بين بعثهم في أكفانهم وبين ما ثبت أنَّهم يحشرون عراة بأنَّهم يقومون من القبور بثيابهم ثم عند الحشر يكونون عراة» اهـ. قُلْتُ: ولا يشترط أن يكون جديداً فقد روى البخاري (١٣٨٧) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. وَقَالَ لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الِاثْنَيْنِ. قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ، فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ، كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ، فَكَفِّنُونِي فِيهَا، قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ، قَالَ: إِنَّ

стр. 3130

الحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ، وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ». قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ١٩): «وَلَيْسَ فِي هَذَا كُلِّهِ دَفْعٌ لِحَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ". وَلَا مَا يُعَارِضُهُ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ حَدِيثَ جَابِرٍ هذا هيئة التكفين بدليل قوله: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ وَيُحْسِنَهُ". عَلَى أَنَّ مَنْ كَفَّنَ أَخَاهُ فِي ثَوْبٍ نَقِيٍّ أَبْيَضَ أَوْ ثِيَابٍ بِيضٍ فَقَدْ أَحْسَنَ وَالْبَالِي وَالْجَدِيدُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قُلْتُ: وتكفين الميت من فروض الكفايات: قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ١٨٨): «تكفين الميت فرض كفاية بالنص والإجماع» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا هيئة التكفين فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٨٦): «والمستحب أن يؤخذ أحسن اللفائف وأوسعها، فيبسط أولاً؛ ليكون الظاهر للناس أحسنها، فإنَّ هذا عادة الحي، يجعل الظاهر أفخر ثيابه، ويجعل عليها حنوطاً، ثم يبسط الثانية التي تليها في الحسن والسعة عليها، ويجعل فوقها حنوطاً وكافوراً، ثم يبسط فوقهما الثالثة، ويجعل فوقها حنوطاً وكافوراً، ولا يجعل على وجه العليا، ولا على النعش شيء من الحنوط؛ لأنَّ الصديق ﵁ قال: لا تجعلوا على أكفاني حنوطاً.

стр. 3131

ثم يحمل الميت مستوراً بثوب فيوضع فيها مستلقياً؛ لأنَّه أمكن لإدراجه فيها، ويجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه، ويجعل من الطيب على وجهه ومواضع سجوده ومغابنه؛ لأنَّ الحي يتطيب هكذا، ويجعل بقية الحنوط والكافور في قطن، ويجعل منه بين أليتيه برفق، ويكثر ذلك ليرد شيئاً إن خرج منه حين تحريكه، ويشد فوقه خرقة مشقوقة الطرف كالتبان، وهو السراويل بلا أكمام، ويجعل الباقي على منافذ وجهه، في فيه، ومنخريه، وعينيه؛ لئلا يحدث منهن حادث. وكذلك في الجراح النافذة، ويترك على مواضع السجود منه؛ لأنَّها أعضاء شريفة، ثم يثني طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ثم يرد طرفها الآخر على شقه الأيسر، وإنَّما استحب ذلك لئلا يسقط عنه الطرف الأيمن إذا وضع على يمينه في القبر، ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك، ثم يجمع ما فضل عند رأسه ورجليه، فيرد على وجهه ورجليه، وإن خاف انتشارها عقدها، وإذا وضع في القبر حلها، ولم يخرق الكفن» اهـ. قُلْتُ: وقد ذكر بعض العلماء شروطاً للكفن. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٢/ ٥٠٨): «يُشْتَرَطُ فِي الْكَفَنِ: أَنْ لَا يَصِفَ الْبَشَرَةَ، وَيُكْرَهُ إذَا كَانَ يَحْكِي هَيْئَةَ الْبَدَنِ، وَإِنْ لَمْ يَصِفْ الْبَشَرَةَ نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُكْرَهُ أَيْضًا بِشَعْرٍ وَصُوفٍ، وَيَحْرُمُ بِجُلُودٍ، وَكَذَا بِحَرِيرٍ لِلْمَرْأَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَعَلَهُ الْمَجْدُ وَمَنْ تَابَعَهُ احْتِمَالًا لِابْنِ عَقِيلٍ، قُلْت: صَرَّحَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى النَّصِّ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ قَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ

стр. 3132

الْبَحْرَيْنِ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ، وَيَجُوزُ التَّكْفِينُ بِالْحَرِيرِ عِنْدَ الْعَدَمِ لِلضَّرُورَةِ، وَيَكُونُ ثَوْبًا وَاحِدًا وَالْمُذَهَّبُ مِثْلُ الْحَرِيرِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحْكَامِ. وَيُكْرَهُ تَكْفِينُهَا بِمُزَعْفَرٍ وَمُعَصْفَرٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ فِيهِ كَمَا سَبَقَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ فَيَجِيءُ الْخِلَافُ فَلَا يُكْرَهُ لَهَا، لَكِنَّ الْبَيَاضَ أَوْلَى. انْتَهَى. وَزَادَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُكْرَهُ بِمَا فِيهِ النُّقُوشُ، وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْفُصُولِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَيَحْرُمُ تَكْفِينَ الصَّبِيِّ بِحَرِيرٍ. وَلَوْ قُلْنَا: بِجَوَازِ لُبْسِهِ فِي حَيَاتِهِ، قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفُرُوعِ» اهـ. وجاء في [فَتَاوَى الرَّمْلِي] (٢/ ٣٣) «وَيُشْتَرَطُ فِي الْكَفَنِ طَهَارَتُهُ إلَى انْتِهَاءِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِنِ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ] (٣/ ١١٤): «(قَوْلُهُ: وَجَدَ غَيْرَهُ) أَيْ ثَوْبًا طَاهِرًا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ يَجِدُ طَاهِرًا فَيُكَفَّنُ فِي الْمُتَنَجِّسِ أَيْ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَارِيًّا إذَا لَا تَصِحُّ مَعَ النَّجَاسَةِ» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَّرِ ﵀ فِي [الْكَافِي] (١/ ٢٧٣): «ولا يكفن في ثوب نجس إلَّا أن لا يوجد غيره ولا يمكن إزالة النجاسة عنه» اهـ. قُلْتُ: وحجة من منع من التكفين بالجلود ما رواه أحمد (٢٢١٧)، وأبو داود (٣١٣٤)، وابن ماجه (١٥١٥) عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ».

стр. 3133

قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ، لضعف علي بن عاصم، وعطاء مختلط. وقد كره ذلك الحنفية. والأظهر عدم المشروعية لأنَّ النبي ﷺ أمر بالتكفين بالثياب كما حديث الذي وقصته ناقته الآتي. والأظهر مشروعية تكفين المرأة بالحرير دون الرجل لحل ذلك لهنَّ في حياتهنَّ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ١٩٧): «قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ وَيَجُوزُ تَكْفِينُ كُلِّ إنْسَانٍ فِيمَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُهُ فِي الْحَيَاةِ فَيَجُوزُ مِنْ الْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالْكَتَّانِ وَالشَّعْرِ وَالْوَبَرِ وَغَيْرِهَا وَأَمَّا الْحَرِيرُ فَيَحْرُمُ تَكْفِينُ الرَّجُلِ فِيهِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَالْمَشْهُورُ الْقَطْعُ بِجَوَازِ تَكْفِينِهَا فِيهِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا لُبْسُهُ فِي الْحَيَاةِ لَكِنْ يُكْرَهُ تَكْفِينُهَا فِيهِ لِأَنَّ فِيهِ سَرَفًا وَيُشْبِهُ إضَاعَةَ الْمَالِ بِخِلَافِ اللُّبْسِ فِي الْحَيَاةِ فَإِنَّهُ تَجَمُّلٌ لِلزَّوْجِ وَحَكَى صَاحِبِ الْبَيَانِ فِي زِيَادَاتِ الْمُهَذَّبِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَأَمَّا الْمُعَصْفَرُ وَالْمُزَعْفَرُ فَلَا يَحْرُمُ تَكْفِينُهَا فِيهِ بِلَا خِلَافٍ وَلَكِنْ يُكْرَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ وَحَكَى صَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَجْهَيْنِ ثَانِيهمَا لَا يُكْرَهُ قَالَا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُعْتَبَرُ فِي الْكَفَنِ الْمُبَاحِ حَالُ الْمَيِّتِ فَإِنْ كَانَ مُكْثِرًا مِنْ الْمَالِ فَمِنْ جِيَادِ الثِّيَابِ وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا فَأَوْسَطُهَا وَإِنْ كَانَ مُقِلًّا فَخَشِنُهَا هَذِهِ عِبَارَةُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَغَيْرِهِمَا. الثَّالِثَةُ: يُسْتَحَبُّ تَبْخِيرُ الْكَفَنِ إلَّا فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ وَالْمُحْرِمَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا صِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَ الْكَفَنَ عَلَى عُودٍ وَغَيْرِهِ ثُمَّ يُبَخَّرُ كَمَا يُبَخَّرُ ثِيَابُ الْحَيِّ حَتَّى تَعْبَقَ بِهَا رَائِحَةُ الطِّيبِ قَالَ أَصْحَابُنَا ويستحب أن يكون الطيب عوداو كون الْعُودُ غَيْرَ مُطَيَّبٍ بِالْمِسْكِ فَإِنْ كَانَ مُطَيَّبًا به جاز ويستحب تطييبه ثلاثاً للحديث» اهـ.

стр. 3134

قُلْتُ: وحجة من لم ير صحة صلاة الجنازة بالكفن النجس أنَّ الميت يعامل معاملة المصلي من حيث الطهارة والستارة. ٤ - وفيه الوتر بالكفن. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٤/ ٣٠٠): «وَالْوِتْرُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ فِي الْكَفَنِ، وَكُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ. وَالْمُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْبَيَاضُ» اهـ. ٥ - ظاهر الحديث أنَّ الثياب التي مات فيها النبي ﷺ وغسل فيها نزعت منه عند تكفينه إذ لو كانت باقية لذكرت في جملة أكفانه. ويدل على ذلك ما رواه مسلم (٢٠٨٠) عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا إِزَارًا غَلِيظًا مِمَّا يُصْنَعُ بِالْيَمَنِ، وَكِسَاءً مِنَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْمُلَبَّدَةَ، قَالَ: «فَأَقْسَمَتْ بِاللهِ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قُبِضَ فِي هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ». قُلْتُ: ولو كانت ثيابه بقت عليه عند تكفينه لما كانت عند عائشة ﵂ بعد موته. * * *

стр. 3135

١٥٦ - عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا ثَلاثاً، أَوْ خَمْساً، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ - إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ - بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الأَخِيرَةِ كَافُوراً - أَوْ شَيْئاً مِنْ كَافُورٍ - فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي". فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ. فَأَعْطَانَا حَقْوَهُ. وَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا بِهِ" - تَعْنِي إزَارَهُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «"أَوْ سَبْعاً"، وَقَالَ: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا" وَإِنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: وَجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ». قوله: «أَشْعِرْنَهَا بِهِ» أي: اجعلنه شعارها وهو الثوب الذي يلي الجسد وسمي شعاراً لأنَّه يلي شعر الجسد. قُلْتُ: وحديث أم عطية هذا هو أصل باب غسل الميت وعليه اعتمد العلماء في هذه المسألة. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٣):

стр. 3136

«ولست أعلم في غسل الميت حديثاً جعله العلماء أصلاً في ذلك إلَّا حديث أم عطية الأنصارية هذا فعليه عدلوا في غسل الموتى» اهـ. وفي الحديث مسائل منها: ١ - وجوب غسل الميت المسلم إذ أنَّ الأصل في الْأمر الوجوب وهو من فروض الكفايات وأمَّا قوله: «إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ». فإنَّه راجع إلى العدد لا إلى أصل الغسل. ومما يدل على وجوب غسل الميت ما رواه البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ - أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا». قُلْتُ: ولا يدخل في هذا شهيد المعركة بين المسلمين والكفار فإنَّهم يدفنون في دمائهم لما رواه البخاري (١٣٤٦) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ» - يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ - وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. وقد خالف في ذلك سعيد بن المسيب والحسن البصري فذهبا إلى تغسيل شهيد المعركة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ١١): «مسألة؛ قال: "والشهيد إذا مات في موضعه، لم يغسل، ولم يصل عليه" يعني إذا مات في المعترك، فإنَّه لا يغسل، رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، ولا

стр. 3137

نعلم فيه خلافاً، إلَّا عن الحسن، وسعيد بن المسيب، قالا: يغسل الشهيد، ما مات ميت إلَّا جنباً. والاقتداء بالنبي ﷺ وأصحابه في ترك غسلهم أولى» اهـ. قُلْتُ: وذهب بعض العلماء إلى غسل الشهيد إذا مات جنباً واحتجوا بما رواه ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٧٠٢٥)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٤٩١٧)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٦٠٥)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٢٠٣٦) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ مَوْلَى ثَقِيفٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: وَقَدْ كَانَ النَّاسُ انْهَزَمُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَى بَعْضُهُمْ إِلَى دُونِ الْأَعْرَاضِ عَلَى جَبَلٍ بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ كَانَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الْتَقَى هُوَ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَلَمَّا اسْتَعْلَاهُ حَنْظَلَةُ رَآهُ شَدَّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، فَعَلَاهُ شَدَّادٌ بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهُ، وَقَدْ كَادَ يَقْتُلُ أَبَا سُفْيَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ صَاحِبَكُمْ حَنْظَلَةَ تُغَسِّلُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَسَلُوا صَاحِبَتَهُ»، فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ لَمَّا سَمِعَ الْهَائِعَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَذَاكَ قَدْ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ وهو مرسل صحابي ومراسيل الصحابة الذين مات النبي ﷺ وهم في سن التمييز حجة عند الجمهور. وقد اختلف في الحديث على ابن إسحاق:

стр. 3138

فرواه أبو نعيم في [حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ] (١/ ٣٥٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، ثَنَا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ النُّفَيْلِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، أَخِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ الْتَقَى هُوَ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمَّا اسْتَعْلَاهُ حَنْظَلَةُ رَآهُ شَدَّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ شَعْوَبٍ، قَدْ عَلَا أَبَا سُفْيَانَ فَضَرَبَهُ شَدَّادٌ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ صَاحِبَكُمْ - يَعْنِي حَنْظَلَةَ - لَتُغَسِّلُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَاسْأَلُوا أَهْلَهُ: مَا شَأْنُهُ؟»، فَسَأَلْتُ صَاحِبَتَهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ حِينَ سَمِعَ الْهَاتِفَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ. ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٦٠٦) فقال: وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الْأَصَمُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ صَاحِبَكُمْ تَغُسِّلُهُ الْمَلَائِكَةُ»، يَعْنِي حَنْظَلَةَ، «فَاسْأَلُوا أَهْلَهَ مَا شَأْنُهُ»، فَسُئِلَتْ صَاحِبَتُهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ حِينَ سَمِعَ الْهَائِعَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ». قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ وحديث محمد بن مسلمة الباهلي عن ابن إسحاق أصح. والله أعلم. وله شاهد من حديث أنس ﵁.

стр. 3139

فروى الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٦٩٧٧)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (٣٤١٠) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «افْتَخَرَ الْحَيَّانِ مِنَ الْأَنْصَارِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، فَقَالَتِ الْأَوْسُ: مِنَّا مَنِ اهْتَزَّ لِمَوْتِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَمِنَّا مَنْ حَمَتْهُ الدِّبْرُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْأَفْلَحِ، وَمِنَّا مَنْ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ حَنْظَلَةُ بْنُ الرَّاهِبِ، وَمِنَّا مَنْ أُجِيزَتٍ شَهَادَتُهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّونَ: مِنَّا أَرْبَعَةٌ جَمَعُوا الْقُرْآنَ لَمْ يَجْمَعْهُ غَيْرُهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو زَيْدٍ». قُلْتُ: طريق الحاكم حسنة، وفي طريق الطبراني محمد بن عثمان بن أبي شيبة وهو مقدوح فيه. وله شاهد من حديث ابن عباس ﵁. رواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١١٩٢٦)، والبيهقي في [الْمَعْرِفَة] (٢٢٠٢) مِنْ طَرِيْقِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ الْمُطَّلِبِ، وَحَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِبِ أُصِيبَا يَوْمَ أُحُدٍ وَهُمَا جُنُبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُمَا». قُلْتُ: القاسم شديد الضعف كذبه الدارقطني، وَقَالَ الذَّهَبِي في [تَارِيْخِ الْإِسْلَامِ] (١٧/ ٢٩٨): «القاسم بْن محمد بْن أَبِي شَيْبَة. أخو أَبِي بَكْر، وعثمان. ضعيف الحديث بمرّة» اهـ.

стр. 3140

وشريك هو النخعي ضعيف أيضاً، والحجاج بن أرطأة ضعيف ومدلس وقد عنعن. وروى ابن سعد في [الطَّبَقَاتِ] (٢٧٨٥) قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ. قَالَ حَدَّثَنِي أَشْعَثُ قَالَ: سُئِلَ الْحَسَنُ أَيُغَسَّلُ الشُّهَدَاءُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ وَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «لَقَدْ رَأَيْتُ الْمَلائِكَةَ تَغْسِلُ حَمْزَةَ». قُلْتُ: وهو مرسل من مراسيل الحسن. فلا يثبت الحديث في شأن حمزة ﵁. وله شاهد أيضاً من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. قَالَ الطَّحَاوِي فِي [شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ] (٤١٧٤) وَوَجَدْنَا أَبَا أُمَيَّةَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ التَّمَّارُ، وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ، قَالَ لِأُمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَهِيَ تَبْكِي عَلَيْهِ: انْظُرِي مَا تَقُولِينَ يَا أُمَّ سَعْدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دَعْهَا يَا عُمَرُ، كُلُّ نَائِحَةٍ مُكَذَّبَةٌ إِلَّا أُمَّ سَعْدٍ، مَا قَالَتْ مِنْ خَيْرٍ، فَلَنْ تَكْذِبَ» ثُمَّ احْتُمِلَ فَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ، فَتَغَيَّرَ لَوْنُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كُنْتَ لَتَقْطَعُنَا، يَعْنُونَ فِي السُّرْعَةِ، قَالَ: «خَشِيتُ أَنْ تَسْبِقَنَا الْمَلَائِكَةُ إِلَى غُسْلِهِ كَمَا سَبَقَتْنَا إِلَى غُسْلِ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ … ». الحديث.

стр. 3141

قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ فأبو أمية عبد الله بن محمد بن خلاد الوسطي ذكره ابن حبان في "الثقات"، ويعقوب ضعيف الحديث، وعبد العزيز بن عمران متروك الحديث لكنه متابع، ومن تابعاه لم أقف لهما على جرح ولا تعديل. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ١٤): «فصل: فإن كان الشهيد جنباً غسل، وحكمه في الصلاة عليه حكم غيره من الشهداء. وبه قال أبو حنيفة. وَقَالَ مالك: لا يغسل؛ لعموم الخبر. وعن الشافعي كالمذهبين» اهـ. قُلْتُ: وذهب إلى هذا أيضاً الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فقد قال في [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٢١٤): «ومنها: أنَّه إذا كان جنباً، غسل كما غسَّلت الملائكة حنظلة بن أبي عامر» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢٦٣): «قال أصحابنا ﵏ ولو ثبت فالجواب عنه أنَّ الغسل لو كان واجباً لما سقط بفعل الملائكة ولأمر النبي ﷺ بغسله ولهذا احتج القاضي حسين والبغوي بهذا الحديث لترك الغسل وهذا الجواب مشهور في كتب الأصحاب قال القاضي أبو الطيب قال ابن سريج رداً لهذا الجواب فينبغي أن يجب تكفينه لو كفنته الملائكة بالسندس قال القاضي والجواب: أنا لو شاهدنا تكفينه وستر عورته لم نزد علي ذلك لأنَّ المقصود ستره وقد حصل "وأمَّا" الغسل فالمطلوب منه تعبد الآدمي به وذكر الشيخ نصر المقدسي نحو هذا وأما الْمُصَنِّفُ

стр. 3142

فقال في كتابه: لو صلت عليه الملائكة أو كفنته في السندس لم يكتف به والله أعلم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ في [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٥/ ٢٩٠): «أمَّا ما يذكر من أن حنظلة بن عبد الله ﵁ غسلته الملائكة، فهذا إن صح فليس فيه دليل على أنَّه يغسله البشر؛ لأنَّ تغسيل الملائكة له ليس شيئاً محسوساً بماء يطهر، بل إن صح فهو من باب الكرامة، وليس من باب التكليف. فالصحيح أنَّه لا يغسل، سواء أكان جنباً أم غير جنب؛ لعموم الأدلة، ولأنَّ الشهادة تكفر كل شيء، ولو قلنا بوجوب تغسيله إذا كان جنباً لقلنا بوجوب وضوئه إذا كان محدثاً حدثاً أصغر؛ ليكون على طهارة، ولم يقولوا به» اهـ. قُلْتُ: والقول بتغسيله له قوته وهو الذي يظهر لي رجحانه. وأمَّا من قتل مظلوماً على أيدي البغاة أو الخوارج أو الصائلين فقد اختلف العلماء في تغسيلهم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَبْدِ الْبَّرِ ﵀ في [الْتَمْهِيْدِ] (٢٤/ ٢٤٥): «واختلفوا في غسل من قتل مظلوماً كقتيل الخوارج وقطاع السبيل واللصوص وما أشبه ذلك ممن قتل مظلوماً فقال مالك: لا يغسل إلَّا من قتله الكفار ومات في المعترك هذا وحده وأمَّا من قتل في فتنة أو ثائرة أو قتله اللصوص أو البغاة أو قتل قوداً أو قتل نفسه وكل مقتول غير المقتول في المعترك قتيل الكفار فإنَّه يغسل ويصلى عليه.

стр. 3143

وَقَالَ أبو حنيفة والثوري: كل من قتل مظلوماً لم يغسل ولكنه يصلى عليه وعلى كل شهيد وهو قول سائر أهل العراق. ورووا من طرق كثيرة صحاح عن زيد بن صوحان أنَّه قال: لا تنزعوا عني ثوباً ولا تغسلوا عني دماً وادفنوني في ثيابي. وقد روي عنه إلَّا الخفين. وقتل زيد بن صوحان يوم الجمل وثبت عن عمار بن ياسر أنَّه قال مثل قول زيد بن صوحان وقتل عمار بصفين سنة سبع وثلاثين وصلى عليه علي ولم يغسله. وروى هشام بن حسان عن محمد بن سيرين في خبر حجر بن عدي بن الأدبر أنَّه قال: لا تطلقوا عني حديداً ولا تغسلوا عني دماً وادفنوني في ثيابي فإنِّي لاق معاوية بالجادة وإنِّي مخاصم. وللشافعي في ذلك قولان أحدهما يغسل جميع الموتى إلَّا من قتله أهل الحرب والآخر لا يغسل قتيل البغاة. وقول أحمد بن حنبل في هذا الباب كله كقول مالك سواء». وَقَالَ ﵀ (٢٤/ ٢٤٦): «غسل الموتى قد ثبت بالإجماع ونقل الكافة فواجب غسل كل ميت إلَّا من أخرجه إجماع أو سنة ثابتة وهذا قول مالك والله الموفق للصواب» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٢٠): «فصل: ومن قتل من أهل العدل في المعركة، فحكمه في الغسل والصلاة عليه، حكم من قتل في معركة المشركين؛ لأنَّ علياً لم يغسل من قتل معه، وعمار أوصى أن لا يغسل، وقال: ادفنوني في ثيابي، فإنِّي مخاصم.

стр. 3144

قال أحمد: قد أوصى أصحاب الجمل: إنَّا مستشهدون غداً، فلا تنزعوا عنا ثوباً، ولا تغسلوا عنَّا دماً. ولأنَّه شهيد المعركة، أشبه قتيل الكفار. وهذا قول أبي حنيفة. وَقَالَ الشافعي، في أحد قوليه: يغسلون؛ لأنَّ أسماء غسلت ابنها عبد الله بن الزبير. والأول أولى؛ لما ذكرناه، وأمَّا عبد الله بن الزبير فإنَّه أخذ وصلب، فهو كالمقتول ظلماً، وليس بشهيد المعركة. وأمَّا الباغي، فقال الخرقي: من قتل منهم، غسل، وكفن، وصلي عليه. ويحتمل إلحاقه بأهل العدل؛ لأنَّه لم ينقل إلينا غسل أهل الجمل وصفين من الجانبين، ولأنَّهم يكثرون في المعترك، فيشق غسلهم، فأشبهوا أهل العدل. فأمَّا الصلاة على أهل العدل، فيحتمل أن لا يصلى عليهم؛ لأننا شبهناهم بشهداء معركة المشركين في الغسل، فكذلك في الصلاة، ويحتمل أن يصلى عليهم؛ لأنَّ علياً ﵁ صلى عليهم» اهـ. وَقَالَ ﵀ (٥/ ٢١): «فصل: فأمَّا من قتل ظلماً، أو قتل دون ماله، أو دون نفسه وأهله، ففيه روايتان: إحداهما، يغسل. اختارها الخلال، وهو قول الحسن، ومذهب الشافعي، ومالك؛ لأنَّ رتبته دون رتبة الشهيد في المعترك، فأشبه المبطون؛ ولأنَّ هذا لا يكثر القتل فيه، فلم يجز إلحاقه بشهداء المعترك.

стр. 3145

والثانية، لا يغسل، ولا يصلى عليه. وهو قول الشعبي، والأوزاعي، وإسحاق في الغسل؛ لأنَّه قتل شهيداً، أشبه شهيد المعترك، قال النبي ﷺ : "من قتل دون ماله فهو شهيد"» اهـ. قُلْتُ: أثر عمار رواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١١١١، ٣٣٤٧٨)، وابن سعد في [الطَبَقَاتِ] (٣٧٥٠) مِنْ طَرِيْقِ وَكِيعٌ، قَالَ: نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَابِسٍ، عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: «ادْفِنُونِي فِي ثِيَابِي، فَإِنِّي مُخَاصِمٌ». قُلْتُ: وقد تابع وكيعاً على ذلك حفص بن غياث كما روى ذلك ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤٣/ ٤٧٨)، وعبدة بن سليمان روى حديثه أيضاً ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤٣/ ٤٧٧). ورواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١١١٢، ٣٣٤٧٧)، وابن أبي عاصم في [الآحَادِ وَالْمَثَانِي] (٢٧٠)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤٣/ ٤٧٨) مِنْ طَرِيْقِ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ عَابِسٍ، يُخْبِرُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: «ادْفِنُونِي فِي ثِيَابِي فَإِنِّي مُخَاصِمٌ». وزاد عيسى بن يونس قيساً بين يحيى بن عابس، وعمار. وتابعه على ذلك محمد بن فضيل كما روى ذلك ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤٣/ ٤٧٧). ورواه الفسوي في [الْمَعْرِفَة] (٢/ ٣٣٤)، والبيهقي في [سُنَنِه الْكُبْرَى] (٦٦١٤، ١٦٥٤٨)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤٣/ ٤٧٧) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، يَقُولُ: قَالَ عَمَّارٌ: «ادْفِنُونِي فِي ثِيَابِي فَإِنِّي مُخَاصِمٌ».

стр. 3146

قُلْتُ: ولم يذكر شعبة يحيى بن عابس. ويحيى بن عابس لم يوثقه غير ابن حبان ورواية وكيع وحفص وعبدة بن سليمان المنقطعة أصح من رواية غيرهم. والله أعلم. ورواه ابن سعد في [الطَّبَقَاتِ] (٣٧٥١)، ومن طريقه ابن عساكر ﵀ في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤٣/ ٤٧٨) مِنْ طَرِيْقِ الْفَضْلِ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شريك عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ مَثْنَى الْعَبْدِيِّ عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُمْ شَهِدُوا عَمَّارًا قَالَ: «لا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا وَلا تَحْثُوا عَلَيَّ تُرَابًا فَإِنِّي مُخَاصِمٌ». قُلْتُ: مثنى العبدي هو ابن بلال ذكره ابن حبان في الثقات وشيوخه مبهمون. وقد وهم فيه شريك بن أبي نمر فليس هذا من كلام عمار وإنَّما من كلام زيد بن صحوان كما سيأتي في رواية علي بن مسهر. وروى ابن سعد في [الطَّبَقَاتِ] (٣٧٥٣)، ومن طريقه ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤٣/ ٤٧٩) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ: «أَنَّ عَلِيًّا صَلَّى عَلَى عَمَّارٍ وَلَمْ يَغْسِلْهُ». قُلْتُ: محمد بن عمر هو الواقدي متروك، والحسن بن عمارة متروك أيضاً، وفي الإسناد انقطاع أيضاً فإنَّ عاصماً لم يشهد ذلك. قُلْتُ: وخلاصة القول: أنَّ أثر عمار لا يصح. والله أعلم. وأمَّا أثر حجر بن عدي ﵁. فرواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٦٣٩، ٩٥٨٥)، وابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١١٠٤، ٣٣٤٧٦)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٥٩٧٩، ٥٩٨١)

стр. 3147

مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بِقَتْلِ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ، فَقَالَ حُجْرٌ: «لَا تَحُلُّوا عَنِّي قَيْدًا - أَوْ قَالَ -: حَدِيدًا وَكَفِّنُونِي بِثِيَابِي وَدَمِي». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين ابن سيرين وحجر. وأمَّا أثر زيد بن صُحوان التابعي الجليل. فرواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١١٠٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الْمُثَنَّى، عَنْ بِلَالٍ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْيَاخُنَا الَّذِينَ كَانُوا شَهِدُوا زَيْدَ بْنَ صُوحَانَ حِينَ أُصِيبَ يَوْمَ الْجَمَلِ، قَالَ: «شُدُّوا عَلَيَّ ثِيَابِي، وَلَا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا، فَإِنِّي رَجُلٌ مُخَاصِمٌ». قُلْتُ: المثنى العبدي ذكره ابن حبان في الثقات وشيوخه مبهمون. وقد روى هذا شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أبي إسحاق الشيباني عن مثنى العبدي عن أشياخ لهم شهدوا عماراً قال: «لا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا وَلا تَحْثُوا عَلَيَّ تُرَابًا فَإِنِّي مُخَاصِمٌ». وحديث علي بن مسهر أصح. ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٦٤٠)، وابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١١٠٧، ٣٣٤٧٥، ٣٣٤٧٩) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَوَّلِ بْنِ رَاشِدٍ النَّهْدِيِّ، عَنِ الْعَيْزَارِ بْنِ حُرَيْثٍ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ يَوْمَ الْجَمَلِ: «ارْمُسُونِي فِي الْأَرْضِ رَمْسًا وَلَا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا، وَلَا تَنْزِعُوا عَنِّي ثَوْبًا إِلَّا الْخُفَّيْنِ، فَإِنِّي مُحَاجٌّ أُحَاجُّ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين العيزار وابن صحوان. ورواه ابن أبي شيبة أيضاً في [الْمُصَنَّفِ] (١١١٠٨، ٣٣٤٨٠) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، وَسُفْيَانُ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ الْمُثَنَّى، قَالَ سُفْيَانُ: عَنْ رَجُلٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ

стр. 3148

صُوحَانَ، وَقَالَ مِسْعَرٌ: عَنْ مُصْعَبِ بْنِ الْمُثَنَّى، أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْجَمَلِ: «ادْفِنُونَا وَمَا أَصَابَ الثَّرَى مِنْ دِمَائِنَا». ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٦٤١) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مُصْعَبٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ وَلَدِ زَيْدٍ قَالَ: «ادْفِنُونَا وَمَا أَصَابَ الثَّرَى مِنْ دِمَائِنَا». قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَمَّارٌ الدُّهْنِيُّ قَالَ: قَالَ زَيْدٌ: «شُدُّوا عَلَيَّ ثِيَابِي وَادْفِنُونِي وَابْنَ أُمِّي فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ يَعْنِي أَخَاهُ سَرْحَانَ، فَإِنَّا قَوْمٌ مُخَاصَمُونَ». قُلْتُ: مصعب بن المثنى جهله أبو حاتم ولم يسمعه من زيد كما في رواية ابن عيينة وإنَّما عن رجل مبهم عنه. قُلْتُ: الذي يظهر لي هو وجوب تغسيل كل من مات من المسلمين إلَّا شهيد المعركة بين المسلمين والكفار، ولم يأت فيما سوى ذلك ما يعتمد عليه والله أعلم. والكافر لا يغسل على الصحيح سواء كان حربياً أو ذمياً خلافاً للشافعي وأبي حنيفة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٩٣): «وَإِنْ مَاتَ كَافِرٌ مَعَ مُسْلِمِينَ، لَمْ يُغَسِّلُوهُ، سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا لَهُمْ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا يَتَوَلَّوْا دَفْنَهُ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدُوا مَنْ يُوَارِيهِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: يَجُوزُ لَهُ غُسْلُ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ، وَدَفْنُهُ. وَحَكَاهُ قَوْلًا لِأَحْمَدَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قُلْت لِلنَّبِيِّ ﷺ : إنَّ عَمَّك الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اذْهَبْ فَوَارِهِ".

стр. 3149

وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَلَا يَدْعُو لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ غُسْلُهُ، وَتَوَلِّي أَمْرِهِ، كَالْأَجْنَبِيِّ، وَالْحَدِيثُ إنْ صَحَّ يَدُلُّ عَلَى مُوَارَاتِهِ لَهُ، وَذَلِكَ إذَا خَافَ مِنْ التَّعْيِيرِ بِهِ، وَالضَّرَرِ بِبَقَائِهِ. قَالَ أَحْمَدُ، ﵀، فِي يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ مَاتَ، وَلَهُ وَلَدٌ مُسْلِمٌ: فَلْيَرْكَبْ دَابَّةً، وَلْيَسِرْ أَمَامَ الْجِنَازَةِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْفِنَ رَجَعَ، مِثْلُ قَوْلِ عُمَرَ ﵁.» اهـ. وَقَالَ الْدِرْدِيْرُ الْمَالِكَيُّ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْكَبِيْرِ] (١/ ٤٠٨) «وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ طَلَبَ غُسْلِ الْمَيِّتِ تَعَبُّدِيٌّ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ وَقَوْلُهُ وَقِيلَ لِلنَّظَافَةِ لَمْ يَقُلْ بِهِ إلَّا ابْنُ شَعْبَانَ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ غُسْلُ الذِّمِّيِّ وَعَدَمُ غُسْلِهِ فَمَالِكٌ يَقُولُ لَا يُغَسِّلُ الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْكَافِرَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا بَأْسَ أَنْ يُغَسِّلَ الْمُسْلِمُ قَرَابَتَهُ الْمُشْرِكِينَ وَيَدْفِنَهُمْ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ الْغُسْلُ تَعَبُّدٌ أَوْ لِلنَّظَافَةِ؟ فَعَلَى التَّعَبُّدِ لَا يَجُوزُ غُسْلُ الْكَافِرِ وَعَلَى النَّظَافَةِ يَجُوزُ» اهـ. قُلتُ: أمر النبي ﷺ بقتلى بدر فألقوا في القليب ولم يغسلهم. ٢ - وأخذ منه الكوفيون وأهل الظاهر والمزني إيجاب الثلاث. قُلْتُ: والذي عليه أكثر العلماء أنَّ الواجب هي الغسلة الواحدة التي تعم البدن وحديث الذي وقصته ناقته يدل على ذلك فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يأمرهم بالثلاث الغسلات. ٣ - وفيه استحباب الوتر في الغسلات. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (١/ ٣٧٧):

стр. 3150

«وَالْوَتْرُ عِنْدَهُمْ فِي الْغَسَلَاتِ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَلَيْسَ الْوَتْرُ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ كَالْوَتْرِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ» اهـ. قُلْتُ: أوجب ذلك ابن حزم. ٤ - وقوله: «أَوْ سَبْعَاً». احتج به من قال أنَّ منتهى الغسل سبع غسلات. قُلْتُ: وهو قول أكثر العلماء. لكن يشكل ذلك مع قوله: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ». رواها البخاري (١٢٥٩)، ومسلم (٩٣٩) فهو ظاهر في مشروعية الزيادة على سبع. وقد بوَّب عليه النسائي (٤/ ٣١) بقوله: «غَسْلُ الْمَيِّتِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٢/ ٤٩٢): «قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَالْأَصْحَابُ. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ وَنَقَلَ ابْنُ وَاصِلٍ: يُزَادُ إلَى خَمْسٍ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُزَادُ عَلَى سَبْعٍ إلَى أَنْ يَنْفِيَ، وَيَقْطَعُ عَلَى وِتْرٍ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ: إنَّمَا يَذْكُرُ أَصْحَابُنَا ذَلِكَ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ غَالِبًا، وَلِذَلِكَ لَمْ يُسَمِّ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فَوْقَهَا عَدَدًا، وَقَوْلُ أَحْمَدَ " لَا يُزَادُ عَلَى سَبْعٍ " مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ عَلَى مَا إذَا غَسَلَ غُسْلًا مُنَقِّيًا إلَى سَبْعٍ ثُمَّ خَرَجَتْ مِنْهُ نَجَاسَةٌ. انْتَهَى. قُلْت: قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ "اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ"» اهـ.

стр. 3151

وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَّرِ ﵀ فِي [الْتَّمْهِيْدِ] (١/ ٣٧٣) «وَأَمَّا رِوَايَةُ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ فَإِنَّ ذِكْرَ السَّبْعِ وَمَا فَوْقَهَا لَا يُوجَدُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ قَالَ بِمُجَاوَزَةِ سَبْعِ غَسَلَاتٍ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ هَذَا الْحَدِيثَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغَسَلَاتِ لَا يُتَجَاوَزُ بِهَا سَبْعٌ وَذَلِكَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ» اهـ. ٥ - استحباب غسل الميت بالماء والسدر. وظاهره في كل غسلة ما عدا الأخيرة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٧٣): «مسألة؛ قال: "ويكون في كل المياه شيء من السدر، ويضرب السدر فيغسل برغوته رأسه ولحيته". هذا المنصوص عن أحمد قال صالح: قال أبي: الميت يغسل بماء وسدر، ثلاث غسلات، قُلْتُ: فيبقى عليه؟ قال: أي شيء يكون هو أنقى له. وذكر عن عطاء، أنَّ ابن جريج قال له: إنَّه يبقى عليه السدر إذا غسل به كل مرة. فقال عطاء: هو طهور. وفي رواية أبي داود عن أحمد، قال: قلت، يعني لأحمد: أفلا تصبون ماء قراحاً ينظفه؟ قال: إن صبوا فلا بأس» اهـ. قُلْتُ: وتدخل الغسلة الأولى في ذلك خلافاً لمالك. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِي ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٢/ ٤):

стр. 3152

«وَقَوْلُهُ: "بِمَاءٍ وَسِدْرٍ" عَلَى مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْغُسْلِ وَالتَّنْظِيفِ؛ لِأَنَّ السِّدْرَ غَاسُولٌ وَهَذَا إذَا وُجِدَ فَإِنْ عُدِمَ فَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِمَّا يُعِينُ عَلَى التَّنْظِيفِ وَالْغُسْلِ كَالْأُشْنَانِ وَالنَّطْرُونِ وَغَيْرِهِمَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِالْمَاءِ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا. فَأَمَّا الْأُولَى فَإِنَّمَا تَكُونُ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ فَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ يُغَسَّلُ أَوَّلًا بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ، ثُمَّ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ وَيُحْتَسَبُ بِذَلِكَ غَسْلَةً وَاحِدَةً وَقَوْلُ مَالِكٍ إنَّ الْغُسْلَ أَوَّلًا هُوَ الْفَرْضُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّنْظِيفِ وَالتَّطْيِيبِ فَلَا يَضُرُّهُ مَا خَالَطَهُ مِمَّا يَزِيدُ فِي تَنْظِيفِهِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ فَرْضَ الْغُسْلِ إنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمُبَالَغَةِ فِي تَنْظِيفِهِ مِنْ الْأَقْذَارِ وَغَيْرِهَا كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ» اهـ. قُلْتُ: استعمال السدر مستحب ولا يجب في قول أكثرهم. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٣): «قَوْلُهُ ﷺ (بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ السِّدْرِ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَيَكُونُ فِي الْمَرَّةِ الْوَاجِبَةِ وَقِيلَ يَجُوزُ فِيهِمَا» اهـ. قُلْتُ: أَوْجَبَ ذلك ابْنُ حَزْمٍ فقد قال في [الْمُحَلَّى] (٣/ ٣٤٣): «مَسْأَلَةٌ: وَصِفَةُ الْغُسْلِ أَنْ يَغْسِلَ جَمِيعَ جَسَدِ الْمَيِّتِ وَرَأْسَهُ بِمَاءٍ قَدْ رُمِيَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ سِدْرٍ وَلَا بُدَّ، إنْ وُجِدَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَبِالْمَاءِ وَحْدَهُ -: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَا بُدَّ، يُبْتَدَأُ بِالْمَيَامِنِ، وَيُوَضَّأُ -: فَإِنْ أَحَبُّوا الزِّيَادَةَ فَعَلَى الْوِتْرِ أَبَدًا: إمَّا ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، وَإِمَّا

стр. 3153

خَمْسُ مَرَّاتٍ، وَإِمَّا سَبْعُ مَرَّاتٍ وَيَجْعَلُ فِي آخِرِ غَسَلَاتِهِ - إنْ غُسِّلَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ - شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ وَلَا بُدَّ فَرْضًا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَلَا حَرَجَ، لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ كُلِّهِ -» اهـ. قُلْتُ: والحجة معه في وجوب السدر، ولا أعلم صارفاً له. ويلحق بالسدر غيره من المنظفات. ٦ - واحتج بذلك من قال: إنَّ غسل الميت للنظافة وقد ذهب إلى ذلك بعض المالكية، وذهب الإمام مالك أنَّ ما زاد على الأولى للنظافة كما سبق. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٢٦): «والمشهور عند الجمهور أنَّه غسل تعبدي يشترط فيه ما يشترط في بقية الأغسال الواجبة والمندوبة» اهـ. ٧ - وفيه استحباب جعل الكافور في الغسلة الأخيرة. وأوجب ذلك ابن حزم كما مضى عند كلامنا على السدر والأظهر عدم الوجوب لأنَّ النبي ﷺ لم يأمر به في شأن من وقصته ناقته. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٢٩): «وظاهره جعل الكافور في الماء وبه قال الجمهور وَقَالَ النخعي والكوفيون إنَّما يجعل في الحنوط أي بعد انتهاء الغسل والتجفيف قيل الحكمة في الكافور مع كونه يطيب رائحة الموضع لأجل من يحضر من الملائكة وغيرهم أنَّ فيه تجفيفاً وتبريداً وقوة نفوذ وخاصية في تصليب بدن الميت وطرد الهوام عنه وردع ما يتحلل من الفضلات ومنع إسراع الفساد إليه وهو أقوى الأراييح الطيبة في ذلك وهذا هو السر في جعله في الأخيرة إذ لو كان في الأولى مثلاً لأذهبه الماء وهل يقوم المسك

стр. 3154

مثلاً مقام الكافور إن نظر إلى مجرد التطيب فنعم وإلَّا فلا وقد يقال إذا عدم الكافور قام غيره مقامه ولو بخاصية واحدة مثلاً» اهـ. قُلْتُ: وهذا الأخير هو الذي يظهر لي والله أعلم. ٨ - وفيه استحباب جعل الإزار في تكفين المرأة. ٩ - وفيه جواز تكفين المرأة بثوب الرجل. ١٠ - وفيه جواز لبس المرأة لإزار الرجل تحت الثياب ولا يعد هذا من التشبه بالرجال لحصول المخالفة في هيئة اللبس. والله أعلم. ١١ - وفيه جواز التبرك بآثار النبي ﷺ . قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٢٩): «قيل الحكمة في تأخير الإزار معه إلى أن يفرغن من الغسل ولم يناولهن إياه أولاً ليكون قريب العهد من جسده الكريم حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل» اهـ. ١٢ - وفيه أنَّ ميتة الآدمي ليست نجسة إذ لو كانت نجسة لما طهرت بالماء كسائر الميتات. وذهب أبو حنيفة وبعض المالكية، وأحد القولين للشافعي وأحمد إلى نجاسته. ١٣ - وفيه استحباب البداءة بالميامن ومواضع الوضوء في غسل الميت. ١٤ - وفيه أنَّه يستحب للغاسل أن يوضأ الميت وظاهره مع المضمضة والاستنشاق. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٣١):

стр. 3155

«واستدل به على استحباب المضمضة والاستنشاق في غسل الميت خلافاً للحنفية بل قالوا لا يستحب وضوؤه أصلاً وإذا قلنا باستحبابه فهل يكون وضوءاً حقيقياً بحيث يعاد غسل تلك الأعضاء في الغسل أو جزءاً من الغسل بدئت به هذه الأعضاء تشريفاً الثاني أظهر من سياق الحديث» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٤١): «وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَنْجَاهُ، وَأَزَالَ عَنْهُ النَّجَاسَةَ، بَدَأَ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَضَّأَهُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، فَيَغْسِلُ كَفَّيْهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ خِرْقَةً خَشِنَةً فَيَبُلُّهَا وَيَجْعَلُهَا عَلَى أُصْبُعِهِ، فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ وَأَنْفَهُ، حَتَّى يُنَظِّفَهُمَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي رِفْقٍ، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ، وَيُتِمُّ وُضُوءَهُ، لِأَنَّ الْوُضُوءَ يُبْدَأُ بِهِ فِي غُسْلِ الْحَيِّ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنِّسَاءِ اللَّاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ: "فَإِذَا فَرَغْتِ مِنْ غَسْلِ سُفْلَتِهَا غَسْلًا نَقِيًّا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، فَوَضِّئِيهَا وُضُوءَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ اغْسِلِيهَا" وَلَا يُدْخِلُ الْمَاءَ فَاهُ، وَلَا مَنْخَرَيْهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. كَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُمَضْمِضُهُ وَيُنَشِّقُهُ كَمَا يَفْعَلُ الْحَيُّ. وَلَنَا، أَنَّ إدْخَالَ الْمَاءِ فَاهُ وَأَنْفَهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ وُصُولُهُ إلَى جَوْفِهِ، فَيُفْضِي إلَى الْمُثْلَةِ بِهِ، وَلَا يُؤْمَنُ خُرُوجُهُ فِي أَكْفَانِهِ» اهـ. قُلْتُ: والوضوء يكون مرة واحدة في أول الغسل ولا يكرر مع كل غسلة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٧٧): «قال أحمد: ويوضأ الميت مرة واحدة في الغسلة الأولى.
следующие страницы →