Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً التَّسْلِيمَةُ الْوَاحِدَةُ عَلَى الْجِنَازَةِ».
قُلْتُ: عبد الله بن غنام، ويقال عبيد بن غنام لم أقف له على جرح ولا تعديل، وهكذا والده غنام، وأبو العنبس هو سعيد بن كثير، وأبوه لا يعرف حاله.
ورواه الْدَارَقُطْنِي (١٨١٧) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ الْبُهْلُولِ، ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ عَمْرٍو الْعَنْقَزِيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِي الْعَنْبَسِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً».
قُلْتُ: العنقزي لين الحديث، وإبراهيم بن إسماعيل لم أقف له على جرح ولا تعديل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٥٠٩):
«قال الْإِمَام أحمد في رواية الأثرم: هذا الحديث عندي موضوع، ذكره الخلال في "الْعِلَلِ"» اهـ.
وروى عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٤٢٨، ٦٤٤٣)، ومن طريقه ابن الجارود في [الْمُنْتَقَى] (٥٤٠)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣٠٩٣، ٣١٠٩) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سُهَيْلِ بْنِ حُنَيْفٍ يُحَدِّثُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ أَنْ يُكَبِّرَ، ثُمَّ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ، وَلَا يَقْرَأَ إِلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، ثُمَّ يُسَلِّمَ فِي نَفْسِهِ عَنْ يَمِينِهِ».
стр. 3082
قُلْتُ: ذكر السلام على اليمين لا يظهر لي ثبوته في حديث أبي أمامة، وذلك أنَّ عبد الأعلى بن عبد الأعلى روى الحديث عن معمر ولم يذكر التسليمة الواحدة أخرجه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٤٩٧، ١١٥١٦).
ورواه الليث بن سعد روى الحديث عن ابن شهاب عن أبي أمامة ولم يذكر في حديثه هذه اللفظة. أخرج ذلك النسائي (١٩٨٩).
وهكذا رواه يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب كما عند الحاكم (١٣٣١).
وشعيب بن أبي حمزة عن ابن شهاب كما روى ذلك الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٢٨٦٨).
وقد جاءت التسليمة الواحدة من صلاة الجنازة عن جماعة من الصحابة منهم:
علي بن أبي طالب ﵁.
فروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٦١٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٧٤) مِنْ طَرِيْقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَلَى جِنَازَةِ يَزِيدَ بْنِ مُكَفَّفٍ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا وَسَلَّمَ وَاحِدَةً».
قُلْتُ: الحجاج بن أرطأة ضعيف ومدلس وقد عنعن.
وعبد الله بن عمر ﵄.
فروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٦١١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ فَكَبَّرَ، فَإِذَا فَرَغَ سَلَّمَ عَلَى يَمِينِهِ وَاحِدَةً».
стр. 3083
قُلْتُ: سَنَدُهُ صَحِيْحٌ.
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٧٥) أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، أنبأ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، ثنا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا قَبِيصَةُ، ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «تَسْلِيمَةٌ - يَعْنِي فِي الْجِنَازَةِ -».
قُلْتُ: وهَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
ورواه (٦٧٧٦) فَقَالَ وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الْأَصَمُّ، ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أنبأ عَبْدُ الْوَهَّابِ، أنبأ الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ: «كَانَ إِذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ سَلَّمَ وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ».
قُلْتُ: يحيى بن أبي طالب فيه لين، والعمري هو عبد الله ضعيف الحديث ويشهد له ما سبق.
وعبد الله بن عباس ﵄.
فروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٦١٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٧٧) مِنْ طَرِيْقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ «يُسَلِّمُ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَةً».
стр. 3084
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وأبو هريرة ﵁.
فروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٦٢٠) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِي الْعَنْبَسِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا وَسَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ تَسْلِيمَةً».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ أبو العنبس هو سعيد بن كثير بن عبيد ثقة ووالده لم يوثقه معتبر.
وواثلة بن الأسقع ﵁.
روى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٧٨)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٦٥/ ٢٨٩) حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ، ثنا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ ﵁ صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : «يُسَلِّمُ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَةً».
قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لضعف كلاً من نعيم وهو ابن حماد الخزاعي، وخالد بن يزيد.
قُلْتُ: وجاء ما يدل على التسليمتين فروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٨٠) فَقَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّازِيُّ الْحَافِظُ، أنبأ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ حَفْصٍ، ثنا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «ثَلَاثُ خِلَالٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُنَّ، تَرَكَهُنَّ النَّاسُ، إِحْدَاهُنَّ: التَّسْلِيمُ عَلَى الْجِنَازَةِ مِثْلُ التَّسْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ».
قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢٣٩): «حديث عبد الله هو ابن مسعود رواه البيهقي بإسناد جيد» اهـ.
стр. 3085
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٧٩) أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ الزُّوزَنِيُّ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنبأ شَرِيكٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْهَجَرِيِّ، قَالَ: «أَمَّنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى عَلَى جِنَازَةِ ابْنَتِهِ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا، فَمَكَثَ سَاعَةً حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُكَبِّرُ خَمْسًا، ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قُلْنَا لَهُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: "إِنِّي لَا أَزِيدُكُمْ عَلَى مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ"، أَوْ "هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "، ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهَ، وَقَالَ لِلْغُلَامِ: "أَيْنَ أَنَا؟ " قَالَ: أَمَامَ الْجِنَازَةِ، قَالَ: "أَلَمْ أَنْهَكَ"، وَكَانَ قَدْ كُفَّ يَعْنِي بَصَرُهُ».
قُلْتُ: الهجري ضعيف واضطرب في حديثه وقد سبق أن ذكرنا حديثه في الْدُعَاء بعد التكبيرة الرابعة وذكرنا أنَّ الحديث رواها البزار في [الْمُسْنَد] (٣٣٤٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٢٨) مِنْ طَرِيْقِ السَّرِيِّ بْنُ يَحْيَى ابْنُ أَخِي هَنَّادٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الْيَعْفُورِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: شَهِدْتُهُ وَكَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ أَرْبَعًا، ثُمَّ قَامَ سَاعَةً يَعْنِي يَدْعُو، ثُمَّ قَالَ: «كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنِّي كُنْتُ مُكَبِّرًا خَمْسًا»، قَالُوا: لَا، قَالَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا».
قُلْتُ: وهذا هو المعروف في حديث ابن أبي أوفى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٤٣٦):
«التسليم على الجنازة تسليمة واحدة، عن ستة من أصحاب النبي ﷺ وليس فيه اختلاف إلَّا عن إبراهيم وروي تسليمة واحدة عن علي،
стр. 3086
وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وابن أبي أوفى، وواثلة بن الأسقع.
وبه قال سعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، وأبو أمامة بن سهل، والقاسم بن محمد، والحارث، وإبراهيم النخعي، والثوري، وابن عيينة، وابن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق.
وَقَالَ ابن المبارك: من سلم على الجنازة تسليمتين فهو جاهل جاهل، واختار القاضي أنَّ المستحب تسليمتان، وتسليمة واحدة تجزي.
وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، قياساً على سائر الصلوات» اهـ.
وجاء في [الْمُدَوَّنَةِ] (١/ ٢٦٣):
«فِي السَّلَامِ عَلَى الْجِنَازَةِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي السَّلَامِ عَلَى الْجَنَائِزِ: يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَكَذَلِكَ مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَهُوَ دُونَ سَلَامِ الْإِمَامِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي السَّلَامِ عَلَى الْجِنَازَةِ: يُسَلِّمُ الْإِمَامُ وَاحِدَةً قَدْرَ مَا يُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ، وَيُسَلِّمُ مَنْ وَرَاءَهُ وَاحِدَةً فِي أَنْفُسِهِمْ وَإِنْ أَسْمَعُوا مَنْ يَلِيهِمْ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا» اهـ.
* * *
стр. 3087
١٥٣ - عَنْ جَابِرِ ﵁: «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي، أَوْ الثَّالِثِ».
لفظ مسلم (٩٥٢) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَخًا لَكُمْ قَدْ مَاتَ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ»، قَالَ: فَقُمْنَا فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - مشروعية الصلاة على الغائب وقد سبق التفصيل في هذه المسألة فيما مضى.
٢ - وفيه استحباب تكثير الصفوف في صلاة الجنازة بحيث لا تنقص عن ثلاثة صفوف.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٨٧):
«وفي الحديث دلالة على أنَّ للصفوف على الجنازة تأثيراً ولو كان الجمع كثيراً لأنَّ الظاهر أنَّ الذين خرجوا معه ﷺ كانوا عدداً كثيراً وكان المصلي فضاء ولا يضيق بهم لو صفوا فيه صفاً واحداً ومع ذلك فقد صفهم» اهـ.
قُلْتُ: لا يلزم من كون الصلاة في الفضاء أن يتسع لجميع المصلين إذا ما صفوا صفاً واحداً فقد يعيق ذلك وجود الأشجار أو الأحجار أو التلول ونحو ذلك، ولهذا لم ينقل أنَّ النبي ﷺ كان يصفهم في صلاة العيد والاستسقاء صفاً واحداً.
وقد جاء في الثلاث الصفوف ما رواه أبو داود (٣١٦٦)، والترمذي (١٠٢٨)، وابن ماجه (١٤٩٠) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي
стр. 3088
حَبِيبٍ، عَنْ مَرْثَدٍ الْيَزَنِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا أَوْجَبَ».
قُلْتُ: محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن.
وروى الطبراني في [الْكَبِيْر] (٧٦٨٧) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي الطَّاهِرِ بْنِ السَّرْحِ الْمِصْرِيُّ، ثنا أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ، ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى جِنَازَةٍ، وَمَعَهُ سَبْعَةُ نَفَرٍ، فَجَعَلَ ثَلَاثَةً صَفًّا، وَاثْنَيْنِ صَفًّا، وَاثْنَيْنِ صَفًّا».
قُلْتُ: وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف الحديث.
لكن هناك حديث آخر أورده الحافظ ابن رجب ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٩٦) حيث قال: «وخرج أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ - من أصحابنا - بإسناده. عن خير بن نعيم الحضرمي، أنَّ أبا الزبير - أو عطاء بن أبي رباح - أخبره: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صلى على جنازة، ورسول الله ﷺ سابعهم، فجعلهم ثلاثة صفوف، الصف الأول ثلاثة، والصف الثاني رجلين، والصف الثالث رجلاً، والنبي ﷺ بين أيديهم".
وهذا مرسل. وقد نص أحمد على أنَّه يستحب جعلهم في صلاة الجنائز ثلاثة صفوف، إذا أمكن أن يكون في كل صف اثنان فصاعداً» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٤٤٠):
стр. 3089
«قال أحمد: أحب إذا كان فيهم قلة أن يجعلهم ثلاثة صفوف، قالوا: فإن كان وراءه أربعة كيف يجعلهم؟ قال: يجعلهم صفين، في كل صف رجلين، وكره أن يكونوا ثلاثة فيكون في صف رجل واحد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢١٥):
«ويستحب أن تكون صفوفهم ثلاثة فصاعداً» اهـ.
قُلْتُ: حديث الباب حصل فيه التردد، ورواية الإمام مسلم فيها الجزم بالصفين، والحديث المرفوع ضعيف، والموقوف مختلف في سياقه، ولا تثبت السنة بمثل ذلك. والله أعلم.
* * *
стр. 3090
١٥٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ، بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعاً».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - مشروعية الصلاة على القبر بعد دفن الميت.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٤١٣):
«فقالت طائفة: يصلى عليها إلى شهر، هكذا قال أحمد بن حنبل».
إلى أن قال ﵀ (٥/ ٤١٤):
«وقالت طائفة: يصلى على القبر إلى شهر للغائب من سفر، وإلى ثلاث للحاضر، هكذا قال إسحاق، وحكاه عن عبد الرحمن بن مهدي، وَقَالَ النعمان: إذا نسي أن يصلي عليه، صلى عليه ما بينهم وبين ثلاث، فإذا جاوزت لم يصلوا عليه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٣٥):
«أجمع العلماء الذين رأوا الصلاة علي القبر جائزة أنَّه لا يصلى على قبر إلَّا بقرب ما يدفن وأكثر ما قالوا في ذلك شهر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٤٧٨):
«وجملة ذلك أنَّ من فاتته الصلاة على الجنازة، فله أن يصلي عليها، ما لم تدفن، فإن دفنت، فله أن يصلي على القبر إلى شهر.
стр. 3091
هذا قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، روي ذلك عن أبي موسى، وابن عمر، وعائشة ﵃ وإليه ذهب الأوزاعي، والشافعي.
وَقَالَ النخعي، والثوري، ومالك وأبو حنيفة: لا تعاد الصلاة على الميت، إلَّا للولي إذا كان غائباً، ولا يصلى على القبر إلَّا كذلك، ولو جاز ذلك لكان قبر النبي ﷺ يصلى عليه في جميع الأعصار.
ولنا، ما روي أنَّ النبي ﷺ ذكر رجلاً مات، فقال: "فدلوني على قبره" فأتى قبره، فصلى عليه. متفق عليه.
وعن ابن عباس أنَّه مرَّ مع النبي ﷺ على قبر منبوذ، فأمهم وصلوا خلفه.
قال أحمد ﵀: ومن شك في الصلاة على القبر يروي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ من ستة وجوه كلها حسان ولأنَّه من أهل الصلاة، فيسن له الصلاة على القبر، كالولي، وقبر النبي ﷺ لا يصلى عليه؛ لأنَّه لا يصلى على القبر بعد شهر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢٤٤):
«وإلى أي وقت تجوز الصلاة على القبر فيه أربعة أوجه:
أحدها: إلي شهر: لأَنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ "صلى على أم سعد ابن عبادة ﵄ بعد ما دفنت بشهر".
والثاني: يصلي عليه ما لم يبل لأنَّه إذا بلي لم يبق ما يصلي عليه.
стр. 3092
والثالث: يصلى عليه من كان من أهل الفرض عند موته لأنَّه كان من أهل الخطاب بالصلاة عليه وأمَّا من يولد بعد موته أو بلغ بعد موته فلا يصلي عليه لأنَّه لم يكن من أهل الخطاب بالصلاة عليه.
والرابع: يصلي عليه أبداً لأنَّ القصد من الصلاة علي الميت الْدُعَاء والْدُعَاء يجوز كل وقت» اهـ.
قُلْتُ: ويدل على التوقيت بالشهر ما رواه أبو داود (١٠٣٨)، والترمذي (١٠٣٨) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، «أَنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ وَالنَّبِيُّ ﷺ غَائِبٌ، فَلَمَّا قَدِمَ صَلَّى عَلَيْهَا وَقَدْ مَضَى لِذَلِكَ شَهْرٌ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ صَحِيْحُ الْإِسْنَادِ. ومراسيل ابن المسيب جياد.
وروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣٠٤٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: ثنا أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، قَالَ: ثنا أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَدِمَتْ عَائِشَةُ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهَا بِشَهْرٍ، فَقَالَتْ: «أَيْنَ قَبْرُ أَخِي؟ فَأَتَتْ فَصَلَّتْ عَلَيْهِ».
قُلْتُ: أبو الربيع هو سليمان بن داود الزهراني، وقد خالفه في ذكر الشهر أبو النعمان محمد بن الفضل كما روى ذلك البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٨١٥).
وقد روى غير واحد الحديث عن أيوب ولم يذكروا في حديثهم الشهر ومنهم:
معمر كما عند عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٥٣٩)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣٠٤٠).
وإسماعيل بن علية كما عند ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٢٠٦٢).
стр. 3093
وعبد الوهاب بن عبد المجيد كما روى ذلك أبو عروبة في [الْمُنْتَقَى] (١٠).
قُلْتُ: فالذي يظهر لي أنَّ ذكر الشهر غير محفوظ في الحديث.
وصلاة النبي ﷺ على القبر كانت في الغالب مع قرب العهد بالدفن إلَّا ما رواه البخاري (٤٠٤٢)، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ، كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ». وأصل الحديث في مسلم (٢٢٩٦) من غير ذكر السنين.
وقد تُؤل هذا الحديث بتأويلين:
الأول: أنَّه خاص بالنبي ﷺ .
والآخر: أنَّ المراد بالصلاة هاهنا الْدُعَاء أي دعا لهم كالْدُعَاء على الميت.
قُلْتُ: وهناك من أهل العلم من أجرى هذا الحديث على ظاهرة ومنهم الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فقد قال في [تَهْذِيْبِ الْسُنَنِ] (٢/ ١٠٠):
«هذا الحديث يدل على أنَّ ذلك لا يتقيد عنده بوقت لا شهر ولا غيره وقد روى سعيد بن المسيب أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صلى على أم سعد بعد موتها بشهر وهذا مرسل صحيح.
وصلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين وصلى على غير واحد في القبر لدون الشهر ولم يأت في التحديد نص» اهـ.
قُلْتُ: قد ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه صلى على قتلى أحد وقد سبق ما رواه روى الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٢٨٨٧) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بِحَمْزَةَ
стр. 3094
فَسُجِّيَ بِبُرْدِهِ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ، فَكَبَّرَ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ أُتِيَ بِالْقَتْلَى يُصَفُّونَ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِمْ وَعَلَيْهِ مَعَهُمْ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ. ويبعد أن يعيد النبي ﷺ صلاة الجنازة عليهم وقد صلى عليهم قبل ذلك.
ثم المعهود من سنة النبي ﷺ هو صلاة الجنازة جماعة.
فالأظهر أنَّ المراد بالصلاة الدعاء.
قُلْتُ: تحديد ذلك بمن مات الميت وهو من أهل الفرض له حظه من النظر أمَّا الصلاة على من مات قبل مئات السنين فلا يظهر لي القول بمشروعية ذلك، والأحوط أن يصلي على القبر مع قرب الوقت كما جاءت بذلك السنة. والله أعلم.
ويخص من ذلك قبر النبي ﷺ فلا يصلى عليه اتفاقاً.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الرَّدِ عَلَى الأَخْنَائِي] (٢٠):
«واتفقوا على أنَّ قبر النبي ﷺ لا يصلى عليه كما لم يصل عليه أحد من المسلمين بعد أن دفن فهذا لعلو قدره لا لخفضه عن غيره فإنَّه قد شرع في حقه من الصلاة والسلام عليه في كل مكان ما هو أعظم من الصلاة عليه عند القبر والصلاة عليه عند القبر يخاف فيها أن يتخذ قبره وثناً وعيداً والرسول ﷺ ينبغي أن تكون محبة المؤمن له وتعظيمه له وصلاته وسلامه عليه وسائر حقوقه موجوداً معه في جميع البقاع لا يختص القبر بشيء من حقوقه فمن خص القبر بشيء من حقوقه قصر فيه عند غير القبر فهو مقصر في حق الرسول
стр. 3095
ﷺ مريد لما نهى عنه من اتخاذ قبره عيداً وذلك يفضي إلى أن يقصر الناس في حقوقه في سائر البقاع وكذلك ما يفعل عند قبر غيره من الزيارة هو عند قبره ليس بمأمور ولا مقدور لعلو قدره واختصاصه بما ميزه الله على غيره ﷺ كما خص بأن دفن في الحجرة ولم برزوا قبره» اهـ.
وَقَالَ أيضاً ﵀ في [الرَّدِ عَلَى الأَخْنَائِي] (٩٧):
«والصلاة على القبر كالصلاة على الجنازة تشرع مع القرب والمشاهدة وهو بالإجماع لا يصلى على قبره سواء كان للصلاة حد محدود أو كان يصلى على القبر مطلقاً ولم يعرف أن أحداً من الصحابة الغائبين لما قدم صلى على قبره ﷺ » اهـ.
قُلْتُ: وقد شذ في ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فقال في [الْمُحَلَّى] (٥/ ١٤١): «ما علمنا أحداً من الصحابة، ﵃، نهى، عن الصلاة على قبر رسول الله ﷺ وما نهى الله تعالى عنه، ولا رسوله ﵇، فالمنع من ذلك باطل، والصلاة عليه فعل خير، والدعوى باطل إلَّا ببرهان» اهـ.
قُلْتُ: وإذا دفن الميت قبل أن يصلى عليه فالأظهر أن يصلى عليه على القبر ولا حاجة لإخراجه، وإذا دفن قبل أن يكفن أخرج وكفن، وهكذا إذا دفن قبل أن يغسل، وهذا إذا كان الدفن قريباً قبل أن يتغير الميت.
قَالَ السَّرَخْسِيُّ ﵀ في [الْمَبْسُوطِ] (٢/ ٦٩):
«وَإِنْ دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا صُلِّيَ فِي الْقَبْرِ عَلَيْهَا إنَّمَا لَا يُخْرَجُ مِنْ الْقَبْرِ لِأَنَّهُ قَدْ سُلِّمَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَخَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ. جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
стр. 3096
قَالَ: "الْقَبْرُ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ" وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُؤَدُّوا حَقَّهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ تَتَأَتَّى فَقَدْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلِهَذَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ تَفَرَّقَ لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ لَا عَلَى أَعْضَائِهِ وَفِي الْأَمَالِي عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَهَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَبِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَبِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَيِّتِ فِي السِّمَنِ وَالْهُزَالِ» اهـ.
وَقَالَ الْغَزَالِي الْشَّافِعِي ﵀ فِي [الْوَسِيْطِ] (٢/ ٣٩٠ - ٣٩١):
«وَلَا يحل نبش الْقُبُور إِلَّا إِذا انمحق أثر الْمَيِّت بطول الزَّمَان أَوْ دفن من غير غسل فَالظَّاهِر أَنه ينبش الْقَبْر وَيغسل أَوْ دفن فِي أَرض مَغْصُوبَة وَترك الْمَالِك إِخْرَاجه فَإِنْ حق الْحَيّ أولى بالمراعاة.
وَلَو دفن قبل الصَّلَاة صلي عَلَيْهِ فِي الْقَبْر.
وَلَو دفن قبل التَّكْفِين فَوَجْهَانِ:
أظهرهمَا: أَنَّه لَا ينبش لِأَنَّ الْقَبْر ستره بِخِلَاف الْغسْل فَإِنَّ مَقْصُوده لَا يحصل بالدفن.
وَلَو دفن فِي كفن مَغْصُوب فَثَلَاثَة أوجه:
أظهرهمَا: أَنه ينبش كالأرض الْمَغْصُوبَة وكما لَو ابتلع لؤلؤة فَإِنَّهُ يشق بَطْنه لأجل ملك الْغَيْر.
стр. 3097
وَالثَّانِي: أَنَّه فِي حكم الْهَالِك فَيغرم الْقيمَة إِنْ أمكن وَإِلَّا فالنبش عِنْد الْعَجز عَنْ الْقيمَة لَا بُد مِنْهُ.
وَالثَّالِث: أَنه إِنْ تغير الْمَيِّت وَأدّى إِلَى هتك حرمته فَلَا ينبش وَهُوَ الأقيس وَإِلَّا فينبش» اهـ.
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ الْحَنْبَلِي ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٤١٢ - ٤١٣):
«فَصْلٌ: وَإِنْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ، أَوْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، نُبِشَ، وَغُسِّلَ، وَوُجِّهَ، إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَفَسَّخَ، فَيُتْرَكَ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُنْبَشُ؛ لِأَنَّ النَّبْشَ مُثْلَةٌ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا. وَلَنَا، أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ وَلَا تَسْقُطُ بِذَلِكَ، كَإِخْرَاجِ مَا لَهُ قِيمَةٌ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ النَّبْشَ مُثْلَةٌ. قُلْنَا: إنَّمَا هُوَ مُثْلَةٌ فِي حَقِّ مَنْ يُقْبَرُ وَلَا يُنْبَشُ.
فَصْلٌ: وَإِنْ دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُنْبَشُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ إنْ صُلِّيَ عَلَى الْقَبْرِ جَازَ. وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ وَلَا يُنْبَشُ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرِ الْمِسْكِينَةِ وَلَمْ يَنْبُشْهَا. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ دُفِنَ قَبْلَ وَاجِبٍ، فَنُبِشَ، كَمَا لَوْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ، وَإِنَّمَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
وَأَمَّا الْمِسْكِينَةُ فَقَدْ كَانَتْ صُلِّيَ عَلَيْهَا، وَلَمْ تَبْقَ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا وَاجِبَةً، فَلَمْ تُنْبَشْ لِذَلِكَ. فَأَمَّا إنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ، لَمْ يُنْبَشْ بِحَالٍ.
فَصْلٌ: وَإِنْ دُفِنَ بِغَيْرِ كَفَنٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يُتْرَكُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْكَفَنِ سَتْرُهُ، وَقَدْ حَصَلَ سَتْرُهُ بِالتُّرَابِ. وَالثَّانِي، يُنْبَشُ وَيُكَفَّنُ؛ لِأَنَّ التَّكْفِينَ وَاجِبٌ، فَأَشْبَهَ الْغُسْلَ. وَإِنْ كُفِّنَ بِثَوْبٍ مَغْصُوبٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَغْرَمُ قِيمَتَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ،
стр. 3098
وَلَا يُنْبَشُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ مَعَ إمْكَانِ دَفْعِ الضَّرَرِ بِدُونِهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنْبَشَ، إذَا كَانَ الْكَفَنُ بَاقِيًا بِحَالِهِ؛ لِيُرَدَّ إلَى مَالِكِهِ عَنْ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ بَالِيًا فَقِيمَتُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ.
فَإِنْ دُفِنَ فِي أَرْضِ غَصْبٍ، أَوْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، نُبِشَ وَأُخْرِجَ؛ لِأَنَّ الْقَبْرَ فِي الْأَرْضِ يَدُومُ ضَرَرُهُ، وَيَكْثُرُ، بِخِلَافِ الْكَفَنِ. وَإِنْ أَذِنَ الْمَالِكُ فِي الدَّفْنِ فِي أَرْضِهِ، ثُمَّ أَرَادَ إخْرَاجَهُ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا. وَإِنْ بَلِيَ الْمَيِّتُ وَعَادَ تُرَابًا، فَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَخْذُهَا، وَكُلُّ مَوْضِعٍ أَجَزْنَا نَبْشَهُ لِحُرْمَةِ مِلْكِ الْآدَمِيِّ، فَالْمُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ احْتِرَامًا لِلْمَيِّتِ.
تَبْقَ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا وَاجِبَةً، فَلَمْ تُنْبَشْ لِذَلِكَ. فَأَمَّا إنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ، لَمْ يُنْبَشْ بِحَالٍ» اهـ.
قُلْتُ: روى البخاري (١٣٥٢) عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ، فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ».
وروى البخاري (١٣٤٨) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ: «أَيُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟» فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ، وَقَالَ جَابِرٌ: فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ.
وفي رواية للبخاري (١٣٥١) عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ، غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
стр. 3099
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا، فَأَصْبَحْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ».
وروى البخاري (١٢٧٠، ١٣٥٠، ٥٧٩٥)، ومسلم (٢٧٧٣) عَنْ جَابِر ﵁، قَالَ: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ».
وبوَّب عليه البخاري بقوله: «بَابٌ: هَلْ يُخْرَجُ المَيِّتُ مِنَ القَبْرِ وَاللَّحْدِ لِعِلَّةٍ».
قُلْتُ: وقد تأول الحافظ ابن حجر وغيره الدفن على مجرد الإدلاء في القبر قبل إهالة التراب عليه، وهو صرف للحديث عن ظاهره.
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٢٤٤)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٩١٩) حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ هَانِئٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ السَّكُونِيِّ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، أَوْصَى امْرَأَتَهُ، وَخَرَجَ، فَمَاتَتْ وَكَفَّنَّاهَا فِي ثِيَابٍ لَهَا خُلْقَانٍ، فَقَدِمَ بَعْدَ أَنْ رَفَعْنَا أَيْدِيَنَا عَنْ قَبْرِهَا بِسَاعَتَيْنِ، فَقَالَ: «فِيمَا كَفَّنْتُمُوهَا؟»، قُلْنَا فِي ثِيَابِهَا الْخُلْقَانِ، فَنَبَشَهَا وَكَفَّنَهَا فِي ثِيَابٍ جُدُدٍ، وَقَالَ: «أَحْسِنُوا أَكْفَانَ مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ فِيهَا».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ
قُلْتُ: فإذا جاز إخراج الميت لمثل ذلك فإنَّ إخراجه من أجل الكفن الواجب أوكد.
وروى ابْنُ عَبْدِ الْبَّرِ ﵀ فِي [الْتَّمْهِيْدِ] (١٣/ ١٤٢/ ١٨/ ١٧٤)
стр. 3100
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: «لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُجْرِيَ الْعَيْنَ الَّتِي فِي أَسْفَلِ أُحُدٍ عِنْدَ قُبُورِ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ بِالْمَدِينَةِ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى مَنْ كَانَ لَهُ مَيِّتٌ فَلْيَأْتِهِ فَلْيُخْرِجْهُ فَلْيَحْمِلْهُ قَالَ جَابِرٌ: فَذَهَبْنَا إِلَى أَبِي فَأَخْرَجْنَاهُمْ رِطَابًا يَنْثَنُونَ قَالَ أَبُو سعيد لا ينكر بَعْدَ هَذَا مُنْكَرًا قَالَ جَابِرٌ فَأَصَابَتِ الْمِسْحَاةُ أَصْبُعَ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَتَقَطَّرَ الدَّمُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَّنٌ.
وفي هذا إخراج الميت لمصلحة، ويلحق بذلك مصلحة تكفينه.
وفي هذا الأثر مشروعية نقل الموتى من أماكنهم لمصلحة عامة للمسلمين، وشبيه بذلك إذا احتاج المسلمون أن يشقوا طريقاً من وسط مقبرة من المقابر فيشرع نقل الموتى من ذلك الموضع إلى غيره.
وقد اختلف في ذلك العلماء المعاصرون فمنع من ذلك العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ كما في [فَتَاوَى وَرَسَائِلِ سَمَاحَةِ الشَّيْخِ مُحَمَدٍ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ عَبْدِ اللَّطِيْفِ آلِ الْشَّيْخِ] (٣/ ٢١٣ - ٢١٨).
وأفتى غيره بالجواز.
جاء في [لِقَاءِ الْبَابِ الْمَفْتُوحِ] (٢/ ١٢) للعلامة ابن عثيمين ﵀:
«هل يجوز نبش القبور من أجل الطريق العام، كأن يكون الطريق لا يصلح إلا من المقبرة، فهل يجوز نبشها ووضعها في مقبرة ثانية من أجل المصلحة العامة؟
الجواب:
стр. 3101
نبش القبور عند الضرورة من أجل الطريق أفتى بعض علماء اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية بجواز ذلك بشرط: ألا يمكن صرف الطريق عن الاتجاه إلى المقبرة، فتنبش القبور وتؤخذ العظام وتوضع في مقبرة» اهـ.
٢ - غاية ما يدل عليه الحديث أنَّ الصلاة على القبر إنَّما يفعلها من لم يصل على الجنازة، إلَّا إذا كان تابعاً لمن لم يصل عليها كما فعل ذلك صحابة النبي ﷺ إذ أعادوا الصلاة مرة أخرى خلف النبي ﷺ .
فروى أحمد (١٥٧١١)، وابن ماجه (١٥٢٩) مِنْ طِرْيْقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيَّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَبْرٍ فَقَالَ: «مَا هَذَا الْقَبْرُ؟» قَالُوا: قَبْرُ فُلَانَةَ، قَالَ: «أَفَلَا آذَنْتُمُونِي» قَالُوا: كُنْتَ نَائِمًا فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا فَادْعُونِي لِجَنَائِزِكُمْ فَصَفَّ عَلَيْهَا فَصَلَّى».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ٢٦٣): «وينبني على هذين المأخذين أنَّه إذا حضر الجنازة من لم يصل أولاً: فهل لمن صلى عليها أولاً أن يصلي معه تبعاً؟ كما يفعل مثل هذا في المكتوبة على وجهين. قيل: لا يجوز هنا؛ لأنَّ فعله هنا نفل بلا نزاع، وهي لا يتنفل بها، وقيل: بل له الإعادة؛ فإنَّ النبي ﷺ لما صلى على القبر صلى خلفه من كان قد صلى أولاً، وهذا أقرب فإن هذه الإعادة بسبب اقتضاه لا إعادة مقصودة وهذا سائغ في المكتوبة والجنازة. والله أعلم» اهـ.
стр. 3102
٣ - يؤخذ من هذا جواز الصلاة على الجنازة في المقبرة إذ لا فرق بين الصلاة على الميت وهو في بطن الأرض وبين الصلاة عليه في المقبرة وهو على النعش فإنَّ صلاة الجنازة ليس فيها ركوع ولا سجود فلهذا شرعت في المقبرة فشأنها كشأن الْدُعَاء للميت في المقبرة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦):
«فإن الصلاة المنهي عنها إلى القبر غير الصلاة التي على القبر فهذه صلاة الجنازة على الميت التي لا تختص بمكان بل فعلها في غير المسجد أفضل من فعلها فيه فالصلاة عليه على قبره من جنس الصلاة عليه على نعشه فإنَّه المقصود بالصلاة في الموضعين ولا فرق بين كونه على النعش وعلى الأرض وبين كونه في بطنها بخلاف سائر الصلوات فإنَّها لم تشرع في القبور ولا إليها لأنَّها ذريعة إلى اتخاذها مساجد وقد لعن رسول الله ﷺ من فعل ذلك فأين ما لعن فاعله وحذر منه وأخبر أن أهله شرار الخلق كما قال: "إنَّ من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهو أحياء والذين يتخذون القبور مساجد" إلى ما فعله ﷺ مراراً وتكراراً وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: وهذه المسألة من المسائل التي تنازع فيها العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤٠٣ - ٤٠٤):
«ووجدنا في كتاب مصنف على مذهب سفيان الثوري: وإذا صلى الرجل وبين يديه ميت تنحى عنه. إنَّما كره الصلاة إلى القبور من أجل الميت، فإن صلى إليها فلا باس.
стр. 3103
وفيه - أيضاً -: قال سفيان: ويكره أن يصلي الرجل إلى القبور أو ما بين القبور. ثم قال: ومن صلى إلى القبور فلا إعادة عليه. وفيه: قال: ولا تعجبني الصلاة على الجنازة في المقبرة.
وهذا قول الشافعي وإسحاق ورواية عن أحمد؛ لعموم النهي عن الصلاة في المقبرة.
واستدل من رخص في صلاة الجنازة في المقبرة: بأنَّ الصلاة على القبر جائزة بالسنة الصحيحة، فعلم أنَّ الصلاة على الميت في القبور غير منهي عنها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٤٤٣):
«فصل: فأمَّا الصلاة على الجنازة في المقبرة فعن أحمد فيها روايتان.
إحداهما: لا بأس بها؛ لأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ صلى على قبر وهو في المقبرة.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ذكر نافع أنَّه صلي على عائشة وأم سلمة وسط قبور البقيع صلى على عائشة أبو هريرة، وحضر ذلك ابن عمر وفعل ذلك عمر بن عبد العزيز.
والرواية الثانية: يكره ذلك. وروي ذلك عن علي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عباس وبه قال عطاء، والنخعي، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر» اهـ.
قُلْتُ: الصلاة على عائشة وأم سلمة وسط القبور رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٥٩٣، ٦٥٧٠)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٧٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٤٢٧٨)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٧٦٣، ٣١١٧) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ، وَسَطَ الْقُبُورِ؟ قَالَ: «لَقَدْ صَلَّيْنَا
стр. 3104
عَلَى عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ وَسَطَ الْبَقِيعِ» قَالَ: «وَالْإِمَامُ يَوَمَ صَلَّيْنَا عَلَى عَائِشَةَ ﵂ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَحَضَرَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢٦٨):
«تكره الصلاة علي الجنازة في المقبرة بين القبور هذا مذهبنا وبه قال جمهور العلماء وحكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمرو عطاء وابن سيرين وأحمد واسحق وأبي ثور قال وبه أقول ولم يكرهها أبو هريرة وعمر بن عبد العزيز وعن مالك روايتان كالمذهبين» اهـ.
قُلْتُ: وتكون الصلاة على الميت بعد تغسيله، وإن صلي عليه قبل تغسيله فذهب جماعة من العلماء إلى إعادة الصلاة عليه، وهناك شروط أخرى نص عليها العلماء لصلاة الجنازة.
قال ابن رشد المالكي في [الْمُقَدِّمَاتِ] (١/ ٢٣٣)
«فصل: فإن ترك غسله استدرك ما لم يدفن، وقيل: ما لم يخش عليه التغير وإن دفن، وتعاد الصلاة عليه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُّ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٥/ ٢٢٢):
«قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا تَقْدِيمُ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ حَتَّى لَوْ مَاتَ فِي بِئْرٍ أَوْ انْهَدَمَ عَلَيْهِ مَعْدِنٌ وَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ وَغُسْلُهُ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ بَعْدَ غُسْلِهِ قَبْلَ تَكْفِينِهِ وَيُكْرَهُ صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ» اهـ.
стр. 3105
وَقَالَ الْخَطِيْبِ الشِّرْبِينِيُّ ﵀ فِي [مُغْنِي الْمُحْتَاجِ] (٢/ ٤٩ - ٥٠)
«(وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ) عَلَى الْجِنَازَةِ زَائِدًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ صَلَاتِهَا شَرْطَانِ أَشَارَ إلَى أَحَدِهِمَا بِقَوْلِهِ (تَقَدُّمُ غُسْلِهِ) أَوْ تَيَمُّمِهِ بِشَرْطِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ كَصَلَاةِ نَفْسِهِ (وَتُكْرَهُ) الصَّلَاةُ عَلَيْهِ (قَبْلَ تَكْفِينِهِ) كَمَا قَالَهُ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ أَيْضًا وَاسْتَشْكَلَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ السَّابِقَيْنِ مَوْجُودَانِ فِيهِ، قَالَ السُّبْكِيُّ: فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْغُسْلَ شَرْطٌ دُونَ التَّكْفِينِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ اهـ.
وَرُبَّمَا يُقَالُ إنَّ تَرْكَ السَّتْرِ أَخَفُّ مِنْ تَرْكِ الطَّهَارَةِ بِدَلِيلِ لُزُومِ الْقَضَاءِ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ (فَلَوْ مَاتَ بِهَدْمٍ وَنَحْوِهِ) كَأَنْ وَقَعَ فِي بِئْرٍ أَوْ بَحْرٍ عَمِيقٍ (وَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ وَغُسْلُهُ) وَتَيَمُّمُهُ (لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) لِفَوَاتِ الشَّرْطِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّاهُ. وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ لَا خِلَافَ فِيهِ. قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَلَا وَجْهَ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَيْسُورَ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ، لِمَا صَحَّ "وَاذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ"؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ وَالشَّفَاعَةُ لِلْمَيِّتِ وَجَزَمَ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ مَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ صُلِّيَ عَلَيْهِ. قَالَ الدَّارِمِيُّ: وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّ مَنْ أُحْرِقَ فَصَارَ رَمَادًا أَوْ أَكَلَهُ سَبُعٌ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ بِذَلِكَ، وَبَسَطَ الْأَذْرَعِيُّ الْكَلَامَ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَالْقَلْبُ إلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَمْيَلُ، لَكِنَّ الَّذِي تَلَقَّيْنَاهُ عَنْ مَشَايِخِنَا مَا فِي الْمَتْنِ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى الشَّرْطِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ (وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ عَلَى الْجِنَازَةِ الْحَاضِرَةِ) إذَا صَلَّى عَلَيْهَا (وَ) أَنْ (لَا) يَتَقَدَّمَ عَلَى (الْقَبْرِ) إذَا صَلَّى عَلَيْهِ (عَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِمَا) اتِّبَاعًا لِمَا جَرَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ؛ وَلِأَنَّ الْمَيِّتَ كَالْإِمَامِ، وَالثَّانِي يَجُوزُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ بِإِمَامٍ مَتْبُوعٍ حَتَّى
стр. 3106
يَتَعَيَّنَ تَقْدِيمُهُ بَلْ هُوَ كَعَبْدٍ جَاءَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ عِنْدَ مَوْلَاهُ، وَاحْتُرِزَ بِالْحَاضِرَةِ عَنْ الْغَائِبَةِ عَنْ الْبَلَدِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهَا كَمَا مَرَّ، وَإِنْ كَانَتْ خَلْفَ ظَهْرِهِ.
تَنْبِيهٌ إنَّمَا عَبَّرَ بِالْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا تَلَخَّصَ مِنْ كَلَامِهِ طَرِيقَيْنِ. أَصَحُّهُمَا أَنَّهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَقَدُّمِ الْمَأْمُومِ عَلَى إمَامِهِ، وَالثَّانِي الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَجْمَعَهُمَا مَكَانٌ وَاحِدٌ، كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ: وَأَنْ لَا يَزِيدَ مَا بَيْنَهُمَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ تَقْرِيبًا تَنْزِيلًا لِلْمَيِّتِ مَنْزِلَةَ الْإِمَامِ» اهـ.
وَقَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ الْمَصْرِيّ الْحَنَفِي ﵀ فِي [الْبَحْرِ الْرَّائِقِ] (٢/ ١٩٣)
«(قَوْلُهُ فَلَوْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ، وَلَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُهُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ سَيَأْتِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ، فَإِنْ دُفِنَ بِلَا صَلَاةٍ إلَخْ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى قَبْرِهِ لَوْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ لَكِنْ صُحِّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى الْقُدُورِيِّ وَصَاحِبِ التُّحْفَةِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِدُونِ الْغُسْلِ لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ، وَلَا يُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ لِتَضَمُّنِهِ أَمْرًا حَرَامًا، وَهُوَ نَبْشُ الْقَبْرِ فَسَقَطَتْ الصَّلَاةُ. اهـ» اهـ.
وَقَالَ ابْنُ عَابِدِيْنَ الْحَنَفِي ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ] (٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨):
(قَوْلُهُ: وَشَرْطُهَا) أَيْ شَرْطُ صِحَّتِهَا وَأَمَّا شُرُوطُ وُجُوبِهَا فَهِيَ شُرُوطُ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ مِنْ الْقُدْرَةِ وَالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَالْإِسْلَامِ مَعَ زِيَادَةِ الْعِلْمِ بِمَوْتِهِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ سِتَّةٌ) ثَلَاثَةٌ فِي الْمَتْنِ وَثَلَاثَةٌ فِي الشَّرْحُ، وَهِيَ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَحُضُورُ الْمَيِّتِ، وَكَوْنُهُ أَوْ أَكْثَرُهُ أَمَامَ الْمُصَلِّي، وَزَادَ أَيْضًا سَابِعًا: وَهُوَ بُلُوغُ الْإِمَامِ، ثُمَّ هَذِهِ الشُّرُوطُ رَاجِعَةٌ إلَى الْمَيِّتِ، وَأَمَّا الشُّرُوطُ الَّتِي تَرْجِعُ إلَى الْمُصَلِّي فَهِيَ شُرُوطُ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ مِنْ الطَّهَارَةِ الْحَقِيقِيَّةِ بَدَنًا وَثَوْبًا وَمَكَانًا وَالْحُكْمِيَّةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَالنِّيَّةِ
стр. 3107
سِوَى الْوَقْتِ (قَوْلُهُ إسْلَامُ الْمَيِّتِ) أَيْ وَلَوْ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ لِلدَّارِ أَوْ لِلسَّابِي كَمَا سَيَأْتِي وَالْمُرَادُ بِالْمَيِّتِ مَنْ مَاتَ بَعْدَ وِلَادَتِهِ حَيًّا لَا لِبَغْيٍ أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ مُكَابَرَةٍ فِي مِصْرٍ أَوْ قَتْلٍ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ قَتْلٍ لِنَفْسِهِ كَمَا يَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ كُلِّهِ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُهَلْ عَلَيْهِ التُّرَابُ) أَمَّا لَوْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ وَلَمْ يُهَلْ عَلَيْهِ التُّرَابُ فَإِنَّهُ يُخْرَجُ وَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ جَوْهَرَةٌ (قَوْلُهُ فَيُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ بِلَا غُسْلٍ) أَيْ قَبْلَ أَنْ يَتَفَسَّخَ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِنْ دُفِنَ بِلَا صَلَاةٍ. هَذَا، وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ هُنَاكَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إذَا دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَأَنَّهُ صَحَّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى الْقُدُورِيِّ وَصَاحِبِ التُّحْفَةِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ لِأَنَّهَا بِلَا غُسْلٍ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ رَمْلِيٌّ وَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ أَوَّلًا) أَيْ ثُمَّ تَذَّكَّرُوا أَنَّهُ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ (قَوْلُهُ اسْتِحْسَانًا) لِأَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِتَرْكِ الطَّهَارَةِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَالْآنَ زَالَ الْإِمْكَانُ وَسَقَطَتْ فَرِيضَةُ الْغُسْلِ جَوْهَرَةٌ (قَوْلُهُ وَفِي الْقُنْيَةِ إلَخْ) مِثْلُهُ فِي الْمِفْتَاحِ وَالْمُجْتَبَى مَعْزِيًّا إلَى التَّجْرِيدِ إسْمَاعِيلُ، لَكِنْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة سُئِلَ قَاضِي خَانْ عَنْ طَهَارَةِ مَكَانِ الْمَيِّتِ هَلْ تُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؟ قَالَ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ عَلَى الْجِنَازَةِ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَإِلَّا فَلَا رِوَايَةَ لِهَذَا وَيَنْبَغِي الْجَوَازُ، وَهَكَذَا أَجَابَ الْقَاضِي بَدْرُ الدِّينِ اهـ. وَفِي ط عَنْ الْخِزَانَةِ إذَا تَنَجَّسَ الْكَفَنُ بِنَجَاسَةِ الْمَيِّتِ لَا يَضُرُّ دَفْعًا لِلْحَرَجِ بِخِلَافِ الْكَفَنِ الْمُتَنَجِّسِ ابْتِدَاءً. اهـ. وَكَذَا لَوْ تَنَجَّسَ بَدَنُهُ بِمَا خَرَجَ مِنْهُ إنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُكَفَّنَ غُسِّلَ وَبَعْدَهُ لَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْغُسْلِ فَيُقَيَّدُ مَا فِي الْقُنْيَةِ بِغَيْرِ النَّجَاسَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ أُعِيدَتْ) لِأَنَّهُ لَا صِحَّةَ لَهَا بِدُونِ الطَّهَارَةِ وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْإِمَامِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْقَوْمِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ: وَبِعَكْسِهِ لَا) أَيْ لَا تُعَادُ لِصِحَّةِ صَلَاةِ
стр. 3108
الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ أَمَّتْ امْرَأَةٌ) أَيْ أَمَّتْ رَجُلًا فَإِنَّ صَلَاتَهَا تَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَمَةً) سَاقِطٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ (قَوْلُهُ لِسُقُوطِ فَرْضِهَا بِوَاحِدٍ) أَيْ بِشَخْصٍ وَاحِدٍ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، فَهُوَ تَعْلِيلٌ لِمَسْأَلَةِ الْعَكْسِ وَمَسْأَلَةِ الْمَرْأَةِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ وَالْحِلْيَةِ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا تَجِبُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فِيهَا اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ وَبَقِيَ مِنْ الشُّرُوطِ بُلُوغُ الْإِمَامِ) الْأَوْلَى ذِكْرُ ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ الشُّرُوطِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ سَابِعٌ زَائِدٌ عَلَى السِّتَّةِ فَافْهَمْ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالتَّأَمُّلِ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ بَحْثًا لَا نَقْلًا» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦):
«فَوَائِدُ. يُشْتَرَطُ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَا يُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، إلَّا الْوَقْتَ قَالَ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرُهُمْ: وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا حُضُورُ الْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى جِنَازَةٍ مَحْمُولَةٍ.
وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ فِي الْمَسْبُوقِ قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: قُرْبُهَا مِنْ الْإِمَامِ مَقْصُودٌ، كَقُرْبِ الْمَأْمُومِ مِنْ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يُسَنُّ الدُّنُوُّ مِنْهَا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِلصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَةٍ مَحْمُولَةٍ مَأْخَذَانِ. الْأَوَّلُ: اشْتِرَاطُ اسْتِقْرَارِ الْمَحَلِّ فَقَدْ يَخْرُجُ فِيهِ مَا فِي الصَّلَاةِ فِي السَّفِينَةِ وَعَلَى الرَّاحِلَةِ مَعَ اسْتِيفَاءِ الْفَرَائِضِ وَإِمْكَانِ الِانْتِقَالِ. وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالثَّانِي: اشْتِرَاطُ مُحَاذَاةِ الْمُصَلِّي لِلْجِنَازَةِ، بِحَيْثُ لَوْ كَانَتْ أَعْلَى مِنْ رَأْسِهِ، وَهَذَا قَدْ يَخْرُجُ فِيهِ مَا فِي عُلُوِّ الْإِمَامِ عَلَى الْمَأْمُومِ فَلَوْ وُضِعَتْ عَلَى كُرْسِيٍّ عَالٍ، أَوْ مِنْبَرٍ: ارْتَفَعَ الْمَحْذُورُ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي. انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي أَيْضًا: لَوْ صَلَّى عَلَى
стр. 3109
جِنَازَةٍ وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَعْنَاقِ، أَوْ عَلَى دَابَّةٍ، أَوْ صَغِيرٌ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ: لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْجِنَازَةَ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ، وَلَوْ صَلَّى عَلَيْهَا، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ: لَمْ يَصِحَّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: صَلَاةُ الصَّفِّ الْأَخِيرِ بِلَا حَاجَةٍ، وَلَوْ حَصَلَ بَيْنَ الْجِنَازَةِ وَبَيْنَهُ مَسَافَةٌ بَعِيدَةٌ، وَلَوْ وَقَفَ فِي مَوْضِعِ الصَّفِّ الْأَخِيرِ بِلَا حَاجَةٍ: لَمْ يَجُزْ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى مَنْ فِي تَابُوتٍ مُغَطَّى، وَقِيلَ: إنْ أَمْكَنَ كَشْفُهُ عَادَةً، وَلَا مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ أَوْ حَائِلٍ غَيْرِهِ، وَقُلْت: يَصِحُّ كَالْمَكِّيَّةِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ أَيْضًا: وَلَا يَجِبُ أَنْ يُسَامِتَ الْإِمَامُ الْمَيِّتَ فَإِنْ لَمْ يُسَامِتْهُ كُرِهَ، وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ. انْتَهَى. وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا: تَطْهِيرُ الْمَيِّتِ بِمَاءٍ، أَوْ تَيَمُّمٍ لِعُذْرٍ أَوْ عَدَمٍ فَإِنْ تَعَذَّرَ صَلَّى عَلَيْهِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا: إسْلَامُ الْمَيِّتِ، وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ عَيْنِ الْمَيِّتِ، فَيَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى الْحَاضِرِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: إنْ جَهِلَهُ نَوَى مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامَ، وَقِيلَ: لَا فَعَلَى الْمَذْهَبِ: الْأَوْلَى مَعْرِفَةُ ذُكُورِيَّتَهُ وَأُنُوثِيَّتَهُ، وَاسْمَهُ، وَتَسْمِيَتُهُ فِي دُعَائِهِ، وَإِنْ نَوَى أَحَدَ الْمَوْتَى اُعْتُبِرَ تَعْيِينُهُ. كَتَزْوِيجِهِ إحْدَى مُوَلِّيَتَيْهِ فَإِنْ بَانَ غَيْرُهُ: فَجَزَمَ أَبُو الْمَعَالِي: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ، وَقَالَ: إنْ نَوَى عَلَى هَذَا الرَّجُلِ فَبَانَ امْرَأَةً أَوْ عَكْسَهُ. فَالْقِيَاسُ: الْإِجْزَاءُ، لِقُوَّةِ التَّعْيِينِ عَلَى الصِّفَةِ فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ غَيْرِهِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ نَوَى أَحَدَ الْمَوْتَى عَيْنَهُ فَإِنَّ عَيَّنَ مَيِّتًا فَبَانَ غَيْرُهُ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْمُبْدِعِ] (٢/ ٢٥٧):
«فَإِنْ تَعَذَّرَ تَطْهِيرُ الْمَيِّتِ صُلِّيَ عَلَيْهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مَنْصُورُ الْبُهُوتِيُّ الْحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ مُنْتَهَى الْإِرَادَاتِ] (١/ ٣٦٣): «(وَشُرِطَ لَهَا) أَيْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، (مَعَ مَا) شُرِطَ (لِمَكْتُوبَةٍ، إلَّا
стр. 3110
الْوَقْتَ) فَيُشْتَرَطُ لِلْجِنَازَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ (حُضُورُ الْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ الْمُصَلِّي فَلَا تَصِحُّ عَلَى جِنَازَةٍ مَحْمُولَةٍ لِأَنَّهَا كَالْإِمَامِ وَلِهَذَا لَا صَلَاةَ بِدُونِ مَيِّتٍ وَلَوْ صَلَّى وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ لَمْ تَصِحَّ.
وَيُسَنُّ دُنُوُّهُ مِنْهَا وَلَا يَجِبُ أَنْ يُسَامِتَهَا الْإِمَامُ لَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ تَرْكُهَا ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَلَا تُحْمَلُ إلَى مَكَان أَوْ مَحَلٍّ لِيُصَلَّى عَلَيْهَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (لَا) إذَا صَلَّى (عَلَى غَائِبٍ مِنْ الْبَلَدِ، وَلَوْ أَنَّهُ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ أَوْ فِي غَيْرِ قِبْلَتِهِ) أَيْ الْمُصَلِّي وَلَوْ صَارَ وَرَاءَهُ حَالَ الصَّلَاةِ فَتَصِحُّ مِنْ الْإِمَامِ وَالْآحَادِ بِالنِّيَّةِ نَصًّا، لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي صَلَاتِهِ ﷺ عَلَى النَّجَاشِيِّ، وَأَمَرَهُ أَصْحَابُهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَ) إلَّا إذَا صَلَّى (عَلَى غَرِيقٍ وَنَحْوِهِ) كَأَسِيرٍ، فَيَسْقُطُ شَرْطُ الْحُضُورِ لِلْحَاجَةِ، وَكَذَا غُسْلُهُمَا لِتَعَذُّرِهِ (فَيُصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ مَنْ ذُكِرَ (إلَى شَهْرٍ) مِنْ مَوْتِهِ (بِالنِّيَّةِ) لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ تَلَاشٍ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ فِي جَانِبٍ مِنْ الْبَلَدِ وَالْمُصَلِّي فِي الْآخِرِ; لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِهِ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْحُضُورُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى قَبْرِهِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ.
(وَ) الثَّانِي (إسْلَامُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ شَفَاعَةٌ وَدُعَاءٌ لَهُ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ.
(وَ) الثَّالِثُ (تَطْهِيرُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (وَلَوْ بِتُرَابٍ لِعُذْرٍ) كَفَقْدِ الْمَاءِ، أَوْ تَفَرُّقِ أَجْزَائِهِ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَتَفَسُّخِهِ فَيُيَمَّمُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) التَّيَمُّمُ أَيْضًا لِفَقْدِ التُّرَابِ أَوْ غَيْرِهِ سَقَطَ (وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ الطَّهَارَةِ لَا يُسْقِطُ فَرْضَ الصَّلَاةِ، كَالْحَيِّ
стр. 3111
وَكَبَاقِي الشُّرُوطِ، وَيُشْتَرَطُ لَهَا أَيْضًا: تَكْفِينُهُ، وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ لِمُلَازَمَتِهِ لِلْغُسْلِ عَادَةً» اهـ.
الشرط الأول: تقديم الغسل أو التيمم بشرطه على الصلاة، وقد اتفق عليه أصحاب المذاهب الأربعة.
وإذا لم يتمكن من تغسيله فلا يصلى عليه عند أكثر الشافعية والحنفية وخالف آخرون منهما، وخالفهم أكثر أصحاب المذاهب، وهو الصحيح لأنَّ العبد يفعل من الواجب ما استطاع ويسقط عنه ما لم يستطعه كما دلت على ذلك الأدلة.
الشرط الثاني: أن تكون الصلاة بعد تكفينه.
ولم يشترط ذلك الشافعية في المشهور عنهم، واستظهر بعضهم الاشتراط.
والأظهر عدم الاشتراط.
الشرط الثالث: أن لا يتقدم الجنازة الحاضرة أو القبر.
واشترط ذلك جماعة من علماء الشافعية، وخالف آخرون منهم، واشترطه الحنفية والحنابلة.
ولم يشترط علماء الشافعية والحنابلة ذلك في الجنازة الغائبة عن البلد فتجوز الصلاة عليها وإن كانت خلف ظهره.
قُلْتُ: وهذا شرط صحيح في الجنازة الحاضرة والقبر.
الشرط الرابع: أن يجمعهم مكان واحد إذا كانت في المسجد، وإن كانت في فلاة فلا تبعد عن المصلين أكثر من ثلاثمائة ذراع.
واشترط ذلك الشافعية.
стр. 3112
قُلْتُ: من كان المصلون في المسجد والجنازة في غير المسجد كأن تكون في بيت أهلها فلا تجزئ الصلاة عليها، ومن كان في فلاة فينبغي أن تكون الجنازة قريبة فإن تباعدت تباعداً بحيث أنَّ الناظر إذا نظر إليهم لم يعلم أنَّهم يصلون على جنازة فلا تجزئ هذه الصلاة والله أعلم.
الشرط الخامس: أن تكون حاضرة بين يدي المصلي، فلا تشرع على الجنازة المحمولة.
واشترط ذلك الحنابلة والحنفية.
ولا أعلم حجة صحيحة لذلك، نعم رفعت وذهب بها فلا تصح الصلاة ابتداء، وتصح إتماماً في حق المسبوق.
الشرط السادس: أن لا تكون مستورة بتابوت مغطى أو من وراء حائل كالجدار.
وهذا الشرط عند الحنابلة.
الشرط السابع: أن يكون جل الميت مجتمعاً.
وهذا الشرط عند الإمام مالك وأبي حنيفة.
قَالَ الْعلَّامَةُ أَبُو مَحَمَدٍ الْقَيْرَوَانِي ﵀ فِي [النَّوَادِرِ] (١/ ٦٢٠)
«وفي رواية ابْن الْقَاسِمِ، في "المجموعة" وفي "الْعُتْبِيَّة"، من سماع موسى عن ابْن الْقَاسِمِ، أن مالكا قال: إذا كان جل البدن مجتمعا أو مقطعا، صَلَّى عليه، وغسل، وإن لم يكن جله، فلا، ولكن يدفن ذلك بلا غسل ولا صلاة. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وقاله الشعبي.
стр. 3113
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يغسل ما وجد منه، ويُصَلَّى عليه، كان رأساً أو يداً أو رجلاً أو عضواً، وينوي بالصلاة عليه الميت. وقد دفن عروة رجله بعد أن غسلها، فكفنها ولم يصل عليها؛ لأنَّها من حي. وإنَّما ينوى بذلك أن يُصَلَّى على صاحب الرجل الميت لا الحي» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٤٠١ - ٤٠٢):
«فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا بَعْضُ الْمَيِّتِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْجَوَارِحِ. قَالَ الْخَلَّالُ: وَلَعَلَّهُ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى الْأَعْضَاءِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: إنْ وُجِدَ الْأَكْثَرُ صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ بَعْضٌ لَا يَزِيدُ عَلَى النِّصْفِ، فَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، كَاَلَّذِي بَانَ فِي حَيَاةِ صَاحِبِهِ، كَالشَّعْرِ وَالظُّفْرِ. وَلَنَا، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃ قَالَ أَحْمَدُ: صَلَّى أَبُو أَيُّوبَ عَلَى رِجْلٍ، وَصَلَّى عُمَرُ عَلَى عِظَامٍ بِالشَّامِ، وَصَلَّى أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى رُءُوسٍ بِالشَّامِ. رَوَاهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، بِإِسْنَادِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَلْقَى طَائِرٌ يَدًا بِمَكَّةَ مِنْ وَقْعَةِ الْجَمَلِ، فَعُرِفَتْ بِالْخَاتَمِ، وَكَانَتْ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا أَهْلُ مَكَّةَ. وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ بَعْضٌ مِنْ جُمْلَةٍ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا، فَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَالْأَكْثَرِ، وَفَارَقَ مَا بَانَ فِي الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةٍ لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَالشَّعْرُ وَالظُّفْرُ لَا حَيَاةَ فِيهِ.
стр. 3114
فَصْلٌ: وَإِنْ وُجِدَ الْجُزْءُ بَعْدَ دَفْنِ الْمَيِّتِ، غُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ إلَى جَانِبِ الْقَبْرِ، أَوْ نُبِشَ بَعْضُ الْقَبْرِ وَدُفِنَ فِيهِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى كَشْفِ الْمَيِّتِ، لِأَنَّ ضَرَرَ نَبْشِ الْمَيِّتِ وَكَشْفِهِ أَعْظَمُ مِنْ الضَّرَرِ بِتَفْرِقَةِ أَجْزَائِهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٢/ ٥٣٦ - ٥٣٨):
«قَوْلُهُ (وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ) يَعْنِي تَحْقِيقًا: غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ يَعْنِي غَيْرَ شَعْرٍ وَظُفُرٍ وَسِنٍّ، وَظَاهِرُهُ: سَوَاءٌ كَانَ الْبَعْضُ الْمَوْجُودُ يَعِيشُ مَعَهُ، كَيَدٍ وَرَجُلٍ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لَا، كَرَأْسٍ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ تَبَعًا لِلْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحُ، قَالَ: هُوَ الْمَشْهُورُ. قَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَبَعْضُ الْمَيِّتِ كَكُلِّهِ، وَعَنْهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْجَوَارِحِ قَالَ الْخَلَّالُ: لَعَلَّهُ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ هُوَ الْأَوَّلُ.
فَعَلَيْهَا: الِاعْتِبَارُ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُ فَإِنْ وُجِدَ الْأَكْثَرُ أَوَّلًا صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَلَوْ وُجِدَ بَعْدَهُ الْأَقَلُّ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ وُجِدَ الْأَقَلُّ أَوَّلًا لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ لِفَقْدِ الْأَكْثَرِ فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى: أَنَّ مَا دُونَ الْعُضْوِ الْكَامِلِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: مَا دُونَ الْعُضْوِ الْقَاتِلِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ تَمِيمٍ. قَوْلُهُ (وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) تَحْرِيرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ إنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ صُلِّيَ عَلَيْهِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ قَالَ الْمَجْدُ وَتَبِعَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقِيلَ: يَجِبُ أَيْضًا اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَحَيْثُ
стр. 3115
قُلْنَا يُصَلَّى: فَإِنَّهُ يُنْوَى عَلَى الْبَعْضِ الْمَوْجُودِ فَقَطْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُنْوَى الْجُمْلَةُ وَاخْتَارَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَأَمَّا غُسْلُهُ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ وَاجِبٌ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ: رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَا تَكْفِينُهُ وَدَفْنُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُدْفَنُ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَحَكَى الْآمِدِيُّ سُقُوطَ الْغُسْلِ إنْ قُلْنَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: إذَا صُلِّيَ عَلَى الْبَعْضِ، ثُمَّ وُجِدَ الْأَكْثَرُ فَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: احْتَمَلَ أَنْ لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ تَجِبُ، وَإِنْ تَكَرَّرَ الْوُجُوبُ، جَعْلًا لِلْأَكْثَرِ كَالْكُلِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحُ، وَتَبِعَ الْمَجْدُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: لَا يُصَلَّى عَلَى الْأَقَلِّ، وَعَنْهُ يُصَلَّى قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِذَا وُجِدَتْ جَارِحَةٌ مِنْ جُمْلَةٍ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا، وَإِنْ قُلْنَا بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجَوَارِحِ: وَجَبَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ إذَا وُجِدَ الْجُمْلَةُ: فَهَلْ تَجِبُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ تَقَدَّمَا، وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ: يَجِبُ هُنَا، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ فِيمَا إذَا صُلِّيَ عَلَى الْأَكْثَرِ، ثُمَّ وُجِدَتْ الْجَارِحَةُ، وَهَلْ يُنْبَشُ لِيُدْفَنَ مَعَهُ أَوْ بِجَنْبِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحُ: وَإِنْ وُجِدَ الْجُزْءُ بَعْدَ دَفْنِ الْمَيِّتِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ إلَى جَانِبِ الْقَبْرِ، أَوْ يُنْبَشُ بَعْضُ الْقَبْرِ وَيُدْفَنُ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ رَزِينٍ: دُفِنَ بِجَنْبِهِ وَلَمْ يُنْبَشْ، لِأَنَّهُ مِثْلُهُ.
الثَّانِيَةُ: مَا بَانَ مِنْ حَيٍّ كَيَدٍ وَسَاقٍ انْفَصَلَ فِي وَقْتٍ لَوْ وُجِدَتْ فِيهِ الْجُمْلَةُ لَمْ يُغَسَّلْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُصَلَّى عَلَيْهَا إنْ اُحْتُمِلَ مَوْتُهُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ» اهـ.
стр. 3116
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُّ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٥/ ٢٥٣ - ٢٥٥):
«وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَالْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ إذَا وُجِدَ بَعْضُ مَنْ تَيَقَّنَّا مَوْتَهُ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إلَّا إذَا وُجِدَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ وَعِنْدَنَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ وَإِنَّمَا نُصَلِّي عَلَيْهِ إذَا تَيَقَّنَّا مَوْتَهُ (فَأَمَّا) إذَا قُطِعَ عُضْوٌ مِنْ حَيٍّ كَيْدِ سَارِقٍ وَجَانٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ شَكَكْنَا فِي الْعُضْوِ هَلْ هُوَ مُنْفَصِلٌ مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ لَمْ نُصَلِّ عَلَيْهِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ إلَّا صاحب الْحَاوِي وَمَنْ أَخَذَ عَنْهُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ مِنْ الْحَيِّ وَجْهَيْنِ فِي وُجُوبِ غُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
أَحَدُهُمَا: يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَعُضْوِ الْمَيِّتِ وَأَصَحُّهُمَا لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَنَقَلَ الْمُتَوَلِّي ﵀ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فَقَالَ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْيَدَ الْمَقْطُوعَةَ فِي السَّرِقَةِ وَالْقِصَاصِ لَا تُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهَا وَلَكِنْ تُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ وَتُدْفَنُ وَكَذَا الْأَظْفَارُ الْمَقْلُومَةُ وَالشَّعْرُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْأَحْيَاءِ لَا يُصَلَّى عَلَى شئ مِنْهَا لَكِنْ يُسْتَحَبُّ دَفْنُهَا قَالَ وَكَذَا إذَا شَكَكْنَا فِي مَوْتِ صَاحِبِ الْعُضْوِ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهَذَا الَّذِي سَبَقَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى بَعْضِ الَّذِي تَيَقَّنَّا مَوْتَهُ هُوَ فِي الْعُضْوِ أَمَّا إذَا وَجَدْنَا شَعْرَ الْمَيِّتِ أَوْ ظُفُرَهُ أَوْ نَحْوَهُمَا فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالتَّتِمَّةِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ وَأَشَارَ إلَيْهِمَا الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيقِهِ فِي الْخِلَافِ
стр. 3117
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ ﵀ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بَلْ يُدْفَنُ.
وَأَصَحُّهُمَا: وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَالْعُضْوِ لِأَنَّهُ جُزْءٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ ﵀: هَذَا الثَّانِي أَقْرَبُ إلَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ قَالَ: لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ ﵀: إنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ﵀: وَلَوْ قُطِعَتْ أُذُنُهُ فَأَلْصَقَهَا مَوْضِعَهَا فِي حَرَارَةِ الدَّمِ ثُمَّ افْتَرَسَهُ سَبُعٌ وَوَجَدْنَا أُذُنَهُ لم نصل عليها لِأَنَّ انْفِصَالَهَا كَانَ فِي الْحَيَاةِ هَذَا كَلَامُ القاضي ﵀ ويجئ فِيهَا الْوَجْهُ السَّابِقُ عَنْ الْحَاوِي قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏: وَمَتَى صَلَّى فِي هَذِهِ الصُّوَرِ فلا بدمن تَقَدُّمِ غُسْلِهِ ثُمَّ يُوَارَى بِخِرْقَةٍ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏: وَالدَّفْنُ لَا يَخْتَصُّ بِعُضْوِ مَنْ عُلِمَ مَوْتُهُ بَلْ كُلُّ مَا يَنْفَصِلُ مِنْ الْحَيِّ مِنْ عُضْوٍ وَشَعْرٍ وَظُفْرٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَجْزَاءِ يُسْتَحَبُّ دَفْنُهُ وَكَذَلِكَ تُوَارَى الْعَلَقَةُ وَالْمُضْغَةُ تُلْقِيهِمَا الْمَرْأَةُ وَكَذَا يُوَارَى دَمُ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏: وَلَوْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ أَوْ كُلُّهُ وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ فَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ كَمَا حَكَمْنَا بِإِسْلَامِ اللَّقِيطِ فِيهَا وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ فِي آخِرِ بَابِ الشَّهِيدِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ وَمَتَى صَلَّى عَلَى عُضْوِ الْمَيِّتِ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى جُمْلَةِ الْمَيِّتِ لَا عَلَى الْعُضْوِ وَحْدَهُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: هَذَا.
стр. 3118
وَالثَّانِي: يُصَلَّى عَلَى الْعُضْوِ خَاصَّةً قَالَ: وَالْوَجْهَانِ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ جُمْلَتَهُ صَلَّى عَلَيْهَا فَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ صَلَّى عَلَى الْعُضْوِ وَحْدَهُ وَجْهًا وَاحِدًا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَا إذَا وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ سَوَاءٌ قَلَّ الْبَعْضُ أَمْ كَثُرَ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ﵀ وَقَالَ دَاوُد لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ أَنْ وُجِدَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَإِنْ وُجِدَ النِّصْفُ فَلَا غُسْلَ ولا صلاة قال مالك ﵀ لا يصلى علي اليسير منه» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه إذا وجد عضو للميت غسل وكفن وصلي عليه ودفن، وإن وجد بعد ذلك بقية الجسد فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في القبر الذي دفنت فيه اليد وذلك أنَّ غالب الجسد يأخذ حكم جميعه، وأمَّا إذا وجد عضو آخر ففي الصلاة عليها احتمال وتردد، والأظهر الاقتصار على الصلاة الأولى فإنَّها صلاة على الميت لا على جزء منه لكن لا بد من غسل وتكفين ودفن ما وجد بعد ذلك من الأعضاء.
وهكذا إن وجد الجسد فغسل وكفن وصلي عليه ودفن ثم وجد عضو من أعضائه فيكتفى بتغسيله وتكفينه ودفنه. والله أعلم.
* * *
стр. 3119
١٥٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ، سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٤٠):
«قوله: "سُحُول" بضم المهملتين وآخره لام أي بيض وهو جمع سَحْلٍ وهو الثوب الأبيض النقي ولا يكون إلَّا من قطن وقد تقدم في باب الثياب البيض للكفن بلفظ يمانية بيض سحولية من كرسف وعن ابن وهب: السحول القطن. وفيه نظر وهو بضم أوله ويروي بفتحه نسبة إلى سَحول قرية باليمن وَقَالَ الأزهري بالفتح المدينة وبالضم الثياب وقيل النسب إلى القرية بالضم وأمَّا بالفتح فنسبة إلى القصار لأنَّه يسحل الثياب أي ينقيها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ فِي [كَشْفِ الْمُشْكِلِ مِنْ حَدِيْثِ الصَّحِيْحَيْنِ] (٤/ ٣١٧):
«والسحولية مَفْتُوحَة السِّين، منسوبة إِلَى قَرْيَة بِالْيمن يُقَال لَهَا: سحول، قَالَ الْحميدِي: وَقد قَرَأنَا نَحن بِمَكَّة على شيخ من شُيُوخ الحَدِيث كَانَ من أهل هَذِه الْقرْيَة. وَكَانَ ابْن قُتَيْبَة يَقُول: سُحُولِيَّة بِضَم السِّين، وَيَقُول: سحول جمع سحل: وَهُوَ الثَّوْب الْأَبْيَض. وَقَالَ أَبُو عمر الزَّاهِد: إِنَّمَا هِيَ بِفَتْح السِّين.
وَقَالَ: وَقَوله: سحول جمع سحل، خطأ؛ إِنَّمَا جمع سَحَل سُحُل» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذكر هذا الجمع جماعة من أهل اللغة.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٍ ﵀ فِي: [مَشَارِقِ الْأَنْوَارِ] (٢/ ٢٠٩):
стр. 3120
«سحول بِالضَّمِّ جمع سحل وَهُوَ ثوب أَبيض وَوَقع فِي كتاب مُسلم من رِوَايَة السَّمرقَنْدِي أَثوَاب سحول فَمن فتح السِّين أضَاف الأثواب وَأَرَادَ الْموضع وَمن ضمهَا نون وَأَرَادَ صفة الأثواب أَنَّهَا قطن أَوْ بيض» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ قوله سحولية نسبة إلى السحول وهو مخلاف من مخاليف اليمن وهو الآن تابع لمدينة إب من مدن اليمن. وتفسير السحول بالأبيض لا يستقيم ها هنا لأنَّ البياض قد ذكر في الرواية.
قَالَ يَاقُوتُ الْحَمَوِي فِي [مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ] (٣/ ١٩٥):
«سحول: بضم أوله وآخره لام قال الليث: السحيل والجمع السحل ثوب لا يبرم غزله أي لا يفتل طاقين يقال سحلوه أي لم يفتلوا سداه وسحول قبيلة من اليمن وهو السحول بن سوادة بن عمرو بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد ابن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير بن سبإ قرية من قرى اليمن يحمل منها ثياب قطن بيض تدعى السحولية» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب تكفين الميت بثلاثة أثواب. وقد استحب ذلك في الرجل جمهور العلماء منهم الأئمة الأربعة.
قُلْتُ: وأمَّا المرأة فقد جاء فيها ما رواه أحمد (٢٧١٧٩)، ومن طريقه أبو داود (٣١٥٧) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي نُوحُ بْنُ حَكِيمٍ الثَّقَفِيُّ - وَكَانَ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ - عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ يُقَالُ لَهُ:
следующие страницы →