Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
«فِي قَلْمِ أَظْفَارِ الْمَيِّتِ وَأَخْذِ شَعْرِ شَارِبِهِ وَإِبْطِهِ وَعَانَتِهِ قَوْلَانِ: الْجَدِيدُ أَنَّهَا تُفْعَلُ، وَالْقَدِيمُ: لَا تُفْعَلُ وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَالْكَرَاهَةِ.
أَحَدُهُمَا: يُسْتَحَبُّ، وَالثَّانِي: يُكْرَهُ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَشَيْخِهِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَاحِبِ الْحَاوِي وَالْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ وَالْخُلَاصَةِ وَصَاحِبِ التَّهْذِيبِ وَالرُّويَانِيِّ فِي الْحِلْيَةِ وَآخَرِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ.
قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: الْقَوْلُ الْجَدِيدُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَتَرْكُهُ مَكْرُوهٌ وَقَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ بِاسْتِحْبَابِهِ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي الْكَرَاهَةِ وَعَدَمِهَا:
أحد هما: يُكْرَهُ.
وَالثَّانِي: لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ قَطْعًا وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ فَإِنَّهُ قَالَ مِنْ النَّاسِ مَنْ كَرِهَ أَخْذَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِعِيِّ لَا خِلَافَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا تُسْتَحَبُّ وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي الْكَرَاهَةِ فَمَرْدُودٌ بِمَا قَدَّمْته مِنْ إثْبَاتِ الْخِلَافِ فِي الِاسْتِحْبَابِ مَعَ جَزْمِ مَنْ جَزَمَ وَعَجَبٌ قَوْلُهُ هَذَا مَعَ شُهْرَةِ هَذِهِ الْكُتُبِ لَا سيما الوسيط والمهذب والتنبيه.
وأمَّا الأصح من القولين فصحح الْمَحَامِلِيُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَقَطَعَ بِهِ فِي كِتَابِهِ الْمُقْنِعِ وَصَحَّحَ غَيْرُهُ الْكَرَاهَةَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَنَقَلَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ مِنْهَا الْأُمُّ وَمُخْتَصَرُ الْجَنَائِزِ وَالْقَدِيمُ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ مِنْ
стр. 3187
أَصْحَابِنَا مَنْ رَأَى حَلْقَ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمَ الْأَظْفَارِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَتَرْكُهُ أَعْجَبُ إلَيَّ هَذَا نَصُّهُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي تَرْجِيحِ تركه ولم يصرح الشافعي في شيء مِنْ كُتُبِهِ بِاسْتِحْبَابِهِ جَزْمًا إنَّمَا حَكَى اخْتِلَافَ شُيُوخِهِ فِي اسْتِحْبَابِهِ وَتَرَكَهُ وَاخْتَارَ هُوَ تَرْكَهُ فَمَذْهَبُهُ تَرْكُهُ وَمَا سِوَاهُ لَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ فَيَتَعَيَّنُ تَرْجِيحُ تَرْكِهِ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْأُمِّ وَيَتَتَبَّعُ الْغَاسِلُ مَا تَحْتَ أَظَافِيرِ الْمَيِّتِ بِعُودٍ حَتَّى يُخْرِجَ الْوَسَخَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا تَفْرِيعٌ مِنْ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَتْرُكُ أَظَافِيرَهُ وَأَمَّا إذَا قُلْنَا تُزَالُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْعُودِ فَحَصَلَ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَوْ الصَّوَابَ تَرْكُ هَذِهِ الشُّعُورِ وَالْأَظْفَارِ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الميت محترمة فلا تنهتك بِهَذَا وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ ﵃ فِي هذا شيء فَكُرِهَ فِعْلُهُ وَإِذَا جُمِعَ الطَّرِيقَانِ حَصَلَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْمُخْتَارُ: يُكْرَهُ.
وَالثَّانِي: لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ.
وَالثَّالِثُ: يُسْتَحَبُّ وَمِمَّنْ اسْتَحَبَّهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حنبل واسحق بْنُ رَاهْوَيْهِ وَمِمَّنْ كَرِهَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْمُزَنِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْجُمْهُورُ وَنَقَلَهُ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا قُلْنَا تُزَالُ هَذِهِ الشُّعُورُ فَلِلْغَاسِلِ أَنْ يَأْخُذَ شَعْرَ الإبط وَالْعَانَةِ بِالْمِقَصِّ أَوْ الْمُوسَى أَوْ النُّورَةِ فَإِنْ نَوَّرَهُ غَسَلَ مَوْضِعَ النُّورَةِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ النُّورَةُ فِي الْعَانَةِ لِئَلَّا يَنْظُرَ إلَى عَوْرَتِهِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ النُّورَةُ في العانة والابط جميعا وبه حزم صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْمَذْهَبُ التَّخْيِيرُ كَمَا سَبَقَ لَكِنْ لَا يَمَسُّ وَلَا يَنْظُرُ مِنْ الْعَوْرَةِ إلَّا قَدْرَ الضَّرُورَةِ وَأَمَّا الشَّارِبُ فَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ إذَا قُلْنَا يُزَالُ
стр. 3188
أَزَالَهُ بِالْمِقَصِّ كَمَا يُزِيلُهُ فِي الْحَيَاةِ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ يُكْرَهُ حَفُّ الشَّارِبِ فِي حَقِّ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ جَمِيعًا وَلَكِنْ يَقُصُّهُ بِحَيْثُ لَا تَنْكَشِفُ شَفَتُهُ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ حَفُّ شَارِبِهِ فَمُرَادُهُ قَصُّهُ لَا حَقِيقَةُ الْحَفِّ كَمَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَإِذَا قُلْنَا يُزِيلُ هَذِهِ الشُّعُورَ وَالْأَظْفَارَ اُسْتُحِبَّ إزَالَتُهَا قَبْلَ الْغُسْلِ صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي أَوَّلِ بَابِ غُسْلِ الْمَيِّتِ يَفْعَلُهَا قَبْلَ غُسْلِهِ قَالَ وَقَدْ أَخَلَّ الْمُزَنِيّ بِالتَّرْتِيبِ فَذَكَرَهُ بَعْدَ الْغُسْلِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَهُ قَبْلَهُ قُلْت وَكَذَا عَمِلَ الْمُصَنِّفُ وجمهور الْأَصْحَابِ ذَكَرُوهُ بَعْدَ الْغُسْلِ وَكَأَنَّهُمْ تَأَسَّوْا بِالْمُزَنِيِّ ﵀ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَ فِي اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِهِ وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى تَقْدِيمِهِ بِقَوْلِهِ قَبْلَ هَذَا وَيَتَتَبَّعُ مَا تَحْتَ أَظْفَارِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ قَلَّمَهَا وَأَمَّا شَعْرُ الرَّأْسِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يَحْلِقُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ إنْ كَانَ لا يعتاد حلق رأسه بأن كان ذاجمة وَهِيَ الشَّعْرُ الْمُسْتَرْسِلُ الَّذِي نَزَلَ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ لَمْ يُحْلَقْ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُ حَلْقَهُ فَطَرِيقَانِ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ لَا يحلق.
والثاني: عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْأَظْفَارِ وَالشَّارِبِ وَالْإِبْطِ وَالْعَانَةِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْته بَيْنَ الْمُعْتَادِ وَغَيْرِهِ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ وَكَلَامُ
الْمُصَنِّفِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا خِتَانُ مَنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يخنن فَفِيهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ لَا يُخْتَنُ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: فِيهِ قَوْلَانِ كَالشَّعْرِ وَالظُّفْرِ حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ.
وَالثَّالِثُ: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ الصَّحِيحُ لَا يُخْتَنُ.
وَالثَّانِي:
стр. 3189
يُخْتَنُ.
وَالثَّالِثُ: يُخْتَنُ الْبَالِغُ دُونَ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْبَالِغِ دُونَ الصَّبِيِّ وَالصَّحِيحُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا يُخْتَنُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ جُزْءٌ فَلَمْ يُقْطَعْ كَيَدِهِ الْمُسْتَحِقَّةِ فِي قَطْعِ سَرِقَةٍ أَوْ قِصَاصٍ فَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهَا لَا تُقْطَعُ وَيُخَالِفُ الشَّعْرَ وَالظُّفْرَ فَإِنَّهُمَا يُزَالَانِ فِي الْحَيَاةِ للزينة والميت بشارك الْحَيَّ فِي ذَلِكَ وَالْخِتَانُ يُفْعَلُ لِلتَّكْلِيفِ بِهِ وَقَدْ زَالَ بِالْمَوْتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: ترك ذلك هو الأظهر عندي لعدم مجيء حديث بذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولم أقف على ما يعتمد عليه من أفعال صحابة النبي ﷺ .
* * *
стр. 3190
١٥٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ - أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ. وَلا تُحَنِّطُوهُ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ. فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّياً"».
وَفِي رِوَايَةٍ: «وَلا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلا رَأْسَهُ».
قوله: «فَوَقَصَتْهُ». الوقص: كسر العنق، والمعنى أنَّه سقط فانكسر عنقه بسبب السقوط، أو أنَّه سقط فوطأت الناقة على رقبته فانكسرت.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - وجوب تغسيل الميت وإن مات محرماً.
٢ - استعمال السدر في تغسيل الميت.
٣ - وفيه مشروعية الاقتصار على الثوبين في تكفين الميت.
٤ - وفيه أنَّ المحرم إذا مات لا يطيب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٢٦١):
«واختلف العلماء كيف يكفن المحرم، فقال الشافعي، وأحمد بن حنبل: يكفن المحرم، ولا يغطى رأسه، ولا يقرب طيبًا، لأنَّ حكم إحرامه باق. وهو قول علي، وابن عباس على ظاهر هذا الحديث. وَقَالَ مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي: يفعل بالمحرم ما يفعل بالحلال. وهو قول عثمان، وعائشة، وابن عمر» اهـ.
стр. 3191
قُلْتُ: الصحيح بقاء الإحرام كما يدل عليه هذا الحديث، ويدل عليه أيضاً ما رواه مسلم (٢٨٧٨) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ».
٥ - وفيه أنَّ المحرم يبعث يوم القيامة ملبياً.
٦ - ويفهم من قوله: «وَلَا تُحَنِّطُوهُ». أنَّ غير المحرم يستعمل له الحنوط. والحنوط أخلاط من الطيب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٩٣):
«مسألة؛ قال: "ويجعل الذريرة في مفاصله، ويجعل الطيب في مواضع السجود والمغابن، ويفعل به كما يفعل بالعروس".
الذريرة هي الطيب المسحوق، ويستحب أن يجعل في مفاصل الميت ومغابنه، وهي المواضع التي تنثني من الإنسان، كطي الركبتين، وتحت الإبطين، وأصول الفخذين؛ لأنَّها مواضع الوسخ، ويتبع بإزالة الوسخ والدرن منها من الحي، ويتبع بالطيب من المسك والكافور مواضع السجود؛ لأنَّها أعضاء شريفة، ويفعل به كما يفعل بالعروس؛ لأنَّه يروى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "اصنعوا بموتاكم كما تصنعون بعرائسكم".
وكان ابن عمر يتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك.
قال أحمد يخلط الكافور بالذريرة.
وقيل له: يذر المسك على الميت أو يطلى به؟ قال: لا يبالي، قد روي عن ابن عمر أنَّه ذر عليه، وروي عنه أنَّه مسحه بالمسك مسحاً، وابن سيرين طلى إنساناً بالمسك من قرنه إلى قدمه.
стр. 3192
وَقَالَ إبراهيم النخعي: يوضع الحنوط على أعظم السجود، الجبهة، والراحتين، والركبتين، وصدور القدمين» اهـ.
قُلْتُ: حديث: «اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ كَمَا تَصْنَعُونَ بِعَرَائِسِكُمْ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ فِي [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٥/ ٢٠٥):
«هذا الحديث غريب، لا أعلم من خرجه بعد البحث عنه، وذكره الغزالي في "وسيطه" بلفظ آخر: "افعلوا بموتاكم ما تفعلون بأحيائكم" ولا يحضرني من خرج الآخر، وَقَالَ ابن الصلاح في كلامه على "الوسيط": بحثت عنه فلم أجده ثابتاً. وَقَالَ الحافظ أبو شامة المقدسي في كتاب "السواك": وما يتعلق به هذا الحديث مذكور في كثير من كتب الفقه، وهو غير معروف» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِي ﵀ في [الْسِّلْسِلَةِ الْضَّعِيْفَةِ] (١٤/ ٢٦٧) (٦٦١١): «لا أصل له» اهـ.
قُلْتُ: ويستحب تجمير ثياب الميت بالعود ونحوه.
فقد روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٢٢٤) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، أَنَّهَا قَالَتْ عِنْدَ مَوْتِهَا: «إِذَا أَنَا مِتُّ، فَاغْسِلُونِي، وَكَفِّنُونِي، وَأَجْمِرُوا ثِيَابِي».
قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وأسماء هي بنت أبي بكر الصديق ﵄.
ورواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٥٣٠) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ لِأَهْلِهَا: «أَجْمِرُوا ثِيَابِي إِذَا مِتُّ، ثُمَّ حَنِّطُونِي، وَلَا تَذُرُّوا عَلَى كَفَنِي حِنَاطًا وَلَا تَتْبَعُونِي بِنَارٍ».
стр. 3193
قُلْتُ: لم يذكر مالك في روايته عن هشام الواسطة بينه وبين أسماء وقد ذكر ذلك عبدة بن سليمان وهو من الثقات الأثبات فزيادته زيادة ثقة مقبولة. والله أعلم.
ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦١٥٢) عَنْ مَعْمَرٍ، أَوِ ابْنِ جُرَيْجٍ - الشَّكُّ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ - عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ لِأَهْلِهَا: «أَجْمِرُوا ثِيَابِي إِذَا أَنَا مِتُّ، ثُمَّ كَفِّنُونِي، ثُمَّ حَنِّطُونِي، وَلَا تَذُرُّوا عَلَى كَفَنِي حِنَاطًا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٨٣):
«ولأنَّ هذا عادة الحي عند غسله، وتجمير ثيابه، أن يجمر بالطيب والعود، فكذلك الميت» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ١٩٧):
«يستحب تبخير الكفن إلَّا في حق المحرم والمحرمة قال أصحابنا صفة ذلك أن يجعل الكفن علي عود وغيره ثم يبخر كما يبخر ثياب الحي حتى تعبق بها رائحة الطيب قال أصحابنا ويستحب أن يكون الطيب عوداً وكون العود غير مطيب بالمسك فإن كان مطيباً به جاز ويستحب تطييبه ثلاثاً للحديث» اهـ.
قُلْتُ: يعني ما رواه أحمد (١٤٥٨٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا قُطْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا أَجْمَرْتُمُ الْمَيِّتَ، فَأَجْمِرُوهُ ثَلَاثًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ وأبو سفيان هو طلحة بن نافع اختلف العلماء في سماعه من جابر فمنهم من أثبت له السماع مطلقاً، ومنهم من قال: سمع من جابر أربعة أحاديث.
стр. 3194
قُلْتُ: وهو وإن لم يثبت له السماع فيما سوى الأربعة الأحاديث فقد أخذها من صحيفة سليمان اليشكري التي كتبها من أحاديث جابر وهي وجادة صحيحة.
٧ - وفيه أنَّ من مات محرماً لا يُكمَّل له ما بقي من حجه ولا يناب عنه من يكمل له النسك لأنَّه يبعث يوم القيامة محرماً.
٨ - وفي قوله: «وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ». يدل على أنَّ الكفن يكون من رأس المال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٩/ ٨٨):
«ويدل على أنَّ الكفن من رأس المال لأنَّه بدأ فأمر أن يكفن في ثوبيه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ١٨٨):
«ويجب ذلك في ماله للخبر ويقدم علي الدين كما تقدم كسوة المفلس علي ديون غرماءه» اهـ.
وَقَالَ (٥/ ١٨٩): «تكفين الميت وسائر مؤنة تجهيزه يحسب من رأس ماله سواء كان موسراً أو غيره هذا مذهبنا وبه قال الفقهاء كافة إلَّا ما سأذكره قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الكفن من رأس المال سواء كان موسراً أو غيره هذا مذهبنا وبه قال الفقهاء كافة إلَّا ما سأذكره عند أكثر العلماء ممن قاله ابن المسيب وعطاء ومجاهد والحسن وعمرو بن دينار وعمر بن عبد العزيز والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحق ومحمد بن الحسن وبه نقول وَقَالَ خلاس بن عمرو وبكسر الخاء من ثلث التركة وَقَالَ طاووس إن كان المال قليلاً فمن الثلث وإلَّا فمن رأس المال» اهـ.
٩ - ويدل على تكفين الميت بثياب إحرامه.
стр. 3195
وقد جاء عند النسائي (١٩٠٤)، أَخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اغْسِلُوا الْمُحْرِمَ فِي ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِيهِمَا، وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُمِسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا».
قُلْتُ: إِسْنَادَهُ صَحِيْحٌ، ويونس وثقه النسائي.
١٠ - ويدل على جواز تكفين الميت بالثوب الملبوس.
١١ - وفيه أنَّ الإحرام لا ينقطع بالموت خلافاً للحنفية والمالكية.
١٢ - وفيه جواز استعمال المحرم للسدر عند اغتساله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٢٧٦):
«وقوله ﷺ : "واغسلوه بماء وسدر" دليل على استحباب السدر في غسل الميت، وأنَّ المحرم في ذلك كغيره، وهذا مذهبنا، وبه قال طاووس وعطاء ومجاهد وابن المنذر وآخرون، ومنعه مالك وأبو حنيفة وآخرون» اهـ.
١٣ - وفيه النهي عن تغطية رأس ووجه الميت إذا مات محرماً.
١٤ - ويؤخذ منه منع المحرم وإن كان حياً عن تغطية الوجه والرأس.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٢٧٦):
«وقوله ﷺ : "ولا تخمروا وجهه ولا رأسه" أمَّا تخمير الرأس في حق المحرم الحي فمجمع على تحريمه وأمَّا وجهه فقال مالك وأبو حنيفة هو كرأسه وَقَالَ الشافعي والجمهور لا إحرام في وجهه بل له تغطيته وإنَّما يجب كشف
стр. 3196
الوجه في حق المرأة هذا حكم المحرم الحي وأمَّا الميت فمذهب الشافعي وموافقيه أنَّه يحرم تغطية رأسه كما سبق ولا يحرم تغطية وجهه بل يبقى كما كان في الحياة ويتأول هذا الحديث على أنَّ النهي عن تغطية وجهه ليس لكونه وجهاً إنَّما هو صيانة للرأس فإنَّهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطوا رأسه ولا بد من تأويله لأنَّ مالكاً وأبا حنيفة وموافقيهما يقولون: لا يمنع من ستر رأس الميت ووجهه، والشافعي وموافقوه يقولون: يباح ستر الوجه فتعين تأويل الحديث» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٧٥):
«فصل: وفي تغطية المحرم وجهه روايتان: إحداهما، يباح. روي ذلك عن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وابن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، وجابر، والقاسم، وطاووس، والثوري، والشافعي.
والثانية، لا يباح. وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك» اهـ.
قُلْتُ: الحديث الوارد بتغطية الوجه رواه مسلم (١٢٠٦) فقال: حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اغْسِلُوهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُلَبِّي».
وقد تابع إسرائيل في ذلك زائدة بن قدامة عند الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٧٥٢٧)
قُلْتُ: وفي الإسناد انقطاع بين منصور وسعيد فقد رواه جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: وَقَصَتْ
стр. 3197
بِرَجُلٍ مُحْرِمٍ نَاقَتُهُ، فَقَتَلَتْهُ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «اغْسِلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ». رواه البخاري (١٨٣٩).
وقد تابع جريراً عمرو بن أبي قيس، وشيبان بن عبد الرحمن التميمي عند أبي عوانة في [مُسْنَدِه] (٣١١٧).
قُلْتُ: وقد خالف جريرٌ ومن معه إسرائيلَ وزائدة في موضعين:
الموضع الأول: أنَّه ذكر الحكم بن عتيبة بين منصور وسعيد.
الموضع الآخر: أنَّه ذكر في حديثه تغطية الوجه لا الرأس.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٣/ ٣٩٣):
«رواه البخاري في الصحيح عن قتيبة وهذا هو الصحيح منصور عن الحكم عن سعيد وفي متنه ولا تغطوا رأسه ورواية الجماعة في الرأس وحده وذكر الوجه فيه غريب ورواه أبو الزبير عن سعيد بن جبير فذكر الوجه على شك منه في متنه ورواية الجماعة الذين لم يشكوا وساقوا المتن أحسن سياقة أولى بأن تكون محفوظة والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْدَّارَقُطْنِي ﵀ فِي [الْإِلْزَامَاتِ وَالْتَتَبُعِ] (ص: ٣٣٨):
«وأخرج مسلم عن عبد بن حميد عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: قصة المحرم الذي وقصة بعيره.
وإنَّما سمعه منصور من الحكم وأخرجه البخاري عن قتيبة عن جرير عن منصور عن الحكم عن سعيد. وهو الصواب. وقيل: عن منصور عن سلمة ولا يصح» اهـ.
стр. 3198
وَقَالَ الْحَاكِمُ ﵀ فِي [الْمَعْرِفَةِ] (ص: ١٤٨):
«ذِكْرُ الْوَجْهِ تَصْحِيفٌ مِنَ الرُّوَاةِ لِإِجْمَاعِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ مِنْ أَصْحَابِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْهُ، وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ» اهـ.
قُلْتُ: والحديث جاء في الصحيحين وغيرهما بذكر تخمير الرأس لا الوجه.
وقد رواه جماعة من الثقات كذلك عن سعيد بن جبير ولم يذكروا تغطية الوجه منهم:
١ - أيوب السختياني وحديثه رواه البخاري (١٢٦٥، ١٢٦٦، ١٢٦٨، ١٨٥٠).
٢ - وجعفر بن أبي وحشية أبو بشر وحديثه رواه البخاري (١٢٦٧، ١٨٥١).
واختلف فيه عليه فرواه شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بِشْرٍ يُحَدِّثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَأَقْعَصَتْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَيُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْنِ خَارِجًا رَأْسُهُ وَوَجْهُهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا». رواه النسائي (٢٧١٣، ٢٨٥٤).
وخالف شعبة أبو عوانة، وهشيم وحديثهما في البخاري، فلم يذكرا في حديثهما تخمير الوجه.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ شعبة أخطأ في هذا الحديث وقد كان يرويه قديماً على الصواب فقد روى النسائي (٢٨٥٤) وفي [الْكُبْرَى] (٣٨٣٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، وَاسْمُهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ وَهُوَ جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ وَهُوَ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ
стр. 3199
فِي سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا مُحْرِمًا صُرِعَ عَنْ نَاقَتِهِ، فَأُوقِصَ ذُكِرَ أَنَّهُ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ ثُمَّ» قَالَ عَلَى إِثْرِهِ: خَارِجَ رَأْسِهِ " قَالَ: «وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» قَالَ شُعْبَةُ: فَسَأَلْتُهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ فَجَاءَ بِالْحَدِيثِ كَمَا كَانَ يَجِيءُ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ».
٣ - وعمرو بن دينار المكي وحديثه في البخاري (١٢٦٨، ١٨٤٩)، ومسلم (١٢٠٦).
وقد اختلف فيه على سفيان وهو ابن عيينة فرواه مسلم (١٢٠٦) فقال: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَجُلًا أَوْقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا».
وتابع وكيعاً أبو داود الحفري روى حديثه النسائي (٢٧١٤)، ومحمد بن يوسف الفريابي وقد روى حديثه أبو عوانة في [مُسْنَدِه] (٣١٠٤).
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ولم يذكر تغطية الوجه. رواه مسلم (١٢٠٦).
وتابعه على بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي رواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٤٢٩)، وأحمد بن شيبان عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٩٧٨)، وعند أبي عوانه في [مُسْنَدِه] (٣٠٩٣)، وأحمد بن عبدة عند البزار (٤٩٨٠)، ويونس بن عبد
стр. 3200
الأعلى عند الْدَارَقُطْنِي (٢٧٧١)، وعند الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢٥٦)، وعند أبي عوانة في [مُسْنَدِه] (٣٠٩٣)، والشافعي في [الْمُسْنَد] (٥٦٨)، ورواه أيضاً البيهقي في [الْمَعْرِفَة] (٢١٥٠)، وعند الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢٥٧)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٨٨٦)، وإسحاق بن منصور عند ابن الجارود في [الْمُنْتَقَى] (٥٠٦)، ومحمد بن كثير عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٦٠)، وعبد الله بن الزبير الحميدي في [مُسْنَدِه] (٤٩٤)، وعند أبي عوانة في [مُسْنَدِه] (٣٠٩٤، ٣٠٩٥)، وعلي بن المديني عند أبي عوانة في [مُسْنَدِه] (٣٠٩٩).
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٥/ ٥٣):
«ورواه محمد بن عبد الله بن نمير عن وكيع دون ذكر الوجه فيه وكذلك رواه محمد بن كثير وعبد الله بن الوليد العدني عن سفيان دون ذكر الوجه» اهـ.
واختلف فيه على عمرو بن دينار فرواه عبد الله بن علي الأزرق عنه بذكر تخمير الوجه أخرج حديثه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٦١)، وتابعه أشعث بن سوار أخرج حديثه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٦٣)، وأبان بن صالح بن عمير عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٦٥)، وابن أبي ليلى عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٦٤)، وأبو مريم عبد الغفار بن القاسم أخرج حديثه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٦٨)، وعمر بن عامر السلمي عند الْدَارَقُطْنِي (٢٧٦٩)، وعند ابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (١٩٨٤)، وقيس بن سعد المكي رواه محمد بن بشر في [الْفَوَائِد] (١١١)
стр. 3201
وخالفهم ثقات أصحاب عمرو بن دينار كحماد بن زيد وحديثه في الصحيحين. وعبد الملك بن جريج وحديثه في مسلم (١٢٠٦)، ومحمد بن يحيى بن أبى عمر العدني عند الترمذي (٩٥١)، وأبان بن يزيد العطار أخرج حديثه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٦٢)، وعمرو بن الحارث أخرج حديثه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٦٦)، والمثنى بن الصباح أخرج حديثه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٦٨٢٧)، وسليم بن حيان عند الطبراني في [الْصَّغِيْرِ] (١٠٠٤).
٤ - وعبد الكريم الجزري في الصحيح من روايته.
وقد رواه الطبراني [الْكَبِيْر] (١٢٥٣٨) من طريق قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَوَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَاتَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَنْ يُكَفَّنَ وَيُغَسَّلَ، وَلَا يُخَمَّرَ وَجْهُهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي - أَوْ قَالَ: يُهِلُّ -».
ورواه أحمد (٣٠٧٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا خَرَّ عَنْ بَعِيرِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوَقَصَهُ أَوْ أَقْصَعَهُ - شَكَّ أَيُّوبُ -، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، وَلا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا».
ورواه (٣٠٧٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا خَرَّ عَنْ بَعِيرٍ نَادٍّ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوُقِصَ وَقْصًا، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَيُّوبَ.
стр. 3202
ورواه [الْكَبِيْر] (١٢٥٣٩) حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ، ثنا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ، ثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ أَخِي صَرَعَهُ بَعِيرُهُ، فَمَاتَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اغْسِلْهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَلَا تُحَنِّطْهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا».
قُلْتُ: الصحيح رواية معمر.
٥ - و سالم بن عجلان الأفطس أخرج حديثه الطبراني في [الْصَّغِيْرِ] (٢١٥)
٦ - وإبراهيم بن أبي حرة النصيبي عند أبي عوانة في [مُسْنَدِه] (٣٠٩٥).
ورواه مسلم (١٢٠٦) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، وَقَصَتْ رَجُلًا رَاحِلَتُهُ، وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، «فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَأَنْ يَكْشِفُوا وَجْهَهُ - حَسِبْتُهُ قَالَ - وَرَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ يُهِلُّ».
وتابع أبا الزبير مطر الوراق عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٧٦)، وأبي عوانة في [مُسْنَدِه] (٣١١٣).
قُلْتُ: فالذي يظهر لي أنَّ ذكر تخمير الوجه لا يثبت في الحديث، وأنَّ المحفوظ في الحديث النهي عن تخمير الرأس. والله أعلم.
* * *
стр. 3203
١٥٨ - عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: «نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - نهي النساء عن اتباع الجنائز.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٩/ ٢٢٠):
«واختلفوا في اتباع النساء الجنائز، فممن روينا عنه أنَّه كره اتباعهن الجنائز ابن مسعود، وابن عمر، وعائشة، وأبو أمامة، وكره ذلك مسروق، والحسن، والنخعي، وأحمد، وإسحاق، وكان الأوزاعي يرى منع النساء الخروج مع الجنائز وقد ذكر عن عبد الجبار بن عمر أنَّه كان في جنازة مع أبي الزناد، وربيعة، ومعهم فيها نساء قال: فلم أرهما ينكران شهود النساء الجنائز يومئذ، وحكي عن الزهري أنَّه لم ينكر ذلك، وروي عن الحسن البصري أنَّه كان لا يرى بأساً أن تصلي النساء على الجنازة، وهنَّ على الدواب من غير علة وكان مالك لا يرى بذلك بأساً، وكره ذلك لنسائه قال أبو بكر: أمَّا الذين كرهوا حضور النساء الجنائز فلعل من حجتهم حديث أم عطية بل قد احتج به بعضهم» اهـ.
قُلْتُ: واحتج من أجاز لهنَّ ذلك بما رواه أحمد (٩٧٢٩)، وابن ماجه (١٥٨٧)
مِنْ طَرِيْقِ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي جَنَازَةٍ،
стр. 3204
فَرَأَى عُمَرُ امْرَأَةً، فَصَاحَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَعْهَا يَا عُمَرُ، فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ، وَالنَّفْسَ مُصَابَةٌ، وَالْعَهْدَ حَدِيثٌ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ظَاهِرَهُ الصِّحَةِ. لكن رواه النسائي (١٨٥٩)، مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَزْرَقِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: مَاتَ مَيِّتٌ مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاجْتَمَعَ النِّسَاءُ يَبْكِينَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ يَنْهَاهُنَّ وَيَطْرُدُهُنَّ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَعْهُنَّ يَا عُمَرُ فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ، وَالْقَلْبَ مُصَابٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ».
قُلْتُ: خالف محمدُ بن عمرو بن حلحلة وهبَ بن كيسان في موضعين:
الموضع الأول: في ذكره لسلمة بن الأزرق بين محمد بن عمرو بن عطاء وأبي هريرة.
والموضع الآخر: في متن الحديث فليس في حديث محمد بن عمرو بن حلحلة ذكر للمرأة التي في الجنازة.
قُلْتُ: وسلمة بن الأزرق لا يعرف حاله.
وقد اختلف في متن الحديث على إسماعيل بن جعفر عن محمد بن عمرو بن حلحلة به.
فرواه عنه علي بن حجر كما مرَّ، وخالفه سليمان بن داود القرشي فرواه عنه من غير ذكر للمرأة التي في الجنازة. وحديثه رواه أحمد (٥٨٨٩).
стр. 3205
واختلف فيه على هشام فرواه وكيع عنه كما سبق وتابعه على ذلك عبدة بن سليمان وحديثه عند الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٤٠٦).
وخالفهما معمر فذكر في حديثه سلمة بن الأزرق بين محمد بن عمرو بن عطاء وأبي هريرة. وحديثه رواه ابن حبان (٣١٥٧).
قُلْتُ: وتابع معمراً في ذلك عبد الرحيم بن سليمان الكناني روى حديثه أبو يعلى (٦٤٠٥).
وحماد بن سلمة وحديثه رواه وابن ماجه (١٥٨٧)، وابن جريج وحديثه عند أحمد (٧٦٧٧).
ومحمد بن عبد الله بن مالك روى حديثه البزار في [مُسْنَدِه] (٨٠٤٦) حدثنا عمر بن الخطاب، قال: حدثنا حسان بن غالب، قال: حدثنا ابن لهيعة عن محمد بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سلمة بن الأزرق، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فذكره.
قُلْتُ: ابن لهيعة ضعيف، ومحمد بن عبد الله بن مالك لم يوثقه معتبر، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات".
وتابعهم أيضاً وهيب بن خالد روى حديثه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٢٢٦٣)، وأحمد (٩٢٨٢).
ورواه البزار (٨٠٤٧) وحدثنا عمر، قال: حدثنا حسان بن غالب، قال: حدثنا الليث، يعني ابن سعد عن هشام بن عروة، عن أبيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عن رسول الله ﷺ بمثله.
стр. 3206
وهذا الحديث رواه غير واحد عن هشام بن عروة، عن محمد بن عمرو عن سلمة بن الأزرق، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وأظن الليث أخطأ في إسناده، ولا نعلم أحداً تابع الليث على روايته اهـ.
ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٦٩٧٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَبْصَرَ امْرَأَةً تَبْكِي عَلَى مَيِّتٍ، فَنَهَاهَا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دَعْهَا، يَا أَبَا حَفْصٍ، فَإِنَّ النَّفْسَ مُصَابَةٌ وَالْعَيْنَ بَاكِيَةٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ».
قُلْتُ: وهذا وهم من ابن عجلان والصحيح رواية هشام بن عروة.
وهناك اختلافات أخرى كما سيأتي في كلام الحافظ الْدَارَقُطْنِي ﵀
فقد سئل ﵀ عن هذا الحديث فقال في [الْعِلَلِ] (١١/ ٢٠ - ٢٣):
«يرويه وهب بن كيسان، وإبراهيم، واختلف عنه؛ فرواه هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، واختلف عنه؛ فرواه عثمان بن مكتل، وابن جريج، ووهيب بن خالد، وحسان بن إبراهيم، ومحمد بن سعيد الْأُموي أخو يحيى، وهو أكبر منه. قال الشيخ: هم جماعة، محمد بن سعيد، ويحيى، وعبد الله، وعبيد الله، أربعة إخوة ثقات، والليث بن سعد، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي، وأبو أسامة، وإسماعيل بن عياش، وابن هشام بن عروة، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سلمة الأزرق، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
стр. 3207
وخالفهم عبد الله بن إدريس، فرواه عن هشام، عن وهب بن كيسان، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عمرو الأزرق، إنما هو سلمة بن عمرو.
ورواه وكيع، عن هشام، عن وهب بن كيسان، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وأسقط من الإسناد سلمة بن الأزرق.
وقاله عن وكيع، أحمد بن حنبل، وهارون بن إسحاق، ويوسف القطان، وعمرو بن عبد الله الأودي، وغيرهم، وخالفهم محمد بن شجاع الثلجي، عن وكيع، قال: عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ووهم في ذلك.
ورواه يزيد بن هارون، عن شيخ له لم يسمه، عن هشام، عن وهب بن كيسان، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وأسقط من الإسناد رجلين.
ورواه يزيد بن سنان، عن هشام، عن عروة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ووهم في قوله عن عروة.
وأرسله حماد بن أبي سليمان، عن هشام بن عروة، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .
والصحيح عن هشام قول عثمان بن مكتل، وابن جريج، ومن تابعهما.
ورواه محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سلمة الأزرق، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، كما قال ابن جريج ومن تابعه عن هشام.
ورواه محمد بن عمرو بن حلحلة، وابن عجلان، عن وهب بن كيسان، واختلف عنه؛
فقال ابن عيينة عن ابن عجلان، عن وهب بن كيسان، عمن سمع أبا هريرة.
стр. 3208
وَقَالَ داود العطار عن ابن عجلان، عن وهب بن كيسان، عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، لم يذكر بينهما أحداً» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح في الحديث أنَّه دائر على سلمة بن الأزرق وهو مجهول الحال وهذه هي علة الحديث. والله أعلم.
قُلْتُ: وأمَّا ما رواه أحمد (٦٥٧٤، ٧٠٨٢)، والنسائي (١٨٨٠) مِنْ طَرِيْقِ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ الْمَعَافِرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ بَصُرَ بِامْرَأَةٍ لَا نَظُنُّ أَنَّهُ عَرَفَهَا، فَلَمَّا تَوَجَّهْنَا الطَّرِيقَ، وَقَفَ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيْهِ، فَإِذَا فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﵂، فَقَالَ: «مَا أَخْرَجَكِ مِنْ بَيْتِكِ يَا فَاطِمَةُ؟» قَالَتْ: أَتَيْتُ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ، فَرَحَّمْتُ إِلَيْهِمْ مَيِّتَهُمْ وَعَزَّيْتُهُمْ، فَقَالَ: «لَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى؟» قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَكُونَ بَلَغْتُهَا مَعَهُمْ، وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ فِي ذَلِكَ مَا تَذْكُرُ قَالَ: «لَوْ بَلَغْتِهَا مَعَهُمْ مَا رَأَيْتِ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه ربيعة بن سيف الراجح فيه الضعف.
٢ - وقد احتج به من قال أنَّ زيارة النساء للقبور مكروه ولا يحرم وهو إحدى الروايات عن أحمد.
وأجيب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أنَّ الحديث فيه نهي النبي ﷺ للنساء عن اتباع الجنائز والأصل في النهي التحريم، وأمَّا قول أم عطية: «وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا». فهو فهم منها والأصل ما روت لا ما رأت.
стр. 3209
الجواب الآخر: أنَّ الحديث وارد عن اتباع الجنائز لا في زيارة القبور، والمنهي عنه نهي تحريم إنَّما هو زيارة القبور.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣٤٧ - ٣٤٨): «بل إذا رخص للمرأة في الزيارة كان ذلك مظنة تكرير ذلك فتعظم فيه المفسدة ويتجدد الجزع والأذى للميت فكان ذلك مظنة قصد الرجال لهن والافتتان بهن كما هو الواقع في كثير من الْأمصار فإنَّه يقع بسبب زيارة النساء القبور من الفتنة والفواحش والفساد ما لا يقع شيء منه عند اتباع الجنائز. وهذا كله يبين أنَّ جنس زيارة النساء أعظم من جنس اتباعهن وأنَّ نهي الاتباع إذا كان نهي تنزيه لم يمنع أن يكون نهي الزيارة نهي تحريم وذلك أنَّ نهي المرأة عن الاتباع قد يتعذر لفرط الجزع كما يتعذر تسكينهن لفرط الجزع أيضاً فإذا خفف هذه القوة المقتضي لم يلزم تخفيف ما لا يقوى المقتضى فيه. وإذا عفا الله تعالى للعبد عمَّا لا يمكن تركه إلَّا بمشقة عظيمة لم يلزم أن يعفو له عما يمكنه تركه بدون هذه المشقة الواجبة» اهـ.
قُلْتُ: وذهب آخرون إلى أنَّ زيارة النساء للقبور مباحة غير مكروهة، وهي رواية عن أحمد وقد احتج هؤلاء بأدلة:
الدليل الأول: ما رواه مسلم (٩٧٧) عن بريدة قال، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا».
ومثله ما رواه مسلم (٩٧٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ».
стр. 3210
قالوا: وهذا الخطاب يتناول النساء بعمومه بل هنَّ المراد به، فإنَّه إنَّما علم نهيه عن زيارتها للنساء، دون الرجال، وهذا صريح في النسخ، لأنَّه قد صرح فيه تقدم النهي، ولا ريب في أنَّ المنهي عن زيارة القبور هو المأذون له فيها، والنساء قد نهين عنها فيتناولهنَّ الإذن.
قالوا: ومما يدل على دخول النساء في هذا ما رواه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٣٩٢)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٩٩٩) أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أنبأ أَبُو الْمُثَنَّى مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، ثنا بِسْطَامُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ يَزِيدَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، «أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَقْبَلَتْ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْمَقَابِرِ فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ قَالَتْ: "مِنْ قَبْرِ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ" فَقُلْتُ لَهَا: أَلَيْسَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؟ قَالَتْ "نَعَمْ كَانَ نَهَى ثُمَّ أَمَرَ بِزِيَارَتِهَا"».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى الترمذي (١٠٥٥) حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِحُبْشِيٍّ قَالَ: فَحُمِلَ إِلَى مَكَّةَ، فَدُفِنَ فِيهَا، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ أَتَتْ قَبْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَتْ:
وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً … مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا،
فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا … لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا،
стр. 3211
ثُمَّ قَالَتْ: «وَاللَّهِ لَوْ حَضَرْتُكَ مَا دُفِنْتَ إِلَّا حَيْثُ مُتَّ، وَلَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُكَ».
قُلْتُ: ابن جريج مدلس وقد عنعن.
وأجيب: بأنَّ قوله ﷺ : "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ" إنَّما هو صيغة خطاب للذكور، والإناث وإن دخلن فيه تغليباً فهذا حيث لا يكون دليل صريح يقتضي عدم دخولهن وأحاديث التحريم من أظهر القرائن على عدم دخولهن في خطاب الذكور.
قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ النهي إنَّما كان للنساء خاصة فغير صحيح لأنَّ قوله: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ" خطاب للذكور أصلاً ووضعاً فلا بد وأن يتناولهم وحدهم ولو كان النهي إنَّما كان للنساء خاصة لقال: كنت نهيتكن ولم يقل نهيتكم بل كان في أول الإسلام قد نهى عن زيارة القبور صيانة لجانب التوحيد وقطعاً للتعلق بالْأُموات وسداً لذريعة الشرك التي أصلها تعظيم القبور وعبادتها كما قال ابن عباس فلما تمكن التوحيد من قلوبهم واضمحل الشرك واستقر الدين أذن في زيارة يحصل بها مزيد الإيمان وتذكير ما خلق العبد له من دار البقاء فأذن حينئذ فيها فكان نهيه عنها للمصلحة وإذنه فيها للمصلحة.
وأمَّا النساء فإن هذه المصلحة وإن كانت مطلوبة منهن لكن ما يقارن زيارتهن من المفاسد التي يعلمها الخاص والعام من فتنة الأحياء وإيذاء الْأموات والفساد الذي لا سبيل إلى دفعه إلَّا بمنعهن منها أعظم مفسدة من مصلحة يسيرة تحصل يسيرة تحصل لهن بالزيارة والشريعة مبناها على تحريم الفعل إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته ورجحان هذه المفسدة لا خفاء به فمنعهن من الزيارة من
стр. 3212
محاسن الشريعة. ذكر ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٠٩ - ١١٠).
وَقَالَ ﵀ في [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١١٠):
«قالوا: وأمَّا حديث عائشة: فالمحفوظ فيه حديث الترمذي مع ما فيه وعائشة إنَّما قدمت مكة للحج، فمرت على قبر أخيها في طريقها فوقفت عليه، وهذا لا بأس به، إنَّما الكلام في قصدهن الخروج لزيارة القبور. ولو قدر أنَّها عدلت إليه وقصدت زيارته، فهي قد قالت: "لو شهدتك لما زرتك". وهذا يدل على أنَّه من المستقر المعلوم عندها: أنَّ النساء لا يشرع لهن زيارة القبور، وإلَّا لم يكن في قولها ذلك معنى. وأمَّا رواية البيهقي، وقولها: "نهى عنها ثم أمر بزيارتها" فهي من رواية بسطام بن مسلم ولو صح فهي تأولت ما تأول غيرها من دخول النساء، والحجة في قول المعصوم، لا في تأويل الراوي، وتأويله إنَّما يكون مقبولاً، حيث لا يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا قد عارضه أحاديث المنع» اهـ.
وَقَالَ شيخه شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣٤٤):
«والصحيح أنَّ النساء لم يدخلن في الإذن في زيارة القبور لعدة أوجه:
أحدها: أنَّ قوله ﷺ "فزوروها" صيغة تذكير وصيغة التذكير إنَّما تتناول الرجال بالوضع وقد تتناول النساء أيضاً على سبيل التغليب لكن هذا فيه قولان: قيل: إنَّه يحتاج إلى دليل منفصل وحينئذ فيحتاج تناول ذلك للنساء إلى دليل منفصل وقيل: إنه يحمل على ذلك عند الإطلاق وعلى هذا فيكون دخول
стр. 3213
النساء بطريق العموم الضعيف والعام لا يعارض الأدلة الخاصة المستفيضة في نهي النساء كما سنذكره إن شاء الله تعالى بل ولا ينسخها عند جمهور العلماء وإن علم تقدم الخاص على العام.
الوجه الثاني: أن يقال: لو كان النساء داخلات في الخطاب لاستحب لهن زيارة القبور كما استحب للرجال عند الجمهور؛ لأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ علل بعلة تقتضي الاستحباب وهي قوله: "فإنَّها تذكركم الآخرة" ولهذا تجوز زيارة قبور المشركين لهذه العلة كما ثبت في الصحيح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه زار قبر أمه وقال: "استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنَّها تذكركم الآخرة"».
إلى أن قال ﵀ (٢٤/ ٣٤٥):
«فلو كانت زيارة القبور مأذوناً فيها للنساء لاستحب لهن كما استحب للرجال لما فيها من الْدُعَاء للمؤمنين وتذكر الموت، وما علمنا أنَّ أحداً من الأئمة استحب لهن زيارة القبور ولا كان النساء على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين يخرجن إلى زيارة القبور كما يخرج الرجال» اهـ.
إلى أن قال ﵀ (٢٤/ ٣٤٦):
«الوجه الثالث: أن يقال: غاية ما يقال في قوله ﷺ : "فزوروا القبور" خطاب عام ومعلوم أنَّ قوله ﷺ : "من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان" هو أدل على العموم من صيغة التذكير فإنَّ لفظ: "من" يتناول الرجال والنساء باتفاق الناس وإن خالف فيه من لا يدري ما يقول. ولفظ "من" أبلغ صيغ العموم ثم قد علم بالأحاديث
стр. 3214
الصحيحة أنَّ هذا العموم لم يتناول النساء لنهي النبي ﷺ لهنَّ عن اتباع الجنائز سواء كان نهي تحريم أو تنزيه. فإذا لم يدخلن في هذا العموم فكذلك في ذلك بطريق الأولى وكلاهما من جنس واحد فإن تشييع الجنازة من جنس زيارة القبور. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ فنهى نبيه ﷺ عن الصلاة على المنافقين وعن القيام على قبورهم. وكان دليل الخطاب وموجب التعليل يقتضي أنَّ المؤمنين يصلى عليهم ويقام على قبورهم، وذلك كما قال أكثر المفسرين: هو القيام بالْدُعَاء والاستغفار وهو مقصود زيارة قبور المؤمنين فإذا كان النساء لم يدخلن في عموم اتباع الجنائز مع ما في ذلك من الصلاة على الميت فلأن لا يدخلن في زيارة القبور التي غايتها دون الصلاة عليه بطريق الأولى» اهـ.
الدليل الثاني: ما رواه البخاري (١٢٨٣)، ومسلم (٩٢٦) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: «اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي» قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ الْسُّنَنِ] (٢/ ١١١):
«قالوا: وأمَّا حديث أنس فهو حجة لنا، فإنَّه لم يقرها بل أمرها بتقوى الله التي هي فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ومن جملتها: النهي عن الزيارة، وَقَالَ لها: "اصبري" ومعلوم أنَّ مجيئها إلى القبر وبكاءها مناف للصبر فلما أبت أن تقبل منه،
стр. 3215
ولم تعرفه انصرف عنها فلما علمت أنَّه ﷺ هو الْآمر لها جاءته تعتذر إليه من مخالفة أمره. فأي دليل في هذا على جواز زيارة النساء؟.
وبعد فلا يعلم أنَّ هذه القضية كانت بعد لعنه ﷺ زائرات القبور؟ ونحن نقول: إمَّا أن تكون دالة على الجواز فلا دلالة على تأخرها عن أحاديث المنع أو تكون دالة على المنع بأمرها بتقوى الله فلا دلالة فيها على الجواز فعلى التقديرين: لا تعارض أحاديث المنع، ولا يمكن دعوى نسخها بها والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: إنَّ النبي ﷺ رأى من هذه المرأة المنكر الذي من أجله نهى النساء عن زيارة القبور فاكتفى بإنكاره ولم يتعرض للسبب الذي هو الزيارة بالإنكار اكتفاءاً منه بإنكار الأصل، وهذا كمن رأى رجلاً يزني بامرأة في مكان خالٍ فاقتصر على إنكار الزنا فلا يقال في حقه أنَّه أقر الاختلاء بها الذي هو من أسباب الزنا، وهكذا إذا رأى رجلاً عصر خمراً وشربه فأنكر عليه شرب الخمر فلا يقال: إنَّه قد أقره على العصر الذي هو من أسباب الشرب، وغير ذلك من الْأمثلة، وهذا الحديث من هذا القبيل. والله أعلم.
الدليل الثالث: ما رواه مسلم (٩٧٤) من حديث عائشة في إتيان النبي ﷺ لأهل البقيع واستغفاره لهم وفيه: قَالِتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ».
قُلْتُ: وليس فيه ذكر لزيارة النساء للقبور وهذا الذي الذكر الذي علمه النبي ﷺ لعائشة لا يدل على الأذن بالزيارة غاية ما فيه أنَّ المرأة إذا
стр. 3216
مرت بالقبور يستحب لها أن تأتي بهذا الذكر، والمرأة لا تمنع من المرور بجوار المقبرة، أو في وسطها إن كانت المقبرة في طريق سيرها ما لم تقصد الزيارة، فإذا مرت جاءت بهذا الذكر.
٣ - واحتج بحديث أم عطية أيضاً من ذهب إلى تحريم زيارة النساء للقبور. وهي رواية ثالثة عن الْإِمَام أحمد وهذا القول هو الذي نصره شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وتلميذه الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣٤٥): «وأيضاً فإنَّ الصلاة على الجنائز أوكد من زيارة القبور ومع هذا فقد ثبت في الصحيح أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ نهى النساء عن اتباع الجنائز وفي ذلك تفويت صلاتهن على الميت فإذا لم يستحب لهنَّ اتباعها لما فيها من الصلاة والثواب فكيف بالزيارة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ الْسُنَنِ] (٢/ ١١١ - ١١٢):
«وأمَّا قول أم عطية: "نهينا عن اتباع الجنائز" فهو حجة للمنع. وقولها "ولم يعزم علينا" إنَّما نفت فيه وصف النهي وهو النهي المؤكد بالعزيمة وليس ذلك شرطاً في اقتضاء لتحريم بل مجرد النهي كاف ولما نهاهن انتهين لطواعيتهن لله ولرسوله، فاستغنين عن العزيمة عليهن، وأم عطية لم تشهد العزيمة في ذلك النهي. وقد دلت أحاديث لعنة الزائرات على العزيمة فهي مثبتة للعزيمة فيجب تقديمها وبالله التوفيق» اهـ.
стр. 3217
قُلْتُ: ومما احتج به المحرمون لزيارة النساء للقبور ما رواه أحمد (٨٤٣٠، ٨٤٣٣، ٨٦٥٥)، والترمذي (١٠٥٦)، وابن ماجه (١٥٧٦) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ زَوَّارَاتِ القُبُورِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
ورواه أحمد (١٥٦٩٥)، وابن ماجه (١٥٧٤) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زُوَّارَاتِ الْقُبُورِ».
قُلْتُ: عبد الرحمن بن بهمان، وعبد الرحمن بن حسان لم يوثقهما معتبر ويشهد له ما سبق.
ورواه ابن ماجه (١٥٧٥) حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زُوَّارَاتِ الْقُبُورِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ وأبو صالح ليس هو السمان، وإنما هو مولى أم هانيء وهو ضعيف. وكلاً منهما روى عن ابن عباس وروى عنه محمد بن جحادة.
لكن قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْتَلْخِيْصِ] (٢/ ٣١٣):
«والجمهور على أن أبا صالح هو مولى أم هانئ وهو ضعيف» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤٠٣):
«وَقَالَ مسلم في "كتاب التفصيل": هذا الحديث ليس بثابت، وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه، ولا يثبت له سماع من ابن عباس» اهـ.
стр. 3218
قُلْتُ: ورواه أحمد (٢٠٣٠، ٢٦٠٣، ٢٩٨٦، ٣١١٨)، وأبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي (٢٠٤٣) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّد بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَوَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، يُحَدِّثُ - بَعْدَ مَا كَبِرَ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه أبو صالح وهو مولى أم هانئ ضعيف الحديث وفيه علة أخرى وهو أنَّه لم يسمع من ابن عباس كما سبق.
قُلْتُ: وخلاصة القول أنَّ الحديث ثابت بلفظ: "زوارات"، وأمَّا لفظ: "زائرات" فلا يثبت.
واختلف العلماء في معنى الحديث:
فقال بعضهم أنَّ النهي وارد على من أكثرن من الزيارة، وأمَّا الزيارة النادرة فمشروعة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ في [الْمُفْهِم] (٨/ ١٠٨):
«إنَّ هذا اللعن إنَّما هو للمتكثرات من الزيارة؛ لأنَّ "زوارات" للمبالغة، ويمكن أن يقال: إنَّ النساء إنَّما يمنعن من إكثار الزيارة؛ لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج، والتبرج، والشهرة، والتشبه بمن يلازم القبور لتعظيمها، ولما يخاف عليها من الصراخ، وغير ذلك من المفاسد. وعلى هذا يفرق بين الزائرات والزوارات» اهـ.
стр. 3219
والقول الثاني: أنَّ الحديث وارد في النساء الآتي يزرن المقابر وأنَّ التضعيف في كلمة: "زوارات" باعتبار كثرة الفاعلين لا كثرة الفعل.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣٥٤ - ٣٥٥): «وأمَّا القائلون بالتحريم: فيقولون قد جاء بلفظ: "الزوارات" ولفظ الزوارات قد يكون لتعددهن كما يقال: فتحت الأبواب إذ لكل باب فتح يخصه ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إذَا جَاءُوهَا وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُهَا﴾.
ومعلوم أنَّ لكل باب فتحاً واحداً. قالوا: ولأنَّه لا ضابط في ذلك بين ما يحرم وما لا يحرم واللعن صريح في التحريم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ في [الْقَوْلِ الْمُفِيْدِ] (١/ ٤٣٤):
«والتضعيف قد يحمل على كثرة الفاعلين لا على كثرة الفعل; فـ "زوارات" يعني: النساء إذا كن مئة كان فعلهن كثيراً، والتضعيف باعتبار الفاعل موجود في اللغة العربية، قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ﴾، فلما كانت الأبواب كثيرة كان فيها التضعيف; إذ الباب لا يفتح إلاَّ مرة واحدة، وأيضا قراءة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِّحَتْ﴾ ; فهي مثلها» اهـ.
القول الثالث: أنَّ زُوارات بضم الزاي فهي بمعنى زائرات، وإنمَّا تأتي للمبالغة إذا فتحت الزاي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْسِّنْدِي ﵀ في [حَاشِيَتِهِ عَلَى ابْنِ مَاجَه] (٣/ ٣٤٩):
«قال السيوطي: يضم الزاي جمع زوارة بمعنى زائرة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمنَاوِي ﵀ فِي [فَيْضِ الْقَدِيْرِ] (٥/ ٣٥٠):
стр. 3220
«بالتشديد قال الجلال المحلي في "شرح المنهاج": الدائر على ألسنة الناس ضم زاي زوارات جمع زائرة سماعاً لا قياساً» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ حَمَّادُ الْأَنْصَارِي ﵀ في [كَشْفِ الْسُتُورِ فِي نَهْيِّ الْنِّسَاءِ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ] (٨ - ٩):
«من نصر ذلك: فعلى هذا الضبط فهي بمعنى زائرات لا للمبالغة كما ظنه كثير من طلبة العلم فصيغة المبالغة بفتح الزاي لا بضمها، كما أنَّ الصيغة الدالة على النسب بالفتح أيضاً كقوله : ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وذلك معلوم عند أهل التصريف قال ابن مالك في ألفيته:
فعّال أو مِفعَال أو فعُول … بكثرة عن فاعل بديل
وَقَالَ في النسب:
ومع فاعل وفعَّال فعل … في نسب أَغنى عن اليا فقبل.
يكون معنى زوّارات القبور: ذوات زيارة القبور على أنَّ الصيغة للنسب. فاتفقت الروايتان على منع النساء من زيارة القبور مطلقاً. فعلى هذا فليس في هذه الرواية دليل على جواز زيارة النساء للقبور إن لم تتكرر، كما يقول به بعض الناس، مع أنَّ صحة رواية "زائرات" كما تقدم نص صريح في أنَّ زوّارات ليست للمبالغة. بل إمَّا أن تكون هذه الصيغة على ما تقدم من أنَّها بالضم وإمَّا أن تكون للنسب توفيقاً بين الدليلين فإنَّ الجمع بين الدليلين متى أمكن فهو أولى من طرح أحدهما أو دعوى التعارض بينهما» اهـ.
قُلْتُ: ومما احتج به المحرمون لزيارة النساء.
стр. 3221
ما رواه ابن ماجه (١٥٧٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ دِينَارٍ أَبِي عُمَرَ، عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا نِسْوَةٌ جُلُوسٌ، فَقَالَ: «مَا يُجْلِسُكُنَّ» قُلْنَ: نَنْتَظِرُ الْجِنَازَةَ، قَالَ: «هَلْ تَغْسِلْنَ» قُلْنَ: لَا، قَالَ: «هَلْ تَحْمِلْنَ»، قُلْنَ: لَا، قَالَ: «هَلْ تُدْلِينَ فِيمَنْ يُدْلِي»، قُلْنَ: لَا، قَالَ: «فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ فيه إسماعيل بن سلمان الأزرق وهو واهي الحديث، وشيخه وثقه وكيع وكذبه الخليلي.
ورواه أبو يعلى في [مُسْنَدِه] (٤٠٥٦، ٤٢٨٤) حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ الْعِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمْرَانَ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَنَازَةٍ، فَرَأَى نِسْوَةً فَقَالَ: «أَتَحْمِلْنَهُ؟»، قَالَ: «أَتَدْفُنَّهُ؟»، قُلْنَ: لَا، قَالَ: «فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ».
قُلْتُ: الحارث جهله أبو حاتم.
ورواه الخطيب في [تَارِيْخِ بِغْدَاد] (٦/ ٢٠٠) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْبَخْتَرِيِّ الرَّزَّازُ- إِمْلاءً- حدّثنا محمّد بن عبيد الله المنادي، حَدَّثَنَا أَبُو هُدْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تبع جَنَازَةً فَإِذَا هُوَ بِنِسْوَةٍ خَلْفَ الْجَنَازَةِ، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِنَّ وَهُوَ يَقُولُ: «ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ، مُفْتِنَاتِ الأَحْيَاءِ، مُؤْذِيَاتِ الأَمْوَاتِ».
قُلْتُ: أبو هدبة هو إبراهيم بن هدبة قال فيه ابن معين: «كذاب خبيث».
стр. 3222
وَقَالَ أحمد بن حنبل: «إبراهيم بن هدبة لا شيء روى أحاديث مناكير». ذكر ذلك الخطيب ﵀ في [تَارِيْخِ بِغْدَاد] (٦/ ٢٠٠).
وَقَالَ ابن أبي حاتم ﵀ في [الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (٢/ ١٤٤): «سألت أبي عن أبي هدبة فقال: كذاب» اهـ.
وَقَالَ ابن الجوزي ﵀ في [الْضُعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِين] (١/ ٥٨):
«إبراهيم بن هدبة أبو هدبة الفارسي بصري يروي عن أنس قال أحمد بن حنبل: إبراهيم بن هدبة لا شيء روى أحاديث مناكير. وَقَالَ يحيى: كذاب خبيث. وكذبه علي وأبو حاتم الرازي وَقَالَ أبو عبد الرحمن النسائي والْدَارَقُطْنِي هو متروك. وَقَالَ ابن عدي: حدث بالبواطيل. وَقَالَ ابن حبان: دجال من الدجالين لا يحل لمسلم أن يكتب حديثه ولا يذكره إلا على جهة التعجب» اهـ.
ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٢٩٨) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُؤَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي جِنَازَةٍ فَرَأَى النِّسَاءَ فَقَالَ: «أَتَحْمِلْنَهُ فِيمَنْ يَحْمِلُهُ؟» قُلْنَ: لَا قَالَ: «أَفَتُدِخُلُنَّهُ فِيمَنْ يُدْخِلُهُ؟» قُلْنَ: لَا قَالَ: «أَفَتُحْثِينَ التُّرَابَ فِيمَنْ يَحْثُو؟» قُلْنَ: لَا قَالَ: «فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ، غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ وفي سنده مبهم. وأخشى أن يرجع أن يعود الإسناد إلى الحارث.
قُلْتُ: واحتجوا أيضاً بما رواه أحمد (٦٥٧٤، ٧٠٨٢)، والنسائي (١٨٨٠) مِنْ طَرِيْقِ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ الْمَعَافِرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ بَصُرَ بِامْرَأَةٍ لَا
стр. 3223
نَظُنُّ أَنَّهُ عَرَفَهَا، فَلَمَّا تَوَجَّهْنَا الطَّرِيقَ، وَقَفَ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيْهِ، فَإِذَا فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﵂، فَقَالَ: «مَا أَخْرَجَكِ مِنْ بَيْتِكِ يَا فَاطِمَةُ؟» قَالَتْ: أَتَيْتُ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ، فَرَحَّمْتُ إِلَيْهِمْ مَيِّتَهُمْ وَعَزَّيْتُهُمْ، فَقَالَ: «لَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى؟» قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَكُونَ بَلَغْتُهَا مَعَهُمْ، وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ فِي ذَلِكَ مَا تَذْكُرُ قَالَ: «لَوْ بَلَغْتِهَا مَعَهُمْ مَا رَأَيْتِ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه ربيعة بن سيف الراجح فيه الضعف. وقد سبق الحديث.
قُلْتُ: وخلاصة القول في هذه المسألة أنَّ دليل المنع من زيارة النساء للقبور دليل صريح، وأدلة من أجاز ذلك ليست بصريحة فالراجح هو القول بمنع النساء من زيارة القبور. والله أعلم.
ويدخل في عموم النهي عن زيارة النساء للقبور قبر النبي ﷺ وصاحبيه على الصحيح من أقوال العلماء وبهذا أفتى جماعة من أهل العلم.
فقد جاء في [فَتَاوَى وَرَسَائِلِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آلَ الشَّيْخِ] (٦/ ١١٣):
«١٣٦٨ - س: زيارة النساء لقبر الرسول، والسلام عليه في القبر؟
جـ: الأصل في الأحاديث عموم النهي، فعلى القائل الدليل، ولا دليل. هذا بالنسبة إلى الزيارة.
أمَّا السلام فلا يقدر عليه، لا يتوصل الرجال ولا النساء للسلام عليه في القبر، لأنَّه لا يوصل إليه. وقيل بالمنع مطلقاً» اهـ.
وجاء في [مَجْمُوْعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (١٣/ ٣٣٣):
стр. 3224
«س: هل يجوز للنساء زيارة قبر النبي ﷺ ؟
ج: لا يجوز لهن ذلك؛ لعموم الأحاديث الواردة في نهي النساء عن زيارة القبور ولعنهن على ذلك، والخلاف في زيارة النساء لقبر النبي ﷺ مشهور ولكن تركهن لذلك أحوط وأوفق للسنة؛ لأنَّ الرسول ﷺ لم يستثن قبره ولا قبر غيره، بل نهاهن نهيا عاما، ولعن من فعل ذلك منهن، والواجب الأخذ بالتعميم ما لم يوجد نص يخص قبره بذلك وليس هناك ما يخص قبره والله ولي التوفيق» اهـ.
وفيه (١٧/ ٤١٩): «س: هل يجوز للنساء زيارة قبر النبي ﷺ ؟
ج: لا يجوز لهن ذلك لعموم الأحاديث الواردة في نهي النساء عن زيارة القبور ولعنهن على ذلك، والخلاف في زيارة النساء لقبر النبي ﷺ مشهور، ولكن تركهن لذلك أحوط وأوفق للسنة؛ لأنَّ الرسول ﷺ لم يستثن قبره ولا قبر غيره، بل نهاهن نهياً عاماً، ولعن من فعل ذلك منهن، والواجب الأخذ بالتعميم ما لم يوجد نص يخص قبره بذلك وليس هناك ما يخص قبره. والله ولي التوفيق» اهـ.
وجاء في [مَجْمُوْعِ فَتَاوِى وَرَسَائِل ابْنِ عُثَيْمِيْن] (١٧/ ٢٠٤):
«س ٥٧٢ سئل فضيلة الشيخ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: ما الفرق بين زيارة النساء لقبر النبي ﷺ وغيره؟ وهل النهي عام أم يستثنى منه قبر النبي ﵇؟
стр. 3225
فأجاب فضيلته بقوله: ليس هناك ما يدل على تخصيص قبر النبي ﵊ بإخراجه من النهي عن زيارة القبور بالنسبة للنساء، ولهذا نرى أن زيارة المرأة لقبر الرسول ﵊ كزيارتها لأي قبر آخر، والمرأة يكفيها والحمد لله أنها تسلم على النبي ﵊ في صلاتها، وإذا سلمت فإن تسليمها يبلغ النبي ﵊ أينما كانت» اهـ.
وجاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (٩/ ١٠٢ - ١٠٣):
«أمَّا بالنسبة للنساء فزيارة القبور منهن عموماً ومنها قبر النبي ﷺ منهي عنها، وليست من السنة، بل لا يجوز لهن زيارة قبره ﷺ ولا سائر القبور؛ لما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس ﵄: "أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج"، ولما رواه الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لعن زوارات القبور"، وَقَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ صحيح.
وما ثبت من قول النبي ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها" فخطاب للرجال فقط، وأذن لهم في زيارتها، لا يدخل فيه النساء لتخصيص ذلك بأحاديث لعن زائرات القبور، التي جاءت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عن ثلاثة من الصحابة ﵃، وما روي عن عائشة ﵂ في زيارة النساء للقبور منسوخ بالأحاديث الصحيحة التي ذكرت.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
следующие страницы →